٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} «إِذْ» في موضع نصب بمعنى واذكر. وكذا «وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ». «مِنْ فَوْقِكُمْ» يعني من فوق الوادي، وهو أعلاه من قبل المشرق، جاء منه عَوْف بن مالك في بني نصر، وعيينة بن حِصْن في أهل نجد، وطُليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد. «وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ» يعني من بطن الوادي من قبل المغرب، جاء منه أبو سفيان بن حرب على أهل مكة، ويزيد بن جَحْش على قريش، وجاء أبو الأعور السُّلَمي ومعه حُيَيُّ بن أخطب اليهودي في يهود بني قُريظة مع عامر بن الطُّفَيل من وجه الخندق. {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ} أي شَخُصت. وقيل: مالت؛ فلم تلتفت إلا إلى عدوّها دَهَشاً من فرط الهَوْل. {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} أي زالت عن أماكنها من الصدور حتى بلغت الحناجر وهي الحلاقيم، واحدها حنجرة؛ فلولا أن الحلوق ضاقت عنها لخرجت؛ قاله قتادة. وقيل: هو على معنى المبالغة على مذهب العرب على إضمار كاد؛ قال:شعر : إذا ما غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيَّة هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دَمَا تفسير : أي كادت تقطر. ويقال: إن الرئة تنفتح عند الخوف فيرتفع القلب حتى يكاد يبلغ الحنجرة مثلاً؛ ولهذا يقال للجبان: انتفخ سَحْره. وقيل: إنه مثل مضروب في شدّة الخوف ببلوغ القلوب الحناجر وإن لم تزل عن أماكنها مع بقاء الحياة. قال معناه عكرمة. روى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: بلغ فزعها. والأظهر أنه أراد اضطراب القلب وضربانه، أي كأنه لشدّة اضطرابه بلغ الحنجرة. والحنجرة والحُنجور (بزيادة النون) حرف الحلق. {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} قال الحسن: ظن المنافقون أن المسلمين يُستأصلون، وظن المؤمنون أنهم يُنصرون. وقيل: هو خطاب للمنافقين؛ أي قلتم هلك محمد وأصحابه. واختلف القرّاء في قوله تعالى: «الظُّنُونَا، والرسولا، والسبيلا» آخر السورة؛ فأثبت ألفاتها في الوقف والوصل نافع وابن عامر. وروي عن أبي عمرو والكسائي تمسكا بخط المصحف، مصحف عثمان، وجميع المصاحف في جميع البلدان. واختاره أبو عبيد؛ إلا أنه قال: لا ينبغي للقارىء أن يدرج القراءة بعدهن لكن يقف عليهن. قالوا: ولأن العرب تفعل ذلك في قوافي أشعارهم ومصاريعها؛ قال:شعر : نحن جلبنا القُرّح القوافِلاَ تستنفر الأواخرُ الأوائلا تفسير : وقرأ أبو عمرو والجحدرِيّ ويعقوب وحمزة بحذفها في الوصل والوقف معاً. قالوا: هي زائدة في الخط كما زيدت الألف في قوله تعالى: {أية : ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ} تفسير : [التوبة: 47] فكتبوها كذلك، وغير هذا. وأما الشعر فموضع ضرورة، بخلاف القرآن فإنه أفصح اللغات ولا ضرورة فيه. قال ابن الأنباري: ولم يخالف المصحف من قرأ: «الظنون. والسبيل. والرسول» بغير ألف في الحروف الثلاثة، وخطّهن في المصحف بألف لأن الألف التي في «أطعنا» والداخلة في أوّل «الرسول. والظنون. والسبيل» كفى من الألف المتطرفة المتأخرة كما كَفَتْ ألفُ أبي جادٍ من ألف هوّاز. وفيه حجة أخرى: أن الألف أنزلت منزلة الفتحة وما يُلحق دِعامة للحركة التي تسبق والنية فيه السقوط؛ فلما عُمل على هذا كانت الألف مع الفتحة كالشيء الواحد يوجب الوقفُ سقوطَهما ويعمل على أن صورة الألف في الخط لا توجب موضعاً في اللفظ، وأنها كالألف في «أية : سٰحِران» تفسير : [طه: 63] وفي «أية : فٰطِر السموات والأرض»تفسير : [فاطر:1] وفي {أية : وٰعَدْنَا مُوسى} تفسير : [البقرة:51] وما يشبههن مما يُحذف من الخط وهو موجود في اللفظ، وهو مسقط من الخط. وفيه حجة ثالثة هي أنه كتب على لغة من يقول لقيت الرجلا. وقرىء على لغة من يقول: لقيت الرجل، بغير ألف. أخبرنا أحمد بن يحيـى عن جماعة من أهل اللغة أنهم رووا عن العرب قام الرّجلُو، بواو، ومررت بالرجلي، بياء، في الوصل والوقف. ولقيت الرجلا؛ بألف في الحالتين كلتيهما. قال الشاعر:شعر : أسائلةٌ عُميرةُ عن أبيها خلالَ الجيش تَعْتَرِف الرّكابا تفسير : فأثبت الألف في «الركاب» بناء على هذه اللغة. وقال الآخر:شعر : إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونا تفسير : وعلى هذه اللغة بنى نافع وغيره. وقرأ ابن كثير وابن محيْصِن والكسائي بإثباتها في الوقف وحذفها في الوصل. قال ابن الأنباريّ: ومن وصل بغير ألف ووقف بألف فجائز أن يحتج بأن الألف احتاج إليها عند السكت حرصاً على بقاء الفتحة، وأن الألف تدعمها وتقوّيها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } من أعلى الوادي وأسفله من المشرق والمغرب {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَٰرُ } مالت عن كل شيء إلى عدوّها من كل جانب {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } جمع حنجرة وهي منتهى الحلقوم من شدّة الخوف {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } المختلفة بالنصر واليأس.
