Verse. 3544 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

ہُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُوْنَ وَزُلْزِلُوْا زِلْزَالًا شَدِيْدًا۝۱۱
Hunalika ibtuliya almuminoona wazulziloo zilzalan shadeedan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هنالك ابتُليَ المؤمنون» اختبروا ليتبين المخلص من غيره «وزلزلوا» حركوا «زلزالا شديدا» من شدة الفزع.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : أي عند ذلك امتحن الله المؤمنين فتميز الصادق عن المنافق، والامتحان من الله ليس لاستبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد إظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء، كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة وعزم على معاقبته على مخالفته وعنده غيره من العبيد وغيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه يخالفه فيبين الأمر عند الغير فتقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنها بظلم أو من قلة حلم وقوله: {وَزُلْزِلُواْ } أي أزعجوا وحركوا فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وبذكر الله تطمئن مرة أخرى، وهم المؤمنون حقاً.

القرطبي

تفسير : «هنا» للقريب من المكان. و«هنالك» للبعيد. و«هناك» للوسط. ويشار به إلى الوقت؛ أي عند ذلك اختبر المؤمنون ليتبين المخلص من المنافق. وكان هذا الابتلاء بالخوف والقتال والجوع والحصر والنزال. {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} أي حرّكوا تحريكاً. قال الزجاج: كل مصدر من المضاعف على فِعلال يجوز فيه الكسر والفتح؛ نحو قلقلته قِلقالا وقَلقالاً، وزلزلوا زِلزالاً وزَلزالاً. والكسر أجود؛ لأن غير المضاعف على الكسر نحو دحرجته دِحراجاً. وقراءة العامة بكسر الزاي. وقرأ عاصم والجحدرِيّ «زَلزالا» بفتح الزاي. قال ابن سلام: أي حرّكوا بالخوف تحريكاً شديداً. وقال الضحاك: هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق. وقيل: إنه اضطرابهم عما كانوا عليه؛ فمنهم من اضطرب في نفسه ومنهم من اضطرب في دينه. و«هنالِك» يجوز أن يكون العامل فيه «ابْتُلِيَ» فلا يوقف على «هنالك». ويجوز أن يكون «وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُّونَا» فيوقف على «هنالك».

البيضاوي

تفسير : {هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} اختبروا فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل. {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} من شدة الفزع وقرىء «زِلْزَالاً» بالفتح. {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ضعف اعتقاد. {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} من الظفر وإعلاء الدين. {إِلاَّ غُرُوراً} وعدا باطلاً. قيل قائله معتب بن قشير قال يعدنا محمد بفتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقاً ما هذا إلا وعد غرور. {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ} يعني أوس بن قيظي وأتباعه. {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ} أهل المدينة، وقيل هو اسم أرض وقعت المدينة في ناحية منها. {لاَ مُقَامَ} لا موضع قيام. {لَكُمْ} ها هنا، وقرأ حفص بالضم على أنه مكان أو مصدر من أقام. {فَٱرْجِعُواْ} إلى منازلكم هاربين، وقيل المعنى لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى الشرك وأسلموه لتسلموا، أو لا مقام لكم بيثرب فارجعوا كفاراً ليمكنكم المقام بها. {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ ٱلنَّبِىَّ } للرجوع. {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} غير حصينة وأصلها الخلل، ويجوز أن يكون تخفيف العورة من عورت الدار إذا اختلت وقد قرىء بها. {وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ} بل هي حصينة. {إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} أي وما يريدون بذلك إلا الفرار من القتال. {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ} دخلت المدينة أو بيوتهم. {مّنْ أَقْطَارِهَا} من جوانبها وحذف الفاعل للإِيماء بأن دخول هؤلاء المتحزبين عليهم ودخول غيرهم من العساكر سيان في اقتضاء الحكم المرتب عليه. {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ } الردة ومقاتلة المسلمين. {لآتَوْهَا} لأعطوها، وقرأ الحجازيان بالقصر بمعنى لجاءوها وفعلوها. {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا } بالفتنة أو بإعطائها. {إِلاَّ يَسِيراً } ريثما يكون السؤال والجواب، وقيل ما لبثوا بالمدينة بعد تمام الارتداد إلا يسيراً. {وَلَقَدْ كَانُواْ عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَـٰرَ} يعني بني حارثة عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين فشلوا ثم تابوا أن لا يعودوا لمثله. {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} عن الوفاء به مجازى عليه. {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ} فإنه لا بد لكل شخص من حتف أنف، أو قتل في وقت معين سبق به القضاء وجرى عليه القلم. {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي وإن نفعكم الفرار مثلا فمنعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعاً، أو زماناً قليلاً. {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِى يَعْصِمُكُمْ مّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كما في قوله:شعر : متقلـداً سيفـاً ورمحـاً تفسير : أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع. {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً} ينفعهم. {وَلاَ نَصِيراً} يدفع الضر عنهم. {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ} المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون. {وَٱلْقَائِلِينَ لإِخْوٰنِهِمْ} من ساكني المدينة. {هَلُمَّ إِلَيْنَا} قربوا أنفسكم إلينا وقد ذكر أصله في «الأنعام». {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} إلا إتياناً أو زماناً أو بأساً قليلاً، فإنهم يعتذرون ويتثبطون ما أمكن لهم، أو يخرجون مع المؤمنين ولكن لا يقاتلون إلا قليلاً كقوله {مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً} وقيل إنه من تتمة كلامهم ومعناه لا يأتي أصحاب محمد حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلا. {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} بخلاء عليكم بالمعاونة أو النفقة في سبيل الله أو الظفر أو الغنيمة، جمع شحيح ونصبها على الحال من فاعل {يَأْتُونَ} أو {ٱلْمُعَوّقِينَ} أو على الذم. {فَإِذَا جَاء ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ} في أحداقهم. {كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ} كنظر المغشي عليه أو كدوران عينيه، أو مشبهين به أو مشبهة بعينه. {مّنَ ٱلْمَوْتِ} من معالجة سكرات الموت خوفاً ولواذاً بك. {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ } وحيزت الغنائم. {سَلَقُوكُم} ضربوكم. {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} ذربة يطلبون الغنيمة، والسلق البسط بقهر باليد أو اللسان. {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ} نصب على الحال أو الذم، ويؤيده قراءة الرفع وليس بتكرير لأن كلا منهما مقيد من وجه. {أوْلَـئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ } إخلاصاً. {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ } فأظهر بطلانها إذ لم تثبت لهم أعمال فتبطل أو أبطل تصنعهم ونفاقهم. {وَكَانَ ذٰلِكَ} الإِحباط. {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} هيناً لتعلق الإرادة به وعدم ما يمنعه عنه. {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} أي هؤلاء لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا ففروا إلى داخل المدينة. {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} كرة ثانية. {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى ٱلأَعْرَابِ } تمنوا أنهم خارجون إلى البدو حاصلون بين الأعراب. {يُسْـأَلُونَ} كل قادم من جانب المدينة. {عَنْ أَنبَائِكُمْ} عما جرى عليكم. {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ} هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال. {مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً} رياء وخوفاً من التعيير.

