Verse. 3545 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

وَاِذْ يَقُوْلُ الْمُنٰفِقُوْنَ وَالَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِہِمْ مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللہُ وَرَسُوْلُہٗۗ اِلَّا غُرُوْرًا۝۱۲
Waith yaqoolu almunafiqoona waallatheena fee quloobihim maradun ma waAAadana Allahu warasooluhu illa ghurooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض» ضعف اعتقاد «ما وعدنا الله ورسوله» بالنصر «إلا غرورا» باطلا.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : فسر الظنون وبينها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث قطعوا بأن الغلبة واقعة وقوله: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ يٰأَهْلَ.يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ } أي لا وجه لإقامتكم مع محمد كما يقال لا إقامة على الذل والهوان أي لا وجه لها ويثرب اسم للبقعة التي هي المدينة فارجعوا أي عن محمد، واتفقوا مع الأحزاب تخرجوا من الأحزان ثم السامعون عزموا على الرجوع واستأذنوه وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي فيها خلل لا يأمن صاحبها السارق على متاعه والعدو على أتباعه ثم بين الله كذبهم بقوله: {وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ } وبين قصدهم وما تكن صدورهم وهو الفرار وزوال القرار بسبب الخوف.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شك ونفاق. {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} أي باطلاً من القول. وذلك أن طُعْمة بن أُبَيْرِق ومُعَتِّب بن قُشير وجماعة نحو من سبعين رجلاً قالوا يوم الخندق: كيف يَعِدُنا كنوزَ كِسْرى وقَيْصر ولا يستطيع أحدنا أن يتبرّز؟ وإنما قالوا ذلك لمّا فَشَا في أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم من قوله عند ضرب الصخرة، على ما تقدم في حديث النسائيّ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذْكر { إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } ضعف اعتقاد {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } بالنصر {إِلاَّ غُرُوراً } باطلاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّرَضٌ} نفاق، أو شرك لما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم يومئذ بما يفتح عليهم من بيض المدائن وقصور الروم ومدائن اليمن. قال رجل من الأوس أيعدنا ذلك واحد لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل. هذا والله الغرور فنزلت.

القشيري

تفسير : صَرَّحوا بالتكذيب - لما انطوت عليه قلوبُهم - حين وجدوا للمقال مجالاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ يقول المنافقون} [وآنكه كه دورويان كفتندن] وهو عطف على اذ زاغت وصيغته للدلالة على استحضار القول واستحضار صورته {والذين فى قلوبهم مرض} ضعف اعتقاد. فان قلت ما الفرق بين المنافق والمريض. قلت المنافق من كذب الشئ تكذيبا لا يعتريه فيه شك والمريض من قال الله تعالى فى حقه {ومن الناس من يعبد الله على حرف فان اصابه خير اطمأن به وان اصابته فتنة انقلب على وجهه} كذا فى الاسئلة المقحمة. قال الراغب المرض الخروج عن الاعتدال الخاص بالانسان وهو ضربان جسمى ونفسى كالجهل والجبن والنفاق ونحوها من الرذائل الخلقية وشبه النفاق والكفر ونحوهما من الرذائل بالمرض اما لكونها مانعة عن ادراك الفضائل كالمرض المانع عن التصرف الكامل واما لكونها مانعة عن ادراك الفضائل كالمرض المانع عن التصرف الكامل واما لكونها مانعة عن تحصيل الحياة الاخروية المذكورة فى قوله {وان الدار الآخرة لهى الحيوان} واما لميل النفس بها الى الاعتقادات الرديئة ميل بدن المريض الى الاشياء المضرة {ما وعدنا الله ورسوله} من الظفر واعلاء الدين وهم لم يقولوا رسول الله وانما قالوه باسمه ولكن الله ذكره بهذا اللفظ {الا غرورا} اى وعد غرور وهو بالضم [فريفتن] والقائل لذلك معتب بن قشير ومن تبعه وقد سبق

