Verse. 3547 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْہِمْ مِّنْ اَقْطَارِہَا ثُمَّ سُىِٕلُوا الْفِتْنَۃَ لَاٰتَوْہَا وَمَا تَلَبَّثُوْا بِہَاۗ اِلَّا يَسِيْرًا۝۱۴
Walaw dukhilat AAalayhim min aqtariha thumma suiloo alfitnata laatawha wama talabbathoo biha illa yaseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو دُخلت» أي المدينة «عليهم من أقطارها» نواحيها «ثم سُئِلوا» أي سألهم الداخلون «الفتنة» الشرك «لآتوها» بالمد والقصر أي أعطوها وفعلوها «وما تلبَّثوا بها إلا يسيراً».

14

Tafseer

الرازي

تفسير : إشارة إلى أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض، فإذا فاته الغرض لا يفعله، كمن يبذل المال لكي لا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله فقال الله تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً، وليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة، وقوله: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ } احتمل أن يكون المراد المدينة واحتمل أن يكون البيوت، وقوله: {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا } يحتمل أن يكون المراد الفتنة {إِلاَّ يَسِيراً } فإنها تزول وتكون العاقبة للمتقين، ويحتمل أن يكون المراد المدينة أو البيوت أي ما تلبثوا بالمدينة إلا يسيراً فإن المؤمنين يخرجونهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا} وهي البيوت أو المدينة؛ أي من نواحيها وجوانبها، الواحد قُطْر، وهو الجانب والناحية. وكذلك القُتْر لغة في القطر. {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا} أي لجاؤوها؛ هذا على قراءة نافع وابن كثير بالقصر. وقرأ الباقون بالمدّ؛ أي لأعطوها من أنفسهم، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقد جاء في الحديث: أن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا يعذَّبون في الله ويُسألون الشرك، فكلٌّ أعطى ما سألوه إلا بلالاً. وفيه دليل على قراءة المدّ، من الإعطاء. ويدل على قراءة القصر قوله: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ}؛ فهذا يدل على «لأَتَوْهَا» مقصوراً. وفي «الفتنة» هنا وجهان: أحدهما سُئلوا القتال في العصبية لأسرعوا إليه؛ قاله الضحاك. الثاني: ثم سئلوا الشرك لأجابوا إليه مسرعين؛ قاله الحسن. {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ} أي بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلاً حتى يهلكوا؛ قاله السّدِّي والقُتَيبِيّ والحسن والفراء. وقال أكثر المفسرين: أي وما احتبسوا عن فتنة الشرك إلا قليلاً ولأجابوا بالشرك مسرعين؛ وذلك لضعف نياتهم ولفرط نفاقهم؛ فلو اختلطت بهم الأحزاب لأظهروا الكفر.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن هؤلاء الذين {مِّنْهُمُ ٱلنَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة، وهي الدخول في الكفر، لكفروا سريعاً، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع، هكذا فسرها قتادة وعبد الرحمن بن زيد وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم، ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف: أن لا يولوا الأدبار، ولا يفرون من الزحف، {وَكَانَ عَهْدُ مَسْئُولاً} أي: وإِن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد، لا بد من ذلك، ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطول أعمارهم، بل ربما كان ذلك سبباً في تعجيل أخذهم غرة، ولهذا قال تعالى: {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: بعد هربكم وفراركم {أية : قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} تفسير : [النساء: 77] ثم قال تعالى: { قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِى يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ }؟ أي: يمنعكم {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ دُخِلَتْ } أي المدينة {عَلَيْهِمْ مّنْ أَقْطَارِهَا } نواحيها {ثُمَّ سُئِلُواْ } أي سألهم الداخلون {ٱلْفِتْنَةَ } الشرك {لأَتَوْهَا } بالمدّ والقصر: أي أعطوها وفعلوها {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا} أي لو دخل على المنافقين من أقطار المدينة ونواحيها. {ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لأَتَوهَا} فيه وجهان: أحدهما: ما تلبثوا عن الإجابة إلى الفتنة إلا يسيراً، قاله ابن عيسى. الثاني: ما تلبثوا بالمدينة إلا يسيراً حتى يعدموا، قاله السدي. قوله: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ} الآية، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم عاهدوه قبل الخندق وبعد بدر، قاله قتادة. الثاني: قبل نظرهم إلى الأحزاب، حكاه النقاش. الثالث: قبل قولهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا. وحكي عن ابن عباس أنهم بنو حارثة. {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً} يحتمل وجهين: أحدهما مسئولاً عنه للجزاء عليه. الثاني: للوفاء به. قوله تعالى: {قُل مَن الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّن اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً}. فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إن أراد بكم هزيمة أو أراد بكم نصراً، حكاه النقاش. الثاني: إن أراد بكم عذاباً، أو أراد بكم خيراً، قاله قتادة. الثالث: إن أراد بكم قتلاً أو أراد بكم توبة، قاله السدي.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلَوْ دُخِلَتْ} المدينة على المنافقين من نواحيها {الْفِتْنَةَ} القتال في المعصية، أو الشرك. {وَمَا تَلَبَّثُواْ} بالإجابة إلى الفتنة. أو بالمدينة {إِلا يَسِيراً} حتى يعذبوا.

