Verse. 3550 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

قُلْ مَنْ ذَا الَّذِيْ يَعْصِمُكُمْ مِّنَ اللہِ اِنْ اَرَادَ بِكُمْ سُوْۗءًا اَوْ اَرَادَ بِكُمْ رَحْمَۃً۝۰ۭ وَلَا يَجِدُوْنَ لَہُمْ مِّنْ دُوْنِ اللہِ وَلِيًّا وَّلَا نَصِيْرًا۝۱۷
Qul man tha allathee yaAAsimukum mina Allahi in arada bikum sooan aw arada bikum rahmatan wala yajidoona lahum min dooni Allahi waliyyan wala naseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل من ذا الذي يعصمكم» يجيركم «من الله إن أراد بكم سوءا» هلاكا وهزيمة «أو» يصيبكم بسوء إن «أراد» الله «بكم رحمة» خيرا «ولا يجدون لهم من دون الله» أي غيره «وليا» ينفعهم «ولا نصيرا» يدفع الضُرَّ عنهم.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : بياناً لما تقدم من قوله: {لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ } وقوله: {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ } تقرير لقوله: {مَن ذَا ٱلَّذِى يَعْصِمُكُمْ } أي ليس لكم ولي يشفع لمحبته إياكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} أي يمنعكم منه. {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً} أي هلاكاً. {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي خيراً ونصراً وعافية. {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي لا قريباً ينفعهم ولا ناصراً ينصرهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِى يَعْصِمُكُمْ } يجيركم {مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً } هلاكاً وهزيمة {أَوْ } يصيبكم بسوء إن {أَرَادَ } الله {بِكُمْ رَحْمَةً } خيراً {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {وَلِيّاً } ينفعهم {وَلاَ نَصِيراً } يدفع الضُّرَّ عنهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {سُوءًا} هزيمة والرحمة النصر، أو عذاباً والرحمة الخير، أو قتلاً والرحمة التوبة.

