Verse. 3551 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

قَدْ يَعْلَمُ اللہُ الْمُعَوِّقِيْنَ مِنْكُمْ وَالْقَاۗىِٕلِيْنَ لِاِخْوَانِہِمْ ہَلُمَّ اِلَيْنَا۝۰ۚ وَلَا يَاْتُوْنَ الْبَاْسَ اِلَّا قَلِيْلًا۝۱۸ۙ
Qad yaAAlamu Allahu almuAAawwiqeena minkum waalqaileena liikhwanihim halumma ilayna wala yatoona albasa illa qaleelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قد يعلم الله المعوقين» المثبطين «منكم والقائلين لإخوانهم هلمَّ» تعالوا «إلينا ولا يأتون البأس» القتال «إلا قليلا» رياء وسمعة.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: { قد يعلم الله المعووقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا ييأتون البأس إلا قليلاً، أشحة عليكم}. أي الذين يثبطون المسلمين ويقولون تعالوا إلينا ولا تقاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم وفيه وجهان أحدهما: أنهم المنافقون الذين كانوا يقولون للأنصار لا تقاتلوا وأسلموا محمداً إلى قريش وثانيهما: اليهود الذين كانوا يقولون لأهل المدينة تعالوا إلينا وكونوا معنا وهلم بمعنى تعال أو احضر ولا تجمع في لغة الحجاز وتجمع في غيرها فيقال للجماعة هلموا وللنساء هلمن، وقوله: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً } يؤيد الوجه الأول وهو أن المراد منهم المنافقون وهو يحتمل وجهين أحدهما: {لاَ يَأْتُونَ *** ٱلْبَأْسَ } بمعنى يتخلفون عنكم ولا يخرجون معكم وحينئذٍ قوله تعالى: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } أي بخلاء حيث لا ينفقون في سبيل الله شيئاً وثانيهما: لا يأتون البأس بمعنى لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم، وقوله: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } أي بأنفسهم وأبدانهم. ثم قال تعالى: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً}. إشارة إلى غاية جبنهم ونهاية روعهم، واعلم أن البخل شبيه الجبن، فلما ذكر البخل بين سببه وهو الجبن والذي يدل عليه هو أن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر / فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك، وأما بالنفس والبدن فكذلك فإن الجبان يخاف قرنه ويتصور الفشل فيجبن ويترك الإقدام، وأما الشجاع فيحكم بالغلبة والنصر فيقدم، وقوله تعالى: {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُم } أي غلبوكم بالألسنة وآذوكم بكلامهم يقولون نحن الذين قاتلنا وبنا انتصرتم وكسرتم العدو وقهرتم ويطالبونكم بالقسم الأوفر من الغنيمة وكانوا من قبل راضين من الغنيمة بالإياب، وقوله: {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ } قيل الخير المال ويمكن أن يقال معناه أنهم قليلو الخير في الحالتين كثيرو الشر في الوقتين في الأول يبخلون، وفي الآخر كذلك. ثم قال تعالى: {أوْلَـئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } يعني لم يؤمنوا حقيقة وإن أظهروا الإيمان لفظاً فأحبط الله أعمالهم التي كانوا يأتون بها مع المسلمين وقوله: {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } إشارة إلى ما يكون في نظر الناظر كما في قوله تعالى: { أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } تفسير : [الروم: 27] وذلك لأن الإحباط إعدام وإهدار، وإعدام الأجسام إذا نظر الناظر يقول الجسم بتفريق أجزائه، فإن من أحرق شيئاً يبقى منه رماد، وذلك لأن الرماد إن فرقته الريح يبقى منه ذرات، وهذا مذهب بعض الناس والحق هو أن الله يعدم الأجسام ويعيد ما يشاء منها، وأما العمل فهو في العين معدوم وإن كان يبقى يبقى بحكمه وآثاره، فإذا لم يكن له فائدة واعتبار فهو معدوم حقيقة وحكماً فالعمل إذا لم يعتبر فهو معدوم في الحقيقة بخلاف الجسم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} أي المعترضين منكم لأن يصدّوا الناس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وهو مشتق من عاقني عن كذا أي صرفني عنه. وعوّق، على التكثير {وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} على لغة أهل الحجاز. وغيرهم يقولون: «هَلُمُّوا» للجماعة، وهَلُمِّي للمرأة؛ لأن الأصل: «ها» التي للتنبيه ضُمت إليها «لَمَّ» ثم حذفت الألف استخفافاً وبُنيت على الفتح. ولم يجز فيها الكسر ولا الضم لأنها لا تنصرف. ومعنى «هَلُم» أقبل؛ وهؤلاء طائفتان؛ أي منكم من يثّبط ويعوّق. والعوق المنع والصرف؛ يقال: عاقه يعوقه عوقاً، وعوّقه واعتاقه بمعنى واحد. قال مقاتل: هم عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه المنافقون. {وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ} فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المنافقون؛ قالوا للمسلمين: ما محمد وأصحابه إلا أَكَلة رأس، وهو هالك ومن معه، فهلم إلينا. الثاني: أنهم اليهود من بني قُريظة؛ قالوا لإخوانهم من المنافقين: هلم إلينا؛ أي تعالوا إلينا وفارقوا محمداً فإنه هالك، وإن أبا سفيان إن ظَفِر لم يُبق منكم أحداً. والثالث: ما حكاه ابن زيد: أن رجلاً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؛ فقال أخوه ـ وكان من أمّه وأبيه ـ: هلم إليّ، قد تُبع بك وبصاحبك؛ أي قد أحيط بك وبصاحبك. فقال له: كذبت، والله لأخبرنه بأمرك؛ وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجده قد نزل عليه جبريل عليه السلام بقوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا}. ذكره الماوَرْدِي والثعلبي أيضاً. ولفظه: قال ابن زيد هذا يوم الأحزاب، انطلق رجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه بين يديه رغيف وشِواء ونبيذ؛ فقال له: أنت في هذا ونحن بين الرماح والسيوف؟ فقال: هَلُمّ إلى هذا فقد تبع لك ولأصحابك، والذي تحلف به لا يستقلّ بها محمد أبداً. فقال: كذبت. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره فوجده قد نزل عليه جبريل بهذه الآية. {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} خوفاً من الموت. وقيل: لا يحضرون القتال إلا رِياءً وسُمْعة.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن إِحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لإخوانهم، أي: أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم: {هَلُمَّ إِلَيْنَا} أي إِلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} أي: بخلاء بالمودة والشفقة عليكم. وقال السدي: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} أي: في الغنائم، {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} أي: من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال، {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} أي: فإِذا كان الأمن، تكلموا كلاماً بليغاً فصيحاً عالياً، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: {سَلَقُوكُمْ} أي: استقبلوكم. وقال قتادة: أما عند الغنيمة، فأشح قوم، وأسوؤه مقاسمة: أعطونا أعطونا، قد شهدنا معكم، وأما عند البأس، فأجبن قوم، وأخذله للحق، وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي: ليس فيهم خير، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم كما قال في أمثالهم الشاعر:شعر : أَفِي السِّلْمِ أَعْياراً جَفاءً وغِلْظَةً وفي الحَرْبِ أمثالَ النساءِ العوارِكِ تفسير : أي: في حال المسالمة كأنهم الحمر، والأعيار جمع عير، وهو الحمار، وفي الحرب كأنهم النساء الحيض، ولهذا قال تعالى: {أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} أي: سهلاً هيناً عنده.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ } المثبّطين {مِنكُمْ وَٱلْقآئِلِينَ لإِخْوٰنِهِمْ هَلُمَّ } تعالَوا {إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ } القتال {إِلاَّ قَلِيلاً } رياء وسمعة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ } يقال: عاقه واعتاقه وعوّقه: إذا صرفه عن الوجه الذي يريده. قال الواحدي: قال المفسرون: هؤلاء قوم من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم قالوا لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحماً لالتقمهم أبو سفيان وحزبه، فخلوهم وتعالوا إلينا. وقيل: إن القائل هذه المقالة اليهود قالوا: {لإِخْوٰنِهِمْ } من المنافقين: {هَلُمَّ إِلَيْنَا } ومعنى {هلم}: أقبل واحضر، وأهل الحجاز يسوون فيه بين الواحد والجماعة والمذكر والمؤنث، وغيرهم من العرب يقولون: هلم للواحد المذكر، وهلمي للمؤنث، وهلما للاثنين، وهلموا للجماعة، وقد مرّ الكلام على هذا في سورة الأنعام {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ } أي الحرب {إِلاَّ قَلِيلاً } خوفاً من الموت. وقيل: المعنى: لا يحضرون القتال إلا رياء وسمعة من غير احتساب {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } أي بخلاء عليكم لا يعاونوكم بحفر الخندق، ولا بالنفقة في سبيل الله، قاله مجاهد وقتادة. وقيل: أشحة بالقتال معكم. وقيل: بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم. وقيل: أشحة بالغنائم إذا أصابوها. قاله السديّ. وانتصابه على الحال من فاعل {يأتون}. أو من {المعوقين}. وقال الفراء: يجوز في نصبه أربعة أوجه: منها النصب على الذم، ومنها بتقدير فعل محذوف، أي يأتونه أشحة. قال النحاس: ولا يجوز أن يكون العامل فيه للمعوقين ولا القائلين؛ لئلا يفرق بين الصلة والموصول. {فَإِذَا جَاء ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ } أي تدور يميناً، وشمالاً وذلك سبيل الجبان إذا شاهد ما يخافه {كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } أي كعين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي نزل به الموت وغشيته أسبابه، فيذهل ويذهب عقله، ويشخص بصره فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم لما يلحقهم من الخوف، ويقال للميت إذا شخص بصره: دارت عيناه، ودارت