٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : بياناً لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً وندماً، وذكروا أن القتال لا يزال لهم قدماً ثم هددهم بقوله: {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً } وقوله: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ } إشارة إلى أن الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما وقع عليه القرار، وما قدره الله كائن فمن أمر بشيء إذا خالفه يبقى في ورطة العقاب آجلاً ولا ينتفع بالمخالفة عاجلاً، ثم قال تعالى: {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } كأنه يقول ولو فررتم منه في يومكم مع أنه غير ممكن لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً فالعاقل لا يرغب في شيء قليل مع أنه يفوت عليه شيئاً كثيراً، فلا فرار لكم ولو كان لما متعتم بعد الفرار إلا قليلاً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} أي من قبل غزوة الخندق وبعد بدر. قال قتادة: وذلك أنهم غابوا عن بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والنصر، فقالوا لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلنّ. وقال يزيد بن رُومان: هم بنو حارثة، هَمُّوا يوم أُحُد أن يفشلوا مع بني سَلِمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم. {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} أي مسؤولاً عنه. قال مقاتل والكَلْبي: حديث : هم سبعون رجلاً بايعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وقالوا: اشترط لنفسك ولربّك ما شئت. فقال: «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأموالكم وأولادكم» فقالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك يا نبيّ الله؟ قال: «لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة»تفسير : . فذلك قوله تعالى: {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} أي أن الله ليسألهم عنه يوم القيامة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَٰرَ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسئُولاً } عن الوفاء به.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَاهَدُواْ} قبل الخندق وبعد بدر، أو قبل نظرهم إلى الأحزاب، أو قبل قولهم: يا أهل يثرب.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ} [الآية: 15]. سئل بعض العلماء: من المرحوم؟ فقال: عزيز قوم ذل - يعنى عصى بعد ما اطَّلع - وغنى قوم افتقر كان غنيًا بالله ثم وقع فى الطلب وعالم بين جُهَّال يأتى ما يأتى الجُهّال.
القشيري
تفسير : ولكن لما عزم الأمر، وظهر الجدّ لم يساعدهم الصدقُ، ولم يذكروا أنهم سَيُسألون عن عهدهم، ويُعاقبون على ما أسلفوه من ذنبهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد كانوا} اى الفريق الذين استأذنوك للرجوع الى منازلهم فى المدينة وهم بنوا حارثة وبنوا سلمة {عاهدوا الله} العهد حفظ الشئ ومراعاته حالا بعد حال وسمى الموثق الذى يلزم مراعاته عهدا والمعاهدة المعاقدة كما فى تاج المصادر. والمعنى بالفارسية [عهد كردند باخداى تعالى] {من قبل} اى من قبل واقعة الخندق يعنى يوم احد حين هموا بالانهزام ثم تابوا لما نزل فيهم ما نزل كما سبق فى آل عمران {لا يولون الادبار} جواب قسم لان عاهدوا بمعنى حلفوا كما فى الكواشى [والتولية: يشت بكردانيدن] ودبر الشئ خلاف القبل وولاه دبره انهزم. والمعنى لا يتركون العدو خلف ظهورهم ولا يفرون من القتال ولا ينهزمون ولا يعودون لمثل ما فى يوم واحد ثم وقع منهم هذا الاستئذان نقضا للعهد: وبالفارسية [يشتها برنكردانند دركار زارها] {وكان عهد الله مسئولا} مطلوبا مقتضى حتى يوفى يقال سألت فلانا حقى اى طالبته به او مسئولا يوم القيامة يسأل عنه هل وفى المعهود به او نقضه فيجازى عليه وهذا وعيد: قال الحافظ شعر : وفا وعهد نكو باشد اربياموزى وكرنه هركه توبينى ستمكرى داند تفسير : وقال فى حق وفاء العشاق شعر : از دم صبح ازل تا آخر شام ابد دوستى ومهر بريك عهد ويك ميثاق بود