ابن عطية
تفسير : {إذ} هذه لا بد من الأولى في قوله: {إذ جاءتكم} [الأحزاب: 9]، وقوله تعالى: {من فوقكم} يريد أهل نجد مع عيينة بن حصن، {ومن أسفل منكم} يريد مكة وسائر تهامة، قاله مجاهد وقيل "من فوق وأسفل" هنا إنما يراد به ما يختص ببقعة المدينة، أي نزلت طائفة في أعلى المدينة وطائفة في أسفلها، وهذه عبارة عن الحصر، و {زاغت} معناه مالت عن مواضعها، وذلك فعل الواله الفزع المختبل، وأدغم الأعمش {إذ زاغت} وبين الذال الجمهور وكل حسن، {وبلغت القلوب الحناجر} عبارة عما يجده الهلع من ثوران نفسه وتفرقها شعاعاً ويجد كأن حشوته وقلبه يصعد علواً لينفصل، فليس بلوغ القلوب الحناجر حقيقة بالنقلة بل يشير لذلك وتجيش فيستعار لها بلوغ الحناجر، وروى أبو سعيد الخدري أن المؤمنين قالوا يوم الخندق: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله، قال: "حديث : نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وأمن روعاتنا"تفسير : ، فقالوها فضرب الله تعالى وجوه الكفار بالريح فهزمهم، وقوله {وتظنون بالله الظنونا} أي تكادون تضطربون وتقولون ما هذا الخلف للموعد، وهذه عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين لا يمكن للبشر دفعها وأما المنافقون فجلحوا ونطقوا، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعمش وطلحة "الظنونا" بالألف في الوصل والوقف، وذلك اتباع لخط المصحف، وعلته تعديل رؤوس الآي وطرد هذه العلة أن يلازم الوقف، وقد روي عن أبي عمرو أنه كان لا يصل، فكان لا يوافق خط المصحف وقياس الفواصل، وقرأ أبو عمرو أيضاً وحمزة في الوصل والوقف "الظنون" بغير ألف وهذا هو الأصل، وقرأ ابن كثير والكسائي وعاصم وأبو عمرو بالألف في الوقف وبحذفها في الوصل، وعللوا الوقف بتساوي رؤوس الآي على نحو فعل العرب في القوافي من الزيادة والنقص. وقوله تعالى: {هنالك} ظرف زمان، والعامل فيه {ابتلي}، ومن قال إن العامل فيه {وتظنون} فليس قوله بالقوي لأن البدأة ليست متمكنة، و {ابتلي} معناه اختبر وامتحن الصابر منهم من الجازع، {وزلزلوا} معناه حركوا بعنف، وقرأ الجمهور "زِلزالاً" بكسر الزاي، وقرأها "زلزالاً" بالفتح الجحدري، وكذلك {زلزالها} في {أية : إذا زلزلت} تفسير : [الزلزلة: 1] وهذا الفعل هو مضاعف زل أي زلزله غيره، ثم ذكر الله تعالى قول المنافقين والمرضى القلوب ونبه عليهم على جهة الذم لهم، وروي عن يزيد بن رومان أن معتب بن قشير قال: يعدنا محمد أن نفتتح كنوز كسرى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ما يعدنا {إلا غروراً}، أي أمراً يغرنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به، وقال غيره من المنافقين نحو هذا فنزلت الآية فيهم، وقولهم {الله ورسوله} إنما هو على جهة الهزء كأنه يقولون على زعم هذا الذي يدعي، أنه رسول يدل على هذا أن من المحال أن يكون اعتقادهم أن ذلك الوعد هو من الله تعالى ومن رسوله ثم يصفونه بالغرور بل معناه على زعم هذا.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّن فَوْقِكُمْ} من فوق الوادي وهو أعلاه جاء منه عوف بن مالك في بني نصر وعيينة بن حصن في أهل نجد وطلحة بن خويلد الأسدي في بني أسد {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} بطن الوادي من قبل المغرب جاء منه أبو سفيان بن حرب على أهل مكة ويزيد بن جحش على قريش وجاء أبو الأعور وحيي بن أخطب في بني قريظة وعامر بن الطفيل من وجه الخندق. {زَاغَتِ الأَبْصَارُ} شخصت، أو مالت. {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ} زالت عن أماكنها من الرعب فبلغت الحناجر وهي الحلاقم واحدها حنجرة ويعبّر بذلك عن شدة الخوف وإن لم تُزل عن أماكنها مع بقاء الحياة {الظنون} فيما وعدهم به من النصر، أو اختلاف ظنونهم ظن المنافقون أن الرسول صلى الله عليه سلم وأصحابه يُستأصلون وأيقن المؤمنون أن وعده في إظهاره على الدين كله حق "ح".
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إذ جاؤوكم من فوقكم} أي من فوق الوادي من قبل المشرق وهم أسد وغطفان وعليهم مالك بن عوف النصري وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد وحيي بن أخطب في يهود قريظة {ومن أسفل منكم} يعني من بطن الوادي من قبل المغرب وهم قريش وكنانة عليهم أبو سفيان بن حرب من قريش ومن تبعه، وأبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي من قبل الخندق وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير من ديارهم {وإذا زاغت الأبصار} أي مالت وشخصت من الرعب وقيل مالت عن كل شيء فلم تنظر إلى عدوها {وبلغت القلوب الحناجر} أي زالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع والحنجرة جوف الحلقوم، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف، وقيل معناه أنهم جبنوا وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته وإذا انتفخت رئته رفعت القلب إلى الحنجرة فلهذا يقال: للجبان انتفخ سحره {وتظنون بالله الظنونا} أي اختلفت الظنون بالله فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
ابو السعود
تفسير : {إِذْ جَاءُوكُم} بدلٌ من إذْ جاءتْكُم {مّن فَوْقِكُمْ} من أعلى الوادِي من جهةِ المشرقِ وهم بنُو غطَفَان ومَن تابعَهم من أهلِ نحدٍ قائدُهم عيـينةُ بن حِصْنٍ وعامرُ بنُ الطُّفيلِ في هوازنَ وضامتهم اليهودُ من قريظةَ والنَّضيرِ {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} أي من أسفلِ الوادِي من قبلِ المغربِ وهم قُريشٌ ومن شايعهم من الأحابـيشِ وبني كِنانةَ وأهل تِهامةَ وقائدُهم أبوُ سفيانَ وكانُوا عشرةَ آلافٍ. {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ} عطفٌ على ما قبلَه داخلٌ معه في حُكمِ التَّذكيرِ أي حين مالتْ عن سَننِها وانحرفتْ عن مُستوى نظرِها حيرةً وشُخوصاً وقيل: عدلتْ عن كلِّ شيءٍ فلم تلتفتْ إلاَّ إلى عدوِّها لشدَّةِ الرَّوعِ {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} لأنَّ الرئةَ تنتفخ من شدَّةِ الفزعِ فيرتفعُ القلبُ بارتفاعِها إلى رأسِ الحنجرةِ وهي مُنتهى الحُلقومِ وقيل: هو مثلٌ في اضطرابِ القلوب ووجيبِها وإنْ لم تبلغْ الحناجرَ حقيقة والخطابُ في قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} لمن يُظهر الإيمانَ على الإطلاقِ أي تظنُّون بالله تعالى أنواعَ الظُّنونِ المختلفةِ حيثُ ظنَّ المُخلصون الثُّبتُ القلوبِ أنَّ الله تعالى يُنجز وعدَهُ في إعلاءٍ دينِه كما يُعرب عنه ما سيُحكى عنهم من قولِهم: { أية : هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} تفسير : [سورة الأحزاب: الآية 22] الآيةَ أو يمتحنهم فخافُوا الزَّللَ وضعفَ الاحتمالِ. والضِّعافُ القلوبِ والمنافقون ما حُكي عنهم ممَّا لا خيرَ فيهِ والجملُة معطوفةٌ على زاغتِ وصيغةُ المضارعِ لاستحضارِ الصُّورةِ والدِّلالة على الاستمرارِ. وقُرى الظُّنونَ بغيرِ ألفٍ وهو القياسُ وزيادتُها لمراعاةِ الفواصلِ كما تُزاد في القوافِي.
