٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : تحقيقاً لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك لأن واقعة اجتماع الأحزاب واشتداد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم ونزلوا على المدينة وعمل النبـي عليه السلام الخندق، كان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمنهم من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبد غير ربه فإنه كاف أمره ولا يأمن مكره فإنه قادر على كل ممكن فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم كانوا ضعفاء كما قهر الكافرين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم، وقوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } إشارة إلى ما فعل الله بهم من إرسال ريح باردة عليهم في ليلة شاتية وإرسال الملائكة وقذف الرعب في قلوبهم حتى كان البعض يلتزق بالبعض من خوف الخيل في جوف الليل والحكاية مشهورة، وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } إشارة إلى أن الله علم التجاءكم إليه ورجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداء، وهذا تقرير لوجوب الخوف وعدم جواز الخوف من غير الله فإن قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } أي الله يقضي حاجتكم وأنتم لا ترون، فإن كان لا يظهر لكم وجه الأمن فلا تلتفتوا إلى عدم ظهوره لكم لأنكم لا ترون الأشياء فلا تخافون غير الله والله بصير بما تعملون فلا تقولوا بأنا نفعل شيئاً وهو لا يبصره فإنه بكل شيء بصير وقوله: {إِذْ جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } بيان لشدة الأمر وغاية الخوف، وقيل: {مّن فَوْقِكُمْ } أي من جانب الشرق {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } من جانب الغرب وهم أهل مكة وزاغت الأبصار أي مالت عن سننها فلم تلتفت إلى العدو لكثرته {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } كناية عن غاية الشدة، وذلك لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص فيلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مجرى النفس لا يقدر المرء يتنفس ويموت من الخوف ومثله قوله تعالى: { أية : فلولا إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } تفسير : [الواقعة: 83] وقوله: {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } الألف واللام يمكن أن يكونا بمعنى الاستغراق مبالغة يعني تظنون كل ظن لأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً ويمكن أن يكون المراد ظنونهم المعهودة، لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قال عليه السلام: « حديث : ظنوا بالله خيراً » تفسير : ومن الكافر الظن السوء كما قال تعالى: { أية : ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [صۤ: 27] وقوله: { أية : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } تفسير : [النجم: 23] فإن قال قائل المصدر لا يجمع، فما الفائدة في جمع الظنون؟ فنقول لا شك في أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال ضربته سياطاً وأدبته مراراً فكأنه قال ظننتم ظناً بعد ظن أي ما ثبتم على ظن فالفائدة هي أن الله تعالى لو قال: تظنون ظناً، جاز أن يكونوا مصيبين فإذا قال: ظنوناً، تبين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها وقد يكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد مثاله إذا رأى جمع من بعيد جسماً وظن بعضهم أنه زيد وآخرون أنه عمرو وقال ثالث إنه بكر، ثم ظهر لهم الحق قد يكون الكل مخطئين والمرئي شجر أو حجر. وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مصيبين فقوله: {ٱلظُّنُونَاْ } أفاد أن فيهم من أخطأ الظن، ولو قال تظنون بالله ظناً ما كان يفيد هذا.
القرطبي
تفسير : يعني غزوة الخَنْدق والأحزاب وبني قُرَيظة، وكانت حالاً شديدة معقبة بنعمة ورخاء وغبطة، وتضمّنت أحكاماً كثيرة وآيات باهرات عزيزة، ونحن نذكر من ذلك بعون الله تعالى ما يكفي في عشر مسائل: الأولى: اختلف في أيّ سنة كانت؛ فقال ابن إسحاق: كانت في شوال من السنة الخامسة. وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك رحمه الله: كانت وقعة الخندق سنة أربع، وهي وبنو قُريظة في يوم واحد، وبين بني قريظة والنَّضير أربع سنين. قال ابن وهب وسمعت مالكاً يقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال من المدينة، وذلك قوله تعالى: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ}. قال: ذلك يوم الخندق، جاءت قريش من هاهنا واليهود من هاهنا والنَّجدية من هاهنا. يريد مالك: إن الذين جاؤوا من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم قريش وغَطَفان. وكان سببها: أن نفراً من اليهود منهم كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق وسلام بن أبي الحُقَيق وسلام بن مِشْكم وحُيَيّ بن أخْطب النضرِيّون وهَوْذة بن قيس وأبو عمار من بني وائل، وهم كلهم يهود، هم الذين حزّبوا الأحزاب وألبّوا وجمعوا، خرجوا في نفر من بني النَّضير ونَفَر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك؛ فأجابهم أهل مكة إلى ذلك، ثم خرج اليهود المذكورون إلى غَطَفَان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم؛ فخرجت قريش يقودهم أبو سفيان بن حرب، وخرجت غَطَفان وقائدهم عُيينة بن حصن بن حُذيفة بن بدر الفَزَاريّ على فَزارة، والحارث ابن عوف المُرِّي على بني مُرّة، ومسعود بن رُخَيلة على أشجع. فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتماعهم وخروجهم شاور أصحابه، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق فرضي رأيه. وقال المهاجرون يومئذٍ: سلمان منا. وقال الأنصار: سلمان منا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سلمان منّا أهل البيت»تفسير : . وكان الخندق أوّلَ مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذٍ حر. فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا؛ فعمل المسلمون في الخندق مجتهدين، ونكص المنافقون وجعلوا يتسلّلْون لِواذاً فنزلت فيهم آيات من القرآن ذكرها ابن إسحاق وغيره. وكان مَن فرغ من المسلمين من حصّته عاد إلى غيره، حتى كمل الخندق. وكانت فيه آيات بيّنات وعلامات للنبوّات. قلت: ففي هذا الذي ذكرناه من هذا الخبر من الفقه وهي: الثانية: مشاورة السلطان أصحابَه وخاصّته في أمر القتال؛ وقد مضى ذلك في «آل عمران، والنمل». وفيه التحصّن من العدوّ بما أمكن من الأسباب واستعمالها؛ وقد مضى ذلك في غير موضع. وفيه أن حفر الخندق يكون مقسوماً على الناس؛ فمن فرغ منهم عاون من لم يفرغ، فالمسلمون يدٌ على مَن سواهم؛ وفي البخاري ومسلم عن البَرَاء بن عازِب قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عنّي الغبارُ جِلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجِز بكلمات ابن رَواحة ويقول:شعر : اللَّهُمَّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صَلّينا فأنزِلنْ سكِينةً عَلَيْنَا وثَبّت الأقدام إن لاَقَيْنَا تفسير : وأما ما كان فيه من الآيات وهي: الثالثة: فروى النسائي عن أبي سكينة رجلٍ من المحرَّرين عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ المعْول ووضع ردائه ناحية الخندق وقال: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً} [الأنعام: 115] الآية؛ فَنَدَرَ ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر، فَبَرَق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بَرْقَةٌ، ثم ضرب الثانية وقال: «وَتَمَّتْ» الآية؛ فَنَدَرَ الثلث الآخر؛ فبرقت برقة فرآها سلمان، ثم ضرب الثالثة وقال: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً} [الأنعام: 115] الآية؛ فندر الثلث الباقي، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس. قال سلمان: يا رسول الله، رأيتك حين ضربت! ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ذلك يا سلمان؟» فقال: أيْ والذي بعثك بالحق يا رسول الله! قال: «فإني حين ضربت الضربة الأولى رُفعت لي مدائن كِسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعينيّ» ـ قال له من حضره من أصحابه؛ يا رسول الله، ادع الله أن يفتحها علينا ويغنِّمَنا ذراريهم ويخرّب بأيدينا بلادهم؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ «ثم ضربتُ الضربة الثانية فرُفعت لي مدائن قَيْصر وما حولها حتى رأيتها بعينيّ» ـ قالوا: يا رسول الله، ادع الله تعالى أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ «ثم ضربتُ الضربة الثالثة فرُفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعينيّ» ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: دعوا الحبشة ما وَدَعوكم واتركوا الترك ما تركوكمتفسير : . وخرجه أيضاً عن البَرَاء قال: حديث : لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفِر الخندق عرض لنا صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى ثوبه وأخذ المِعْول وقال: «باسم الله» فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ثم قال: «الله أكبر أُعْطيت مفاتيح الشام واللَّهِ إني لأبصر إلى قصورها الحمراء الآن من مكاني هذا» قال: ثم ضرب أخرى وقال: «باسم الله» فكسر ثلثاً آخر ثم قال: «الله أكبر أُعطِيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض». ثم ضرب الثالثة وقال: «باسم الله» فقطع الحجر وقال: «الله أكبر أُعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر باب صنعاء»تفسير : . صححه أبو محمد عبد الحق. الرابعة: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفر الخندق أقبلت قريش في نحو عشرة آلاف بمن معهم من كنانة وأهلِ تِهامة، وأقبلت غَطفان بمن معها من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أُحُد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى نزلوا بظهر سَلْع في ثلاثة آلاف وضربوا عسكرهم والخندق بينهم وبين المشركين، واستعمل على المدينة ابنَ أُمّ مَكْتوم ـ في قول ابن شهاب ـ وخرج عدوّ الله حُيَيّ بن أخطْب النضري حتى أتى كعب بن أسد القُرَظِيّ، وكان صاحبَ عقد بني قريظة ورئيسَهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاقده وعاهده؛ فلما سمع كعب بن أسد حُيَيّ بن أخطب أغلق دونه باب حصنه وأبى أن يفتح له؛ فقال له: افتح لي يا أخي؛ فقال له: لا أفتح لك، فإنك رجل مشؤوم، تدعوني إلى خلاف محمد وأنا قد عاقدته وعاهدته، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقاً، فلست بناقض ما بيني وبينه. فقال حُيَيّ: افتح لي حتى أكلمك وأنصرف عنك؛ فقال: لا أفعل؛ فقال: إنما تخاف أن آكل معك جشيشتك؛ فغضب كعب وفتح له؛ فقال: يا كعب! إنما جئتك بعزّ الدهر، جئتك بقريش وسادتها، وغَطَفان وقادتها؛ قد تعاقدوا على أن يستأصلوا محمداً ومن معه؛ فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام لا غيث فيه! ويحك يا حُيَيّ؟ دَعْنِي فلستُ بفاعل ما تدعوني إليه؛ فلم يزل حُيَيّ بكَعْب يَعِده ويَغُرّه حتى رجع إليه وعاقده على خِذلان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأن يسير معهم، وقال له حُيَيّ بن أخطب: إن انصرفت قريش وغَطفان دخلت عندك بمن معي من اليهود. فلما انتهى خبر كعب وحُيَيّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عُبادة وهو سيد الخزرج، وسيّد الأوْسِ سعد بن معاذ، وبعث معهما عبد الله بن رَواحة وخَوّات بن جُبير، وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : انطلقوا إلى بني قُرَيظة فإن كان ما قيل لنا حقاً فالحْنوا لنا لَحْناً ولا تَفُتُّوا في أعضاد الناس. وإن كان كذباً فاجهروا به للناس»تفسير : فانطلقوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما قيل لهم عنهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عهد له عندنا، فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه؛ وكانت فيه حدّة فقال له سعد بن عُبادة: دع عنك مشاتمتهم، فالذي بيننا وبينهم أكثر من ذلك، ثم أقبل سعد وسعد حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة المسلمين فقالا: عَضَل والقَارَة ـ يعرّضان بغدر عَضَل والقارة بأصحاب الرَّجيعِ حُبيب وأصحابه ـ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أبشروا يا معشر المسلمين» تفسير : وعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف، وأتى المسلمين عدوُّهم من فوقهم؛ يعني من فوق الوادي من قبل المشرق، ومن أسفل منهم من بطن الوادي من قبل المغرب، حتى ظنوا بالله الظنونا؛ وأظهر المنافقون كثيراً مما كانوا يسرّون، فمنهم من قال: إن بيوتنا عورة، فلننصرف إليها، فإنا نخاف عليها؛ وممن قال ذلك: أوْس بن قيظي. ومنهم من قال: يَعِدنا محمد أن يفتح كنوز كسرى وقَيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه يذهب إلى الغائط! وممن قال ذلك: مُعَتّب بن قُشير أحد بني عمرو ابن عوف. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام المشركون بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر لم يكن بينهم حَرْب إلا الرمي بالنَّبْل والحصى. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اشتدّ على المسلمين البلاء بعث إلى عُيَيْنة بن حِصن الفَزَاري، وإلى الحارث بن عوف المرِّي، وهما قائدا غَطَفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة لينصرفا بمن معهما من غَطفان ويخذلا قريشاً ويرجعا بقومهما عنهم. وكانت هذه المقالة مراوضة ولم تكن عقداً؛ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضِيا أتى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فقالا: يا رسول الله، هذا أمر تحبّه فنصنعه لك، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع، أو أمر تصنعه لنا؟ قال: «حديث : بل أمر أصنعه لكم، واللَّهِ ما أصنعه إلا أنّي قد رأيت العرب قد رمتكم عن قَوْس واحدة»تفسير : فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، واللَّهِ لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمِعوا قَطّ أن ينالوا منا ثمرة إلا شِراء أو قِرًى، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزّنا بك نعطيهم أموالنا! والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم!! فسُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: «حديث : أنتم وذاك»تفسير : . وقال لعيينة والحارث: «حديث : انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف»تفسير : . وتناول سعد الصحيفة وليس فيها شهادة فمحاها. الخامسة: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون على حالهم، والمشركون يحاصرونهم ولا قتال بينهم؛ إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد وُدّ العامريّ من بني عامر بن لُوَيّ، وعِكرمة بن أبي جهل، وهُبَيرة بن أبي وهب، وضِرار بن الخطاب الفهريّ، وكانوا فرسان قريش وشجعانهم، أقبلوا حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: إن هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمموا مكاناً ضيقاً من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمت بهم، وجاوزوا الخندق وصاروا بين الخندق وبين سَلْع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثُّغرة التي اقتحموا منها، وأقبلت الفرسان نحوهم، وكان عمرو بن عبد ودّ قد أثبتته الجراح يوم بَدْر فلم يشهد أُحُداً، وأراد يوم الخندق أن يُري مكانُه فلما وقف هو وخيله؛ نادى: من يبارز؟ فبرز له عليّ بن أبي طالب وقال له: يا عمرو، إنك عاهدت الله فيما بلغنا أنك لا تُدْعَى إلى إحدى خَلّتين إلا أخذت إحداهما؟ قال: نعم. قال: فإني أدعوك إلى الله والإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فأدعوك إلى البراز. قال: يا ابن أخي، والله ما أحبّ أن أقتلك لما كان بيني وبين أبيك. فقال له عليّ: وأنا والله أحبّ أن أقتلك. فحَمِى عمرو بن عبد وُدّ ونزل عن فرسه، فعقره وصار نحو عليّ، فتنازلا وتجاولا وثار النقع بينهما حتى حال دونهما، فما انجلى النَّقْع حتى رُئِيَ عليّ على صدر عمرو يقطع رأسه، فلما رأى أصحابُه أنه قد قتله عليّ اقتحموا بخيلهم الثُّغْرة منهزمين هاربين. وقال عليّ رضي الله عنه في ذلك:شعر : نصر الحجارةَ من سفاهة رأيهِ ونصرتُ دِينَ محمد بِضراب نازلته فتركته متجدِّلا كالجِذْع بين دَكادكٍ ورَوَابي وعففتُ عن أثوابه ولو أنني كنت المقطَّرَ بَزَّنِي أثوابي لا تحسِبُنّ الله خاذلَ دينه ونبيِّه يا معشر الأحزاب تفسير : قال ابن هشام: أكثر أهل العلم بالسير يشك فيها لعليّ. قال ابن هشام: وألقى عِكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذٍ وهو منهزم عن عمرو؛ فقال حسان بن ثابت في ذلك:شعر : فرّ وألقَى لنا رُمْحَه لعلّك عِكرِمَ لم تَفْعلِ وولّيت تَعْدُو كعَدْوِ الظَّلِـ ـيم ما إن تجور عن المَعْدِلِ ولم تُلق ظهرك مستأنساً كأن قَفاك قَفَا فُرْعُل تفسير : قال ابن هشام: فرعل صغير الضباع. وكانت عائشة رضي الله عنها في حصن بني حارثة، وأُمُّ سعد بن معاذ معها، وعلى سعد درع مُقَلِّصة قد خرجت منها ذراعه، وفي يده حربته وهو يقول:شعر : لَبِّثْ قليلاً يلحق الهَيْجَا جَمَلْ لا بأس بالموت إذا كان الأجَلْ تفسير : ورُمي يومئذٍ سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل. واختلف فيمن رماه؛ فقيل: رماه حِبّان بن قيس ابن العَرِقة، أحد بني عامر بن لؤيّ، فلما أصابه قال له: خذها وأنا ابن العَرِقة. فقال له سعد؛ عرّق الله وجهك في النار. وقيل: إن الذي رماه خفاجة بن عاصم بن حبان. وقيل: بل الذي رماه أبو أسامة الجُشَمِيّ، حليف بني مخزوم. ولحسان مع صفية بنت عبد المطلب خبر طريف يومئذٍ؛ ذكره ابن إسحاق وغيره. قالت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها: كنا يوم الأحزاب في حِصن حسان بن ثابت، وحسان معنا في النساء والصبيان، والنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في نحر العدوّ لا يستطيعون الانصراف إلينا، فإذا يهوديّ يدور، فقلت لحسان: انزل إليه فاقتله؛ فقال: ما أنا بصاحب هذا يا ابنة عبد المطلب! فأخذت عموداً ونزلت من الحصن فقتلته، فقلت: يا حسان، انزل فاسلبه، فلم يمنعني من سَلَبه إلا أنه رجل. فقال: مالي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب! قال: فنزلت فسلبته. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد أنكر هذا عن حسان جماعة من أهل السِّيَر وقالوا: لو كان في حسان من الجبن ما وصفتم لهجاه بذلك الذين كان يهاجيهم في الجاهلية والإسلام، ولَهُجِيَ بذلك ابنه عبد الرحمن؛ فإنه كان كثيراً ما يهاجي الناس من شعراء العرب؛ مثل النجاشي وغيره. السادسة: حديث : وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعيّ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي، فمُرْني بما شئت؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت رجل واحد من غَطَفان فلو خرجتَ فخذّلت عنّا إن استطعت كان أحبّ إلينا من بقائك معنا فاخرج فإن الحرب خدعة»تفسير : . فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قُريظة ـ وكان ينادمهم في الجاهلية ـ فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم وِدّي إياكم، وخاصّة ما بيني وبينكم؛ قالوا: قل فلستَ عندنا بمتَّهَم؛ فقال لهم: إن قريشاً وغَطَفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وإن قريشاً وغَطَفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه فإن رأوا نُهْزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحِقوا ببلادهم وخلّوْا بينكم وبين الرجل، ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً. ثم خرج حتى أتى قريشاً فقال لهم: قد عرفتم وِدّي لكم معشرَ قريش، وفراقي محمداً، وقد بلغني أمرٌ أرى من الحق أن أبلِّغكموه نصحاً لكم، فاكتموا عليّ؛ قالوا نفعل؛ قال: تعلمون أن معشر يهودَ، قد نَدِموا على ما كان من خذلانهم محمداً، وقد أرسلوا إليه: إنا قد نَدِمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وغَطَفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على ما بقي منهم حتى نستأصلهم. ثم أتى غَطَفان فقال مثل ذلك. فلما كان ليلة السبت وكان ذلك من صنع الله عز وجل لرسوله والمؤمنين، أرسل أبو سفيان إلى بني قُرَيظة عِكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان يقول لهم: إنا لسنا بدار مُقام، قد هلك الخُفّ والحافر، فاغدوا صبيحة غدٍ للقتال حتى نناجز محمداً؛ فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما نال منّا مَن تعدّى في السبت، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُناً؛ فلما رجع الرسول بذلك قالوا: صَدَقنا واللَّهِ نعيم بن مسعود؛ فردّوا إليهم الرسل وقالوا: والله لا نعطيكم رهناً أبداً فاخرجوا معنا إن شئتم وإلا فلا عهد بيننا وبينكم. فقال بنو قريظة: صدق واللَّهِ نعيم بن مسعود. وخذل الله بينهم، واختلفت كلمتهم، وبعث الله عليهم رِيحاً عاصفاً في ليالٍ شديدة البرد؛ فجعلت الريح تقلب آنيتهم وتكفَأ قدورهم. السابعة: فلما اتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم اختلاف أمرهم، بعث حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبرهم، فأتاهم واستتر في غمارهم، وسمع أبا سفيان يقول: يا معشر قريش ليتعرّف كل امرىء جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد جليسي وقلت: ومن أنت؟ فقال: أنا فلان. ثم قال أبو سفيان: ويلكم يا معشر قريش! إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخُفّ وأخلفتنا بنو قُريظة، ولقينا من هذه الريح ما ترون، ما يستمسك لنا بناء، ولا تثبت لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، فارتحلوا فإني مرتحل؛ ووثب على جمله فما حلّ عقال يده إلا وهو قائم. قال حذيفة: ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لي إذ بعثني، قال لي: «حديث : مُرّ إلى القوم فاعلم ما هم عليه ولا تحدِث شيئاً» تفسير : ـ لقتلته بسهم؛ ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رحيلهم، فوجدته قائماً يصلّي في مِرْطٍ لبعض نسائه مراجل ـ قال ابن هشام: المراجل ضرب من وَشْي اليمن ـ فأخبرته فحمِد الله. قلت: وخبر حذيفة هذا مذكور في صحيح مسلم، وفيه آيات عظيمة، رواه جرير عن الأعمش حديث : عن إبراهيم التيمِيّ عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال رجل لو أدركتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتَلْت معه وأبلَيْت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك! لقد رأيتُنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقرّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألاَ رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟» فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: «ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟» فسكتنا فلم يجبه أحد. فقال: «قم يا حذيفة فأتنا خبر القوم» فلم أجد بُدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: «اذهب فأتني بخبر القوم ولا تَذْعَرْهم عليّ» قال: فلما وَلّيت من عنده جعلت كأنما أمشي في حَمّام حتى أتيتهم؛ فرأيت أبا سفيان يَصْلِي ظهره بالنار، فوضعت سهماً في كَبِد القَوس فأردت أن أرْمِيَه، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَلا تَذْعَرْهم عليّ» ولو رميته لأصبته: فرجعت وأنا أمشي في مثل الحَمّام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغتُ قُرِرت، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلّي فيها، فلم أزل نائماً حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: «قم يا نَوْمَان»تفسير : . ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذهب الأحزاب، رجع إلى المدينة ووضع المسلمون سلاحهم، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم في صورة دِحْيَة بن خليفة الكلبيّ، على بغلة عليها قطيفة ديباج فقال له: يا محمد، إن كنتم قد وضعتم سلاحكم فما وضعت الملائكة سلاحها. إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قُريظة، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم حصونهم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: الثامنة: منادياً فنادى: لا يصلّيَنّ أحد العصر إلا في بني قُريظة؛ فتخوّف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قُريظة. وقال آخرون: لا نصلّي العصر إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت. قال: فما عنّف واحداً من الفريقين. وفي هذا من الفقه تصويب المجتهدين. وقد مضى بيانه في «الأنبياء». وكان سعد بن معاذ إذْ أصابه السهم دعا ربه فقال: اللّهُم إن كنت أبقيْتَ من حرب قريش فأبقني لها؛ فإنه لا قوم أحب أن أجاهدهم من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه. اللَّهُمَّ وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تُمِتْني حتى تقرّ عيني في بني قُريظة. وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغني أن سعد بن معاذ مَرّ بعائشة رضي الله عنها ونساءٍ معها في الأَطُم (فارع)، وعليه دِرع مُقَلِّصة مشمرّ الكُمّين، وبه أثر صفرة وهو يرتجز:شعر : لَبِّثْ قليلاً يُدْرك الهَيْجَا جَمَلْ لا بأس بالموت إذا حان الأَجَلْ تفسير : فقالت عائشة رضي الله عنها: لست أخاف أن يصاب سعد اليوم إلا في أطرافه؛ فأصيب في أَكْحَله. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رجلاً أجمل من سعد ابن معاذ حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأصيب في أكحله ثم قال: اللهم إن كان حرب قُريظة لم يبق منه شيء فاقبضني إليك، وإن كان قد بقيت منه بقية فأبقني حتى أجاهد مع رسولك أعداءه؛ فلما حُكّم في بني قُريظة تُوُفِّيَ؛ ففرح الناس وقالوا: نرجو أن يكون قد استجيبت دعوته. التاسعة: ولما خرج المسلمون إلى بني قُريظة أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية عليّ بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أمّ مَكْتوم، ونهض عليّ وطائفة معه حتى أتوا بني قريظة ونازلوهم، فسمعوا سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم، فانصرف عليّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله، لا تبلغ إليهم، وعَرّض له. فقال له: «حديث : أظنك سمعت منهم شتمي. لو رأوني لكفُّوا عن ذلك»تفسير : ونهض إليهم فلما رأوه أمسكوا. فقال لهم: «حديث : نقضتم العهد يا إخوة القرود أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته» تفسير : فقالوا: ما كنت جاهلاً يا محمد فلا تجهل علينا؛ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة. وعرض عليهم سيّدُهم كعب ثلاثَ خصال ليختاروا أيّها شاؤوا: إما أن يُسلموا ويتبعوا محمداً على ما جاء به فيسلَموا. قال: وتحرزوا أموالكم ونساءكم وأبناءكم، فوالله إنكم لتعلمون أنه الذي تجدونه مكتوباً في كتابكم. وإما أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ثم يتقدموا؛ فيقاتلون حتى يموتوا من آخرهم. وإما أن يبيّتوا المسلمين ليلة السبت في حين طمأنينتهم فيقتلوهم قتلاً. فقالوا له: أما الإسلام فلا نُسلم ولا نخالف حكم التوراة، وأما قتل أبنائنا ونسائنا فما جزاؤهم المساكين منا أن نقتلهم، ونحن لا نتعدّى في السبت. ثم بعثوا إلى أبي لُبابة، وكانوا حلفاء بني عمرو بن عوف وسائر الأوْس، فأتاهم فجمعوا إليه أبناءهم ونساءهم ورجالهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم، ـ وأشار بيده إلى حَلْقه ـ إنه الذبح إن فعلتم. ثم ندم أبو لبابة في الحين، وعلم أنه خان الله ورسوله، وأنه أمرٌ لا يستره الله عليه عن نبيّه صلى الله عليه وسلم. فانطلق إلى المدينة ولم يرجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فربط نفسه في سارِية وأقسم ألا يبرح من مكانه حتى يتوب الله عليه فكانت امرأته تَحُلّه لوقت كل صلاة. قال ابن عُيينة وغيره: فيه نزلت {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ} تفسير : [الأنفال: 27] الآية. وأقسم ألاّ يدخل أرض بني قُريظة أبداً مكاناً أصاب فيه الذنب. فلما بلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم مِن فعل أبي لُبابة قال: «حديث : أما إنه لو أتاني لاستغفرت له وأمّا إذْ فعل ما فعل فلا أطلقه حتى يطلقه الله تعالى»تفسير : فأنزل الله تعالى في أمر أبي لبابة: {أية : وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} تفسير : [التوبة: 102] الآية. فلما نزل فيه القرآن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقه، فلما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثب الأوْس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، وقد علمتَ أنهم حلفاؤنا، وقد أسعفت عبد الله بن أبَيّ بن سلول في بني النَّضِير حلفاء الخَزْرج، فلا يكن حظُّنا أوْكَس وأنقص عندك من حَظّ غيرنا، فهم موالينا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معشر الأوس ألاَ ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ـ قالوا بلى. قال ـ: ـ فذلك إلى سعد بن معاذ»تفسير : . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب له خيمة في المسجد، ليعوده من قريب في مرضه من جرحه الذي أصابه في الخندق. فحكم فيهم بأن تُقتل المقاتِلة، وتُسْبَى الذرية والنساء، وتقسم أموالهم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة»تفسير : . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجوا إلى موضع بسوق المدينة اليوم ـ زمن ابن إسحاق ـ فخندق بها خنادق، ثم أمر عليه السلام فضربت أعناقهم في تلك الخنادق، وقتل يومئذٍ حييّ بن أخْطب وكعب بن أسد، وكانا رأس القوم، وكانوا من الستمائة إلى السبعمائة. وكان على حُيَيّ حُلّة فُقّاحِيّة قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة، أنملة أنملة لئلا يُسْلبَها. فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتي به ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل قال: أمَا والله ما لُمتُ نفسي في عداوتك.شعر : ولـكـنـه مـن يـخـذل الله يـخـذل تفسير : ثم قال: يا أيها الناس، لا بأس بأمر الله كتاب وقَدَر ومَلْحمة كُتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. وقتل من نسائهم امرأة، وهي بُنانة امرأة الحكم القُرَظِيّ التي طرحت الرّحَى على خَلاّد بن سُويد فقتلته. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كل من أنبت منهم وترك من لم يُنبت. وكان عطية القُرَظِيّ ممن لم ينبت، فاستحياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مذكور في الصحابة. ووَهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شمّاس ولدَ الزّبِير بن باطا فاستحياهم؛ منهم عبد الرحمن بن الزّبير أسلم وله صحبة. وَوَهَب أيضاً عليه السلام رفاعة بن سَمَوْءل القرظي لأم المنذر سلمى بنت قيس، أخت سلَيط بن قيس من بني النجار، وكانت قد صلّت إلى القبلتين؛ فأسلم رفاعة وله صحبة ورواية. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال: أتى ثابت بن قيس بن شمّاس إلى ابن باطا ـ وكانت له عنده يد ـ وقال: قد استوهبتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدك التي لك عندي، قال: ذلك يفعل الكريم بالكريم، ثم قال: وكيف يعيش رجل لا ولد له ولا أهل؟ قال: فأتى ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأعطاه أهله وولده؛ فأتى فأعلمه فقال: كيف يعيش رجل لا مال له؟ فأتى ثابت النبيّ صلى الله عليه وسلم فطلبه فأعطاه ماله، فرجع إليه فأخبره؛ قال: ما فعل ابن أبي الحُقَيق الذي كأن وجهه مرآة صينية؟ قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان، يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قُريظة؟ قال: قتلوا. قال: فما فعلت الفئتان؟ قال: قتلتا. قال: برئت ذمتك، ولن أصبّ فيها دلواً أبداً، يعني النخل، فألحقني بهم، فأبى أن يقتله فقتله غيره. واليد التي كانت لابن باطا عند ثابت أنه أسره يوم بُعاث فجز ناصيته وأطلقه. العاشرة: وقسم صلى الله عليه وسلم أموال بني قُريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً. وقد قيل: للفارس سهمان وللراجل سهم. وكانت الخيل للمسلمين يومئذٍ ستة وثلاثين فرساً. ووقع للنبي صلى الله عليه وسلم من سَبْيهم ريحانة بنت عمرو بن جنافة أحد بني عمرو بن قُريظة، فلم تزل عنده إلى أن مات صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن غَنيمة قريظة هي أوّل غنيمة قسم فيها للفارس والراجل، وأوّل غنيمة جعل فيها الخُمس. وقد تقدّم أن أوّل ذلك كان في بعث عبد الله بن جَحْش؛ فالله أعلم. قال: أبو عمر: وتهذيب ذلك أن تكون غنيمة قريظة أوّلَ غنيمة جرى فيها الخمس بعد نزول قوله: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} تفسير : [الأنفال: 41] الآية. وكان عبد الله بن جَحش قد خمّس قبل ذلك في بعثه، ثم نزل القرآن بمثل ما فعله؛ وكان ذلك من فضائله رحمة الله عليه. وكان فتح قريظة في آخر ذي القعدة وأوّل ذي الحجة من السنة الخامسة من الهجرة. فلما تمّ أمر بني قريظة أجيبت دعوة الرجل الفاضل الصالح سعد بن معاذ، فانفجر جرحه، وانفتح عرقه، فجرى دمه ومات رضي الله عنه. وهو الذي أتى الحديث فيه: «حديث : اهتَزّ لموته عَرْشُ الرّحمن» تفسير : يعني سكان العرش من الملائكة فرِحوا بقدوم روحه واهتزُّوا له. وقال ابن القاسم عن مالك: حدّثني يحيـى بن سعيد قال: لقد نزل لموت سعد بن معاذ سبعون ألف ملَك، ما نزلوا إلى الأرض قبلها. قال مالك: ولم يستشهد يوم الخَنْدق من المسلمين إلا أربعة أو خمسة. قلت: الذي اسْتُشْهِد يوم الخندق من المسلمين ستةُ نفرٍ فيما ذكر أهل العلم بالسِّيَر: سعد بن معاذ أبو عمرو من بني عبد الأشهل، وأنس بن أوْس بن عتيك، وعبد الله بن سهل، وكلاهما أيضاً من بني عبد الأشهل، والطّفيل بن النعمان، وثعلبة بن غَنَمَة، وكلاهما من بني سلمة، وكعب بن زيد من بني دينار بن النجار، أصابه سَهْمٌ غَرْبٌ فقتله، رضي الله عنهم. وقتل من الكفار ثلاثة: منبّه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم مات منه بمكة. وقد قيل: إنما هو عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق. ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، اقتحم الخندق فتورّط فيه فقتِل، وغلب المسلمون على جسده؛ حديث : فروي عن الزهري أنهم أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جسده عشرة آلاف درهم فقال: «لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه» فخلّى بينهم وبينهتفسير : . وعمرو بن (عبد) ودّ الذي قتله عليٌّ مبارزة، وقد تقدّم. واستشهد يوم قُريظة من المسلمين خَلاْد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو من بني الحارث بن الخزرج؛ طرحت عليه امرأةٌ من بني قُريظة رحى فقتلته. ومات في الحصار أبو سنان ابن مِحْصَن بن حُرْثان الأسدي، أخو عُكاشة بن مِحْصَن، فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقبرة بني قُريظة التي يتدافن فيها المسلمون السكان بها اليوم. ولم يُصب غير هذين، ولم يغزُ كفارُ قريش المؤمنين بعد الخندق. وأسند الدارِمِيّ أبو محمد في مسنده: أخبرنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذِئب عن المَقْبُرِيّ عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْرِيّ عن أبيه قال: حُبسنا يوم الخندق حتى ذهب هَوِيّ من الليل حتى كفينا؛ وذلك قول الله عز وجل: {أية : وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}تفسير : [الأحزاب: 25] فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام فصلّى الظهر فأحسن كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر فصلاّها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاّها، ثم أمره فأقام العشاء فصلاّها، وذلك قبل أن ينزل: {أية : فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}تفسير : [البقرة: 239] خرّجه النسائي أيضاً. وقد مضت هذه المسألة في «طه». وقد ذكرنا في هذه الغَزاة أحكاماً كثيرة لمن تأملها في مسائل عشر. ثم نرجع إلى أوّل الآي وهي تسع عشرة آية تضمّنت ما ذكرناه. قوله تعالى: {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} يعني الأحزاب. {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} قال مجاهد: هي الصَّبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم. قال: والجنود الملائكة ولم تقاتل يومئذٍ. وقال عِكْرمة: قالت الجَنوب للشَّمال ليلة الأحزاب: انطلقي لنصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت الشَّمال: إن مَحْوَةَ لا تسرِي بليل. فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصَّبا. وروى سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نُصرت بالصَّبا وأهلِكت عادٌ بالدَّبور»تفسير : . وكانت هذه الريح معجزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريباً منها، لم يكن بينهم وبينها إلا عرض الخندق، وكانوا في عافية منها، ولا خبر عندهم بها. {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وقرىء بالياء؛ أي لم يرها المشركون. قال المفسرون: بعث الله تعالى عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرُّعْب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر؛ حتى كان سيَّدُ كل خباء يقول: يا بني فلان هُلُمّ إليّ فإذا اجتمعوا قال لهم: النّجاءَ النّجاءَ؛ لما بعث الله تعالى عليهم من الرعب. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } وقرىء: «يعملون» بالياء على الخبر، وهي قراءة أبي عمرو. الباقون بالتاء؛ يعني من حفر الخندق والتحرز من العدوّ.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن نعمته وفضله وإِحسانه إِلى عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم، وهزمه إِياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا، وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور. وقال موسى بن عقبة وغيره: كان في سنة أربع. وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفراً من أشراف يهود بن النضير الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إِلى خيبر، منهم سلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، خرجوا إِلى مكة، فاجتمعوا بأشراف قريش، وألبوهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إِلى ذلك، ثم خرجوا إِلى غطفان، فدعوهم فاستجابوا لهم أيضاً، وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها، وقائدها أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم، أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة ممايلي الشرق، وذلك بإِشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وحفر، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات. وجاء المشركون، فنزلوا شرقي المدينة قريباً من أحد، ونزلت طائفة منهم أعالي أرض المدينة، كما قال الله تعالى: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، وهم نحو ثلاثة آلاف، وقيل: سبعمائة، فأسندوا ظهورهم إِلى سلع، ووجوههم إِلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم، يحجب الخيالة والرجالة أن تصل إِليهم، وجعل النساء والذراري في آطام المدينة، وكانت بنو قريظة، وهم طائفة من اليهود لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي صلى الله عليه وسلم وذمة، وهم قريب من ثمانمائة مقاتل، فذهب إِليهم حيي بن أخطب النضري، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد، ومالؤا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم الخطب، واشتد الأمر، وضاق الحال؛ كما قال الله تبارك وتعالى: {هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} ومكثوا محاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قريباً من شهر، إِلا أنهم لا يصلون إِليهم، ولم يقع بينهم قتال، إِلا أن عمرو بن عبد ودّ العامري، وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية، ركب ومعه فوارس، فاقتحموا الخندق، وخلصوا إِلى ناحية المسلمين، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيل المسلمين إِليه، فيقال: إِنه لم يبرز أحد، فأمر علياً رضي الله عنه، فخرج إِليه، فتجاولا ساعة، ثم قتله علي رضي الله عنه، فكان علامة النصر. ثم أرسل الله عز وجل على الأحزاب ريحاً شديدة الهبوب قوية، حتى لم يبق لهم خيمة ولا شيء، ولا توقد لهم نار، ولا يقر لهم قرار، حتى ارتحلوا خائبين خاسرين؛ كما قال الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً} قال مجاهد: وهي الصبا، ويؤيده الحديث الآخر: «حديث : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» تفسير : وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال: إِن الحرة لا تسري بالليل، قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا. ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، عن داود عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، فذكره. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا يونس حدثنا ابن وهب، حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون رضي الله عنه ليلة الخندق في برد شديد وريح إِلى المدينة، فقال: أئتنا بطعام ولحاف، قال: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي، وقال: «حديث : من أتيت من أصحابي، فمرهم يرجعوا» تفسير : قال: فذهبت والريح تسفي كل شيء، فجعلت لاألقى أحداً إِلا أمرته بالرجوع إِلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: فما يلوي أحد منهم عنقه، قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه علي، وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي، فأبعدها إِلى الأرض. وقوله: {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} هم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إِلي، فيجتمعون إِليه، فيقول: النجاء، النجاء؛ لما ألقى الله عز وجل في قلوبهم من الرعب. وقال محمد بن إِسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه: ياأبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يابن أخي قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة رضي الله عنه: يابن أخي والله لو رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوياً من الليل، ثم التفت فقال: «حديث : من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ ــــ يشترط له النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع ــــ أدخله الله الجنة» تفسير : قال: فما قام رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوياً من الليل، ثم التفت إِلينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوياً من الليل، ثم التفت إِلينا فقال: «حديث : من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع؟ ــــ يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة ــــ أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة» تفسير : فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ياحذيفة اذهب فادخل في القوم، فانظر ما يفعلون، ولا تحدثنَّ شيئاً حتى تأتينا».تفسير : قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله عز وجل تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قراراً ولا ناراً ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر كل امرىء مَنْ جليسُه، قال حذيفة رضي الله عنه: فأخذت بيد الرجل إِلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يامعشر قريش إِنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر، ولاتقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإِني مرتحل، ثم قام إِلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إِلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلي أن لاتحدث شيئاً حتى تأتيني لو شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة رضي الله عنه: فرجعت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل، فلما رآني، أدخلني بين رجليه، وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد، وإِني لفيه، فلما سلم، أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إِلى بلادهم. وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن إِبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فقال له رجال: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت، فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة» تفسير : فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله، ثم قال صلى الله عليه وسلم «حديث : ياحذيفة قم فأتنا بخبر من القوم» تفسير : فلم أجد بداً إِذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: «حديث : ائتني بخبر القوم، ولاتذعرهم علي» تفسير : قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فإِذا أبو سفيان يَصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهماً في كبد قوسي، وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تذعرهم عليَّ، ولو رميته لأصبته، قال: فرجعت كأنما أمشي في حمام، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى الصبح، فلما أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قم يانَوْمان».تفسير : ورواه يونس بن بكير عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: إِن رجلاً قال لحذيفة رضي الله عنه: نشكو إِلى الله صحبتكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إِنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره، فقال حذيفة رضي الله عنه: ونحن نشكو إِلى الله إِيمانكم به ولم تروه، والله لا تدري يابن أخي لو أدركته كيف كنت تكون؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة، ثم ذكر نحو ما تقدم مطولاً. وروى بلال بن يحيى العبسي عن حذيفة رضي الله عنه نحو ذلك أيضاً، وقد أخرج الحاكم والبيهقي في "الدلائل" من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز بن أخي حذيفة قال: ذكر حذيفة رضي الله عنه مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جلساؤه: أما والله لو شاهدنا ذلك، كنا فعلنا وفعلنا، فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعوداً، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة لليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا قط أشد ظلمة ولا أشد ريحاً، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إِن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إِلا أذن له، ويأذن لهم فيتسللون، ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك، إِذ استقبلنا رسول الله رجلاً رجلاً، حتى أتى علي، وما علي جنة من العدو ولا من البرد إِلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، قال: فأتاني صلى الله عليه وسلم وأنا جاث على ركبتي، فقال: «حديث : من هذا؟» تفسير : فقلت: حذيفة. قال: «حديث : حذيفة؟» تفسير : قتقاصرت الأرض، فقلت: بلى يارسول الله؛ كراهية أن أقوم، فقمت فقال: «حديث : إِنه كائن في القوم خبر، فأتني بخبر القوم» تفسير : قال: وأنا من أشد الناس فزعاً وأشدهم قُرّاً. قال: فخرجت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته» تفسير : قال: فوالله ما خلق الله تعالى فزعاً ولا قرّاً في جوفي إِلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئاً، قال: فلما وليت، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئاً حتى تأتيني» تفسير : قال: فخرجت حتى إِذا دنوت من عسكر القوم، نظرت في ضوء نار لهم توقد، فإِذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته، ويقول: الرحيل الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهماً من كنانتي أبيض الريش، فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تحدثن فيهم شيئاً حتى تأتيني» تفسير : قال: فأمسكت، ورددت سهمي إِلى كنانتي، ثم إِني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإِذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل الرحيل، لا مقام لكم. وإِذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبراً، فوالله إِني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفَرَسَتْهم، الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت في الطريق، أو نحواً من ذلك، إِذ أنا بنحو من عشرين فارساً أو نحو ذلك معتمين، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم، فرجعت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملة يصلي، فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر، وجعلت أقرقف، فأومأ إِلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وهو يصلي، فدنوت منه، فأسبل عليّ شملة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا حزبه أمر، صلى، فأخبرته خبر القوم، وأخبرته أني تركتهم يرتحلون، وأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ تَعْمَلُونَ بَصِيراً} وأخرج أبو داود في سننه منه: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا حزبه أمر صلى، من حديث عكرمة بن عمار به. وقوله تعالى: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} أي: الأحزاب، {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} تقدم عن حذيفة رضي الله عنه أنهم بنو قريظة، {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} أي: شدة الخوف والفزع، {ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} قال ابن جرير: ظن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك. وقال محمد بن إِسحاق في قوله تعالى: {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إِلى الغائط. وقال الحسن في قوله عز وجل: {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عاصم الأنصاري، حدثنا أبو عامر، (ح) وحدثنا أبي، حدثنا أبو عامرالعقدي، حدثنا الزبير، يعني: ابن عبد الله مولى عثمان رضي الله عنه، عن رُتيج بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قلنا يوم الخندق: يارسول الله هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا» تفسير : قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالريح. وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلِيماً يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ } من الكفار متحزبون أيام حفر الخندق {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } من الملائكة {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } بالتاء من حفر الخندق، و(يعملون) بالياء من تحزيب المشركين {بَصِيراً }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} قال ابن عباس يعني يوم الأحزاب حين أنعم الله عليهم بالصبر ثُم بالنصر. {إِذْ جَآءَتْكُم جُنُودٌ} قال مجاهد: جنود الأحزاب أبو سفيان وعيينة بن حصين وطلحة بن خويلد وأبو الأعور السلمي وبنو قريظة. {فَأرْسَلْنَا عَلَيِهِمْ رِيحاً} قال مجاهد: هي الصَّبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم وروى ابن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نُصِرْتُ بِالصّبَا وأُهْلِكَت عَادٌ بِالدَّبُورِ" تفسير : وكان من دعائه يوم الأحزاب "حديث : اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَورَتَنَا وَآمِن رَوْعَتَنَا" تفسير : فضرب الله وجوه أعدائه بريح الصَبا. {وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا} قال مجاهد وقتادة: هم الملائكة. وفي ما كان منهم أربعة أقاويل: أحدها: تفريق كلمة المشركين وإقعاد بعضهم عن بعض. الثاني: إيقاع الرعب في قلوبهم، حكاه ابن شجرة. الثالث: تقوية نفوس المسلمين من غير أن يقاتلوا معهم وأنها كانت نصرتهم بالزجر حتى جاوزت بهم مسيرة ثلاثة أيام فقال طلحة بن خويلد: إن محمداً قد بدأكم بالسحر فالنجاة النجاة. {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} يعني من حفر الخندق والتحرز من العدو. قوله تعالى: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} يعني من فوق الوادي وهو أعلاه من قبل المشرق، جاء منه عوف بن مالك في بني نضر، وعيينة بن حصين في أهل نجد، وطلحة بن خويلد الأسدي في بني أسد. {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} يعني من بطن الوادي من قبل المغرب أسفل أي تحتاً من النبي صلى الله عليه وسلم، جاء منه أبو سفيان بن حرب على أهل مكة، ويزيد بن جحش على قريش، وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة مع عامر بن الطفيل من وجه الخندق. {وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ} فيه وجهان: أحدهما: شخصت. الثاني: مالت: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبِ الْحَنَاجِرَ} أي زالت عن أماكنها حتى بلغت القلوب الحناجر وهي الحلاقيم واحدها حنجرة. وقيل إنه مثل مضروب في شدة الخوف ببلوغ القلوب الحناجر وإن لم تزل عن أماكنها مع بقاء الحياة. وروي عن ابي سعيد الخدري أنه قال يوم الخندق: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تأمر بشيء تقوله فقد بلغت القلوب الحناجر فقال: {حديث : نعم قُولُواْ: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَنَا وَآمِنْ رَوْعَتَنَا} تفسير : قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح فهزموا بها. {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} فيه وجهان: أحدهما: فيما وعدوا به من نصر، قاله السدي. الثاني: أنه اختلاف ظنونهم فظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يُستأصلون وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله ورسوله حق وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون، قاله الحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بالنصر والصبر {جُنوُدٌ} أبو سفيان وعيينة بن حسن وطلحة بن خويلد وأبو الأعور والسُلمي وبنو قريظة. {رِيحاً} الصّبا أكفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم. {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} الملائكة. تقوية لقلوب المؤمنين من غير قتال، أو بإيقاع الرعب في قلوب المشركين، أو بتفريق كلمتهم وإقعاد بعضهم عن بعض، أو نصروهم بالزجر حتى جأوت بهم مسيرة ثلاثة أيام فقال طلحة بن خويلد: إن محمداً قد بدأكم بالسحر فالنجاة النجاة.
النسفي
تفسير : يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } أي ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق وكان بعد حرب أحد بسنة {إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ } أي الأحزاب وهم: قريش وغطفان وقريظة والنضير {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً } أي الصبا. قال عليه السلام «حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور»تفسير : {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } وهم الملائكة وكانوا ألفاً بعث الله عليهم صبا باردة في ليلة شاتية فأخصرتهم وأسفت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم فانهزموا من غير قتال. وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة بإشارة سلمان ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنسوان فرفعوا في الآطام واشتد الخوف، وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل في هوازن وضامّتهم اليهود من قريظة والنضير ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي بعملكم أيها المؤمنون من التحصن بالخندق والثبات على معاونة النبي صلى الله عليه وسلم {بَصِيراً } وبالياء، أبو عمرو أي بما يعمل الكفار من البغي والسعي في إطفاء نور الله. {إِذْ جَاءوكُمْ } بدل من {إِذْ جَاءتْكُمْ } {مّن فَوْقِكُمْ } أي من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ} مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة، أو عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها لشدة الروع {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } الحنجرة رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم، والحلقوم مدخل الطعام والشراب. قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة. وقيل: هو مثل في اضطراب القلوب وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة. رُوي أن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر قال: « حديث : نعم قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا»تفسير : {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } خطاب للذين آمنوا ومنهم الثبت القلوب والأقدام والضعاف القلوب الذين هم على حرف والمنافقون، فظن الأولون بالله أنه يبتليهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأما الآخرون فظنوا بالله ما حكى عنهم. قرأ أبو عمرو وحمزة {الظنون} بغير ألف في الوصل والوقف وهو القياس، وبالألف فيهما: مدني وشامي وأبو بكر إجراء للوصل مجرى الوقف، وبالألف في الوقف: مكي وعلي وحفص، ومثله { ٱلرَّسُولاَ } و{ٱلسَّبِيلاْ } زادوها في الفاصلة كما زادها في القافية. من قال: شعر : أقلي اللوم عاذل والعتابا تفسير : وهن كلهن في الإمام بالألف {هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } امتحنوا بالصبر على الإيمان {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً } وحركوا بالخوف تحريكاً بليغاً. {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } عطف على الأول {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } قيل: هو وصف المنافقين بالواو كقوله: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : وقيل: هم قوم لا بصيرة لهم في الدين كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبه عليهم {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } روي أن معتّب بن قشير حين رأى الأحزاب قال: يعدنا محمد فتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقاً ما هذا إلا وعد غرور {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } من المنافقين وهم عبد الله بن أبي وأصحابه {يٰأَهْلَ.يَثْرِبَ } هم أهل المدينة {لاَ مُقَامَ لَكُمْ } وبضم الميم: حفص أي لا قرار لكم ههنا ولا مكان تقومون فيه أو تقيمون {فَٱرْجِعُواْ } عن الإيمان إلى الكفر أو من عسكر رسول الله إلى المدينة {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ ٱلنَّبِىَّ } أي بنو حارثة {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } أي ذات عورة {وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } العورة الخلل والعورة ذات العورة وهي قراءة ابن عباس. يقال: عور المكان عوراً إذا بدا منه خلل يخاف منه العدو والسارق، ويجوز أن يكون عورة تخفيف عورة اعتذروا أن بيوتهم عرضة للعدو والسارق لأنها غير محصنة فاستأذنوه ليحصنوها ثم يرجعوا إليه فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون ذلك وإنما يريدون الفرار من القتال {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ } المدينة أو بيوتهم من قولك «دخلت على فلاه داره» {مّنْ أَقْطَارِهَا } من جوانبها أي ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة التي يفرون خوفاً منها مدينتهم أو بيوتهم من نواحيها كلها وانثالت على أهاليهم وأولاهم ناهبين سابين {ثُمَّ سُئِلُواْ } عند ذلك القزع {ٱلْفِتْنِةِ } أي الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين{لآتَوْهَا } لأعطوها. {لأتَوْهَا } بلا مد: حجازي أي لجاءوها وفعلوها {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا } بإجابتها {إِلاَّ يَسِيراً } ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف، أو ما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيراً فإن الله يهلكهم، والمعنى أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وعن مصافة الأحزاب الذين ملئوهم هولاً ورعباً، وهؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا عليهم أرضهم وديارهم وعرض عليهم الكفر، وقيل لهم كونوا على المسلمين لسارعوا إليه وما تعللوا بشيء وما ذلك إلا لمقتهم الإسلام وحبهم الكفر. {وَلَقَدْ كَانُواْ عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ } أي بنو حارثة من قبل الخندق أو من قبل نظرهم إلى الأحزاب {لاَ يُوَلُّونَ ٱلأدْبَـٰرَ } منهزمين {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً } مطلوباً مقتضى حتى يوفى به. {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي إن كان حضر أجلكم لم ينفعكم الفرار، وإن لم يحضر وفررتم لم تمتعوا في الدنيا إلا قليلاً وهو مدة أعماركم وذلك قليل. وعن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب. {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِى يَعْصِمُكُمْ مّنَ ٱللَّهِ } أي مما أراد الله إنزاله بكم {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً } في أنفسكم من قتل أو غيره {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } أي إطالة عمر في عافية وسلامة أي من يمنع الله من أن يرحمكم إن أراد بكم رحمة لما في العصمة من معنى المنع {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } ناصراً {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ } أي من يعوق عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يمنع وهم المنافقون {وَٱلْقَائِلِينَ لإِخْوٰنِهِمْ } في الظاهر من المسلمين {هَلُمَّ إِلَيْنَا } أي قربوا أنفسكم إلينا ودعوا محمداً وهي لغة أهل الحجاز فإنهم يسوون فيه بين الواحد والجماعة، وأما تميم فيقولون «هلم يا رجل» و «هلموا يا رجال» وهو صوت سمي به فعل متعد نحو «أحضر وقرّب» {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ } أي الحرب {إِلاَّ قَلِيلاً } إلا إتياناً قليلاً أي يحضرون ساعة رياء ويقفون قليلاً مقدار ما يرى شهودهم ثم ينصرفون {أَشِحَّةً } جمع شحيح وهو البخيل نصب على الحال من الضمير في {يَأْتُونَ } أي يأتون الحرب بخلاء {عَلَيْكُمْ } بالظفر والغنيمة {فَإِذَا جَاء ٱلْخَوْفُ } من قبل العدو أو منه عليه السلام {رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ } في تلك الحالة {تَدورُ أَعْيُنُهُمْ } يميناً وشمالاً {كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت حذراً وخوفاً ولواذاً بك. {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ } زال ذلك الخوف وأمنوا وحيزت الغنائم {سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } خاطبوكم مخاطبة شديدة وآذوكم بالكلام. خطيب مسلق فصيح ورجل مسلاق مبالغ في الكلام أي يقولون: وفّروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبمكاننا غلبتم عدوكم {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ } أي خاطبوكم أشحة على المال والغنيمة و {أَشِحَّةً } حال من فاعل {سَلَقُوكُم } {أوْلَـئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ } في الحقيقة بل بالألسنة {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ } أبطل بإضمارهم الكفر ما أظهروه من الأعمال {وَكَانَ ذٰلِكَ } إحباط أعمالهم {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } هيناً.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ...} الآيات إلى قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوٰجِكَ} تفسير : [الأحزاب:28] نزلتْ في شأنِ غزوةِ الخندقِ، وما اتَّصَلَ بها مِن أمر بني قُرَيْظَةَ، وذلك أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم أَجْلَىٰ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ مَوْضِعِهِمْ عِنْدَ المَدِينَةِ إلَىٰ خَيْبَر، فاجْتَمَعَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ اليَهُودِ، وَخَرَجُوا إلَىٰ مَكَّةَ مُسْتَنْهِضِينَ قُرَيْشاً إلَىٰ حَرْبِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَسَّرُوهُمْ عَلَىٰ ذَلِكَ، وَأَزْمَعَتْ قُرَيْشُ السَّيْرَ إلَى المَدِينَةِ، وَنَهَضَ اليَهُودُ إلَىٰ غَطَفَانَ، وبَنِي أَسَدٍ، وَمَنْ أَمْكَنَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ وتِهَامَةَ، فَٱسْتَنْفَرُوهُمْ إلَىٰ ذَلِكَ وَتَحَزَّبُوا وَسَارُوا إلَى المَدِينَةِ، وَٱتَّصَلَ خَبَرُهُمْ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَحَفَرَ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَحَصَّنَهَا، فَوَرَدَتِ الأحْزَابُ، وحَصَرُوا المدينةَ، وذلك في شَوَّال سنة خمسٍ، وقيل: أرْبَعٍ مِن الهجرةِ، وكانت قريظة قَدْ عَاهَدُوا النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وعَاقدوه أَلاَّ يَلْحَقَهُ منهم ضَرَرٌ، فلمَّا تمكَّن ذلك الحِصَارُ، ودَاخَلَهم بَنُو النضيرِ غَدَرُوا رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم وَنَقَضُوا عهده، وضاق الحال على المؤمنين، ونَجَمَ النفاقُ وساءَت ظُنُون قَوْمٍ، ورسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم مع ذلك يُبَشِّرُ وَيَعِدُ النَّصْرَ، فألقَى اللّه عز وجل الرُّعْبَ في قُلوب الكافرينَ، وتخاذلوا ويَئِسوا من الظَّفْرِ، وأرسل اللّه عليهم ريحاً وهي الصَّبَا، وملائكةً تُسَدِّدُ الرِّيحَ، وتفعل نحو فعلها، وتُلْقِي الرُّعْبَ في قلوب الكفرةِ، وهي الجنودُ التي لَم تُرَ، فارتَحَلَ الكَفَرَةُ وانقلبوا خائبين. قوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} يريد: أهل نَجْدٍ مع عيينة بن حِصْن {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ}: يريد أهل مكة وسائر تِهَامَة قاله مجاهد: {وَزَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ} معناه مَالَتْ عن مواضِعَها وذلك فِعْلُ الوالِه الفزِع المُخْتَبِلِ. {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} عبارة عَمّا يَجِدُهُ الهَلِعُ من ثَوَرَانِ نَفْسِه وتفرقها ويجد كأَنَّ حُشْوَتَهُ وَقَلْبَهُ يَصَّعَّدُ عُلُوّاً، وَرَوَى أبو سعيد أن الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا يَوْمَ الخَنْدَق: يَا نَبِيَّ اللّه، بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ؛ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قُولُوا: «حديث : اللَّهُمَّ، ٱسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا»تفسير : فَقَالُوهَا؛ فَضَرَبَ اللّهُ وُجُوهَ الكُفَّارِ بِالرِّيحِ فَهَزَمَهُمْ. وقوله سبحانه: {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ...} الآية: عبارةٌ عن خواطر خطرَتْ للمؤمنين لا يمكن البشرَ دفعُها، وأما المنافِقونَ فنَطَقُوا، ونَجَمَ نفاقُهم. و {ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} معناه: اخْتُبِرُوا {وَزُلْزِلُواْ}: مَعْنَاه: حُرِّكُوا بعنف. ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمَرْضَى القلوبِ؛ على جِهَةِ الذَّمِّ لَهُمْ {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} فَرُوِيَ عَنْ يزِيدَ بْنِ رُومَانَ أن مُعَتِّبَ بن قُشَيْرٍ قال: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أن نَفْتَتِحَ كنوز كِسْرَى وقيصر ومكة؛ ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط؛ ما يعدنا إلا غروراً، وقال غيره من المنافقين نحو هذا.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...} الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافرين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم. قوله: "إذْ جَاءَتْكُمْ" يجوز أن يكون منصوباً "بنعمة" أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من "نعمة" بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلق بنصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت الشمالُ إن الحرَّّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ ". تفسير : قوله: {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها، و "جُنَوداً" عطفاً على "ريحاً" و "لَمْ تروها" صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر "لم يَرَوْهَا" بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطناب الفَسَاطِيطِ وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} وهذا إشارة إلى أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة. قوله: "إِذْ جَاؤُوكُمْ" بدل من "إذْ" الأولى، والحناجر جمع "حَنْجَرَةٍ" وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الرَّاغِبُ: رَأْسُ الغَلْصَمَةِ من خارج. قوله: "الظُّنُونا" قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون "الظُّنُون" ولام الرسول في قوله: {أية : وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ}تفسير : [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: {أية : فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ}تفسير : [الأحزاب: 67] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ يلتزم الوقف عليها غالباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله: شعر : 4069 - اسْتَأْثَـرَ اللَّـهُ بِالوَفَـاءِ وَبِالعَـدْلِ وَوَلَّــى المَلاَمَــةَ الرَّجُــلاَ تفسير : وقوله: شعر : 4070 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا تفسير : ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قال شهاب الدين: "كذلك يقولون تشبيهاً للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإِنها منكرة لفظاً". ولا خلاف في قوله: {وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ} أنه بغير ألف في الحالين. فصل المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق وهم "أَسَدٌ"، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةِ {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بَنِي النَّضِير من ديارهم {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ} مالت وشَخِصَتْ من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا، وسبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم. فإن قيل: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون؟ فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال: "ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً" و "أَدَّبْتُهُ مِرَاراً" فكأنه قال: ظَنَنْتُمْ ظَنّاً جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمرٍ واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله: "الظُّنون" أفادنا أن فيهم من أخطأ الظن، ولو قال: "تظنون بالله ظناً" ما كان يفيد هذا، والألف واللام في "الظنون" يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، لأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً"تفسير : ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: {أية : ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [ص: 27] وقوله: {أية : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ}تفسير : [الأنعام: 148]. قوله: "هُنَالِكَ" منصوب "بابْتُلِيَ". وقيل: "بتَظُنُّونَ" واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان: أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحْضِ وهو الخَنْدق. والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك: شعر : 4071 - وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَاكَلَتْ فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المَفْزَعُ تفسير : "وَزُلْزِلُوا" قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على أصل ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن "أبي عمرو" كسر الأولى)، وروى الزمخشري عنه إشمامها كسراً، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مِبين - بكسر الميم - والأصل ضمها. قوله: "زِلْزَالاً" مصدر مُبَيِّن للنوع بالوصف والعامة على كسر الزاي، وعيسى، والجَحْدَرِيّ فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على "فعلال" نحو: "زَلْزَال، وقَلقالَ وصَلْصَال"، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِلٌ بمعنى "مُزَلْزِل". فصل قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحَصْرِ والقتال ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غيره من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ. ثم قال: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} معتب بن قُشَيْر، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك وضعف اعتقاد {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} وهذا تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يَعِدُنَا محمدٌ فَتْحَ قُصُرِ الشام وفارسَ وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله الغرور. قوله: {وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} أي من المنافقين "وهم أوس بن قيظي وأصحابه" {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ} يعني المدينة، قال أبو عبيد(ة): يَثْرِبُ: اسم أرض ومدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تسمى المدينةُ يَثْرِبَتفسير : وقال: هي طابة كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو للعلمية والتأنيث، وأما يَتْرَب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع آخر باليمن، قال الشاعر: شعر : 4072 - وَعَدْتَ وَكَانَ الخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً مَواعِيدَ عُرْقُوب أَخَاء بِيَتْرَبِ تفسير : وقال: شعر : 4073 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِداً لوقت مواعيد عرقوب أخاه بيترب تفسير : {لاَ مُقَامَ لَكُمْ} قرأ حفصٌ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بضم الميم، ونافعٌ وابنُ عامر بضم ميمة أيضاً في الدخان في قوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ}تفسير : [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو "مقام كريم" والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: {أية : خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}تفسير : [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقيل: عن القتال إلى منازلكم. {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ} هم بنو حارثة وبنو سلمة {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السُّراق. قوله: "عَورةٌ" أي ذاتُ عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجُدْرَان للسارق وقال الشاعر: شعر : 4074 - لَــهُ الشِّــدَّةُ الأُولَــى إِذَا القَــرْنُ أَعْــوَرَا تفسير : وقرأ ابن عباس وابنَ يَعْمُرَ وقتادةُ وأبو رجاء وأبو حَيْوَة وآخرون: عَورة بكسر الواو وكذلك {وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ}، وهما اسم فاعل، يقال: عَوِرَ المنزلُ: يَعْوِرُ عَوَراً وعَوِرَة فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرَةٌ، قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ألفاً، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحو مَقَامٍ ومَقَالٍ، وأما هذا ففعله صحيح نحو عَوِرَ، وإنما صح الفعل وإن كان فيه مقتضى الإعلال لِمَدْرَكٍ آخر وهو أنه في معنى ما لا يعل وهو "أعور" ولذلك لم نتعجب من "عور" وبابه، وأعْوَرَّ المَنْزِلُ: بدت عَوْرَتُهُ، واعورَّ الفارس بدا منه خلله للضَّرْبِ قال الشاعر: شعر : 4075 - مَتَى تَلْقَهُمْ لَمْ تَلْقَ فِي البَيْتِ مُعْوَراً وَلاَ الصَّيْفَ مَسْجُوراً ولاَ الجَارَ مُرْسَلاً تفسير : ثم كذبهم الله تعالى فقال: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً}. قوله: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا} ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحزاب "مِنْ أقْطَارِهَا" جوانبها. وفيه لغة وتروى: أَقْتَار - بالتاء -. والقُطْرُ: الجانب أيضاً ومنه قَطَرْتُهُ أي أَلْقَيْتُهُ على قطره فَتَقَطَّرَ أي وقع عليه قال: شعر : 4076 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَاراتُها مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا تفسير : وفي المثل: "الانفِضَاضُ يُقَطِّرُ الجَلَب" تفسيره أن القوم إذا انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جَلْب الإِبل، وسمي القَطْرُ قطراً لسقوطه. قوله: "ثُمَّ سُئِلُوا" قرأ مجاهد "سُويِلُوا" بواو ساكنة ثم ياء مكسورة "كقُوتِلُوا". حكى أبو زيد: هما يَتَسَاوَلاَن بالواو، والحسن: سُولُوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين: أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ضَرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واواً نحو: بُوسٍ في بُؤْسٍ. والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سِيلُوا بياء ساكنة بعد كسرة نحو: قِيلوا. قوله: "لأتَوْهَا" قرأ نافعٌ وابنُ كثير بالقصر بمعنى لَجَاؤُوهَا وغَشوهَا، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من جميع نواحيها ثم سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر من غير عكس بهذا المعنى الخاص. قوله: "إِلاَّ يَسيراً" أي إلا تَلَبُّثاً أو إلا زماناً يسيراً. وكذلك قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 16-18] أي إلا تَمَتُّعاً أو إلا زمانا قليلاً. فصل دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً فليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ} أي ما تلبثوا بالمدينة أو البيوت "إلاَّ يَسِيراً" وأن المؤمنين يُخْرِجُونَهُمْ قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احْتَبَسُوا عن الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيراً ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيّبةً به أنفُسُهم وهذا قول أكثر المفسِّرين. قوله: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} أي من قبل غزوة الخندق {لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ} عدوهم أي لا ينهزمون قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يَقْتَتِلُوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أَشْهَدَنَا اللَّهُ قتالاً لَنُقَاتِلَنَّ فساق الله إليهم ذلك وقال مقاتل والكلبي: حديث : هم سبعون رجلاً جاءوا بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئتَ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك (فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهمتفسير : وهذا القول ليس بمَرْضِيٍّ؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين لم يكن فيهم شَاكٌّ ولا مَنْ يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يَفِرُّوا فَنَقَضُوا العهد. وهذا بيان لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً ونَدَماً ثم هددهم بقوله: {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} أي مَسْؤُولاً عنه. قوله: "لاَ يُوَلُّونَ" جواب لقوله: "عَاهَدُوا" لأنه في معنى: "أقسموا" وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا يُولِّي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. قال شهاب الدين: ولا أظن هذا إلا غلظاً منه وذلك أنه إما أن يُقْرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما نَدَرَ مما لا يقاس عليه والثاني فاسد المعنى. قوله: "إنْ فَرَرْتُمْ" جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك. قوله: {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} إذَنْ جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذّ هنا ما شَذَّ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في "تُمَتَّعُونَ". وقرىء بالغيبة. فصل المعنى: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لا تمتعون بعد الفِرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً. قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي} تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجْرِيَ مُجْرَى قوله: شعر : مُتَقَلِّــداً سيفــاً وَرُمْحــاً تفسير : أو حمل الثاني على الأول لما في العِصْمَةِ من معنى المنع قال أبو حيان: أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مُرَادِ الله، قال شهاب الدين: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جُمَلٍ. فصل المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً هزيمة أو أراد بكم رحمة نُصْرَةً، وهذا بيان لما تقدم من قوله: {لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ} وقوله: {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} تقرير لقوله: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.