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {و} اذكر {إذ يقولُ المنافقون والذين في قلوبهم مرض} عطف تفسير؛ إذ هو وصف المنافقين، كقول الشاعر: شعر : إلى المَلِكِ القَرْمِ، وابنِ الهُمَامِ ولَيْثَ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ تفسير : فابن الهمام هو القَرْمُ، والقرم - بالراء -: السيد. وقيل: {الذين في قلوبهم مرض}، هم الذين لا بصيرة بهم في الدين من المسلمين، كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشُّبه عليهم، قالوا، عند شدة الخوف: {ما وَعَدَنَا اللهُ ورسولهُ إلا غُروراً}. رُوي أن مُعَتِّبَ بن قُشَيْرٍ، المنافق حين رأى الأحزاب قال: إن محمداً يَعِدُنا فتح فارس والروم، وأحدُنا لا يقدر أن يتبرّز، خوفاً، ما هذا إلا وعد غرور. هـ. {وإذ قالت طائفةٌ منهم}؛ من المنافقين، وهم عبد الله بن أُبيّ وأصحابه: {يا أهلَ يثربَ}، وهم أهل المدينة، {لا مقَام لكم} أي: لا قرار لكم هنا، ولا مكان تقيمون فيه - وقرأ حفص: بضم الميم - اسم مكان، أو مصدر، {فارجعوا} من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ هاربين، أو: إلى الكفر، فيمكنكم المقام بها، أو: لا مقام لكم على دين محمد، فارجعوا إلى الشرك وأظهروا الإسلام لتسلموا، {ويستأذن فريقٌ منهم النبيَّ} أي: بنو حارثة، {يقولون إن بيوتنا عورةٌ}: ذات عورة، أي: خالية غير حصينة، وهي مما يلي العدو. وأصلها: الخلل. وقرأ ابن عباس؛ بكسر الواو: (عَوِرَة)، يعني: قصيرة الجدران، فيها خلل. تقول العرب: دار فلان عورة؛ إذا لم تكن حصينة، وعَوِرَ المكان: إذا بَدا فيه خلل يُخاف منه العدو والسارق، ويجوز أن يكون عَوْرَة: تخفيفَ عَوِرة. اعتذروا أن بيوتهم عُرضة للعدو والسارق؛ لأنها غير محصنة، فاستأذنوا ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله تعالى بقوله: {وما هي بعوْرةٍ}، بل هي حصينة، {إن يريدون إلا فراراً} من القتل. {ولو دُخِلَت عليهم} مدينتهم، أو: بيوتهم. من قولك: دخلت على فلان داره. {من أَقْطارها}، من جوانبها، أي: ولو دَخلت هذه العساكر المتحزبة - التي يفرَّون؛ خوفاً منها - مدينتَهم، أو بيوتهم، من نواحيها كلها؛ ناهبين سارقين، {ثم سُئِلوا}؛ عند ذلك الفزع، {الفتنةَ} أي: الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، أو: القتال في العصبية، وهو أحسن؛ لأنهم مسلمون، {لأتوها}؛ لجاؤوها وفعلوا. ومَن قرأ بالمد فمعناه: لأعطوها من أنفسهم، {وما تلبثوا بها}؛ بإجابتها وإعطائها، أي: ما احتبسوا عنها {إلا يسيراً}، أو: ما لبثوا بالمدينة، بعد ارتدادهم، إلا زماناً يسيراً، ثم يهلكهم الله؛ لأن المدينة كالكير؛ تنفي خبثها، وينصع طيبها، والمعنى أنهم يتعلّلون بإعوار بيوتهم؛ ليفرُّوا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملأوهم رُعباً، وهؤلاء الأحزاب كما هم؛ لو سألوهم أن يقاتلوا؛ فتنة وعصبية؛ لأجابوهم، وما تعلّلوا بشيء، وما ذلك إلا لضعف إيمانهم، والعياذ بالله. الإشارة: وإذ قالت طائفة من شيوخ التربية لأهل الفناء: لا مقام تقفون معه؛ إذ قد قطعتم المقامات، حين تحققتم بمقام الفناء، فارجعوا إلى البقاء؛ لتقوموا بآداب العبودية، وتنزلون في المقامات ثم ترحلون عنها، كما تنزل الشمس في بروجها، فكل وقت يبرز فيه ما يقتضي النزول إلى مقامه. فتارة يبرز ما يقتضي التوبة، وتارة ما يقتضي الخوف والهيبة، أي: خوف القطيعة، وتارة ما يقتضي الرجاء والبسط، وتارة ما يقتضي الشكر، وتارة الصبر، وتارة ما يقتضي الرضا والتسليم، وتارة ما يهيج المحبة أو المراقبة أو المشاهدة. وهكذا ينزل في المقامات ويرحل عنها، ولا يقيم في شيء منها. ويستأذن بعض المريدين في الرجوع إلى مقامات الإيمان أو الإسلام، أو شيء من أمور البدايات، يقولون: إن بيوت تلك المقامات لم نُتقنها، بل فيها عورة وخلل، وما هي بعورة، ما يريدون إلا فراراً من ثِقَل أعباء الحضرة. ولو دُخلت بيوت قلوبهم من أقطارها، ثم سئلوا الرجوع إلى الدنيا لأتوها؛ لأنها قريبةُ عَهْدٍ بتركها، وما تلبّثوا بها إلا زماناً يسيراً، بل يبغتهم الموت، ويندمون، قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمَن اتقى. وقد كانوا عاهدوا الله ألاّ يرجعوا إليها، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ...}