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد كانوا عاهدوا اللهَ من قَبلُ} أي: قبل غزوة الخندق، وهو يوم أحد. والضمير في "كانوا" لبني حارثة، عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، حين فشلوا، ثم تابوا ألا يعودوا لمثله، وقالوا: {لا يُوَلُّونَ الأدبارَ}؛ منهزمين أبداً، {وكان عهدُ الله مسؤولاً} عن الوفاء له، مُجازىً عليه، أو: مطلوباً مقتضى حتى يوفى به. {قل لن ينفعَكُم الفرارُ إن فَررتُم من الموت أو القتل}، فإنه لا بد لكل شخص من حتفِ أنفه، أو: قتل في وقت معين سبق القضاء وجرى به القلم، {وإذاً لا تُمتَّعُون إلا قليلاً} أي: إن حضر أجلكم لم ينفعكم الفرار، وإن لم يحضر، وفررتم، لن تُمتعوا في الدنيا إلا زماناً قليلاً، وهو مدة أعماركم، وهو قليل بالنسبة إلى ما بعد الموت الذي لا انقضاء له. {قل مَن ذَا الذي يَعصِمُكُم من الله} أي: يمنعكم مما أراد الله إنزاله بكم؛ {إن أراد بكم سوءاً} في أنفسكم، من قتل أو غيره، {أو أراد بكم رحمةً} أي: أراد بكم إطالة عمر في عافية وسلامة. أو: مَن يمنع الله من أن يرحمكم، إن أراد بكم رحمة، فَحُذِفَ؛ سوءاً، أو يصيبكم بسُوء، إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام. {ولا يجدون لهم من دون الله ولياً} ينفعهم، {ولا نصيراً} يدفع العذاب عنهم. الإشارة: ولقد كان عاهدَ الله؛ مَنْ دخل في طريق القوم، ألاَّ يولي الأدبارَ، ويرجع إلى الدنيا والاشتغال بها حتى يتفتّر عن السير، وكان عهد الله مسؤولاً، فيسأله الحق تعالى عن سبب رجوعه عن الإرادة، ولماذا حَرَمَ نَفْسَهُ من لذيذ المشاهدة؟ قل - لمَن رجع، ولم يقدر على مجاهدة نفسه: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت لنفوسكم، أو القتل؛ بمجاهدتها وتجميلها بعكس مرادها، وتحميلها ما يثقل عليها، وإذا لا تُمتعون إلا قليلاً، ثم ترحلون إلى الله، في غم الحجاب وسوء الحساب. قل: مَن ذا الذي يعصمكم من الله، إن أراد بكم سوءاً؟ وهو البُعد والطرد، أو: مَن يمنعكم من رحمته، إن أراد بكم رحمة، وهي التقريب إلى حضرته، فلا أحد يعصمكم من إبعاده، ولا أحد يمنعكم من إحسانه؛ إذ لا وليّ ولا ناصر سواه. اللهم انصرنا بنصرك المبين، وارحمنا برحمتك الخاصة، حتى تُقَرِّبَنَا إلى حضرتك، بفضل منك وجودك، يا أرحم الراحمين. ثم ذكر نعوت أهل البعد فقال: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ...}
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ} على يد محمّدٍ (ص) {مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} عن الوفاء به والنّقض له.
اطفيش
تفسير : {ولقد كانوا} يعني بني حارثة من هؤلاء. {عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار} فشلوا يوم احد فعاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لا يعودوا لمثل ذلك ولا يفروا بعد ما نزل فيهم ما نزل قاله ابن اسحاق. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ان يمنعوا ما يمنعون منه انفسهم وقيل هم قوم غابوا عن بدر ولما رأوا ما اعطي الله اهل بدر من الكرامة قالوا لو أشهدنا الله قتالا لنقاتلن وجملة لا يولون جواب القسم وهو عاهدوا الله والأدبار ظرف مؤكد لعامله كقولك رجع رواءه وتقدم أمامه او مفعول مطلق أي تولى الادبار. {وكان عهد الله} ما وعد به وأعد من طاعة الله. {مسؤولا} يوم القيامة أي مطلوبا أي يقال لهم يوم القيامة هاتوا ما وعدتم به فلا يجدون او الاصل مسؤولا عنه عن الوفاء به بسؤال توبيخ او المراد الترغيب في الوفاء به اي انه يسأل عنه ليجازى به.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد كانُوا} اى بنو حارثة المستأذنون عند الاكثر، وقيل بنو سلمة المستأذنون، او الفريقان {عاهدوا الله مِن قَبْل} قبل الاحزاب {لا يُولَّون الأدبار} لا يفرون من الحرب، جبنوا يوم احد، وتابوا ان لا يفروا بعد، وقيل قوم غابوا من بدر وندموا لما فاتهم من فضلها، وشرف اهلها، وحلفوا ان يقاتلوا بعدها ان كان قتال، ولا بد انهم ممن استأذنوا، لان الكلام فيهم وهم منافقون، ومرضى القلوب، وقيل: عن ابن عباس انهم قوم من اهل المدينة، عاهده بمكة ليلة العقبة ان يمنعوه مما يمنعون انفسهم ولم يفعلوا. {وكان عَهْد الله مَسْئولا} مطلوبا من صاحبه ان يوفى به فى الدنيا، او مسئولا يوم القيامة، هل وفى به فيجازى به، وان لم يوف عوقب.