البقاعي
تفسير : ولما أكد سبحانه وجوب الصدع بكل أمره وإن عظمت مشقته وزادت حرقته من غير ركون إلى مؤالف موافق، ولا اهتمام بمخالف مشاقق، اعتماداً على تدبيره، وعظيم أمره في تقديره، ذكرهم بدليل شهودي هو أعظم وقائعهم في حروبهم، وأشد ما دهمتهم من كروبهم، فقال معلماً أن المقصود بالذات بما مضى من الأوامر الأمة - وإنما وجه الأمر إلى الإمام ليكون أدعى لهم إلى الامتثال فإن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم تكويني بمنزلة ما يقول الله تعالى له {كن} فحقيقة الإرادة لا الأمر، والأمر للذين آمنوا تكفيلي. وقد يراد منهم ما يؤمرون به وقد لا يراد، وللناس احتجاجي أي تقام به عليهم الحجة، ومن المحقق أن بعضهم يراد منه خلاف المأمور به: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان، عبر به ليعم المنافقين {اذكروا} ورغبهم في الشكر بذكر الإحسان والتصريح بالاسم الأعظم فقال: {نعمة الله} عبر بها لأنها المقصودة بالذات والمراد إنعام الملك الأعلى الذي لا كفوء له {عليكم} أي لتشكروه عليها بالنفوذ لأمره غير ملتفتين إلى خلاف أحد كائناً من كان، فإن الله كافيكم كل ما تخافون ثم ذكر لهم وقت تلك النعمة زيادة في تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها فقال: {إذ} أي حين {جاءتكم} أي في غزوة الخندق حين اجتمعت عليكم الأحزاب وكان النبي صلى الله عليه وسلم ضربه حين سمع بهم بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه على جانبي سلع من شماليه، وخطه وقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعاً، وكانوا ثلاثة آلاف، فكان الخندق اثني عشر ألف ذراع {جنود} وهم الأحزاب من قريش ومن انضم إليه من الأحابيش في أربعة آلاف يقودهم أبو سفيان ابن حرب، ومن انضم من قبائل العرب من بني سليم يقودهم أبو الأعور، ومن بني عامر يقودهم عامر بن الطفيل، ومن غطفان يقودهم عيينة بن حصن، ومن بني أسد يقودهم طليحة بن خويلد، ومن أسباط بني إسرائيل من اليهود ومن بني النضير ورؤساهم حيي بن أخطب وابنا أبي الحقيق، وهم الذين جمعوا الأحزاب بسبب إجلاء النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير من المدينة الشريفة، وأفسدوا أيضاً بني قريظة، وكانوا بالمدينة الشريفة وسيدهم كعب بن أسد، فكان الجميع اثني عشر الفاً، وكانوا واثقين في زعمهم بأنهم لا يرجعون وقد بقي للإسلام باقية، ولا يكون لأحد من أهله منهم واقية. ولما كان مجيء الجنود مرهباً، سبب عنه عوده إلى مظهر العظمة فقال: {فأرسلنا} أي تسبب عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم في مقاتلتهم ألهمناكم عمل الخندق ليمنعهم من سهولة الوصول إليكم، ثم لما طال مقامهم أرسلنا بما لنا من العظمة {عليهم} أي خاصة {ريحاً} وهي ربح الصبا، فأطفأت نيرانهم. وأكفأت قدورهم وجفانهم، وسفت التراب في وجوههم، ورمتهم بالحجارة وهدت خيامهم، وأوهنت ببردها عظامهم، وأجالت خيلهم {وجنوداً لم تروها} يصح أن تكون الرؤية بصرية وقلبية، منها من البشر نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه هداه الله للإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنه لم يعلم أحد بإسلامي، فمرني يا رسول الله بأمرك! فقال: "حديث : إنما أنت فينا رجل واحد والحرب خدعة، فخذل عنا مهما استطعت" تفسير : فأخلف بين اليهود وبين العرب بأن قال لليهود وكانوا أصحابه: إن هؤلاء - يعني العرب - إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين. وليس حالكم كحالهم، البلد بلدكم وبه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم ليكونوا عندكم حتى تناجزوا الرجل، فإنه ليس لكم بعد طاقة إذا انفرد بكم، فقالوا: أشرت بالرأي، فقال: فاكتموا عني، وقال لقريش: قد علمتم صحبتي لكم وفراقي لمحمد، وقد سمعت أمراً ما أظن أنكم تتهمونني فيه، فقالوا: ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، قال: إن اليهود قد ندموا على نقض ما بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه: إنا قد ندمنا فهل ينفعنا عندك أن نأخذ لك من القوم جماعة من أشرافهم تضرب أعناقهم، ونكون معك على بقيتهم، حتى تفرغ منهم لتكف عنا. وتعيد لنا الأمان، قال: نعم، فإن أرسلوا إليكم فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحداً، ثم أتى غطفان فقال: إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليّ، قالوا: صدقت، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش واستكتمهم، فأرسلت إليهم قريظة يطلبون منهم رهناً فقالوا: صدق نعيم، وأبوا أن يدفعوا إليهم أحداً، فقالت قريظة: صدق نعيم، فتخاذلوا واختلفت كلمتهم، فانكسرت شوكتهم، وبردت حدتهم، ومنها من الملائكة جبرائيل عليه السلام ومن أراد الله منهم - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، فكبروا في نواحي عسكرهم، وزلزلوا بهم، وبثوا الرعب في قلوبهم، فماجت خيولهم، واضمحل قالهم وقيلهم، فكان في ذلك رحيلهم، بعد نحو أربعين يوماً أو بضع وعشرين - على ما قيل. ولما أجمل سبحانه القصة على طولها في بعض هذه الآية، فصلها فقال ذاكراً الاسم الأعظم إشارة إلى أن ما وقع فيها كان معتنى به اعتناء من بذل جميع الجهد وإن كان الكل عليه سبحانه يسيراً: {وكان الله} الذي له جميع صفات الكمال والجلال والجمال {بما يعملون} أي الأحزاب من التحزب والتجمع والتألب والمكر والقصد السيىء - على قراءة البصري، وأنتم أيها المسلمون من حفر الخندق وغيره من الصدق في الإيمان وغيره - على قراءة الباقين {بصيراً} بالغ الإبصار والعلم، فدبر في هذه الحرب ما كان المسلمون به الأعلين ولم ينفع أهل الشرك قوتهم، ولا أغنت عنهم كثرتهم، ولا ضر المؤمنين قلتهم، وجعلنا ذلك سبباً لإغنائهم بأموال بني قريظة ونسائهم وأبنائهم وشفاء لأدواتهم بإراقة دمائهم - كما سيأتي؛ ثم ذكرهم الشدة التي حصلت بتمالئهم فقال مبدلاً من {إذ} الأولى: {إذ جاؤوكم} أي الجنود المذكورون بادئاً بالأقرب إليهم، لأن الأقرب أبصر بالعورة وأخبر بالمضرة. ولما كان من المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل، أدخل أداة التبعيض فقال: {من فوقكم} يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من المشرق، وأضاف الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام، وهي بين بني قريظة وبين من في الخندق، فصاروا فوق العيال والرجال. ولما كان المراد الفوقية من جهة علو الأرض، أوضحها بقوله: {ومن أسفل منكم} دون أن يقول: أسفلكم، وأفاد ذلك أيضاً من في أسفل إنما أحاطوا ببعض جهة الرجال فقط، ولم يقل "ومن تحتكم" لئلا يظن أنه فوق الرؤوس وتحت الأرجل، ولم يقل في الأول "من أعلى منكم" لئلا يكون فيه وصف للكفرة بالعلو، وأسفل الأرض المدينة من ناحية المغرب يعني قريشاً، ومن لافّها من كنانة فإن طريقهم من تلك الجهة. ولما ذكرهم بالمجيء الذي هو سبب الخوف، ذكرهم بالخوف بذكر ظرفه أيضاً مفخماً لأمره بالغطف فقال: {وإذ} أي واذكروا حين، وأنث الفعل وما عطف عليه لأن التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ فقال: {زاغت الأبصار} أي مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل من الغفلة الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب، وقطع ذلك عن الإضافة إلى كاف الخطاب إبقاء عليهم وتعليماً للأدب في المخاطبة، وكذا {وبلغت القلوب} كناية عن شدة الرعب والخفقان، ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر، ومنه قولهم للجبان: انتفخ منخره أي رئته {الحناجر} جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : شر ما في الإنسان جبن خالع" تفسير : أي يخلع القلب من مكانه، وجمع الكثرة إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد. ولما كانت هذه حالة عرضت، ثم كان من أمرها أنها إما زالت وثبتت إلى انقضاء الأمر، عبر عنها بالماضي لذلك وتحقيقاً لها ولما نشأ عنها تقلب القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب، عبر بالمضارع الدال على دوام التجدد فقال: {وتظنون بالله} الذي له صفات الكمال فلا يلم نقص ما بساحة عظمته، ولا يدنو شيء من شين إلى جناب عزته {الظنونا *} أي أنواع الظن إما بالنسبة إلى الأشخاص فواضح، وذلك بحسب قوة الإيمان وضعفه، وأما بالنسبة إلى الشخص الواحد فحسب تغير الأحوال، فتارة يظن الهلاك للضعف، وتارة النجاة لأن الله قادر على ذلك، ويظن المنافقون ومن قاربهم من ضعفاء القلوب ما حكى الله عنهم؛ قال الرازي في اللوامع: ويروى أن المسلمين قالوا: بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء نقول؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا" تفسير : وزيادة الألف في قراءة من أثبتها في الحالين وهم المدنيان وابن عامر وشعبة إشارة إلى اتساع هذه الأفكار، وتشعب تلك الخواطر، وعند من أثبتها في الوقت دون الوصل وهم ابن كثير والكسائي وحفص إشارة إلى اختلاف الحال تارة بالقوة وتارة بالضعف.
السيوطي
تفسير : أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة قال "حديث : لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحاً منها، أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد منا اصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون {إن بيوتنا عورة وما هي بعورة} فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، يتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً حتى مر علي، وما علي جنة من العدو، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا؟ قلت: حذيفة فتقاصرت إلى الأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقال: قم. فقمت فقال: إنه كان في القوم خبر، فأتني بخبر القوم قال: وأنا من أشد الناس فزعاً، وأشدهم قراً، فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، قال: فو الله ما خلق الله فزعاً ولا قراً في جوف إلا خرج من جوفي، فما أجد منه شيئاً، فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئاً حتى تأتيني، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم، نظرت في ضوء نار لهم توقد، واذا برجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل... الرحيل... ثم دخل العسكر فإذا في الناس رجال من بني عامر يقولون: الرحيل... الرحيل يا آل عامر لا مقام لكم، وإذا الرحيل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبراً فوالله أني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم، ومن بينهم الريح يضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك، إذا أنا بنحو من عشرين فارساً متعممين، فقالوا: اخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حز به أمر صلى، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يرتحلون. فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود...} . تفسير : وأخرج الفريابي وابن عساكر عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحملته ولفعلت. فقال حذيفة: لقد رأيتني ليلة الأحزاب ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في ليلة باردة ما قبله ولا بعده برد كان أشد منه، فحانت مني التفاتة، فقال "حديث : ألا رجل يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم - جعله الله معي يوم القيامة - قال: فما قام منا انسان قال: فسكتوا، ثم عاد... فسكتوا، ثم قال: يا أبا بكر، ثم قال: استغفر الله رسوله، ثم قال: إن شئت ذهبت فقال: يا عمر فقال: استغفر الله رسوله، ثم قال: يا حذيفة فقلت: لبيك. فقمت حتى أتيت، وإن جنبي ليضربان من البرد، فمسح رأسي ووجهي، ثم قال: ائت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم، ولا تحدث حدثاً حتى ترجع، ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، حتى يرجع. قال فلان: يكون أرسلها كان أحب إلي من الدنيا وما فيها. قال: فانطلقت، فأخذت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمام قال: فوجدتهم قد أرسل الله عليهم ريحاً، فقطعت أطنابهم، وذهبت بخيولهم، ولم تدع شيئاً إلا أهلكته، قال: وأبو سفيان قاعد يصطلي عند نار له، قال فنظرت إليه، فأخذت سهماً، فوضعته في كبد قوسي قال: - وكان حذيفة رامياً - فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تحدثن حدثاً حتى ترجع" قال: فرددت سهمي في كنانتي قال: فقال رجل من القوم: الا فيكم عين للقوم؟ فأخذ كل بيد جليسه، فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت؟ قال: سبحان الله! أما تعرفني؟ أنا فلان ابن فلان فإذا رجل من هوازن، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر، فلما أخبرته ضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، وذهب عني الدفء فأدناني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه، وألقى علي طرف ثوبه، فإن كنت لألزق بطني وصدري ببطن قدميه، فلما أصبحوا هزم الله الأحزاب، وهو قول {فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها} ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب. وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقول: فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: "حديث : نعم. قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا،قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله بالريح ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن مجاهد {إذ جاءتكم جنود} قال: الأحزاب. عيينة بن بدر، وأبو سفيان، وقريظة. {فأرسلنا عليهم ريحاً} قال: يعني ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتى اظعنتهم {وجنوداً لم تروها} يعني الملائكة قال: ولم تقاتل الملائكة يومئذ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كانت ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب قالت: انطلقي فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب: إن الحرة لا تسري بالليل، فغضب الله عليها وجعلها عقيماً، فأرسل الله عليهم الصبا، فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطنابهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور، فذلك قوله {فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها} ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله {إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} قالت: كان ذلك يوم الخندق. وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال:"حديث : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب، فخرجت لنا من الخندق صخرة بيضاء مدوّرة، فكسرت حديدنا وشقت علينا، فشكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ المعول من سلمان، فضرب الصخر ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة، حتى لكأن مصباحاً في جوف ليل مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، فكبر وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، وكبر وكبر المسلمون، فسألناه فقال: أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فابشروا بالنصر. فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون: {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً} وقال المنافقون: الا تعجبون! يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل، يخبر أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وإنها تفتح لكم، وإنكم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا، وأنزل القرآن {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} ". تفسير : وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل الله في شأن الخندق، وذكر نعمه عليهم، وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن، ومقالة من تكلم من أهل النفاق {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها} وكانت الجنود التي أتت المسلمين. أسد. وغطفان. وسليما. وكانت الجنود التي بعث الله عليهم من الريح الملائكة فقال {إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} فكان الذين جاؤوهم من أسفل منهم قريشاً، وأسداً، وغطفان فقال: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} يقول: معتب بن قشير ومن كان معه على رأيه {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي} يقول أوس بن قيظي ومن كان معه على مثل رأيه {ولو دخلت عليهم من أقطارها} إلى {وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً} ثم ذكر يقين أهل الايمان حين أتاهم الأحزاب فحصروهم وظاهرهم بنو قريظة، فاشتد عليهم البلاء، فقال: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب} إلى {إن الله كان غفوراً رحيماً} قال: وذكر الله هزيمة المشركين، وكفايته المؤمنين، فقال: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم...}. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا: قال معتب بن قشير: كان محمداً يرى أن يأكل من كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط، وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه من بني حارثة {إن بيوتنا عورة} وهي خارجة من المدينة: إئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا، فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم، وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم، ومقالة من قال من أهل النفاق، {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها} فكانت الجنود: قريشاً، وغطفان، وبني قريظة. وكانت الجنود التي أرسل عليهم مع الريح الملائكة {إذ جاءُوكم من فوقكم} بنو قريظة {ومن أسفل منكم} قريش، وغطفان. إلى قوله {ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} يقول: معتب بن قشير وأصحابه {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب} يقول: أوس بن قيظي ومن كان معه على ذلك من قومه. وأخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: لما كان حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق، عرض لنا في بعض الجبل صخرة عظيمة شديدة لا تدخل فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها أخذ المعول، وألقى ثوبه وقال: "حديث : بسم الله، ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر. أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثاً آخر فقال: الله أكبر. أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصور المدائن البيض، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله. فقطع بقية الحجر وقال: الله أكبر. أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله {إذ جاءُوكم من فوقكم} قال عيينة بن حصن {ومن أسفل منكم} قال: سفيان بن حرب. وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة في قوله {إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} قال: كان ذلك يوم الخندق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب، وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن معه من الناس حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عيينة بن حصن أخو بني بدر بغطفان ومن تبعه حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاتبت اليهود أبا سفيان فظاهروه، فبعث الله عليهم الرعب والريح. فذكر أنهم كانوا كلما بنوا بناء قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا ناراً أطفأها الله، حتى لقد ذكر لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم إلي. حتى إذا اجتمعوا عنده قال: النجاة... النجاة... أتيتم لما بعث الله عليهم الرعب. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {إذ جاءُوكم من فوقكم} قال: عيينة بن حصن في أهل نجد {ومن أسفل منكم} قال: أبو سفيان بن حرب في أهل تهامة، ومواجهتهم قريظة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وإذ زاغت الأبصار} قال: شخصت الأبصار. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وبلغت القلوب الحناجر} قال: شخصت من مكانها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله {وبلغت القلوب الحناجر} قال: فزعها ولفظ ابن أبي شيبة قال: إن القلوب لو تحركت أو زالت خرجت نفسه، ولكن إنما هو الفزع. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وتظنون بالله الظنونا} قال: ظنون مختلفة ظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله ورسوله حق أنه سيظهر على الدين كله. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وتظنون بالله الظنونا} قال: هم المنافقون يظنون بالله ظنوناً مختلفة. وفي قوله {هنالك ابتلي المؤمنون} قال: محصوا. وفي قوله {وإذ يقول المنافقون} تكلموا بما في أنفسهم من النفاق، وتكلم المؤمنون بالحق والإِيمان {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله} . وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله قال: لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق، وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين جهد شديد، فمكثوا ثلاثاً لا يجدون طعاماً حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجراً من الجوع. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قال المنافقون يوم الأحزاب حين رأوا الأحزاب قد اكتنفوهم من كل جانب، فكانوا في شك وريبة من أمر الله قالوا: إن محمداً كان يعدنا فتح فارس والروم، وقد حصرنا ههنا حتى ما يستطيع يبرز أحدنا لحاجته. فأنزل الله {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، واجتمعت قريش، وكنانة، وغطفان، فاستأجرهم أبو سفيان بلطيمة قريش، فاقبلوا حتى نزلوا بفنائه، فنزلت قريش أسفل الوادي، ونزلت غطفان عن يمين ذلك، وطليحة الأسدي في بني أسد يسار ذلك، وظاهرهم بنو قريظة من اليهود على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم تحصن بالمدينة، وحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق، فبينما هو يضرب فيه بمعوله إذ وقع المعول في صفا، فطارت منه كهيئة الشهاب من النار في السماء، وضرب الثاني فخرج مثل ذلك، فرأى ذلك سلمان رضي الله عنه فقال: يا رسول الله قد رأيت خرج من كل ضربة كهيئة الشهاب، فسطع إلى السماء فقال: لقد رأيت ذلك؟ فقال: نعم يا رسول الله قال: تفتح لكم أبواب المدائن، وقصور الروم، ومدائن اليمن، ففشا ذلك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فتحدثوا به، فقال رجل من الأنصار يدعى قشير بن معتب: أيعدنا محمد صلى الله عليه و سلم أن يفتح لنا مدائن اليمن، وبيض المدائن، وقصور الروم وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل، هذا والله الغرور. فأنزل الله تعالى في هذا {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} .
القشيري
تفسير : ذكرُ نعمة الله مُقابَلَتُها بالشكر، ولو تذكرتَ ما دَفَعَ عنك فيما سَلَفَ لهانت عليك مقاساةُ البلاءِ في الحال، ولو تذكرتَ ما أولاكَ في الماضي لَقَرُبَتْ من قلبك الثقةُ في إيصال ما تؤمِّلُه في المستقبل. ومن جملة ما ذكَّرهم به: {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} كم بلاءٍ صَرَفَه عن العبدِ وهو لم يشعر! وكم شُغْلٍ كان يقصده فصَدَّه ولم يعلم! وكم أمرٍ عَوَّقَه والعبدُ يَضِجُّ وهو - (سبحانه) - يعلم - أَن في تيسيره له هلاكَ العبد فمَنَعَه منه رحمةً به، والعبدُ يتَّهِمُ ويضيق صَدْرُه بذلك!
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} ـ روى ـ ان النبى عليه السلام لما قدم المدينة صالح بنى قريظة وبنى النضير على ان لا يكونوا عليه بل معه فنقض بنوا النضير وهم حى من يهود خيبر عهودهم وذلك انهم كانوا يسكنون قرية يقال لها زهرة فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة ومعه الخلفاء فجلس الى جانب جدار من بيوتهم فطمعوا فيه حتى صعد بعضهم على البيت ليلقى عليه صخرة فيقتله فاتاه الخبر من السماء بما اراد القوم فقام مسرعا الى المدينة ولما نقضوا العهد ارسل اليهم رسلو الله محمد بن مسلمة رضى الله عنه ان اخرجوا من بلدى يعنى المدينة لان قريتهم كانت من اعمالها فامتنعوا من الخروج بسبب عناد سيدهم حيى بن اخطب وكان حيى فى اليهود يشبه بابى جهل فى قريش فخرج عليه السلام مع اصحابه لمحاربتهم فحاصرهم ست ليال وقذف الله فى قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله ان يجليهم ويكف عن دمائهم فمنهم من سار الى خيبر ومنهم من سار الى اذرعات من بلاد الشام ولما وقع اجلاؤهم من اماكنهم صار سيدهم حيى وجمع من كبرائهم الى قريش فى مكة يحرّضونهم على حرب رسول الله ويقولون انا سنكون معكم جملة واحدة ونستأصله فوافقهم قريش لشدة عداوتهم لرسول الله ثم جاؤا الى غطفان وهو محركة حى من قيس وحرضوهم ايضا على الحرب واعلموهم ان قريشا قد تابعوهم فى ذلك فتجهزت قريش ومن اتبعهم من قبائل شتى وعقد الواء فى دار الندوة وكان مجموع الاحزاب من قريش وغطفان وبنى مرة وبنى اشجع وبنى سليم وبنى اسد ويهود قريظة والنضير قدر اثنى عشر الفا وقائد الكل ابو سفيان ولما تهيأت قريش للخروج اتى ركب من خزاعة فى اربع ليال حتى اخبروا رسول الله فجمع عليه السلام الناس وشاورهم فى امر العدو هل يبرزون من المدينة او يقيمون فيها فقال سلمان الفارسى رضى الله عنه يا رسول الله انا كنا اذا تخوفنا الخيل بارض فارس خندقنا علينا وكان الخندق من مكايد الفرس واول من فعله من ملوك الفرس ملك كان فى زمن موسى عليه السلام فاستحسن عليه السلام رأى سلمان فركب فرسا ومعه المهاجرون والانصار وهم ثلاثة آلاف وامر بالذرارى والنساء فرفعوا فى الاطام وسبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فصارت كالحصن وطلب موضعا ينزله فجعل سلعا وهو جبل فوق المدينة خلف ظهره يعنى ضرب معسكره بالفارسية [لشكركاه] فى اسفل ذلك الجبل على ان يكون الجبل خلف ظهره والخندق بينه وبين العدو وامرهم بالجد فى عمل الخندق على ان يكون عرضه اربعين ذراعا وعمقه عشرا ووعدهم النصر ان صبروا فعمل فيه بنفسه مع المسلمين وحمل التراب على ظهره الشريف وكان فى زمن عسرة وعام مجاعة فى شوال من السنة الخامسة من الهجرة ولما رأى رسول الله ما باصحابه من التعب قال شعر : اللهم لا عيش الاعيش الاخرة فارحم الانصار والمهاجرة تفسير : [انس رضى الله عنه كفت مهاجر وانصار بدست خويش تير ميزدند وكار ميكردند كه مزدوران وجاكران نداشتند وسر ما سخت بود وبخوش دلى آن رنج دشوارى ميكشيدند رسول خدا كه ايشانرا جنان ديد وكفت] شعر : لا همّ ان العيش عيش الآخرة فاكرم الانصار والمهاجره تفسير : [ايشان جواب دادند كه] شعر : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا ابدا تفسير : واذا اشتد على الصحابة فى حر الخندق كدية اى محل صعب شكوا ذلك الى رسول الله فاخذ المعول وضرب فصار كثيبا مهيلا قال سلمان وضربت فى ناحية من الخندق فغلظت على وكان رجلا قويا يعمل عمل عشرة رجال حتى تنافس فيه المهاجرين والانصار فقال المهاجرون سلمان منا وقال الانصار سلمان منا حديث : فقال عليه السلام "سلمان منا اهل" ولذلك يشير بعضهم بقوله شعر : لقد رقى سلمان بعد رقه منزلة شامخة البنيان وكيف لا والمصطفى قد عده من اهل العظيم الشان حديث : قال سلمان فاخذ عليه السلام المعول من يدى وقال "بسم الله" وضرب ضربة فكسر ثلث الحجارة وبرق منها برقة فخرج نور من قبل اليمين كالمصباح فى جوف الليل المظلم فكبر رسول الله وقال "اعطيت مفاتيح اليمن والله انى لا بصر ابواب صنعاء من مكانى الساعة كانها انياب الكلاب" ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر وبرق منها برقة فخرج نور من قبل الروم فكبر رسول الله وقال "اعطيت مفاتيح الشام والله انى لا بصر قصورها" ثم ضرب الثالثة فقطع بقية الحجر وبرق منها برقة فخرج نور من قبل فارس فكبر رسول الله وقال "اعطيت مفاتيح فارس والله انى لا بصر قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها انياب الكلاب" وجعل يصف لسلمان اماكن فارس ويقول سلمان صدقت يا رسول الله هذه صفتها ثم قال رسول الله "هذه فتوح يفتحها الله بعدى يا سلمان" تفسير : وعند ذلك قال جمع المنافقين منهم معتب بن قشير ألا تعجبون من محمد يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم انه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وانها تفتح لكم وانتم تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون ان تبرزوا اى تجاوزوا الرحل وتخرجوا الى الصحراء وتذهبوا الى البرارى ما هذا الا وعد غرور ولما فرغ رسول الله من حفر الخندق على المدينة. قال الكاشفى [بعد ازشش روز كه مهم خندق سمت اتمام يافت] اقبلت قريش ومن معهم [خندق راد ديدند كه كفتند اين عرب را نبودست] فنزلوا بمجمع الاسيال ونقض بنوا قريظة العهد بينه عليه السلام وبينهم باغواء حيى وارادوا الاغارة على المدينة بمعاونة طائفة من قريش ولما جاء خبر النقض عظم البلاء وصار الخوف على الذرارى اشد الخوف على اهل الخندق فبعث عليه السلام ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون النكير تخوفا على الذرارى من العدو اى بنى قريظة وكانوا من يهود المدينة ومكث عليه السلام فى الخندق قريبا من شهر وهوا ثبت الاقاويل وكان اكثر الحال بينهم وبين العدو الرمى بالنبال والحصى واقبل نوفل بن عبد الله فضرب فرسه ليدخل الخندق فوقع فيه مع فرسه فنزل اليه على رضى الله عنه فضربه بالسيف فقطعه نصفين وكذا اقبل طائفة من مشاهير الشجعان واكرهوا خيولهم على اقتحام الخندق من مضيق به وفيهم عمرو بن ودّ وكان عمره اذ ذاك تسعين سنة فقال من يبارز فقام اليه على رضى الله عنه بعد الاستئذان من رسول الله فقال يا ابن اخى لا احب ان اقتلك فقال على رضى الله عنه احب ان اقتلك فحمى عمرو عند ذلك اى خذته الحمية وكان غيورا مشهورا بالشجاعة ونزل عن فرسه وسل سيفه كأنه شعلة نار اقبل على على رضى الله عنه فاستقبله على بدرقته فضربه عمرو فيها فقدّها ونفذ منها السيف واصاب رأسه فشجه فضربه على ضربة على موضع الرداء من العنق فسقط فكبر المسلمون فلما سمع رسول الله التكبير عرف ان عليا قتل عمرا لعنه الله وقال حينئذ (لا فتى الاعلى لا سيف الا ذو الفقار) فلما قتل انهزم من معه. قال فى كشف الاسرار [سه تن از كافر ان كشته شدند واز صحابة رسول هيج كس كشته نشد عبد الرحمن بن ابى بكر رضى الله عنه هنوز در اسلام نيامده بود بيرون آمد ومبارزت خواست ابو بكر فراييش آمد عبد الرحمن جون روى بدر ديد بركشت بس با ابو بكر كفتند اكر بسرت حرب كردى باتوجه خواستى كردن باوى ابو بكر كفت بآن خدايى كه يكانه ويكتاست كه بازنكشتمى تاويرا بكشتمى يا او مرا بكشتى] وفات منه عليه السلام ومن اصحابه فى بعض ايام الخندق صلاة العصر ولذلك قال عليه السلام "حديث : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا" تفسير : وهذا دعاء عليهم بعذاب الدارين من خراب بيوتهم فى الدنيا فتكون النار استعارة للفتنة ومن اشتعال النار فى قبورهم وقام عليه السلام فى الناس فقال "حديث : ايها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فان لقيتم العدو فاصبروا واعلموا ان الجنة تحت ظلال السيوف" تفسير : اى سبب الموصل الى الجنة عند الضرب بالسيف فى سبيل الله ثم دعا عليه السلام فى الاحزاب فقال "حديث : اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الاحزاب اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم وزلزلهم" تفسير : ودعا ايضا بقوله "حديث : اللهم يا صريخ المكروبين يا مجيب المضطرين اكشف همى وغمى وكربى فانك ترى ما نزل بى وباصحابى" تفسير : وقال له المسلمون هل من شئ نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر قال "حديث : نعم قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا" تفسير : فاستجاب الله دعاءه يوم الاربعاء بين الظهر والعصر فاتاه جبريل فبشره ان الله يرسل عليهم ريحا وجنودا واعلم عليه السلام اصحابه بذلك وصار يرفع يديه قائلا شكرا شكرا وذلك قوله تعالى {يا ايها الذين آمنوا} {اذكروا نعمة الله عليكم} ذكر النعمة شكرها اى اشكروا انعام الله عليكم بالنصرة {اذ} ظرف للنعمة. والمعنى بالفارسية [آنكاه كه] {جاءتكم} [آمد بشما] {جنود} لشكرها والمراد الاحزاب المذكورة من قريش وغطفان ونحوهما يقال للعسكر الجند اعتبارا بالغلظ من الجند وهى الارض الغليظة التى فيها حجارة ثم يقال لكل مجتمع جند نحو الارواح جنود مجندة {فارسلنا عليهم} من جانب الاسم القهار ليلا عطف على جاءتكم {ريحا} اى ريح الصبا وهى تهب من جانب المشرق والدبور من قبل المغرب. قال ابن عباس رضى الله عنهما قالت الصبا للدبور اى الريح الغربية اذهبى بنا ننصر رسول الله فقالت ان الحرائر لا تهيب بالليل فغضب الله عليها فجعلها عقيما وفى الحديث "حديث : نصرت بالصبا واهلكت عاد بالدبور" تفسير : {وجنودا لم تروها} وهم الملائكة وكانوا الفا ـ روى ـ ان الله تعالى بعث على المشركين ريحا صبا باردة فى ليلة ذات شتاء ولم تجاوز عسكرهم فاحصرتهم وسفت التراب فى وجوههم وامرت الملائكة فقلعت الاوتاد وقطعت الاطناب واطفأت النيران واكفأت القدور ونفثت فى روعهم الرعب وكبرت فى جوانب معسكرهم حتى سمعوا التكبير وقعقعة السلاح واضطربت الخيول ونفرت فصار سيد كل حى يقول لقومه با بنى فلان هلموا الىّ فاذا اجتمعوا قال النجاء النجاء اى الاسراع والاسراع وحملوا ما وقع على السحر فانهزموا من غير قتال وارتحلوا ليلا وتركوا ما استثقلوه من متاعهم {وكان الله بما تعملون} من حفر الخندق وترتيب الاسباب {بصيرا} رائيا ولذلك فعل ما فعل من نصركم عليهم وعصمتكم من شرهم فلا بدلكم من الشكر على هذه النعمة الجليلة باللسان والجنان والاركان [شكر زبان آنست كه ييوسته خدايرا ياد ميكند وزبان خود بذكر تر ميدارد وجون نعمى تازه شود الحمد لله ميكويد. شكر دل آنست كه همه خلق راخير خواهد ودر نعمت هيج كس حسد بنرد. شكرتن آنست كه اعضاى خود در ما خلق له استعمال كند وهمه اعضارا حق تعالى براى آخرت آفريد] شعر : عطايست هر موى ازو برتنم جكونه بهرموة شكرى كنم تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى نعمه الظاهرة والباطنة اولها نعمة الايجاد من كتم العدم. وثانيها اذا اخرجكم من العدم جعلكم ارواحا مطهرة انسانية فى احسن تقويم لا حيوانا او نباتا او جمادا. وثالثها يوم الميثاق شرفكم بخطاب ألست بربكم ثم وفقكم لاستماع خطابه ثم دلكم على اصابة جوابه. ورابعها انعم عليكم بالنفخة الخاصة عند بعثكم الى القالب الانسانى لئلا تتنزلوا بمنزل من المنازل السماوية والكوكبية والجنية والشيطانية والنارية والهوائية والمائية والارضية والنباتية والحيوانية وغيرها الى ان انزلكم فى مقام الانسانية. وخامسها عجن طينة قالبكم بيده اربعين صباحا ثم صوركم فى الارحام وسوا كم ثم نفخ فيكم من روحه. وسادسها شرف روحكم بتشريف اضافته الى نفسه بقوله {أية : من روحى} تفسير : وما اعطى هذا التشريف لروح من ارواح الملائكة المقربين. وسابعها اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا فبالها مات الربانية علمكم ما تحتاجون اليه من اسباب المعاش. وثامنها الهمكم فجوركم وتقواكم لتهتدوا الى سبيل الرشاد للرجوع الى الميعاد. وتاسعها ارسل اليكم الانبياء والرسل ليخرجوكم من الظلمات الخلقية الى نور الخالقية. وعاشرها انعم عليكم بالايمان ثم بالاتقان ثم بالاحسان ثم بالعرفان ثم بالعيان ثم بالعين ثم آتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها وذكر نعمته استعمالها فى عبوديته اداء شكر نعمته وشكر النعمة رؤية النعمة ورؤية النعمة ان تكون ترى نعم توفيقه لاداء شكره الى ان تعجز عن اداء شكره فان نعمته غير متناهية وشكرك متناه فرؤية العجز عن اداء الشكر حقيقة الشكر ومن الشكر ان تذكر ما سلف من الذى دفع عنك وانت بصدده من انواع البلاء والمحن والمصائب والمكائد فمن جملة ذلك قوله {اذ جاءتكم} الخ يشير الى جنود الشياطين وجنود صفات النفس وجنود الدنيا وزينتها فارسلنا عليهم ريحا من نكباء قهرنا وجنودا لم تروها من حفظنا وعصمتنا وكان الله بما تعملون من الليل الى الدنيا وشهواتها بصيرا بدفعها وعلاجها كم من بلاء صرفه عن العبد ولم يشعر وكم شغل كان بصدده فصده عنه ولم يعلم وكم امر عوّقه والعبد يضج وهو يعلم ان فى تيسيره هلاكه فيمنعه منه رحمة عليه والعبد يهتم ويضيق به صدره شعر : هرجه آمد ز آسمان قضا بقضا مى نكر بعين رضا خوش دل شوز ما جراى قلم زانكه حق ازتو بحالت اعلم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمةَ الله عليكم}، أي: ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق، وكان بعد حرب أُحد بِسَنَةٍ. {إذ جاءتكُمْ جنودٌ} أي: الأحزاب، وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة والنضير، وهو السبب في إيتانهم، {فأرسلنا عليهمْ ريحاً} أي: الصَّبَا، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : نُصرت بالصَّبَا، وأُهْلكَتْ عاد بالدَّبُور"تفسير : . قيل: كانت هذه الريح معجزة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين كانوا قريباً منها، ولم يكن بينهم إلا عُرض الخندق، وكانوا في عافية منها. {و} لا شعور لهم بها. وأرسلنا عليهم {جنوداً لم تروها} وهو الملائكة، وكانوا ألفاً، فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور. وكان سبب غزوة الأحزاب: أن نفراً من اليهود، منهم ابن أَبي الحقيق، وحُيَي بن أخطب، في نفر من بني النضير، لَمَّا أجلاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم من بلدهم، قَدِموا مكة فحرّضوا قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرجوا إلى غطفان، وأشجع، وفزارة، وقبائلَ مِنَ العرب، يُحرضونهم على ذلك، على أن يعطوهم نصف تمر خَيْبَرَ كل سنة. فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حِصن، والحارث بن عوف في مُرة، وسعد بن رخيلة في أشجع، وعامر بن الطفيل في هوازن. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهم، ضرب الخندق على المدينة، برأي سلمان. وكان أول مشهد شهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يؤمئذ حُر. وقال: يا رسول الله: إنا كنّا بفارس، إذا حُوصرنا: خَنْدَقْناَ علينا، فحفر الخندق، وباشر الحفر معهم بيده صلى الله عليه وسلم. فنزلت قريش بمجتمع الأسيال من الجُرُفِ والغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم. ونزلت عطفان وأهل نجد بذنب نَقَمَي، إلى جانب أُحد. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام. واشتد الخوف، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام المشركون، بِضعاً وعشرين ليلة، ولم يكن حرب غير الرمي بالنبل والحصى. فلما اشتد البلاء بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عُيينة بن حصن، والحارث بن عوف، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمَن معهما، وكتبوا الكتاب ولم يقع الإشهاد، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فقال سعد بن معاذ: أشيء أمرك الله به، لا بدّ من العمل به، أم شيء تُحبه فتصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: "حديث : لا، بل شيء أصنعه لكم، أردتُ أن أكْسِر عنكم شوكتهم"تفسير : . فقال سعد: يا رسول الله؛ لقد كنا مع القوم على شرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطعمون أن يأكلوا منها تمرة، إلا قِرىً، أو شراءً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزَّنا بك، نعطيهم أموالنا! لا نعطيهم إلا السيف. فقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : فأنت وذاك"تفسير : ، فمحا سعدُ ما في الكتاب، وقال: ليجهدوا علينا. ثم إن الله تعالى بعث عليهم ريحاً باردة، في ليلة شاتية، فأحصرتهم، وأحثت الترابَ في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأكفأت القدور، وأطفأت النيران، وجالت الخيل بعضها في بعض. وأرسل الله تعالى عليهم الرُعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتى كان سيد كل خباء يقول: يَا بَني فلان، علمُّوا، فإذا اجتمعوا إليه قال: النَّجا، النَّجا، أوتيتم. فانهزموا من غير قتال. {وكان الله بما تعملون بصيراً}، أي: بصيراً بعملكم، من حَفر الخندق، ومعاونة النبي صلى الله عليه وسلم، والثبات معه، فيجازيكم عليه، وقرأ أبو عمرو: بالغيب، أي: بما يعمل الكفار؛ من البغي، والسعي في إطفاء نور الله، {إِذ جاؤوكم} هو بدل من: (إذ جاءتكم)، {من فوقكم}؛ من أعلى الوادي، من قِبَل المشرق. وهم بنو غطفان. {ومن أسفل منكم}؛ من أسفل الوادي من قِبَل المغرب، وهو قريش. {وإذْ زاغتِ الأبصارُ}؛ مالت عن مستوى نظرها؛ حَيْرَةً وشخوصاً. أو: مالت إلى عدوها، لشدة الخوف، {وبلغت القلوبُ الحناجرَ}؛ رُعباً. والحنجرة: رأس الغَلْصَمَة، وهي منتهى الحلقوم، الذي هو مدخل الطعام والشراب. قالوا: إذا انتفخت الرئة، من شدة الفزع والغضب، رَبَتْ، وارتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة. وقيل: هو مثل في اضطراب القلوب، وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة. رُوي أن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: "حديث : نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ". تفسير : {وتظنون بالله الظنُونا}؛ الأنواع من الظن. والمؤمنون أصناف؛ منهم الأقوياء، ومنهم الضعفاء، ومنهم المنافقون. فظنّ الأقوياء، المخلصون، الثُبْتُ القلوب؛ أن ينجز الله وعده في إعلاء دينه، ويمتحنهم، فخافوا الزلل وضعْفَ الاحتمال، وأما الآخرون؛ فظنُّوا ما حكى عنهم، وهو الذين زاغت أبصارهم، وبلغت قلوبهم الحناجر، دون الأقوياء رضي الله عنهم، وقرأ أبو عمرو وحمزة: {الظنون}؛ بغير ألف، وهو القياس. وبالألف فيهما: نافع، والشامي، وشعبة؛ إجراء للوصل مجرى الوقف. والمكيّ، وعليّ، وحفص: بالألف في الوقف. ومثله: {أية : الرَّسُولاْ} تفسير : [الأحزاب: 66] و {أية : السَّبِيلاَْ}تفسير : [الأحزاب: 67]، زادوها في الفاصلة، كما زادوها في القافية، كقوله: شعر : "أقِلّي اللَّوْمَ، عَاذِلَ؛ والعِتابا" تفسير : وهو في الإمام: بالألف. {هنالك ابْتُلي المؤمنون} أي: اختبروا، فظهر المخلص من المنافق، والثابت من المزلزل، {وزُلزلوا زلزالاً شديداً}؛ وحُركوا بالخوف، تحريكاً شديداً. الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص؛ اذكروا نعمة الله عليكم بالتأييد والنصر، فحين تَوَجَّهْتُمْ إليّ، ودخلتم في طريق ولايتي، رفضتكم الناس، ونكرتكم، ورمتكم عن قوس واحدة، فجاءتكم جنود الخواطر والوساوس من كل جانب، حتى هممتم بالرجوع أو الوقوف. وإذ زاغت الأبصار: مالت عن قصدها؛ بالاهتمام بالرجوع، وبلغت القلوبُ الحناجرَ، ممن كان ضعيف الإرادة واليقين، وتظنون بالله الظنونا، فمنهم مَن يظن الامتكان بعد الامتحان، فيفرحون بالبلاء، ومنهم مَن يظن أنه عقوبة... إلى غير ذلك، هنالك ابتلي المؤمنون المتوجهون؛ ليظهر الصادق، في الطلب، من الكاذب فيه، فعند الامتحان يعز المرء أو يُهان، ويظهر الخَوّافون من الشجعان، وزُلزلوا زلزالاً شديداً؛ ليتخلصوا ويتمحصوا، كما يتخلص الذهب والفضة من الناس، ومَن عرف ما قصد؛ هان عليه ما ترك. قال القشيري: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم..} يعني: بمقابلتها بالشكر، وتَذَكُّرِ ما سَلَفَ من الذي دفع عنك، يهون عليك مقاساة البلاءِ في الحال. وبذكرك لما أولاك في الماضي؛ يقرب من الثقة بوصول ما تؤمِّلهُ في الاستقبال. فمن جملة ما ذكّرهم قوله: {إذ جاءتكم جنود..} الآية: كم بلاء صَرَفَه عن العبد وهو لا يشعر، وكم شغل كنت بصدده، فصدّه عنك ولم تعلم، وكم أمر صرفه، والعبد يضج، وهو - سبحانه - يعلم أن في تيسيره هلاكَه، فيمنعه منه؛ رحمة عليه، والعبد يتهمه ويضيق به صَدْرُه. هـ. ثم ذكر سبحانه نتيجة الابتلاء فقال: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ...}