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ يَقُولُ} عطف على اذ جاءتكم {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} من الظّفر واعلاء الدّين والسّلطنة على اهل الارض {إِلاَّ غُرُوراً} وعداً مموّهاً باطلاً يغرّنا به.

الأعقم

تفسير : {وإذ يقول المنافقون} معتب بن قشير وأصحابه {والذين في قلوبهم مرض} شك وضعف {ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً} أي خبر بما لا حقيقة له ولم يعلموا أن النصر في دار الدنيا يكون عقيب الامتحان {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب} قيل: هم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل: هم اليهود الذين هم قرب المدينة {لا مقام لكم} أي ليس هذا موضع إقامة، وقيل: لا إقامة لكم ها هنا {فارجعوا} إلى منازلكم، أمروهم بالهرب من معسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: قالوا لهم: ارجعوا كفاراً وأسلموا محمداً {ويستأذن فريق منهم النبي} في الرجوع إلى منازلهم وهم بنو حارثة {يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة}، قيل: مكشوفة ليست بحصينة فأكذبهم الله فإنهم لا يخافون ذلك وإنما يريدون الفرار من الزحف {ولو دخلت} المدينة، وقيل: بيوتهم {من أقطارها} من حواليها {ثم سُئِلوا} عند ذلك الفزع وهو دخول المدينة {والفتنة} الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين {لأتوها} لجاؤوها وفعلوا، وقرئ لآتوها لأعطوها {وما تلبثوا بها إلاَّ يسيراً} يعني ما لبثوا عن الإِسلام إلاَّ ساعة ثم ارتدوا هذا قول أكثر المفسرين، وقيل: ما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلاً حتى يهلكوا {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل} عاهدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وقيل: هم قوم غابوا عن بدر، وقيل: عاهدوا بعد أحد ألاَّ يفروا بعدما نزل فيهم ما نزل {وكان عهد الله مسؤولاً} مطلوباً {قل لن ينفعكم الفرار} مما لا بد لكم من نزوله من موت أو قتل {وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً} في الدنيا ثم الموت، ويقال الدنيا كلها {قل} يا محمد {من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله ولياً} يلي أمرهم ويعينهم {ولا نصيراً} ينصرهم {قد يعلم الله المعوقين منكم} المثبطين الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {والقائلين لإِخوانهم} يعني اليهود قالوا لإِخوانهم من المنافقين، وقيل: القائلون هم المنافقون لإِخوانهم من ضعفة المسلمين {هلمّ إلينا} أي تعالوا إلينا ولا تحاربوا ودعوا محمداً لا تشهدوا معه الحرب {ولا يأتون البأس إلا قليلاً} يعني قليلاً من المنافقين يخرجون رياء وسمعة يحضرون بأنفسهم ويمنعون غيرهم {أشحة عليكم} بالمواساة بأنفسهم وأموالهم، وقيل: كانوا يحضرون الوقعة للغنيمة كيلا يختص بها المؤمنون {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك} في تلك الحالة كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} قيل: جادلوكم مدحوا أنفسهم وذم غيرهم يقولون: نحن فعلنا كذا وضربنا بالسيف كذا، ولم يفعلوا شيئاً من ذلك، وقيل: خاصموكم طلباً للغنيمة وقت القسمة ويقولون: أعطونا وانا قد شهدنا معكم القتال، وقيل: اطلقوا ألسنتهم بالمعاذير الكاذبة {أشحة على الخير} قيل: بخلاء الخير، وقيل: يبخلون أن يتكلموا بكلام فيه خير كأنهم عند الخوف أخير القوم وعند القسمة أبخل القوم {أولئك لم يؤمنوا} كما آمن غيرهم بالخير {فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً} هيّناً {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} أي ظنّ المنافقون أن جماعات قريش وغطفان وغيرهم من اليهود والذين تحزبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يذهبوا ولم ينصرفوا، وإنما ظنوا ذلك لشدة خبثهم وقلَّة إيمانهم وقد انهزموا بالريح {وإن يأت الأحزاب} أي رجعوا مرة ثانية {يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} أي كانوا بالبادية مع الأعراب ولم يشهدوا هذا المقام لكراهة الجهاد {يسألون عن أنبائكم} أي عن أخباركم، قيل: يسأل بعضهم بعضاً: {ولو كانوا فيكم} يعني المنافقين {ما قاتلوا إلا قليلاً} منهم يراؤون بأنهم فيكم وقصدهم الغنيمة.