القشيري
تفسير : أحاط بهم سُرَادقُ البلاء، وأَحدقَ بهم عَسْكرُ العدوِّ، واستسلموا للاجتياح، وبلغت القلوبُ الحناجرَ، وتَقَسَّمَتْ الظنونُ، وداخَلَتْهُم كوامِنُ الارتياب، وبدا في سويدائهم جَوَلانُ الشكِّ.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذ جاؤكم} بدل من اذجاءتكم {من فوقكم} من اعلى الوادى من جهة المشرق وهم بنوا غطفان ومن تابعهم من اهل نجد وقائدهم عيينه بن حصين الفزارى وعامر بن الطفيل ومعهم اليهود {ومن اسفل منكم} اى من اسفل الوادى من قبل المغرب وهم قريش ومن تابعهم من الجماعات المتفرقة وقائدهم ابو سفيان الوادى من قبل المغرب وهم قريش ومن تابعهم من الجماعات المتفرقة وقائدهم ابو سفيان والفوق اشارة الى الآفات السماوية والاسفل الى المتولدات البشرية والكل بلاء وقضاء {واذ زاغت الابصار} عطف على ما قبله داخل فى حكم التذكير. والزيغ الميل عن الاستقامة. قال الراغب يصح ان يكون اشارة الى ما تداخلهم من الخوف حتى اظلمت ابصارهم ويصح ان يكون اشارة الى ما قال {أية : يرونهم مثليهم رأى العين} تفسير : انتهى والبصر الجارحة الناظرة والمعنى وحين مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصا لكثرة ما رأت من العدد والعدد فانه كان مع قريش ثلاثمائه فرس والف وخمسائه بعير: وبالفارسية [وآنكه كه بكشت جشمها در جشم خانها ازبيم او خيره شد]. وقال بعضهم المراد ابصار المنافقين لانهم اشد خوفا ولا حاجة اليه لان من شأن ضعف الانسانية التغير عند تراكم البلاء وترادف النكبات وهو لا ينافى قوة اليقين وكمال الاعتماد على الرب المعين كما دل عليه ما بعد الآية ألا ترى الى قوله تعالى {أية : حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} تفسير : كما سبق فى سورة البقرة {وبلغت القلوب الحناجر} جمع حنجرة وهى منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب اى بلغت رأس الغلصمة من خارج رعبا وغما لان الرئة بالفارسية [شش] تنتفخ من شدة الفزع والغم فيرتفع القلب بارتفاعها الى رأس الحنجرة وهو مشاهد فى مرض الخفقان من غلبة السوداء. قال قتادة شخصت عن اماكنها فلولا انه ضاق الحلقوم بها عن ان تخرج لخرجت. وقال بعضهم كادت تبلغ فان القلب اذا بلغ الحنجرة مات الانسان فعلى هذا يكون الكلام تمثيلا لاضطراب القلوب من شدة الخوف وان لم تبلغ الخناجر حقيقة. واعلم انهم وقعوا فى الخوف من وجهين. الاول خافوا على انفسهم من الاحزاب لان الاحزاب كانوا اضعافهم. والثانى خافوا على ذراريهم فى المدينة بسبب ان نقض بنوا قريظة العهد كما سبق وقد قاسوا شدائد البرد والجوع كما قال بعض الصحابة لبثنا ثلاثة ايام لا نذوق زادا وربط عليه السلام الحجر على بطنه من الجوع وهو لا ينافى قوله {أية : انى لست مثلكم انى ابيت عند ربى يطعمنى ربى ويسقينى} تفسير : فانه قد يحصل الابتلاء فى بعض الاحيان تعظيما للثواب. واول بعض العارفين حديث ربط الحجر بان لم يكن من الجوع فى الحقيقة بل من كمال لطافته لئلا يصعد الى الملكوت ويستقر فى عالم الارشاد فمن كانت الدنيا رشحة من فيض ديمه وقطرة من زواجر بحار نعمه لا يحتاج اليها ولكن الصبر عند الحاجة مع الوجدان من خواص من عصم بعصمة الرحمن شعر : در بزم احتشام توسياره هفت جام بر مطبخ نوال تو افلاك نه طبق تفسير : {وتظنون بالله} يا من يظهر الايمان على الاطلاق {الظنونا} انواع الظنون المختلفة حيث ظن المخلصون المثبتوا القلوب والاقدام ان الله تعالى ينجز وعده فى اعلاء دينه او يمتحنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال كما فى وقعة احد وظن الضعاف القلوب الذين هم على حرف والمنافقون ما حكى عنهم مما لا خير فيه. والجملة معطوفة على زاغت وصيغة المضارع لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار. واثبت حفص فى الظنونا والسبيلا والرسولا هذه الالفات اتباعا لمصحف عثمان رضى الله عنه فانها وجدت فيه كذلك فبقيت على حكمها اليوم فهى بغير الالف فى الوصل وبالالف فى الوقف. وقرئ الظنون بحذف الالف على ترك الاشباع فى الوصل والوقف وهو الاصل والقياس وجه الاول ان الالف مزيدة فى امثالها لمراعاة الفواصل تشبيها لها بالقوافى فان البلغاء من الشعراء يزيدونها فى القوافى اشباعا للفتحة
الجنابذي
تفسير : {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} من اعلى المدينة وهو جانب المشرق والشّمال {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} وهو جانب المغرب والجنوب فانّ بنى غطفان جاؤا من فوقهم وقريش من اسفلهم {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ} مالت وتحيّرت من شدّة الخوف والدّهشة لكثرة الاعداء {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} كناية عن اضطراب القلوب فانّ القلوب عند غلبة الخوف تضطرب وتتحرّك من اسفل الى اعلى، واذا اريد المبالغة فى اضطرابها يقال بلغت فى تحرّكها من اسفل مقامها الى الحناجر {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} الانواع من الظّنّ او المظنونات العديدة المتخالفة، وقرئ الظّنون بحذف الالف فى الوصل، وقرئ بحذف الالف فى الوصل والوقف، والمراد بالظّنون ظنّ كذب محمّدٍ (ص)، وظنّ تكذيب الله لمحمّدٍ (ص) وظنّ الاستيصال، وظنّ الغارة على المدينة، وظنّ صدق محمّدٍ (ص) والاطمينان بالله والنّصرة من الله والغلبة على الاعداء وهزيمتهم.