حماليق عينيه، والكاف نعت مصدر محذوف {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } يقال: سلق فلان فلاناً بلسانه: إذا أغلظ له في القول مجاهراً. قال الفراء: أي: آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذربة. ويقال: خطيب مسلاق ومصلاق: إذا كان بليغاً، ومنه قول الأعشى:شعر : فيهم المجد والسماحة والنجـ ـدة فيهم والخاطب السلاق تفسير : قال القتيبي: المعنى: آذوكم بالكلام الشديد، والسلق الأذى، ومنه قول الشاعر:شعر : ولقد سلقت هوازنا بنو أهل حتى انحنينا تفسير : قال قتادة: معنى الآية: بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة يقولون: أعطنا فإنا قد شهدنا معكم. فعند الغنيمة أشحّ قوم وأبسطهم لساناً، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم. قال النحاس: وهذا قول حسن، وانتصاب {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ } على الحالية من فاعل {سلقوكم}، ويجوز أن يكون نصبه على الذمّ. وقرأ ابن أبي عبلة برفع "أشحة"، والمراد هنا: أنهم أشحة على الغنيمة يشاحون المسلمين عند القسمة، قاله يحيـى بن سلام. وقيل: على المال أن ينفقوه في سبيل الله. قاله السديّ. ويمكن أن يقال معناه: أنهم قليلو الخير من غير تقييد بنوع من أنواعه، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الموصوفين بتلك الصفات {لَمْ يُؤْمِنُواْ } إيماناً خالصاً بل هم منافقون، يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي أبطلها بمعنى أظهر بطلانها لأنها لم تكن لهم أعمال تقتضي الثواب حتى يبطلها الله. قال مقاتل: أبطل جهادهم لأنه لم يكن في إيمان {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } أي وكان ذلك الإحباط لأعمالهم، أو كان نفاقهم على الله هيناً. {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ } يحسب هؤلاء المنافقون لجبنهم أن الأحزاب باقون في معسكرهم لم يذهبوا إلى ديارهم، وذلك لما نزل بهم من الفشل والروع {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ } مرة أخرى بعد هذه المرة {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ } أي يتمنون أنهم في بادية الأعراب لما حلّ بهم من الرهبة، والبادي خلاف الحاضر، يقال: بدا يبدو بداوة إذا خرج إلى البادية {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ } أي عن أخباركم وما جرى لكم، كل قادم عليهم من جهتكم. أو يسأل بعضهم بعضاً عن الأخبار التي بلغته من أخبار الأحزاب ورسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أنهم يتمنون أنهم بعيد عنكم يسألون عن أخباركم من غير مشاهدة للقتال لفرط جبنهم وضعف نياتهم {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً } أي لو كانوا معكم في هذه الغزوة مشاهدين للقتال ما قاتلوا معكم إلا قتالاً قليلاً خوفاً من العار وحمية على الديار. {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } أي قدوة صالحة، يقال: لي في فلاة أسوة، أي لي به، والأسوة من الائتساء، كالقدوة من الاقتداء: اسم يوضع موضع المصدر. قال الجوهري: والأسوة والإسوة بالضم والكسر، والجمع أسى وإسى. قرأ الجمهور {أسوة} بالضم للهمزة، وقرأ عاصم بكسرها، وهما لغتان كما قال الفراء وغيره. وفي هذه الآية عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي لقد كان لكم في رسول الله حيث بذل نفسه للقتال وخرج إلى الخندق لنصرة دين الله أسوة، وهذه الآية وإن كان سببها خاصاً، فهي عامة في كل شيء، ومثلها: {أية : مَا آتَـٰكُمْ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7]، وقوله: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 31]، واللام في {لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ } متعلق بـ {حسنة}، أو بمحذوف هو صفة لـ {حسنة}، أي كائنة لمن يرجو الله. وقيل: إن الجملة بدل من الكاف في لكم، وردّه أبو حيان وقال: إنه لا يبدل من ضمير المخاطب بإعادة الجار. ويجاب عنه بأنه قد أجاز ذلك الكوفيون والأخفش وإن منعه البصريون، والمراد بـ {من كان يرجو الله}: المؤمنون؛ فإنهم الذين يرجون الله ويخافون عذابه، ومعنى يرجون الله: يرجون ثوابه أو لقاءه، ومعنى يرجون اليوم الآخر: أنهم يرجون رحمة الله فيه، أو يصدقون بحصوله وأنه كائن لا محالة، وهذه الجملة تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى {وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً } معطوف على {كان}، أي ولمن ذكر الله في جميع أحواله ذكراً كثيراً، وجمع بين الرجاء لله والذكر له، فإن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بيّن سبحانه ما وقع من المؤمنين المخلصين عند رؤيتهم للأحزاب، ومشاهدتهم لتلك الجيوش التي أحاطت بهم كالبحر العباب فقال: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } الإشارة بقوله: {هذا} إلى ما رأوه من الجيوش، أو إلى الخطب الذي نزل والبلاء الذي دهم، وهذا القول منهم قالوه استبشاراً بحصول ما وعدهم الله ورسوله من مجيء هذه الجنود، وإنه يتعقب مجيئهم إليهم نزول النصر والظفر من عند الله، و «ما» في: {ما وعدنا الله} هي الموصولة، أو المصدرية، ثم أردفوا ما قالوه بقولهم: {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } أي ظهر صدق خبر الله ورسوله {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً } أي ما زادهم ما رأوه إلا إيماناً بالله وتسليماً لأمره. قال الفراء: ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيماناً وتسليماً. قال عليّ بن سليمان: {رأى} يدل على الرؤية وتأنيث الرؤية غير حقيقي، والمعنى: ما زادهم الرؤية إلا إيماناً للرب وتسليماً للقضاء، ولو قال: ما زادتهم لجاز. {مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } أي من المؤمنين المخلصين رجال صدقوا أتوا بالصدق، من صدقني إذا قال الصدق، ومحل {ما عاهدوا الله عليه} النصب بنزع الخافض، والمعنى: أنهم وفوا بما عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة من الثبات معه، والمقاتلة لمن قاتله، بخلاف من كذب في عهده، وخان الله ورسوله وهم المنافقون. وقيل: هم الذين نذروا أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا له ولم يفروا، ووجه إظهار الاسم الشريف، والرسول في قوله: {صَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } بعد قوله: {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } هو قصد التعظيم كما في قول الشاعر:شعر : أرى الموت لا يسبق الموت شيء تفسير : وأيضاً لو أضمرهما، لجمع بين ضمير الله وضمير رسوله في لفظ واحد. وقال: صدقا، وقد ورد النهي عن جمعهما كما في حديث «حديث : بئس خطيب القوم أنت» تفسير : لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى. ثم فصل سبحانه حال الصادقين بما وعدوا الله ورسوله وقسمهم إلى قسمين فقال: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } النحب: ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به، ومنه قول الشاعر:شعر : عشية فرّ الحارثيون بعد ما قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر تفسير : وقال الآخر:شعر : بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا عشية بسطام جرين على نحب تفسير : أي على أمر عظيم. والنحب يطلق على النذر والقتل والموت. قال ابن قتيبة: قضى نحبه أي قتل وأصل النحب: النذر. كانوا يوم بدر نذروا إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا، أو يفتح الله لهم فقتلوا، فقيل: فلان قضى نحبه، أي قتل، والنحب أيضاً الحاجة وإدراك الأمنية، يقول قائلهم: مالي عندهم نحب، والنحب: العهد، ومنه قول الشاعر:شعر : لقد نحبت كلب على الناس أنهم أحقّ بتاج الماجد المتكرّم تفسير : وقال آخر:شعر : قد نحب المجد علينا نحبا تفسير : ومن ورود النحب في الحاجة وإدراك الأمنية قول الشاعر:شعر : أنحب فيقضى أم ضلال وباطل تفسير : ومعنى الآية: أن من المؤمنين رجالاً أدركوا أمنيتهم، وقضوا حاجتهم ووفوا بنذرهم فقاتلوا حتى قتلوا، وذلك يوم أحد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } قضاء نحبه حتى يحضر أجله كعثمان بن عفان وطلحة والزبير وأمثالهم، فإنهم مستمرّون على الوفاء بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقتال لعدوّه، ومنتظرون لقضاء حاجتهم وحصول أمنيتهم بالقتل، وإدراك فضل الشهادة، وجملة: {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً } معطوفة على صدقوا، أي ما غيروا عهدهم الذي عاهدوا الله ورسوله عليه كما غير المنافقون عهدهم، بل ثبتوا عليه ثبوتاً مستمراً، أما الذين قضوا نحبهم فظاهر، وأما الذين ينتظرون قضاء نحبهم فقد استمروا على ذلك حتى فارقوا الدنيا ولم يغيروا ولا بدّلوا. واللام في قوله: {لّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } يجوز أن يتعلق بـ {صدقوا}، أو بـ {زادهم}، أو بـ {ما بدلوا}، أو بمحذوف، كأنه قيل: وقع جميع ما وقع ليجزي الله الصادقين بصدقهم {وَيُعَذّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ إِن شَاء } بما صدر عنهم من التغيير والتبديل، جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء، وأرادوها بسبب تبديلهم وتغييرهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، فكل من الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبها والسعي لتحصيلها، ومفعول {إن شاء}، وجوابها محذوفان، أي إن شاء تعذيبهم عذبهم، وذلك إذا أقاموا على النفاق ولم يتركوه ويتوبوا عنه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } أي لمن تاب منهم، وأقلع عما كان عليه من النفاق. ثم رجع سبحانه إلى حكاية بقية القصة، وما امتنّ به على رسوله والمؤمنين من النعمة فقال: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، وهم الأحزاب، والجملة معطوفة على {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} أو على المقدّر عاملاً في {ليجزي الله الصادقين بصدقهم}، كأنه قيل: وقع ما وقع من الحوادث وردّ الله الذين كفروا، ومحل {بِغَيْظِهِمْ } النصب على الحال، والباء للمصاحبة، أي حال كونهم متلبسين بغيظهم ومصاحبين له، ويجوز أن تكون للسببية، وجملة: {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً } في محل نصب على الحال أيضاً من الموصول، أو من الحال الأولى على التعاقب، أو التداخل. والمعنى: أن الله ردّهم بغيظهم لم يشف صدورهم ولا نالوا خيراً في اعتقادهم، وهو الظفر بالمسلمين، أو لم ينالوا خيراً أيّ خير، بل رجعوا خاسرين لم يربحوا إلا عناء السفر وغرم النفقة {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } بما أرسله من الريح والجنود من الملائكة {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً } على كل ما يريده إذا قال له: كن، كان، عزيزاً غالباً قاهراً لا يغالبه أحد من خلقه ولا يعارضه معارض في سلطانه وجبروته. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: {سَلَقُوكُم } قال: استقبلوكم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه: {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } قال: هيناً. وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر وابن النجار عن عمر في قوله: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } قال: في جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استدلّ بهذه الآية جماعة من الصحابة في مسائل كثيرة اشتملت عليها كتب السنة، وهي خارجة عما نحن بصدده. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ } إلى آخر الآية قال: إن الله قال لهم في سورة البقرة: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء } تفسير : [البقرة: 214] فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق {قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } فتأوّل المسلمون ذلك، فلم يزدهم {إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً }. وأخرج البخاري وغيره عن أنس قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: {مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ }. وأخرج ابن سعد وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي، والبغوي في معجمه، وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال: أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، لئن أراني الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد، ليرينّ الله ما أصنع، فشهد يوم أحد، فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو وأين؟ قال: واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، ونزلت هذه الآية: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه. وقد روي عنه نحوه من طريق أخرى عند الترمذي وصححه والنسائي وغيرهما. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مرّ على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ: {مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } الآية، ثم قال: «حديث : أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردّوا عليه»تفسير : ، وقد تعقب الحاكم في تصحيحه الذهبي، كما ذكر ذلك السيوطي، ولكنه قد أخرج الحاكم حديثاً آخر وصححه. وأخرجه أيضاً البيهقي في الدلائل عن أبي ذرّ قال: "حديث : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد مرّ على مصعب بن عمير مقتولاً على طريقه، فقرأ {مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } الآية»تفسير : . وأخرج ابن مردويه من حديث خباب مثله، وهما يشهدان لحديث أبي هريرة. وأخرج الترمذي وحسنه، وأبو يعلى وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طلحة: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابيّ جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد فقال: «حديث : أين السائل عمن قضى نحبه؟» تفسير : قال الأعرابي: أنا، قال: «حديث : هذا ممن قضى نحبه»تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من حديثه نحوه. وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : طلحة ممن قضى نحبه»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى وأبو نعيم وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سرّه أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة»تفسير : . وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله. وأخرج ابن منده وابن عساكر من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه. وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن عليّ، أن هذه الآية نزلت في طلحة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ } قال: الموت على ما عاهدوا الله عليه، ومنهم من ينتظر الموت على ذلك. وأخرج أحمد والبخاري وابن مردويه عن سليمان بن صرد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «حديث : الآن نغزوهم ولا يغزونا»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ } قال: مات على ما هو عليه من التصديق، والإيمان {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } ذلك {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً } لم يغيروا كما غير المنافقون.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} يعني المثبطين من المنافقين، قيل إنهم عبد الله بن أُبي وأصحابه. {وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِليْنَا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم المنافقون قالوا للمسلمين ما محمد إلا أكلة رأس وهو هالك ومن معه فهلم إلينا. الثاني: أنهم اليهود من بني قريظة قالوا لإخوانهم من المنافقين هلم إلينا أي تعالوا إلينا وفارقوا محمداً فإنه هالك وإن أبا سفيان إن ظفر لم يبق منكم أحداً. الثالث: ما حكاه ابن زيد أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من عند يوم الأحزاب فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف فقال: أنت هكذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف، فقال له أخوه كان من أبيه وأمه. هلّم إليّ قد تُبع بك وبصاحبك أي قد أحيط بك وبصاحبك، فقال له: كذبت والله لأخبرنه بأمرك وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجده قد نزل عليه جبريل عليه السلام بقوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا}. {وَلاَ يَأْتُونَ البََأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} فيه وجهان: أحدهما: لا يحضرون القتال إلا كارهين وإن حضروه كانت أيديهم مع المسلمين وقلوبهم مع المشركين قاله قتادة. الثاني: لا يشهدون القتال إلا رياء وسمعة، قاله السدي، وقد حكي عن الحسن في قوله تعالى:{وَلاَ يَذْكُرُونَ إلاَّ قَلِيلاً} إنما قل لأنه كان لغير الله عز وجل. قوله تعالى: {أَشِحَّةً عَلَيكُمْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أشحة بالخير، قاله مجاهد. الثاني: بالقتال معكم، قاله ابن كامل. الثالث: بالغنائم إذا أصابوها، قاله السدي. الرابع: أشحة بالنفقة في سبيل الله، قاله قتادة. {فَإِذَا جَآءَ الْخَوفُ} فيه قولان: أحدهما: إذا جاء الخوف من قتال العدو إذا أقبل، قاله السدي. الثاني: الخوف من النبي صلى الله عليه وسلم إذا غلب، قاله ابن شجرة. {رَأيْتُهُمْ يَنْظُرُونَ إِليَكَ} خوفاً من القتال على القول الأول، ومن النبي صلى الله عليه وسلم على القول الثاني. {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوتِ} يحتمل وجهين: أحدهما: تدور أعينهم لذهاب عقولهم حتى لا يصح منهم النظر إلى جهة. الثاني: تدور أعينهم لشدة خوفهم حذراً أن يأتيهم القتل من كل جهة. {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} فيه وجهان: أحدهما: أي رفعوا أصواتهم عليكم بألسنة حداد أي شديدة ذربة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَعَنَ اللَّهُ السَّالِقَةَ وَالخَارِقَةُ وَالحَالِقَةَ" تفسير : يعني بالسالقة التي ترفع صوتها بالنياحة والخارقة التي تخرق ثوبها في المصيبة وبالحالقة التي تحلق شعرها. الثاني: معناه آذوكم بالكلام الشديد. والسلق الأذى، قاله ابن قتيبة. قال الشاعر: شعر : ولقد سلقن هوازنا بنواهلٍ حتى انحنينا تفسير : وقال الخليل: سلقته باللسان إذا أسمعته ما يكره وفي سلقهم بألسنةٍ حداد وجهان: أحدهما: نزاعاً في الغنيمة، قاله قتادة. الثاني: جدالاً عن أنفسهم، قاله الحسن. {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: على قسمة الغنيمة، قاله يحيى بن سلام. الثاني: على المال ينفقونه في سبيل الله، قاله السدي. الثالث: على النبي صلى الله عليه وسلم بظفره. {أَوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ} يعني بقلوبهم. {فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} يعني حسناتهم أن يثابوا عليها لأنهم لم يقصدوا وجه الله تعالى بها. {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} فيه وجهان: أحدهما: وكان نفاقهم على الله هيناً. الثاني: وكان إحباط عملهم على الله هيناً.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمُعَوِّقِينَ} المثبطين: ابن أُبي وأصحابه {وَالْقَآئِلِينَ} المنافقون قالوا لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، وهو هالك ومن تبعه فهَلُم إلينا، أو قريظة قالوا لإخوانهم المنافقين: هَلُم إلينا فإن محمداً هالك وإن ظفر بكم أبو سفيان لم يُبق منكم أحداً، أو انصرف يومئذ صحابي فوجد بين يدي أخيه لأبويه رغيفاً وشواء، فقال: أنت هكذا والرسول صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف فقال: هَلُم إليَّ فقد أحيط بك وبصاحبك. فقال: كذبت، وأتى الرسول صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجدها قد نزلت {وَلا يَأْتُونَ} القتال إلا كارهين، أيديهم مع المسلمين وقلوبهم مع المشركين، أو لا يشهدونه إلا رياء وسمعة.