الهواري

تفسير : قال الله: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وهم المنافقون، وهم المرضى، والمرجفون في المدينة، وكل هؤلاء منافقون. وصنّف كل صنف منهم بعَلَمه، وهم منافقون جميعاً، وهو كلام مثنى: {مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}. وذلك أنه لما أنزل الله في سورة البقرة: (أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ) تفسير : [البقرة: 214]. فوعد الله المؤمنين أن ينصرهم كما نصر من قبلهم بعد أن يُزَلزَلوا، وهي الشدّة، وأن يحرَّكوا بالخوف، كما قال النبيُّون، حيث يقول الله: {أية : حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ}تفسير : قَالَ الله: {أية : أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ}تفسير : ؛ فقال المنافقون: وعدنا الله النصر [فَلاَ ترانا ننصَر] وأرانَا نُقتَل ونُهزَم. ولم يكن فيما وعدهم الله ألا يقتل منهم أحد، ولا يهزموا في بعض الأحايين. قال في آية أخرى: (أية : وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) تفسير : [آل عمران: 140] وإنما وعدهم الله النصر في العاقبة وطوى عنهم القتل والهزيمة، فذلك معنى قولهم: {مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}. وتأويل الغرور ها هنا هو الخديعة، يقولون: خدعنا الله، أي: أعلمنا بالعاقبة أنه سينصرنا وطوى عنا ما قبل ذلك مما يصيبنا من الشدائد والقتل والهزيمة. والغرور عند العرب هو الخديعة. قالوا: خدعنا الله، وقد وصفوا الله بالخديعة لهم، ولعمري قد خدعهم، وهو قوله: (أية : إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) تفسير : [النساء: 142]. وتفسير مخادعة الله إياهم في سورة الحديد. وسنفسّره إن شاء الله.

اطفيش

تفسير : {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} ضعف اعتقاد والقائل معتب بن قشير وتوبع قال بريد بن رومان قال معتب: يعدنا محمد ان نفتح كنوز كسرى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقد احد منا ان يذهب للغائط، وقيل عبدالله بن ابي وأصحابه واذ معطوفة على اذ الاولى او الاخيرة او على هنالك ان جعلت الاشارة للزمان لان هنا قد يشار بها للزمان وان جعلت للمكان ففي عطف الزمان على المكان والعكس خلاف واستعمال المرض بمعنى ضعف الاعتقاد من الاستعارة التصريحية. {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} باطلا وقيل الخديعة وعدنا بالنصر ونصر علينا غيرنا مفعول ثان اي مفعول مطلق اي وعد غرور والمنافقون بإضمار الشرك انما قالوا انه رسول قولا خاليا عن الاعتقاد على جهة الكذب والمراد ما وعدنا الله والذي يقال انه رسوله.

