Verse. 3549 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

قُلْ لَّنْ يَّنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ اِنْ فَرَرْتُمْ مِّنَ الْمَوْتِ اَوِ الْقَتْلِ وَاِذًا لَّا تُمَـتَّعُوْنَ اِلَّا قَلِيْلًا۝۱۶
Qul lan yanfaAAakumu alfiraru in farartum mina almawti awi alqatli waithan la tumattaAAoona illa qaleelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا» إن فررتم «لا تمتعون» في الدنيا بعد فراركم «إلا قليلا» بقية آجالكم.

16

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ} أي مَن حضر أجلُه مات أو قُتل؛ فلا ينفع الفِرار. {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي في الدنيا بعد الفِرار إلى أن تنقضي آجالكم؛ وكل ما هو آتٍ فقريب. وروى السّاجي عن يعقوب الحضرميّ «وَإذاً لاَ يُمَتَّعُونَ» بياء. وفي بعض الروايات «وإذا لا تمتعوا» نصب بـ«ـإذاً» والرفع بمعنى ولا تمتعون. و«إذاً» ملغاة، ويجوز إعمالها. فهذا حكمها إذا كان قبلها الواو والفاء فإذا كانت مبتدأة نَصَبْت بها فقلت: إذاً أكرمَك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً } إن فررتم {لاَّ تُمَتَّعُونَ } في الدنيا بعد فراركم {إِلاَّ قَلِيلاً } بقية آجالكم.

ابن عطية

تفسير : أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن يخاطبهم بتوبيخ، فأعلمهم بأن الفرار لا ينجيهم من القدر، وأعلمهم أنهم لا يمتعون في تلك الأوطان كثيراً، بل تنقطع أعمارهم في يسير من المدة، و"القليل" الذي استثناه هي مدة الآجال قاله الربيع بن خثيم، ثم وقفهم على عاصم من الله يسندون إليه، ثم حكم بأنهم لا يجدون ذلك ولا ولي ولا نصير من الله عز وجل، وقرأت فرقة "يمتعون" بالياء، وقرأت فرقة "تمتعون" بالتاء على المخاطبة، ثم وبخهم بأن الله يعلم {المعوقين} وهم الذين يعوقون الناس عن نصرة الرسول ويمنعونهم بالأقوال والأفعال من ذلك، ويسعون على الدين، وتقول عاقني أمر كذا وعوّقني إذا بالغت وضعفت الفعل، وأما "القائلون" فاختلف الناس في حالهم، فقال ابن زيد وغيره أراد من كان من المنافقين، يقول لإخوانه في النسب وقرابته {هلم إلينا} أي إلى المنازل والأكل والشرب وترك القتال، وروي أن جماعة منهم فعلت ذلك، وروي أن رجلاً من المؤمنين رجع إلى داره فوجد أخاً له منافقاً بين يديه رغيف وشواء وتين، فقال له: تجلس هكذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال، فقال له أخوه: هلم إلى ما أنا فيه يا فلان ودعنا من محمد فقد والله هلك وما له قبل بأعدائه، فشتمه أخوه وقال: والله لأعرفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الآية قد نزلت. وقالت فرقة بل أراد من كان من المنافقين يداخل كفار قريش من العرب فإنه كان منهم من داخلهم وقال لهم {هلم إلينا} أي إلى المدينة فإنكم تغلبون محمداً وتستأصلونه، فالإخوان على هذا هم في الكفر والمذهب السوء، و {هلم} معناه: الدعاء إلى الشيء، ومن العرب من يستعملها على حد واحد للمذكر المؤنث والمفرد والجميع، وهذا على أنها اسم فعل، هذه لغة أهل الحجاز، ومنه من يجريها مجرى الأفعال فيلحقها الضمائر المختلفة فيقول هلم وهلمي وهلموا، وأصل {هلم} هالمم نقلت حركة الميم إلى اللام فاستغني عن الألف وأدغمت الميم في الميم لسكونها فجاء {هلم}، وهذا مثل تعليل رد من أردد، و {البأس} القتال، و {إلا قليلاً} معناه إلا إتياناً قليلاً، وقلته يحتمل أن يكون لقصر مدته وقلة أزمنته، ويحتمل أن يكون لخساسته وقلة غنائه وأنه رياء وتلميع لا تحقيق.