القشيري

تفسير : من الذي يحققُ لكم من دونه مَرْجُوًّا؟ ومن الذي يصرف عنكم دونه عَدُوًّا؟

اسماعيل حقي

تفسير : {قل من ذا الذى يعصمكم} مذهب سيبويه على ان من الاستفهامية مبتدأ وذا خبره والذى صفة او بدل منه: والمعنى بالفارسية [آن كيست كه نكاه دارد شمارا] وذهب بعض النحاة الى كون من خبرا مقدما فالمعنى [كيست آنكه] والعصمة الامساك والحفظ {من الله} اى من قضائه {ان اراد بكم سوأ} بالفارسية [بدى] وهو كل ما يسوء الانسان ويغمه والمراد هنا القتل والهزيمة ونحوهما {او اراد بكم رحمة} من عافية ونصرة وغيرهما مما هو من آثار الرحمة قرينة السوء فى العصمة ولا عصمة الا من السوء لان معناه او يصيبكم بسوء ان اراده بكم رحمة فاختصر الكلام كما فى قوله متقلدا سيفا ورمحا اى ومعتقلا رمحا والاعتقال اخذ الرمح بين الركب والسرج. [وفى التاج] الاعتقال: نيز بميان ساق وركاب برداشتن] {ولا يجدون لهم} اى لانفسهم {من دون الله} متجاوزين الله تعالى {وليا} [دوستى كه نفع رساند] {ولا نصيرا} يدفع الضرر عنهم: وبالفارسية [ونه يا رى كه ضرر باز دارد]. واعلم ان الآية دلت على امور. والاول ان الموت لا بد منه. قال بعضهم [عمر اكر جه دراز بود جون مرك روى نمود آزان درازى جه سود نوح عليه السلام هزار سال درجهان بسر رده است امروز بنج هزار سالست كه مرده است] شعر : دريغا كه بكذشت عمر عزيز بخواهد كذشت اين دمى جند نيز تفسير : قال بعضهم اذا بلغ الرجل اربعين سنة ناداه مناد من السماء دنا فاعدّ زادا. قال الثورى ينبغى لمن كان له عقل اذا اتى عليه عمر النبى عليه السلام ان يهيئ كفنه. قال حاتم الاصم ما من صباح الا ويقول الشيطان لى ما تأكل وما تلبس واين تسكن فاقول له آكل الموت والبس الكفن واسكن القبر. والثانى ان الفرار لا يزيد فى الآجال ومن اسوأ حالا ممن سعى لتبديل الآجال والارزاق ورجا دفع ما قدر له انه لاق وانه لا يقيه منه واق. قال على كرم الله وجهه ان اكرم الموت القتل والذى نفس ابن ابى طالب بيده لالف ضربة بالسيف اهون من موت على فراش فلو لم يكن فى القتل الذى يفر منه الانسان الا الراحة من سكرات الموت لكان فى ذلك ما يوهب الثبات وان لم ينظر الى ما بعده وهو الفوز العظيم وذلك ان شهيد البحر لا الم له اصلا واما شهيد البر فلا يجد من ألم الموت الا كمس قرصة. قال بعضهم الفار مسلم لنفسه والمقاتل مدافع عنها واذا انقضت مدى الاجل فالمنية لابد منها شعر : بروز اجل نيزة جوشن درد زييراهنى بى اجل نكذرد كرت زند كانى نبشتست دير نه مارت كز آيدنه شمشير وتير تفسير : اما تخشى ايها الفار. ان تدركك المنية فتكون من اصحاب النار. اما تخاف ان يأتيك سهم وانت مول فيسكنك دار البوار. اما تخشى ان تؤسر فتفتن عن دينك او ينوّع عذابك ولا شك عند كل ذى لب ان استقبال الموت اذا كان وقته خير من استدباره وقد اشتاق اهل الله الى لقاء الله: قال المولى العارف فى المثنوى شعر : بس رجال ازنقل عالم شادمان وزبقا اش شادمان اين كودكان جونكه آب خوش نديد آن مرغ كور ييش او كوثر نمايد آب شور تفسير : والثالث ان من اتخذ الله وليا ونصيرا نال ما يتمناه قليلا وكثيرا ونصر اميرا وفقيرا وطاب له وقته مطلقا واسيرا فثبت ثبات الجبال وعامل معاملة الرجال. قال بعض العارفين فى الآية اشارة الى مدعيى الطلب فانهم يعاهدون الله من قبل الشروع فى الطلب انهم لا يولون ادبارهم عند المحاربة مع الشيطان وعند الجهاد مع النفس فلما شرعوا فى الحرب والجهاد مع احزاب النفس والشيطان وقد حمل كل حزب منهم اسلحتهم واخذوا خدعات الحرب ومكايدها وهم الشجعان الاقوياء والابطال المجربون وعساكر الطلاب المرضى القلوب وهم بعد اغمار غير مجربى القتال والحروب وان كان لهم الاسلحة ولكنهم بمعزل عن استعمالها لضعفهم وعدم العلم بكيفية الاستعمال فاذا قام الحرب ودام الضرب غلب الاقوياء على الضعفاء وانهزام المرضى على الاصحاء شعر : جالش است وخمره خوردن نيست اين تفسير : فلم يساعدهم الصدق ولم يعاونهم العشق ولم يذكروا حقيقة قوله {وكان عهد الله مسئولا} ولم يتفكروا فى ان الفرار النافع انما هو الى الله لا من الله فمن فر من موت النفس وقتلها بالمجاهدة فلا يتمتع كالبهائم والانعام فى رياض الدنيا الا قليلا ولا يجد بركة عمره بل يكون الفرار سبب قصر العمر نسأل الله سبحانه ان يعصمنا من الفرار من نحو بابه والاقبال على الادبار عن جنابه انه الولى النصير ذو الفضل الكثير

الهواري

تفسير : قال: {قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللهِ} أي: يمنعكم من الله {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً} أي: عذاباً. [وقال بعضهم: القتل أو الهزيمة] {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي: توبة، يعني المنافقين. كقوله: {وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَآءَ} أي: الذين يَموتون على نفاقهم فيعذبهم (أية : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) تفسير : [الأحزاب: 24] أي: أو يمن عليهم بالرجعة فيرجعون عن نفاقهم. [وقال بعضهم: النصر والفتح] قال: {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيّاً} أي: يتولاهم فيدفع العذاب عنهم {وَلاَ نَصِيراً} أي: ينصرهم مما ينزل بهم من العذاب. قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} أي: يعوّق بعضهم بعضاً، أي: إذ يأمر بعضهم بعضاً بالفرار {وَالْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} أي: يأمر بعضهم بعضاً بالفرار. {وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ} أي: القتال {إِلاَّ قَلِيلاً} وإنما قل لأنه إنما كان لغير الله، أي: إنما فعلوه رياء وسمعة، ولم تكن لهم فيه حسبة ولا نية. وهو كقوله: (أية : وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً) تفسير : [النساء: 142] إلا التوحيد الذي كان منهم، وهو قليل إذ لم يكملوه بالعمل الصالح. [قال: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} أي: لا يتركون لكم من حقوقهم من الغنيمة شيئاً]. رجع الكلام إلى أول القتال قبل أن تكون الغنيمة قال: {فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ} يعني القتال {رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} أي: خوفًا من القتال. {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ} أي: فإذا ذهب القتال {سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} أي: صاحوا عليكم. والسلق: الصّياح {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} أي: على الغنيمة. قال الله: {أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا} أي: لم يؤمنوا فيكملوا الإِيمان بالتقوى؛ كقوله: (أية : مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) تفسير : [المائدة: 41]، أي: أقروا بألسنتهم ولم تكن قلوبهم تصبر على العمل بما أقروا به بألسنتهم. قال: {فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ} أي: أبطل حسناتهم لأنهم فعلوا ما فعلوا رياء وسمعة بغير نيّة ولا حسبة. وقال بعضهم: {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} أي: على القتال، أي: لا يقاتلون فيرغبون في الجهاد، ويحتسبون فيه ما يحتسب المؤمن. وتفسير الكلبي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما مسَّهم الحصر والبلاء في الخندق رجع إلى أهله ليُصيب طعاماً أو إداماً، فوجد أخاه يتغدّى تمراً. فدعاه، فقال أخوه المؤمن: قد بخِلت عليَّ وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسك، فلا حاجة لي في طعامك.