ابن عادل

تفسير : قوله: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً. قوله: "هَلُمَّ" (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو "شُهَدَاءَكُمْ" بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى "احْضَرُوا" وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: "وهَلُمُّوا إِلَيْنَا" أي قربوا أنفسكم إلينا (قال): "وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرِّبْ"، وفي تسميته إياه صوتاً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ. قوله: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ} الحرب "إِلاَّ قَلِيلاً" رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً. قوله: "أَشِحَّةً" العامة على نصبه وفيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ. والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه: أحدها: "وَلاَ يَأْتُونَ" قاله الزجاج. الثاني: "هَلُمَّ إِلَيْنَا". قاله الطبري. الثالث: "يعوقون" مضمراً، قاله الفراء. الرابع: "المُعَوِّقِينَ". الخامس: "القَائِلِينَ" ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما "وَلاَ يَأْتُونَ" فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع "شَحِيحٍ" وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس "فَعِيل" الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس. والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران. فصل المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ} في الرؤوس من الخوف والجبن {كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك. قوله: "يَنْظُرُونَ" في محل (نصب) حال من مفعول "رَأَيْتَهُمْ" لأن الرؤية بصرية. قوله: "تدور" إما حال تانية وإما حال من "يَنْظُرُونَ" "كالَّذِي يُغْشَى" يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون حالاً من: "أَعْينهم" أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت. الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله "ينظرون" تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: {أية : يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المنافِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود "لَمْ يذهبُوا" لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً} {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ} من الخوف والجبن. (قوله): "بَادُونَ" هذه قراءة العامة جمع "باد" وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرًّى.وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: "ضُرَّب". وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة "عُدًّى" وثالثة: "بَدَوا" فعلاً ماضياً. (قوله): "يَسْأَلُونَ" يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل "يَحْسَبُونَ" والعامة على سكون السين بعدها "همزة"، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله: {أية : سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم}تفسير : [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهما شاذة، وإنما هي معروفة بالحسن والأعمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ "يَسَّاءلُونَ" بتشديد السين والأصل "يَتَسَاءَلُونَ" فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً. فصل {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ} أخباركم، وما آل إليه أمركم "وَلَوْ كَانُوا" يعني هؤلاء المنافقين {فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً}. أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: "إِلاَّ قَلِيلاً" أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب. (قوله) تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} قرأ عاصم: "أُسْوَةٌ" بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو "الايتساء" فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم "كان" وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو "لكم" فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من "أُسْوَةٍ"؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو "بكان" على مذهب من يَرَاهُ. الثاني: أن الخبر هو: "فِي رَسُولِ اللَّهِ" و "لَكُمْ" على ما تقدم في "رسول الله" أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ. قوله: {لِّمَن كَانَ يَرْجُو} فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من الكاف في "لَكُمْ" قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من "لكم" كقوله: {أية : ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ}تفسير : [الأعراف: 75]. قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد: شعر : 4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً تفسير : قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: "لكُم" أعمّ مِن: "مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره" ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة "لحَسَنَةٍ". والثالث: أن يتعلق بنفس "حسنة" قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و "كَثِيراً" أي ذِكْراً كَثِيراً. فصل لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ} لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}، وقولهم {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ} وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [البقرة: 214] إلى قوله: {أية : أَلآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}تفسير : [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له. قوله: {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: شعر : 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ ................................ تفسير : ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: "وصدقا"، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على "يَعْصِهِمَا" وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: "حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما" فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقول. قوله: "وَمَا زَادهم" فاعل "زادهم" ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق. وقال مكي ضمير النظر لأن قوله "لما رأى" بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة "وما زادوهم" بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع. قوله: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} ووفوا به. قوله: "صدقوا" صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: "صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة" أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك "صَدَقَنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌو" أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و "ما" بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في "عليه"، وقال مكي "ما" في موضع نصب "بصدقوا" وهي والفعل مصدر تقديره "صَدَقُوا" العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية "ما" المصدرية. (قوله): "قَضَى نَحْبَهُ" النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال: شعر : 4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ تفسير : وقال: شعر : 4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ تفسير : أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم "قَضَى أجله" لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنحيب البكاء معه صوت. فصل قال المفسرون معنى {صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله "فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ" أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب "نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع" إذ مد فلم ينزل {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم. قوله: "لِيَجْزِيَ اللَّهُ" فيه وجهان: أحدهما: أنها لام العلة. والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما "بصَدَقَوا" وإما "بزَادَهُمْ" وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد. {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ} أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: "إنْ شَاءَ" ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ("وأو") وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول "شاء" أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذابهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟!. فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: "ليُعَذِّب" ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: "إنْ شَاءَ" ومعادلته بالتوبة وحرف "أو". قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس "وكان الله غفوراً" حيث ستر ذنبهم و "رحيماً" حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول "ويعذب المنافقين" مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ} وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً "ظفراً" وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً} في ملكه غير محتاج إلى قتالهم "عَزِيزاً" في انتقامه قادراً على استئصال الكفار. قوله: "بغَيْظِهِمْ" يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية. والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ. قوله: {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير المجرور بالإضافة. وجوز الزمخشري فيها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد. قوله: "وَأَنْزَلَ الذينَ" أي أنزل الله الذين "ظَاهَرُوهُمْ" أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين وهم بنو قريظة. قوله: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) "من صَياصِيهِمْ" متعلق "بأنزل" و "من" لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن "صِيصِيَةٌ" ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحاكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ: شعر : 4081 -............................. كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَـدَّدِ تفسير : قوله: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي. قوله: "فريقاً تقتلون" منصوب بما بعده وكذلك "فريقاً" منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة "تَأْسُرُونَ" بضم السين. فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال "وتأسرون فريقاً"؟!. فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله "فريقاً تقتلون" فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في "فريق" الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: "تقتلون فريقاً تقتلون") والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول "تقتلون" سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: "وَفَريقاً تأسرون" فمن سمع "فريقاً" ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ (ظَاهَرُوهُم)} وقوله: "قذف"، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم. فصل فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و "تأسرون فريقاً" وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. قوله: "لم تَطَئُوها" الجملة صفة "لأرضاً" والعامة على همزة مضمومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي "تَطَوْهَا" بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاً على الإسناد كقوله: شعر : 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا .............................. تفسير : فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو "لم تَرَوْهَا" وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير: شعر : 4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم تفسير : قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "حديث : لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده ".

ابو السعود

تفسير : {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ} أي المُثبطين للنَّاسِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهُم المنافقونَ {وَٱلْقَائِلِينَ لإِخْوٰنِهِمْ} من منافِقي المدينةِ {هَلُمَّ إِلَيْنَا} وهو صوتٌ سُمي به فعلٌ متعدَ نحو احضرْ أو قرِّب ويستوي فيه الواحدُ والجماعةُ على لغةِ أهلِ الحجازِ وأما بنُو تميمٍ فيقولون هُلمَّ يا رجلُ وهلمُّوا يا رجالُ أي قرِّبوا أنفسَكم إلينا وهذا يدلُّ على أنَّهم عند هذا القولِ خارجون من المعسكرِ متوجِّهون نحوَ المدينةِ {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ} أي الحرابَ والقتالَ {إِلاَّ قَلِيلاً} أي إتياناً أو زماناً أو بأساً قليلاً فإنَّهم يعتذرون ويُثبطون ما أمكنَ لهم ويخرجون مع المؤمنينَ يُوهمونهم أنَّه معهم ولا تراهُم يبارزون ويُقاتلون إلا شيئاً قليلاً إذا اضطروا إليه كقولِه تعالى: { أية : مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [سورة الأحزاب: الآية 20] وقيل إنَّه من تتمةِ كلامِهم معناه ولا يأتي أصحابُ محمدٍ حربَ الأحزابِ ولا يُقاومونهم إلا قليلاً {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} أي بخلاءُ عليكم بالمعاونةِ أو النَّفقةِ في سبـيلِ الله أو الظَّفرِ والغنيمةِ جمع شحيحٍ ونصبُه على الحاليةِ من فاعلِ يأتُون من المعوقينَ أو على الذمِّ {فَإِذَا جَاء ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ} في أحداقِهم {كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} صفةٌ لمصدرِ ينظرون أو حالٌ من فاعله أو لمصدرِ تدورُ أو حالٌ من أعينُهم أي ينظرون نظراً كائناً كنظرِ المغشيِّ عليه من معالجةِ سكراتِ الموتِ حَذَراً وخَوَراً ولَوذاً بك أو ينظرون كائنين كالذي الخ أو تدورُ أعينُهم دوراناً كائناً كدورانِ عينِه أو تدورُ أعينُهم كائنةً كعينهِ {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ} وحِيزت الغنائمُ {سَلَقُوكُم} ضربُوكم {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} وقالُوا وفروا قسمَتنا فإنَّا قد شاهدناكم وقاتلنا معكُم وبمكاننا غلبتُم عدوَّكم وبنا نُصرتم عليه والسَّلْق البسطُ بقهرٍ باليدِ أو باللِّسانِ. وقُرىء صَلَقوُكم {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ} نُصب على الحاليَّةِ أو الذمِّ ويُؤيده القراءةُ بالرَّفعِ {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بما ذُكر من صفاتِ السُّوء {لَمْ يُؤْمِنُواْ} بالإخلاصِ {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ} أي أظهرَ بطلانَها إذ لم يثبُت لهم أعمالٌ فتبطل أو أبطل تصنعهم ونفاقَهم فلم يبقَ مستتبعاً لمنعفةٍ دنيويةٍ أصلاً {وَكَانَ ذٰلِكَ} الإحباطُ {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} هيناً وتخصيصُ يُسره بالذكرِ مع أنَّ كلَّ شيءٍ عليه تعالى يسيرٌ لبـيانِ أنَّ أعمالَهم حقيقةٌ بأنْ يظهر حبُوطها لكمالِ تعاضدِ الدَّواعِي وعدمِ الصَّوارفِ بالكُلِّيةِ {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} أي هؤلاءِ لجبنِهم يظنُّون أنَّ الأحزابَ لم ينهزمُوا ففرُّوا إلى داخلِ المدينةِ {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} كرَّةً ثانيةً {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى ٱلأَعْرَابِ} تمنَّوا أنَّهم خارجون إلى البدوِ حاصلون بـين الأعرابِ وقُرىء بُدَّى جمع بادٍ كغازٍ وغُزَّى {يُسْـئَلُونَ} كلَّ قادمٍ من جانبِ المدينةِ وقُرىء يُساءلون أي يتساءلُون ومعناه يقولُ بعضُهم لبعضٍ ماذا سمعتَ ماذا بلغكَ أو يتساءلُون الأعرابَ كما يقال رأيتُ الهلالَ وتراءيناهُ فإنَّ صيغةَ التَّفاعلِ قد تُجرَّدُ عن معنى كونِ ما أُسندت إليه فاعلاً من وجهٍ ومفعولاً من وجهٍ ويكتفي بتعدُّدِ الفاعلِ كما في المثالِ المذكورِ ونظائرِه {عَنْ أَنبَائِكُمْ} عمَّا جَرَى عليكم {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ}هذه الكرَّة ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال {مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً} رياءً وخوفاً من التَّعيـيرِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً}. هم الذين كانوا يمتنعون بأنفسهم عن نصرة النبي عليه السلام، ويمنعون غيرهم ليكون جمعُهم أكثرَ وكيدُهم أخفى، وهم لا يعلمون أنّ الله يُطْلِعُ رسولَه عليه السلام عليهم ثم ذَكَرَ وَصْفَهم فقال: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ}. إذا جاء الخوفُ طاشت من الرعبِ عقولهم، وطاحت بصائرهم، وتعطلت عن النصرة جميعُ أعضائهم، وإذا ذهبَ الخوْفُ زَيَّنوا كلامَهم، وقدّموا خداعهم، واحتالوا في أحقاد خِستهم.. أولئك هذه صفاتهم؛ لم يباشر الإيمانُ قلوبهم، ولا صدقوا فيما أظهروا من ادعائهم واستسلامهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قد يعلم الله المعوقين منكم} قد لتأكيد العلم بالتعويق ومرجع العلم الى توكيد الوعيد. والتعويق التثبيط بالفارسية [باز داشتن] يقال عاقه وعوقه اذا صرفه عن الوجه الذى يريده والعائق الصارف عما يراد منه خير ومنه عوائق الدهر والخطاب لمن اظهر الايمان مطلقا. والمعنى قد علم الله المثبطين للناس عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصارفين عن طريق الخير وهم المنافقون ايا من كان منهم {والقائلين لاخوانهم} من منافقى المدينة فالمراد الاخوة فى الكفر والنفاق {هلم الينا} هلم صوت سمى به فعل متعد نحو احضر او اقرب ويستوى فيه الواحد والجمع على لغة اهل الحجاز واما بنو تميم فيقولون هلم يا رجل وهلموا يا رجال وكلمة الى صلة التقريب الذى تضمنه هلم. والمعنى قربوا انفسكم الينا وهذا يدل على انهم عهد هذا القول خارجون عن العسكر متوجهون نحو المدينة فرارا من العدو {قليلا} فانهم يعتذرون ويتأخرون ما امكن لهم او يخرجون من المؤمنين يوهمونهم انهم معهم لا تراهم يبارزون ويقاتلون الاشيئا قليلا اذا اضطروا اليه وهذا على تقدير عدم الفرار