البقاعي

تفسير : ولما أتم سبحانه ما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم كما دل عليه التعبير بالنبي، استأنف أمره بجوابهم جواباً لمن كأنه قال: ماذا يقال لهم؟ وإجراءً للنصحية على لسانه لما هو مجبول عليه من الشفقة، {قل} أي لهم، وأكد لظنهم نفع الفرار: {لن ينفعكم} أي في تأخير آجالكم في وقت من الأوقات {الفرار} أي الذي ما كان استئذانكم إلا بسببه {إن فررتم من الموت} أي بغير عدو {أو القتل} لأن الأجل إن كان قد حضر، لم يتأخر بالفرار وإلا لم يقصره الثبات كما كان علي رضي الله عنه يقول: إذا دهم الأمر، وتوقد الجمر، واشتد من الحرب الحر، أيّ يومي من الموت أفر؟ يوم لا يقدر أو يوم قدر، وذلك أن أجل الله الذي أجله محيط بالإنسان لا يقدر أن يتعداه أصلاً {وإذا} أي وإذ فررتم. ولما كانوا لا يقصدون بالعيش إلا التمتع، بين ذلك بالبناء للمجهول فقال: {لا تمتعون} أي تمتعاً مبالغاً فيه كما تريدون بما بقي من أعماركم إن كان بقي منها شيء {إلا قليلاً *} بل يتمكن العدو منكم بأدباركم، ومن أموالكم وأحسابكم ودياركم، فيفسد مهما قدر عليه من ذلك فلا تقدرون على تداركه إلا بعد زمان طويل وتعب كبير، بخلاف ما إذا ثبتم وفاء بالعهد وحفظاً للثناء فلاقيتم الأقرن، وقارعتم الفرسان، اعتماداً على ربكم وطاعة لنبيكم، فإن كان الأجل قد أتى لم ينقصكم ذلك شيئاً، ومتم أعزة كراماً، وإلا فزتم بالنصر، وحزتم الأجر، وعشتم بأتم نعمة إلى تمام العمر، فالثبات أبقى للمهج، وأحفظ للعيش البهج. ولما كانوا لما عندهم من التقيد بالوهم، والدوران مع الحس دأب البهم، جديرين بأن يقولوا: بلى ينفعنا لأنا طالما رأينا من هرب فسلم، ومن ثبت فاصطلم، أمره بالجواب عن هذا بقوله: {قل} أي لهم منكراً عليهم: {من ذا الذي يعصمكم} أي يمنعكم {من الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً قبل الفرار وفي حال الفرار وبعده {إن أراد بكم سوءاً} فأناخ بكم نقمه فيرد ذلك السوء عنكم {أو} يهينكم ويقبح جانبكم ويمتهنه بأن يصيبكم بسوء إن {أراد بكم رحمة} فأفادكم نعمه، والرحمة النفع سماه بها لأنه أثرها، قيسوا هذا المعنى على مقاييس عقولكم معتبرين له بما وجدتم من الشقين في جميع أعماركم، هل احترزتم عن سوء إرادة فنفعكم الاحتراز، أو اجتهد غيره في منعكم رحمة منه فتم له أمره أو أوقع الله بكم شيئاً من ذلك فقدر أحد مع بذل الجهد على كشفه بدون إذنه؟ ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك: ذكر السوء أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً، وذكر الرحمة ثانياً دليلاً على حذف ضدها أولاً. ولما كانوا أجمد الناس، أشار سبحانه بكونهم لم يبادروهم بأنفسهم الجواب بما يدل على المناب إلى جمودهم بالعطف على ما علم أن تقديره جواباً من كل ذي بصيرة: لا يعصمهم أحد من دونه من شيء من ذلك، ولا يصيبهم بشيء منه، فقال: {ولا يجدون} أي في وقت من الأوقات {لهم} ونبه على أنه لا شيء إلا وهو في مثبتاً الجار: {من دون الله} وعبر بالاسم العلم إشارة إلى إحاطته بكل وصف جميل، فمن أين يكون لغيره الإلمام بشيء منها إلا بإذنه {ولياً} يواليهم فينفعهم بنوع نفع {ولا نصيراً *} ينصرهم من أمره فيرد ما أراده من السوء عنهم. ولما أخبرهم سبحانه بما علم مما أوقعوه من أسرارهم، وأمره صلى الله عليه وسلم بوعظهم، حذرهم بدوام علمه لمن يخون منهم، فقال محققاً مقرباً من الماضي ومؤذناً بدوام هذا الوصف له: {قد يعلم} ولعله عبر بـ "قد" التي ربما أفهمت في هذه العبارة التقليل، إشارة إلى أنه يكفي من له أدنى عقل في الخوف من سطوة المتهدد احتمال علمه، وعبر بالاسم الأعظم فقال: {الله} إشارة إلى إحاطة الجلال والجمال {المعوقين} أي المثبطين تثبيط تكرية وعقوق، يسرعون فيه إسراع الواقع بغير اختياره {منكم} أي أيها الذين أقروا بالإيمان للناس قاطبة عن إتيان حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم {والقائلين لإخوانهم هلم} أي ائتوا وأقبلوا {إلينا} موهمين أن ناحيتهم مما يقام فيه القتال، ويواظب على صالح الأعمال {ولا} أي والحال أنهم لا {يأتون البأس} أي الحرب أو مكانها {إلا قليلاً} للرياء والسمعة بقدر ما يراهم المخلصون، فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما إليه تسللوا عنهم لواذاً، وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق عياذاً. ولما كانوا يوجهون لكل من أفعالهم هذه وجهاً صالحاً، بين فساد قصدهم بقوله ذاماً غاية الذم بالتعبير الشح الذي هو التناهي في البخل، فهو بخل بما في اليد وأمر للغيب بالبخل فهو بخل إلى بخل خبيث قذر متمادى فيه مسارع إليه {أشحة} أي يفعلون ما تقدم والحال أن كلاً منهم شحيح {عليكم} أي بحصول نفع منهم أو من غيرهم بنفس أو مال. ولما كان التقدير: في حال الأمن، أتبعه بيان حالهم في الخوف فقال: {فإذا جاء الخوف} أي لمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها {رأيتهم} أي أيها المخاطب {ينظرون} وبين بعدهم حساً ومعنى بحرف الغاية فقال: {إليك} أي حال كونهم {تدور} يميناً وشمالاً بإدارة الطرف {أعينهم} أي زائغة رعباً وخوراً، تم شبهها في سرعة تقلبها لغير قصد صحيح فقال: {كالذي} أي كدوران عين الذي، وبين شدة العناية بتصوير ذلك بجعل المفعول عمدة ببناء الفعل له فقال: {يغشى عليه} مبتدئاً غشيانه {من الموت} سنة الله في أن كل من عامل الناس بالخداع، كان قليل الثبات عند القراع؛ ثم ذكر خاصة أخرى لبيان جبنهم فقال: {فإذا ذهب الخوف} أي بذهاب أسبابه {سلقوكم} أي تناولوكم تناولاً صعباً جرأة ووقاحة، ناسين ما وقع منهم عن قرب من الجبن والخور {بألسنة حداد} ذربة قاطعة فصيحة بعد أن كانت عند الخوف في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه، وهذا لطلب العرض الفاني من الغنيمة أو غيرها؛ ثم بين المراد بقوله: {أشحة} أي شحاً مستعلياً {على الخير} أي المال الذي عندهم، وفي اعتقادهم أنه لا خير غيره، شحاً لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء منه، وهذه سنة أخرى في أن من كان صلباً في الرخاء كان رخواً حال الشدة وعند اللقاء، وإنما فسرت الشح بهذا لأن مادته بترتيبها تدور على الجمع الذي انتهى فأشرف على الفساد، من الحشيش والمحشة، وهي الدبر، فهو جمع يتبعه في الأغلب نكد وأذى، ومن لوازم مطلق الجمع القوة فتتبعها الصلابة، فربما نشأت القساوة، وربما نشأت عن الجمع الفرقة فلزمها الرخاوة، فمن الجمع النكد الشح وهو البخل والحرص، وشح النفس حرصها على ما ملكت، قال القزاز: وجمع الشحيح في أقل العدد أشحة، ولم أسمع غيره، وحكى أبو يوسف: أشحاء - بالمد في الكثير، والرجلان يتشاحان عن الأمر - إذا كان كل منهما يريد أن لا يفوته، وزند شحاح: لا يورى، وماء شحاح: نكد غير غمر - لأنه اشتد اجتماعه في مكانه، واشتدت أرضه باجتماع أجزائها فصلبت جداً فضنت به. وأرض شحاح: صلبة، قال القزاز: وبه شبه الزند، والشحشاح: الحاد والسيىء الخلق والماضي في كلام أو سير، والمواظب على الشيء، لأن ذلك من لوازم الحدة