السيوطي

تفسير : أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ‏{‏ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها‏} ‏ قال‏:‏ لأعطوها يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على المدينة‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولو دخلت عليهم من أقطارها‏}‏ قال‏:‏ من نواحيها ‏ {‏ثم سئلوا الفتنة لآتوها‏} ‏ قال‏:‏ لو دعوا إلى الشرك لأجابوا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولو دخلت عليهم من أقطارها‏}‏ قال‏:‏ من أطرافها ‏{‏ثم سئلوا الفتنة‏} ‏ يعني الشرك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولو دخلت عليهم من أقطارها‏} أي لو دخل عليهم من نواحي المدينة ‏ {‏ثم سئلوا الفتنة‏} ‏ قال‏:‏ الشرك ‏{‏لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيراً‏} ‏ يقول‏:‏ لأعطوه طيبة به أنفسهم ‏ {‏وما تلبثوا بها إلا يسيراً‏}‏ ‏{‏ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل‏}‏ قال‏:‏ كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله سبحانه أهل بدر من الفضيلة والكرامة قالوا‏:‏ لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك حتى كان في ناحية المدينة. فصنعوا ما قص الله عليكم‏.‏ وفي قوله ‏{‏قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم‏.‏‏.‏‏.‏‏.} ‏ قال‏:‏ لن تزدادوا على آجالكم التي أجلكم الله، وذلك قليل وإنما الدنيا كلها قليل‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الربيع بن خثيم رضي الله عنه في قوله ‏{‏وإذاً لا تمتعون إلا قليلا‏ً} ‏ قال‏:‏ ما بينهم وبين الأجل‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏{‏قد يعلم الله المعوقين منكم‏}‏ قال‏:‏ المنافقين يعوقون الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قد يعلم الله المعوقين منكم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏قال‏:‏ هذا يوم الأحزاب، انصرف رجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف فقال له‏:‏ أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف‏.‏ قال‏:‏ هلم الي لقد بلغ بك وبصاحبك - والذي يحلف به - لا يستقي لها محمد أبداً قال‏:‏ كذبت - والذي يحلف به - وكان أخاه من أبيه وأمه، والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم بأمرك، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره، فوجده قد نزل جبريل عليه السلام بخبره، ‏ {‏قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا‏ً}‏ ‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏قد يعلم الله المعوقين منكم‏}‏ قال‏:‏ هؤلاء أناس من المنافقين كانوا يقولون‏:‏ لاخوانهم‏:‏ ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك ‏ {‏والقائلين لإخوانهم‏} أي من المؤمنين ‏{‏هلم إلينا‏}‏ أي دعوا محمداً وأصحابه فإنه هالك ومقتول ‏ {‏ولا يأتون البأس إلا قليلا‏ً} ‏ قال‏:‏ لا يحضرون القتال إلا كارهين‏.‏ وان حضروه كانت أيديهم من المسلمين، وقلوبهم من المشركين‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ} أُسند الدُّخولُ إلى بـيوتِهم وأُوقع عليهم لما أنَّ المرادَ فرضُ دخولِها مطلقاً كما هو المفهومُ لو لم يذكر الجارُّ والمجرورُ ولا فرضُ الدُّخولِ عليهم مطلقاً كما هو المفهومُ لو أُسند إلى الجارُّ والمجرورُ {مّنْ أَقْطَارِهَا} أي من جميعِ جوانبِها لا من بعضها دُون بعضٍ فالمعنى لو كانتْ بـيوتُهم مختَّلةً بالكُلِّيةِ ودخلَها كلُّ مَن أرادَ من أهلِ الدَّعارةِ والفسادِ {ثُمَّ سُئِلُواْ} من جهةِ طائفةٍ أُخرى عند تلكَ النازلةِ والرَّجفةِ الهائلةِ {ٱلْفِتْنِةَ} أي الردَّةَ والرَّجعةَ إلى الكفرِ مكانَ ما سُئلوا الآنَ من الإيمانِ والطَّاعةِ {لأَتَوْهَا} لأعطَوها غيرَ مُبالين بما دَهَاهم من الدَّاهيةِ الدَّهياءِ والغارةِ الشَّعواءِ. وقُرىء لأتَوَها بالقصرِ أي لفعلُوها وجَاؤها {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا} بالفتنةِ أي ما ألبثُوها وما أخرُّوها {إِلاَّ يَسِيراً} ريثما يسعُ السُّؤالُ والجوابُ من الزَّمانِ فضلاً عن التعلل باختلال البـيوتِ مع سلامتِها كما فعلُوا الآنَ وقيل: ما لبثُوا بالمدينةِ بعد الارتدادِ إلا يسيراً والأولُ هو اللائقُ بالمقامِ. هذا وأما تخصيصُ فرضِ الدُّخولِ بتلك العساكرِ المتحزبةِ فمع منافاتِه للعمومِ المستفادِ من تجريدِ الدُّخولِ عن الفاعلِ ففيه