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قد يعلم اللهُ المعوِّقين منكم} أي: يعلم مَنْ يُعوِّقُ عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويَمْنَعُ، وهم المنافقون والمثبطون للناس عن الخروج إلى الغزو، {والقائلين لإخوانهم} في الظاهر؛ من ساكني المدينة من المسلمين: {هَلُمَّ إلينا}؛ تعالوا إلينا، ودعُوا محمداً. ولغة أهل الحجاز في "هلم": أنهم يُسوون فيه بين الواحد والجماعة. وأما بنو تميم فيقولون: هلم يا رجل، وهلموا يا رجال.. وهكذا. {ولا يأتون البأسَ}؛ الحرب {إلا قليلاً}؛ إلا إتياناً قليلاً، أو يحضرون ساعةً، رياءً، ويقفون قليلاً، مقدار ما يرى شهودهم ثم ينصرفون. {أشِحَّةٌ عليكم}؛ جمع شحيح، وهو البخيل، نُصب على الحال من ضمير {يأتون} أي: لا يأتون الحرب؛ بُخلاً عليكم بالمعاونة أو بالنفقة في سبيل الله، أو: في الظفر والغنيمة، أي: عند الظفر وقَسْم الغنيمة. {فإذا جاء الخوفُ} من قِبَلَ العدو، أو: منه صلى الله عليه وسلم، {رأيتهم ينظرون إليك}؛ في تلك الحالة، {تدور أعينُهم} يميناً وشمالاً {كالذي يُغْشى عليه من الموت}؛ كما ينظر المغشي عليه معالجة سكرات الموت؛ حذراً وخوفاً ولِواذاً بك. {فإذا ذهبَ الخوفُ} أي: زال ذلك الخوف وأمِنوا، وحيزت الغنائم {سلقوكم بألسنةٍ حِدَادٍ}؛ خاطبوكم مخاطبة شديدة، وآذوكم بالكلام، يقال: خطيب سِلق: فصيح، ورجل مِسْلق وسَلاَّق: مبالغ في الكلام. يعني: بسطوا ألسنتهم فيكم، وقت قسم الغنيمة، ويقولون: أعطنا؛ فإنا قد شهدنا معكم، وبمكاننا غَلبتم عدوكم. {أشِحَّةً على الخير} أي: خاطبوكم؛ أشحة على المال والغنيمة. فهو حال من فاعل سلقوكم، فهم أشح القوم عند القسم، وأجبنهم عند الحرب، {أولئك لم يؤمنوا} في الحقيقة، بل بالألسنة فقط، {فأحبط اللهُ أعمالهم}؛ أبطلها، بإضمار الكفر مع ما أظهروا من الأعمال الخبيثة، {وكان ذلك} الإحباط {على الله يسيراً}؛ هيناً. الإشارة: هذه صفة منافقي الصوفية، يدخلون معهم على تذبذب، فإذا رأوا قوماً توجهوا لخرق عوائدهم وتخريب ظواهرهم، أو: أرادوا الخروج عن دنياهم، عَوَّقُوهُمْ عن ذلك، وثبطوهم، وكذلك إذا تواجهوا في سفر لشُقة بعيدة؛ ليستتروا بهم، وقالوا لأخوانهم في الطريق: هلم إلينا، ولا يأتون مكان حرب أنفسهم إلا قليلاً. أشحةً بأنفسهم عليكم، فإذا جاء الخوف، وتجلّى لهم الحق تعالى باسمه الجليل؛ بأن نزلت بالفقراء محنة، رأيْتَهُمْ ينظرون إليك، تدور أعينهم، نظر المغشي عليه من الموت، فإذا ذهب الخوف، وجاء النصر والعز؛ سلقوكم بألسنة حداد، وقالوا: إنا كنا معكم، أولئك لا نصيب لهم مما للقوم من الخصوصية. والله تعالى أعلم. ثم تمم وصفهم فقال: {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ...}

اطفيش

تفسير : {قد يعلم الله المعوقين منكم} قد للتحقيق او للتوقع فان المعوقين ومن معهم يتوقعون لازم علم الله بتعريفهم ولازمة هو الاخبار به او جهلوا ان الله يعلم كل شيء فهم يتوقعون هل علم الله تعريفهم ام لا والمعوقون المثبطون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون يقولون لاخوانهم من ساكن المدينة من انصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما محمد واصحابه الا أكلة رأس ولو كانوا لحما لالتهمهم ابو سفيان واصحابه فحلوهم. وألتهم الفصيل ما في الضرع استوفاه وألتهم ابتلع. {والقائلين لإخوانهم هلم إلينا} قيل ان اليهود ارسلت اليهم ما الذي يحملكم على قتل انفسكم بيد ابي سفيان ومعهم انهم ان قدروا في هذه المدة عليكم لم يستبقوا منكم احدا وإنا نشفق لكم انتم اخواننا وجيراننا هلموا الينا فأقبل عبدالله بن ابي وأصحابه على المؤمنين يخوفونهم بأبي سفيان وأصحابه لئن قدروا عليكم لم يبقوا منكم احدا فارجعوا عن محمد فانه يقتل هنا ولا خير عنده انطلقوا الى اخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون الا إيمانا واحتسابا. وهلم اسم فعل بمعنى اقبل ولفظها واحد مع المذكر والمفرد وغيرهما وذلك لغة اهل الحجاز، واما بنوا تميم فهي فعل في لغتهم يقولون هلم عليَّ هلما هلموا هلمن وفسّر بعضهم هلم بالفعل المتعدي مثل احضر بفتح الهمزة وكسر الضاد وقرب بتشديد الراء اي حضروا الينا انفسكم وقربوها الينا. {ولا يأتون البأس} الحرب. {إلا قليلا} الا اتيانا قليلا او الا زمانا قليلا او الا بأسا قليلا رياء وسمعة فهو مفعول مطلق او ظرف زمان او منصوب على الابدال من البأس او الاستثناء وذلكم انهم يعتذرون عن حضور القتال ما امكن ويثبطوهن ما امكن واذا حضروه باضطرار لا يقاتلون الا قليلا وذلك من كلام الله ذم لهم ويجوز ان يكون من كلامهم راجعين الضمير لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اي لا يأتون حرب الاحزاب ولا يقاومونهم الا قليلا والوجه الاول اوضح ويدل له قوله عزّ وجلّ. {أشحة...}.

اطفيش

تفسير : {قد يعلمُ الله المُعوِّقين} المعطلين للناس عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم {منكُم} حال من أل او من المستتر فى معوقين {والقائلين لإخْوانِهِم} فى الكفر، فالفريقان كفار {هَلمَّ} اسم فعل بمعنى اقبلوا او قربوا انفسكم، فحذف مفعوله {إلينا} كان عبدالله بن أبى، ومتعب بن قشير، ومن معهما ممن رجع من الخندق من المنافقين اذا رأوا منافقا او من ضعف ايمانه قالوا له: ويحك اقعد ولا تخرج، او هلم الى رأينا او الى موضعنا البعيد عن وصول السهام، فذلك تعويق، ويكتبون الى اخوانهم فى العجلة او بالنسب فى الاحزاب او الى الاحزاب مطلقا لأخوة فى الدين اقبلوا فانا قد خذلنا محمدا وننتظركم، فهذا قول هلم، او الاخوان الاخوة فى النسب، وهم مسلمون والمعوقون والقائلون هلم كفار، كان المنافقون يقولون للمخلفين من اهل المدينة اقعدوا ما محمد واصحابه الا اكلة رأس بفتح الهمزة والكاف جمع آكل اى عدد قليل يكفيهم راس، او بضم الهمزة واسكان الكاف، اى مقدار رأس مأكول لو كانوا لحما لأكلهم ابو سفيان واصحابه. وعن ابن زيد انصرف رجل من الخندق الى اخيه الشقيق، فوجد عنده نبيذا وشول فقال: انت ها هنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف، فقال: هلم الىّ فقد احيط بك وبصاحبك، والذى يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا، اى لا يرجع الى المدينة، فقال: كذبت، والذى يحلف به لاخبرنه بامرك، فرجع فوجد جبريل قد نزل بهذه الآية، فالاخوة اخوة النسب، والعائق والقائل وللقائل هلم كافر، والجمع لان له اعوانا راضين بقوله لهم: اخوان مسلمون يقولون لهم مثل ذلك، او يصوبون القول لهم، وتحتمل الآية ذلك كله، وقيل: المعوقون والقائلون اليهود واخوانهم المنافقون من اهل المدينة، فالاخوة فى الكفر والجوار وهذا مردود بقوله تعالى: {ولا يأتون} الخ عطف على صلة أل، وهى قائلين فما بعدها اجزاء لها {البأس} الحرب {إلا قَليلاً} زمانا قليلا، او إتيانا قليلا، او بأسا قليلا، فان اليهود لا يقتلون من جهة النبى صلى الله عليه وسلم كثيرا ولا قليلا، وإنما ذلك شأن المنافقين، لا يأتون الحرب الا ان لم يجدوا بداً من اتيانها، وايضا اذا جاءوا ورأى الناس وجوههم رجعوا اذا وجدوا الغفلة، ولا يحضرون البأس الكثير، ويعتذرون فيه بما وجدوا، او اتيان البأس القتال، اى لا يقاتلون، الا قتالا قليلا كقوله تعالى: "أية : ما قاتلوا إلا قليلا"تفسير : [الأحزاب: 20] بل يكفون ايديهم ويكونون من وراء.