اطفيش

تفسير : {قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً} هلاكا او هزيمة او ضراما. {أو أراد بكم رحمة} فان قلت الرحمة شيء مطلوب لا شيء مكروه تطلب العصمة منه فكيف يقال من ذا الذي يعصمكم من الله ان اراد بكم رحمة. قلت: يقدر له ما يوافقه اى او يصيبكم بسوء ان اراد بكم رحمة على طريقة علفتها تبنا وماء اي وسقيتها ماء وقلت سيفا ورمحا فان الرمح لا يقلد أو المراد من يعصمكم من الله ان اراد بكم سوءا او يمنعكم من الرحمة ان اراد بكم رحمة فالرحمة التي قدرت الحقيقة والمذكورة النوع او الفرد ثم رأيت في الكشاف ما يوافق هذا الاخير الذي ظهر لي والحمد لله اذكر ان العصمة منع فتصدق على منع السوء وعلى منع الرحمة لكنه كما ترى لم يقدر شيئا كما قدرت لانه ضمن العصمة معني المنع ويجوز ان يراد بالسوء الاضلال وبالرحمة التوفيق او التوبة. {ولا يجدون لهم من دون الله وليا} ينفعهم ويرحمهم. {ولا نصيرا} يمنع عنهم السوء.

اطفيش

تفسير : {قل من ذا الذي} استفهام نفى {يعصمكُم من الله} من ارادته {إن أراد بكم سُوءاً} شرا {أو أراد بكًم رحمةً} خيرا، ويعصمكم يمنعكم مجاز مرسل لعلاقة الاطلاق والتقييد، فان العصمة منع مما يكره، فاستعملت فى المنع مطلقا بدليل ذكر الرحمة، ومن اجاز استعمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها، وفى معنيين اجاز ان العصمة على ظاهرها باعتبار السوء وبالمنع، هكذا باعتبار الرحمة، وذلك لعدم الحذف اولى من تقدير او يصيبكم بسوء ان اراد بكم سوءا، او بعدم الرحمة ان اراد بكم رحمة، او من ذا الذى يمنع رحمة الله منكم ان اراد بكم رحمة {ولا يَجدُون لهُم مِن دون الله وليا} ينفعهم {ولا نصيرا} يدفع عنهم الضر.

الالوسي

تفسير : {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِى يَعْصِمُكُمْ مّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } استفهام في معنى النفي أي لا أحد يمنعكم من الله عز وجل وقدره جل جلاله أن خيراً وإن شراً فجعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة مع أنه لا عصمة إلا من السوء لما في العصمة من معنى المنع، وجوز أن يكون في الكلام تقدير والأصل قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوأ أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر نظير قوله:شعر : ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً تفسير : فإنه أراد وحاملاً أو ومعتقلاً رمحاً، ويجري نحو التوجيه السابق في الآية، وجوز الطيبـي أن يكون المعنى من الذي يعصمكم من الله أراد بكم سوأ أو من الذي يمنع رحمة الله منكم إن أراد بكم رحمة، وقرينة التقدير ما في {يَعْصِمُكُمْ } من معنى المنع، واختير الأول لسلامته عن حذف جملة بلا ضرورة. {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً } ينفعهم {وَلاَ نَصِيراً } يدفع الضرر عنهم، والمراد الأولى فيجدوه الخ فهو كقوله:شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : اهـ وهو معطوف على ما قبله بحسب المعنى فكأنه قيل: لا عاصم لهم ولا ولي ولا نصير أو الجملة حالية.