ضربٌ من فسادِ الوضعِ لما عَرَفت من أنَّ مساقَ النَّظم الكريمِ لبـيانِ أنَّهم إذا دُعوا إلى الحقِّ تعللُوا بشيءٍ يسيرٍ وإنْ دُعوا إلى الباطلِ سارعُوا إليه آثرَ ذي أثيرٍ من غير صارفٍ يلويهم ولا عاطفٍ يثنيهم ففرضُ الدُّخولِ عليهم من جهةِ العساكرِ المذكورةِ وإسنادِ سؤالِ الفتنةِ والدَّعوةِ إلى الكفرِ إلى طائفةٍ أُخرى من مَعَ أنَّ العساكرَ هم المعرُوفون بعداوةٍ الدِّينِ المُباشرون لقتالِ المؤمنين المُصرُّون على الإعراضِ عن الحقِّ المُجدُّون في الدُّعاءِ إلى الكُفر والضَّلالِ بمعزلٍ من التَّقريبَ. {وَلَقَدْ كَانُواْ عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَـٰرَ} فإنَّ بني حارثةَ عاهدُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يومَ أُحدٍ حينَ فشلُوا أنْ لا يعودُوا لمثلِه وقيل: هم قُومٌ غابُوا عن وقعةِ بدرٍ ورَأَوا ما أَعطى الله أهَل بدرٍ من الكرامةِ والفضيلةِ فقالُوا لئن أشهدَنا الله قتالاً لنقاتلنَّ {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْؤُولاً} مطلوباً مقتضى حتَّى يوفَّى به وقيل: مسؤولاً عن الوفاءِ به ومجازي عليهِ {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ} فإنَّه لا بدَّ لكلِّ شخصٍ من حتفِ أنفٍ أو قيلِ سيفٍ في وقتٍ معيَّنٍ سبقَ به القضاءُ وجرى عليه القلمُ {وَإِذّن لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي وإنْ نفعكم الفرارُ مثلاً فمُتعتم بالتَّأخيرِ لم يكُن ذلك التَّمتيعُ إلاَّ تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي أو يصيبكم بسوءٍ إنْ أرادَ بكُم رحمةً فاختُصر الكلامُ أو حُمل الثَّاني على الأولِ لما في العصمةِ من مَعنى المنعِ {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً} ينفعُهم {وَلاَ نَصِيراً} يدفعُ عنهم الضَّررَ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو دخلت عليهم} اسند الدخول الى بيوتهم واوقع عليهم لما ان المراد فرض دخولها وهم فيها لا فرض دخولها مطلقا كما هو المفهوم لو لم يذكر الجار والمجرور {من اقطارها} جمع قطر بالضم بمعنى الجانب اى من جميع جوانبها لا من بعضها دون بعض فالمعنى لو كانت بيوتهم مختلة بالكلية ودخلها كل من اراد الخبث والفساد {ثم سئلوا} من جهة طائفة اخرى عند تلك النازلة {الفتنة} اى الردة والرجعة الى الكفر مكان ما سئلوا من الايمان والطاعة {لآتوها} لاعطوها السائلين اى اعطوهم مرادهم غير مبالين بما دهاهم من الداهية والغارة {وما تلبثوا بها} [التلبث: درنك كردن كالتمكث يعنى درنك نكند باجابت فتنة] {الا يسيرا} قدر ما يسمع السؤال والجواب من الزمان فضلا عن التعلل باختلال البيوت عند سلامتها كما فعلوا الآن وما ذلك الا لمقتهم الاسلام وشدة بغضهم لاهله وحبهم الكفر وتهالكهم على حزبه. قال الامام الراغب اليسير السهل ومنه قوله تعالى {أية : وكان ذلك على الله يسيرا} تفسير : ويقال فى الشئ القليل ومنه {وما تلبثوا بها الا يسيرا}. وفى الآية اشارة الى مرض القلوب وصحة النفوس. وخاصيتهما اذا وكلتا الى حالتهما من فساد الاعتقاد وسوء الظن بالله ورسوله ونقض العهود والاغترار بتسويلات الشياطين والفرار من معادن الصدق والتمسك بالحيل والمكائد والكذب والتعلل بالاعذار الواهية وغلبات خوف البشرية والجبانة وقلة اليقين والصبر وكثرة الريب والجزع من احتمال خطر الاذية لو سئلوا الارتداد عن الاسلام والاشراك بعد الاقرار بالتوحيد لاجابوهم وجاؤوا به وما تلبثوا بها يعنى فى الاحتراز عن الوقوع فى الفتنة الا يسيرا بل اسرعوا فى اجابتها لاستيلاء اوصاف النفوس وغلباتها وتصدئ القلوب وهجوم غفلاتها ومن عرف طريقا الى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله بعذاب لم يعذب به احدا من العالمين. واعلم ان الله تعالى ذم المنافقين فى اقوالهم وافعالهم فان للانسان اختيارا فى كل طريق سلكه فمن وجد شرا فلا يذم الا نفسه ولم تجب الهداية على النبى عليه السلام فى حق الكفار والمنافقين فكيف على غيره من الورثة فى حق العاصين كما قال عليه السلام "حديث : انما انا رسول وليس الىّ من الهداية شئ ولو كانت الهداية الىّ لآمن كل من فى الارض وانما ابليس مزين وليس اليه من الضالة شئ ولو كانت الضلالة اليه لاضل كل من فى الارض ولكن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء" شعر : مؤمن وكافر درين درفنا صورتى دارد زنقش كبريا نقش كرجه آمداز دست قضا ليك ميدان نقش را از مقتضا تفسير : فافهم جدا