ابن كثير

تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم: أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالاً شديداً، فحينئذ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} أما المنافق، فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسيكة لضعف حاله، فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه؛ لضعف إِيمانه وشدة ماهو فيه من ضيق الحال، وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ} يعني: المدينة. كما جاء في الصحيح: «حديث : أريت في المنام دار هجرتكم، أرض بين حرتين، فذهب وهلي أنها هجر، فإِذا هي يثرب» تفسير : وفي لفظ: المدينة. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إِبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من سمى المدينة يثرب، فليستغفر الله تعالى، إِنما هي طابة هي طابة» تفسير : تفرد به الإمام أحمد، وفي إِسناده ضعف، والله أعلم. ويقال: إنما كان أصل تسميتها يثرب برجل نزلها من العماليق يقال له: يثرب بن عبيد بن مهلاييل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إِرم بن سام بن نوح، قاله السهيلي. قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إِن لها في التوراة أحد عشر اسماً: المدينة وطابة وطيبة والمسكينة والجابرة والمحبة والمحبوبة والقاصمة والمجبورة والعذراء والمرحومة. وعن كعب الأحبار قال: إِنا نجد في التوراة يقول الله تعالى للمدينة: ياطيبة وياطابة ويامسكينة لا تُقلي الكنوز، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى. وقوله: {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ} أي: ههنا، يعنون: عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة، {فَٱرْجِعُواْ} أي: إِلى بيوتكم ومنازلكم، {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ} قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السراق، وكذا قال غير واحد، وذكر ابن إِسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي، يعني اعتذروا في الرجوع إِلى منازلهم بأنها عورة، أي: ليس دونها ما يحجبها من العدو، فهم يخشون عليها منهم، قال الله تعالى: {وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ} أي: ليست كما يزعمون، {إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} أي: هرباً من الزحف.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } اختُبروا ليتبين المخلص من غيره {وَزُلْزِلُواْ } حُرِّكوا {زِلْزَالاً شَدِيداً } من شدّة الخوف و الفزع.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالحصر، حكاه النقاش. الثاني: بالجوع فقد أصابهم بالخندق جوع شديد، قاله الضحاك. الثالث: امتحنوا في الصبر على إيمانهم وتميز المؤمنون عن المنافقين، حكاه ابن شجرة. وحكى ابن عيسى أن {هُنالِكَ} للبعد من المكان، وهناك للوسط وهنا للقريب. {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} فيه أربعة أوجه: أحدها: حركوا بالخوف تحريكاً شديداً، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه اضطرابهم عما كانوا عليه فمنهم من اضطرب في نفسه ومنهم من اضطرب في دينه. الثالث: أنه حركهم الأمر بالثبات والصبر، وهو محتمل. الرابع: هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق، قاله الضحاك. قوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن المرض النفاق، قاله قتادة. الثاني: أنه الشرك،قاله الحسن. {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} حكى السدي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحفر الخندق لحرب الأحزاب فبينا هو يضرب فيه بمعوله إذ وقع المعول على صفاة فطار منها كهيئة الشهاب من نار في السماء، وضرب الثاني فخرج مثل ذلك، وضرب الثالث فخرج مثل ذلك فرأى ذلك سلمان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : رَأَيتَ مَا خَرَجَ فِي كُلّ ضَرْبَةٍ ضَرَبْتَهَا"تفسير : ؟ قال: نعم يا رسول الله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : تُفْتَحُ لَكُمْ بِيضُ المَدَائِنِ وَقُصُورُ الرُّومِ وَمَدَائِنُ اليَمن تفسير : قال ففشا ذلك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحدثواْ به، فقال رجل من الأنصار يدعى قشير بن معتب. وقال غيره قشير بن عدي الأنصاري من الأوس: وعدنا محمد أن تفتح لنا مدائن اليمن وقصور الروم وبيض المدائن وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل؟ هذا والله الغرور فأنزل الله هذه الآية. قوله تعالى: {وَإِذْ قَالت طَّآئِفَةٌ مِّنهُمْ} يعني من المنافقين قيل إنهم من بني سليم، وقيل إنه من قول أوس بن فيظي ومن وافقه على رأيه، ذكر ذلك يزيد بن رومان، وحكى السدي أنه عبد الله بن أُبي وأصحابه. {يَأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مَقُامَ لَكُم فَارْجِعُواْ} قرأ حفص عن عاصم بضم الميم، والباقون بالفتح. وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: وهو قول الفراء أن المقام بالفتح الثبات على الأمر، وبالضم الثبات في المكان. الثاني: وهو قول ابن المبارك انه بالفتح المنزل وبالضم الإقامة. وفي تأويل ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أي لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب، قاله الحسن. الثاني: لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى طلب الأمان، قاله الكلبي. الثالث: لا مقام في مكانكم فارجعوا إلى مساكنكم، قال النقاش. والمراد بيثرب المدينة وفيه قولان: أحدهما: أن يثرب هي المدينة، حكاه ابن عيسى. الثاني: أن المدينة في ناحية من يثرب، قاله أبو عبيدة وقد روى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مَن قَالَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هَي طَابَةُ" تفسير : ثلاثة مرات. {وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ} قال السدي: الذي استأذنه منهم رجلان من الأنصار من بني حارثة، أحدهما أبو عرابة بن أوس، والآخر أوس بن فيظي. قال الضحاك: ورجع ثمانون رجلاً بغير إذن. {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قاصية من المدينة نخاف على عورة النساء والصبيان من السبي، قاله قتادة. الثاني: خالية ليس فيها إلا العورة من النساء، قاله الكلبي والفراء، مأخوذ من قولهم قد اعور الفارس إذا كان فيه موضع خلل للضرب قال الشاعر: شعر : له الشدة الأولى إذا القرن أعورا تفسير : الثالث: مكشوفة الحيطان نخاف عليها السراق والطلب، قاله السدي والعرب تقول قد أعور منزلك إذا ذهب ستره وسقط جداره وكل ما كره انكشافه فهو عندهم عورة، وقرأ ابن عباس: إن بيوتنا عَوِرة، بكسر الواو، أي ممكنة العورة. ثم قال: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} تكذيباً لهم فيما ذكروه. {إِن يُريدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} يحتمل وجهين: أحدهما: فراراً من القتل. الثاني: من الدِّين. وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في قبيلتين من الأنصار من بني حارثة وبني سلمة، همّوا أن يتركوا مراكزهم يوم الخندق وفيهم أنزل الله {أية : إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أن تَفْشَلاَ} تفسير : [آل عمران: 122] الآية. فلما نزلت هذه الآية قالوا: والله ما سرّنا ما كنا هممنا به إن كان الله ولينا.