الالوسي
تفسير : { وَلَقَدْ كَانُواْ عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَـٰرَ } هؤلاء هم الفريق المستأذنون وهم بنو حارثة عند الأكثرين، وقيل: هم بنو سلمة كانوا قد جبنوا يوم أحد ثم تابوا وعاهدوا يومئذ قبل يوم الخندق أن لا يفروا، وعن ابن عباس أنهم قوم عاهدوا بمكة ليلة العقبة أن يمنعوه صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه أنفسهم، وقيل: أناس غابوا عن وقعة بدر فحزنوا على ما فاتهم مما أعطي أهل بدر من الكرامة فقالوا: لئن أشهدنا الله تعالى قتالاً لنقاتلن و {عَـٰهَدَ } أجرى مجرى اليمين ولذلك تلقى بقوله تعالى: {لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَـٰرَ } وجاء بصيغة الغيبة على المعنى ولو جاء كما لفظوا به لكان التركيب لا تولى الأدبار، وتولية الأدبار كناية عن الفرار والانهزام فإن الفار يولي دبره من فر منه {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً } عن الوفاء به مجازى عليه وذلك يوم القيامة، والتعبير بالماضي على ما في «مجمع البيان» لتحقق الوقوع، وقيل: أي كان عند الله تعالى مسؤولاً عن الوفاء به أو مسؤولاً مقتضى حتى يوفى به.
ابن عاشور
تفسير : هؤلاء هم بنو حارثة وبنو سَلِمة وهم الذين قال فريق منهم {أية : إن بيوتنا عورة}تفسير : [الأحزاب: 13] واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أي كانوا يوم أُحُد جبُنوا ثم تابوا وعاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يُولُّون الأدبار في غزوة بعدها، وهم الذين نزل فيهم قوله تعالى: {أية : إذ همَّت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما}تفسير : [آل عمران: 122]؛ فطَرأ على نفر من بني حارثة نفاق وضعف في الإيمان فذكَّرهم الله بذلك وأراهم أن منهم فريقاً قُلَّباً لا يرعى عهداً ولا يستقر لهم اعتقاد وأن ذلك لضعف يقينهم وغلبة الجبن عليهم حتى يدعوهم إلى نبذ عهد الله. وهذا تنبيه للقبيلين ليزجروا مَنْ نكث منهم. وتأكيد هذا الخبر بلام القسم وحرف التحقيق وفعل كان، مع أن الكلام موجه إلى المؤمنين تنزيلاً للسامعين منزلة من يتردد في أنهم عاهدوا الله على الثبات. وزيادة {من قبل} للإشارة إلى أن ذلك العهد قديم مستقر وهو عهد يوم أحد. وجملة {لا يولون الأدبار} بيان لجملة {عاهدوا}. والتولية: التوجه بالشيء وهي مشتقة من الوَلْي وهو القرب، قال تعالى: {أية : فوَلِّ وجهَك شطر المسجد الحرام}تفسير : [البقرة: 144]. و{الأدبار}: الظهور. وتولية الأدبار: كناية عن الفرار فإن الذي استأذنوا لأجله في غزوة الخندق أرادوا منه الفرار ألا ترى قوله {أية : إن يريدون إلا فراراً} تفسير : [الأحزاب: 13]، والفرار مما عاهدوا الله على تركه. وجملة {وكان عهد الله مسؤولا} تذييل لجملة {ولقد كانوا عاهدوا} الخ... والمراد بعهد الله: كل عهد يوثقه الإنسان مع ربه. والمسؤول: كناية عن المحاسب عليه كقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : وكلكم مسؤول عن رعيته»، تفسير : وكما تقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : ليسأل الصادقين عن صدقهم}تفسير : [الأحزاب: 8] وهذا تهديد.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل: أي من قبل غزوة الخندق وذلك يوم أحد قالوا: والله لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن ولا نولي الأدبار. وكان عهد الله مسؤلا: أي صاحب العهد عن الوفاء به. وإذاً لا تمتعون إلا قليلا: أي وإذا فررتم من القتال فإِنكم لا تمتعون بالحياة إلا قليلا وتموتون. من ذا الذي يعصمكم من الله: أي من يجيركم ويحفظكم من الله. إن أراد بكم سوءاً: أي عذاباً تستاءُون له وتكربون. قد يعلم الله المعوقين منكم: أي المثبطين عن القتال المفشلين إخوانهم عنه حتى لا يقاتلوا مع رسول الله والمؤمنين. هلم إلينا: أي تعالوا