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ناداهم اوّلاً تنشيطاً لهم حتّى يكونوا على تيقّظٍ لاستماع ما يأتى {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} يعنى الاحزاب فانّ ابا سفيان جمع الاحزاب من الاعراب قريش والقبائل الّتى كانت حول مكّة وبنى غطفان من النّجد وبنى قريظة وبنى النّضير من حول المدينة {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} شديدة الهبوب بحيث لا تبقى خيمة ولا ناراً لهم، وشديدة البرد بحيث لا يتمالكون من بردها {وَجُنُوداً} من الملائكة {لَّمْ تَرَوْهَا} لعدم امكان رؤية الملائكة للنّاظر البشرىّ {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} من حفر الخندق والخروج من المدينة وتجبين بعضٍ لبعضٍ وارادة بعضٍ للفرار وقولهم انّ بيوتنا عورةٌ وما هى بعورةٍ، وقرئ لما يعملون اى ما يعمله قريش من التّخريب عليكم.
الأعقم
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} يعني يوم الأحزاب من قريش وغطفان واليهود {فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها} وهم الملائكة وكانوا ألفاً بعث الله عليهم صبا في ليلة شاتية فأحصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فانهزموا من غير قتال، وحين سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار عليه بذلك سلمان الفارسي (رضي الله عنه) ثم خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ثلاثة آلاف من المسلمين وضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المؤمنون كل ظنٍّ، وظن النفاق في المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمداً يعدنا كنوز كسرى وقيصر فنحن اليوم لا نقدر أن نذهب إلى الغائط، وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألف ومن بايعهم من أهل أحد وقائدهم عتبة بن حصن وعامر بن الطفيل في هوازن وبني قريظة، ومضى على الفريقين قريب شهر بغير حرب إلا الترامي حتى وقع النصر {إذ جاؤوكم من فوقكم} من أعلى الوادي، قيل: من المشرق وبنو غطفان {ومن أسفل منكم} من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش تحزبوا وقالوا: سنكون حملة حتى نستأصل محمداً وأصحابه {وإذ زاغت الأبصار} مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة وشخوصاً {وبلغت القلوب الحناجر} رأس الغلصمة وهو منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب {وتظنون بالله الظنونا} ظنوناً كاذبة، وقيل: هو قولهم ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً، وقيل: هي ظنون مختلفة ظن الكافرين أن يستأصلوهم وظن المؤمنين أنهم سينصرهم، وقيل: أراد المنافقين وصفه المسلمين {هنالك ابتلي المؤمنون} أي ابتليوا بالتخلية ليظهر المؤمنين المخلصين {وزلزلوا زلزالاً شديداً} أي حركوا بالحرب حركة شديدة تصَّبروا ووثقوا بالله، وقيل: حركهم الأعداء من كل جهة، وقيل: اضطروا فمنهم من اضطرب خوفاً على نفسه من القتل ومنهم من اضطرب على دينه عن أبي علي، قال الحاكم: ولما اشتد على الناس الأمر همَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمصالحة القوم على نصف ثمار المدينة تكون لهم فنهاه سعد بن عبادة وخرج عمرو بن ود وطلب البراز فلقيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقتله، وجاء نعيم بن مسعود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أسلم سِرَّاً وقال: يا نبي الله الحرب خدعةٌ، وخرج فاغرى بينهم.
اطفيش
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} التي انعم بها عليكم يوم الاحزاب وهو يوم الخندق. {إذ} بدل من نعمة بدل اشتمال او متعلق بنعمة لايمائه الى معنى الانعام بكسر الهمزة او هو طرف متعلق بمحذوف حال من نعمة. {جاءتكم جنود} من الكفار متحزبون ايام حفر الخندق قريش وغطفان ويهود قريضة والنظير وعددهم يقارب اثني عشر الفا واما المسلمون فثلاثة آلاف وقيل غير ذلك على ما يأتي ان شاء الله. {فأرسلنا عليهم ريحا} باردة تسفي التراب في وجوههم في ليلة شاتية باردة وهي ريح الصبا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصرت بالصباء وأهلكت عاد بالدبور ". تفسير : قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الشمال: ان الحرة لا تسري بالليل فارسلت الصبا قيل الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون الا ذهب حزنه. {وجنودا لم تروها} وهم الملائكة وكانوا ألفا تقطع اطناب الفساطيط وتقلع الاوتاد وتطفي النيران وتكفي القدور وكثر تسبيحهم في جوانب العسكر وفي وسطهم وتكبيرهم فخافوا وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكان سيد كل حي يقول يا بني فلان هلموا فاذا اجتمعوا عنده قال: النجاة النجاة فانهزموا من غير قتال. قال طلحة ابن خوالد الأسدي: أما محمد فقد بدأكم بسحره فالنجاة النجاة. {وكان الله بما تعملون} من حفر الخندق والتحصن. {بصيرا} وقرأ البصريان {يعملون} بالتحتية اي بما يعمل المشركون من التحزب والمحاربة وقام الفريقان على الخندق نحو شهر لا حرب بينهم الا رميا بالنبل والرمي بالحجارة. ذكر غزوة الخندق من المواهب سميت غزوة الخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره صلى الله عليه وسلم، ولم يكن اتخاذ الخندق من شأن العرب ولكنه من مكائد الفرس وكان الذي اشار اليه سلمان رضي الله عنه قال: يا رسول الله انا كنا بفارس اذا حوصرنا خندقنا علينا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفره وعمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين، واما تسميتها بغزوة الاحزاب فلإجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين وهم قريش وغطفان واليهود ومن معهم. قال موسى بن عقبة: كان ذلك في شوال سنة اربع، وقال ابن اسحاق في شوال سنة خمس ورجح الاول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض ابن عمر يوم أحد وهو ابن اربع عشرة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجازه فيكون بينهما سنة واحدة وأحد كانت سنة ثلاث فيكون الخندق سنة اربع ولا حجة فيه اذا ثبت لنا انها كانت سنة خمس لاحتمال ان يكون ابن عمر في أحد اول ما طعن في الرابعة عشر وفي الاحزاب استكمل الخمس عشرة والمشهور قيل انها في السنة الرابعة وكان من حديث هذه الغزوة ان نفرا من يهود خرجوا حتى قدموا مكة على قريش وقالوا انا سنكون معكم عليه واستعدوا حتى نستأصله فاجتمعوا لذلك واستعدوا ثم خرج اولئك اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس غيلان فدعوهم الى حربة صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم انهم سيكونون معهم عليه وان قريشا قد بايعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فخرجت قريش وقائدها ابو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في فزارة والحارث بن عوف المري في مرة وكان عدتهم فيما قاله ابن اسحاق عشرة آلاف والمسلمون ثلاثة آلاف وقيل غير ذلك وذكر ابن سعد انه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسا ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاحزاب وبما اجمعوا عليه من الامر ضرب على المسلمين الخندق وأبطا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين في عملهم ذلك ناس من المنافقين وجعلوا يورون عن العمل بالضعف. وعن سهل بن سعد قال: حديث : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم يحفرون ونحن نحمل التراب على أَكتافنا وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار"تفسير : ، والاكتاد بالمثناة الفوقية جمع كتد بفتح اوله وكسر المثناة وهو ما بين الكاهل الى الظهر، وعن انس: فاذا المهاجرون والانصار يحفرون في غداة باردة فلم يك لهم عبيد يعملون ذلك فلما رأى ما بهم من التعب والجوع قال: "اللهم لا عيش الا عيش الآخرة فاغفر للانصار والمهاجرة" فقالوا مجيبين له: شعر : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد مالقين ابدا تفسير : قال البراء: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه وسمعته يتمثل بقول ابن رواحة: شعر : والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فانزلن سكينة علينا وثبت الاقدام ان لاقينا ان الألى قد رغبوا علينا وان رادوا فتنة أبينا تفسير : يمد بذلك صوته وان قلت كيف قال الشعر قلت لم يقرأه كقراءة الشعر بل نثرا. وقد روى انه قال ذلك مكسورا هكذا: اللهم لولا انت البيت، وقال فانزل بترك التوكيد، وقال ان الاولى قد باعوا البيت وروي انه قال حين بدأ الضرب في الخندق. شعر : بسم الله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا جندا ربا واحدا ودينا تفسير : يقال بديت الشيء بكسر الدال وهو لغة فتحقق الهمزة او تخفف وتبدل ياء. قال جابر بن عبدالله: ان يوم الخندق نحفر فعرضت كدية يده وهو بضم الكاف وتقديم المهملة على التحتانية وهي القطعة الصلبة فجاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقام وبطنه معصوب بحجر. لبثنا ثلاثة ايام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا اهيل او اهيم شك الراوي وقطع بعض بالأول واراد رمل يسيل ولا يتماسك. وعن البراء: حديث : عرضت لنا في الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فأخذ المعول فقال "بسم الله" ثم ضرب ضربة فنثر ثلثها وقال "الله اكبر اعطيت مفاتيح الشام والله اني لأبصر قصورها الحمر الساعة" ثم ضرب الثانية فقطع ثلثها الآخر فقال "الله اكبر اعطيت مفاتيح فارس واني والله لأبصر قصر المدائن الابيض الآن" ثم ضرب الثالثة فقال "بسم الله" فقطع بقية الحجر فقال "الله اكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله اني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة"تفسير : ومن اعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ما ذكره جاء ابن عبدالله من تكثير الطعام القليل يوم حفر الخندق وذكر موسى بن عقبة انهم قاموا في عمل الخندق قريبا من عشرين ليلة وعند الواقدي اربعا وعشرين. وقال النووي: خمسة عشر يوما. وقال ابن القيم: شهرا.حديث : ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسم من الخندق وأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السيول في عشرة آلاف من احابيشهم ومن تبعهم من كنانة وتهامة ونزل عيينة بن حصن في غطفان ومن تبعهم من اهل نجد الى جانب احد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهروهم الى سلع وكانوا ثلاثة آلاف رجل فضرب هنالك عسكرا والخندق بينه وبين القوم وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة وكان صلى الله عليه وسلم يبعث الحرس الى المدينة خوفا على الذراري من بني قريضة. تفسير : قال ابن اسحاق: حديث : وخرج عدو الله حيي بن اخطب حتى اتى كعب بن اسعد القرضي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم وقد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاقده فغلق كعب دونه باب حصنه وأبى ان يفتح له وقال: ويحك يا حيي انك امرؤ مشؤوم واني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه فاني لم ارى منه الا وفاء وصدقا. فقال: ويلك افتح ولم يزل به حتى فتح له وقال يا كعب جئتك بعز الدهر جئتك بقريش حتى انزلتهم بمجمع الاسياد ومن دونه غطفان وقد عاهدوني على ان لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه ولم يزل به حتى نقض عهده. وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. تفسير : قال عبدالله بن الزبير: حديث : كنت يوم الاحزاب أَنا وعمر بن ابي سلمة مع النساء في اطم حسان فنظرت فاذا الزبير على فرسه يختلف بني قريظة مرتين او ثلاثا فلما رجعت قلت يا ابت رأيتك تختلف. قال: رأيتني يا بني؟ قلت: نعم. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال من يأتي بني قريظة فيأتني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابويه. قال: فداك ابي وامي. تفسير : وفي روايةحديث : لما بلغ رسول الله الخبر بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما ابن رواحة وخوات بن جبير ليعرفوا الخبر فوجدوهم على اخبث ما بلغهم عنهم نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرءوا من عقده وعهده ثم اقبل السعدان ومن معهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا عضل والقارة اي كغدرهما بأصحاب الرجيع فعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن اسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين وانزل الله {وإذ يقول المنافقون} الخ. وقال رجال ممن معه: يا أهل يثرب لا مقام لكم الخ. وقال اوس بن قيظي: يا رسول الله ان بيوتنا عورة من العدو فأذن فنرجع بها فانها خارج المدينة تفسير : وفي بعض نسخ المواهب "حديث : وأقام صلى الله عليه وسلم واصحابه بضع عشرة ليلة فمشى نعيم بن مسعود الأشجعي وهو مخف اسلامه فثبط قوما عن قوم وأوقع بينهم شرا لقوله صلى الله عليه وسلم "الحرب خدعة"" تفسير : فاختلفت كلمتهم. حديث : وعن حذيفة: لقد رأيت ليلة الاحزاب وابو سفيان ومن معه من فوقنا وقريظة اسفل منا نخافهم على ذرارينا وما اتت علينا ليلة اشد ظلمة ولا ريحا منها فجعل المنافقون يستأذنون ويقولون ان بيوتنا عورة فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم وانا جالس على ركبتي ولم يبق معه الا ثلاث مائة. فقال "اذهب فأتني بخبر القوم" ودعا لي فأذهب الله عني القر والفزع فدخلت عسكرهم فاذا الريح فيهم لا تجاوز بشرا فلما رجعت رأيت فوارس في طريق فقالوا اخبر صاحبك ان الله كفاه القوم تفسير : انتهى ما في تلك النسخة حديث : واقبل نوفل بن عبدالله المخزومي على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق فقتله الله عز وجل وكبر ذلك على المشركين فارسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه الينا فندفنه فرد اليهم النبي صلى الله عليه وسلم: "خبيث الدية فلعنه الله ولعن ديته ولا نمنعكم ان تدفنوه ولا ارب لنا في ديته" . تفسير : قال بن اسحاق اقتحم عمرو بن عبد ود العامري هو ونفر معه بخيولهم من ناحية ضيقة من الخندق حتى صاروا بالسبخة ولم يكن بينهم قتلا الا مرامي فبارزه علي فقتله وقتل الزبير نوفل بن عبدالله بن المغيرة وقيل قتله علي ورجعت بقية الخيول منهزمة ورمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الاكحل وهو عرق في وسط الذراع وهو عرق الحياة في كل عضو منه شعبة وهو في الظهر الابهر وفي الفخذ النساء اذا قطع لم يرق الدم والذي سعدا هو ابن العرقة احد بني عامر بن لوي قال خذها مني وانا ابن العرقة فقال له سعد عرق الله وجهك في النار ثم قال اللهم ان كنت ابقيت من حرب قريش شيئا فابقني لها فانه لا قوم احب اليّ ان اجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه واقام عليه السلام واصحابه بضع عشرة ليلة فمشى نعيم بن مسعود الاشجعي فثبط قوما عن قوم كما مر وفي رواية لما ارسل حذيفة ليأتيه بالخبر سمع ابا سفيان يقول يا معشر قريش انكم والله ما اصبحتم بدار مقام ولقد هلك الخف والكراع واختلفنا نحن وبنوا قريضة ولقينا من هذا الريح ما ترون فارتحلوا فاني مرتحل ووثب على جملة فما حل عقال يده الا وهو قائم وفي البخاري انه عليه السلام قال يوم الاحزاب من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير: انا، ثم قال: من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير: انا، قالها ثلاثا. قال بن الملقن المشهور: ان الذي ذهب هو حذيفة بن اليمان قال بن حجر: لا اشكال فإن قصة الزبير لكشف خبر بني قريضة هل نقضوا العهد وقصة حذيفة لما اشتد الحصار على المؤمنين بالخندق ذهب بعد تكرار الخطاب ودعى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : اللهم منزّل الكتاب سريع الحساب اهزم الاحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم. قال ابو سعيد: يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: "نعم - اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا" تفسير : فضرب الله وجوه اعدائنا بالريح. وقيل انه قال: حديث : "يا صريخ المكروبين يا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فانك ترى ما نزل بي وبأصحابي" فأتاه جبريل فبشره بأن الله سبحانه يرسل عليهم ريحا وجنودا فاعلم أصحابه ورفع يديه قائلا "شكرا شكرا" وهبت ريح الصبا ليلا ورمتهم الحصاة وسمعوا في أرجاء معسكرهم التكبير وقعقعة السلاح فارتحلوا هرابا في ليلتهم وتركوا ما استثقلوه من متاعهم. "حديث : وعن علي أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: "ملأ الله بيوتهم وقبورهم كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" ". تفسير : وعن ابن مسعود انه قال: حديث : حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شغلونا عن الصلاة الوسطى"تفسير : . الحديث ومقتضى رواية علي انه استمر اشتغاله المشركين حتى غابت، ومقتضى كلام ابن مسعود انه لم يخرج الوقت بالكلية قال ابن دقيق العيد الحبس انتهى الى الحمرة او الى الصفرة ولم تقع الصلاة الا بعد المغرب وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث : انه جاء يوم الخندق بعد ما كادت الشمس تغرب فقال صلى الله عليه وسلم: والله ما صليتها. فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطمان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى المغربتفسير : ولعل ذلك للاشتغال بأسباب الصلاة او غيرها وقال مالك فاته الظهر والعصر وعن ابن مسعود ان المشكرين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن اربع صلوات ورجح ابن العربي انه فاته العصر. وقال النووي: ان وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا في يوم وهذا في يوم وان تأخيره صلاة العصر حتى غربت الشمس كان قبل نزول صلاة الخوف قال العلماء ولعله أخّرها نسيانا وهل الصلاة الوسطى الصبح او الظهر او العصر او المغرب او الصلوات كلها ويتناول الفرض والنفل واختاره ابن عبد البر او الجمعة وصححه القاضي حسين او الظهر في الأيام والجمعة في يوم الجمعة او العشاء لأنها بين صلاتين لا يقصران او الصبح والعشاء والصبح والعصر لقوة الادلة فظاهر القرآن الصبح ونصوا السنة العصر او صلاة الجماعة او الوتر او صلاة الأضحى او صلاة الفطر او الضحى او واحدة من الخمس غير معينة والصبح او العصر على الترديد وقيل بالوقف اقوال تسعة عشر "حديث : وانصرف صلى الله عليه وسلم من غزوة الخندق يوم الاربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة. وقال عليه السلام: لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكن انتم تغزونهم ولما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة وأصحابه ووضعوا السلاح جاءه جبريل عليه السلام معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة ديباج"تفسير : والاعتجار الفاء العمامة طاقا على طاق وقيل ان تلف وينزل طرفها ويلف على الوجه كله الا العينين. "حديث : وعن عائشة رضي الله عنها لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل عليه السلام فقال "قد وضعت السلاح والله ما وضعناه اخرج اليهم" واشار الى بني قريضة وعند ابن اسحاق "ان الله يأمرك يا محمد بالمسير الى بني قريضة فاني عائد اليهم فمزلزل بهم" فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن في الناس من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريضة وعند ابن عائذ "قم فشد عليك سلاحك فوالله لأدقنهم دق البيض على الصفا" وبعث مناديا ينادي يا خيل اركبي وبعث علينا على المقدمة وخرج في أثره وسار اليهم في ثلاثة آلاف والخيل مائة وثلاثون فرسا وذلك يوم الاربعاء لسبع بقين من ذي القعدة واستعمل ابن ام مكتوم على المدنية ونزل على بئر من آبار بني قريضة وتلاحق به الناس فأتى رجال من عبد العشاء الآخرة لم يصلوا العصر لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يصلين احد العصر الا في بني قريضة" فصلوها بعد العشاء فما عاب الله عليهم ذلك وما عنفهم رسوله صلى الله عليه وسلم"تفسير : وصلى بعضهم العصر في طريقه وقال لم يرد منا ذلك بل اراد العجلة ولم يعب فعله ولا عنف وقيل "لا يصلين احد الظهر الا في بني قريضة" وجمع بين الروايتين انه قال لا يصلين الظهر لمن لم يصلها وقال: لا يصلين العصر لمن صلى الظهر او قال للطائفة الاولى الظهر وللثانية العصر والذي احفظه من حديث الخندق حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذ المعول من يد سلمان فضرب الصخرة التي عرضت في بعض الخندق فصدعها وبرق منها برق اضاء ما بين لابتيها يعني ما بين جبلي المدينة حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح فكبر معه المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون معه وأخذ بيد سلمان فرقا فقال سلمان بأبي انت وامي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم الى القوم فقال: أرأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال "ضربت ضربتي الاولى فبرق الذي رأيتم فأضاء لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب واخبرني جبريل ان امتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رايتم اضاءت لي منها القصور الحمر من ارض الروم كأنها انياب الكلاب فاخبرني جبريل عليه السلام ان امتي ظاهرة عليها ثم ضربت الثالثة فبرق منها الذي رأيتم فاضاءت لي قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل ان امتي ظاهرة عليها فابشروا" تفسير : فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر فقال المنافقون ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل فيخبركم انه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وانها تفتح لكم وانتم انما تحفرون الخندق من الفرق ولا تستطيعون ان تبرزوا فنزل {وإذ يقول المنافقون.... إلا غرورا} ونزل: {أية : قل اللهم مالك الملك} تفسير : الآية وهي اول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر. "حديث : روي انه صلى الله عليه وسلم خط الخندق وقطع لكل عشرة اربعين ذرعا فاحتج المهاجرون والانصار في سلمان وكان قويا كلٌ يقول هو منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سلمان منا اهل البيت"" تفسير : قال عمرو ابن عوف كنت انا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من انصار في اربعين ذراعا فحفرنا حتى اذا كنا تحت ذي ناب اخرج الله من بطن الخندق صخرة كبرت وشقت علينا فقلنا يا سلمان ارق الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واخبره بخبر هذه الصخرة فإما ان نعدل عنها فإن المعدل قريب واما ان يأمرنا فيها بأمره فانا لا نحب ان نجاوزه خطة ذكر ذلك كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم وانها كسرت حديدنا ولا يجيبنا منها قليل ولا كثير فجاء مع سلمان فنزل فيه والتسعة على شعبته فأخذ المعول من يد سلمان فضربها ثلاثا كما مر. وروي ان الاحزاب نزلوا بذي نعمى الى جانب أُحد والمسلمون كانت ظهورهم الى سلع وذراريهم ونسائهم رفعوا الى الآطام "حديث : وروي أن حيي لما جاء إلى كعب بن أسد يحرضه أغلق كعب بابه فجعل يستفتح فلم يستفتح فلم يفتح له حتى قال ما أغلقته إليّ خوف ان آكل معك فدخل فقال جئتك بعز الدهر بقريش في استئصال محمد ومن معه فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام اراق ماءه يبرق ويرعد ولا ماء فيه دعني فاني لم ار من محمد إلا صدقا فلم يزل به حتى نقض العهد وأوعده حيي لأن رجعت قريش ولم يصيبوا محمدا لأدخلن معك في حصنك حتى يصيبني ما اصابك فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقضه ارسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وغيرهما ليأتوه بالخبر فإن نقض فألحنوا لي لحنا أعرفه وإلا فاجهروا بوفائه فمضوا ووجدوه وقومه على خبث ما بلغهم عنهم ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لا عقد بيننا وبينه فشاتمهم سعد بن عبادة وكانت فيه حدة وشاتموه وقال هل سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم اربى من المشاتمة فجاءوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحنوا اليه بعظل والقارة كما مر بيانه فقال صلى الله عليه وسلم:الله اكبر أبشروا يا معشر المسلمين" تفسير : وعظم البلاء واشتد الخوف اذ جاءهم عدوهم من فوقهم ومن اسفل منهم وظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق حتى قال معقب بن قشير اخو بني عمر بن عوف كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر واحدنا لا يقدر يذهب الى الغائط ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا ولما اشتد البلاء والحصار بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الى عيينة ابن حصن والحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث عمار المدنية على ان يرجعا بمن معهما حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكتبوا ذلك ولم تقع الشهادة فذكر صلى الله عليه وسلم ذلك لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة مشاورة فقالا: يا رسول الله أشيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم أمر تحبه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا؟ فقال: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا اني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد وكالبوكم من كل جانب فأردت ان أكسر عنكم شوكتهم". فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأصنام ولا يطمعون ان يأكلوا منا تمرة واحدة الا فري او بيعا فحين اكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم اموالنا ما لنا بهذا من حاجة والله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال صلى الله عليه وسلم: "أنت وذاك فتناول سعد الصحيفة فجيء ما فيها ثم قال: ليجهدوا عليناتفسير : ، وفي رواية عن ابن اسحاق وقد مر بعضها ان فوارس من قريش عمرو بن عبد ود آخا بني عامر بن لوي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن ابي وهب المخزمين ونوفل بن عبدالله بن ضرار بن الخطاب ومدارس آخا بني محارب بن فهر قد لبسوا للقتال وخرجوا على أخيلهم فمروا على بني كنانة فقالوا تهيأوا للحرب يا بني كنانة تستعملون اليوم من الفرسان ثم أقبلوا نحو الخندق حين وقفوا عليه فلما رأوه قالوا والله هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج علي في نفر من المسلمين حتى اخذوا عليهم الموضع الذي اقتحموا منه ورجعت اليهم الفرسان وكان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثقلته الجراح فلم يشهد أحدا فخرج يوم الخندق معلما ليرى مكانه ولما وقف وهو وخيله قال علي: يا عمرو انك كنت تعاهد الله لا يدعوك رجل من قريش الى خلقين الا اخذت احدهما. فقال: أجل. قال له علي: أدعوك الى الله ورسوله وإلى الاسلام. فقال: لا حاجة لي بذلك. فقال: اني ادعوك الى النزال. قال: ولم يا ابن اخي فوالله ما احب ان اقتلك. فقال علي: لكن والله احب ان اقتلك. فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره او ضرب وجهه ثم اقبل على علي فتجاولا فقتله علي وخرجت خيله منهزمة من ذلك المكان هاربة وقيل كان مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبدالدار اصابة سهم فمات بمكة ونوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزومي اقتحم الخندق فتورض فيه فرموه بالحجارة فقال: يا معشر القتل أحسن من هذا فنزل اليه علي فقتله. وقالت عائشة رضي الله عنها: كنا يوم الخندق في حصن بني حارثة وكان من أحرز حصون المدينة وكانت أم سعد بن معاذ معنا في الحصن وذلك قبل ان يضرب علينا بالحجاب فمر سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربة فقلت يا أم سعد والله لوددت ان درع سعد كانت اشبع، فرمي بسهم يومئذ فقطع منه الأكحل وقال: ان كنت اللهم وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعل هذا الجرح لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريضة وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية وكانت صفية بن عبدالمطلب في حصن مع حسان بن ثابت والنساء والصبيان فمر يهودي يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريضة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في مقابلة العدو لا يستطيعون ان ينصرفوا الينا فقالت: يا حسان ما آمن والله هذا اليهودي ان يدل علينا اليهود وقد اشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه فانزل اليه فاقتله، فقال يغفر الله لك يا بنت عبدالمطلب والله لقد عرفت ما انا بصاحب هذا. قالت: فلما قال لي هذا ولم ار عنده شيئا احتجزت واخذت عمودا ونزلت اليه فضربته بالعمود حتى قتلته فرجعت الى الحصن فقلت يا حسان انزل اليه فاسلبه فانه لا يمنعني من سلبه الا انه رجل فقال مالي بسلبه حاجة يا بنت عبدالمطلب. حديث : وجاء نعيم بن مسعود الى رسول الله كما مر فقال يا رسول الله اني قد اسلمت وان قومي لم يعلموا باسلامي فمرني بما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما انت فينا رجل واحد فخادع لنا الناس فان الحرب خدعة"تفسير : . فأتى بني قريضة وكان نديما لهم في الجاهلية قال لهم يا بني قريظه قد عرفتم ودي اياكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم. فقال لهم: ان قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمد صلى الله عليه وسلم وقد ظاهرتموهم عليه وليسوا مثلكم، البلد بلدكم وبه اموالكم واولادكم ونساءكم لا تقدرون ان تتحولوا منه الى غيره فإن رأوا غنيمة وظفرا اصابوها وان كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبينه ولا طاقة لكم به فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من اشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على ان يقاتلوا معكم قالوا لقد اشرت برأي ونصح. ثم اتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه من قريش: قد عرفتم ودي اياكم وانا انصحكم فاكتموا عني. قالوا نفعل. قال: تعلمون ان اليهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد وقد ارسلوا اليه ان قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك منا ان نأخذ من قريش وغطفان رجالا من اشرافهم فنعطيكهم فتضرب اعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم فارسل اليهم ان نعم، فان بعثت اليكم اليهود يلتمسون رهنا فلا تدفعوا اليهم رجلا وأتى غطفان فقال لهم كما قال لقريش، وقال لهم: انتم اهلي وعشيرتي وأحب الناس اليّ فارسل ابو سفيان وغطفان الى بني قريضة عكرمة بن ابي جهل في نفر من قريش وغطفان ليلة السبت من شوال سنة خمس فقالوا لهم لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدا فارسلوا اليهم ان اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه وقد احدث فيه بعضنا حدثا فاصابهم ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة حين نناجز محمدا فانا خفنا ان اشتد القتال ان تسيروا الى بلادكم وتتركونا والرجل ولا طاقة لنا به. قالت قريش وغطفان: تعلمون والله ان الذي حدثكم به نعيم فحق فاشلوا اليهم والله لا ندفع اليكم رجلا واحدا فإن اردتم القتال فاخرجوا فقالوا فقالت بنو قريضة: صدق نعيم وقال حقا فارسلوا الى قريش وغطفان والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا وفرق الله بينهم وأرسل الريح تطرح آنيتهم وقد مر ذكرها ولما انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من امرهم دعى حذيفة بن اليمان لينظر ما فعل القوم ليلا، وروي حديث : ان فتى كوفيا قال لحذيفة: يا ابا عبدالله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتوه، قال نعم يا ابن اخي. قال: كيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. قال الفتى: والله لو ادركناه ما تركناه يمشي على الارض ولحملناه على اعناقنا ولخدمناه وفعلنا مع ما اراد قال حذيفة: يا ابن اخي والله لقد رأيتني ليلة الاحزاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من يقوم فيذهب الى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم ادخله الجنة" فما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهناً من الليل ثم التفت الينا فقال مثله فسكت القوم ثم صلى وهناً من الليل فقال: "هل من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم على ان يكون رفيقي في الجنة" فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد ولما لم يقم احد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا حذيفة" فلم يكن بد من القيام حين دعاني فقلت لبيك يا رسول الله فأتيته فأخذ بيدي ومسح رأسي ووجهي ثم قال: "آت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا تحدثن شيئا حتى ترجع اليّ" ثم قال: "اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته" فأخذت سهمي وشددت على نفسي فانطلقت امشي نحوهم كأني امشي في حمام فدخلتهم فأرسل عليهم الله ريحا لا تقر لهم قدور ولا بناء وابو سفيان قاعد يصطلي فوضعت سهما في كبد القوس لأقتله وانا قريب منه متمكن منه فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتحدثن حدثا حتى ترجع فرددت السهم في كنانتي، ولما رأى ابو سفيان ما تفعل الريح قام فقال: يا معشر قريش ليأخذن كل واحد منكم بيد جليسه فلينظر من هو فأخذت بيد جليسي فقلت: من انت فقال: سبحان الله ما تعرفني انا فلان بن فلان من هوازن فقال ابو سفيان: يا معشر قريش انكم والله ما اصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف واخلفتنا بنو قريضة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذا الريح ما ترون فارتحلوا فاني مرتحل ثم قام الى جمله وهو معقول فجلس عليه فضربه فوثب على ثلاث فما اطلق عقاله الا وهو قائم وسمعت غطفان بما فعلت قريش فرجعوا، فرجعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني امشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي فأخبرته فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل فلما اخبرت وفرغت قررت وذهب عني الدفء فأدناني النبي صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه وألقى عليّ طرف ثوبه والزق صدري ببطن قدميه فلم ازل نائما حتى أصبحت فلما اصبحت قال "قم يا نومان". قال الثعالبي: أجلي بنو النظير من موضعهم عند المدينة الى خيبر فاجتمعت جماعة منهم ومن غيرهم من اليهود يستنهضون قريشا وغطفان وبني اسد واهل نجد وتهامة وجاءوا وحصاروا المدينة وذلك في شوال سنة خمس وقيل أربع قال جار الله عدة قريش ومن معهم من الاحابيش وكنانة واهل تهامة عشرة آلاف وعدة غطفان الف .