ابن عبد السلام

تفسير : {ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ} بالحصار، أو الجوع أصابهم بالخندق جوع شديد، أو امتحنوا بالصبر على إيمانهم. هنالك للمكان البعيد وهنا للقريب وهناك للمتوسط {وَزُلْزِلُواْ} حركوا بالخوف، أو اضطربوا عما كانوا عليه، منهم من اضطرب في نفسه ومنهم من اضطرب في دينه، أو راحوا عن أماكنهم فلم يكن لهم إلا موضع الخندق.

الخازن

تفسير : {هنالك ابتلي المؤمنون} أي عند ذلك اختبر المؤمنون بالحصر والقتال ليتبين المخلصون من المنافقين {وزلزلوا زلزالاً شديداً} أي حركوا حركة شديدة {وإذ يقول المنافقون} يعني معتب بن قشير وقيل عبد الله بن أبيّ وأصحابه {والذين في قلوبهم مرض} أي شك وضعف اعتقاد {ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} هو قول أهل النفاق يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا هو الغرور. قوله تعالى {وإذ قالت طائفة منهم} أي من المنافقين وهم أوس بن قيظي وأصحابه {يا أهل يثرب} يعني يا أهل المدينة وقيل يثرب اسم الأرض ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في ناحية منها سميت يثرب باسم رجل من العماليق كان قد نزلها في قديم الزمان. وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تسمى المدينة يثرب وقال هي طيبة كأنه كره هذه اللفظة لما فيها من التثريب وهو التقريع والتوبيخ {لا مقام لكم} أي لا مكان لكم تنزلون وتقيمون فيه {فارجعوا} أي إلى منازلكم وقيل عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقيل عن القتال {ويستأذن فريق منهم النبي} يعني بني حارثة وبني سلمة {يقولون إن بيوتنا عورة} أي خالية ضائعة وهي مما يلي العدو ونخشى عليها السراق فكذبهم الله تعالى بقوله {وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً} أي أنهم لا يخافون ذلك إنما يريدون الفرار من القتال {ولو دخلت عليهم من أقطارها} يعني لو دخل هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحزاب من نواحي المدينة وجوانبها {ثم سئلوا الفتنة} أي الشرك {لأتوها} أي لجاؤوها وفعلوها ورجعوا عن الإسلام {وما تلبثوا بها} أي ما احتبسوا عن الفتنة {إلا يسيرا} أي لأسرعوا الإجابة إلى الشرك طيبة به نفوسهم، وقيل معناه وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا. قوله عز وجل {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل} أي من قبل غزوة الخندق {لا يولون الأدبار} أي لا ينهزمون، قيل هم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقيل هم أناس غابوا عن وقعة بدر فلما رأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة قالوا لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن فساق الله إليهم ذلك {وكان عهد الله مسؤولاً} أي عنده في الآخرة {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل} أي الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أو قتل لا بد من ذلك {وإذاً لا تمتعون} أي بعد الفرار {إلا قليلاً} أي مدة آجالكم وهي قليل {قل من ذا الذي يعصمكم} أي يمنعكم {من الله إن أراد بكم سوءاً} أي هزيمة {أو أراد بكم رحمة} أي نصراً {ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً} أي ناصراً يمنعهم {قد يعلم الله المعوقين منكم} أي المثبطين الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {والقائلين لإخوانهم هلم إلينا} أي ارجعوا إلينا ودعوا محمداً صلى الله عليه وسلم فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قيل هم أناس من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون لهم ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لالتهمهم أي ابتلعهم أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقيل نزلت في المنافقين وذلك أن اليهود أرسلت إليهم ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة لم يستبقوا منكم أحداً وإنا نشفق عليكم فأنتم إخواننا وجيراننا هلموا إلينا فأقبل عبد الله بن إبيّ ابن سلول وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، وقالوا لئن قدر اليوم عليكم لم يستبق منك أحداً أما ترجعون عن محمد ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ها هنا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود، فلم يزدد المؤمنين بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً وقوله تعالى {ولا يأتون البأس} يعني الحرب {إلا قليلاً} أي رياء و سمعة من غير احتساب ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيراً.