الناشئة عن القوة الناشئة عن الجمع، ومن هنا قيل للخطيب البليغ والشجاع والغيور: شحشح وشحشاح، والشحشح من الغربان: الكثير الصوت، ومن الحمير: الخفيف، ومن القطا: السريعة، والشحشاح: الطويل - كأنه جمع طولين، وشحشح البعير في الهدير - إذا لم يخلصه، كأنه جمع إلى الهدير ما ليس بهدير، والشحشحة: صوت الصرد - لكثرة اتصالها، فهي ترجع إلى الحدة التي ترجع إلى القوة الناشئة عن الجمع، وترديد البعير في الهدير والطيران السريع والحذر، فإنه يدل على اجتماع القلب وثقوب الذهن، وامرأة شحشاح - كأنه رجل في قوتها، والمشحشح - كالمسلسل: القليل الخير، وإبل شحائح: قليلة الدر، وذلك من الجمع والصلابة الناشئة عن القساوة والنكد، والشحيح من الأرض ما يسيل من أدنى مطر، لصلابتها وشدة اجتماع بعضها إلى بعض، والشحشح أيضاً من الأرض ما لا يسيل إلا من مطر كثير ضد الأول، وذلك ناظر إلى جمعها للنظر لغوره فيها لما في أجزائها من التفرق الذي تقدم أنه من لوازم الجمع، ومن مطلق الجمع: الفلاة الواسعة - لأنها جامعة لما يراد جمعه، والشحاح: شعاب صغار تدفع الماء إلى الوادي، فهي بمدها جامعة، وبكونها صغاراً نكدة ومجتمعة في نفسها، ومن الجمع: الحشيش، وهو اليابس من العشب، وأصله ما جمع منه. والمحش: الموضع الكثير الحشيش والخير، لأن الجمع ربما نشأ عنه رفق، وكثرة الحشيش يلزمها الرفق بعلفه للدواب، ويكون أرضه طيبة، ومن حش الحشيش: قطعه، وفلاناً: أصلح من حاله، والمال: كثره، وزيداً بعيراً أو ببعير: أعطاه إياه، والحش - بالفتح: المخرج، والمحشة: الدبر، والحش: البستان ذو النخل المجتمع، سمى الخلاء به لأن العرب كانت تقضي الحاجة فيه، وحش طلحة وحش كوكب: موضعان بالمدينة، وحش الولد في البطن: يبس، وأحشت المرأة فهي محش - إذا يبس الولد في جوفها، والحش - بالضم: الولد الهالك في البطن، وحششت الفرس: جمعت له الحشيش، وأحششت الرجل: أعنته على جمع الحشيش، والحشاش: الجوالق فيه الحشيش، وأحش الكلأ: أمكن لأن يُحَش، والمستحشة من النوق التي دقت أوظفتها، أي ما فوق رسغها إلى ساقها، وذلك من من عظمها وكثرة شحمها، واستحش الغصن: طال - كأنه جمع طولين، أو صار بحيث يجمع ورقاً كثيراً، الشيء بالشيء، وحش الودي من النخل: يبس، ومن الجمع: حش الصيد: جمعه من جانبيه، والفرس: ألقى له حشيشاً، قال القزاز: وهو يبس الكلأ، وأصله ما جمع، ومنه: أحشك وتروثني - يضرب لمن أساء إلى من أحسن إليه، ومرت الإبل تحش الأرض. أي تجمع الحشيش، وقيل: هو من سرعة مرها، وفيه مع كثرة الجمع للخطى بتقاربها معنى الحدة، ومنه حش الفرس: أسرع، ومن الإشراف على الفساد: الحش - بالفتح وهو النخل الناقص القصير ليس بمسقي ولا معمور، والحشاشة: رمق النفس، يقال: ما بقي من فلان إلا حشاشة أي رمق يسير يحيي به، وعبارة القاموس، والحشاش والحشاشة، بقية الروح في المريض والجريح, فهذا بين في الإشراف على الفساد كما تقدم, وهو أيضاً من الفرقة التي قد تلزم الجمع ومنه تحشحشوا أي تفرقوا، ومنه قلة الاستحشاش، وهو قلة القوم، ومن الحدة الناشئة عن القوة الناشئة: عن الجمع حششت النار أي أوقدتها وجمعت الحطب إليها، وكل ما قوي بشيء فقد حش به، والمحش: حديدة يوقد بها النار أي تحرك، والشجاع، قال القزاز، وهو محش حرب - إذا كان يسعرها بشجاعته، وحش فلان الحرب - إذا هيجها، ومنه تحشحشوا أي تحركوا، ومن مطلق الحدة: أحششته عن حاجته: أعجلته عنها، ومن الجمع والقوة: حش سهمه بالقذذ - إذا راشه فألزقها من نواحيه، وحشاشاك أن تفعل كذا أي قصاراك أي نهاية جمعك لكل ما تقوى به، وحشاشا كل شيء: جانباه، والحشة - بالضم: القبة العظيمة، لكثرة جمعها وقوة تراصّها. ولما وصفهم سبحانه بهذه الدنايا. أخبر بأن أساسها وأصلها الذي نشأت عنه عدم الوثوق بالله لعدم الإيمان فقال: {أولئك} أي البغضاء البعداء الذين محط أمرهم الدنيا {لم يؤمنوا} أي لم يوجد منهم إيمان بقلوبهم وإن أقرت به ألسنتهم. ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان، سبب عن ذلك قوله: {فأحبط الله} أي بجلاله وتفرده في كبريائه وكماله {أعمالهم} أي أبطل أرواحها، فصارت أجساداً لا أرواح لها، فلا نفع لهم بشيء منها لأنها كانت في الدنيا صوراً مجردة عن الأرواح التي هي القصود الصالحة، فإنهم لا قصد لهم بها إلا التوصل إلى الأعراض الدنيوية، وهذا إعلام بأن من كانت الدنيا أكبر همه فهو غير مؤمن، وأنه يكون خواراً عند الهزاهز، ميالاً إلى دنايا الشجايا والغرائز. ولما كان من عمل عملاً لم يقدر غيره وإن كان أعظم منه أن يبطل نفعه به إلا بسعر شديد، قال تعالى: {وكان ذلك} أي الإحباط العظيم مع ما لهم من الجرأة في الطلب والإلحاف عند السؤال وقلة الأدب {على الله} بما له من صفات العظمة التي تخشع لها الأصوات، وتخرس الألسن الذربات {يسيراً *} لأنه لا نفع إلا منه وهو الواحد القهار، وأما غيره فإنما عسر عليه ذلك، لأن النفع من غيره - وإن كان منه حقيقة - قهره غيره بالشفاعات ووجود النكد أو غيرها عليه، وكأنهم لما ذهب استمرو خاضعين لم يطلقوا ألسنتهم ولا أعلو كلمتهم، فأخبر تعالى تحقيقاً لقوله الماضي في جبنهم أن المانع الذي ذكره لم يزل من عندهم لفرط جبنهم، فقال تحقيقاً لذلك وجواباً لمن ربما قال: قد ذهب الخوف فما لهم ما سلقوا؟: {يحسبون} أي يظنون لضعف عقولهم في هذا الحال، وقد ذهب الخوف، لشدة جبنهم وما رسخ عندهم من الخوف {الأحزاب} وقد علمتم أنهم ذهبوا {لم يذهبوا} بل غابوا خداعاً، وعبر بالحسبان لأنه - كما مضى عن الحرالي في البقرة - ما تقع غلبته فيما هو من نوع ما فطر الإنسان عليه واستقر عادة له، والظن فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم، قال: فكان ضعف علم العالم ظن، وضعف عقل العاقل حسبان. ولما أخبر عن حالهم في ذهابهم، أخبر عن حالهم لو وقع ما يتخوفونه من رجوعهم، فقال معبراً بأداة الشك بشارة لأهل البصائر أنه في عداد المحال: {وإن يأتِ الأحزاب} أي بعد ما ذهبوا {يودّوا} أي يتجدد لهم غاية الرغبة من الجبن وشدة الخوف {لو أنهم بادون} أي فاعلون للبدو وهو الإقامة في البادية على حالة الحل والارتحال {في الأعراب} الذين هم عندهم في محل النقص، وممن تكره مخالطته ولو كان تمنيهم في ذلك الحين محالاً؛ ثم ذكر حال فاعل "بادون" فقال: {يسألون} كل وقت {عن أنبائكم} العظيمة معهم جرياً على ما هم عليه من النفاق ليبقوا لهم عندكم وجهاً، كأنهم مهتمون بكم، يظهرون بذلك تحرقاً على غيبتهم عن هذه الحرب أو ليخفوا غيبتهم ويظهروا أنهم كانوا بينكم في الحرب بأمارة أنه وقع لكم في وقت كذا أو مكان كذا كذا، ويكابروا على ذلك من غير استحياء لأن النفاق صار لهم خلقاً لا يقدرون على الانفكاك عنه، ويرشد إلى هذا المعنى قراءة يعقوب "يسالون" بالتشديد {ولو} أي والحال أنهم لو {كانوا فيكم} أي حاضرين لحربهم {ما قاتلوا} أي معكم {إلا قليلاً} نفاقاً كما فعلوا قبل ذهاب الأحزاب من حضورهم معكم تارة واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى، والتعويق لغيرهم بالفعل كرة، والتصريح بالقول أخرى.