الالوسي

تفسير : {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ } أي المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَٱلْقَائِلِينَ لإِخْوٰنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } أي اقبلوا إلينا أو قربوا أنفسكم إلينا، قال ابن السائب: الآية في عبد الله بن أبـي ومعتب بن قشير ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة كانوا إذا جاءهم المنافق قالوا له: ويحك اجلس ولا تخرج ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنا ننتظركم، وقال قتادة: هي في المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم من ساكني المدينة من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه فخلوهم. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن زيد قال: انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب إلى شقيقه فوجد عنده شواء ونبيذاً فقال له: أنت هٰهنا ورسول الله عليه الصلاة والسلام بين الرماح والسيوف فقال: هلم إليَّ فقد أحيط بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبداً فقال: كذبت والذي يحلف به لأخبرنه بأمرك فذهب ليخبره صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل عليه السلام قد نزل بهذه الآية. وقيل: هؤلاء اليهود كانوا يقولون لأهل المدينة: تعالوا إلينا وكونوا معنا، وكأن المراد من أهل المدينة المنافقون منهم المعلوم نفاقهم عند اليهود. و {قَدْ } للتحقيق أو للتقليل وهو باعتبار المتعلق، و {مّنكُمْ } بيان للمعوقين لا صلته كما أشير إليه، والمراد بالأخوة التشارك في الصفة وهو النفاق على القول الأول، والكفر بالنبـي صلى الله عليه وسلم على القول الأخير، والصحبة والجوار وسكنى المدينة على القول الثاني وكذا على القول الثالث فإن ذلك يجامع الأخوة في النسب، وظاهر صيغة الجمع يقتضي أن الآية لم تنزل في ذينك الشقيقين وحدهما فلعلها نزلت فيهما وفي المنافقين القائلين ذلك والأنصار المخلصين المقول لهم، وجواز كونها نزلت في جماعة من الإخوان في النسب مجرد احتمال وإن كان له مستند سمعي فلتحمل الأخوة عليه على الأخوة / في النسب ولا ضير، والقول بجميع الأقوال الأربعة المذكورة وحمل الأخوة على الأخوة في الدين والأخوة في الصحبة والجوار والأخوة في النسب لا يخفى حاله. {وهلم} عند أهل الحجاز يسوي فيه بين الواحد والجماعة، وأما عند تميم فيقال: هلم يا رجل وهلموا يا رجال، وهو عند بعض الأئمة صوت سمي به الفعل، واشتهر أنه يكون متعدياً كهلم شهداءكم بمعنى أحضروا أو قربوا ولازماً كهلم إلينا بناء على تفسيره بأقبلوا إلينا؛ وأما على تفسيره بقربوا أنفسكم إلينا فالظاهر أنه متعد حذف مفعوله، وجوز كونه لازماً وهذا تفسير لحاصل المعنى. وفي «البحر» أن الذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتاً وإنما هو مركب اختلف في أصل تركيبه فقيل: مركب من ها التي للتنبيه ولُمَّ بمعنى أقصد وأقبل وهو مذهب البصريين، وقيل: من هل وأم، والكلام على المختار من ذلك مبسوط في محله. {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ } أي الحرب والقتال وأصل معناه الشدة {إِلاَّ قَلِيلاً } أي إتياناً أو زماناً قليلاً فقد كانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بداً من إتيانه فيأتون ليرى الناس وجوههم فإذا غفلوا عنهم عادوا إلى بيوتهم، ويجوز أن يكون صفة مفعول مقدر كما كان صفة المصدر أو الزمان أي إلا بأساً قليلاً على أنهم يعتذرون في البأس الكثير ولا يخرجون إلا في القليل، وإتيان البأس على هذه الأوجه على ظاهره، ويجوز أن يكون كناية عن القتال، والمعنى ولا يقاتلون إلا قتالاً قليلاً كقوله تعالى: {أية : مَا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً }تفسير : [الأحزاب: 20] وقلته إما لقصر زمانه وإما لقلة غنائه، وأياً ما كان فالجملة حال من {القائلين} وقيل: يجوز أيضاً أن تكون عطف بيان على {قَدْ يَعْلَمُ } وهو كما ترى، وقيل: هي من مقول القول وضمير الجمع لأصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم أي القائلين ذلك والقائلين لا يأتي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلاً، وهذا القول خلاف المتبادر وكأنه ذهب إليه من قال إن الآية في اليهود.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني ناشىء عن قوله {أية : من ذا الذي يعصمكم من الله} تفسير : [الأحزاب: 17] لأن ذلك يثير سؤالاً يهجس في نفوسهم أنهم يُخفون مقاصدهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يشعر بمرادهم من الاستئذان، فأُمر أن يقول لهم {قد يعلم الله المعوِّقين منكم}أي: فالله ينبىء رسوله بكم بأن فِعْل أولئك تعويق للمؤمنين. وقد جعل هذا الاستئناف تخلصاً لذكر فريق آخر مِن المعوّقين. و{قد} مفيد للتحقيق لأنهم لنفاقهم ومَرض قلوبهم يشكّون في لازم هذا الخبر وهو إنباء الله رسوله عليه الصلاة والسلام بهم، أو لأنهم لجهلهم الناشىء عن الكفر يظنون أن الله لا يعلم خفايا القلوب. وذلك ليس بعجيب في عقائد أهل الكفر. ففي «صحيح البخاري» عن ابن مسعود: «اجتمع عند البيت قُرشيان وثقفيّ أو ثقفيان وقرشي كثيرةٌ شُحمُ بطونهم قليلةٌ فِقهُ قلوبهم، فقال أحدهم: أتُرَوْنَ أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله تعالى: {أية : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جُلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون} تفسير : [فصلت: 22] فللتوكيد بحرف التحقيق موقع. ودخول {قد}على المضارع لا يخرجها عن معنى التحقيق عند المحققين من أهل العربية، وأن ما توهموه من التقليل إنما دل عليه المقام في بعض المواضع لا من دلالة {قد،}ومثله إفادة التكثير، وتقدم ذلك عند قوله تعالى {أية : قد نرى تقلب وجهك في السماء} تفسير : في سورة البقرة (144)، وقوله تعالى: {أية : قد يعلم ما أنتم عليه} تفسير : في آخر سورة النور (64). والمعوِّق: اسم فاعل من عَوّق الدال على شدة حصول العَوْق. يقال: عاقه عن كذا، إذا منعه وثبطه عن شيء، فالتضعيف فيه للشدة والتكثير مثل: قطَّع الحبل، إذا قطعه قطعاً كبيرة، {أية : وغلَّقَت الأبواب}تفسير : [يوسف: 23]، أي: أحكمت غلقها. ويكون للتكثير في الفعل القاصر مثل: مَوَّت المال، إذ كثر الموت في الإبل، وطوَّف فلان، إذا أكثر الطواف، والمعنى: يعلم الله الذين يحرصون على تثبيط الناس عن القتال. والخطاب بقوله {منكم} للمنافقين الذين خوطبوا بقوله {أية : لن ينفعكم الفرار}تفسير : [الأحزاب: 16]. ويجوز أن يكون القائلون لإخوانهم {هلمّ إلينا هم المعوِّقين أنفسهم فيكون من عطف صفات الموصوف الواحد، كقوله:شعر : إلى الملك القرْم وابنِ الهمام تفسير : ويجوز أن يكونوا طائفة أخرى وإخوانهم هم الموافقون لهم في النفاق، فالمراد: الأخوة في الرأي والدين. وذلك أن عبد الله بن أُبَيّ، ومعتِّب بن قُشير، ومن معهما من الذين انخذلوا عن جيش المسلمين يوم أُحُد فرجعوا إلى المدينة كانوا يرسلون إلى من بقي من المنافقين في جيش المسلمين يقولون لهم {هلمّ إلينا}أي: ارجعوا إلينا. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين يقولون لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رَأس (أي نفر قليل يأكلون رأس بعير) ولو كانوا لَحْماً لالتهمهم أبو سفيان ومن معه (تمثيلاً بأنهم سهل تغلب أبي سفيان عليهم). و{هلمّ} اسم فعلِ أمر بمعنى أقْبِل في لغة أهل الحجاز وهي الفصحى، فلذلك تلزم هذه الكلمة حالة واحدة عندهم لا تتغير عنها، يقولون: هلمّ، للواحد والمتعدد المذكّر والمؤنّث، وهي فعل عند بني تميم فلذلك يُلحقونها العلامات يقولون: هَلمّ وهلمّي وهَلُما وهَلمُّوا وهلْمُمْن. وتقدم في قوله تعالى {أية : قل هلمّ شهداءكم} تفسير : في سورة الأنعام (150). والمعنى: انخذلوا عن جيش المسلمين وأقبلوا إلينا. وجملة ولا يأتون البأس إلا قليلاً} كلام مستقل فيجوز أن تكون الجملة حالاً من القائلين لإخوانهم {هلمّ إلينا.