البقاعي

تفسير : ولما كانت الشدة في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما عنده إلا الهلاك أو النصرة، وأما المنافق فيلقي السلم ويدخل داره الذل بالموافقة على جميع ما يراد منه، ترجم حال المؤمنين قاصراً الخطاب على الرأس لئلا يدخل في مضمون الخبر إعلاماً بأن منصبه الشريف أجلّ من أن يبتلى فقال تعالى: {هنالك} أي في ذلك الوقت العظيم البعيد الرتبة {ابتلي المؤمنون} أي خولط الراسخون في الإيمان بما شأنه أن يحيل ما خالطه ويميله، وبناه للمجهول لما كان المقصود إنما هو معرفة المخلص من غيره، مع لعلم بأن فاعل ذلك هو الذي له الأمر كله، ولم يؤكد الابتلاء بالشدة لدلالة الافتعال عليها، وصرف الكلام عن الخطاب مع ما تقدم من فوائده، وعبر بالوصف ليخص الراسخين فقال: {وزلزلوا} أي حركوا ودفعوا وأقلقوا وأزعجوا بما يرون من الأهوال بتظافر الأعداء مع الكثرة، وتطاير الأراجيف {زلزالاً شديداً *} فثبتوا بتثبيت الله لهم على عهدهم. ولما علم بهذا أن الحال المزلزل لهم كان في غاية الهول، أشار إلى أنهم لم يزلزلهم بأن حكى أقوال المزلزلين، ولم يذكر أقوالهم وسيذكرها بعد ليكون الثناء عليهم بالثبات مع عظيم الزلزال مذكوراً مرتين إشارة وعبارة، فقال: {وإذ} وأشار إلى تكريرهم لدليل النفاق بالمضارع فقال: {يقول} أي مرة بعد أخرى {المنافقون} أي الراسخون في النفاق، لأن قلوبهم مريضة ملائ مرضاً {والذين في قلوبهم مرض} أي من أمراض الاعتقاد بحيث أضعفها في الاعتقاد والثبات في مواطن اللقاء وفي كل معنى جليل، فهم بحيث لم يصلوا إلى الجزم بالنفاق ولا الإخلاص في الإيمان، بل هم على حرف فعندهم نوع النفاق، فالآية من الاحتباك: ذكر النفاق أولاً دال عليه ثانياً، وذكر المرض ثانياً دليل عليه أولاً، وهذا الذي قلته في القلوب موافق لما ذكره الإمام السهروردي في الباب السادس والخمسين من عوارفه عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهو، فذلك قلب المؤمن، وقلب أسود منكوس، فذلك قلب الكافر، وقلب مربوط على غلاف، فذلك قلب المنافق، وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد، فأيّ المدتين غلبت عليه حكم له بها" تفسير : وروى هذا الحديث الغزالي في أواخر كتاب قواعد العقائد من الإحياء عن أبي سعيد الخدري، وقا الشيخ زين الدين العراقي: أخرجه أحمد. ولما كان المكذب لهم بتصديق وعد الله - ولله الحمد - كثيراً، أكدوا قولهم وذكروا الاسم الأعظم وأضافوا الرسول إليه فقالوا: {ما وعدنا الله} الذي ذكر لنا أنه محيط الجلال والجمال {ورسوله} أي الذي قال من قال من قومنا: إنه رسول، استهزاء منهم، وإقامة للدليل في زعمهم لهذا البلاء على بطلان تلك الدعوى {إلا غروراً *} أي باطلاً استدرجنا به إلى الانسلاخ عما كنا عليه من دين آبائنا وإلى الثبات على ما صرنا إليه بعد ذلك الانسلاخ بما وعدنا به من ظهور هذا الدين على الدين كله، والتمكين في البلاد حتى في حفر الخندق، فإنه قال: إنه أبصر بما برق له في ضربه لصخرة سلمان مدينة صنعاء من اليمن وقصور وكسرى بالحيرة من أرض فارس، وقصور الشام من أرض الروم، وإن تابعيه سيظهرون على ذلك كله وقد صدق الله وعده في جميع ذلك حتى في لبس سراقة بن مالك ابن جعشم سوارى كسرى بن هرمز كما هو مذكور مستوفى في دلائل النبوة للبيهقي، وكذبوا في شكهم. ففاز المصدقون، وخاب الذين هم في ريبهم يترددون. ولما ذكر ما هو الأصل في نفاقهم وهو التكذيب، أتبعه ما تفرع عليه، ولما كان تخذيلهم بالترجيع مرة، عبر عنه بالماضي فقال: {وإذ قالت} أنث الفعل إشارة إلى رخاوتهم وتأنثهم في الأقوال والأفعال {طائفة منهم} أي قوم كثير من موتى القلوب ومرضاها يطوف بعضهم ببعض: {يا أهل يثرب} عدلوا عن الاسم - الذي وسمها به النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وطيبة مع حسنه - إلى الاسم الذي كانت تدعى به قديماً مع احتمال قبحه باشتقاقه من الثرب الذي هو اللوم والتعنيف, إظهاراً للعدول عن الإسلام, قال في الجمع بين العباب والمحكم: ثرب عليه ثرباً وأثرب، بمعنى ثرب تثريباً - إذا لامه وعيّره بذنبه وذكره به. وأكدوا بنفي الجنس لكثرة مخالفتهم في ذلك فقالوا: {لا مقام لكم} أي قياماً أو موضع قيام تقومون به - على قراءة الجماعة بالفتح، وعلى قراءة حفص بالضم المعنى: لا إقامة أو موضع إقامة في مكان القتال ومقارعة الأبطال {فارجعوا} إلى منازلكم هراباً، وكونوا مع نسائكم أذناباً، أو إلى دينكم الأول على وجه المصارحة لتكون لكم عند هذه الجنود يد. ولما ذكر هؤلاء الذين هتكوا الستر، وبينوا ما هم فيه من سفول الأمر، أتبعهم آخرين تستروا بعض التستر تمسكاً بأذيال النفاق، خوفاً من أهوال الشقاق، فقال: {ويستأذن} أي يجدد كل وقت طلب الإذن لأجل الرجوع إلى البيوت والكون مع النساء {فريق منهم} أي طائفة شأنها الفرقة {النبي} وقد رأوا ما حواه من علو المقدار بما له من حسن الخلق، والخلق، وما لديه من جلاله الشمائل وكريم الخصائل، ولم يخشوا من إنبائنا له بالأخبار، وإظهارنا له الخبء، من مكنون الضمائر وخفي الأسرار، حال كونهم {يقولون} أي في كل قليل، مؤكدين لعلمهم بكذبهم وتكذيب المؤمنين لهم قولهم: {إن بيوتنا} أتوا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرة أصحابهم المنافقين {عورة} أي بها خلل كثير يمكن من أراد من الأحزاب أن يدخلها منه، فإذا ذهبنا إليها حفظناها منهم وكفينا من يأتي إلينا من مفسديهم حماية للدين، وذباً عن الأهلين. ولما قالوا ذلك مؤكدين له، رده الله تعالى موكداً لرده مبيناً لما أرادوا فقال: {وما} أي والحال أنها ما {هي} في ذلك الوقت الذي قالوا هذا فيه، وأكد النفي فقال: {بعورة} ولا يريدون بذهابهم حمايتها {إن} أي ما {يريدون} باستئذانهم {إلا فراراً *} ولما كانت عنايتهم مشتدة بملازمة دورهم. فأظهروا اشتداد العناية بحمايتها زوراً, بين الله ذلك ودل عليه بالإسناد إلى الدور تنبيهاً على أنها ربة الحماية والعمدة فقال: {ولو دخلت} أي بيوتهم من أيّ داخل كان من هؤلاء الأحزاب أو غيرهم، وأنث الفعل نصاً على المراد وإشارة إلى أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف، وعبر بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} إشارة إلى أنه دخول غلبة {من أقطارها} أي جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم مكان للهرب. ولما كان قصد الفرار مع الإحاطة بالدار، من جميع الأقطار، دون الاستقتال للدفع عن الأهل والمال، بعيداً عن أفعال الرجال؛ عبر بأداة التراخي فقال: {ثم سئلوا} أي من أيّ سائل كان {الفتنة} أي الخروج منها فارّين، وكأنه سماه بها لأنه لما كان أشد الفتنة من حيث أنه لا يخرج الإنسان من بيته إلا الموت أو ما يقاربه كان كأنه لا فتنة سواه {لأتوها} أي الفتنة بالخروج فراراً، إجابة لسؤال من سألهم مع غلبة الظن بالدخول على صفة الإحاطة أن لا نجاة، فهم أبداً يعولون على الفرار من غير قتال حماية لذمار او دفعاً لعار، أو ذباً عن أهل أو جار، وهذا المعنى ينتظم قراءة أهل الحجاز بالقصر وغيرهم بالمد، فإن من أجاب إلى الفرار فقد أعطى ما كأنه كان في يده منه غلبة وجبناً وقد جأءه وفعله. ولما كان هذا عند العرب - مع ما لهم من النجدة والخوف من السبة - لا يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيده في زيادة تصويره فقال: {وما تلبثوا بها} أي البيوت {إلا يسيراً *} فصح بهذا أنهم لا يقصدون إلا الفرار، لا حفظ البيوت من المضار، ويدلك على هذا المعنى إتباعه بقوله مؤكداً لأجل ما لهم من الإنكار والحلف بالكذب: {ولقد كانوا} أي هؤلاء الذين أسرعوا الإجابة إلى الفرار مع الدخول عليهم على تلك الصفة من سبي حريمهم واجتياح بيضتهم {عاهدوا الله} أي الذي لا أجلّ منه. ولما كان العهد ربما طال زمنه فنسي، فكان ذلك عذراً لصاحبه، بين قرب زمنه بعد بيان عظمة المعاهد اللازم منه ذكره، فقال مثبتاً الجار: {من قبل} أي قبل هذه الحالة وهذه الغزوة حين أعجبتهم المواعيد الصادقة بالفتوحات التي سموها الآن عندما جد الجد مما هي مشروطة به من الجهاد غروراً {لا يولّون} أي يقربون عدوهم {الأدبار} أي أدبارهم أبداً لشيء من الأشياء، ولا يكون لهم عمل إذا حمى الياس، وتخالط الناس، واحمرت الحدق وتداعس الرجال، وتعانق الحماة الأبطال إلى الظفر أو الموت. ولما كان الإنسان قد يتهاون بالعهد لإعراض المعاهد عنه قال: {وكان عهد الله} أي الوفاء بعهد من هو محيط بصفات الكمال. ولما كان العهد فضلة في الكلام لكونه مفعولاً، واشتدت العناية به هنا، بين ذلك بتقديمه أولاً ثم يجعله العمدة، وإسناد الفعل إليه ثانياً فقال: {مسؤولاً *}، أي في أن يوفي به ذلك الذي وقع منه.