اطفيش

تفسير : {وإذ يقُول المنافقون} عطف على إذ زاغت، والاصل: وإذ قال، والمضارع للاستحضار {والَّذين في قلُوبهم مَرض} الشك فى الايمان بوسوسة المنافقين، او ضعف الايمان لرب عهدهم به، او المنافقون، وعليه فالعطف تنزيل لتغاير الصفات لذات واحدة، منزلة تغاير الذات وتعددها، اى القوم المتصفون بالنفاق، ومرض القلوب {ما وعدنا الله ورسوله إلا غُرورا} من نصر وإعلاء غير صادقين، اى وعد غرور، وهو القول الباطل الكاذب الموقع فيما يضرنا تعالى الله عن ذلك. عرضت فى الخندق صخرة شديدة بيضاء مدورة، يعجزون عنها، فاخذ صلى الله عليه وسلم المعول عن سلمان، فضربها ثلاثا مع كل واحدة برقة تضئ ما بين لابتى المدينة، اى جبليها كمصباح فى ليل تغلب ضوء الشمس، ويكبر معها، والمسلمون، فقال: "حديث : اضاء لي بالأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كانياب الكلاب، وبالثانية قصور الروم كذلك، وبالثالثة صنعاء كذلك، وأخبرني جبريل إن أمتك ستظهر على ذلك وتملكه، فابشروا بالنصر"تفسير : فاستبشروا فقال متعب بن قشير، منافق من الانصار، وتابعه بالقول بعض المنافقين ومن التحق بهم، ورضى باقيهم: يدعى محمد رؤية تلك الاماكن وهو معكم، ووعدكم ملك ذلك مع انه لا يجد احدكم قضاء حاجته بعد الخندق الا قتل، فنزلت الآية، ونسبتهم الوعد لله، والتسمية بالرسول، مع انهم لم يؤمنوا بان ذلك وعد الله، ولا بالرسالة مماشاة له ولأصحابه صلى الله عليه وسلم، او استهزاء او لم يعلموا ان الوعد من الله، ولا نسبوه اليه، ولا الى رسوله، لكن لما كان من الله ورسوله نسبه الله الى الله ورسوله، او قالوا ذلك تقية.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } عطف على {أية : إِذْ زَاغَتِ} تفسير : [الأحزاب: 10] وصيغة المضارع لما مر من الدلالة على استمرار القول واستحضار صورته. {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } ظاهر العطف أنهم قوم لم يكونوا منافقين فقيل: هم قوم كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبهة عليهم، وقيل: قوم كانوا ضعفاء الاعتقاد لقرب عهدهم بالإسلام. وجوز أن يكون المراد بهم المنافقين أنفسهم والعطف لتغاير الوصف كقوله:شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام تفسير : {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } من الظفر وإعلاء الدين {إِلاَّ غُرُوراً } أي وعد غرور، وقيل: أي قولاً باطلاً وفي «البحر» أي أمراً يغرنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به روي أن الصحابة بينما يحفرون الخندق عرضت لهم صخرة بيضاء مدورة شديدة جداً لا تدخل فيها المعاول فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ المعول من سلمان رضي الله تعالى عنه فضربها ضربة فصدعها وبرقت منها برقة أضاء منها ما بين لابتي المدينة حتى لكأن / مصباحاً في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون ثم ضربها الثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاء منها ما بين لابتيها فكبر عليه الصلاة والسلام وكبر المسلمون ثم ضربها الثالثة فكسرها وبرقت برقة أضاء منها ما بين لابتيها فكبر صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون فسئل عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا بالنصر فاستبشر المسلمون وقال رجل من الأنصار يدعى معتب بن قشير وكان منافقاً: أيعدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتح لنا مدائن اليمن وبيض المدائن وقصور الروم وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل هذا والله الغرور فأنزل الله تعالى في هذا {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } الخ. وفي رواية قال المنافقون حين سمعوا ذلك ألا تعجبون يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } ووجه الجمع على القول بأن القائل واحد أن الباقين راضون بذلك قابلوه منه، والظاهر أن نسبة الوعد إلى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة من المنافقين الذين لا يعتقدون اتصافه صلى الله عليه وسلم بالرسالة ولا أن الوعد وعد الله تعالى شأنه كانت من باب المماشاة أو الاستهزاء وإن كانت قد وقعت من غيرهم فهي بالتبعية لهم. ويجوز أن يكون وقوع ما ذكر في الحكاية لا في كلامهم ويستأنس له بما وقع في بعض الآثار وبعضهم بحث عن إطلاق الرسول عليه صلى الله عليه وسلم فقال إنه في الحكاية لا في كلامهم كما يشهد بذلك ما روي عن معتب أو هو تقية لا استهزاء لأنه لا يصح بالنسبة لغير المنافقين فتأمل ولا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على{أية : وإذْ زاغتْ الأبصار}تفسير : [الأحزاب: 10] فإن ذلك كله مما ألحَق بالمسلمين ابتلاء فبعضه من حال الحرب وبعضه من أذى المنافقين، ليحذروا المنافقين فيما يحدث من بعد، ولئلا يخشوا كيدهم فإن الله يصرفه كما صرف أشدَّه يوم الأحزاب. وقول المنافقين هذا يحتمل أن يكونوا قالوه عَلَناً بين المسلمين قصدوا به إدخال الشك في قلوب المؤمنين لعلهم يردونهم عن دينهم فأوهموا بقولهم {ما وَعَدَنا الله ورسوله} الخ... أنهم ممن يؤمن بالله ورسوله، فنسبة الغرور إلى الله ورسوله إما على معنى التشبيه البليغ وإما لأنهم بجهلهم يجوزون على الله أن يغرّ عباده، ويحتمل أنهم قالوا ذلك بين أهل ملتهم فيكون نسبْة الوعد إلى الله ورسوله تهكماً كقول فرعون {أية : إنّ رسولكم الذي أُرْسِل إليكم لمجنون}تفسير : [الشعراء: 27]. والغرور: ظهور الشيء المكروه في صورة المحبوب، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : لا يغرنّك تقلُّبُ الذين كفروا في البلاد} تفسير : في سورة آل عمران (196)، وقوله تعالى: {أية : زُخْرف القول غروراً} تفسير : في سورة الأنعام (112). والمعنى: أن الله وعدهم النصر فكان الأمر هزيمة وهم يعنون الوعد العام وإلاَّ فإن وقعة الخندق جاءت بغتة ولم يُرْوَ أنهم وُعدوا فيها بنصر. {والذين في قلوبهم مرض} هم الذين كانوا مترددين بين الإيمان والكفر فأخلصوا يومئذ النفاق وصمّمُوا عليه. والمراد بالطائفة الذين قالوا: {يا أهل يثرب لا مقامَ لكم فارجعوا} عبدُ الله بن أبيِّ ابنُ سَلول وأصحابُه. كذا قال السدي. وقال الأكثر: هو أوس بن قَيظي أحدُ بني حارثة، وهو والد عَرابة بن أوس الممدوح بقول الشمّاخ:شعر : رأيت عرابةَ الأوْسيَّ يسمو إلى الخيرات منقطع القرين تفسير : في جماعة من منافقي قومه. والظاهر هو ما قاله السُدّي لأن عبد الله بن أبَيّ رأس المنافقين، فهو الذي يدعو أهل يثرب كلّهم. وقوله {لا مقام لكم} قرأه الجمهور بفتح الميم وهو اسم لمكان القيام، أي: الوجود. وقرأه حفص عن عاصم بضم الميم، أي: محلّ الإقامة. والنفي هنا بمعنى نفي المنفعة فلما رأى هذا الفريق قلة جدوى وجودهم جعلها كالعدم، أي لا فائدة لكم في ذلك، وهو يروم تخذيل الناس كما فعل يوم أُحُد. و{يثرب}: اسم مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عبيدة يثرب: اسم أرض والمدينة في ناحية منها، أي: اسم أرض بما فيها من الحوائط والنخل والمدينة في تلك الأرض. سميت باسم يثرب من العمالقة، وهو يثرب بن قانية الحفيد الخامس لإرَم بن سام بن نوح. وقد روي عن البراء بن عازب وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تسميتها يثرب وسماها طَابة. وفي قوله {يا أهل يثرب لا مقام لكم} محسِّنٌ بديعيّ، وهو الاتِزان لأن هذا القول يكون منه مصراع من بحر السريع من عَروضه الثانية المخبُولة المكشوفة إذ صارت مفعولات بمجموع الخبل والكشف إلى فَعَلن فوزنه مستفعلن مستفعلن فَعَلن. والمراد بقوله {فريق منهم} جماعة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وليسوا فريقاً من الطائفة المذكورة آنفاً، بل هؤلاء هم أوس بن قيظي وجمع من عشيرته بني حارثة وكان بنو حارثة أكثرهم مسلمين وفيهم منافقون، فجاء منافقوهم يعتذرون بأن منازلهم عورة، أي: غير حصينة. وجملة {ويستأذن فريق} عطف على جملة {قالت طائفة}، وجيء فيها بالفعل المضارع للإشارة إلى أنهم يلِحُّون في الاستئذان ويكررونه