} ويجوز أن تكون عطفاً على المعوّقين والقائلين لأن الفعل يعطف على المشتق كقوله تعالى {أية : فالمغيرات صُبحاً فأثَرْنَ}تفسير : [العاديات: 3، 4] وقوله: {أية : إنّ المصَّدِّقين والمصَّدِّقات وأقرضوا الله}تفسير : [الحديد: 18]، فالتقدير هنا: قد يعلم الله المعوّقين والقائلين وغيرَ الآتين البأس، أو والذين لا يأتون البأس. وليس في تعدية فعل العلم إلى {لا يأتون}إشكال لأنه على تأويل كما أن عمل الناسخ في قوله {أية : وأقرضوا}تفسير : [الحديد: 18] على تأويل، أي: يعلم الله أنهم لا يأتون البأس إلا قليلاً، أي: يعلم أنهم لا يقصدون بجمع إخوانهم معهم الاعتضادَ بهم في الحرب ولكن عزلهم عن القتال. ومعنى {إلا قليلاً} إلا زماناً قليلاً، وهو زمان حضورهم مع المسلمين المرابطين، وهذا كقوله {أية : فلا يؤمنون إلا قليلاً}تفسير : [النساء: 46]، أي: إيماناً ظاهراً، ومثل قوله تعالى: {أية : أم بظاهر من القول}تفسير : [الرعد: 33]. و{قليلاً} صفة لمصدر محذوف، أي: إتياناً قليلاً، وقلّته تظهر في قلة زمانه وفي قلة غنائه. و{البأس}: الحرب وتقدم في قوله تعالى {أية : لِيُحصِنَكُم من بأسكم} تفسير : في سورة الأنبياء (80). وإتيان الحرب مراد به إتيان أهل الحرب أو موضعها. والمراد: البأس مع المسلمين، أي: مكراً بالمسلمين لا جبْناً. و{أشِحَّة} جمع شحيح بوزن أفعلة على غير قياس وهو فصيح وقياسه أشِحّاء. وضمير الخطاب في قوله {عليكم} للرسول عليه الصلاة والسلام وللمسلمين، وهو انتقال من القول الذي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يقوله لهم إلى كشف أحوالهم للرسول والمسلمين بمناسبة الانتقال من الخطاب إلى الغيبة في قوله {ولا يأتون البأس} وتقدم الشح عند قوله تعالى {أية : وأُحضرت الأنفس الشح} تفسير : في سورة النساء (128). و{أشحةً} حال من ضمير {يأتون} والشحّ: البخل بما في الوسع مما ينفع الغير. وأصله: عدم بذل المال، ويستعمل مجازاً في منع المقدور من النصر أو الإعانة، وهو يتعدّى إلى الشيء المبخول به بالباء وبــــ {على} قال تعالى: {أشّحة على الخير} ويتعدى إلى الشخص الممنوع بــــ {على} أيضاً لما في الشحّ من معنى الاعتداء فتعديته في قوله تعالى {أشحة عليكم} من التعدية إلى الممنوع. والمعنى: يمنعونكم ما في وسعهم من المَال أو المعونة، أي: إذا حضروا البأس منعوا فائدتهم عن المسلمين ما استطاعوا ومن ذلك شحّهم بأنفسهم وكل ما يُشحّ به. ويجوز جعل {على} هنا متعدية إلى المضنون به، أي كما في البيت الذي أنشده الجاحظ:شعر : لقد كنت في قوم عليك أشحة بنفسك إلا أنَّ ما طاح طائح تفسير : وجعل المعنى: أشحة في الظّاهر، أي يظهرون أنهم يخافون عليكم الهلاك فيصدونكم عن القتال ويحسِّنون إليكم الرجوع عن القتال، وهذا الذي ذهب إليه في «الكشاف». وفُرع على وصفهم بالشح على المسلمين قوله {فإذا جاء الخوف} إلى آخره. والمجيء: مجاز مشهور من حدوث الشيء وحصوله. كما قال تعالى {أية : فإذا جاء وعدُ الآخرة}تفسير : [الإسراء: 7]. و{الخوف}: توقع القتال بين الجيشين، ومنه سميت صلاة الخوف. والمقصود: وصفهم بالجبن، أي: إذا رأوا جيوش العدوّ مقبلة رأيتهم ينظرون إليك. والظاهر أن الآية تشير إلى ما حصل في بعض أيام الأحزاب من القتال بين الفرسان الثلاثة الذين اقتحموا الخندق من أضيق جهاته وبين علي بن أبي طالب ومن معه من المسلمين كما تقدم. والخطاب في {رأيتهم} للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقتضي أن هذا حكاية حالة وقعت لا فرض وقوعها ولهذا أتي بفعل {رأيتهم} ولم يقل: فإذا جاء الخوف ينظرون إليك. ونظرهم إليه نظرُ المتفرس فيماذا يصنع ولسان حالهم يقول: ألسنا قد قلنا لكم إنكم لا قبل لكم بقتال الأحزاب فارجعوا، وهم يرونه أنهم كانوا على حق حين يحذرونه قتال الأحزاب، ولذلك خصّ نظرهم بأنه للنبيء صلى الله عليه وسلم ولم يقل: ينظرون إليكم. وجيء بصيغة المضارع ليدل على تكرر هذا النظر وتجدده. وجملة {تدور أعينهم} حال من ضمير {ينظرون} لتصوير هيئة نظرهم نظر الخائف المذعور الذي يحدّق بعينيه إلى جهات يحذر أن تأتيه المصائب من إحداها. والدوْر والدوران: حركة جسم رَحَوِيَّة (أي كحركة الرحى) منتقل من موضع إلى موضع فينتهي إلى حيث ابتدأ. وأحسب أن هذا الفعل وما تصرف منه مشتقات من اسم الدَّار، وهي المكان المحدود المحيط بسكانِه بحيث يكون حولهم. ومنه سميت الدارة لكل أرض تحيط بها جبال. وقالوا: دارت الرحى حول قُطبها. وسموا الصنم: دُوَاراً (بضم الدال وفتحها) لأنه يدور به زائروه كالطواف. وسميت الكعبة دُواراً أيضاً، وسموا ما يحيط بالقمر دارة. وسميت مصيبة الحرب دائرة لأنهم تخيلوها محيطة بالذي نزلت به لا يجد منها مفرّاً، قال عنترة:شعر : ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر في الحرب دائرة على ابنَيْ ضمضم تفسير : فمعنى {تدور أعينهم} أنها تضطرب في أجفانها كحركة الجسم الدائرة من سرعة تنقلها محملقة إلى الجهات المحيطة. وشبه نظرهم بنظر الذي يغشى عليه بسبب النزع عند الموت فإن عينيه تضطربان. وذهاب الخوف مجاز مشهور في الانقضاء، أي: زوال أسبابه بأن يُترك القتال أو يتبين أن لا يقع قتال. وذلك عند انصراف الأحزاب عن محاصرة المدينة كما سيدل عليه قوله {أية : يحسبون الأحزاب لم يذهبوا}تفسير : [الأحزاب: 20]. والسَلْق: قوة الصوت والصياح. والمعنى: رفعوا أصواتهم بالملامة على التعرض لخطر العدوّ الشديد وعدم الانصياع إلى إشارتهم على المسلمين بمسالمة المشركين، وفسر السلق بأذى اللسان. قيل: سأل نافعُ بن الأزرق عبد الله بن عباس عن {سلقوكم} فقال: الطعن باللسان. فقال نافع: هل تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم، أما سمعت قول الأعشى:شعر : فيهم الخصب والسماحة والنجــــ ــــدة فيهم والخَاطب المِسلاق تفسير : و{حِداد}: جمع حديد، وحَديد: كل شيء نافذُ فعلِ أمثاله قال تعالى {أية : فَبَصُرك اليومَ حديد}تفسير : [ق: 22]. وانتصب {أشحة على الخير}على الحال من ضمير الرفع في {سلقوكم}، أي: خاصموكم ولامُوكم وهم في حال كونهم أشحة على ما فيه الخير للمسلمين، أي أن خصامهم إياهم ليس كما يبدو خوفاً على المسلمين واستبقاء عليهم ولكنه عن بغض وحقد؛ فإن بعض اللوم والخصام يكون الدافع إليه حُبّ الملوم وإبداء النصيحة له، وأقوال الحكماء والشعراء في هذا المعنى كثيرة. ويجوز أن يكون الخير هنا هو المال كقوله تعالى {أية : إن ترك خيراً}تفسير : [البقرة: 180] وقوله: {أية : وإنه لحب الخير لشديد}تفسير : [العاديات: 8]، أي: هم في حالة السلم يُسرعون إلى مَلامكم ولا يواسونكم بأمْوالهم للتجهيز للعدوّ إن عاد إليكم. ودخلت {على} هنا على المبخول به. {أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى الله يَسِيراً} جيء باسم الإشارة لقصد تمييزهم بتلك الصفات الذميمة التي أجريت عليهم من قبلُ، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد من الحُكم بعد اسم الإشارة، كقوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} تفسير : في سورة البقرة (5). وقد أجري عليهم حكم انتفاء الإيمان عنهم بقوله {أولئك لم يؤمنوا} كشفاً لدخائلهم لأنهم كانوا يوهمون المسلمين أنهم منهم كما قال تعالى: {أية : وإذا لَقُوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا} تفسير : في سورة البقرة (14). ورتب على انتفاء إيمانهم أن الله أحبط أعمالهم. والإحباط: جعل شيء حَابطاً، فالهمزة فيه للجَعْل مثل الإذهاب. والحَبْط حقيقته: أنه فساد ما يراد به الصلاح والنفع. ويطلق مجازاً على إفساد ما كان نافعاً أو على كون الشيء فاسداً ويظن أنه ينفع يقال: حَبِط حَقُّ فلان، إذا بطل. والإطلاق المجازي ورد كثيراً في القرآن. وفعله من بابَي سَمِع وضَرَب. ومصدره: الحَبْط، واسم المصدر: الحُبُوط. ويقال: أحبط فلان الشيء، إذا أبطله، ومنه إحباط دم القتيل، أي: إبطال حق القود به. فإحباط الأعمال: إبطال الاعتداد بالأعمال المقصود بها القُربة والمظنون بها أنها أعمال صالحة لمانع منع من الاعتداد بها في الدين. وقد صار لفظ الحبط والحبوط من الألفاظ الشرعية الاصطلاحية بين علماء الفقه والكلام، فأطلق على عدم الاعتداد بالأعمال الصالحة بسبب الردة، أي: الرجوع إلى الكفر، أو بسبب زيادة السيئات على الحسنات بحيث يستحق صاحب الأعمال العذاب بسبب زيادة سيئاته على حسناته بحسب ما قدر الله لذلك وهو أعلم به، ومن هذه الجهة عُدّت مسألة الحبوط مع المسائل الكلامية، أو بحيث ينظر في انتفاعه بما فعل من الواجبات عليه إذا ارتد عن الإسلام ثم عاد إلى الإسلام كمن حج ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام، ومن هذه الجهة تُعد مسألة الحبوط في مسائل الفقه، فقال مالك وأبو حنيفة: الردةُ تُحبط الأعمال بمجرد حصولها فإذا عاد إلى الإسلام وكان قد حجّ مثلاً قبل ردّته وجبت عليه إعادة الحج تمسكاً بإطلاق هذه الآية إذ ناطت الحُبوط بانتفاء الإيمان، ولم يريا أن هذا مما يحمل فيه المطلق على المقيّد احتياطاً لأن هذا الحكم راجع إلى الاعتقادات ولا يكفي فيها الظن. وقال الشافعي: إذا رجع إلى الإسلام رجعتْ إليه أعماله الصالحة التي عمِلها قبل الردة تمسكاً بقوله تعالى: أية : ومَن يرتدِدْ منكم عن دينه فيمُت وهو كَافر فأولئك حبِطَتْ أعمالُهُم في الدُّنيا والآخرة} تفسير : في سورة البقرة (217) حملاً للمطلق في آية سورة الأحزاب ونحوها على المقيّد في آية سورة البقرة تغليباً للجانب الفروعي في هذه المسألة على الجانب الاعتقادي. وتعرف هذه المسألة بمسألة الموافاة، أي: استمرار المرتدّ على الردّة إلى انقضاء حياته فيوافي يوم القيامة مرتداً. فمالك وأبو حنيفة لم يريا شرط الموافاة والشافعي اعتبر الموافاة. والمعتزلة قائلون بمثل ما قال به مالك وأبو حنيفة. وحكى الفخر عن المعتزلة اعتبار الموافاة على الكفر، وانظر ما تقدم في قوله تعالى أية : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمُت وهو كافر فأولئك حبِطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} تفسير : في سورة البقرة (217). والمعنى: أنهم لا تنفعهم قرباتهم ولا جهادهم. وجملة {وكان ذلك على الله يسيراً} خبر مستعمل في لازمه وهو تحقيرهم وأن الله لمَّا أخرجهم من حظيرة الإسلام فأحبط أعمالهم لم يعبأ بهم ولا عَدّ ذلك ثلمة في جماعة المسلمين. وكان المنافقون يُدلون بإظهار الإيمان ويحسبون أن المسلمين يعتزون بهم، قال تعالى: {أية : يَمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنُّوا عليّ إسلامكم بل الله يمُنُّ عليكم أن هَداكم للإيمان إن كنتم صادقين}تفسير : [الحجرات: 17].