اطفيش
تفسير : {يا أيها الَّذين آمنُوا اذكُروا نعمْة الله عليْكم} حال من نعمة بمعنى نفس الشئ المنعم به، او متعلق به على المعنى المصدرى، اى الانعام عليكم، كذا قوله: {إذْ جاءتكم جُنودٌ} او متعلق بمحذوف حال من المستتر فى عليكم، اذا جعلنا عليكم حالا او خارج عن الظرفية الى معنى المفعول، على انه بدل من المفعول به، وهو نعمة بدل اشتمال، ووقت مجئ الجنود وقت الاحزاب، وهم قريش يقودهم ابو سفيان، وبنو اسد بطليحة، وغطفان بعيينة، وبنو عامر بعامر بن الطفيل، وبنو سليم بابى الاعور السلمى، وبنو النضير بحيى بن اخطب، وابناء ابى الحقيق، وبنو قريظة بكعب ابن اسد، كان بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم عهد فنبذه بما فعل حيى من السعى، وهم عشرة آلاف او اثنا عشر او تسعة عشر اقوال. سمع صلى الله عليه وسلم بهم فأحاط المدينة بخندق باشارة سلمان الى ما يفعلون بفارس، امر صلى الله عليه وسلم بأربعين ذراعا لكل عشرة، وعسكر صلى الله عليه وسلم بثلاثة آلاف، وجعل النساء والذرارى فى الاطام، ومضى قريب من شهر لا حرب الا بنبل وحجارة، وبينهم الخندق، واقحم عمرو بن عبد ود، وكان يعد بألف فارس، وعكرمة بن ابى جهل، وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن ابى وهب، ونوفل بن عبدالله وجده، ومنبه بن عثمان بن عبدالدار ونحوهم، خيولهم من مكان ضيق، فدخلت فأخذه على ونفر، وقتل عمرا وقتلوا منبه بن عثمان ونوفلا وجد نوفل فى الخندق اذ هربوا بالحجارة، اذ قال جده اولى من هذا ان ينزل الى بعضكم، فأقاتله فنزل اليه الزبير بن العوام فقتله، وقيل: طعنه على فى ترقوته حتى اخرجها من مراقه، ومات فاشتروا جيفته بعشرة آلاف، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هى لكم لا نأكل ثمن الموتى"تفسير : وسيأتى انه قتل من الاحزاب اربعة، ومن المؤمنين ستة، وأنزل الله النصر كما قال: {فأرسْلنا عليْهم ريحاً} ريح صبا باردة فى ليلة {وجنودا} ملائكة الفا {لم تَروْها} ابردتهم الريح، وسفت التراب فى وجوههم، وقلعت الملائكة الاوتاد، وقطعت الاطناب، واطفأت هى والريح النيران، وكفأت القدور، وماج بعض الخيل فى بعض، وكبرت الملائكة فى جوانب العسكر، فقال طلحة بن خويلد: بدأكم محمد صلى الله عليه وسلم بالسحر النجاء النجاء، ودنا حذيفة منهم ليأتى بخبرهم، فما وجد الريح جاوزتهم شبرا، ورأى رجلا ادهم ضخما يقول ليده على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل لا مقام لكم، قال والله انى لأسمع ضرب الحجارة فى رحالهم، وضرب الريح لهم، فرجعت الى النبى صلى الله عليه وسلم، ولما بلغت نصف الطريق اذا بأربعين فارسا متعممين فقالوا اخبر صاحبك ان الله تعالى كفاه القوم، وهم ملائكة. {وكان الله بمَا تعمْلونَ} من حفر الخندق، وترتيب مبادئ الحرب، والتجائكم الى الله تعالى، ورجائكم من فضله، وزلزال المؤمنين لا ينافى ارادة اعلاء الدين، والالتجاء اليه تعالى ورجاء فضله، وايضا التزلزل حادث بل يأتى تفسيره ان شاء الله {بصيرا} ولذلك نصركم.
الالوسي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} شروع في ذكر قصة الأحزاب وهي وقعة الخندق، وكانت على ما قال ابن إسحاق في شوال سنة خمس، وقال مالك: سنة أربع. والنعمة إن كانت مصدراً بمعنى الإنعام فالجار متعلق بها وإلا فهو متعلق بمحذوف وقع حالاً منها أي كائنة عليكم، وقوله تعالى: {إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ } ظرف لنفس النعمة أو لثبوتها لهم، وقيل: منصوب باذكر على أنه بدل اشتمال من {نِعْمَةَ} والمراد بالجنود الأحزاب، وهم قريش يقودهم أبو سفيان، وبنو أسد يقودهم طليحة، وغطفان يقودهم عيينة، وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وبنو سليم يقودهم أبو الأعور السلمي، وبنو النضير رؤساؤهم حيـي بن أخطب وأبناء أبـي الحقيق، وبنو قريظة سيدهم كعب بن أسد، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنبذه بسعي حيـي، وكان مجموعهم عشرة آلاف في قول وخمسة عشر ألفاً في آخر، وقيل: زهاء اثني عشر ألفاً، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم حفر خندقاً قريباً من المدينة محيطاً بها بإشارة سلمان الفارسي أعطى كل أربعين ذراعاً لعشرة، ثم خرج عليه الصلاة والسلام في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فدفعوا في الآطام، واشتد الخوف وظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق كما قص الله تعالى، ومضى قريب من شهر على الفريقين لا حرب بينهم سوى الرمي بالنبل والحجارة من وراء الخندق إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وكان يعد بألف فارس، وعكرمة بن أبـي جهل، وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبـي وهب ونوفل بن عبد الله قد ركبوا خيولهم وتيمموا من الخندق مكاناً ضيقاً فضربوا بخيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع فخرج علي بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه في نفر من المسلمين رضي الله تعالى عنهم حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها فأقبلت / الفرسان معهم وقتل علي كرم الله تعالى وجهه عمراً في قصة مشهورة فانهزمت خيله حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو منبه بن عثمان بن عبد الدار ونوفل بن عبد العزى، وقيل: وجد نوفل في جوف الخندق فجعل المسلمون يرمونه بالحجارة فقال لهم: قتلة أجمل من هذه ينزل بعضهكم أقاتله فقتله الزبير بن العوام. وذكر ابن إسحاق أن علياً كرم الله تعالى وجهه طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: هو لكم لا نأكل ثمن الموتى، ثم أنزل الله تعالى النصر وذلك قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً } عطف على {جَاءتْكُمُ } مسوق لبيان النعمة إجمالاً وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيتها في آخر القصة. {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة عليهم السلام وكانوا على ما قيل ألفاً، روي أن الله تعالى بعث عليهم صبا باردة في ليلة باردة فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأمر الملائكة عليهم السلام فقلعت الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم فقال طليحة بن خويلد الأسدي: أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء فانهزموا، وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه وقد ذهب ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر القوم. خرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل لا مقام لكم وإذا الرجل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبراً فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم والريح تضربهم ثم خرجت نحو النبـي عليه الصلاة والسلام فلما صرت في نصف الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو عشرين فارساً متعممين فقالوا: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم. وقرأ الحسن {وَجُنُوداً } بفتح الجيم، وقرأ أبو عمرو في رواية وأبو بكر في رواية أيضاً {لَمْ يروها} بياء الغيبة. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من حفر الخندق وترتيب مبادىء الحرب أعلاء لكلمة الله تعالى، وقيل: من التجائكم إليه تعالى ورجائكم من فضله عز وجل. وقرأ أبو عمرو {يَعْمَلُونَ} بياء الغيبة أي بما يعمله الكفار من التحرز والمحاربة وإغراء بعضهم بعضاً عليها حرصاً على إبطال حقكم، وقيل: من الكفر والمعاصي {بَصِيراً } ولذلك فعل ما فعل من نصركم عليهم، والجملة اعتراض مقرر لما قبله.
سيد قطب
تفسير : في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوماً بعد يوم وحدثاً بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنمو، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة، وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات. وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحياناً درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطاً مجهول القيم. وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والاستجابة؛ ويربيها يوماً بعد يوم، وحادثاً بعد حادث؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد. ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجاً صحيحاً، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة! ولقد كانت فترة عجيبة حقاً تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فترة اتصال السماء بالأرض اتصالاً مباشراً ظاهراً، مبلوراً في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفاً للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غداً أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول: أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. وياله من أمر هائل عجيب! ياله من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير! لقد كانت فترة عجيبة حقاً، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال! ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير. هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلاً، ندركها ونتدبرها؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير. وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة؛ ويصف موقفاً من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة، الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن. ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة ـ مع الاختصار المناسب ـ ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه؛ وسرد البشر للوقائع والأحداث. عن محمد بن إسحاق قال: بإسناده عن جماعة: إنه كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نسـتأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} تفسير : إلى قوله: {أية : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيراً }. تفسير : فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان ـ من قيس عيلان ـ فدعوهم إلى حرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه. فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة؛ فعمل فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتساباً له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. {أية : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم}... تفسير : ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {أية : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم }... تفسير : ولما فرغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نَقْمَى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلع في ثلاثة آلاف من المسلمين؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام (أي الحصون). وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قومه؛ وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب (أي ما زال يروضه ويخاتله) حتى سمح له ـ على أن أعطاه عهداً وميثاقاً: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو ـ وذلك عن ملأ من رجال قومه ـ فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة. فأقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقام عليه المشركون بضعاً وعشرين ليلة، قريباً من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار. "حديث : فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف ـ وهما قائدا غطفان ـ فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يفعل؛ بعث إلى سعد بن معاذ (سيد الأوس) وسعد بن عبادة (سيد الخزرج) فذكر ذلك لهما. واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله، أمراً تحبه فنصنعه؟ أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به؟ أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما". فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعاً. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "فأنت وذاك". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا ". تفسير : وأقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم. ثم "حديث : إن نعيم بن مسعود بن عامر (من غطفان) أتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة". (وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة"تفسير : في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة)... وخذل الله بينهم ـ وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم (يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ). فلما انتهى إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم، دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم لينظر ما فعله القوم ليلاً. قال ابن إسحاق: فحدثني زيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبدالله. أرأيتم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال: "حديث : فقال حذيفة: يا ابن أخي. والله لقد رأيتنا مع سول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالخندق، وصلى رسول الله ـ هوياً من الليل؛ ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم، ثم يرجع، يشرط له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجعة. أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد. فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني. فقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدث شيئاً حتى تأتينا" تفسير : قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، ولا تقر لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة: فأخذت الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت: من أنت؟ قال: فلان ابن فلان! ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام. لقد هلك الكراع والخف (يعني الخيل والجمال) وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون. ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء.. فارتحلوا فإني مرتحل.. ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث. فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليَّ ألا تحدث شيئاً حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو قائم يصلي في مرط (أي كساء) لبعض نسائه مرجل (من وشي اليمن) فلما رآني أدخلني إلى رجليه، وطرح عليَّ طرف المرط؛ ثم ركع وسجد وإني لفيه. فلما سلم أخبرته الخبر.. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم. إن النص القرآني يغفل أسماء الأشخاص، وأعيان الذوات، ليصور نماذج البشر وأنماط الطباع. ويغفل تفصيلات الحوادث وجزئيات الوقائع، ليصور القيم الثابتة والسنن الباقية. هذه التي لا تنتهي بانتهاء الحادث، ولا تنقطع بذهاب الأشخاص، ولا تنقضي بانقضاء الملابسات، ومن ثم تبقى قاعدة ومثلاً لكل جيل ولكل قبيل. ويحفل بربط المواقف والحوادث بقدر الله المسيطر على الأحداث والأشخاص، ويظهر فيها يد الله القادرة وتدبيره اللطيف، ويقف عند كل مرحلة في المعركة للتوجيه والتعقيب والربط بالأصل الكبير. ومع أنه كان يقص القصة على الذين عاشوها، وشهدوا أحداثها، فإنه كان يزيدهم بها خبراً، ويكشف لهم من جوانبها ما لم يدركوه وهم أصحابها وأبطالها! ويلقي الأضواء على سراديب النفوس ومنحنيات القلوب ومخبآت الضمائر؛ ويكشف للنور الأسرار والنوايا والخوالج المستكنة في أعماق الصدور. ذلك إلى جمال التصوير، وقوته، وحرارته، مع التهكم القاصم، والتصوير الساخر للجبن والخوف والنفاق والتواء الطباع! ومع الجلال الرائع والتصوير الموحي للإيمان والشجاعة والصبر والثقة في نفوس المؤمنين. إن النص القرآني معد للعمل ـ لا في وسط أولئك الذين عاصروا الحادث وشاهدوه فحسب. ولكن كذلك للعمل في كل وسط بعد ذلك وفي كل تاريخ. معد للعمل في النفس البشرية إطلاقاً كلما واجهت مثل ذلك الحادث أو شبهه في الآماد الطويلة، والبيئات المنوعة. بنفس القوة التي عمل بها في الجماعة الأولى. ولا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم إلا من يواجه مثل الظروف التي واجهتها أول مرة. هنا تتفتح النصوص عن رصيدها المذخور، وتتفتح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة. وهنا تتحول تلك النصوص من كلمات وسطور إلى قوى وطاقات. وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها. تنتفض خلائق حية، موحية، دافعة، دافقة، تعمل في واقع الحياة، وتدفع بها إلى حركة حقيقية، في عالم الواقع وعالم الضمير. إن القرآن ليس كتاباً للتلاوة ولا للثقافة.. وكفى.. إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة؛ وإيحاء متجدد في المواقف والحوادث! ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة، متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب، ووجد الظرف الذي يطلق الطاقة المكنونة في تلك النصوص ذات السر العجيب! وإن الإنسان ليقرأ النص القرآني مئات المرات؛ ثم يقف الموقف، أو يواجه الحادث، فإذا النص القرآني جديد، يوحي إليه بما لم يوح من قبل قط، ويجيب على السؤال الحائر، ويفتي في المشكلة المعقدة، ويكشف الطريق الخافي، ويرسم الاتجاه القاصد، ويفيء بالقلب إلى اليقين الجازم في الأمر الذي يواجهه، وإلى الاطمئنان العميق. وليس ذلك لغير القرآن في قديم ولا حديث. يبدأ السياق القرآني الحديث عن حادث الأحزاب بتذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم أن رد عنهم الجيش الذي همّ أن يستأصلهم، لولا عون الله وتدبيره اللطيف. ومن ثم يجمل في الآية الأولى طبيعة ذلك الحادث، وبدءه ونهايته، قبل تفصيله وعرض مواقفه. لتبرز نعمة الله التي يذكرهم بها، ويطلب إليهم أن يتذكروها؛ وليظهر أن الله الذي يأمر المؤمنين باتباع وحيه، والتوكل عليه وحده، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، هو الذي يحمي القائمين على دعوته ومنهجه، من عدوان الكافرين والمنافقين: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود، فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيراً}.. وهكذا يرسم في هذه البداءة المجملة بدء المعركة وختامها، والعناصر الحاسمة فيها.. مجيء جنود الأعداء. وإرسال ريح الله وجنوده التي لم يرها المؤمنون. ونصر الله المرتبط بعلم الله بهم، وبصره بعملهم. ثم يأخذ بعد هذا الإجمال في التفصيل والتصوير: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم؛ وإذ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً. وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا. ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون: إن بيوتنا عورة ـ وما هي بعورة. إن يريدون إلا فراراً}.. إنها صورة الهول الذي روع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينج منه أحد من أهلها. وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب. من أعلاها ومن أسفلها. فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب؛ وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب، وظنها بالله، وسلوكها في الشدة، وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج. ومن ثم كان الابتلاء كاملاً والامتحان دقيقاً. والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسماً لا تردد فيه. وننظر اليوم فنرى الموقف بكل سماته، وكل انفعالاته، وكل خلجاته، وكل حركاته، ماثلاً أمامنا كأننا نراه من خلال هذا النص القصير. ننظر فنرى الموقف من خارجه: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم}.. ثم ننظر فنرى أثر الموقف في النفوس: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر}.. وهو تعبير مصور لحالة الخوف والكربة والضيق، يرسمها بملامح الوجوه وحركات القلوب. {وتظنون بالله الظنونا}.. ولا يفصل هذه الظنون. ويدعها مجملة ترسم حالة الاضطراب في المشاعر والخوالج، وذهابها كل مذهب، واختلاف التصورات في شتى القلوب. ثم تزيد سمات الموقف بروزاً، وتزيد خصائص الهول فيه وضوحاً: {هنالك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً}.. والهول الذي يزلزل المؤمنين لا بد أن يكون هولاً مروعاً رعيباً. قال محمد بن مسلمة وغيره: كان ليلنا بالخندق نهاراً؛ وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان ابن حرب في أصحابه يوماً، ويغدو خالد بن الوليد يوماً، ويغدو عمرو بن العاص يوماً، ويغدو هبيرة ابن أبي وهب يوماً، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوماً. ويغدو ضرار بن الخطاب يوماً. حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفاً شديداً. ويصور حال المسلمين ما رواه المقريزي في إمتاع الأسماع. قال: ثم وافى المشركون سحراً، وعبأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه فقاتلوا يومهم إلى هويّ من الليل، وما يقدر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من موضعهم. وما قدر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء؛ فجعل أصحابه يقولون: يا رسول الله ما صلينا! فيقول. ولا أنا والله ما صليت! حتى كشف الله المشركين، ورجع كل من الفريقين إلى منزله، وقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق، فكرت خيل للمشركين يطلبون غرة ـ وعليها خالد بن الوليد ـ فناوشهم ساعة، فزرق وحشي الطفيل بن النعمان بن خنساء الأنصاري السلمي بمزراق، فقتله كما قتل حمزة ـ رضي الله عنه ـ بأحد. وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يومئذ: "حديث : شغلنا المشركون عن صلاة الوسطى صلاة العصر. ملأ الله أجوافهم وقلوبهم ناراً. وخرجت طليعتان للمسلمين ليلاً فالتقتا ـ ولا يشعر بعضهم ببعض، ولا يظنون إلا أنهم العدو. فكانت بينهم جراحة وقتل. ثم نادوا بشعار الإسلام! "حم. لا ينصرون" فكف بعضهم عن بعض. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: جراحكم في سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد ".. تفسير : ولقد كان أشد الكرب على المسلمين، وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق، ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم. فلم يكونوا يأمنون في أية لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق، وأن تميل عليهم يهود، وهم قلة بين هذه الجموع، التي جاءت بنية استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة. ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً}.. فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد؛ وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون. فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك. وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم؛ فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعاً لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين! ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة؛ وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء. فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان! {وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا}.. فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف، والعودة إلى بيوتهم، بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا، لا موضع لها ولا محل، وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم.. وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها، ثغرة الخوف على النساء والذراري. والخطر محدق والهول جامح، والظنون لا تثبت ولا تستقر! {ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون: إن بيوتنا عورة}.. يستأذنون بحجة أن بيوتهم مكشوفة للعدو. متروكة بلا حماية. وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة، ويجردهم من العذر والحجة: {وما هي بعورة}.. ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار: {إن يريدون إلا فراراً}.. وقد روي أن بني حارثة بعثت بأوس بن قيظي إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقولون: {إن بيوتنا عورة}، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا. ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا، فنمنع ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم. إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا.. فردهم.. فهكذا كان أولئك الذين يجبههم القرآن بأنهم: {إن يريدون إلا فراراً}.. ويقف السياق عند هذه اللقطة الفنية لموقف البلبلة والفزع والمراوغة. يقف ليرسم صورة نفسية لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض. صورة نفسية داخلية لوهن العقيدة، وخور القلب، والاستعداد للانسلاخ من الصف بمجرد مصادفة غير مبقين على شيء، ولا متجملين لشيء: {ولو دخلت عليهم من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة لآتوها، وما تلبثوا بها إلا يسيراً}.. ذلك كان شأنهم والأعداء بعد خارج المدينة؛ ولم تقتحم عليهم بعد. ومهما يكن الكرب والفزع، فالخطر المتوقع غير الخطر الواقع، فأما لو وقع واقتحمت عليهم المدينة من أطرافها.. {ثم سئلوا الفتنة} وطلبت إليهم الردة عن دينهم {لآتوها} سراعاً غير متلبثين، ولا مترددين {إلا قليلاً} من الوقت، أو إلا قليلاً منهم يتلبثون شيئاً ما قبل أن يستجيبوا ويستسلموا ويرتدوا كفاراً! فهي عقيدة واهنة لا تثبت؛ وهو جبن غامر لا يملكون معه مقاومة! هكذا يكشفهم القرآن؛ ويقف نفوسهم عارية من كل ستار.. ثم يصمهم بعد هذا بنقض العهد وخلف الوعد. ومع من؟ مع الله الذي عاهدوه من قبل على غير هذا؛ ثم لم يرعوا مع الله عهداً: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار. وكان عهد الله مسؤولاً}. قال ابن هشام من رواية ابن إسحاق في السيرة: هم بنو حارثة، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين همتا بالفشل يومها. ثم عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها أبداً. فذكر لهم الذي أعطوا من أنفسهم. فأما يوم أحد فقد تداركهم الله برحمته ورعايته، وثبتهم، وعصمهم من عواقب الفشل. وكان ذلك درساً من دروس التربية في أوائل العهد بالجهاد. فأما اليوم، وبعد الزمن الطويل، والتجربة الكافية، فالقرآن يواجههم هذه المواجهة العنيفة. وعند هذا المقطع ـ وهم أمام العهد المنقوض ابتغاء النجاة من الخطر والأمان من الفزع ـ يقرر القرآن إحدى القيم الباقية التي يقررها في أوانها؛ ويصحح التصور الذي يدعوهم إلى نقض العهد والفرار: {قل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل؛ وإذن لا تمتعون إلا قليلاً. قل: من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة؛ ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً}.. إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر، يدفعها في الطريق المرسوم، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة. والموت أو القتل قدر لا مفر من لقائه، في موعده، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر. لن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فارّ. فإذا فروا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب، في موعده القريب. وكل موعد في الدنيا قريب، وكل متاع فيها قليل. ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته. سواء أراد بهم سوءاً أم أراد بهم رحمة، ولا مولى لهم ولا نصير، من دون الله، يحميهم ويمنعهم من قدر الله. فالاستسلام الاستسلامَ. والطاعة الطاعة. والوفاء الوفاء بالعهد مع الله، في السراء والضراء. ورجع الأمر إليه، والتوكل الكامل عليه. ثم يفعل الله ما يشاء. ثم يستطرد إلى تقرير علم الله بالمعوقين، الذين يقعدون عن الجهاد ويدعون غيرهم إلى القعود. ويقولون لهم: {لا مقام لكم فارجعوا}.. ويرسم لهم صورة نفسية مبدعة. وهي ـ على صدقها ـ تثير الضحك والسخرية من هذا النموذج المكرور في الناس. صورة للجبن والانزواء، والفزع والهلع. في ساعة الشدة. والانتفاش وسلاطة اللسان عند الرخاء. والشح على الخير والضن ببذل أي جهد فيه. والجزع والاضطراب عند توهم الخطر من بعيد.. والتعبير القرآني يرسم هذه الصورة في لمسات فنية مبدعة لا سبيل إلى استبدالها أو ترجمتها في غير سياقها المعجز: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم: هلم إلينا، ولا يأتون البأس إلا قليلاً. أشحة عليكم. فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت. فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد. أشحة على الخير. أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً. يحسبون الأحزاب لم يذهبوا. وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم. ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً}.. ويبدأ هذا النص بتقرير علم الله المؤكد بالمعوقين الذين يسعون بالتخذيل في صفوف الجماعة المسلمة. الذين يدعون إخوانهم إلى القعود {ولا يأتون البأس إلا قليلاً} ولا يشهدون الجهاد إلا لماماً. فهم مكشوفون لعلم الله، ومكرهم مكشوف. ثم تأخذ الريشة المعجزة في رسم سمات هذا النموذج. {أشحة عليكم} ففي نفوسهم كزازة على المسلمين. كزازة بالجهد وكزازة بالمال، وكزازة في العواطف والمشاعر على السواء. {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت}.. وهي صورة شاخصة، واضحة الملامح، متحركة الجوارح، وهي في الوقت ذاته مضحكة، تثير السخرية من هذا الصنف الجبان، الذي تنطق أوصاله وجوارحه في لحظة الخوف بالجبن المرتعش الخوار! وأشد إثارة للسخرية صورتهم بعد أن يذهب الخوف ويجيء الأمن: {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد}.. فخرجوا من الجحور، وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش، وانتفخت أوداجهم بالعظمة، ونفشوا بعد الانزواء، وادعوا في غير حياء، ما شاء لهم الادعاء، من البلاء في القتال والفضل في الأعمال، والشجاعة والاستبسال.. ثم هم: {أشحة على الخير}.. فلا يبذلون للخير شيئاً من طاقتهم وجهدهم وأموالهم وأنفسهم؛ مع كل ذلك الادعاء العريض وكل ذلك التبجح وطول اللسان! وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل. فهو موجود دائماً. وهو شجاع فصيح بارز حيثما كان هناك أمن ورخاء. وهو جبان صامت منزو حيثما كان هناك شدة وخوف. وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير، لا ينالهم منهم إلا سلاطة اللسان! {أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم}.. فهذه هي العلة الأولى. العلة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان، ولم تهتد بنوره، ولم تسلك منهجه. {فأحبط الله أعمالهم}.. ولم ينجحوا لأن عنصر النجاح الأصيل ليس هناك. {وكان ذلك على الله يسيراً}.. وليس هنالك عسير على الله، وكان أمر الله مفعولاً.. فأما يوم الأحزاب فيمضي النص في تصويرهم صورة مضحكة زرية: {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا}.. فهم ما يزالون يرتعشون، ويتخاذلون، ويخذّلون! ويأبون أن يصدقوا أن الأحزاب قد ذهبت، وأنه قد ذهب الخوف، وجاء الأمان! {وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم}.. يا للسخرية! ويا للتصوير الزري! ويا للصورة المضحكة! وإن يأت الأحزاب يود هؤلاء الجبناء لو أنهم لم يكونوا من أهل المدينة يوماً من الأيام. ويتمنون أن لو كانوا من أعراب البادية، لا يشاركون أهل المدينة في حياة ولا في مصير. ولا يعلمون ـ حتى ـ ما يجري عند أهلها. إنما هم يجهلونه، ويسألون عنه سؤال الغريب عن الغريب! مبالغة في البعد والانفصال، والنجاة من الأهوال! يتمنون هذه الأمنيات المضحكة، مع أنهم قاعدون، بعيدون عن المعركة، لا يتعرضون لها مباشرة؛ إنما هو الخوف من بعيد! والفزع والهلع من بعيد! {ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً}.. وبهذا الخط ينتهي رسم الصورة. صورة ذلك النموذج الذي كان عائشاً في الجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة؛ والذي ما يزال يتكرر في كل جيل وكل قبيل. بنفس الملامح، وذات السمات.. ينتهي رسم الصورة وقد تركت في النفوس الاحتقار لهذا النموذج، والسخرية منه، والابتعاد عنه، وهوانه على الله وعلى الناس. ذلك كان حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في الصفوف، وتلك كانت صورتهم الرديئة. ولكن الهول والكرب والشدة، والضيق لم تحول الناس جميعاً إلى هذه الصورة الرديئة.. كانت هنالك صورة وضيئة في وسط الظلام، مطمئنة في وسط الزلزال، واثقة بالله، راضية بقضاء الله، مستيقنة من نصر الله، بعد كل ما كان من خوف وبلبلة واضطراب. ويبدأ السياق هذه الصورة الوضيئة برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً}.. وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان. وإن دراسة موقفه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحادث الضخم لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم؛ وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر؛ وتطلب نفسه القدوة الطيبة؛ ويذكر الله ولا ينساه. ويحسن أن نلم بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال. إذ كنا لا نملك هنا أن نتناوله بالتفصيل. خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعمل في الخندق مع المسلمين. يضرب بالفأس، ويجرف التراب بالمسحاة، ويحمل التراب في المكتل. ويرفع صوته مع المرتجزين، وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل، فيشاركهم الترجيع! وقد كانوا يتغنون بأغان ساذجة من وحي الحوادث الجارية: "حديث : كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل، فكره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اسمه، وسماه عمراً. فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج: سماه من بعد جعيل عمراً وكان للبائس يوماً ظهراً فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة "عمرو"، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "عمراً". وإذا مروا بكلمة "ظهر" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ:ظهراً " تفسير : ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسلمون، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بينهم، يضرب بالفأس، ويجرف بالمسحاة، ويحمل في المكتل، ويرجع معهم هذا الغناء. ولنا أن نتصور أية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم؛ وأي ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز. "حديث : وكان زيد بن ثابت فيمن ينقل التراب. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ "أما إنه نعم الغلام!" وغلبته عيناه فنام في الخندق. وكان القر شديداً. فأخذ عمارة بن حزم سلاحه، وهو لا يشعر. فلما قام فزع. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "يا أبا رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك"! ثم قال: "من له علم بسلاح هذا الغلام"؟ فقال عمارة: يا رسول الله هو عندي. فقال: "فرده عليه". ونهى أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعباً! " تفسير : وهو حادث كذلك يصور يقظة العين والقلب، لكل من في الصف، صغيراً أو كبيراً. كما يصور روح الدعابة الحلوة الحانية الكريمة: "حديث : يا أبا رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك!" تفسير : ويصور في النهاية ذلك الجو الذي كان المسلمون يعيشون فيه في كنف نبيهم، في أحرج الظروف.. ثم كانت روحه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تستشرف النصر من بعيد، وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول؛ فيحدث بها المسلمين، ويبث فيهم الثقة واليقين. قال ابن إسحاق: "حديث : وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق، فغلظت عليّ صخرة، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قريب مني. فلما رآني أضرب، ورأى شدة المكان عليّ، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة. قال: ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى. قال: ثم ضرب به الثالثة، فلمعت تحته برقة أخرى. قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا الذي رأيت، لمع المعول وأنت تضرب؟ قال: "أوَ قد رأيت ذلك يا سلمان"؟ قال: قلت. نعم: قال: أما الأولى فإن الله فتح عليّ بها اليمن. وأما الثانية فإن الله فتح عليّ بها الشام والمغرب. وأما الثالثة فإن الله فتح عليّ بها المشرق ".. تفسير : وجاء في "إمتاع الأسماع للمقريزي" أن هذا الحادث وقع لعمر بن الخطاب بحضور سلمان. رضي الله عنهما. ولنا أن نتصور اليوم كيف يقع مثل هذا القول في القلوب، والخطر محدق بها محيط. ولنا أن نضيف إلى تلك الصور الوضيئة صورة حذيفة عائداً من استطلاع خبر الأحزاب؛ وقد أخذه القر الشديد؛ ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائم يصلي في ثوب لإحدى أزواجه. فإذا هو في صلاته واتصاله بربه، لا يترك حذيفة يرتعش حتى ينتهي من صلاته بل يأخذه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بين رجليه، ويلقي عليه طرف الثوب ليدفئه في حنو. ويمضي في صلاته. حتى ينتهي، فينبئه حذيفة النبأ، ويلقي إليه بالبشرى التي عرفها قلبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبعث حذيفة يبصر أخبارها! أما أخبار شجاعته ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الهول، وثباته ويقينه، فهي بارزة في القصة كلها، ولا حاجة بنا إلى نقلها، فهي مستفيضة معروفة. وصدق الله العظيم: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً}.. ثم تأتي صورة الإيمان الواثق المطمئن؛ وصورة المؤمنين المشرقة الوضيئة، في مواجهة الهول، وفي لقاء الخطر. الخطر الذي يزلزل القلوب المؤمنة، فتتخذ من هذا الزلزال مادة للطمأنينة والثقة والاستبشار واليقين: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله. وصدق الله ورسوله. وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}.. لقد كان الهول الذي واجهه المسلمون في هذا الحادث من الضخامة؛ وكان الكرب الذي واجهوه من الشدة؛ وكان الفزع الذي لقوه من العنف، بحيث زلزلهم زلزالاً شديداً، كما قال عنهم أصدق القائلين: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً}.. لقد كانوا ناساً من البشر. وللبشر طاقة. لا يكلفهم الله ما فوقها. وعلى الرغم من ثقتهم بنصر الله في النهاية؛ وبشارة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم، تلك البشارة التي تتجاوز الموقف كله إلى فتوح اليمن والشام والمغرب والمشرق.. على الرغم من هذا كله، فإن الهول الذي كان حاضراً يواجههم كان يزلزلهم ويزعجهم ويكرب أنفاسهم. ومما يصور هذه الحالة أبلغ تصوير خبر حذيفة. "حديث : والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحس حالة أصحابه، ويرى نفوسهم من داخلها، فيقول: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع. يشرط له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجعة. أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة"تفسير : .. ومع هذا الشرط بالرجعة، ومع الدعاء المضمون بالرفقة مع رسول الله في الجنة، فإن أحداً لا يلبي النداء. فإذا عين بالاسم حذيفة قال: فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني!.. ألا إن هذا لا يقع إلا في أقصى درجات الزلزلة.. ولكن كان إلى جانب الزلزلة، وزوغان الأبصار، وكرب الأنفاس.. كان إلى جانب هذا كله الصلة التي لا تنقطع بالله؛ والإدراك الذي لا يضل عن سنن الله؛ والثقة التي لا تتزعزع بثبات هذه السنن؛ وتحقق أواخرها متى تحققت أوائلها. ومن ثم اتخذ المؤمنون من شعورهم بالزلزلة سبباً في انتظار النصر. ذلك أنهم صدقوا قول الله سبحانه من قبل: {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب}..تفسير : وها هم أولاء يزلزلون. فنصر الله إذن منهم قريب! ومن ثم قالوا: {هذا ما وعدنا الله ورسوله. وصدق الله ورسوله}.. {وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}.. {هذا ما وعدنا الله ورسوله}.. هذا الهول، وهذا الكرب، وهذه الزلزلة، وهذا الضيق. وعدنا عليه النصر.. فلا بد أن يجيء النصر: {وصدق الله ورسوله}.. صدق الله ورسوله في الأمارة وصدق الله ورسوله في دلالتها.. ومن ثم اطمأنت قلوبهم لنصر الله ووعد الله: {وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً}.. لقد كانوا ناساً من البشر، لا يملكون أن يتخلصوا من مشاعر البشر، وضعف البشر. وليس مطلوباً منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري؛ ولا أن يخرجوا من إطار هذا الجنس؛ ويفقدوا خصائصه ومميزاته. فلهذا خلقهم الله. خلقهم ليبقوا بشراً، ولا يتحولوا جنساً آخر. لا ملائكة ولا شياطين، ولا بهيمة ولا حجراً.. كانوا ناساً من البشر يفزعون، ويضيقون بالشدة، ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة. ولكنهم كانوا ـ مع هذا ـ مرتبطين بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله؛ وتمنعهم من السقوط؛ وتجدد فيهم الأمل، وتحرسهم من القنوط.. وكانوا بهذا وذاك نموذجاً فريداً في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير. وعلينا أن ندرك هذا لندرك ذلك النموذج الفريد في تاريخ العصور. علينا أن ندرك أنهم كانوا بشراً، لم يتخلوا عن طبيعة البشر، بما فيها من قوة وضعف. وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني الإنسان، في الاحتفاظ بخصائص البشر في الأرض مع الاستمساك بعروة السماء. وحين نرانا ضعفنا مرة، أو زلزلنا مرة، أو فزعنا مرة، أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة والضيق.. فعلينا ألا نيأس من أنفسنا، وألا نهلع ونحسب أننا هلكنا؛ أو أننا لم نعد نصلح لشيء عظيم أبداً! ولكن علينا في الوقت ذاته ألا نقف إلى جوار ضعفنا لأنه من فطرتنا البشرية! ونصر عليه لأنه يقع لمن هم خير منا! هنالك العروة الوثقى. عروة السماء. وعلينا أن نستمسك بها لننهض من الكبوة، ونسترد الثقة والطمأنينة، ونتخذ من الزلزال بشيراً بالنصر. فنثبت ونستقر، ونقوى ونطمئن، ونسير في الطريق.. وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر الإسلام. النموذج الذي يذكر عنه القرآن الكريم مواقفه الماضية وحسن بلائه وجهاده، وثباته على عهده مع الله، فمنهم من لقيه، ومنهم من ينتظر أن يلقاه: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. وما بدلوا تبديلاً}.. هذا في مقابل ذلك النموذج الكريه. نموذج الذين عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار. ثم ولم يوفوا بعهد الله: {وكان عهد الله مسؤولاً}.. روى الإمام أحمد ـ بإسناده ـ عن ثابت قال: "عمي أنس بن النضر ـ رضي الله عنه ـ سميت به ـ لم يشهد مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم بدر، فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غبت عنه! لئن أراني الله تعالى مشهداً فيما بعد مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليرين الله عز وجل ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها. فشهد مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أحد. فاستقبل سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ فقال له أنس ـ رضي الله عنه ـ يا أبا عمرو. أين واهاً لريح الجنة! إني أجده دون أحد. قال: فقاتلهم حتى قتل ـ رضي الله عنه ـ قال: فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية. فقالت أخته ـ عمتي الرُّبيِّع ابنة النضر ـ: فما عرفت أخي إلا ببنانه. قال: فنزلت هذه الآية: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. الخ} قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه رضي الله عنهم. (ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة). وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج من المؤمنين تذكر هنا تكملة لصورة الإيمان، في مقابل صورة النفاق والضعف ونقض العهد من ذلك الفريق. لتتم المقابلة في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن. ويعقب عليها ببيان حكمة الابتلاء، وعاقبة النقض والوفاء؛ وتفويض الأمر في هذا كله لمشيئة الله: {ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين ـ إن شاء ـ أو يتوب عليهم. إن الله كان غفوراً رحيماً}.. ومثل هذا التعقيب يتخلل تصوير الحوادث والمشاهد ـ ليرد الأمر كله إلى الله، ويكشف عن حكمة الأحداث والوقائع. فليس شيء منها عبثاً ولا مصادفة. إنما تقع وفق حكمة مقدرة، وتدبير قاصد. وتنتهي إلى ما شاء الله من العواقب. وفيها تتجلى رحمة الله بعباده. ورحمته ومغفرته أقرب وأكبر: {إن الله كان غفوراً رحيماً}.. ويختم الحديث عن الحدث الضخم بعاقبته التي تصدق ظن المؤمنين بربهم؛ وضلال المنافقين والمرجفين وخطأ تصوراتهم؛ وتثبت القيم الإيمانية بالنهاية الواقعية: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً}.. وقد بدأت المعركة، وسارت في طريقها، وانتهت إلى نهايتها، وزمامها في يد الله، يصرفها كيف يشاء. وأثبت النص القرآني هذه الحقيقة بطريقة تعبيره. فأسند إلى الله تعالى إسناداً مباشراً كل ما تم من الأحداث والعواقب، تقريراً لهذه الحقيقة، وتثبيتاً لها في القلوب؛ وإيضاحاً للتصور الإسلامي الصحيح. ولم تدر الدائرة على المشركين من قريش وغطفان وحدهم. بل دارت كذلك على بني قريظة حلفاء المشركين من يهود: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأرضاً لم تطؤوها. وكان الله على كل شيء قديراً}.. فأما قصة هذا فتحتاج إلى شيء من إيضاح قصة اليهود مع المسلمين.. إن اليهود في المدينة لم يهادنوا الإسلام بعد وفوده عليهم إلا فترة قصيرة. وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد عقد معهم مهادنة أول مقدمه إليها أوجب لهم فيها النصرة والحماية مشترطاً عليهم ألا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدواً، ولا يمدوا يداً بأذى. ولكن اليهود ما لبثوا أن أحسوا بخطر الدين الجديد على مكانتهم التقليدية بوصفهم أهل الكتاب الأول. وقد كانوا يتمتعون بمكانة عظيمة بين أهل يثرب بسبب هذه الصفة. كذلك أحسوا بخطر التنظيم الجديد الذي جاء به الإسلام للمجتمع بقيادة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كانوا قبل ذلك يستغلون الخلاف القائم بين الأوس والخزرج لتكون لهم الكلمة العليا في المدينة. فلما وحد الإسلام الأوس والخزرج تحت قيادة نبيهم الكريم لم يجد اليهود الماء العكر الذي كانوا يصطادون بين الفريقين فيه! وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير إسلام حبرهم وعالمهم عبدالله بن سلام. ذلك أن الله شرح صدره للإسلام فأسلم وأمر أهل بيته فأسلموا معه. ولكنه إن هو أعلن إسلامه خاف أن تتقول عليه يهود. فطلب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يسألهم عنه قبل أن يخبرهم بإسلامه! فقالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. فخرج عندئذ عبدالله بن سلام إليهم، وطلب منهم أن يؤمنوا بما آمن به. فوقعوا فيه، وقالوا قالة السوء، وحذروا منه أحياء اليهود. وأحسوا بالخطر الحقيقي على كيانهم الديني والسياسي. فاعتزموا الكيد لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كيداً لا هوادة فيه. ومنذ هذا اليوم بدأت الحرب التي لم تضع أوزارها قط حتى اليوم بين الإسلام ويهود! لقد بدأت في أول الأمر حرباً باردة، بتعبير أيامنا هذه. بدأت حرب دعاية ضد محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وضد الإسلام. واتخدوا في الحرب أساليب شتى مما عرف به اليهود في تاريخهم كله. اتخذوا خطة التشكيك في رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلقاء الشبهات حول العقيدة الجديدة. واتخذوا طريقة الدس بين بعض المسلمين وبعض. بين الأوس والخزرج مرة، وبين الأنصار والمهاجرين مرة. واتخذوا طريقة التجسس على المسلمين لحساب أعدائهم من المشركين. واتخذوا طريقة اتخاذ بطانة من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يوقعون بواسطتهم الفتنة في صفوف المسلمين.. وأخيراً أسفروا عن وجوههم واتخذوا طريق التأليب على المسلمين، كالذي حدث في غزوة الأحزاب.. وكانت أهم طوائفهم بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. وكان لكل منها شأن مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومع المسلمين. فأما بنو قينقاع وكانوا أشجع يهود، فقد حقدوا على المسلمين انتصارهم ببدر؛ وأخذوا يتحرشون بهم ويتنكرون للعهد الذي بينهم وبين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خيفة أن يستفحل أمره فلا يعودون يملكون مقاومته، بعدما انتصر على قريش في أول اشتباك بينه وبينهم. وقد ذكر ابن هشام في السيرة عن طريق ابن إسحاق ما كان من أمرهم قال: وكان "حديث : من حديث بني قينقاع أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال: يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم"تفسير : قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة. إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس. وذكر ابن هشام عن طريق عبدالله بن جعفر قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها، فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت. فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، وشدت يهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع. وأكمل ابن إسحاق سياق الحادث قال: حديث : فحاصرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى نزلوا على حكمه، فقام عبدالله بن أبيَّ بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في مواليّ ـ وكانوا حلفاء الخزرج ـ قال: فأبطأ عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا محمد أحسن في مواليّ. قال: فأعرض عنه. فأدخل يده في جيب درع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرسلني. وغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى رأوا لوجهه ظللاً. ثم قال: "ويحك! أرسلني." قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ. أربع مائة حاسر. وثلاث مائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود. تحصدهم في غداة واحدة. إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هم لك . تفسير : وكان عبدالله بن أبي لا يزال صاحب شأن في قومه. فقبل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شفاعته في بني قينقاع على أن يجلوا عن المدينة، وأن يأخذوا معهم أموالهم عدا السلاح. وبذلك تخلصت المدينة من قطاع يهودي ذي قوة عظيمة. وأما بنو النضير، فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج إليهم في سنة أربع بعد غزوة أحد يطلب مشاركتهم في دية قتيلين حسب المعاهدة التي كانت بينه وبينهم. فلما أتاهم قالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ـ ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد ـ فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة، فألهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعاً إلى المدينة. وأمر بالتهيؤ لحربهم. فتحصنوا منه في الحصون. وأرسل إليهم عبدالله ابن أبي ابن سلول (رأس النفاق) أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم. إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم. وقذف الله الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال. وسألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. ففعل. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. ومن أشرافهم ـ ممن سار إلى خيبر ـ سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب.. هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب. والآن نجيء إلى غزوة بني قريظة. وقد مر من شأنهم في غزوة الأحزاب أنهم كانوا إلباً على المسلمين مع المشركين، بتحريض من زعماء بني النضير، وحيي بن أخطب على رأسهم. وكان نقض بني قريظة لعهدهم مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الظرف أشق على المسلمين من هجوم الأحزاب من خارج المدينة. ومما يصور جسامة الخطر الذي كان يتهدد المسلمين، والفزع الذي أحدثه نقض قريظة للعهد ما روي من "حديث : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين انتهى إليه الخبر، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة، وخوات بن جبير ـ رضي الله عنهم ـ فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس. وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس"تفسير : .. (مما يصور ما كان يتوقعه ـ صلى الله عيله وسلم ـ من وقع الخبر في النفوس). "حديث : فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم. نالوا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد!.. ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتلميح لا بالتصريح. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: الله أكبر. أبشروا يا معشر المسلمين"تفسير : .. (تثبيتاً للمسلمين من وقع الخبر السيئ أن يشيع في الصفوف). ويقول ابن إسحاق: وعظم عند ذلك البلاء؛ واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم. حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين.. الخ. فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب. فلما أيد الله تعالى نبيه بنصره. ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيراً؛ وكفى الله المؤمنين القتال.. رجع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة منصوراً، ووضع الناس السلاح، "حديث : فبينما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يغتسل من وعثاء المرابطة، في بيت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ إذ تبدى له جبريل ـ عليه السلام ـ فقال: "أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "نعم". قال: "ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم". ثم قال: "إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة" ـ وكانت على أميال من المدينة ـ. وذلك بعد صلاة الظهر. وقال ـ صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"تفسير : . فسار الناس في الطريق، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا: لم يرد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا تعجيل المسير. وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة. فلم يعنف واحداً من الفريقين. وتبعهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم (صاحب عبس وتولى أن جاءه الأعمى..) رضي الله عنه ـ وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ثم نازلهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحاصرهم خمساً وعشرين ليلة. فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس ـ رضي الله عنه ـ لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية. واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك كما فعل عبدالله بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع حتى استطلقهم من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فظن هؤلاء أن سعداً سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك. ولم يعلموا أن سعداً ـ رضي الله عنه ـ كان قد أصابه سهم في أكحله (وهو عرق رئيسي في الذراع لا يرقأ إذا قطع) أيام الخندق؛ فكواه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أكحله، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب؛ وقال سعد ـ رضي الله عنه ـ فيما دعا به: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقنا لها؛ وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها؛ ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله تعالى دعاءه. وقدر عليهم أن ينزلوا على حكمه باختيارهم، طلباً من تلقاء أنفسهم. فعند ذلك استدعاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المدينة ليحكم فيهم. فلما أقبل ـ وهو راكب على حمار قد وطأوا له عليه ـ جعل الأوس يلوذون به، يقولون: يا سعد إنهم مواليك، فأحسن عليهم. ويرققونه عليهم ويعطفونه. وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال ـ رضي الله عنه ـ: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقيهم! فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : قال رسول الله: "قوموا إلى سيدكم" فقام إليه المسلمون فأنزلوه؛ إعظاماً وإكراماً واحتراماً له في محل ولايته، ليكون أنفذ لحكمه فيهم. فلما جلس قال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن هؤلاء ـ وأشار إليهم ـ قد نزلوا على حكمك. فاحكم فيهم بما شئت" فقال ـ رضي الله عنه ـ: وحكمي نافذ عليهم؟ قال: ـ صلى الله عليه وسلم:ـ "نعم". قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: "نعم". قال: وعلى من ها هنا (وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو معرض بوجهه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إجلالاً وإكراماً وإعظاماً). فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "نعم". فقال ـ رضي الله عنه ـ: إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم وأموالهم. فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة"تفسير : (أي سماوات). ثم أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأخاديد فخدت في الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم. وكانوا ما بين السبع مائة، والثماني مائة. وسبي من لم ينبت (كناية عن البلوغ) مع النساء والأموال. وفيهم حيي بن أخطب. وكان قد دخل معهم في حصنهم كما عاهدهم. ومنذ ذلك اليوم ذلت يهود، وضعفت حركة النفاق في المدينة؛ وطأطأ المنافقون رؤوسهم، وجبنوا عن كثير مما كانوا يأتون. وتبع هذا وذلك أن المشركين لم يعودوا يفكرون في غزو المسلمين، بل أصبح المسلمون هم الذين يغزونهم. حتى كان فتح مكة والطائف. ويمكن أن يقال: إنه كان هناك تلازم بين حركات اليهود وحركات المنافقين وحركات المشركين. وإن طرد اليهود من المدينة قد أنهى هذا التلازم، وإنه كان فارقاً واضحاً بين عهدين في نشأة الدولة الإسلامية واستقرارها. فهذا مصداق قول الله سبحانه: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤوها. وكان الله على كل شيء قديراً}. والصياصي: الحصون. والأرض التي ورثها المسلمون ولم يطؤوها، ربما كانت أرضاً مملوكة لبني قريظة خارج محلتهم. وقد آلت للمسلمين فيما آل إليهم من أموالهم. وربما كانت إشارة إلى تسليم بني قريظة أرضهم بغير قتال. ويكون الوطء معناه الحرب التي توطأ فيها الأرض. {وكان الله على كل شيء قديراً}.. فهذا هو التعقيب المنتزع من الواقع؛ وهو التعقيب الذي يرد الأمر كله إلى الله. وقد مضى السياق في عرض المعركة كلها يرد الأمر كله إلى الله. ويسند الأفعال فيها إلى الله مباشرة. تثبيتاً لهذه الحقيقة الكبيرة، التي يثبتها الله في قلوب المسلمين بالأحداث الواقعة، وبالقرآن بعد الأحداث، ليقوم عليها التصور الإسلامي في النفوس. وهكذا يتم استعراض ذلك الحادث الضخم. وقد اشتمل على السنن والقيم والتوجيهات والقواعد التي جاء القرآن ليقيمها في قلوب الجماعة المسلمة وفي حياتها على السواء. وهكذا تصبح الأحداث مادة للتربية؛ ويصبح القرآن دليلاً وترجماناً للحياة وأحداثها، ولاتجاهها وتصوراتها. وتستقر القيم، وتطمئن القلوب، بالابتلاء وبالقرآن سواء!