القشيري

تفسير : لأَن الآجالَ لا تأخيرَ لها ولا تقديم عليها، وكما قالوا: "إنّ الهاربَ عمّا هو كائن في كفِّ الطالب يتقلبُ". {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}: فإنّ ما يدّخرُه العبدُ عن الله من مالٍ أو جاهٍ أو نَفيسٍ أو قريب لا يُبارَك له فيه، ولا يجدُ به مَنَعَةً، ولا يُرزقُ منة غبطة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد لهم {لن ينفعكم الفرار} [سود نميدارد شمارا كريختن] {ان فررتم من الموت} [از مرك] {او القتل} [يا از كشتن] فانه لا بد لكل شخص من الفناء والهلاك سواء كان بحتف انف او بقتل سيف فى وقت معين سبق به القضاء وجرى عليه القلم ولا يتغير جدا والقتل فعل يحصل به زهوق الروح. قال الراغب اصل القتل ازالة الروح عن الجسد كالموت لكن اذا اعتبر بفعل المتولى لذلك يقال قتل واذا اعتبر بفوت الحياة يقال موت انتهى. والحتف الهلاك قال على كرم الله وجهه ما سمعت كلمة عربية من العرب الا وقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعته يقول "حديث : مات حتف انفه" تفسير : وما سمعتها من عربى قبله وهو ان يموت الانسان على فراشه لانه سقط لانفه فمات وكانوا يتخيلون ان روح المريض تخرج من انفه فان جرح خرجت من جراحته {واذا لا تمتعون الا قليلا} [التمتيع: برخوردارى دادن] اى وان نفعكم الفرار مثلا فمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع الا تعتيعا اوزمانا قليلا: وبالفارسية [وانكاه كه كريزد زنده نكذار ند شمارا مكرزمانى اندك جه آخر شربت فنا نوشيد نيست وخرقة فوات بوشيدنى] شعر : كه مينهد قدم اندر سراى كون وفساد كه بازروى براه عدم نمى آرد الموت كأس وكل الناس شاربه والقبر باب وكل الناس داخله تفسير : وعمر الدنيا كله قليل فكيف مدة آجال اهلها وقد قال من عرف الحال مقدار عمرك فى جنب عيش الآخرة كنفس واحد. وعن بعض المروانية انه مر بحائط مائل فاسرع فتليت له هذه الآية فقال ذلك القليل اطلب

الطوسي

تفسير : لما اخبر الله تعالى عن المنافقين الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله في الرجوع واعتلوا بأن بيوتهم يخاف عليها، وكذبهم الله في ذلك، وبين أنهم يريدون الهرب، قال لنبيه صلى الله عليه وآله {قل} لهم {لن ينفعكم الفرار إن فررتم} يعني الهرب إن هربتم {من الموت أو القتل} فانه لابد من واحد منهما، وإن هربتم وبقيتم بعده فلا تبقون {ولا تتمتعون إلا قليلاً} من الزمان. ثم لا بد من الموت. والفرار الذهاب عن الشيء خوفاً منه، ومثله الهرب، فرّ يفر فراراً وأفتر إذا باعد بين شفتيه كتباعد الفار، وانما فرق الله بين الموت والقتل لأن القتل غير الموت، فالقتل نقض بينة الحي، والموت ضد الحياة عند من أثبته معنى، والقتل يقدر عليه غير الله، وانما رفع بعد (اذن) لوقوع (اذن) بين الواو والفعل، فصارت بمنزلة ما لم يقع بعده الفعل، كقولك أنا آتيك اذن لانه مما يجوز فيه الالغاء بأنه يصح الاستدراك، كالاستدراك بالظن، وقد اعملت بعد (ان) في قوله: شعر : لا تتركني فيهم شطيراً إني اذن أهلك او اطيرا تفسير : ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم يا محمد من الذي يمنعكم من الله ان اراد أن يفعل بكم سوءاً يعني عذاباً أو اراد بكم رحمة، فان احداً لا يقدر على منعه مما يريد الله فعله به {ولا يجدون} هؤلاء {لهم من دون الله ولياً} ينصرهم {ولا نصيراً} يدفع عنهم، ثم قال تعالى {قد يعلم الله المعوقين منكم} يعني الذين يعوقون غيرهم عن القتال ويثبطونهم عنه، فالتعويق التثبيط والشغل للقعود عن أمر من الأمور، فكأن هؤلاء يدعون اخوانهم من المنافقين إلى القعود عن الجهاد ويشغلونهم لينصرفوا عنه {والقائلين لإخوانهم هلموا إلينا} أي يعلم القائلين لهم تعالوا {ولا يأتون البأس} يعني الحرب {إلا قليلاً} أي ان يكلفوا الحضور إلى القتال فلا يحضرون إلا قدر ما يوهمون أنهم معكم، ولا يقاتلون معكم، فهو تعالى عالم بأحوال هؤلاء، لا يخفى عليه شيء منها. ثم قال {أشحة عليكم} بالغنيمة والنفقة في سبيل الله - في قول قتادة: ومجاهد - ونصبه على تقدير يأتونه أشحة وإن شئت على الذم. وقال ابن اسحاق {أشحة عليكم} بالضغن الذي في أنفسهم، فهو نصب على الحال - في قول الزجاج - وفي قول غيره على المصدر، وتقديره يشحون عليكم اشحة {فإذا جاء الخوف} يعني الفزع {رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} يعني من شدة ما يخافون يلحقهم مثل ما يلحق من شارف الموت وأحواله، ويغشى عليه {فإذا ذهب الخوف} والفزع {سلقوكم بألسنة حداد} أي خصموكم طلباً للغنيمة أشد مخاصمة. وقال الحسن: سلقوكم حاوروكم يقال: خطيب مصقع ومسلق أي بليغ في الخطابة فصيح فيها {أشحة على الخير} يعني الغنيمة. ثم قال {أولئك} يعني من تقدم وصفه {لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم} يعني نفع أعمالهم على وجوه لا يستحق عليها الثواب لانهم لا يقصدون بها وجه الله. ثم قال {وكان ذلك} يعني احباط اعمالهم. وقيل: وكان نفاقهم {على الله يسيراً} قليلا. ثم وصف هؤلاء المنافقين الذين تقدم ذكرهم بالجبن، فقال {يحسبون الأحزاب} الذين انهزموا ورجعوا من شدة فزعهم انهم {لم يذهبوا} بعد. وقيل: لفرط جهلهم يعتقدون انهم لم يذهبوا بعد {وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} أي وإن جاؤا الاحزاب تمنوا أن يكونوا في البوادي مع الاعراب {يسألون عن أنبائكم} أي أخباركم ولا يكونون معكم فيتربصون بكم الدوائر ويتوقعون الهلاك. ثم قال لنبيه {ولو كانوا} يعني هؤلاء المنافقون معكم {وفيكم ما قاتلوا إلا قليلاً} أي قدراً يسيراً ليوهموا أنهم في جملتكم، لا لينصروكم ويجاهدوا معكم. وقال عاصم الجحدري: يساءلون عن انبائكم بتشديد السين بمعنى يتساءلون، فيسأل بعضهم بعضاً، وهو شاذ لا يقرأ به. وقرأ طلحة بن مصرف {يودوا لو أنهم بدى في الأعراب} جمع باد، مثل غاز وغزى، وهي أيضاً شاذة لا يقرء بها. و (هلم) بمعنى أقبل واهل الحجاز يقولون للواحد والاثنين والجمع والانثى (هلم) بلفظ واحد، وانما هي (لم) ضمت اليها (ها) التي للتنبيه، ثم حذفت الألف من (ها) إذ صارا شيئاً واحداً، كقولهم (ويلمه) واصله (ويل أمه) فلما جعلوهما شيئاً واحداً حذفوا، وغيروا. وأما بنوا تميم فيصرفونه تصريف الفعل، فيقولون: هلم يا رجل وهلما يا رجلان، وهلموا يا رجال وهلمي يا امرأة وهلميا يا امرأتان، وهلممن يا نساء، إلا انهم يفتحون آخر الواحد البتة، فيقولون: هلم يا رجل وهلم يا مرأة.