ابو السعود

تفسير : {هُنَالِكَ} ظرفُ زمانٍ أو ظرفُ مكانٍ لما بعدَه أي في ذلك الزِّمانِ الهائلِ أو المكانِ الدَّحضِ. {ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي عُوملوا معاملةَ مَن يُختبر فظهرَ المُخلِص من المنافقِ والرَّاسخُ من المتزلزلِ. {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} من الهَولِ والفزعِ وقُرىء بفتحِ الزَّاي {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ} عطفٌ على إذْ زاغتِ. وصيغةُ المضارعِ لما مرَّ من الدِّلالةِ على استمرارِ القولِ واستحضارِ صورتِه {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي ضعفُ اعتقادٍ {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} من إعلاءِ الدِّينِ والظَّفرِ {إِلاَّ غُرُوراً} أي وعدَ غرورٍ وقيل: قولاً باطلاً والقائلُ مُعتبُ بنُ قُشيرٍ وأضرابُه راضون به قال يَعِدنا محمدٌ بفتحِ كنوزِ كِسرى وقيصرَ وأحدُنا لا يقدرُ أنْ يتبرزَ فَرَقاً ما هذا إلا وعدُ غرورٍ. {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ} هم أوسُ ابنُ قَيظى وأتباعُه وقيل عبدُ اللَّه بنُ أُبـيّ وأشياعُه {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ} هو اسمُ المدينةِ المُطهَّرةِ وقيل: اسمُ بقعةٍ وقعتِ المدينةُ في ناحيةٍ منها وقد نهى النبـيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ تُسمَّى بها كراهةً لها وقال « حديث : هي طَيبةُ » تفسير : أو « حديث : طَابةُ » تفسير : كأنَّهم ذكروها بذلك الاسمِ مخالفةً له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ونداؤُهم إيَّاهم بعنوانِ أهليَّتِهم لها ترشيحٌ لما بعدَه من الأمرِ بالرُّجوعِ إليها {لاَ مُقَامَ لَكُمْ} لا موضعَ إقامةٍ لكُم أو لا إقامةَ لكُم ههنا يُريدون المعسكرَ. وقُرىء بفتحِ الميمِ أي لا قيامَ أو لا موضعَ قيامٍ لكم {فَٱرْجِعُواْ} أي إلى منازلِكم بالمدينةِ مرادُهم الأمرُ بالفرارِ لكنَّهم عبَّروا عنه بالرُّجوعِ ترويجاً لمقالِهم وإيذاناً بأنَّه ليس من قبـيلِ الفرارِ المذمومِ وقيل: المَعنى لا قيامَ لكم في دين محمد عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فارجعُوا إلى ما كنتُم عليه من الشِّركِ أو فارجعُوا عمَّا بايعتُموه عليه وأسلمُوه إلى أعدائِه أو لا مقامَ لكُم في يثربَ فارجعُوا كفَّاراً ليتسنَّى لكُم المقامُ بها والأولُ هو الأنسبُ لما بعدَه فإنَّ قولَه تعالى: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ ٱلنَّبِىَّ} معطوفٌ على قالتْ. وصيغةُ المضارعِ لما مرَّ من استحضارِ الصُّورةِ وهم بنُو حارثةَ وبنُو سلمةَ استأذنُوه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في الرُّجوعِ ممتثلينَ بأمرِهم. وقولُه تعالى: {يَقُولُونَ} بدلٌ مِن يستأذنُ أو حالٌ من فاعلِه أو استئنافٌ مبنيُّ على السُّؤالِ عن كيفيَّةِ الاستئذانِ {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أي غيرُ حصينةٍ معرِّضةٌ للعدوِّ والسُّرَّاقِ فأذنْ لنا حتَّى نُحصنها ثم نرجع إلى العسكرِ. والعورةُ في الأصلِ الخللُ أُطلقت على المُختلِّ مبالغةً وقد جُوِّز أنْ تكونَ تخفيفَ عوّرةٍ من عوَّرتِ الدَّارُ إذا اختلَّتْ وقد قُرىء بَها والأولُ هو الأنسبُ بمقامِ الاعتذارِ كما يُفصح عنه تصديرُ مقالِهم بحرفِ التَّحقيقِ {وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ} والحالُ أنَّها ليستْ كذلكَ {إِن يُرِيدُونَ} ما يُريدون بالاستئذانِ {إِلاَّ فِرَاراً} من القتالِ.