ويجددونه. والعورة: الثغر بين الجبلين الذي يتمكن العدو أن يتسرب منه إلى الحي، قال لبيد:شعر : وأجَنَّ عوراتتِ الثغورِ ظَلامُها تفسير : والاستئذان: طلب الإذن وهؤلاء راموا الانخذال واستحيَوا. ولم يذكر المفسرون أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم. وذكر أهل السير أن ثمانين منهم رجعوا دون إذنه. وهذا يقتضي أنه لم يأذن لهم وإلا لما ظهر تميزهم عن غيرهم، وأيضاً فإن في الفعل المضارع من قوله {يستأذن} إيماء إلى أنه لم يأذن لهم وستَعلم ذلك، ومنازل بني حارثة كانت في أقصى المدينة قرب منازل بني سَلِمة فإنهما كانا حيين متلازمين قال تعالى: {أية : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} تفسير : [آل عمران: 122] هما بنو حارثة وبنو سلمة في غزوة أُحُد. وفي الحديث: أن بني سَلِمة راموا أن ينقلوا منازلهم قرب المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم»تفسير : أي خُطاكم. فهذا الفريق منهم يعتلُّون بأن منازلهم بعيدة عن المدينة وآطامها. والتأكيد بحرف {إنَّ} في قولهم {إن بيوتنا عورة} تمويه لإظهار قولهم {بيوتنا عورة}في صورة الصدق. ولما علموا أنهم كاذبون وأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم كذبهم جعلوا تكذيبه إياهم في صورة أنه يشك في صدقهم فأكدوا الخبر. وجملة {أية : وما هي بعورة}تفسير : [الأحزاب: 15] إلى قوله {أية : مسؤولا} تفسير : [الأحزاب: 15] معترضة بين جملة {يستأذن فريق منهم} الخ وجملة {أية : لن ينفعكم الفرار} تفسير : [الأحزاب: 16] الآية. فقوله: {وما هي بعورة} تكذيب لهم فإن المدينة كانت محصنة يومئذ بخندق وكان جيش المسلمين حارسها. ولم يقرن هذا التكذيب بمؤكد لإظهار أن كذبهم واضح غير محتاج إلى تأكيد.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمُنَافِقُونَ} (12) - أَمَّا المُنَافِقُونَ فَظَهَرَ نِفَاقُهُمْ، فَقَالَ مُعْتِبُ بْنُ قُشَيْرٍ مَا قَالَ، وَقَالَ ضِعَافُ الإِيمَانِ وَالذِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ رِيبَةٌ وَشَكٌ، لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالإِسْلامِ - {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}: {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}، أَيْ لَمْ يكَنْ مَا وَعَدَنا بِهِ اللهُ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِالعَدُوِّ إِلا وَعْداً يَغُرُّنَا وَيَخْدَعُنَا. غُرُوراً - خِدَاعاً وَبَاطِلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المنافقون هم أنفسهم الذين في قلوبهم مرض، فهما شيء واحد، وهذا العطف يُسمُّونه "عطف البيان". والغرور أنْ تخدع إنساناً بشيء مُفْرح في ظاهره، محزن في باطنه، تقول: ما غرَّك بالشيء الفلاني كأن في ظاهره شيئاً يخدعك ويغرّك، فإذا ما جئتَ لتختبره لم تجده كذلك.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ومن قوله: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} [الأحزاب: 12] إلى قوله: {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا} [الأحزاب: 14]، وتمام الآية: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً} [الأحزاب: 12-14] يشير إلى مرض القلوب وصحة النفوس وجأشهما إذا وكلتا إلى حالتيهما من فساد الاعتقاد وسوء الظن بالله ورسوله ونقض العهود والاغترار بتسويلات الشياطين والفرار من معادن الصدق والتمسك بالحيل والمكائد والكذب والتعلل بالأعذار الواهية، فغلبات الخوف البشرية والجبانة وقلة اليقين والصبر وكثرة الريب والجزع، وعند احتمال خطر الأذية لو سئلوا الارتداد عن الإسلام والإشراك بعد الإقرار بالتوحيد أجابوهم وجاءوا به {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ} [الأحزاب: 14] يعني في الاحتراز عن الوقوع في الفتنة {إِلاَّ يَسِيراً} [الأحزاب: 14] بل أسرعوا في إجابتها لاستيلاء أوصاف النفوس وغلباتها وبصدأ القلوب وهجوم غفلاتها. ثم أخبر عن نقض العهود