الجنابذي

تفسير : {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ} فانّه لا بدّ من الموت او القتل لكلّ احدٍ ولا ينجو احد من احدهما {وَإِذاً} يعنى اذا فررتم {لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} المثبّطين عن الغزو وعن الموافقة مع الرّسول (ص) ولفظة قد للتّحقيق {وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} منهم او اتياناً او زماناً او بأساً قليلاً والمراد بالبأس الحرب.

اطفيش

تفسير : {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت} حتف الأنف. {أو القتل} فانه لا بد لكم من الموت وليس الفرار منه ذلك يباعد الموت اذا حضر أجله. {وإذاً لا تمتعون إلا قليلا} أي ولو نفعكم الفرار وتأخر عنكم الموت به لم تمتعوا بالحياة الا تمتعا قليلا او إلا زمانا قليلا فتموتون فكيف والفرار لا يؤخر الموت او المعنى انكم اذا فررتم فانما منعكم من الموت عدم حضور اجله وما بينكم وبينه إلا قليل وهو باق الاجل. مر بعض بني مروان بحائظ مائل فأسرع فتليت له الآية فقال: ذلك القليل نطلب. واذاً حرف جواب وقيل ظرف زمان ماض تنوينها عوض عن جملة وقيل هي اذا الظرفية الاستقبالية نونت تعويضا عن الجملة بعدها فحذف الفها للساكن بعده وهو التنوين وهكذا في مثل ذلك.

اطفيش

تفسير : {قل لَن ينْفَعُكم الفِرار} بدفع الموت بلا قتل، بالقتل {إن فَررتُم مِن المَوت} بلا قتل {أو القَتْل} من متعلق بفررتم للابتداء او التعليل، وان علق بالفرار لم يقدر له محذوف، وهو قولى بدفع للموت الخ، ومن على حالها أو البدلية {وإذاً} اى ان نفعكم الفرار لعدم حضور اجلكم {لا تمتَّعون} بالحياة {إلا قليلاً} تمتيعا قليلا، او زمانا قليلا، فتموتون، او تقتلون او ان نفعكم الفرار، ودفع القضاء لم تمتعوا الا قليلا، وهذا فرض للمحال، فان قضاء الله سبحانه لا يدفع، والعمر قليل ولو طال، او للمعنى لا ينفعكم نفعا تاما وهو الدوام، اذ لا بد من الموت او القتل، مر مروانى عن حائط مائل واسرع فتليت له هذه الآية فقال ذلك القليل نطلب، واذا تمهل بعد العاطف كما هنا، وتعمل كما قرئ، واذا لا يمتعوا بالتحتية.

الالوسي

تفسير : {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ } أي لن ينفعكم ذلك ويدفع عنكم ما أبرم في الأزل عليكم من موت أحدكم حتف أنفه أو قتله بسيف ونحوه فإن المقدر كائن لا محالة {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي وإن نفعكم الفرار بأن دفع عنكم ما أبرم عليكم فمتعتم لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً. وهذا من باب فرض المحال ولم يقل: ولو نفعكم إخراجاً للكلام مخرج المماشاة أو إذا نفعكم الفرار فمتعتم بالتأخير بأن كان ذلك معلقاً عند الله تعالى على الفرار مربوطاً به لم يكن التمتيع إلا قليلاً فإن أيام الحياة وإن طالت قصيرة، وعمر تأكله ذرات الدقائق وإن كثر قليل، وقال بعض الأجلة: المعنى لا ينفعكم نفعاً دائماً أو تاماً في دفع الأمرين المذكورين الموت أو القتل بالكلية إذ لا بد لكل شخص من موت حتف أنفه أو قتل في وقت معين لا لأنه سبق به القضاء لأنه تابع للمقضي فلا يكون باعثاً عليه بل لأنه مقتضى ترتب الأسباب والمسببات بحسب جري العادة على مقتضى الحكمة فلا دلالة فيه على أن الفرار لا يغني شيئاً حتى يشكل بالنهي عن الإلقاء إلى التهلكة وبالأمر بالفرار عن المضار. وقوله تعالى: {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } يدل على أن في الفرار نفعاً في الجملة إذ المعنى لا تمتعون على تقدير الفرار إلا متاعاً قليلاً، وفيه ما فيه فتأمل. وذكر الزمخشري أن بعض المروانية مر على حائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب وكأنه مال إلى الوجه الثاني أو إلى ما ذكره البعض في الآية؛ وجواب الشرط لإن محذوف لدلالة ما قبله عليه و {إِذاً } تقدمها هٰهنا حرف عطف فيجوز فيها الإعمال والإهمال لكنه لم يقرأ هنا إلا بالإهمال. / وقرىء بالإعمال في قوله تعالى في سورة [الإسراء: 76] {أية : وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونْ خِلَـٰفَكَ }تفسير : وقرىء {لا يُمَتَّعُونَ } بياء الغيبة.