القشيري

تفسير : ثم أزال عنهم جملتها، وقَشَعَ عنهم شِدَّتها، فانجاب عنهم سحابُها، وتفرَّقَتْ عن قلوبهم همومُها، وتَفَجَّرَتْ ينابيعُ سكينتهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {هنالك} هو فى الاصل للمكان البعيد لكن العرب تكنى بالمكان عن الزمان وبالزمان عن المكان فهو اما ظرف زمان او ظرف مكان لما بعده اى فى ذلك الزمان الهائل او فى ذلك المكان الدحض الذى تدحض فيه الاقدام {ابتلى المؤمنون} بالحصر والرعب اى عوملوا معاملة من يختبر فظهر المخلص من المنافق والراسخ من المتزلزل {وزلزلوا زلزالا شديدا} الزلة فى الاصل استرسال الرجل من غير قصد يقال زلت رجله تزل والمزلة المكان الزلق وقيل للذنب من غير قصد زلة تشبيها بزلة الرجل والتزلزل الاضطراب وكذا الزلزلة شدة الحركة وتكرير حروف لفظه تنبيه على تكرر معنى الزلل. والمعنى حركوا تحريكا شديدا وازعجوا ازعاجا قويا وذلك ان الخائف يكون قلقا مضطربا لا يستقر على مكان. قال فى كشف الاسرار [اين جايست كه عجم كويند فلان كس را از جاى ببردند از خشم يا ازبيم يا از خجل. قال الكاشفى يعنى از جاى برفتند بمثابه كه بددلان عزم سفر اين المفرّ نمودند وناشكيبان اوراق الفرار مما لا يطلق من سنن المرسلين تكرار مى فرمودند] شعر : آرام زدل شد ودل از جائ هوش از سررفت وقوت ازباى تفسير : وقد صح ان من فى قلبه مرض فر الى المدينة وبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اهل اليقين من المؤمنين وهذا وان كان بيانا للاضطراب فى الابتداء لكن الله تعالى هون عليهم الشدائد فى الانتهاء حتى تفرقت عن قلوبهم الغموم وتفجرت ينابيع السكينة وهذا عادة الله مع المخلصين [مصطفى عليه السلام كفت در فراديس اعلى بسى درجات ومنازلست كه بنده هركز بجهت خود بدان نتواند رسيد رب العزة بنده را بآن بلاها كه دردنيا برسروى كمارد بدان رساند وكفته اندكه حق تعالى ذريت آدم را هزار قسم كردانيد وايشانرا بر بساط محبت اشراف داد همه را ازروى محبت خاست آمكه دنيارا بيار است وبرايشان عرضه كرد ايشان جون زخارف وزهرات ديدند مست وشفته دنيا كشتند وبا دنيا بما ندند مكريك طائفة كه همجنان بر بساط محبت ايستاده وسر بكريبان دعوى فرو برده بس اين طائفة را هزار قسم كردانيد وعقبى برايشان عرض كرد وجون ايشان آن ناز نعيم ابدى ديدند ظل ممدود وماء مسكوب وحور وقصور شيفته آن، شدند وبآن بامندند مكريك طائفة كه همجنان ايستاده بودند بر بساط محبت طالب كنوز معرفت خطاب آمد از جانب جبروت ودركاه عزت كه شماجه ميجوييد ودرجه مانده ايد ايشان كفتند "وانك تعلم ما نريد" خداوندا زبان بى زبانان تويى عالم الاسرار والخفيات تويى خود دانى كه مقصود ما جيست] شعر : ما را زجهانيان شمارى دكرست در سر بجز ازباداه خمارى دكرست تفسير : [رب العالمين ايشانرا بسر كوى بلا آورد ومفاوز ومهالك بلا بايشان نمود آن قسم هزار قسم كشتند همه روى از قبله بلا بكرد دانيدند اين نه كار ماست ومارا طاقت اين بار بلا كشيدن نيست مكريك طائفة كه روى نكردا نيدند كفتند مارا خود آن دولت بس كه محمل اندوه توكشيم وغم وبلاى توخوريم] شعر : من كه باشم كه به تن رخت وفاى توكشم ديده حمال كنم بار جفاى تو كشم كرتوبر من به تن وجان ودلى كنى هرسه رارقص كنان ييش هواى توكشم تفسير : قال الله تعالى فى حقهم {أية : اولئك هم المؤمنون حقا} تفسير : [قدر درد اوكسى داندكه اورا شناسد اوكه ويرا نشناسد قدر درد اوجه داند] شعر : جاميان دل بغم ودردنه اندرره عشق كه نشد مردره آنكس كه نه اين درد كشيد تفسير : روى ـ انه ارسل ابو سفيان بعد الفرار كتابا لرسول الله فيه باسمك اللهم فانى احلف باللات والعزى واساف ونائلة وهبل لقد سرت اليك فى جمع وانا اريد ان لا اعود ابدا حتى استأصلكم فرأيتك قد كرهت لقاءنا واعتصمت بالخندق وفى لفظ قد اعتصمت بمكيدة ما كانت العرب تعرفها وانما تعرف ظل رماحها وسيوفها وما فعلت هذا الافرار من سيوفنا ولقائنا ولك منى يوم كيوم احد فارسل له عليه السلام جوابا فيه (اما بعد) اى بعد بسم الله الرحمن الرحيم (من محمد رسول الله الى صخر بن حرب فقد اتانى كتابك وقديما غرّك بالله الغرور أما ما ذكرت انك سرت الينا وانت لا تريد ان تعود حتى تستأصلنا فذلك امر يحول الله بينك وبينه ويجعل لنا العاقبة وليأتين عليك يوم اكسر فيه اللات والعزى واساف ونائلة وهبل حتى اذكرك يا سفيه بنى غالب) انتهى فاجتهدوا وقاسوا الشدائد فى طريق الحق الى ان فتح الله مكة واتسع الاسلام وبلاده واهاليه