ابن عاشور
تفسير : ابتداء لغرض عظيم من أغراض نزول هذه السورة والذي حفّ بآيات وعِبَر من ابتدائه ومن عواقبه تعليماً للمؤمنين وتذكيراً ليزيدهم يقيناً وتبصيراً. فافتتح الكلام بتوجيه الخطاب إليهم لأنهم أهله وأحقّاءُ به، ولأن فيه تخليد كرامتهم ويقينهم وعناية الله بهم ولطفَه لهم وتحقيراً لعدوّهم ومن يكيد لهم، وأمروا أن يذكروا هذه النعمة ولا ينسوها لأن في ذكرها تجديداً للاعتزاز بدينهم والثقة بربهم والتصديق لنبيهم صلى الله عليه وسلم. واختيرت للتذكير بهذا اليوم مناسبةُ الأمر بعدم طاعة الكافرين والمنافقين لأن من النِعم التي حفّت بالمؤمنين في يوم الأحزاب أن الله ردّ كيد الكافرين والمنافقين فذُكِّر المؤمنون بسابق كيد المنافقين في تلك الأزمة ليحذروا مكائدهم وأراجيفهم في قضية التبنّي وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم مطلَّقة متبناه، ولذلك خصّ المنافقون بقوله: {أية : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض}تفسير : [الأحزاب: 12] الآيات؛ على أن قضية إبطال التبنّي وإباحة تزوّج مطلق الأدعياء كان بقرب وقعة الأحزاب. و{إذ} ظرف للزمن الماضي متعلق بــــ {نعمة} لما فيها من معنى الإنعام، أي: اذكروا ما أنعم الله به عليكم زمان جاءتكم جنود فهزمهم الله بجنود لم تروها. وهذه الآية وما بعدها تشير إلى ما جرى من عظيم صنع الله بالمؤمنين في غزوة الأحزاب فلنأت على خلاصة ما ذكره أهل السير والتفسير ليكون منه بيان لمطاوي هذه الآيات. وكان سبب هذه الغزوة أن قريشاً بعد وقعة أُحد تهادنوا مع المسلمين لمدة عام على أن يلتقوا ببدر من العام القابل فلم يقع قتال ببدر لتخلف أبي سفيان عن الميعاد، فلم يناوش أحد الفريقين الفريق الآخر إلا ما كان من حادثة غدر المشركين بالمسلمين وهي حادثة بئر معونة حين غدرت قبائل عُصَيَّةَ، ورِعْل، وذَكوان من بني سُليم بأربعين من المسلمين إذ سأل عامر بن مالك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوجههم إلى أهل نجدٍ يَدعونهم إلى الإسلام. وكان ذلك كيداً كاده عامر بن مالك وذلك بعد أربعة أشهر من انقضاء غزوة أُحد. فلما أجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني النَضير لِما ظهر من غدرهم به وخيسهم بالعهد الذي لهم مع المسلمين، هنالك اغتاظ كبراء يهود قريظة بعد الجلاء وبعد أن نزلوا بديار بني قريظة وبخيبر فخرج سلاّم بن أبي الحُقَيق (بتشديد لام سلاّم وضم حاء الحُقيق وفتح قافه) وكنانة بنُ أبي الحُقيق، وحُيي ابن أخطب (بضم حاء حُيَي وفتح همزة وطاء أخطب) وغيرهم في نفر من بني النضير فقدموا على قريش لذلك وتآمروا مع غطفان على أن يغزوا المدينة فخرجت قريش وأحابيشها وبنو كنانة في عشرة آلاف وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان في ألف قائدهم عيينة بن حصن، وخرجت معهم هوازن وقائدهم عامر بن الطُفَيل. وبلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عزمهم على منازلة المدينة أبلغتْه إياه خزاعة وخاف المسلمون كثرةَ عدوّهم، وأشار سلمان الفارسي أن يُحْفر خندق يحيط بالمدينة تحصيناً لها من دخول العدوّ فاحتفره المسلمون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم يحفر وينقل التراب، وكانت غزوة الخندق سنة أربع في رواية ابن وهب وابن القاسم عن مالك. وقال ابن إسحاق: سنة خمس. وهو الذي اشتهر عند الناس وجرى عليه ابنُ رشد في «جامع البيان والتحصيل» اتباعاً لما اشتهر، وقول مالك أصحّ. وعندما تم حفر الخندق أقبلت جنود المشركين وتسمّوْا بالأحزاب لأنهم عدة قبائل تحزبوا، أي: صاروا حِزباً واحداً، وانضمّ إليهم بنو قريظة فكان ورود قريش من أسفل الوادي من جهة المغرب، وورود غطفان وهوازنَ من أعلى الوادي من جهة المشرق، فنزل جيش قريش بمجتمع الأسيال من رُومَة بين الجُرف وزُغَابة (بزاي معجمة مضمومة وغين معجمة وبعضهم يرويه بالعين المهملة) وبعضهم يقول: والغابة، والتحقيق هو الأول كما في «الروض الأنف»، ونزل جيش غطفان وهوازن بذَنَب نَقْمَى إلى جانب أُحُد، وكان جيش المسلمين ثلاثة آلاف؛ وخرج المسلمون إلى خارج المدينة فعسكروا تحت جبل سَلْع وجعلوا ظهورهم إلى الجبل والخندقُ بينهم وبين العدوّ، وجعل المسلمون نساءهم وذراريهم في آطام المدينة. وأمَّر النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، ودام الحال كذلك بضعاً وعشرين ليلة لم تكن بينهم فيها حرب إلا مصارعة بين ثلاثة فرسان اقتحموا الخندق من جهة ضيقة على أفراسهم فتقاتلوا في السبخة بين الخندق وسلْع وقُتل أحدهم قتلَه علي بن أبي طالب وفرّ صاحباه، وأصاب سهمٌ غرْب سعد بن معاذ في أكْحله فكان منه موته في المدينة. ولحقت المسلمين شدّة من الحصار وخوف من كثرة جيش عدوّهم حتى همّ النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصالح الأحزاب على أن يعطيهم نصف ثمر المدينة في عامهم ذلك يأخذونه عند طيبه وكاد أن يكتب معهم كتاباً في ذلك، فاستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقال سعد ابن معَاذ: قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ولا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرىً أو بَيْعاً، أفحين أكرَمَنا الله بالإسلام وأعزَّنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عزم عليه. وأرسل الله على جيش المشركين ريحاً شديدة فأزالت خيامهم وأكْفأت قدورَهم وأطفأت نيرانهم، واختلّ أمرهم، وهلك كراعهم وخُفهم، وحدث تخاذل بينهم وبين قريظة وظنت قريش أن قريظة صالحت المسلمين وأنهم ينضمون إلى المسلمين على قتال الأحزاب، فرأى أهل الأحزاب الرأي في أن يرتحلوا فارتحلوا عن المدينة وانصرف جيش المسلمين راجعاً إلى المدينة. فقوله تعالى {إذ جاءتكم جنودٌ} ذُكر توطئة لقوله {فأرسلنا عليهم ريحاً} الخ لأن ذلك هو محلّ المِنّة. والريح المذكورة هنا هي ريح الصَّبا وكانت باردة وقلعت الأوتاد والأطناب وسفت التراب في عيونهم وماجت الخيل بعضها في بعض وهلك كثير من خيلهم وإبلهم وشائهم. وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : نُصرتُ بالصَّبا وأُهلكتْ عاد بالدبور».تفسير : والجنود التي لم يروها هي جنود الملائكة الذين أرسلوا الريح وألقوا التخاذل بين الأحزاب وكانوا وسيلة إلقاء الرعب في نفوسهم. وجملة {وكان الله بما تعملون بصيراً} في موقع الحال من اسم الجلالة في قوله {نعمة الله} وهي إيماء إلى أن الله نصرهم على أعدائهم لأنه عليم بما لقيه المسلمون من المشقة والمصابرة في حفر الخندق والخروج من ديارهم إلى معسكرهم خارج المدينة وبذلهم النفوس في نصر دين الله فجازاهم الله بالنصر المبين كما قال {أية : ولينصُرَنّ الله مَنْ ينصره}تفسير : [الحج: 40]. وقرأ الجمهور {بما تعملون بصيراً}بتاء الخطاب. وقرأه أبو عمرو وحده بياء الغيبة ومحملها على الالتفات. والجنود الأوُّل جمع جند، وهو الجمع المتّحد المتناصر ولذلك غلب على الجمع المجتمع لأجل القتال فشاع الجند بمعنى الجيش. وذكر جنود هنا بلفظ الجمع مع أن مفرده مؤذن بالجماعة مثل قوله تعالى {أية : جندٌ مَّا هنالك مهزوم من الأحزاب}تفسير : [ص: 11] فجمعه هنا لأنهم كانوا متجمعين من عدة قبائل لكل قبيلة جيش خرجوا متساندين لغزو المسلمين في المدينة، ونظيره قوله تعالى: {أية : فلما فصل طالوت بالجُنود} تفسير : في سورة البقرة (249). والجنود الثاني جمع جند بمعنى الجماعة من صنف واحد. والمراد بهم ملائكة أُرسِلوا لِنَصْر المؤمنين وإلقاء الرعب والخوف في قلوب المشركين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا}. أمر الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة: أن يذكروا نعمته عليهم حين جاءتهم جنود وهم جيش الأحزاب، فأرسل جل وعلا عليهم ريحاً وجنوداً لم يرها المسلمون، وهذه الجنود التي لم يروها التي امتن عليهم بها هنا في سورة الأحزاب، بين أنه من عليهم بها أيضاً في غزوة حنين، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} تفسير : [التوبة: 25ـ26] الآية، وهذه الجنود هي الملائكة، وقد بيَّن جل وعلا ذلك في الأنفال في الكلام على غزوة بدر، وذلك في قوله تعالى: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} تفسير : [الأنفال: 12] الآية، وهذه الجنود التي لم يروها التي هي الملائكة، قد بين الله جل وعلا في براءة أنه أّيَّدَ بها نبيه صلى الله عليه وسلم وهو في الغار وذلك في قوله: {أية : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} تفسير : [التوبة: 40] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اذكروا نعمة الله عليكم: أي اذكروا نعمة الله أي دفاعنا عنكم لتشكروا ذلك. جنود: أي جنود المشركين المتحزبين. ريحا وجنودا لم تروها: هي جنود الملائكة والريح ريح الصبا وهي التي تهب من شرق. بما تعملون بصيرا: أي بصيراً بأعمالكم من حفر الخندق والاستعدادات للمعركة. إذ جاءوكم من فوقكم: أي بنو أسد وغطفان أتوا من قبل نجد من شرق المدينة. ومن أسفل منكم: أي من غرب وهم قريش وكنانة. وإذ زاغت الأبصار: أي مالت عن كل شيء إلا عن العدو تنظر إليه من شدة الفزع. وبلغت القلوب الحناجر: أي منتهى الحلقوم من شدة الخوف. وتظنون بالله الظنونا: أي المختلفة من نصر وهزيمة، ونجاة وهلاك. هنالك ابتلي المؤمنون: أي ثم في الخندق وساحة المعركة أُختبر المؤمنون. وزلزلوا زلزالا شديدا: أي حركوا حراكا قويا من شدة الفزع. والذين في قلوبهم مرض: أي شيء من النفاق لضعف عقيدتهم. ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا: أي ما وعدنا من النصر ما هو إلا غروراً وباطلاً. يا أهل يثرب لا مقام لكم: أي يا أهل المدينة لا مقام لكم حول الخندق فارجعوا إلى دياركم. إن بيوتنا عورة: أي غير حصينة. إن يريدون إلا فرارا: أي من القتال إذ بيوتهم حصينة. ولو دخلت عليهم: أي المدينة أي دخلها العدو الغازي. ثم سئلوا الفتنة: أي ثم طلب إليهم الردة إلى الشرك لآتوها أي اعطوها وفعلوها. وما تلبثوا بها إلا يسيرا: أي ما تريثوا ولا تمهلوا بل أسرعوا الإِجابة وارتدوا. معنى الآيات: قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} الآيات هذه قصة غزوة الخندق أو الأحزاب قصها تبارك وتعالى على المؤمنين في معرض التذكير بنعمه تعالى عليهم ليشكروا بالإِنقياد والطاعة لله ورسوله وقبول كل ما يشرع لهم لإِكمالهم وإسعادهم في الحياتين فقال تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يا من آمنتم بالله ربا وإلها وبمحمد نبيا ورسولا وبالإِسلام دينا وشرعاً {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} المتمثلة في دفع أكبر خطر قد حاق بكم وهو اجتماع جيوش عدَّة على غزوكم في عقر داركم وهم جيوش قريش وأسد وغطفان وبنو قريظة من اليهود ألّبهم عليهم وحزّب أحزابهم حُيي بن أخطب النضري يريد الانتقام من الرسول والمؤمنين إذ أجلوهم عن المدينة وأخرجوهم منها فالتحقوا بيهود خيبر وتيما، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم أمر بحفر الخندق تحت سفح جبل سلع غربي المدينة، وذلك بإِشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه إذ كانت له خبرة حربيّة علمها من ديار قومه فارس. وتم حفر الخندق في خلال شهر من الزمن وكان صلى الله عليه وسلم يعطي لكل عشرة أنفار أربعين ذراعاً أي عشرين متراً، وما إن فرغوا من حفره حتى نزلت جيوش المشركين وكانوا قرابة اثني عشر ألفاً ولما رأوا الرسول والمسلمين وراء الخندق تحت جبل سلع قالوا هذه مكيدة لم تكن العرب تعرفها فتناوشوا بالنبال ورمى عمرو بن عبد ود القرشي بفرسه في الخندق فقتله علي رضي الله عنه ودام الحصار والمناوشة وكانت الأيام والليالي باردة والمجاعة ضاربة أطنابها قرابة الشهر. وتفصيل الأحداث للقصة فيما ذكره تعالى فيما يلي: فقوله تعالى {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} هي جنود المشركين من قريش ومن بني أسد وغطفان {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} لما جاءتكم جنود المشركين وحاصروكم في سفح سلع أرسلنا عليهم ريحاً وهي ريح الصبا المباركة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وهي الريح الغربيّة. وفعلت بهم الصبا الأفاعيل حيث لم تبق لهم ناراً إلا أطفأتها ولا قدراً على الأثافي إلا أراقته، ولا خيمة ولا فسطاطاً إلا أسقطته وأزالته حتى اضطروا إلى الرحيل وقوله {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة فأصابتهم بالفزع والرعب الأمر الذي أفقدهم كل رشدهم وصوابهم ورجعوا يجرون أذيال الخيبة والحمد لله وقوله تعالى {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} أي بكل أعمالكم من حفر الخندق والمشادات والمناورات وما قاله وعمله المنافقون لم يغب عليه تعالى شيء وسيجزيكم به المحسن بالإِحسان والمُسيئ بالإِساءة. وقوله تعالى: {إِذْ جَآءُوكُمْ} أي المشركون {مِّن فَوْقِكُمْ} أي من الشرق وهم غطفان بقيادة عيينة بن حصن وأسد، {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} وهم قريش وكنانة أي من الجنوب الغربي وهذا تحديد لساحة المعركة، وقوله {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ} أي مالت عن كل شيء فلم تبق تنظر إلا إلى القوات الغازية من شدة الخوف، {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} أي ارتفعت بارتفاع الرئتين فبلغت منتهى الحلقوم. وقوله {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} المختلفة من نصر وهزيمة وسلامة وعطب، وهذا تصوير للحال أبدع تصوير وهو كما ذكر تعالى حرفيّاً. وقوله تعالى {هُنَالِكَ} أي في ذلك المكان والزمان الذي حدّق العدو بكم {ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي اختبرهم ربهم ليرى الثابت على إيمانه الذي لا تزعزعه الشدائد والفتن من السريع الانهزام والتحول لضعف عقيدته وقلة عزمه وصبره. وقوله تعالى {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} أي أُزعجوا وحرّكوا حراكاً شديداً لعوامل قوة العدو وكثرة جنوده، وضعف المؤمنين وقلة عددهم، وعامل المجاعة والحصار، والبرد الشديد وما أظهره المنافقون من تخاذل وما كشفت عنه الحال من نقض بني قريظة عهدهم وانضمامهم إلى الأحزاب. وقوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي النفاق لضعف إيمانهم {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي من النصر {إِلاَّ غُرُوراً} أي باطلا: وذلك أنهم لما كانوا يحفرون في الخندق استعصت عليهم صخرة فأبت أن تنكسر فدعي لها الرسول صلى الله عليه وسلم فضربها بالمعول ضربة تصدعت لها وبرق منها بريقٌ أضاء الساحة كلها فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون، ثم ضربها ثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير الفتح وكبر المسلمون وضرب ثالثة فكسرها وبرقت لها برقة كسابقتيها وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد سلمان فرقى من الخندق فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيته قط فالتفت رسول الله إلى القوم فقال هل رأيتم ما رأى سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله فأعلمهم أنه على ضوء ذلك البريق رأى قصور مدائن كسرى كأنياب الكلاب وإن جبريل أخبرني أن أُمتي ظاهرة عليها كما رأيت في الضربة الثانية القصور الحمراء من أرض الروم وأخبرني جبريل أن أُمتي ظاهرة عليها، ورأيت في الثالثة قصور صنعاء وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا أبشروا أبشروا فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعود صدق. فلما طال الحصار واشتدت الأزمة واستبد الخوف بالرجال قال المنافقون وضعفاء الإِيمان {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} إذ قال معتب بن قشير يعدنا محمد بفتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر أن يتبرّز فرقاً وخوفاً ما هذا إلا وعد غرورا!!. وقوله {وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} أي من المنافقين. وهو أُويس بن قيظى أحد رؤساء المنافقين {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ} أي المدينة قبل أن يبطل الرسول هذا الإِسم لها ويسميها بالمدينة {لاَ مُقَامَ لَكُمْ} أي في سفح سلع عند الخندق {فَٱرْجِعُواْ} إلى منازلكم داخل المدينة بحجة أنه لا فائدة في البقاء هُنا دون قتال، وما قال ذلك إلا فراراً من القتال وهروباً من المواجهة، وقوله تعالى {وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ} أي يطلبون الإِذن لهم بالعودة إلى منازلهم بالمدينة بدعوى أن بيوتهم عورة أي مكشوفة أمام العدو وهم لا يأمنون عليها وأكذبهم الله تعالى في قولهم فقال {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} أي ما يريدون بهذا الاعتذار إلا الفرار من وجه العدو، وقال تعالى فيهم ومن أصدق من الله قيلا. {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ} المدينة {مِّنْ أَقْطَارِهَا} أي من جميع نواحيها من شرق وغرب وشمال وجنوب {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ} أي ثم طلب منهم العدو الغازي الذي دخل عليهم المدينة الردة أي العودة إلى الشرك {لآتَوْهَا} أعطوها فوراً {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً} حتى يرتدوا عن الإِسلام ويصبحوا كما كانوا مشركين والعياذ بالله من النفاق والمنافقين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) مشروعية التذكير بالنعم ليشكرها المذكَّرون بها فتزداد طاعتهم لله ورسوله. 2) عرض غزوة الأحزاب أو الخندق عرضا صادقاً لا أمثل منه في عرض الأحداث للعبرة. 3) بيان أن غزوة الخندق كانت من أشد الغزوات وأكثرها ألماً وتعباً على المسلمين. 4) بيان أن حُسْنَ الظن بالله ممدوح، وأن سوء الظن به تعالى كفر ونفاق. 5) بيان مواقف المنافقين الداعية إلى الهزيمة ليكون ذلك درساً للمؤمنين. 6) تقرير النبوة المحمدية بإِخبار الغيب التي أخبر بها رسول الله فكانت كما أخبر من فتح فارس والروم واليمن.
القطان
تفسير : جاءتكم جنود: الاحزاب، وهم قريش وبنو اسد وغطفان وبنو عامر وبنو سليم ومن اليهود بنو النضير وبنو قريظة. جنود لم تروها: الملائكة. زاغت الابصار: تحيرت من الدهشة والخوف. بلغت القلوب الحناجر: فزعت فزعاً شديداً كأنها قفزت الى الحُلُوق من الخوف. ابتلي المؤمنون: اختُبروا وامتحنوا. وزُلزلوا زلزالا شديدا: اضطربوا من الفزَع بشكل رهيب من كثرة العدو. والذين في قلوبهم مرض: ضعفاء الايمان من المسلمين قريبي العهد بالاسلام. الا غرورا: وعداً باطلا قصد به التغرير بنا. يثرب: من اسماء المدينة، ولها مائة اسم. لا مقام لكم: لا ينبغي لكم الاقامة هنا. ان بيوتنا عورة: يعني مكشوفة للعدو خالية من الرجال المدافعين عنها. من اقطارها: من جوانبها. الفتنة: الردة ومقاتلة المؤمنين. آتوها: اعطوها. وما تلبّثوا بها: ما اقاموا بالمدينة. لا يولّون الادبار: لا يفرون منهزمين. نزلت هذه الآيات الى آخر الآية السابعة والعشرين في تفصيل غزوة الأحزاب، أو غزوة الخندق. كانت غزوة الأحزاب في شوّال سنة خمسٍ من الهجرة، وكانت من أخطرِ الحوادث التي واجهها رسول الله والمسلمون، في تقرير مصير الدعوة الاسلامية. وكانت معركةً حاسمة ومحنة ابتُلي المسلمون فيها ابتلاءً لم يبتلوا بمثله. أما سببها فهو أنه خرج نفرٌ من بني النضير، ونفر من بني وائل من اليهود، فقدِموا على قريش في مكة. وهناك دعوا قريشاً الى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهم: أنا سنكون معكم حتى نستأصلَه هو ومن معه. فسرّ ذلك قريشاً، ونشِطوا لما دعوهم اليه. ثم خرج وفد اليهود فجاؤا غطفان ودعوهم الى حرب المسلمين. وطافوا في القبائل، حتى تمت لهم اتفاقية عسكرية، كانت قريش وغطفان من أهم اعضائها. فحشدت قريش أربعة آلاف مقاتل، وغطفان ستة آلاف. وأُسندت قيادةُ الجيش الى ابي سفيان، وتعهد اليهود ان يدفعوا الى غطفان كل ثمرِ نخلِ خيبرَ لسنة واحدة. ولما سمع رسول الله وأصحابه عن تجمُّع القبائل مع قريش لقتال المسلمين وزحفهم الى المدينة - تهيأ المسلمون للحرب، وقرروا التحصنّ في المدينة والدفاع عنها. وكان جيش المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل. وفي هذه الاثناء أشار سلْمان الفارسيّ، رضي الله عنه، بحفر الخندق حول المدينة، وكانت هذه خطةً حربية متّبعة عند الفرس. فأمر الرسول الكريم بحفر الخندق في السهل الواقع شماليّ غرب المدينة، وهو الجانب المكشوف الذي يُخاف منه اقتحام العدو. وقد قسم رسول الله الخندقَ بين اصحابه لكل عشرةٍ اربعين ذراعا. وبلغ طول الخندق خمسة آلاف ذراع (نحو اربعة كيلو مترات)، وعمقه من سبعة اذرع إلى عشرة، وعرضُه من تسعة أذرع الى ما فوقها. وكان حده الشرقي طرفَ حَرّة واقِم، وحده الغربي وادي بُطْحان حيث طرفُ الحرة الغربية، حرة الوبرة. وعمل المسلمون في حفر الخندق بجدٍّ ونشاط. وكان كلما عَرَضَ لهم مكان صعب فيه صخر لجأوا الى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فيأخذ المِعولَ بيده ويضربها حتى تتفتت، حتى أكملوه وتحصنوا وراءه. وكان بين المسلمين وبني قريظة من اليهود معاهدةٌ، فحملهم حُييّ بن أخطَب، سيدُ بني النضير، على نقض تلك المعاهدة. فنقضوها، وتأهبوا لقتال المسلمين مع المشركين من قريش والعرب. وعظُم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوبُ الحناجر. وجاء ابو سفيان يقود ذلك الجيشَ الجرار وأحاطوا بالمدينة. وفوجئوا بالخندق، فوقفوا من ورائه، وقفز احد أبطالهم وهو عمرو بن عبد ودٍّ العامري بحصانه فاجتاز الخندقَ وطلب المبارزة. فبرز له عليّ بن ابي طالب كرم الله وجهه، وقتله. ثم حصل بعضُ التراشق بالسهام، ودام الحصار نحو شهر، اشتد فيه البلاء. واستأذن بعض المنافقين في الذهاب الى المدينة وقالوا: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً}. وكان الوقت شتاءً واشتد البرد وهبّت ريح عاتية فقلبت القدور وقوضت الخيام. فقام ابو سفيان وقال: يا معشر قريش، إنكم واللهِ ما اصبحتم بدار مقام، وقد أخلفتنا بنو قريظة، وبلغَنا عنهم الذي نَكره، ولَقِينا من شدة الريح ما ترون، فارتحِلوا فإني مرتحِل. فانطلَقوا، واصبح الصباح فاذا القوم قد ارتحلوا. وانصرف المسلمون ووضعوا السلام وصدق الله العظيم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً}. {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}. ووضعت الحربُ أوزارها، فلم ترجعْ قريش بعدَها الى حرب المسلمين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لن تَغزُوكم قريش بعد عامِكم هذا، ولكنّكم تغزونهم"تفسير : . والقصةُ بطولِها في سيرة ابن هشام وفي صحيح مسلم، وابن كثير. واستُشهد من المسلمين يوم الخندق سبعة، وقُتل من المشركين اربعة. {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ.... }. إنها صورة هائلة مرعبة، فقد جاء ابو سفيان بذلك الجيش الكبير وحاصروا المسلمين من كلّ مكان، وبنو قريظة من ورائهم، فَبَلَغ الخوف أقصاه، وبلغت القلوبُ الحناجر خفقاناً واضطرابا، وظنّ بعضهم بالله ظنونا سيئة. وكان ذلك اختباراً كبيرا وامتحاناً شديدا للمؤمنين. وأخذ المنافقين والذين في قلوبهم مرضٌ من ضعاف المسلمين يقولون: ما وعدَنا الله ورسولُه من النصر وعلوّ الكلمة الا وعداً باطلا! وقالت طائفة من المنافقين كعبد الله بن أُبيّ واصحابه: يا أهلَ المدينة، ليس هذا المقام بمقامٍ لكم فارجعوا الى منازلكم، {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} وهم من بني حارثة. وما كان استئذانهم إلا جبناً وفِراراً من القتال. ثم بين الله وَهْنَ الدينِ وضعفه في قلوبهم فقال: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً}. ولو دخل عليهم الاحزابُ من جوانب بيوتهم، ثم طلبوا إليه الارتدادَ عن دِينهم وأن يقاتِلوا المؤمنين - لفعلوا ذلك مسرِعينَ من شدة الخوف. ولقد كانوا عاهدوا الله لا ينهزمون امام عدوٍّ قط، {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً}. قراءات: قرأ ابو عمرو ويعقوب وحمزة: الظنون بدون ألف. والباقون: الظنونا بالف بعد النون وقرأ حفص: لا مُقام لكم بضم الميم بمعنى الاقامة. والباقون: لا مَقام لكم بفتح الميم بمعنى الموضع. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: لأتوها من غير مد، والباقون: لآتوها بالمد. يقول الطبري: قرأ بعض المكيين وعامة قراء الكوفة والبصرة لآتوها بمد الألف. وحفص كوفي، فتكون قراءة المصحف الصحيحة لآتوها بالمد.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (9) - وَبَعْدَ أَنْ أَمَرَ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ بِتَقْوَاهُ، وَبِعَدَمِ الخَوْفِ مِنْ سِوَاهُ، ذَكَّرَ عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيِْهِمْ مِنْ نِعَمٍ، وَمِنْ تَحْقِيقِ مَا وَعَدَهُمْ بهِ مِنْ نَصْرٍ، وَذَلِكَ حِينَمَا جَاءَتْهُمْ جُنُودُ الأَحْزَابِ، فَأْرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ رِيحاً كَفَأَتْ قُدُورَهُمْ، واقْتَلَعَتْ خِيَامَهُمْ، وأَرْسَلَ إِليهِمْ مَلائِكَةً مِنْ عِنْدِهِ - وَهُمْ جُنُودُهُ، وَلَمْ يَرَهُمْ المُسْلِمُونَ - يُوقِعُونَ الخَوْفَ والرُّعْبَ والخِذْلاَنَ في نُفُوسِ المُشْرِكينَ، فَارْتَحَلُوا فِي ليلةٍ شَاتِيةٍ شَديدَةِ البَرْدِ، وَكَانَ اللهُ بَصِيراً بِأَعْمَالِ المُؤْمِنينَ، وَصِدْقِ نِيَّاتِهِمْ، فَتَوَلَّى الدِّفاعَ عَنْهُمْ. وَقِصَّةُ الأَحْزابِ كَمَا رَوَتْها كُتُبُ السِّيرَةِ كَانَتْ كَمَا يَلِي: إِنَّ نَفَراً مِنْ يَهُودِ المَدِينةِ جَاؤُوا إِلى قُرَيشٍ في مَكَّةَ، فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ لِلْهِجْرَةِ يُحَرِّضُونَ المُشْرِكِينَ عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ جَاؤُوا إِلى قَبَائِل غَطْفَانَ وَقَيْسِ عَيْلاَنَ وَأَسَدٍ وَحَالَفُوهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ عَلى الرِّسُولِ والمُسلِمينَ يَداً واحِدةً، فَخَرَجَتْ هذِهِ القَبَائِلُ إِلى المَدِينَةِ. وَلَمَّا عَلِمَ الرَّسُولَ بِمَسِيرِهِمْ إِليهِ، اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَأَشَارَ عَليهِ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ حَوْلَ المَدِينَةِ يُسَاعِدُ المُسْلِمينَ فِي مَنْعِ تَقَدُّمِ المُشركِينَ إلى دَاخِلها، فَقَامَ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ. وَلَمّا وَصَلَتِ القَبَائِلُ المُتَحَالِفَةُ إلى المَدِينةِ وَجَدُوا الخَنْدَقَ، فَحَاصَرُوا المَدِينَة، وَنَشِبَتْ مُنَاوَشَاتٌ بينَ المُسْلِمينَ والمُشْرِكينَ. وَفي أثناءِ الحِصَارِ نَقَضَ بَنُو قُرَيْظَةَ عَهْدَهُمْ مَعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، بِمَسْعَى مِنْ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ سَيِّدِ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ الذِينَ أجْلاَهُمُ الرَّسُولُ إِلى خَيَبَر، فَشَّقَّ ذلكَ على المُسْلِمِينَ. ثُمَّ جَاءَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مِنْ غَطْفَانَ، إِلَى رَسُولِ اللهِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَنَّ قَوْمَهُ لاَ يَعْلَمُونَ بإِسْلاَمِهِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِمَا يَرَى فِيهِ،المَصْلَحَةَ لِلمُسْلِمِينَ. فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ إِنَّما أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، والحَرْبُ خُدْعَةٌ فَخَذِّلْ عَنَّا مَنِ اسْتَطَعْتَ، فَذَهَبَ إِلى بَنِي قُرَيْظَةٍ - وَكَانَ يُخَالِطُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ - فَقَالَ لَهُمْ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ قُريشاً وَمَنْ مَعَها مِنَ القَبَائِلِ لَيْسَ لَهُمْ مُقَامٌ فِي المَدِينَةِ، وأَنَّهُمْ إِذا مَا عَضَّتْهُمُ الحَرْبُ انْسَحَبُوا إِلى بِلادِهِمْ، وَتَبْقَوْنَ أَنْتُم وَحْدَكُمْ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَأَنْتُمْ لاَ قِبَلَ لَكُمْ بِهِ وَحْدَكُمْ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَطْلُبُوا رَهَائِنَ مِنْ هذِهِ القَبَائِلِ التِي تُحَاصِرُ المَدِينَةَ لِكَيْلا يَنْسَحِبُوا وَيَتَرَاجَعُوا عَنْ قِتالِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ القَضَاءِ عَلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا. وَذَهَبَ إلى قُرَيشٍ وَغَطْفَانَ وَالقَبَائِلِ الأُخْرَى يَقُولُ لَهُمْ إِنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ نَدِمُوا عَلَى نَقْضِ عَهْدِهِمْ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّهُمْ وَعَدُوهُ بِأَنْ يُسَلِّمُوهُ وُجُوهَ القَبَائِلِ لِيَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، عَلَى أَنْ يَعُودَ العَهْدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إِلى مَا كَانَ عَلَيهِ مِنْ قَبْلُ. فَدَبَّ الخِلافُ وَالخِذْلانُ، وَسَادَ التَّشَكُّكُ بَيْنَ القَبَائِلِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاسْتَشْعَر كُلُّ فَريقٍ الحَذَرَ مِنَ الآخَرِ. وفِي لَيلَةٍ شَاتِيةٍ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدةٌ بَارِدَةٌ أَخَذَتْ تَكْفَأُ القُدُورَ، وَتَقْتَلِعُ الخِيَامَ، فَنَادَى أَبُو سُفْيَانَ بِالرَّحِيلِ في النَّاسِ فَارْتَحَلُوا. جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ - الأَحْزَابُ يَومَ الخَنْدَقِ.