ابن عاشور

تفسير : {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِى يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رحمةً} يظهر أن هذه الجملة واقعة موقع التعليل لجملة {أية : لن ينفعكم الفرار إن فررتم} تفسير : الآية [الأحزاب: 16]، فكأنه قيل: فمن ذا الذي يعصمكم من الله، أي: فلا عاصم لكم من نفوذ مراده فيكم. وإعادة فعل {قل} تكرير لأجل الاهتمام بمضمون الجملة. والمعنى: لأن قدرة الله وإرادته محيطة بالمخلوقات فمتى شاء عطّل تأثير الأسباب أو عرقلها بالموانع فإن يشأ شرّاً حرم الانتفاع بالأسباب أو الاتقاء بالموانع فربما أتت الرزايا من وجوه الفوائد، ومتى شاء خيراً خاصاً بأحد لطف له بتمهيد الأسباب وتيسيرها حتى يلاقي من التيسير ما لم يكن مترقباً، ومتى لم تتعلق مشيئته بخصوص أرْسَل الأحوال في مهيعها وخلّى بين الناس وبين ما سَببه في أحوال الكائنات فنال كل أحد نصيباً على حسب فطْنته ومقدرته واهتدائه، فإن الله أودع في النفوس مراتب التفكير والتقدير؛ فأنتم إذا عصيتم الله ورسوله وخذلتم المؤمنين تتعرضون لإرادته بكم السوء فلا عاصم لكم من مراده، فالاستفهام إنكاري في معنى النفي لاعتقادهم أن الحيلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفعهم وأن الفرار يعصمهم من الموت إن كان قتال. وجملة {من ذا الذي يعصمكم} الخ جواب الشرط في قوله {إن أراد بكم سوءاً} الخ، أو دليل الجواب عند نحاة البصرة. والعصمة: الوقاية والمنع مما يكرهه المعصوم. وقوبل السوء بالرحمة لأن المراد سوءٌ خاص وهو السوء المجعول عذاباً لهم على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سوء النقمة فهو سوء خاص مقدّر من الله لأجل تعذيبهم إن أراده، فيجري على خلاف القوانين المعتادة. وعطف {أو أراد بكم رحمة} على {أراد بكم}المجعول شرطاً يقتضي كلاماً مقدراً في الجواب المتقدم، فإن إرادته الرحمة تناسب فعل {يعصمكم} لأن الرحمة مرغوبة. فالتقدير: أو يحرمكم منه إن أراد بكم رحمة، فهو من دلالة الاقتضاء إيجازاً للكلام، كقول الراعي:شعر : إذا ما الغانيات برزنَ يوماً وزجَّجْن الحواجب والعيونا تفسير : تقديره: وكحّلن العيون، لأن العيون لا تزجج ولكنها تكحل حين تزجج الحواجبُ وذلك من التزّين. {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً ولا نَصِيراً} عطف على جملة {قل من ذا الذي يعصمكم}، أو هي معترضة بين أجزاء القول، والتقديران متقاربان لأن الواو الاعتراضية ترجع إلى العاطفة. والكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس هو من قبيل الالتفات. والمقصود لازم الخبر وهو إعلام النبي عليه الصلاة والسلام ببطلان تحيلاتهم وأنهم لا يجدون نصيراً غير الله وقد حرمهم الله النصر لأنهم لم يعقدوا ضمائرهم على نصر دينه ورسوله. والمراد بالولي: الذي يتولى نفعهم، وبالنصير: النصير في الحرب فهو أخص.