الطوسي

تفسير : قرأ حفص عن عاصم {لا مقام} بضم الميم اى لا إقامة لكم. الباقون - بفتح الميم - يعني لا موضع لكم تقومون فيه. وقرأ ابن كثير ونافع وابو جعفر وابن عامر {لأتوها} قصراً بمعنى لجاؤها. الباقون بالمد، يعني لأعطوها. وقالوا: هو أليق بقوله {ثم سئلوا الفتنة} لان العطاء يطابق سؤال السائل. لما وصف الله تعالى شدة الأمر يوم الخندق، وخوف الناس وأن القلوب بلغت الحناجر من الرعب. قال {هنالك ابتلي المؤمنون} أي اختبروا ليظهر بذلك حسن نياتهم وصبرهم على ما أمرهم الله به من جهاد اعدائه و (هنا) للقريب من المكان و (هنالك) للبعيد منه، و (هناك) للمتوسط بين القريب والبعيد وسبيله سبيل (ذا. وذاك وذلك). والابتلاء إظهار ما في النفس من خير او شر، ومثله الاختبار والامتحان والبلاء النعمة، لاظهار الخير على صاحبه، والبلاء النقمة لاظهار الشر عليه. وقوله {وزلزلوا زلزالاً شديداً} معناه وحركوا بهذا الامتحان تحريكا عظيماً، فالزلزال الاضطراب العظيم ومنه قوله {إذا زلزلت الأرض زلزالها} والزلزلة اضطراب الأرض. وقيل: انه مضاعف زل، وزلزله غيره. والشدة قوة تدرك بالحاسة، لأن القوة التي هي القدرة لا تدرك بالحاسة، وانما تعلم بالدلالة، فلذلك يوصف تعالى بأنه قوي، ولا يوصف بأنه شديد. ثم قال واذكر يا محمد {إذ يقول المنافقون} الذين باطنهم الكفر وظاهرهم الايمان {والذين في قلوبهم مرض} أي شك من الايمان بالله ورسوله {ما وعدنا الله ورسوله} اي لم يعدنا الله ورسوله من الظفر والظهور على الدين {إلا غروراً} وقيل: ان النبي صلى الله عليه وآله بشرهم بأنه يفتح عليهم مدائن كسرى وبلاد قيصر وغير ذلك من الفتوح، فقالوا: يعدنا بهذا، والواحد منا لا يقدر على ان يخرج ليقضي حاجة {ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} غرانا به، فالغرور ايهام المحبوب بالمكر، يقال: غره يغره غروراً، فهو غار، والغرور الشيطان قال الحارث بن حلزة: شعر : لم يغروكم غروراً ولكن يرفع الآل جمعهم والضحاء تفسير : وقال يزيد بن رومان: الذي قال هذا القول معتب بن قشيرة وقال العتابي: ليس عاقل يقول: إن الله وعده غروراً، لكنهم لما كذبوا رسوله وشكوا في خبره، فكانهم كذبوا الله، وإذا نسبوا الرسول بأنه غرهم، فقد نسبوا الله إلى ذلك في المعنى، وإن لم يصرحوا به. ثم قال واذكر يا محمد {إذ قالت طائفة منهم} يعني من المنافقين {يا أهل يثرب} أي يا اهل المدينة، قيل: ان يثرب اسم ارض المدينة. وقال ابو عبيدة: إن مدينة الرسول في ناحية من يثرب. وقيل: يثرب هي المدينة نفسها {لا مقام لكم} أي ليس لكم مكان تقومون فيه للقتال. ومن ضم أراد: لا إقامة لكم - ذكره الاخفش - وقال يزيد بن رومان: القائل لذلك أوس بن قبطي. ومن وافقه على رأيه {فارجعوا} اي امرهم بالرجوع إلى منازلهم. وحكى ان جماعة منهم جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله فاستأذنوه للرجوع. وقالوا {إن بيوتنا عورة} أي هي مكشوفة نخشى عليها السرق - ذكره ابن عباس ومجاهد - فكذبهم الله تعالى في قوله {وما هي بعورة...} وليس يريدون بهذا القول إلا الفرار، والهرب من القتال. ثم قال {ولو دخلت عليهم من أقطارها} اي من نواحيها يعني المدينة او البيوت، فهو جمع قطر، وهو الناحية {ثم سئلوا الفتنة} يعني الكفر والضلال وقيل: انهم لو دعوا إلى القتال على وجه الحمية والعصبية لجاؤا إليها - على قراءة من قصر - ومن مد اراد لأعطوا ما سئلوا إعطاءه من ذلك {وما تلبثوا بها إلا يسيراً} قال الفراء: وما تلبثوا بالمدينة إلا قليلا حتى يهلكوا. وقال قتادة: معناه وما احتبسوا عن الاجابة إلى الكفر إلا قليلا. ثم قال {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل} يعني عندما بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وحلفوا له انهم ينصرونه ويدفعون عنه، كما يدفعون عن نفوسهم، وانهم {لا يولون الأدبار} اي لا يفرون من الزحف {وكان عهد الله مسئولاً} يعني العهد الذي عاهدوا الله عليه، وحلفوا له به يسألهم عن الوفاء به يوم القيامة.