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ} يعنى لو دخل الاعداء بيوتهم او المدينة غالباً عليهم {مِّنْ أَقْطَارِهَا} من جوانب البيوت او المدينة {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ} اى الكفر او المقاتلة مع المسلمين {لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ} مع الفتنة او فى المدينة او البيوت او ما تلبّثوا فى اعطاء الفتنة او بسبب اعطاء الفتنة لعدم وثوقهم بدينهم {إِلاَّ يَسِيراً} اى الاّ تلبّثاً يسيراً او زماناً يسيراً.

الهواري

تفسير : قال: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا} أي: [لو دخل عليهم أبو سفيان ومن معه] من أقطارها، أي: من نواحيها، يعني المدينة. {ثُمَّ سُئِلُوا} أي: طلبت منهم {الفِتْنَةَ} أي: الشرك {لأَتَوْهَا} أي: لجاءوها. رجع [الضمير] إلى الفتنة، وهي الشرك على تفسير من قرأها خفيفة؛ ومن قرأها مثقلة ممدودة {لآتوها} أي: لاعطوها، يعني الفتنة، وهي الشرك، لأعطوها إياهم. {وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً}. وهذه الآية تقضي بين المختلفين، تنفي عن المنافقين الشرك، إن أبقى الله أهل الفراق ولم يكابروا عقولهم؛ إذ يقول: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لأَتَوْهَا}، يعني المنافقين، والفتنة تعني الشرك، {لأَتَوْهَا} أي: لجاءوها ولأعطوها. فكيف يُسألُون الشركَ وهم عليه، وكيف يجيئون إلى الشرك ويعطونه من طلبه منهم وهم عليه، فليتّق اللهَ أهلُ الفراق لنا وليعلموا أن المنافقين ليسوا بمشركين، وقد برّأهم الله من الشرك في هذه الآية وأخبر أنهم لو دخل عليهم من أقطارها، يعني من نواحيها، ثم سئلوا الفتنة أي: الشرك لأتوها، أي: لأعطوها ولأتوه. ما أبين هذا بنعمة الله وبحمده. قوله: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ} ذكروا أن جابر بن عبد الله قال: حديث : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نفرّ ولم نبايعه على الموتتفسير : . {وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولاً} أي: يسألهم الله عن ذلك العهد الذي لم يُوفِّ به المنافقون. قال: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَاً لاَّ تُمَتَّعُونَ} أي: في الدنيا {إِلاَّ قَلِيلاً} أي: إلى آجالكم.