الهواري
تفسير : قال: {إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} جاءوا من وجهين: من أسفل المدينة ومن أعلاها في تفسير الحسن. وقال الكلبي: جاءوا من أعلى الوادي ومن أسفله؛ جاء من أعلى الوادي عيينة بن حصن، وجاء من أسفله أبو الأعور السلمي، ونصب أبو سفيان قِبَل الخندق. قال: {وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} أي: من شدة الخوف. {وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا} يعني المنافقين، يظنون أن محمداً سيقتل، وأنهم سيهلكون. قال الله: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ} أي: مُحِّصوا. قال: {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} وكان الله قد أنزل في سورة البقرة: (أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ) تفسير : [البقرة: 214]. فلما نزلت هذه الآية قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما أصابنا هذا بعدُ. فلما كان يوم الأحزاب قالوا: (أية : هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً)تفسير : [الأحزاب: 22]. وأنزل الله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ} أي: محِّصوا {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} أي: حرَّكوا بالخوف وأصابتهم الشدّة.
اطفيش
تفسير : {إذ} بدل من إذا. {جاءوكم من فوقكم} من أعلى الوادي من قبل المشرق جاءت منه غطفان. {ومن أسفل منكم} اسفل الوادي من قبل المغرب جاءت منه قريش. قال الحسن: من أعلى المدينة ومن أسفلها. قال الكلبي جاء من اعلى الوادي عيينة ومن اسفله ابو الاعور السلمي. قال مجاهد: من فوقكم يريد أهل نجد مع عيينة ومن اسفل منكم يريد اهل مكة وسائر تهامة والواضح ان الذين من فوق الوادي من المشرق اسد وغطفان وعليهم مالك بن عوف النظري وعيينة في الف من غطفان ومعهم طلحة بن خويلد الاسدي في بني اسد وحيي بن اخطب في يهود قريضة والذين من اسفل الوادي وهو بطنه من قبل المغرب قريش وكنانة وعليهم ابو سفيان ومن تبعه وابو الاعور من قبل الخندق. {وإذ زاغت الأبصار} مالت من مستوى نظرها حيرة وشخوصا للرعب وقيل: عدلت عن كل شيء فلم تلتفت الا الى عدوها قاله جار الله. {وبلغت القلوب الحناجر} حنجرة وهي رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب. وقال شيخ الاسلام: المشهور ان الحلقوم مرجى النفس وان المريء مجرى الطعام والشارب وهو تحت الحلقوم وانما بلغت قلوبهم حناجرهم لشدة الخوف وذلك انهم قالوا اذا انتفخت الرئة من شدة الفزع او الغضب او الغم الشديد ربت وارتفع القلب بارتفاعها الى رأس الحنجرة ومن ثم قيل للجبان انتفخ سحره ويجوز ان يكون المراد ببلوغها الحناجر ثوران النفس وتفرقه حتى كان القلب يصعد علوا وذلك لتحركه وان يكون ذلك مثلا في اضطراب القلوب وان لم تلغ الحناجر حقيقة. {وتظنون بالله الظنونا} الذي يظهر لي أن الخطاب للمؤمنين وان الظنونا الخواطر التي خطرت لهم ولا يمكن للبشر دفعها، وأما المنافقون فرسخت فيهم وعملوا بها ونطقوا بها وجمع الظن للتنويع وظنوا الظنون المختفية بالنصر واليأس ويجوز ان يكون الخطاب للمنافقين ان محمدا وأصحابه يقتلون وان يكون لهم وللمؤمنين فهم ظنوا ان المسلمين يستأصلون وظن المسلمون انهم يبتلون كما قاله الحسن او ظن المؤمنون المخلصون الذين ثبتت أقدامهم ان الله سبحانه يبتليهم فخافوا الزلل والضعف عن احتمال البلية وظن المؤمنون الضعاف القلوب الذين هم على جرف والمنافقون الذين لا إيمان في قلوبهم. {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} قيل ظن المؤمنون الظفر بهم والمنافقون استئصال محمد واصحابه وزيدت الألف بعد النون اجراء للفاصلة مجرى القافية واجرى نافع وابن عامر وابوبكر الوصل في ذلك مجرى الوقف فأثبتوا الالف وصلا ووقفا ولم يزدها ابو عمرو وحمزة ويعقوب مطلقا وهو القياس وقرىء بزيادتها في الوقوف. وقال الامام ابو عمرو الدالي قرأ حمزة وابو عمرو باسقاط الألف وصلا ووقفا وابن كثير وحفص والكماني بحذفها وصلا والباقون باثباتها وكذا في الرسول والسبيل.