الجنابذي

تفسير : {هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} بكثرة الجنود من الاعداء مع قلّتهم وبالظّنون المتخالفة وارادة الفرار {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} وكان المنظور من ذلك الابتلاء وهذا الزّلزال خلوص ايمان المؤمن وظهور نفاق المنافق.

اطفيش

تفسير : {هنالك} لإشارة المكان الذي نزلوا فيه وقيل للزمان. {ابتلي} اختبر. {المؤمنون} ليتبين ما قد علمه الله من رسوخ ايمان بعضهم وضعف ايمان بعض. وقيل: المراد بالمؤمنين القسمان المذكوران والمنافقون لانهم بصورة المؤمنين فيتبين هنالك نفاقهم وهو الاشراك الذي ضمروه. {وزلزلوا زلزالا شديدا} حركوا بعنف حركة شديد وذلك كناية عن ان الخوف ازعجهم اشد الازعاج وقرىء {زلزالا} بالفتح للزاي الاولى.

اطفيش

تفسير : {هُنالك} اى فى ذلك المكان على الحقيقة فى هنا، او ذلك الزمان على المجاز فيها، وهو أولى منها، ووجه المكان ان له ذكرا بقوله: "أية : من فوقكم ومن أسفل" تفسير : [الأحزاب: 10] وهو متعلق بقوله تعالى: {ابْتُلي المُؤمنُون} اختبرهم الله، اى عاملهم معاملة المختبر، فيظهر اختلافهم فى الاخلاص، ويظهر زلل من زل، ويظهر نفاق المنافق على شمول الخطاب لهم، وذلك بالمضار، وقيل بالصبر على الايمان، وقيل بالجوع {وزلزلوا زلزالاً شديداً} حرك الله قلوبهم بالفزع الشديد من كثيرة الاعداء، وقيل حركوا عن اماكنهم حتى لم يكن لهم الا موضع الخندق، وقيل حركوا بالافتتان عن الدين فعصموا.

الالوسي

تفسير : {هُنَالِكَ } ظرف مكان ويستعمل للزمان وقيل: إنه مجاز وهو أنسب هنا، وأياً ما كان فهو ظرف لما بعده لا لتظنون كما قيل أي في ذلك الزمان الهائل أو في ذلك المكان المدحض {ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي اختبرهم الله تعالى، والكلام من باب التمثيل، والمراد عاملهم سبحانه وتعالى معاملة المختبر فظهر المخلص من المنافق والراسخ من المتزلزل، وابتلاؤهم على ما روي عن الضحاك بالجوع، وعلى ما روي عن مجاهد بشدة الحصار، وعلى ما قيل بالصبر على الإيمان. {وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً } أي اضطربوا اضطراباً شديداً من شدة الفزع وكثرة الأعداء، وعن الضحاك أنهم زلزلوا عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق، وقيل: أي حركوا إلى الفتنة فعصموا. وقرأ أحمد بن موسى اللؤلؤي عن أبـي عمرو {زلزلوا} بكسر الزاي قاله ابن خالويه، وقال الزمخشري: وعن أبـي عمرو إشمام زاي (زلزلوا) وكأنه عني إشمامها الكسر ووجه الكسر أنه أتبع حركة الزاي الأولى لحركة الثانية ولم يعتد بالساكن كما لم يعتد به من قال منتن بكسر الميم إتباعاً لحركة التاء وهو اسم فاعل من أنتن. وقرأ الجحدري وعيسى {زِلْزَالاً } بفتح الزاي، ومصدر فعلل من المضاعف يجوز فيه الفتح والكسر نحو قلقل قلقالاً، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو صلصال بمعنى مصلصل، فإن كان من غير المضاعف فما سمع منه على فعلال مكسور الفاء نحو سرهفه سرهافاً.

د. أسعد حومد

تفسير : (11) - وَفِي ذَلِكَ الحِينِ امْتَحَنَ اللهُ المُؤْمِنينَ وَمَحَّصَهُمْ أَشَدَّ التَّمْحِيصِ، فَظَهَرَ المُخْلِصُ الرَّاسِخُ الإِيمَانِ، مِنَ المُنَافِقِ المُتَزَلْزِلِ، واضْطَرَبُوا اضْطِراباً شَديداً مِنَ الخَوْفِ الذِي أَصَابِهُمْ. ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ - اخْتُبِرُوا بالشَّدَائِدِ وَمُحِّصُوا. زُلْزِلُوا -اضْطَرَبُوا كَثِيراً مِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ..} [الأحزاب: 11] أي: اختُبِروا وامْتُحِنوا، فقَوِيُّ الإيمان قال: لن يُسلمنا الله. والمنافق قال: هي نهاية الإسلام والمسلمين {وَزُلْزِلُواْ ..} [الأحزاب: 11] الزلزلة هي الهزة العنيفة التي ينشأ عن قوتها تَخْلخل الأشياء، لكن لا تقتلعها، والمراد أنهم تعرَّضوا لكرب شديد زلزل كيانهم، وميَّز مؤمنهم من منافقهم؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [الآية: 11]. قال: محصوا. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [الآية: 12]. تكلمهم بالنفاق يومئذ، وتكلم المؤمنين بالحق والإِيمان، فقالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله. أَنا عبد الرحمن، ثنا. إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} [الآية: 13]. قالوا: نخشى عليها لسرق. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} [الآية: 19]. قال: يعني بالخير. يقول: يشحون عليكم بالخير، وهم المنافقون. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} [الآية: 20]. يقول: يحسبونهم قريباً. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ} [الآية: 20]. قال: يعني عن أَخباركم.