اطفيش

تفسير : {ولو دخلت} أي المدينة او بيوتهم قولان، اي ولو دخلها الأحزاب. {عليهم من أقطارها} أي جوانبها ونواحيها واشتد الخوف. {ثم سئلوا} أي طلبهم الداخلون. {الفتنة} الشرك وقتال المسلمين. {لأتوها} أي لجاءوا الفتنة أي اشركوا وقاتلوا المسلمين وذلك قراءة الحرميين وقرأ الباقون لآتوها بالمد لأعطوها. {وما تلبثوا بها} أي ما لبثوا بالفتنة اي باعطائها والمراد انهم لا يحتسبون عنها لحفظ بيوتهم. {إلا يسيرا} قدر أخذ السلاح أو قدر السؤال والجواب وقيل مجرور الباء عائد للمدينة اي ما لبثوا فيها بعد الارتداد إلا قليلا فيهلكهم الله والمعنى انهم يتعللون في الظاهر بأن بيوتهم عورة وانما أرادوا خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصافاة الأحزاب حتى انهم لو عرض عليهم الكفر وقتال المسلمين لتسارعوا وما اعتذروا بشيء لمقتهم الاسلام، واذا كانوا ذلك لمقت الاسلام جاز ان يكون فاعل دخلت الذي ناب المفعول مطلق الداخلين سواء كانوا هؤلاء الاحزاب او غيرهم فكل من دعاهم لقتال المسلمين يجيبونه سريعا.