إلينا ولا تخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يأتون البأس إلا قليلا: أي ولا يشهدون القتال إلا قليلا دفعاً عن أنفسهم تهمة النفاق. أشحة عليكم: أي بخلاء لا ينفقون على مشاريعكم الخيرية كنفقة الجهاد وعلى الفقراء. تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت: أي تدور أعينهم من شدة الخوف لجبنهم كالمحتضر الذي يغشى عليه أي يغمى عليه من آلام سكرات الموت. سلقوكم بألسنة حداد: أي آذوكم بألسنة ذربة حادة كأنها الحديد وذلك بكثرة كلامهم وتبجحهم بالأقوال دون الأفعال. أشحة على الخير: أي بخلاء بالخير لا يعطونه ولا يفعلونه بل ولا يقولونه حتى القول. أولئك لم يؤمنوا: أي إنهم لم يؤمنوا الإِيمان الصحيح فلذا هم جبناء عند اللقاء بخلاء عند العطاء. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض أحداث غزوة الأحزاب فقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} أي ولقد عاهد أولئك المنافقون الله من قبل غزوة الأحزاب وذلك يوم فروا من غزوة أُحد إذ كانت قبل غزوة الأحزاب بقرابة السَّنتين فقالوا والله لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن ولا نوليّ الأدبار، فذكرهم الله بعهدهم الذي قطعوه على أنفسهم ثم نكثوه، {وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} أي يُسأل عنه صاحبه ويؤاخذ به. وقوله تعالى: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ} أي قل لهم يا رسولنا إنه لن ينفعكم الفرار أي الهروب من الموت أو القتل لأن الآجال محددة ومن لم يمت بالسيف مات بغيره فلا معنى للفرار من القتال إذا وجب وقوله {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي وإذا فررتم من القتال فإِنكم لا تمتعون بالحياة إلا قليلا من الزمن ثم تموتون عند نهاية أعماركم وهي فترة قليلة، فالفرار لا يطيل أعماركم والقتال لا ينقصها، وقوله تعالى {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي قل لهم يا رسولنا تبكيتا لهم، وتأنيبا وتعليما أيضا: من ذا الذي يعصمكم أي يجيركم ويحفظكم من الله {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً} أي ما يسوءكم من بلاء وقتل ونحوه {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي سلامة وخيراً فليس هناك من يحول دون وصول ذلك إليكم لأن الله تعالى يجير ولا يُجار عليه وقوله تعالى {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي ولا يجد المخالفون لأمر الله العصاة له ولرسوله من دون الله ولياً يتولاهم فيدفع عنهم ما أراد الله بهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم إذا أراد الله إذلالهم وخُذلانهم لسوء أفعالهم، وقوله تعالى في الآية [18] في هذا السياق {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} أخبرهم تعالى بأنه قد علم المعوقين أي المثبطين عن القتال والمخذلين بما يقولونه سراً في صفوف المؤمنين كالطابور الخامس في الحروب وهم أناس يذكرون في الخفاء عظمة العدو وقوته يرهبون منه ويخذلون عن قتاله. وقوله {وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} أي تعالوا إلينا إلى المدينة واتركوا محمداً وأصحابه يموتون وحدهم فإِنهم لا يزيدون عن أكلة جزور. وقوله {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي ولا يشهد القتال ويحضره أولئك المنافقون المثبطون والذين قالوا إن بيوتنا عورة إلا قليلا إذ يتخلفون في أكثر الغزوات وإن حضروا مرة قتالا فإنما هم يدفعون به معرة التخلف ودفعاً لتهمة النفاق التي لصقت بهم. وقوله تعالى {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} وصفهم بالبخل بعد وصفهم بالجبن وهما شر صفات المرء أي الجبن والبخل أشحة عليكم أي بخلاء لا ينفقون معكم لا على الجهاد ولا على الفقراء والمحتاجين وقوله تعالى {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ} أي بسبب هجوم العدو {رَأَيْتَهُمْ} أيها الرسول {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} لائذين بك {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ} من الخوف {كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} وهو المحتضر يُغمى عليه لما يعاني من سكرات الموت وهذا تصوير هائل لمدى ما عليه المنافقون من الجبن والخوف وعلة هذا هو الكفر وعدم الإِيمان بالقدر والبعث والجزاء. وقوله {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ} أي راحت أسبابه بانتهاء الحرب {سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ} أي سلقكم أولئك الجبناء عند اللقاء أي ضربوكم بألسنة ذربة حادة كالحديد بالمطالبة بالغنيمة أو بالتبجح الكاذب بأنهم فعلوا وفعلوا. وهذا حالهم إلى اليوم. وقوله {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ} أي بخلاء على مشاريع الخير وما ينفق في سبيل الله فلا ينفقون لأنهم لا يؤمنون بالخلف ولا بالثواب والأجر وذلك لكفرهم بالله ولقائه. ولذا قال تعالى {أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ} فسجل عليهم وصف الكفر ورتب عليه نتائجه فقال {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} أي أبطلها فلا يثابون عليها لأنها أعمال مشرك وأعمال المشرك باطلة، وقوله {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} أي إبطال أعمالهم وتخييبهم فيها وحرمانهم من جزائها يسير على الله ليس بالعسير. ولذا هو واقع كما أخبر تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) وجوب الوفاء بالعهد إذ نقض العهد من علامات النفاق. 2) ترك الجهاد خوفاً من القتل عمل غير صالح إذ القتال لا ينقص العمر وتركه لا يزيد فيه. 3) الشح والجبن من صفات المنافقين وهما شر الصفات في الإِنسان. 4) الثرثرة وكثرة الكلام والتبجح بالأقوال من صفات أهل الجبن والنفاق. 5) الكفر محبط للأعمال.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَاهَدُواْ} {ٱلأَدْبَارَ} (15) - وَكَانَ هؤُلاءِ المُسْتَأْذِنُونَ - وَهُمْ بَنُوا حَارِثَةَ - قَدْ هَرَبُوا مِنَ القِتَالِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَفَرُّوا مِنْ لِقَاءِ العَدُوِّ، ثُمَّ تَابُوا وَعَاهَدُوا اللهَ عَلَى أَلاَّ يَعُودُوا إِلى مِثْلِها، وَلاَ يَنْكُصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَمَنْ عَاهَدَ اللهَ فِإِنَّ اللهَ سَيَسْأَلُهُ عَنْ عَهْدِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَجْزِيهِ بِه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {عَاهَدُواْ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 15] أخذ الله عليهم العهد وقَبلوه، وهو ما حدث في بيعة العقبة حين عاهدوا رسول الله على النُّصْرة والمؤازرة. أو: يكون الكلام لقوم فاتتهم بدر وفاتتْهم أُحُد، فقالوا: والله لئن وقفنا في حرب أخرى لنبلونّ فيها بلاءً حسناً. وعَهْد الله هو الشيء الذي تعاهد الله عليه، وأول عهد لك مع الله تعالى هو الإيمان به، وما دُمْتَ قد آمنتَ بالله فانظر إلى ما طلبه منك وما كلَّفك به، وإياك أنْ تُخِلَّ بأمر من أموره، لأن الاختلال في أي أمر تكليفي من الله يُعَد نقصاً في إيمانك بالله، فلا يليق بك أنْ تنقض ما أكَّدته من الأيْمان، بل يلزمك أن توفي به؛ لأنك إنْ وفَّيْتَ بها وُفِّي لك بها أيضاً، فلا تأخذ الأمر من جانبك وحدك، ولكن انظر إلى المقابل. واعلم أن الله مُطلع عليك، يعلم خفايا الضمائر وما تُكِنّه الصدور، فاحذر حينما تعطي العهد أنْ تعطيه وأنت تنوي أنْ تخالفه، إياك أنْ تعطي العهد خداعاً، فربك - سبحانه وتعالى - يعلم ما تفعل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):