ابن عاشور

تفسير : جواب عن قولهم {أية : إن بيوتنا عورة}تفسير : [الأحزاب: 13] ولذلك فصِّلت لأنها جرت على أسلوب التقاول والتجاوب، وما بين الجملتين من قوله {أية : ولو دُخِلت عليهم}تفسير : [الأحزاب: 14] إلى قوله {أية : مسؤولاً}تفسير : [الأحزاب: 15] اعتراض كما تقدم. وهذا يرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لهم بالرجوع إلى المدينة وأنه ردّ عليهم بما أمره الله أن يقوله لهم، أي: قد علم الله أنكم ما أردتم إلا الفرار جبناً والفرار لا يدفع عنكم الموت أو القتل، فمعنى نفي نفعه: نفيُ ما يقصد منه لأن نفع الشيء هو أن يحصل منه ما يقصد له. فقوله {من الموت} يتعلق بــــ {الفرار} و{فررتم} وليس متعلقاً بــــ {ينفعكم} لأن متعلق {ينفعكم} غير مذكور لظهوره من السياق، فالفائدة مستغنية عن المتعلق، أي: لن ينفعكم بالنجاة. ومعنى نفي نفع الفرار وإن كان فيه تعاطي سبب النجاة، هذا السبب غير مأذون فيه لوجوب الثبات في وجه العدوّ مع النبي صلى الله عليه وسلم فيتمحض في هذا الفرار مراعاةُ جانب الحقيقة وهو ما قُدر للإنسان من الله إذ لا معارض له، فلو كان الفرار مأذوناً فيه لجاز مراعاة ما فيه من أسباب النجاة؛ فقد كان المسلمون مأمورين بثبات الواحد للعشرة من العدوّ فكان حينئذ الفرار من وجه عشرة أضعافِ المسلمين غير مأذون فيه وأذن فيما زاد على ذلك، ولما نسخ الله ذلك بأن يثبت المسلمون لِضِعف عددهم من العدوّ فالفرار فيما زاد على ذلك مأذون فيه، وكذلك إذا كان المسلمون زحفاً فإن الفرار حرام ساعتئذ. وأحسب أن الأمر في غزوة الخندق كان قبل النسخ فلذلك وبّخ الله الذين أضمروا الفرار فإن عدد جيش الأحزاب يومئذ كان بمقدار أربعة أمثال جيش المسلمين ولم يكن المسلمون يومئذ زحفاً فإن الحالة حالة حصار. ويجوز أن يكون المعنى أيضاً: أنكم إن فررتم فنجوتم من القتل لا ينفعكم الفرار من الموت بالأجل وعسى أن تكون آجالكم قريبة. و{الموت}، أريد به: الموت الزُؤام وهو الموت حتف أنفه لأنه قوبل بالقتل. والمعنى: أن الفرار لا يدفع الموت الذي علم الله أنه يقع بالفار في الوقت الذي علم أن الفار يموت فيه ويقتل فإذا خُيِّل إلى الفارّ أن الفرار قد دفع عنه خطراً فإنما ذلك في الأحوال التي علم الله أنها لا يصيب الفارَّ فيها أذى ولا بدّ له من موت حتف أنفه أو قتل في الإبان الذي علم الله أنه يموت فيه أو يُقتل. ولهذا عقب بجملة {وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً} جواباً عن كلام مقدر دل عليه المذكور، أي إن خيل إليكم أن الفرار نفع الذي فرّ في وقت ما فما هو إلاّ نفع زهيد لأنه تأخير في أجل الحياة وهو متاع قليل، أي: إعطاء الحياة مدة منتهية، فإن {إذن} قد تكون جواباً لمحذوف دل عليه الكلام المذكور، كقول العنبري:شعر : لو كنت من مأزن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبان إذنْ لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إنْ ذو لَوْثَة لاَنا تفسير : فإن قوله: إذن لقام بنصري، جواب وجزاء عن مقدر دل عليه: لم تستبح إبلي. والتقدير: فإن استباحوا إبلي إذَنْ لقام بنصري معشر، وهو الذي أشعر كلام المرزوقي باختياره خلافاً لما في «مغني اللبيب». والأكثر أن {إذن} إن وقعت بعد الواو والفاء العاطفتين أن لا ينصب المضارع بعدها، وورد نصبه نادراً. والمقصود من الآية تخليق المسلمين بخُلق استضعاف الحياة الدنيا وصرف هممهم إلى السعي نحو الكمال الذي به السعادة الأبدية سيراً وراء تعاليم الدين التي تقود النفوس إلى أوج الملَكية.

القطان

تفسير : يعصمكم: يمنعكم. المعوِّقين: المانعين المثبطين عن القتال. هلم الينا: اقبلوا الينا. البأس: الشدة والمراد بها هنا الحرب والقتال. اشحة: جمع شحيح وهو شديد البخل. تدور أعينهم: تدور مُقَلُ أعينهم من شدة الخوف مثل الذي يغشى عليه من الموت. سلقوكم: آذوكم بألسنتهم السليطة. أشحّة على الخير: بخلاء حريصين على مال الغنائم. فأحبط الله أعمالهم: أبطلها. بادون في الأعراب: لو انهم من اهل البادية مع الاعراب. لا يزال القول في غزوة الخندق وما لابَسَها. قل لهم ايها الرسول: لا ينجيكم الفرارُ من الموت او القتل، وانْ نَفَعَكم ظاهراً فلا تتمتعون بتأخير يومكم إلا تمتعا قليلا. وقل لهم: من ذا الذي يحميكم من الله إن أراد بكم رحمة؟ {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}. والله يعلمُ المعوقين الذين يثّبطون الناسَ عن القتال ويمنعونهم، والذين يقولون لإخوانهم هلمُّوا إلينا {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} فلا يَقْرَبون القتالَ إلا زمنا قصيراً ثم يتسلّلون ويهربون الى مساكنهم. ثم ذكر الله بعضَ معايبهم من البُخل والخوف والفخر الكاذب فقال: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}. إنهم بخلاءُ عليكم بالمعونة والانفاق، فإذا طرأ الخوفُ من الحرب رأيتَهم ينظرون إليك بحالة عجيبة، تدور اعينُهم في محاجرها كالذي يقع مغشيّا عليه في حالة الموت. فإذا ذهب الخوف وأمِنتم، {سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} طالبين أن يشارِكوكم في الغنيمة. {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ....أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ} وهم بخلاء في كل خير، حريصون على الغنائم إذا ظفر بها المؤمنون. انهم حين البأس جبناء، وحين الغنيمة أشحاء، {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}.