اطفيش

تفسير : {ولو دُخِلتَ عَليْهم} للفساد واهلاكهم، اى لو دخلت البيوت التى ذكروها، او مطلق بيوت المدينة، كما انه يجوز ان يقل لو دخلت المدينة وهو المتبادر لى، ثم رأيته لابن عطية، وهو من علماء اندلس كما يؤيده الجمع فى قوله: {من أقْطارها} جهاتها {ثُمَّ سُئلوُا الفتنة} سألهم غير الداخلين قتال محمد {لآتَوها} فعلوا الفتنة اشتغلوا بقتاله، وغفلوا عن افساد الداخلين عليهم لاضرارهم، والصحيح عند غيرى ان المراد لو دخلت بيوتهم وهم فيها للفساد، ثم سألهم طائفة اخرى قتال محمد صلى الله عليه وسلم لقاتلوه معها {وما تلبثُوا بها} اى عنها، او تأخروا بها، ما تركوا قتاله صلى الله عليه وسلم {إلا يسيرا} الا تلبثا يسيرا، او زمانا يسيرا قدر ما يأخذون سلاحهم، او يهيئونه، او يجيبون سائلهم، او يدبرون معه الامر، وقد اعلمتك ان الباء بمعنى عن او للتعدية، ومجرورها للفتنة، ويجوز كونها بمعنى فى ومجرورها للمدينة، او للبيوت، وعن الحسن ومجاهد: الفتنة الشرك مثل ما قيل انها الردة واظهار الشرك وما يلبثون بعد ذلك الا يسيرا فيهلكهم الله، او يخرجهم منها بالمؤمنين، ويجوز ان يكون المعنى انهم لم يظهروا الفتنة وهى الشرك، خوفا منكم، ولو دخلت المدينة بالغلبة لسارعوا الى اظهاره، ويجوز ان يكون الداخل السائل هم الاحزاب.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ دُخِلَتْ } أي البيوت كما هو الظاهر {عَلَيْهِمْ } أي على هؤلاء القائلين، وأسند الدخول إلى بيوتهم وأوقع عليهم لما أن المراد فرض دخولها وهم فيها لا فرض دخولها مطلقاً كما هو المفهوم لو لم يذكر الجار والمجرور ولا فرض الدخول عليهم مطلقاً كما هو المفهوم لو أسند إلى الجار والمجرور وفاعل الدخول الداخل من أهل الفساد من كان أي لو دخل كل من أراد الدخول من أهل الدعارة والفساد بيوتهم وهم فيها {مّنْ أَقْطَارِهَا } جمع قطر بمعنى الناحية والجانب ويقال قتر بالتاء لغة فيه أي من جميع جوانبها وذلك بأن تكون مختلة بالكلية وهذا داخل في المفروض فلا يخالف قوله تعالى: {أية : وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ }تفسير : [الأحزاب: 13] {ثُمَّ سُئِلُواْ } أي طلب منهم من جهة طائفة أخرى عند تلك النازلة والرجفة الهائلة {الفتْنَةَ} أي القتال كما قال الضحاك {لاَتَوْهَا } أي لأعطوها أولئك السائلين كأنه شبه الفتنة المطلوب اتباعهم فيها بأمر نفيس يطلب منهم بذله ونزل إطاعتهم واتباعهم بمنزلة بذل ما سئلوه وإعطائه. وقرأ نافع وابن كثير {لأَتَوْهَا } بالقصر أي لفعلوها. {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا } أي بالفتنة، والباء للتعدية أي ما لبثوها وما أخروها {إِلاَّ يَسِيراً } أي إلا تلبثاً يسيراً أو إلا زماناً يسير وهو مقدار ما يأخذون فيه سلاحهم على ما قيل، وقيل: مقدار ما يجيبون السؤال فيه، وكلاهما عندي من باب التمثيل، والمراد أنهم لو سألهم غيرك القتال وهم في أشد حال وأعظم بلبال لأسرعوا جداً فضلاً عن التعلل باختلال البيوت مع سلامتها كما فعلوا الآن. والحاصل أن طلبهم الإذن في الرجوع ليس لاختلال بيوتهم بل لنفاقهم وكراهتهم نصرتك، وقال ابن عطية: المعنى ولو دخلت المدينة من أقطارها واشتد الحرب الحقيقي ثم سئلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلم لطاروا إليها ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا يسيراً قيل قدر ما يأخذون سلاحهم انتهى، فضمير {دَخَلَتْ } عنده عائد على المدينة وباء {بِهَا } للظرفية كما هو ظاهر كلامه، وجوز أن تكون سببية والمعنى على تقدير مضاف أي ولم يتلبثوا بسبب حفظها وقيل: يجوز أن تكون للملابسة أيضاً، والضمير على كل تقدير للبيوت وفيه تفكيك الضمائر. وعن الحسن ومجاهد وقتادة {ٱلْفِتْنِةِ } الشرك. وفي معناه ما قيل: هي الردة والرجوع إلى إظهار الكفر، وجعل بعضهم ضميري (دخلت ـ وبها) للمدينة وزعم أن المعنى ولو دخلت المدينة عليهم من جميع جوانبها ثم سئلوا الرجوع إلى إظهار الكفر والشرك لفعلوا وما لبثوا بالمدينة بعد إظهار كفرهم إلا يسيراً فإن الله تعالى يهلكهم أو يخرجهم بالمؤمنين، وقيل: ضمير {دخلت} للبيوت أو للمدينة وضمير {بِهَا } للفتنة بمعنى الشرك والباء للتعدية، والمعنى ولو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأشركوا وما أخروه إلا يسيراً، وقريب منه قول قتادة أي لو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأعطوه طيبة به أنفسهم وما تحبسوا به إلا يسيراً، وجوز أن تكون الباء / لغير ذلك، وقيل: فاعل الدخول أولئك العساكر المتحزبة، والوجوه المحتملة في الآية كثيرة كما لا يخفى على من له أدنى تأمل، وما ذكرناه أولاً هو الأظهر فيما أرى. وقرأ الحسن {سولوا} بواو ساكنة بعد السين المضمومة قالوا: وهي من سال يسال كخاف يخاف لغة في سأل المهموز العين، وحكى أبو زيد هما يتساولان، وقال أبو حيان: ويجوز أن يكون أصلها الهمزة لأنه يجوز أن يكون سولوا على قول من يقول في ضرب مبنياً للمفعول ضرب ثم سهل الهمزة بإبدالها واواً على قول من قال في بؤس بوس بإبدال الهمزة واواً لضم ما قبلها. وقرأ عبد الوارث عن أبـي عمرو والأعمش {سيلوا} بكسر السين من غير همزة نحو قيل. وقرأ مجاهد {سويلوا} بواو ساكنة بعد السين المضمومة وياء مكسورة بدلاً من الهمزة.