د. أسعد حومد

تفسير : (17) - وَقُلْ لَهُمْ: لَيْسَ فِي الأَرْضِ أَحَدُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَ قَضَاءَ اللهِ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِليكُمْ، فَإِنْ أَرَاد اللهُ بِكُمْ شَراً فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَرُدَّهُ عَنْكُمْ، وَلاَ أَنْ يَحُولَ دُونَ وَقُوعِهِ بِكُمْ. وَإِنْ أَرَادَ بِكُمْ خَيْراً وَرَحْمَةً، فَلا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَحُولَ دُونَ وَصُولِ ذلك إِلَيْكُمْ، فَالأَمْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللهِ، يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ. وَلَنْ يَجِدَ هؤلاءِ المُنَافِقُونَ وَلِيّاً لَهُمْ غَيرَ اللهِ، وَلاَ نَاصِراً يَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا قَضَاهُ اللهُ، وَمَا قَدَّرَهُ عَلَيهِمْ مِنْ سُوءٍ وَبَلاَء. يَعْصِمُكُمْ - يَمْنَعُكُمْ مِنْ قَدَرِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المعنى: قل لهم يا محمد مَن الذي {يَعْصِمُكُمْ ..} [الأحزاب: 17] أي: يمنعكم {مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ..} [الأحزاب: 17] كما قال في موضع آخر: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ..} تفسير : [هود: 43]. فإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا عاصمَ لهم؛ لأنه لا يمتنع أحد مع الله؛ لأنه لا يوجد معه سبحانه إله آخر يدفع السوء عن هؤلاء. والإشكال الذي يحتاج إلى توضيح هنا قوله تعالى: {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ..] [الأحزاب: 17] فكيف تكون العصمة من الرحمة؟ قالوا: يعصم هنا بمعنى يمنع، والمعنى: لا يمنع أحد من أعدائكم رحمة الله إنْ أراد الله بكم رحمة. ونلحظ على سياق الآية أنها جاءت بأسلوب الاستفهام، ولم تأْتِ على صورة الخبر، فلم يَقُلْ القرآن لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، لا يُعصَم أحد من الله إنْ أرادكم بسوء، لأن الجملة الخبرية محتملة للصدق وللكذب، إنما شاء الله أن يجعلها جملة إنشائية استفهامية؛ ليقرروا هم بأنفسهم هذه الحقيقة، كأنه تعالى يقول لهم: لقد ارتضيتُ حكمكم أنتم، ولو لم يكُنْ الحق سبحانه واثقاً من أن الجواب لن يأتي إلا: لا أحدَ لَمَا جاء بالأسلوب في صورة استفهام، إذن: فالاستفهام هنا آكد في تقرير صِدْق هذه الجملة. كذلك أنت تلجأ إلى هذا الأسلوب في الردِّ على مَنْ ينكر جميلك، فتقول: ألم أُحْسِن إليك يوم كذا وكذا؟ فلا يملك عندها إلا الإقرار. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [الأحزاب: 17] الولي: هو القريب منك، وأنت لا تُقرِّب منك إلا مَنْ ترجو نفعه، هو الذي يليك أو يُواليك، فحبُّه يسبق الحدث، فإذا ما جاء الحدث حمله حبُّه لك على أنْ يدافع عنك. والنصير: قريب من معنى الولي، ويدافع أيضاً عنك، لكن يأتي دفاعه بعد الحدث، وقد يكون ممَّنْ لا قرابةَ بينك وبينهم. والمعنى: حين يريد الله أحداً بسوء فلن يجد أحداً يمنعه من الله، لا الولّي ولا النصير. ثم يقول الحق سبحانه: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم قال {قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً} [الأحزاب: 17] ومن الذي تحقق لكم من دونه مرجوا أو يمنعه منكم إن أراد بكم رحمة {وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [الأحزاب: 17] لو عرفوه حق المعرفة {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} [الأحزاب: 18] عن قتال النفس وجهادها وهم الهوى والشيطان والدنيا وشهواتها، {وَ} هم {ٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ} وهم الحواس الظاهرة والباطنة والجوارح والأعضاء {هَلُمَّ إِلَيْنَا} أي كونوا أتباعاً لنا لتنتفعوا {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 18] القتال والجهاد مع النفس وأعوانها الملازمة أحكام الشريعة على وفق الطريقة {إِلاَّ قَلِيلاً} من الأركان الظاهرة دفعاً للطعان والجدود. ثم وصف المعوقين عن الطلب والمانعين عن الجهاد، فقال: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} [الأحزاب: 19] بخلاء فيما يصل إليكم يا أرباب الطلب من ثمرات المجاهدات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ} من عذاب الآخرة عند تذكرها {رَأَيْتَهُمْ} أي: رأيت النفس وصفاتها {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ} [الأحزاب: 19] بالحسرة والندامة، وقد طاشت من الرعب قلوبهم وطاحت بضائرهم {كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا} [الأحزاب: 19] جاءت الغفلة و{ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ} أيها الطلاب {سَلَقُوكُمْ} [الأحزاب: 19] إخوان السوء وإخوان الشياطين {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} بأنواع التعريفات وأصناف الفترات {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ} بأن يصيبكم من فضل الله وكرمه {أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ} [الأحزاب: 19] يُشير به إلى مدعي الطلب إذا ارتد عن الطلب، فإن المشايخ قد قالوا: إن مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة؛ ولهذا قال تعالى: {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} [الأحزاب: 19] لأنها لم تكن في إيمان حقيقي بل كان بالتقليد والرياء والسمعة، وكان ذلك الرد والإبطال على الله يسيراً.