اطفيش
تفسير : {إذْ} بدل كل من إذ، او متعلق ببصيرا او بتعلمون {جاءوكم من فوقِكُم} من اعلى الوادى، ونسبة الفوقية اليهم للملابسة، وانما الفوقية لبعض الوادى على بعض، او يقدر من فوق واديكم، والذين جاءوا منه غطفان، ومن تابعهم من اهل نجد، وبنو قريظة وبنو النضير {ومن أسفل منْكُم} مثل الذى قبله، وذلك من قبل المغرب، والذين جاءوا منه قريش ومن تابعهم من الاحابيش وبنى كنانة، واهل تهامة، وقيل من فوق بنى قريظة، ومن اسفل قريش واسد وغطفان وسليم، او المراد بالجهتين الاحاطة من كل جانب كقوله تعالى: (أية : يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم) تفسير : [العنكبوت: 55]. {وإذْ} عطف على إذ {زَاغَت} مالت عن منظرها حيرة، وعن كل شئ الا عدوها {الأبصار} العيون {وبلَغَت القُلُوب الحَنَاجر} خافوا خوفا شديداً معبرا عنه ببلوغ الحناجر، اذ لو تحركت عن موضعها لماتوا فيما قيل، وقيل: القلب يندفع عند الغضب، وعند الخوف يجتمع، ويلتحق بالحنجرة، فان سدها مات صاحبه اذ لا يقدر على التنفس، وقيل: تنتفخ الرئة من شدة الفزع والغضب والغم، فيرتفع القلب بارتفاعها الى الحنجرة، قال قتادة: تحركت عن مكانها، ولولا ضيق الحنجرة لدخلتها، روى احمد، ابى سعيد الخدرى: هل من شئ نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: "نعم اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا" فهزموا بالريح والجنود كما فى الآية. {وتظنُون بالله الظنونا} خطاب لكل من يظهر الايمان، الظن يصلح للقليل والكثير، لانه مصدر الا انه جمع دلالة به على الانواع المختلفة: فمنها ظن المخلصين ان ينصرهم الله مع ذلك الهول، كما قالوا: "أية : هذا ما وعدنا الله" تفسير : [الأحزاب: 22] الآية على ما سيأتى. ومنها ظن المخلصين ان يمتحنهم فلا يتحملون، فيزلوا وذلك لا ينافى الاخلاص. ومنها ظن المنافقين ان محمدا وأصحابه يستأصلون. ومنها ظن المؤمنين النصر على الكفار من غير ان يكون لهم استيلاء عليهم، اولاً. ومنها ظن المؤمنين ان ينصر العدو عليهم، ثم ينصروا عليه. ومنها ظن المؤمنين ان العدو يستأصل المدينة فترجع الجاهلية، يخطر لهم هذا عجلة على طبيعة البشر عند الشدة مع علمهم بوعد النصر، ولا يعاقبون لضرورة الطبع. ومنها ظن المؤمنين النصر بدون ان ينال العدو منهم شيئا. ومنها ظن المؤمنين النصر بعد ان ينال منهم، او بعض ظن شيئا وبعض شيئا آخر. والمتبادر ان الخطاب للمؤمنين وحدهم، كما استأنف للمنافقين بقوله: "أية : وإذ يقول" تفسير : [الأحزاب: 12] والعطف على {زاغت الابصار} او على {بلغت} الخ فمقتضى الظاهر: وظننتم، فالمضارع لاستحضار ظنهم الماضى بمضارع الحال. والوقف على الف الظنونا لثبوتها فى الامام، وتثبت ايضا فى الوصل قلت: يجب الوقف، ولا يجوز الوصل لانها قرئت الفا، وكتبت كما قيل فى اقتده، ثم رأيته لأبى عبيد، وكذا السبيلا، والرسولا، وحذفها ابو عمرو وصلا ووقفا، وحذفها ابن كثير والكسائى وحفص وصلا.
الالوسي
تفسير : {إِذْ جَاءوكُمْ } بدل من {أية : إِذ جَاءتْكُمُ }تفسير : [الأحزاب: 9] بدل كل من كل، وقيل: هو متعلق بتعملون أو ببصيراً {مِنْ فَوْقِكُمْ} من أعلى الوادي من جهة المشرق والإضافة إليهم لأدنى ملابسة، والجائي من ذلك بنو غطفان ومن تابعهم من أهل نجد وبنو قريظة. وبنو النضير {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } من أسفل الوادي من قبل المغرب، والجائي من ذلك قريش ومن شايعهم من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة، وقيل: الجائي من فوق بنو قريظة ومن أسفل قريش وأسد وغطفان وسليم، وقيل: غير ذلك. ويحتمل أن يكون من فوق ومن أسفل كناية عن الإحاطة من جميع الجوانب كأنه قيل: إذ جاءوكم محيطين / بكم كقوله تعالى: {أية : يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 55]. {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ } عطف على ما قبله داخل معه في حكم التذكير أي حين مالت الأبصار عن سننها وانحرفت عن مستوى نظرها حيرة ودهشة. وقال الفراء: أي حين مالت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } أي خافت خوفاً شديداً وفزعت فزعاً عظيماً لا أنها تحركت عن موضعها وتوجهت إلى الحناجر لتخرج. أخرج ابن أبـي شيبة عن عكرمة أنه قال في الآية: إن القلوب لو تحركت وزالت خرجت نفسه ولكن إنما هو الفزع فالكلام على المبالغة، وقيل: القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص فيلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فلا يقدر المرء أن يتنفس ويموت خوفاً، وقيل: إن الرئة تنتفع من شدة الفزع والغضب والغم الشديد وإذا انتفخت ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثم قيل للجبان: انتفخ سحره، وإلى حمل الكلام على الحقيقة ذهب قتادة. أخرج عنه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبـي حاتم أنه قال في الآية: أي شخصت عن مكانها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت، وفي «مسند الإمام أحمد» عن أبـي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: نعم اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا قال: فضرب الله تعالى وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله تعالى بالريح. والخطاب في قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } لمن يظهر الإيمان على الإطلاق، والظنون جمع الظن وهو مصدر شامل للقليل والكثير، وإنما جمع للدلالة على تعدد أنواعه، وقد جاء كذلك في أشعارهم أنشد أبو عمرو في كتاب «الألحان»:شعر : إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونا تفسير : أي تظنون بالله تعالى أنواع الظنون المختلفة فيظن المخلصون منكم الثابتون في ساحة الإيمان أن ينجز سبحانه وعده في إعلاء دينه ونصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويعرب عن ذلك ما سيحكي عنهم من قولهم: {أية : هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ }تفسير : [الأحزاب: 22] الآية، أو أن يمتحنهم فيخافون أن تزل أقدامهم فلا يتحملون ما نزل بهم، وهذا لا ينافي الإخلاص والثبات كما لا يخفى، ويظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما حكى عنهم في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ }تفسير : [الأحزاب: 12] الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية: ظنون مختلفة ظن المنافقون أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستأصلون وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق وأنه سيظهر على الدين كله، وقد يختار أن الخطاب للمؤمنين ظاهراً وباطناً واختلاف ظنونهم بسبب أنهم يظنون تارة أن الله سبحانه سينصرهم على الكفار من غير أن يكون لهم استيلاء عليهم أولاً، وتارة أنه عز وجل سينصر الكفار عليهم فيستولون على المدينة ثم ينصرهم عليهم بعد، وأخرى أنه سبحانه سينصر الكفار بحيث يستأصلونهم وتعود الجاهلية، أو بسبب أن بعضهم يظن هذا وبعضهم يظن ذاك وبعضهم يظن ذلك. ويلتزم أن الظن الذي لا يليق بحال المؤمن كان من خواطر النفس التي أوجبها الخوف الطبيعي ولم يمكن البشر دفعها ومثلها عفو، أو يقال: ظنونهم المختلفة هي ظن النصر بدون نيل العدو منهم شيئاً وظنه بعد النيل وظن الامتحان وعلى هذا لا يحتاج إلى الاعتذار، وأياً ما كان فالجملة معطوفة على {زَاغَتِ } وصيغة المضارع لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار. وكتب {ٱلظُّنُونَاْ } وكذا أمثاله من المنصوب المعرف / بأل كالسبيلا والرسولا في المصحف بألف في آخره، فحذفها أبو عمرو وقفاً ووصلاً، وابن كثير والكسائي وحفص يحذفونها وصلاً خاصة ويثبتها باقي السبعة في الحالين. واختار أبو عبيد والحذاق أن يوقف على نحو هذه الكلمة بالألف ولا توصل فتحذف أو تثبت لأن حذفها مخالف لما اجتمعت عليه مصاحف الأمصار ولأن إثباتها في الوصل معدوم في لسان العرب نظمهم ونثرهم لا في اضطرار ولا في غيره، أما إثباتها في الوقف فيه اتباع الرسم وموافقة لبعض مذاهب العرب لأنهم يثبتون هذه الألف في قوافي أشعارهم ومصاريعها ومن ذلك قوله:شعر : أقلي اللوم عاذل والعتابا تفسير : والفواصل في الكلام كالمصاريع، وقال أبو علي: إن رؤوس الآي تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع كما كانت القوافي مقاطع.
ابن عاشور
تفسير : {إذ جاءوكم} بدل من {أية : إذ جاءتكم جنود}تفسير : [الأحزاب: 9] بدلَ مفصَّل من مجمل. والمراد بــــ(فوق) و{أسفل} فوق جهة المدينة وأسفلها. و{وإذا زاغت الأبصار} عطف على البدل وهو من جملة التفصيل، والتعريف في {الأبصار والقلوب والحناجر} للعهد، أي: أبصار المسلمين وقلوبهم وحناجرهم، أو تجعل اللام فيها عوضاً عن المضافات إليها، أي: زاغت أبصاركم وبلغت قلوبكم حناجركم. والزَيغ: الميل عن الاستواء إلى الانحراف. فزيغ البصر أن لا يرى ما يتوجه إليه، أو أن يريد التوجه إلى صوب فيقع إلى صوب آخر من شدة الرعب والانذعار. والحناجر: جمع حَنْجَرة بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الجيم: منتهى الحُلقوم وهي رأس الغلصمة. وبلوغ القلوب الحناجر تمثيل لشدة اضطراب القلوب من الفزع والهلع حتى كأنها لاضطرابها تتجاوز مقارّها وترتفع طالبة الخروج من الصدور فإذا بلغت الحناجر لم تستطع تجاوزها من الضيق؛ فشبهت هيئة قلب الهلوع المرعُود بهيئة قلبٍ تجاوز موضعه وذهب متصاعداً طالباً الخروج، فالمشبه القلبُ نفسه باعتبار اختلاف الهيئتين. وليس الكلام على الحقيقة، فإن القلوب لا تتجاوز مكانها، وقريبٌ منه قولهم: تنفّس الصُعَداء، وبلغت الروح التراقيَ. وجملة {وتظنون بالله الظنونا} يجوز أن تكون عطفاً على جملة {زاغت الأبصار} ويجوز أن يكون الواو للحال وجيء بالفعل المضارع للدلالة على تجدد تلك الظنون بتجدد أسبابها كناية عن طول مدة هذا البلاء. وفي صيغة المضارع معنى التعجيب من ظنونهم لإدماج العتاب بالامتنان فإن شدة الهلع الذي أزاغ الأبصار وجعل القلوب بمثل حالة أن تبلغ الحناجر، دل على أنهم أشفقوا من أن يهزموا لِمَا رأوا من قوة الأحزاب وضيق الحصار أو خافوا طول مدة الحرب وفناء الأنفس، أو أشفقوا من أن تكون من الهزيمة جراءة للمشركين على المسلمين، أو نحو ذلك من أنواع الظنون وتفاوت درجات أهلها. والمؤمن وإن كان يثق بوعد ربه لكنه لا يأمن غضبه من جراء تقصيره، ويخشى أن يكون النصر مرجَّأ إلى زمن آخر، فإن ما في علم الله وحكمته لا يحاط به. وحذف مفعولا {تظنون} بدون وجود دليل يدل على تقديرهما فهو حذف لتنزيل الفعل منزلة اللازم، ويسمى هذا الحذف عند