د. أسعد حومد

تفسير : (16) - فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ المُسْتَأْذِنِينَ الهَارِبينَ مِنْ قِتَالِ العَدُوِّ وَلِقَائِهِ: إِنَّ الفرَارَ مِنَ القِتَالِ لَنْ يَنْفَعَكُمْ وَلَنْ يَدْفَعَ عَنْكُمْ مَا قَضَاهُ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ مَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ، وَإِذَا نَفَعَكُمْ الفِرَارُ فَلَمْ تُقْتَلُوا فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، فَإِنَّ بَقَاءَكُمْ فِي الدُّنيا مَحْدُودُ الأَجَلِ، وَمَتَاعَكُمْ فِيها مَتَاعٌ قَليلٌ، وَسَيَأْتي المَوْتُ في الموعِدِ المُحَدَّدِ لاَ يَتَأَخَّرُ وَلاَ يَتَقَدَّمُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {قُل} [الأحزاب: 16] أي: لهؤلاء الذين يريدون الفرار من المعركة {لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ} [الأحزاب: 16] والقرآن هنا يحتاط لمسألة إزهاق الروح، وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين الموت والقتل؛ لذلك يقول تعالى عن نبيه محمد: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 144]. فالموت لا يقدر عليه إلا واهب الحياة سبحانه، ويكون بنقض الروح أولاً بأمر خالقها، ثم يتبعه نَقْض البنية، أما القتل فيقدر عليه الخَلْق، ويتم أولاً بنقض البنية الذي يترتب عليه إزهاق الروح؛ لأن البنية لم تَعُدْ صالحة لاستمرار الروح فيها، بعد أنْ فقدتْ المواصفات المطلوبة لبقاء الروح. والفرار لن يُجدِي في هذه المسألة؛ لأن لها أجلاً محدداً، سواء أكان بالله واهب الحياة، أو كان بفعل واحد من الخَلْق عصى أمر الله، فهدم البنية التي بناها الله، وما جدوى الفرار من المعركة، وقد رأينا مَنْ شهد المعارك كلها، ثم يموت على فراشه، كخالد بن الوليد الذي يقول: لقد شهدتُ مائة زَحْف أو زهاءها، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برُمْح، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامتْ أعين الجبناء. ثم يناقشهم القرآن: هَبُوا أنكم فررتُم من الموت أو القتل، أتدوم لكم هذه السلامة؟ أتخلدون في هذه الحياة؟ {وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 16] وسرعان ما تنتهي الحياة، وتواجهون الموت الذي لا مَفَرَّ منه، وكلنا ذاهب إلى هذا المصير. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { قُلْ } لهم، لائمًا على فرارهم، ومخبرًا أنهم لا يفيدهم ذلك شيئًا { لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ } فلو كنتم في بيوتكم، لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعكم. والأسباب تنفع، إذا لم يعارضها القضاء والقدر، فإذا جاء القضاء والقدر، تلاشى كل سبب، وبطلت كل وسيلة، ظنها الإنسان تنجيه. { وَإِذًا } حين فررتم لتسلموا من الموت والقتل، ولتنعموا في الدنيا فإنكم { لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا } متاعًا، لا يسوى فراركم، وترككم أمر اللّه، وتفويتكم على أنفسكم، التمتع الأبدي، في النعيم السرمدي. ثم بين أن الأسباب كلها لا تغني عن العبد شيئًا إذا أراده اللّه بسوء، فقال: { قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ } أي: يمنعكم { من اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا } أي: شرًا، { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } فإنه هو المعطي المانع، الضار النافع، الذي لا يأتي بالخير إلا هو، ولا يدفع السوء إلا هو. { وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا } يتولاهم، فيجلب لهم النفع { وَلا نَصِيرًا } أي ينصرهم، فيدفع عنهم المضار. فَلْيَمْتَثِلُوا طاعة المنفرد بالأمور كلها، الذي نفذت مشيئته، ومضى قدره، ولم ينفع مع ترك ولايته ونصرته، وَلِيٌّ ولا ناصر. ثم توَّعد تعالى المخذلين المعوقين، وتهددهم فقال: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ } عن الخروج، لمن [لم] يخرجوا { وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ } الذين خرجوا: { هَلُمَّ إِلَيْنَا } أي: ارجعوا، كما تقدم من قولهم: { يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا }. وهم مع تعويقهم وتخذيلهم { وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ } أي: القتال والجهاد بأنفسهم { إِلا قَلِيلا } فهم أشد الناس حرصًا على التخلف، لعدم الداعي لذلك، من الإيمان والصبر، ووجود المقتضى للجبن، من النفاق، وعدم الإيمان. { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } بأبدانهم عند القتال، وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم. { فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ } نظر المغشى عليه { مِنَ الْمَوْتِ } من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، وخوفًا من إجبارهم على ما يكرهون، من القتال. { فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ } وصاروا في حال الأمن والطمأنينة، { سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة } أي: خاطبوكم، وتكلموا معكم، بكلام حديد، ودعاوى غير صحيحة. وحين تسمعهم، تظنهم أهل الشجاعة والإقدام، { أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ } الذي يراد منهم، وهذا شر ما في الإنسان، أن يكون شحيحًا بما أمر به، شحيحًا بماله أن ينفقه في وجهه، شحيحًا في بدنه أن يجاهد أعداء اللّه، أو يدعو إلى سبيل اللّه، شحيحًا بجاهه، شحيحًا بعلمه، ونصيحته ورأيه. { أُولَئِكَ } الذين بتلك الحالة { لَمْ يُؤْمِنُوا } بسبب عدم إيمانهم، أحبط الله أعمالهم، { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا }. وأما المؤمنون، فقد وقاهم اللّه، شح أنفسهم، ووفقهم لبذل ما أمروا به، من بذل لأبدانهم في القتال في سبيله، وإعلاء كلمته، وأموالهم، للنفقة في طرق الخير، وجاههم وعلمهم. { يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا } أي: يظنون أن هؤلاء الأحزاب، الذين تحزبوا على حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأصحابه، لم يذهبوا حتى يستأصلوهم، فخاب ظنهم، وبطل حسبانهم. { وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابُ } مرة أخرى { يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ } أي: لو أتى الأحزاب مرة ثانية مثل هذه المرة، ودَّ هؤلاء المنافقون، أنهم ليسوا في المدينة، ولا في القرب منها، وأنهم مع الأعراب في البادية، يستخبرون عن أخباركم، ويسألون عن أنبائكم، ماذا حصل عليكم؟ فتبًا لهم، وبعدًا، فليسوا ممن يبالى بحضورهم { وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا } فلا تبالوهم، ولا تأسوا عليهم. { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } حيث حضر الهيجاء بنفسه الكريمة، وباشر موقف الحرب، وهو الشريف الكامل، والبطل الباسل، فكيف تشحون بأنفسكم، عن أمر جاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، بنفسه فيه؟!! فَتأَسَّوْا به في هذا الأمر وغيره. واستدل الأصوليون في هذه الآية، على الاحتجاج بأفعال الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وأن الأصل، أن أمته أسوته في الأحكام، إلا ما دل الدليل الشرعي على الاختصاص به. فالأسوة نوعان: أسوة حسنة، وأسوة سيئة. فالأسوة الحسنة، في الرسول صلى اللّه عليه وسلم، فإن المتأسِّي به، سالك الطريق الموصل إلى كرامة اللّه، وهو الصراط المستقيم. وأما الأسوة بغيره، إذا خالفه، فهو الأسوة السيئة، كقول الكفار حين دعتهم الرسل للتأسِّي [بهم] { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ }. وهذه الأسوة الحسنة، إنما يسلكها ويوفق لها، من كان يرجو اللّه، واليوم الآخر، فإن ما معه من الإيمان، وخوف اللّه، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه، يحثه على التأسي بالرسول صلى اللّه عليه وسلم. لما ذكر حالة المنافقين عند الخوف، ذكر حال المؤمنين فقال: { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ } الذين تحزبوا، ونزلوا منازلهم، وانتهى الخوف، { قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ } في قوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ }. تفسير : { وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } فإنا رأينا، ما أخبرنا به { وَمَا زَادَهُمْ } ذلك الأمر { إِلا إِيمَانًا } في قلوبهم { وَتَسْلِيمًا } في جوارحهم، وانقيادًا لأمر اللّه. ولما ذكر أن المنافقين، عاهدوا اللّه، لا يولون الأدبار، ونقضوا ذلك العهد، ذكر وفاء المؤمنين به، فقال: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ } أي: وفوا به، وأتموه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته، وسبَّلوا أنفسهم في طاعته. { فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ } أي: إرادته ومطلوبه، وما عليه من الحق، فقتل في سبيل اللّه، أو مات مؤديًا لحقه، لم ينقصه شيئًُا. { وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ } تكميل ما عليه، فهو شارع في قضاء ما عليه، ووفاء نحبه ولما يكمله، وهو في رجاء تكميله، ساع في ذلك، مجد. { وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا } كما بدل غيرهم، بل لم يزالوا على العهد، لا يلوون، ولا يتغيرون، فهؤلاء، الرجال على الحقيقة، ومن عداهم، فصورهم صور رجال، وأما الصفات، فقد قصرت عن صفات الرجال. { لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } أي: بسبب صدقهم، في أقوالهم، وأحوالهم، ومعاملتهم مع اللّه، واستواء ظاهرهم وباطنهم، قال اللّه تعالى: {أية : هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } تفسير : الآية. أي: قدرنا ما قدرنا، من هذه الفتن والمحن، والزلازل، ليتبين الصادق من الكاذب، فيجزي الصادقين بصدقهم { وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ } الذين تغيرت قلوبهم وأعمالهم، عند حلول الفتن، ولم يفوا بما عاهدوا اللّه عليه. { إِنْ شَاءَ } تعذيبهم، بأن لم يشأ هدايتهم، بل علم أنهم لا خير فيهم، فلم يوفقهم. { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } بأن يوفقهم للتوبة والإنابة، وهذا هو الغالب، على كرم الكريم، ولهذا ختم الآية باسمين دالين على المغفرة، والفضل، والإحسان فقال: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رحيمًا } غفورًا لذنوب المسرفين على أنفسهم، ولو أكثروا من العصيان، إذا أتوا بالمتاب. { رَحِيمًا } بهم، حيث وفقهم للتوبة، ثم قبلها منهم، وستر عليهم ما اجترحوه. { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا } أي: ردهم خائبين، لم يحصل لهم الأمر الذي كانوا حنقين عليه، مغتاظين قادرين ]عليه[ جازمين، بأن لهم الدائرة، قد غرتهم جموعهم، وأعجبوا بتحزبهم، وفرحوا بِعَدَدِهمْ وعُدَدِهِمْ. فأرسل اللّه عليهم، ريحًا عظيمة، وهي ريح الصبا، فزعزعت مراكزهم، وقوَّضت خيامهم، وكفأت قدورهم وأزعجتهم، وضربهم اللّه بالرعب، فانصرفوا بغيظهم، وهذا من نصر اللّه لعباده المؤمنين. { وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ } بما صنع لهم من الأسباب العادية والقدرية، { وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا } لا يغالبه أحد إلا غُلِبَ، ولا يستنصره أحد إلا غَلَبَ، ولا يعجزه أمر أراده، ولا ينفع أهل القوة والعزة، قوتهم وعزتهم، إن لم يعنهم بقوته وعزته. { وَأَنزلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ } أي عاونوهم { مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } أي: اليهود { مِنْ صَيَاصِيهِمْ } أي: أنزلهم من حصونهم، نزولا مظفورًا بهم، مجعولين تحت حكم الإسلام. { وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ } فلم يقووا على القتال، بل استسلموا وخضعوا وذلوا. { فَرِيقًا تَقْتُلُونَ } وهم الرجال المقاتلون { وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا } مَنْ عداهم من النساء والصبيان. { وَأَوْرَثَكُمْ } أي: غنَّمكم { أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا } أي: أرضا كانت من قبل، من شرفها وعزتها عند أهلها، لا تتمكنون من وطئها، فمكنكم اللّه وخذلهم، وغنمتم أموالهم، وقتلتموهم، وأسرتموهم. { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا } لا يعجزه شيء، ومن قدرته، قدَّر لكم ما قدر. وكانت هذه الطائفة من أهل الكتاب، هم بنو قريظة من اليهود، في قرية خارج المدينة، غير بعيدة، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم، [حين] هاجر إلى المدينة، وادعهم، وهادنهم، فلم يقاتلهم ولم يقاتلوه، وهم باقون على دينهم، لم يغير عليهم شيئًا. فلما رأوا يوم الخندق، الأحزاب الذين تحزبوا على رسول اللّه وكثرتهم، وقلة المسلمين، وظنوا أنهم سيستأصلون الرسول والمؤمنين، وساعد على ذلك، [تدجيل] بعض رؤسائهم عليهم، فنقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ومالؤوا المشركين على قتاله. فلما خذل اللّه المشركين، تفرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، لقتالهم، فحاصرهم في حصنهم، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي اللّه عنه، فحكم فيهم، أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم. فأتم اللّه لرسوله والمؤمنين، المنة، وأسبغ عليهم النعمة، وأَقَرَّ أعينهم، بخذلان من انخذل من أعدائهم، وقتل من قتلوا، وأسر من أسروا، ولم يزل لطف اللّه بعباده المؤمنين مستمرًا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 775 : 2 : 3 - سفين عن الأعمش عن أبي رزين قال، قرأ الربيع بن خُثيم هذه الآية {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} قال، بينهم وبين ذلك القليل. [الآية 16]. 776 : 3 : 4 - سفين عن منصور عن أبي رزين عن الربيع بن خثيم مثله.