لوهن العقول بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} [الأحزاب: 15] يشير إلى مدعي الطلب، فإنهم يعاهدون الله من قبل الشروع في الطلب أنهم {لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ} [الأحزاب: 15] عن المحاربة مع الشيطان وعند الجهاد مع النفس، فلما شرعوا في الحرب والجهاد مع أحزاب النفس والشيطان، وقد حمل كل حزب منهم أسلحتهم وأخذوا خدعات الحرب ومكائده، وهم الشجعان والأقوياء والأبطال المجربون وعساكر طلاب القلوب المرضى، وهم بعد إغمار غير مجربي الحروب والقتال وإن كان لهم الأسلحة ولكنهم بمعزل عن استعمالهم لضعفهم وعدم العلم بكيفية الاستعمال، فإذا قام الحرب ودام الضرب، غلب الأقوياء على الضعفاء وتنهزم المرضى عن الأصحاء، فلم يشد أزرهم الصدق ولم يعاونهم العشق ولم يذكروا حقيقة قوله: {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} [الأحزاب: 15]، ولا يتفكروا في قوله: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ} [الأحزاب: 16] أيها الطالبون: إن فررتم وإن تفروا إلى الله لينفعكم، فإن الفرار من الموت أو القتل أو موت النفس وقتلها بالمجاهدة لا ينفع عند نزول الآجال، وإن لم تأتهم الآجال فهي من غاية الشقاوة، وإذا لا تمتعون كالبهائم والأنعام في رياض الدنيا إلا قليلاً ولا نهاية لتلك الشقاوة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا } . وهذه عادة المنافق عند الشدة والمحنة، لا يثبت إيمانه، وينظر بعقله القاصر، إلى الحالة القاصرة ويصدق ظنه. { وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ } من المنافقين، بعد ما جزعوا وقلَّ صبرهم، وصاروا أيضًا من المخذولين، فلا صبروا بأنفسهم، ولا تركوا الناس من شرهم، فقالت هذه الطائفة: { يَا أَهْلَ يَثْرِبَ } يريدون " يا أهل المدينة " فنادوهم باسم الوطن المنبئ [عن التسمية] فيه إشارة إلى أن الدين والأخوة الإيمانية، ليس له في قلوبهم قدر، وأن الذي حملهم على ذلك، مجرد الخور الطبيعي. { يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ } أي: في موضعكم الذي خرجتم إليه خارج المدينة، وكانوا عسكروا دون الخندق، وخارج المدينة، { فَارْجِعُوا } إلى المدينة، فهذه الطائفة تخذل عن الجهاد، وتبين أنهم لا قوة لهم بقتال عدوهم، ويأمرونهم بترك القتال، فهذه الطائفة، شر الطوائف وأضرها، وطائفة أخرى دونهم، أصابهم الجبن والجزع، وأحبوا أن ينخزلوا عن الصفوف، فجعلوا يعتذرون بالأعذار الباطلة، وهم الذين قال اللّه فيهم: { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } أي: عليها الخطر، ونخاف عليها أن يهجم عليها الأعداء، ونحن غُيَّبٌ عنها، فَأْذَنْ لنا نرجع إليها، فنحرسها، وهم كذبة في ذلك. { وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ } أي: ما قصدهم { إِلا فِرَارًا } ولكن جعلوا هذا الكلام، وسيلة وعذرًا. [لهم] فهؤلاء قل إيمانهم، وليس له ثبوت عند اشتداد المحن. { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ } المدينة { مِنْ أَقْطَارِهَا } أي: لو دخل الكفار إليها من نواحيها، واستولوا عليها -لا كان ذلك- { ثُمَّ } سئل هؤلاء { الْفِتْنَة } أي: الانقلاب عن دينهم، والرجوع إلى دين المستولين المتغلبين { لآتَوْهَا } أي: لأعطوها مبادرين. { وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا } أي: ليس لهم منعة ولا تَصلُّبٌ على الدين، بل بمجرد ما تكون الدولة للأعداء، يعطونهم ما طلبوا، ويوافقونهم على كفرهم، هذه حالهم. والحال أنهم قد { عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا } سيسألهم عن ذلك العهد، فيجدهم قد نقضوه، فما ظنهم إذًا، بربهم؟

همام الصنعاني

تفسير : 2324- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}: [الآية: 12]، قال ناس من المنافقين: يَعِدُنا محمد أنَّا نفتح قصور الشام وفارس، وأحدنا لا يستطيع أن يجاوِزَ رحله {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً}.