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الآية زيادة تقرير لمضمون جملة {أية : وما هي بعورة إنْ يريدون إلا فراراً}تفسير : [الأحزاب: 13] فإنها لتكذيبهم في إظهارهم التخوف على بيوتهم، ومرادهم خذل المسلمين. ولم أجد فيما رأيت من كلام المفسرين ولا من أهل اللغة مَن أفصَحَ عن معنى (الدُخول) في مثل هذه الآية وما ذكروا إلاّ معنى الولوج إلى المكان مثل ولوج البيوت أو المدن، وهو الحقيقة. والذي أراه أن الدخول كثر إطلاقه على دخول خاص وهو اقتحام الجيش أو المغيرين أرضاً أو بلداً لغزْو أهله، قال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا} إلى قوله: {أية : يا قوم ادخلوا الأرض المقدَّسة التي كتب الله لكم ولا ترتدُّوا على أدباركم}تفسير : [المائدة: 21]، وأنه يُعدّى غالباً إلى المغزوِّين بحرف (على). ومنه قوله تعالى: {قال رجلان من الذين يخافون أنعَمَ الله عليهما ادْخُلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} إلى قوله: {أية : قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا} تفسير : [المائدة: 24] فإنه ما يصلح إلا معنى دخول القتال والحرب لقوله: {فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} لظهور أنه لا يراد: إذا دخلتم دخول ضيافة أو تَجول أو تجسس، فيفهم من الدخول في مثل هذا المقام معنى الغزو والفتح كما نقول: عام دخول التتار بغداد، ولذلك فالدخول في قوله: {ولو دُخِلت عليهم} هو دخول الغزو فيتعين أن يكون ضمير {دُخلت} عائداً إلى مدينة يثرب لا إلى البيوت من قولهم {أية : إن بيوتنا عورة}تفسير : [الأحزاب: 13]، والمعنى: لو غُزِيت المدينة من جوانبها الخ... وقوله {عليهم} يتعلق بــــ {دُخلت} لأن بناء {دُخلت} للنائب مقتض فاعلاً محذوفاً. فالمراد: دخول الداخلين على أهل المدينة كما جاء على الأصل في قوله {أية : ادخلوا عليهم الباب} تفسير : في سورة العقود (23). والأقطار: جمع قُطر بضم القاف وسكون الطاء وهو الناحية من المكان. وإضافة (أقطار) وهو جمع تفيد العموم، أي: من جميع جوانب المدينة وذلك أشد هجوم العدوّ على المدينة كقوله تعالى: {أية : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفلَ منكم} تفسير : [الأحزاب: 10]. وأسند فعل {دُخلت} إلى المجهول لظهور أن فاعل الدخول قوم غزاة. وقد أبدى المفسرون في كيفية نظم هذه الآية احتمالات متفاوتة في معاني الكلمات وفي حاصل المعنى المراد، وأقربها ما قاله ابن عطية على غموض فيه، ويليه ما في «الكشاف». والذي ينبغي التفسير به أن تكون جملة {ولو دُخلت عليهم} في موضع الحال من ضمير {أية : يريدون}تفسير : [الأحزاب: 13] أو من ضمير {وما هي بعورة} زيادة في تكذيب قولهم {أية : إن بيوتنا عورة}تفسير : [الأحزاب: 13]. والضمير المستتر في {دُخلت} عائد إلى المدينة لأن إضافة الأقطار يناسب المدن والمواطن ولا يناسب البيوت. فيصير المعنى: لو دَخَل الغزاة عليهم المدينة وهم قاطنون فيها. و{ثم} للترتيب الرتبي، وكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالواو لا بــــ {ثم} لأن المذكور بعد {ثم} هنا داخل في فعل شرط {لو} ووارد عليه جوابها، فعدل عن الواو إلى {ثم} للتنبيه على أن ما بعد {ثم} أهم من الذي قبلها كشأن {ثم} في عطف الجُمل، أي: أنهم مع ذلك يأتون الفتنة، و{الفتنة} هي أن يفتنوا المسلمين، أي: الكيد لهم وإلقاء التخاذل في جيش المسلمين. ومن المفسرين من فسَّر الفتنة بالشرك ولا وجه له ومنهم من فسرها بالقتال وهو بعيد. والإتيان: القدوم إلى مكان. وقد أشعر هذا الفعل بأنهم يخرجون من المدينة التي كانوا فيها ليفتنوا المسلمين، وضمير النصب في {أتوها}عائد إلى {الفتنة} والمراد مكانها وهو مكان المسلمين، أي لأتوا مكانها ومظنتها. وضمير {بها} للفتنة، والباء للتعدية. وجملة {وما تلبثوا بها} عطف على جملة {لأتوها}. والتلبُّث: اللبث، أي: الاستقرار في المكان وهو هنا مستعار للإبطاء، أي ما أبطأوا بالسعي في الفتنة ولا خافوا أن تؤخذ بيوتهم. والمعنى: لو دَخلت جيوش الأحزاب المدينة وبقي جيش المسلمين خارجها (أي مثلاً لأن الكلام على الفرض والتقدير) وسأل الجيشُ الداخلُ الفريقَ المستأذنين أن يُلقوا الفتنة في المسلمين بالتفريق والتخذيل لخرجوا لذلك القصد مُسرعين ولم يثبطهم الخوف على بيوتهم أن يدخلها اللصوص أو ينهبها الجيش: إما لأنهم آمنون من أن يلقَوا سوءاً من الجيش الداخل لأنهم أولياء له ومعاونون، فهم منهم وإليهم، وإما لأن كراهتهم الإسلام تجعلهم لا يكترثون بنهب بيوتهم. والاستثناء في قوله {إلا يسيراً} يظهر أنه تهكم بهم فيكون المقصود تأكيد النفي بصورة الاستثناء. ويحتمل أنه على ظاهره، أي إلا ريثما يتأملون فلا يطيلون التأمل فيكون المقصود من ذكره تأكيد قلة التلبّث، فهذا هو التفسير المنسجم مع نظم القرآن أحسن انسجام. وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر {لأتوها} بهمزة تليها مثناة فوقية، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف {لآتوها} بألف بعد الهمزة على معنى: لأعطوها، أي: لأعطوا الفتنة سائليها، فإطلاق فعل {أتوها}مشاكلة لفعل {سُئِلوا}.