الثعلبي
تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} الآية، وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم أيّام الخندق {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} يعني الأحزاب، قريش وغطفان ويهود بني قريظة والنضير {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} يعني الصبا. قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي بنصر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقالت الشمال: إنّ الحرة لا تسري بالليل، فكانت الريح التي أُرسلت عليهم هي الصبا. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: حديث : نُصرتُ بالصبا، وأُهلكتْ عاد بالدبور . تفسير : {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة ولم تقاتل يومئذ {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} قال المفسِّرون: بعث الله تعالى عليهم بالليل ريحاً باردة، وبعث الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، فأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتّى كان سيّد كلّ حيّ يقول: يا بني فلان هلمّ إليّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النجا النجا أتيتم، لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. أنبأني محمد بن القاسم الفارسي قال: أخبرني أبو الحسن السليطي قال: أخبرني المؤمل ابن الحسن، عن الفضل بن محمد الأشعراني عن عمرو بن عون، عن خالد بن عبدالله، عن أبي سعد سعيد بن عبد الرحمن البقّال، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه وأنبأني عقيل بن محمد، عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حميد الرازي، عن سلمة، حدّثني محمد بن يسار، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرطي قالا: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبدالله، رأيتم رسول الله صلّى الله عليه وصحبتموه؟ قال: نعم يابن أخي، قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنّا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا، ولخدمناه وفعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: يابن أخي والله لقد رأيتني ليلة الأحزاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق في ليلة باردة، لم أجد قبلها ولا بعدها برداً أشدّ منه، فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلم هوناً من الليل ثمّ التفتَ إلينا فقال:" حديث : مَنْ يقوم فيذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله الجنّة. فما قام منّا رجل، ثمّ صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوناً من الليل، ثمّ التفت إلينا فقال مثله، فسكت القوم وما قام منّا رجل. ثمّ صلّى رسول الله صلّى الله عليه هوناً من الليل، ثمّ التفت إلينا فقال: مَن رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم على أنْ يكون رفيقي في الجنّة؟ فما قام رجل من شدّة الخوف وشدّة الجوع وشدّة البرد، فلمّا لم يقم أحد، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا حذيفة، فلم يكن لي بُدّ من القيام حين دعاني، فقلت: لبّيك يارسول الله، وقمت حتى أتيته وإنّ جنبيّ لتضطربان، فمسح رأسي ووجهي ثمّ قال: ائت هؤلاء القوم حتّى تأتيني بخبرهم، ولا تحدثنّ شيئاً حتّى ترجع إليّ. ثمّ قال: اللّهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته،" تفسير : فأخذت سهمي وشددت على أصلابي، ثمّ انطلقت أمشي نحوهم كأنّي أمشي في حمّام، فذهبت فدخلت في القوم، وقد أرسل الله عليهم ريحاً فقطّعت أطنابهم وقلعت أبنيتهم وذهبت بخيولهم، ولم تدع شيئاً إلاّ أهلكته، وأبو سفيان قاعد يصطلي، فأخذتُ سهمي فوضعته في كبد قوسي، فذكرت قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: لا تحدثنّ حدثاً حتى ترجع، فرددت سهمي في كنانتي. فلمّا رأى أبو سفيان ما تفعل الريحُ وجنودُ الله بهم، لا تقر لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء قام فقال: يا معشر قريش ليأخذ كلّ رجل منكم بيد جليسه فلينظر مَنْ هو؟ فأخذت بيد جليسي فقلت مَنْ أنت؟ قال: سبحان الله أما تعرفني أنا فلان بن فلان، فإذا هو رجل من هوازن. فقال أبو سفيان: يا معشر قريش إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخُفّ وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإنّي مرتحل ثمّ قام إلى جَملِهِ وهو معقول فجلس عليه ثمّ ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلاّ وهو قائم. وسمعتْ غطفان بما فعلت قريش فاستمروا راجعين إلى بلادهم، وهزم الله الأحزاب فذلك قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} قال: فرجعت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم كأني أمشي في حمّام، فأخبرته الخبر فضحك عليه السلام حتّى بدت أنيابه في سواد الليل قال: وذهب عنّي الدفء فأدناني النبيّ عليه السلام فأنامني عند رجليه وألقى عليَّ طرف ثوبه، وألزق صدري ببطن قدمه. قوله تعالى: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} يعني من فوق الوادي من قبل المشرق، وعليهم مالك بن عوف النضيري وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد وحُيي بن أخطب في يهود بني قريضة {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} يعني من بطن الوادي من قبل المغرب، وهو أبو سفيان بن حرب في قريش ومن تبعه، وأبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي من قِبَل الخندق. وكان الذي جر غزوة الخندق، فيما قيل إجلاء رسول الله صلّى الله عليه بني النضير عن ديارهم. قال محمد بن إسحاق: حدّثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير ومَن لا أتّهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعن عاصم بن قتادة وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا، دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: كان من حديث الخندق أنّ نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس وأبو عمّار الوائلي في نفر من بني النضير ونفر من بني وايل وهم الذين حزّموا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش بمكّة،فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنّا سنكون معكم عليه حتّى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود، إنّكم أهل الكتاب الأوّل والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، فديننا خيرٌ أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منهم، قال: فهُم الذين أنزل الله فيهم: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ}تفسير : [النساء: 51] إلى قوله: {أية : وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً}تفسير : [النساء: 55] فلمّا قالوا ذلك لقريش سرّهم ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجمعوا لذلك، واستعدّوا له، ثمّ خرج أولئك النفر من اليهود حتّى جاءوا غطفان من قيس بن غيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنّهم سيكونون معهم عليه، وأنَّ قريشاً قد بايعوهم على ذلك، وأجمعوا فيه، فأجابوهم، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحرث بن عون بن أبي جارية المرّي في بني مرّة، ومسعود بن جبلة بن نويرة بن طريف بن شحمة بن عبدالله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن زيد بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع، فلمّا سمع بهم رسول الله صلّى الله عليه وبما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة وكان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان الفارسي، وكان أوّل مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلّى الله عليه، وهو يومئذ حُرّ. وقال: يارسول الله إنَّا كنّا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى أحكموه. وقد ذكرنا حديث سلمان في صفة حفر الخندق في سورة آل عمران قالوا: فلمّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتّى نزلت بمجتمع الأسيال من دونه من الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة،وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا [بذنب نقمى] إلى جانب أحد. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتّى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء والذراري فرفعوا في الآطام، وخرج عدوّ الله حيي بن أخطب النضيري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاهده على ذلك، فلمّا سمع كعب بحيي بن أخطب غلق دونه حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فنادى حيي: يا كعب افتح لي، فقال: ويحك يا حيي، إنّك امرؤ ميشوم، إنّي قد عاهدت محمّداً فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أَرَ منه إلاّ وفاءً وصدقاً. قال: ويحك افتح لي أُكلّمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن غلقت دوني إلاّ على حشيشتك أن آكل معك منها، فاحفظ الرجل ففتح له. قال: يا كعب، ويحك جئتك بعزّ الدهر، وبحر طم، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من دونه، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب مقمي إلى جانب أُحد، قد عاهدوني وعاقدوني أنْ لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمّد ومن معه. فقال له كعب بن أسد: جئتني والله بذلّ الدهر، بمجهام قد اهراقَ ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شيء، فدعني ومحمّداً وما أنا عليه، ولم أَرَ من محمّد إلاّ صدقاً ووفاءً. فلم يزل حُيي بن أخطب بكعب يقبله في الذروة والغارب حتى يسمح له على أنْ أعطاه عهداً من الله وميثاقاً، لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمّداً أنْ أدخل معك في حصّتك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ ممّا كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلمّا انتهى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبد الأشهل وهو يومئذ سيّد الأوس وسعد بن عبادة بن دليم أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيّد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة أخو الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف. فقال: حديث : انطلقوا حتى تنظروا أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم؟ فإن كان حقّاً فالحنوا إليَّ لحناً نعرفه ولا تفتّوا أعضاد الناس، وإنْ كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم وقالوا: مَنْ رسول الله؟ وقالوا: لا عقد بيننا وبين محمّد ولا عهد، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلاً فيه حدّ فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثمّ أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فسلّموا عليه ثمّ قالوا: عضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه. فقال رسول الله صلّى الله عليه: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين. وعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف وأتاهم عدوّهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظنّ المؤمنون كلّ ظنّ، ونَجَم النفاق من بعض المنافقين حتى قال لهم معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أنْ يذهب إلى الغائط {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} حتى قال أوس بن قبطي أحد بني حارثة: يا رسول الله إنَّ بُيُوتَنَا بعورة من العدو وذلك على ملأ من رجال قومه، فأْذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنّها خارجة من المدينة. فأقام رسول الله صلّى الله عليه وأقام المشركون عليه بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلاّ الرمي بالنبل والحصى، فلمّا اشتدّ البلاء على الناس، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينه بن حصين وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أنْ يرجعا بمَنْ معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، تجرى بينهم وبينه الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما فيه. فقالا: يارسول الله أشيء أمرك الله به لابدّ لنا من العمل به أم أمر تحبّه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا؟ قال: لا بل لكم والله ما أصنع ذلك، إلاّ إنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد وكالبوكم من كلّ جانب، فأردتُ أنْ أكسر عنكم شوكتهم. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم ولا يطمعون أنْ يأكلوا منها ثمرة إلاّ قري أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزّنا بك نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلاّ السيف حتّى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: فأنت وذاك، فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثمّ قال: ليجهدوا علينا. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون على حالهم والمشركون يحاصروهم ولم يكن بينهم قتال إلاّ أنَّ فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ونوفل بن عبد الله ضرار بن الخطاب ومرداس أخو بني محارب بن فهر قد تلبّسوا للقتال وخرجوا على خيلهم، ومرّوا على بني كنانة. فقال: بنو الحارث: يا بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان، ثمّ أقبلوا حتى وقفوا على الخندق، فلمّا رأوه قالوا: والله إنّ هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها ثمّ تيمّموا مكاناً من الخندق ضيّقاً فضربوا يولهم فاقتحموا منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع. وخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين حتى أخذَ عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان نحوهم، وقد كان عمرو بن عبد ود قاتَل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحُداً، فلمّا كان يوم الخندق خرج مُعَلماً ليُري مكانه، فلمّا وقف هو وخيله قال له علي: يا عمرو، إنّك كنت تعاهد الله، لا يدعوك رجل من قريش إلى خلّتين إلاّ أخذتَ منه إحداهما. قال: أجل. قال: فإنّي أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإنّي أدعوك إلى النزال. قال: ولِمَ يابن أخي؟ فإنّي والله ما أحبّ أنْ أقتلك. قال علي رضي الله عنه : ولكنّي والله أحبّ أنْ أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه وأقبل على عليّ فتناولا وتجاولا وقتله عليّ رضي الله عنه. وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقُتل مع عمرو رجلان: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم فمات منه بمكّة، ونوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزومي، وكان قد اقتحم الخندق فتورّط فيه فرموه بالحجارة، فقال: يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه، فنزل إليه عليّ فقتله فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسول الله صلّى الله عليه أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا في جسده ولا ثمنِهِ فشأنكم به، فخلّى بينهم وبينه . تفسير : قالت عائشة أُمّ المؤمنين: كنّا يوم الخندق في حصن بني حارثة، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أُمّ سعد بن معاذ معنا في الحصن، وذلك قبل أن يُضرب علينا الحجاب فمرّ سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلّها وفي يده حربته وهو يقول: شعر : لبّثْ قليلاً يشهد الهيجا حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل تفسير : فقالت أُمّهُ: الحقْ يا بني فقد والله أخرتَ، قالت عائشة: فقلتُ لها: يا أُمّ سعد والله لوددت أنَّ درع سعد كانت أسبغ ممّا هي، وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، قالت: فرمي سعد يومئذ فقطع منه الأكحل، وزعموا أنّه لم ينقطع من أحد قطع إلاّ لم يزل يفيض دماً حتى يموت، رماه حيان بن قيس بن الغرقة أحد بني عامر بن لؤي، فلمّا أصابه قال: خذها فأنا ابن الغرقة فقال سعد: غرق الله وجهك في النار، ثمّ قال سعد: اللّهم إنْ كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنّه لا قوم أحبّ إليّ من أنْ أُجاهدهم من قوم آذوا رسولك، فكذّبوه وأخرجوه، وإنْ كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. وروى محمد بن إسحاق بن يسار، عن يحيى بن عبادة بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبادة قال: كانت صفية بنت عبد المطّلب في قارع حصن حسّان بن ثابت قالت: وكان حسّان معنا فيه مع النساء الصبيان. قالت صفية: فمرّ بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنّا، ورسول الله والمسلمون في [نحور] عدوّهم لا يستطيعون أنْ ينصرفوا إلينا عنهم إذا أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسّان إنّ هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإنّي والله ما آمنه أنْ يدلّ على عورتنا مَن ورائنا من اليهود، وقد شغل عنّا رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لكِ يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلمّا قال ذلك لي ولم أَرَ عنده شيئاً احتجزت ثمّ أخذتُ عموداً ثمّ نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتّى قتلته فلمّا فرغتُ منه، رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسّان انزل إليه فاسلبه فإنّه لم يمنعني من سلبه إلاّ أنّه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب. قالوا: وأقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه في ما وصف الله عزّ وجلّ من الخوف والشدّة لتظاهر عدوّهم عليهم وإتيانهم مِنْ فَوْقِهم ومن أسفل منهم، ثمّ إنّ نعيم بن مسعود بن عامر بن [أنيف] بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن حلاوة بن أشجع بن زيد بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنّي قد أسلمت وإنَّ قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إنّما أنت فينا رجل واحد، فخَذِّل عنّا إنْ استطعت فإنّ الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة، قد عرفتم ودّي إيّاكم وخاصّة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتّهم، فقال لهم: إنّ قريشاً وغطفان جاءوا لحرب محمّد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإنّ قريشاً وغطفان ليسوا [كهيئتكم]، البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أنْ تحولوا عنه إلى غيره، وإنّ قريشاً وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره، وإنْ رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإنْ كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إنْ خلا بكم، فلا تقاتلوا القوم حتى تأخذوا رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أنْ يقاتلوا معكم محمّداً حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرتَ برأي ونصح. ثمّ خرج حتى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: يا معشر قريش قد عرفتم ودّي إيّاكم وفراقي محمّداً، وقد بلغني أمر رأيت أنَّ حقّاً عليَّ أنْ أبلّغكموه نصحاً لكم فاكتموا عليَّ. قالوا: نفعل. قال: تعلمُون أنَّ معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا في ما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه، أنْ قد ندِمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنّا أنْ نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم [فنعطيكم] فتضرب أعناقهم، ثمّ نكون معك على من بقي منهم؟ فأرسل إليهم أنْ نَعَم، فإن بعث إليكم اليهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً، ثمّ خرج حتّى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان أنتم أصلي وعشيرتي وأحبّ الناس إليَّ ولا أراكم تتّهموني، قالوا: صدقت، قال: فاكتموا عليَّ قالوا: نفعل، ثمّ قال لهم مثل ما قال لقريش وحذّرهم ما حذّرهم، فلمّا كانت ليلة السبت في شوّال سنة خمس، وكان ممّا صنع الله برسوله، أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنّا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتّى نناجز محمّداً ونفرغ ممّا بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم: إنّ اليوم السبت، وهو يوم لا يُعمل فيه شيئاً، وكان قد أحدث بعضنا فيه حدثاً فأصابه ما لم يخفَ عليكم ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمّداً، فإنّا نخشى إنْ [ضرستكم] الحرب واشتدّ عليكم القتال سيروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمّد. فلمّا رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمون والله إنّ الذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحقّ، فأرسلوا إلى بني قريظة، إنّا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال، فاخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إنّ الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ، ما يريد القوم إلاّ أنْ تقاتلوا، فإنْ وجدوا فرصة انتهزوها، وإنْ كان غير ذلك إنشمروا إلى بلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وإلى غطفان: إنّا والله لا نقاتل معكم حتّى تعطونا رهناً، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم، وبعث الله تعالى عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد، حتّى انصرفوا راجعين والحمد لله ربّ العالمين. قال الله تعالى: {وَإِذْ زَاغَتِ} مالت {ٱلأَبْصَارُ} وشخصت {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} فأمّا المنافقون فظنّوا أنَّ محمّداً وأصحابه سيُغلبون ويُستأصلون، وأمّا المؤمنون فأيقنوا أنّ ما وعدهم الله حقّ [من] أنّه سيظهر دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون.واختلف القرّاء في قوله: الظُّنُونَا والرسولا والسبيلا، فأثبت الألفات فيها وصلاً ووقفاً، أهل المدينة والشام وأيّوب وعاصم برواية أبي بكر، وأبو عمر برواية ابن عبّاس. والكسائي برواية قتيبة، قالوا: إنّ ألفاتها ثابتة في مصحف عثمان وسائر مصاحف البلدان. وقرأها أبو عمرو في سائر الروايات وحمزة ويعقوب بغير [ألف] في الحالين على الأصل. وقرأ الباقون بالألف في الوقف دون الوصل، واحتجّوا بأنّ العرب تفعل ذلك في قوافي أشعارهم ومصاريعها فتلحق بالألف في موضع الفتح عند الوقوف ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات، فحسن إثبات الألف في هذه الحروف لأنّها رؤوس الآي تمثيلاً لها بالقوافي. قوله عزّ وجلّ: {هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي أُختبروا ومحّصوا ليعرف المؤمن من المنافق {وَزُلْزِلُواْ} وحُرّكوا وخوّفوا {زِلْزَالاً} تحريكاً {شَدِيداً} وقرأ عاصم الحجدري (زلزالاً) بفتح الزاي وهما مصدران. {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} يعني معتب بن قشير وأصحابه {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شكّ وضعف اعتقاد {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} أي من المنافقين وهم أوس بن قبطي وأصحابه، وقال مُقاتل: هم من بني سالم {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ} يعني المدينة. وقال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض، ومدينة الرسول(عليه السلام) في ناحية منها. {لاَ مُقَامَ لَكُمْ} قراءة العامّة بفتح الميم، أي لا مكان لكم تقيمون فيه. وقرأ السّلمي بضم الميم، أي لا إقامة لكم، وهي رواية حفص عن عاصم {فَٱرْجِعُواْ} إلى منازلكم أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عبّاس: قالت اليهود لعبد الله بن أُبي وأصحابه من المنافقين: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيدي أبي سفيان وأصحابه فارجعواإلى المدينة فرجعوا {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ} في الرجوع إلى منازلهم وهم بنو حارثة بن الحرث {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أي هي خالية [ضائعة [وهي ممّا يلي العدوّ، وإنّا نخشى عليها العدوّ والسرّاق. وقرأ ابن عبّاس وأبو رجاء العطاردي عورة، بكسر الواو يعني قصيرة الجدران فيها خلل وفرجة، والعرب تقول: دار فلان عورة، إذا لم تكن حصينة، وقد اعور الفارس إذا بدا فيه خلل الضرب، قال الشاعر: شعر : متى تلقهم لا تلقى في البيت معوراً ولا الضيف مفجوعا ولا الجار مرملا تفسير : قال الله تعالى: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ} يقول لو دخل عليهم هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم المدينة {مِّنْ أَقْطَارِهَا} جوانبها ونواحيها، واحدها قطر وفيه لغة أخرى قطرٌ وأقطار. {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ} الشرك {لآتَوْهَا} قراءة أهل الحجاز بقصر الألف، أي لجاؤوها وفعلوها ورجعوا عن الإسلام وكفروا، وقرأ الآخرون بالمدّ، أي لأعطوها. وقالوا: إذا كان سؤال كان إعطاء {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ} وما احتبسوا عن الفتنة {إِلاَّ يَسِيراً} ولأسرعوا الإجابة إليها طيبة بها أنفسهم، هذا قول أكثر المفسِّرين، وقال الحسن والفراء: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلاّ قليلاً حتى يهلكوا {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} أي من قبل غزوة الخندق {لاَ يُوَلُّونَ} عدوّهم {ٱلأَدْبَارَ}. وقال يزيد بن دومان: هم بنو حارثة همّوا يوم أحُد أنْ يفشلوا مع بني سلمة، فلمّا نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أنْ لا يعودوا لمثلها أبداً، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلنّ، فساق الله ذلك إليهم في ناحية المدينة. وقال مقاتل والكلبي: هم سبعون رجلاً بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وقالوا له: اشترط لربّك ولنفسك ما شئت، فقال النبي (عليه السلام):"حديث : اشترط لربّي أنْ تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أَنْ تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يارسول الله؟ قال: لكم النصر في الدّنيا والجنّة في الآخرة ". تفسير : قالوا: قد فعلنا، فذلك عهدهم. {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} قوله عزّ وجلّ: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ} الذي كُتب عليكم {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} إلى آجالكم، والدنيا كلّها قليل. {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً} هزيمة {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} نصرة {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أراد الحق سبحانه أنْ يُدلِّل على قوله لرسوله في الآيات السابقة: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 3] فجاء بحادثة جمعتْ كل فلول خصومه، فقد سبق أن انتصر عليهم متفرقين، فانتصر أولاً على كفار مكة في بدر، وانتصر على اليهود في بني النضير وبني قينقاع، وهذه المرة اجتمعوا جميعاً لحربه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لن يؤثر جمعهم في الصدِّ عن دعوتك، وسوف تُنصَر عليهم بجنود من عند الله. إذن: فحيثية (وتوكل على الله) هي قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ..} [الأحزاب: 9] النعمة: الشيء الذي يخالط الإنسان بسعادة وبِشْر وطلب استدامته، وهذه الصفات لا تتوافر إلا في الإيمان؛ لأن استدامة النعمة فيه تعدَّتْ زمن الدنيا إلى زمن آخر دائم وباقٍ في الآخرة، وإنْ كانت نعمة الدنيا على قَدْر أسبابك وإمكاناتك، فنعمة الآخرة على قَدْر المنعمِ سبحانه، فهي إذن: نعمة النعم. والله تعالى يخاطب هنا المؤمنين، ومعنى الإيمان هو اليقين بوجود إله واحد له كل صفات الجلال والكمال، والله سبحانه يكفي العقل أنْ يهتدي إلى القوة الخالقة الواحدة التي لا تعاند، لكن ليس من عمل العقل أنْ يعرف مثلاً اسم هذا الإله، ولا أن يعرف مراده، فكان ولا بُدَّ من البلاغ عن الله. وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك بمَنْ يطرق علينا الباب، فنتفق جميعاً بالعقل على أن طارقاً بالباب، هذا هو عمل العقل، لكن أمن عمل العقل أن نعرف مَنْ هو؟ أو نعرف مقصده من المجيء؟ وهذا ما نسميه التصور. فآفة العقل البشري أنه لم يقنع بالتعقل للقوة القاهرة الفاعلة، فكان يكفيه أن يتعقل أن وراء هذا الكون قوةً، هذه القوة لها صفات الكمال التي بها أوجدتْ هذا الكون، فإنْ أردنا معرفة ما هي هذه القوة فلابُدَّ أنْ نترك هذا الطارق ليخبرنا عن نفسه، ويفصح عن هدفه وسبب مجيئه، ولا يتم ذلك إلا من خلال رسول يأتي من عند الله يخبرنا عن هذه القوة، عن الله، عن أسمائه وصفاته ومنهجه الذي ارتضاه لخَلْقه، وما أعدَّه الله لمَنْ أطاعه من النعيم، وما أعدَّه لمَنْ عصاه من العذاب. فإنْ كذَّبنا هذا الرسول، وطلبنا دليلاً على صِدْقه في البلاغ أخرج لنا من المعجزات ما يؤيده وما يحملنا على تصديقه؛ لأنه أتى بلونٍ مما ننبغ فيه نحن، وفن من فنوننا، ومع ذلك عجزنا عن الإتيان بمثله. إذن: فالتعقُّل أول مراحل الإيمان: لذلك فإن أبسط ردٍّ على مَنْ يعبدون غير الله أن نقول لهم: بماذا أمرتكم آلهتكم؟ وعمَّ نهتْكم؟ وماذا أعدَّتْ لمن أطاعها؟ وماذا أعدَّت لمنْ عصاها؟ ما المنهج الذي تستعبدكم به؟ فكان من منطق العقل ساعةَ يأتينا رسول من عند الله أنْ نستشرف له، ونُقبل عليه، ونسأله عن اللغز الذي لا نعرفه من أمور الحياة والكون، كان علينا أن نستمع له، وأن ننصاع لأوامره؛ لأنه ما جاء إلا ليُخرجنا من مأزق فكري، ومن مأزق عقلي لا يستطيع أحد مِنَّا أنْ يُحلِّله، كان على القوم أن يتلهفوا على هذا الرسول، لا أن يعادوه ويعاندوه، لما لهم من سلطة زمنية ظنوها باقية. وقوله تعالى: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ..} [الأحزاب: 9] ما هو الذكر؟ العقل حين يتلقَّى المعلومات من الحواسِّ يقارن بينها ويُغربلها، ثم يحتفظ بها في منطقة منه تمثل خزينة للمعلومات، وما أشبه العقل في تلقي المعلومات بلقطة (الفوتوغرافيا) التي تلتقط الصورة من مرة واحدة، والناس جميعاً سواء في تلقي المعلومات، المهم أن تصادف المعلومة خُلوّ الذِّهْن مما يشغله. وهذه المنطقة في العقل يسمونها بؤرة الشعور، وهي لا تلتقط إلا جزئية عقلية واحدة، فإذا أردتَ استدعاء معلومة من الحافظة، أو من حاشية الشعور، فالذاكرة هي التي تستدعي لك هذه المعلومة، وتُخرِجها من جديد من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور. ثم هناك ما يُسمَّى بتداعي المعاني، حين يُذكِّرك شيء بشيء آخر، وهناك المخيِّلة، وهي التي تُلفِّق أو تُؤلِّف من المعلومات المختزنة شيئاً جديداً، ونسميه التخيُّل، فالشاعر العربي حين أعجبه الوشم باللون الأخضر على بشرة شابة بيضاء تخيَّلها هكذا. شعر : خَوْدٌ كأنَّ بَنَانَهَا فِي نَقْشِهِ الوَشْمِ المُزَرَّدْ سَمَكٌ مِنَ البللَّوْرِ فِي شَبَكٍ تكوَّنَ مِنْ زَبَرْجَدْ تفسير : فهذه صورة تخيُّلية خاصة بالشاعر، وإلا فَمْن مِنَّا رأى سمكاً من البللور في شبك من زبرجد؟ فللشاعر نظرته الخاصة للصور التي يراها، وسبق أنْ ذكرنا الصورة التي رسمها الشاعر للأحدب، فقال: شعر : قَصُرَتْ أَخَادِعُه وغَاصَ قَذَالُه فَكأنَّهُ مُتربِّصٌ أنْ يُصْفَعَا وكأنَّمَا صُفِعَتْ قفَاهُ مرةً فَأحسَّ ثانيةً لَهَا فَتَجمَّعا تفسير : ومنذ القِدَم يعتبر الشعراء القلبَ محلاً للحب وللمشاعر، لكن يخرج علينا هذا الشاعر بصورة أخرى جديدة من نَسْج خياله، فيقول: شعر : خَطَرَاتُ ذِكْرِكَ تَسْتَثِيرُ مَودَّتيِ فَأُحِسُّ مِنْها فِي الفُؤادِ دَبيبا لاَ عُضْوَ لِي إلاَّ وَفيهِ صَبَابَةٌ فَكأنَّ أَعْضَائي خُلِقْنَ قُلُوبَا تفسير : فمعنى: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ..} [الأحزاب: 9] لا تمروا على النعم بغفلة لرتابتها عندكم، بل تذكروها دائماً، واجعلوها في بؤرة شعوركم؛ لذلك جعل الله الذكر عبادة، وهو عبادة بلا مشقة، فأنت حين تصلي مثلاً تستغرق وقتاً ومجهوداً للوضوء وللذهاب للمسجد، كذلك حين تزكي تُخرِج من مالك، أما الذكْر فلا يُكلِّفك شيئاً. لذلك في سورة الجمعة حينما يستدعي الحق سبحانه عباده للصلاة، يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..} تفسير : [الجمعة: 9] فهنا حركتان: حركة إيجاب بالسعي إلى الصلاة، وحركة سَلْب بترْكِ البيع والشراء، وكلّ ما يشغلك عن الصلاة. ثم يقول تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ..} تفسير : [الجمعة: 10]. وفي موضع آخر قال: {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} تفسير : [العنكبوت: 45] فإياك أن تظن أن الله يريد أنْ تذكره ساعة الصلاة فحسب، إنما اذكره دائماً وأبداً، وإنْ كانت الصلاة لها ظرف تُؤدَّى فيه، فذِكْر الله لا وقتَ له؛ لذلك جعله الله يسيراً سهلاً، لا مشقة فيه، لا بالوقت ولا بالجهد، فيكفي في ذِكْر الله أنْ تتأمل المرائي التي تمر بها ويقع عليها نظرك لترى فيها قَدرة الله. والحق سبحانه يُذكِّرنا بنعمه؛ لأن النعمة بتواليها على النفس البشرية تتعوَّد عليها النفس، ويحدث لها رتابة، فلا تلتفت إليها، فأنت مثلاً ترى الشمس كل صباح، لكن قلَّما تتذكر أنها آية من آيات الخالق - عز وجل - ونعمة من نعمه؛ لأنك تعوَّدت على رؤيتها، وأصبحت رتيبة بالنسبة لك. كذلك يلفتنا الحق سبحانه إلى نعمه حين يسلبها من الآخرين، فحين ترى السقيم تذكَّر نعمة العافية، وحين ترى الأعمى تذكَّر نعمة البصر .. إلخ وساعتها ينبغي عليك أنْ تشكر المنعِم الذي عافاك مما ابتلى به غيرك، إذن: فهذه الشواذ جعلها الله وسائل للإيضاح وتذكيراً للخلق بنِعَم الخالق. والنعمة وردتْ هنا مفردة، وكذلك في قوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] وقد وقف أعداء الإسلام من المستشرقين أمام هذه الآية يعترضون على أن النعمة فيها مفردة، يقولون: فكيف تُعَدُّ؟ وهذا الاعتراض منهم ناشئ عن عدم فَهْم لمعاني وأساليب القرآن. ونقول: الذي تروْنه نعمة واحدة، لو تأملتُم فيها لوجدتم بداخلها نِعَماً متعددة تفوق العَدَّ؛ لذلك استخدم القرآن هنا (إنْ) الدالة على الشك؛ لأن نِعَم الله ليست مظنَّة العَدِّ والإحصاء كرمال الصحراء، هل تعرَّض أحد لِعدِّها؟ لأنك لا تقبل على عَدِّ شيء إلا إذا كان مظنَّةَ العَدِّ، وإحصاء المعدود. لذلك، فالحق سبحانه يوضح لنا: إنْ حاولتم إحصاء نِعَم الله - وهذا لن يحدث - فلن تستطيعوا عدَّها، مع أن الإحصاء أصبح عِلْماً مستقلاً، له جامعات وكليات تبحث فيه وتدرسه. ولك أنْ تأخذ نعمة واحدة من نِعَم الله عليك، ثم تتأمل فيها وفي عناصرها ومُكوِّناتها وفوائدها وصفاتها، وسوف تجد في طيَّات النعمة الواحدة نِعَماً شتَّى، فالتفاحة مثلاً في ظاهرها نعمة واحدة، لكن في ألوانها ومذاقها وعناصر مكوناتها ورائحتها واختلاف وتنوُّع هذا كله نِعَم كثيرة. والحق سبحانه جعل نِعَمه عامة للمؤمن وللكافر؛ لأنه سبحانه جعل لها أسباباً، مَنْ أحسَنَ هذه الأسباب أعطتْه، حتى لو كان كافراً. ثم نلاحظ في قوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] أنها وردتْ في القرآن مرتين، ولكل منهما تذييل مختلف، فمرَّة يقول تعالى: {أية : وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34]، ومرة يقول: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 18]. وفيه إشارة إلى أن الله تعالى لو عامل المنعَم عليهم من الخَلْق بما يقتضيه إيمانهم، وما يقتضيه كفرهم، لأعطى المؤمن وسلَبَ الكافر، لكنه سبحانه غفور رحيم بخَلْقه، فبهاتين الصفتين يُنعِم سبحانه على الجميع، وما ترفلون فيه من نِعَم الله عليكم أثر من آثار الغفران والرحمة، فغفر لكم معايبكم أولاً، والغفر: أنْ تستر الشيء القبيح عَمَّن هو دونك. ثم الرحمة، وهي أنْ تمتدَّ يدك بالإحسان إلى مَنْ دونك، وسبق أنْ أوضحنا أن المغفرةَ تسبق الرحمةَ، وهذه هي القاعدة العامة، لكن قد تسبق الرحمةُ المغفرةَ؛ ذلك لأن السَّلب للشيء المذموم ينبغي أن يسبق النعمة، أو: أنْ دَفْع الضرر مُقدَّم على جَلْب المنفعة. وقد مثَّلْنا لذلك باللصِّ تجده في دارك، فتستر عليه أولاً حين لا تسلمه للبوليس، ثم يرقّ له قلبك، فتمتد يدُك إليه بالإحسان، وهنا تسبق المغفرةُ الرحمةَ، وقد تتصرف معه بطريقة أخرى، بحيث تقدَّم فيها الرحمةَ على المغفرة، والمغفرة لا تكون إلا من الأعلى للأدنى، فتستر على القبيح قُبْحه، وأنت أعلى منه، فلا يقال مثلاً للخادم: إنه ستر على سيده. ثم يرسل لنا الحق - سبحانه وتعالى - هذه البرقية الدالَّة على تأييده سبحانه لعباده المؤمنين: {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} [الأحزاب: 9]. فالجنود تُؤذِن بالحرب، وجاءت نكرة مُبْهمة، ثم جاءت نهاية هذه المعركة في هاتين الجملتين القصيرتين {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا ..} [الأحزاب: 9] ولم يذكر ماهية هؤلاء الجنود، إلا أنهم من عند الله، جاءوا لردِّ هؤلاء الكفار وإبطال كيدهم. ثم يأتي بمذكرة تفسيرية توضح مَنْ هم هؤلاء الجنود: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ نادى سبحانه المؤمنين الموحدين، المواظبين على الطاعات بارتكاب الأوامر واجتناب المنهيات؛ كي يصلوا إلى ما أعد لهم ربهم من المثوبات المكرمات فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: تعداد نعم الله عليكم، وإحصاء فواضله المتوالية المتتالية المتسقة {ٱذْكُرُواْ} في عموم أوقاتكم وأحوالكم {نِعْمَةَ ٱللَّهِ} الفائضة {عَلَيْكُمْ} على تعاقب الأزمان، وتلاحق الآناء والأحيان، سيما نعمة إنجائكم من أعدائكم ونصركم عليهم، مع كونكم آيسين منه، أذكروا يا أهل يثرب {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} متعددة وأحزاب متعاقبة متلاصقة قاصدين لمقتكم واستئصالكم، وهم قريش وغطفان، ويهود بني قريظة وبني النضير، وكانوا زهاء اثني عشر ألفاً، وأنتم قليلون فحفرتم الخندق على المدينة، ثمَّ خرجتم تجاه الأعداء ثلاثة آلاف، والخندق بينكم وبينهم فقعدتم متقابلين، ومضى عليها قريب شهر لا حرب بينكم إلاَّ بالترامي بالنبل والحجارة فاضطررتم واضطربتم، فأوجستم في نفوسكم خيفة، وصرتم متذبذبين متزلزلين لا إلى القرار ولا إلى الفرار. وبعدما أبصرناكم كذلك فاجأنا بإرسال الريح والملائكة إمداداً لكم، وتأييداً {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} أي: الصبا، فهبت عليهم إلى حيث تقلع أوتادهم، وتسقط الخيام عليهم، وتطفئ نيرانهم، وتكفي قدورهم، وتجيل خيولهم، وكانت في ليلة شاتية باردة في غاية البرودة {وَ} أرسلنا عليهم أيضاً {جُنُوداً} من الملائكة ظهرت جوانب معسكرهم، بحيث {لَّمْ تَرَوْهَا} في تلك الليلة المظلمة، بل لم تروها جنداً مثلها أصلاً، فقال حينئذٍ صناديدهم وكبراؤهم: النجاء النجاء، فإن محمداً قد بدأ بالسحر فانهزموا من غير قتال، فنجوتم سالمين عنايةً من الله، وإنجازاً لوعده، ومعجزةً لرسوله صلى الله عليه وسلم {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع لأحوال عباده {بِمَا تَعْمَلُونَ} من حفر الخندق، والتزلزل والتذبذب، والرعب الخفي، وبما يعملون من التحزب والتوافق على استئصالكم {بَصِيراً} [الأحزاب: 9] رائيً عليماً منكم أمارات التذبذب والتزلزل. وكيف لا يتزلزلون {إِذْ جَآءُوكُمْ} وهم غطفان {مِّن فَوْقِكُمْ} أي: من أعلى الوادي من قبل المشرق {وَ} جاءوكم قريش {مِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} أي: من أسفل الوادي من قبل المغرب، وأحصرتم حينئذٍ؛ إذ ليس معكم ما يقابل أحد الجانبين، فكيف بكليهما {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ} حينئذٍ منكم، ومالت عن مستوى نظرها، وتقلقلت حيرةً وشخوصاً {وَ} اضطربتم في تلك الحالة إلى حيث {بَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} من غاية الرغب؛ لأن رئتكم قد انتفخت من الرعب المفرط فارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، وهي منتهى الحلقوم الذي هو مدخل الطعام والشراب. {وَ} حينئذٍ {تَظُنُّونَ} أيها الظانون المرعوبون {بِٱللَّهِ} الذي وعدكم الغلبة على الأعداء، وإظهار دينكم وأعلاءه على الأديان كلها {ٱلظُّنُونَاْ} [الأحزاب: 10] أي: أنواعاً من الظنون، بعضها صالح وبعضها فاسد، على تفاوت طبقاتكم في الإخلاص وعدمه، فمنكم من يظن أن الله منجز وعده الذي وعده لرسوله من إعلاء دينه ونصره على الأعداء؛ إذ لا خلف لوعده سبحانه، ومنكم من يتردد ويتحير بين الأمرين إلى حيث لا يرجح أحدهما؛ لذلك يخاف من ضعف الثقة بالله، وعدم رسوخه في الإيمان. وبالجملة: {هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} وجرِّبوا واختُبروا؛ كي يتيمز المخلص منهم من المنافق، والثابت الراسخ من المتردد المتزلزل {وَ} لذلك {زُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب: 11] من شدة الفزع والهول المفرط إلى حيث كاد أن يخرج أرواحهم من أجسادهم. {وَ} اذك يا أكمل الرسل {إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} حينئذٍ {وَ} المؤمنون {ٱلَّذِينَ} بقي {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} من أمارات الشقاق، ولم يصفوا بعد؛ لحداثة عهدهم حتى يتمكنوا على الوفاق، ويتمرنوا بالاتفاق {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} من الظفر على الأعداء، وانتشار هذا الدين في الأقطار والأنحاء {إِلاَّ غُرُوراً} [الأحزاب: 12] قولاً باطلاً، وزوراً زاهقاً زائلاً، وبالغوا في ذلك حيث قال متعب بن قشير: بعدنا محمد بفتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز للقتال مع هؤلاء الفرق، فظهر أن وعده ما هو إلا غرور باطل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى عباده المؤمنين، نعمته عليهم، ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم جنود أهل مكة والحجاز، من فوقهم، وأهل نجد، من أسفل منهم، وتعاقدوا وتعاهدوا على استئصال الرسول والصحابة، وذلك في وقعة الخندق. ومالأتهم [طوائف] اليهود، الذين حوالي المدينة، فجاءوا بجنود عظيمة وأمم كثيرة. وخندق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، على المدينة، فحصروا المدينة، واشتد الأمر، وبلغت القلوب الحناجر، حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل مبلغ، لما رأوا من الأسباب المستحكمة، والشدائد الشديدة، فلم يزل الحصار على المدينة، مدة طويلة، والأمر كما وصف اللّه: { وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ } أي: الظنون السيئة، أن اللّه لا ينصر دينه، ولا يتم كلمته. { هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ } بهذه الفتنة العظيمة { وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا } بالخوف والقلق، والجوع، ليتبين إيمانهم، ويزيد إيقانهم، فظهر -وللّه الحمد- من إيمانهم، وشدة يقينهم، ما فاقوا فيه الأولين والآخرين. وعندما اشتد الكرب، وتفاقمت الشدائد، صار إيمانهم عين اليقين، {أية : وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا }. تفسير : وهنالك تبين نفاق المنافقين، وظهر ما كانوا يضمرون قال تعالى: { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 2323- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا}: [الآية: 9] قال: هم الملائكة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):