النحاة الحذف اقتصاراً، أي: للاقتصار على نسبة فعل الظن لفاعله، والمقصود من هذا التنزيل أن تذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، وهو حذف مستعمل كثيراً في الكلام الفصيح وعلى جوازه أكثر النحويين ومنه قوله تعالى: {أية : أعنده علم الغيب فهو يَرى}تفسير : [النجم: 35] وقوله: {أية : وظننتم ظن السوء}تفسير : [الفتح: 12]، وقول المثل: من يسمع يَخل، ومنعه سيبويه والأخفش. وضُمِّن {تظنّون} معنى (تُلحقون)، فعدي بالباء فالباء للملابسة. قال سيبويه: قولهم: ظننت به، معناه: جعلته موضع ظنّي. وليست الباء هنا بمنزلتها في {أية : كفى بالله حسيباً}تفسير : [النساء: 6]، أي: ليست زائدة، ومجرورها معمول للفعل قبلها كأنك قلت: ظننت في الدار، ومثله: شككت فيه، أي: فالباء عنده بمعنى (في). والوجه أنها للملابسة كقول دريد بن الصِّمَّة:شعر : فقلت لهم: ظُنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد تفسير : وسيأتي تفصيل ذلك عند قوله تعالى {أية : فما ظنكم برب العالمين} تفسير : في سورة الصافات (87). وانتصب {الظنونا} على المفعول المطلق المبين للعدد، وهو جمع ظن. وتعريفه باللام تعريف الجنس، وجمعه للدلالة على أنواع من الظن كما في قول النابغة:شعر : أبيتك عارياً خلقاً ثيابي على خوف تظن بي الظنون تفسير : وكتب {الظنونا} في الإمام بألف بعد النون، زيدت هذه الألف في النطق للرعاية على الفواصل في الوقوف، لأن الفواصل مثل الأسْجاع تعتبر موقوفاً عليها لأن المتكلم أرادها كذلك. فهذه السورة بنيت على فاصلة الألف مثل القصائد المقصورة، كما زيدت الألف في قوله تعالى {أية : وأطعنا الرسولا} تفسير : [الأحزاب: 66] وقوله: {أية : فأضلونا السبيلا}تفسير : [الأحزاب: 67]. وعن أبي علي في «الحجة»: من أثبت الألف في الوصل لأنها في المصحف كذلك وهو رأس آية ورؤوس الآيات تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع، فأما في طرح الألف في الوصل فإنه ذهب إلى أن ذلك في القوافي وليس رؤوس الآي بقوافٍ. فأما القراء فقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بإثبات الألف في الوصل والوقف. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم والكسائي بحذف الألف في الوصل وإثباتها في الوقف. وقرأ أبو عمرو وحمزة ويعقوب بحذف الألف في الوصل والوقف، وقرأ خلف بإثبات الألف بعد النون في الوقف وحذفها في الوصل. وهذا اختلاف من قبيل الاختلاف في وجوه الأداء لا في لفظ القرآن. وهي كلها فصيحة مستعملة والأحسن الوقف عليها لأن الفواصل كالأسجاع والأسجاع كالقوافي. والإشارة بــــ {هُنَالك} إلى المكان الذي تضمنه قوله {أية : جاءتكم جنود}تفسير : [الأحزاب: 9] وقوله {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم}. والأظهر أن تكون الإشارة إلى الزمان الذي دلت عليه {إذْ} في قوله: {وإذ زاغت الأبصار}. وكثيراً ما ينزّل أحد الظرفين منزلة الآخر ولهذا قال ابن عطية: {هنالك}: ظرف زمان والعامل فيه {ابتلي} اهــــ. قلت: ومنه دخول (لات) على (هَنّا) في قول حجل بن نضلة:شعر : خنت نَوارُ ولات هَنَّا حِنت وبدا الذي كانت نوار أجنت تفسير : فإن (لات) خاصة بنفي أسماء الزمان فكان (هَنَّا) إشارة إلى زمان منكر وهو لغة في (هُنا). ويقولون: يومُ هُنَا، أي يوم أول، فيشيرون إلى زمن قريب، وأصل ذلك مجاز توسع فيه وشاع. والابتلاء: أصله الاختبار، ويطلق كناية عن إصابة الشدة لأن اختبار حال الثبات والصبر لازم لها، وسمى الله ما أصاب المؤمنين ابتلاء إشارة إلى أنه لم يزعزع إيمانهم. والزلزال: اضطراب الأرض، وهو مضاعف زَلّ تضعيفاً يفيد المبالغة، وهو هنا استعارة لاختلال الحال اختلالاً شديداً بحيث تُخَيَّل مضطربة اضطراباً شديداً كاضطراب الأرض وهو أشدّ اضطراباً للحاقه أعظم جسم في هذا العالم. ويقال: زُلْزِلَ فلان، مبنياً للمجهول تبعاً لقولهم: زُلزلت الأرض، إذ لا يعرف فاعل هذا الفعل عُرفاً. وهذا هو غالب استعماله قال تعالى: {أية : وزلزلوا حتى يقول الرسول}تفسير : الآية [البقرة: 214]. والمراد بزلزلة المؤمنين شدة الانزعاج والذعر لأن أحزاب العدو تفوقُهم عَدداً وعُدة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَبْصَار} {جَآءُوكُمْ} (10) - حِينَ جَاءَتْكُمْ الأَحْزَابُ مِنْ أَعْلَى الوَادِي (مِنْ جِهَةِ المَشْرِقِ)، وَمِنْ أَسْفَلِهِ (مِنْ جِهَةِ المَغْرِبِ)، وَحينَ زَاغَتِ الأَبْصَارُ واضْطَرَبَتِ الرُّؤيةُ مِنَ الخَوْفِ والفَزَعِ الذي اعْتَرى المُسْلِمينَ، وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ (وَهُوَ تَعْبِيرٌ عَنِ الضِّيقِ وشِدَّةِ الخَوْفِ وَالفَزَعِ واليَأْسِ الذي اعْتَرَى المُسْلِمِينَ) وَنَشَطَ المُنَافِقُونَ يُرْجِفُونَ في المَدِينةِ، وَيُثِيرُونَ الشُّّكُوكَ بِالإِشَاعَاتِ الكَاذِبَةِ المُثَبِّطَةِ التِي كَانُوا يَنْشُرُونَها لإِضْعَافِ ثِقَةِ المُؤْمِنينَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَبِقُدْرَتِهِمْ عَلى القِتَالِ، حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ ضِعَافِ النُّفُوسِ والإِيمَانِ أَنَّ الأَحزَابَ سَيَسْتَأْصِلُونَ شَأْفَةَ المُسْلِمينَ. وَقَالَ مَعْتِبُ بَنْ قُشَيْرٍ: كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنا لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَذْهَبَ إِلى الغَائِطِ. أَمَّا المُؤمِنُونَ المُخْلِصُونَ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَا وَعَدَهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ حَقٌّ، وَأَنَّ اللهَ سَيَنْصُرُ المُسْلِمِين، وَسَيَنْصُرُ دِينَهُ وَيُظْهِرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. زَاغَتِ الأَبْصَارُ -مَالَتْ عَنْ سَمْتِهَا حِيرَةً وَدَهْشَةً. بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ - تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ الخَوْفِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا وَصف لما جرى في غزوة الأحزاب التي جمعتْ فُلول أعداء رسول الله، فقد سبق أنْ حاربهم مُتفرِّقين، والآن يجتمعون لحربه صلى الله عليه وسلم، فجاءت قريش ومَنْ تبعها من غطفان وأسد وبني فزارة وغيرهم، وجاء اليهود من بني النضير وبني قريظة، وعجيب أنْ يجتمع كل هؤلاء لحرب الإسلام على ما كان بينهم من العداوة والخلاف. وقلنا: إن أهل الكتاب كانوا يستفتحون برسول الله على كفار مكة، ثم جاءت الآيات لتجعل من أهل الكتاب شهداء على صِدْق رسول الله، فقال تعالى: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الرعد: 43]. ولو قدَّر أهل الكتاب هذه الشهادة التي قرنها الحق سبحانه بشهادته، لَكَان عليهم أنْ يؤمنوا بصِدْق رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى: {إِذْ جَآءُوكُمْ ..} [الأحزاب: 10] أي: اذكر يا محمد وتخيَّل وتصوَّر إذ جاءكم الأحزاب، وتجمَّعوا لحربك {مِّن فَوْقِكُمْ ..} [الأحزاب: 10] أي: من ناحية الشرق، وهُمْ: غطفان، وبنو قريظة، وبنو النضير {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ..} [الأحزاب: 10] أي: من ناحية الغرب وهم قريش، ومَنْ تبعهم من الفزاريين والأسديين وغيرهم {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ ..} [الأحزاب: 10] أي: اذكر إذ زاغت الأبصار، ومعنى زاغ البصر أي: مال، ومنه قوله تعالى: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17]. فـ (زاغت الأبصار) يعني: مالتْ عن سَمْتها وسنمها، وقد خلق الله العين على هيئة خاصة، بحيث تتحرك إلى أعلى، وإلى أسفل، وإلى اليمين، وإلى الشمال، ولكل اتجاه منها اسم في اللغة، فيقولون: رأى أي: بجُمْع عَيْنه، ولمح بمؤخَّر مُوقِه، ورمق أي: من ناحية أنفه .. إلخ فسَمْت العين وسَنمها أنْ تتحرك في هذه الاتجاهات، فإذا فزعتْ من شيء أخذ البصر، مال عن سَمْته من التحول، لذلك يقول تعالى: {أية : فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} تفسير : [الأنبياء: 97]. وقال: {أية : إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [إبراهيم: 42] وشخوص البصر أنْ يرتفع الجَفْن الأعلى، وتثبت العين على شيء، لا تتحرَّك إلى غيره. وفي موضع آخر قال تعالى عن المنافقين والمعوِّقين: {أية : أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ..} تفسير : [الأحزاب: 19]. لأن الهول ساعة يستولي على الأعين، فمرة تشخص العين على ما ترى لا تتعداه إلى غيره من شدة الهول، ومرة تدور هنا وهناك تبحث عن مفرٍّ أو مخرجٍ مما هي فيه، فهذه حالات يتعرَّض لها الخائف المفزَّع. وقوله تعالى: {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ ..} [الأحزاب: 10] معلوم أن الحنجرة أعلى القصبة الهوائية في هذا التجويف المعروف، فكيف تبلغ القلوبُ الحناجرَ؟ هذا أثر آخر من آثار الهول والفزع، فحين يفزع الإنسان يضطرب في ذاته، وتزداد دقَّات قلبه، وتنشط حركة التنفس، حتى ليُخيَّل للإنسان من شدة ضربات قلبه أن قلبه سينخلع من مكانه، ويقولون فعلاً في العامية (قلبي هينط مني). وقوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} [الأحزاب: 10]. أي: ظنوناً مختلفة تأخذهم وتستولي عليهم، فكلٌّ له ظنٌّ يخدم غرضه، فالمؤمنون يظنون أن الله لن يُسلمهم، ولن يتخلى عنهم، والكافرون يظنون أنهم سينتصرون وسيستأصلون المؤمنين، بحيث لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك. ونلحظ في هذه الآية أن الحق سبحانه لا يكتفي بأنْ يحكي له ما حدث، إنما يجعله صلى الله عليه وسلم يستحضر الصورة بنفسه، فيقول له: اذكُرْ إذ حدث كذا وكذا. ثم يقول الحق سبحانه: {هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: أخبرنا علي بن أحمد. قال: أخبرنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن الإِمام زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ تعالى: {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ} معناه حَارَت {وَزُلْزِلُواْ} معناه ابتِلُوا.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} [10] 418 - أخبرنا هارُونُ بن إسحاق، عن/ عبدةَ، عن هِشَامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} قالت: ذلك يومُ الخندقِ.
همام الصنعاني
تفسير : 2322- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ}: [الآية: 10]، قال: شَخَصَت من مكانِهَا، فلولا أنَّهُ ضاق الحلقون عنها أن تخرج، لَخَرَجت.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):