د. أسعد حومد

تفسير : {سُئِلُواْ} (14) - وَلَوْ دَخَلَ عَلَيهِمُ الأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ جَوانِبِ المَدِينَةِ، وَكُلِّ قُطْرِ مِنْ أَقْطَارِها (وَقيلَ بَلِ المَقْصُودُ بُيُوتُهُمْ) وَطَلبُوا إِليهِم الارْتِدَادَ عَنِ الإِسْلامِ، والعَوْدَةَ إِلى الشِّرْكِ، (لَو سُئِلُوا الفِتْنَةَ) لَفَعَلُوا ذَلِكَ سَرِيعاً دُونَ تَرَدُّدِ مِنْ شِدَّةِ الهَلَعِ وَالجَزَعِ، وَهذا دَلِِيلٌ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِمْ. مِنْ أَقْطَارِها - مِنْ نَوَاحِيها وَجَوانِبِها. سُئِلُوا الفِتْنَةَ - طُلِبَ مِنْهُمْ مُقَاتَلَةُ المُسْلِمِينَ أَوِ الارتِدَادُ عَنِ الإِسْلاَمِ. مَا تَلَبَّثُوا بِهَا - مَا تَأَخَّرُوا عَنِ القِيَامِ بِمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 14] أي: البيوت: {مِنْ أَقْطَارِهَا} [الأحزاب: 14] من نواحيها {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ} [الأحزاب: 14] أي: طُلب منهم الكفر {لآتَوْهَا} [الأحزاب: 14] يعني: لكفروا. {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً} [الأحزاب: 14] يعني: ما يجعل الله لهم لُبْثاً وإقامة إلا يسيراً، ثم ينتقم الله منهم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا} أي مِن جَوانبِها ونَواحِيها. واحدُها قُطْرٌ. تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا} الفِتنةُ: هي الكُفرُ وأَتَوْها: أعطوها.

همام الصنعاني

تفسير : 2327- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، في قوله: {مِّنْ أَقْطَارِهَا}: [الآية: 14]، قال: نواحيها. وقوله: {سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ}: الآية: 14]، يعني الشرك.