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقَآئِلِينَ} {لإِخْوَانِهِمْ } (18) - إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ حَقَّ العِلْمِ الذينَ يَقُومُونَ بِتَثْبِيطِ هِمَمِ النَّاسِ عَنِ القِتَالِ والثَّبَاتِ مَعَ رَسُولِ اللهِ، وَيَصْرِفُونَهُمْ عَنْ شُهُودِ الحَربِ مَعَهُ، وَيَعْلَمُ الذينَ يَقُولُونَ لأَصْحَابِهِمْ وَعُشَرائِهِمْ: أَسْرِعُوا إِلينا، وأَقبِلُوا عَلَى مَا نَحْنُ فيهِ مِنْ طِيبِ المُقَامِ فِي الظِّلالِ والثِّمَارِ (هَلُمَّ إِلينا)، وَهُمْ لاَ يَحْضُرُون إِلى مُعَسْكَرِ المُسْلِمِينَ إِلا وَقْتاً قَصِيراً يُثْبِتُونَ فيهِ وُجُودَهُم أَمَامَ النَّاسِ، ثُمَّ يَخْتَفُونَ مُتَسَلِّلِينَ إِذا غَفَلَ النَّاسُ عَنْهُمْ. المُعَوِّقِينَ - المُثَبِّطِينَ مِنْكُمْ عَنِ الرَّسُولِ. هَلُمَّ إلينا - أقْبِلُوا أَوْ قَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ إِلينا. البَأْسَ - الحَرْبَ والقِتَالَ.

الثعلبي

تفسير : {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ} المثبّطين {مِنكُمْ} الناس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم {وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ} تعالوا {إِلَيْنَا} ودُعوا محمّداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنّا نخاف عليكم الهلاك. {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} دفعاً وتغديراً. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمّد وأصحابه إلاّ أكلة رأس ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنّه هالك. قال مقاتل: نزلت في المنافقين، وذلك أنَّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين، فقالوا: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه فإنّهم إنْ قدروا عليكم هذه المرّة لم يستبقوا منكم أحداً، وإنَّا نشفق عليكم، أنتم إخواننا وجيراننا هلمَّ إلينا، فأقبل عبد الله بن أُبيّ وأصحابه على المؤمنين يعوّقونهم ويخوّفونهم بأبي سفيان ومن معه وقالوا: لئن قدروا عليكم هذه المرّة لم يستبقوا منكم أحداً، ما ترجون من محمّد؟ فوالله ما يريدنا بخير وما عنده خير، ما هو إلاّ أنْ يقتلنا هاهنا، انطلقوا بنا إلى إخواننا وأصحابنا، يعني اليهود، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلاّ إيماناً واحتساباً. وقال ابن زيد: هذا يوم الأحزاب، انطلق رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه، وبين يديه شواء ورغيف ونبيذ، فقال له: أنت هاهنا في الشواء والنبيذ والرغيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف، فقال له [أخوه]: هلمَّ إلى هذا فقد [تبع] بك وبصاحبك، والذي تحلف به لا يستقيلها محمّدٌ أبداً، فقال: كذبت والذي تحلف به، وكان أخوه من أبيه وأُمّه، أما والله لأخبرنَّ النبي صلّى الله عليه أمرك، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجده قد نزل جبرائيل(عليه السلام) بهذه الآية. قوله: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} أي بخلاء بالخير والنفقة في سبيل الله وعند قَسم الغنيمة، وهي نصب على الحال والقطع من قوله: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} وصفهم الله بالجبن والبخل. {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ} في رؤوسهم من الخوف والجبن {كَٱلَّذِي} أي كدوران عين الذي {يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ} عصوكم ورموكم {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} ذربة جمع حديد، ويقال للخطيب الفصيح اللسان الذرب اللسان، مسلق ومصلق وسلاق وصلاق وأصل السلق الضرب. وقال قتادة: يعني بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسم الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا فإنّا قد شهدنا معكم القتال فلستم بأحقّ بالغنيمة منّا، فأمّا عند الغنيمة فأشحّ قوم وأسوأ مقاسمة، وأمّا عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحقّ. {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ} يعني الغنيمة {أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}. قوله: {يَحْسَبُونَ} يعني هؤلاء المنافقين {ٱلأَحْزَابَ} يعني قريشاً وغطفان واليهود الذين تحزبوا على عداوة رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومخالفته أي اجتمعوا، والأحزاب الجماعات واحدهم حزب. {لَمْ يَذْهَبُواْ} ولم ينصرفوا عن قتالهم وقد انصرفوا منهم جماعةً وفرقاً. {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} إن يرجعوا إليكم كرّةً ثانية. {يَوَدُّواْ} من الخوف والجبن {لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ} خارجون إلى البادية {فِي ٱلأَعْرَابِ} أي معهم {يَسْأَلُونَ} قراءة العامّة بالتخفيف، وقرأ عاصم الحجدري ويعقوب في رواية رويس وزيد مشدّدة ممدودة بمعنى يتساءلون أي يسأل بعضهم بعضاً. {عَنْ أَنبَآئِكُمْ} أخباركم وما آل إليه أمركم {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ} يعني هؤلاء المنافقين {مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلا} رياءً من غير حسبة، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيراً. قوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ} محمّد صلّى الله عليه وسلم {أُسْوَةٌ} قدوة {حَسَنَةٌ} قرأ عاصم هاهنا وفي سورة الامتحان (أُسْوَةٌ) بضمّ الألف وقرأهما الآخرون بالكسر وهما لغتان مثل عُدوة وعِدوة ورُشوة ورِشوة وكُسوة وكِسوة. وكان يحيى بن ثابت يكسرها هنا ويضمّ الأُخرى. قال أبو عبيد: ولا نعرف بين ما فَرَّقَ يحيى فرقاً. قال المفسِّرون: يعني {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} سنّة صالحة أنْ تنصروه وتؤازروه ولا تتخلّفوا عنه ولا ترغبوا بأنفسكم عن نفسه وعن مكان هواه، كما فعل هو إذ كسرت رباعيته، وجرح فوق حاجبة وقتل عمّه حمزة، وأُوذي بضروب الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم أيضاً كذلك واستنّوا بسنّته. {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} في الرخاء والبلاء. ثمّ ذكر المؤمنين وتصديقهم بوعود الله تعالى فقال: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ} تسليماً لأمر الله وتصديقاً لوعده {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}. ووعد الله تعالى إيّاهم قوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم}تفسير : إلى قوله: {أية : أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ}تفسير : [البقرة: 214]. {وَمَا زَادَهُمْ} ذلك {إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}. قوله: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} فوفوا به {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} يعني فرغ من نذره ووفى بعهده فصبر على الجهاد حتى استشهد، والنحب النذر، والنحب أيضاً الموت. قال ذو الرمّة: شعر : عشية فر الحارثيون بعدما قضى نحبه من ملتقى القوم هوبر تفسير : أي مات. قال مقاتل: قضى نحبه يعني أجله، فقتل على الوفاء،يعني حمزة وأصحابه. وقيل: قضى نحبه أي [أجهده] في الوفاء بعهده من قول العرب: نحبَ فلان في سيره يومه وليلته أجمع [إذا مد] فلم ينزل. قال جرير: شعر : [بطخفة] جالدنا الملوك وخيلنا عشية بسطام جرين على نحب تفسير : {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} الشهادة {وَمَا بَدَّلُواْ} قولهم وعهدهم ونذرهم {تَبْدِيلاً}. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا نهر بن أسد عن سليمان بن المغيرة عن أنس قال: وأخبرنا أحمد بن عبد الله المرني،عن محمد بن عبد الله بن سليمان، عن محمد بن العلاء عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حميد عن أنس قال: غاب عمّي أنس بن النضر وبه سميت أنس عن قتال بدر فشقّ عليه لما قدم وقال: غبت عن أوّل مشهد شهده رسول الله صلّى الله عليه وسلم، والله لئن أشهدني الله عزّ وجلّ قتالاً ليرينّ الله ما أصنع. قال: فلمّا كان يوم أحُد انكشف المسلمون فقال: اللّهم إنّي أبرءُ إليك ممّا جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء، يعني المسلمين، ثمّ مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إنّي لأجد ريح الجنّة دون أُحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع أنس، فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وقد مثّلوا به، وما عرفناه حتى عرفته أُخته بثناياه، ونزلت هذه الآية {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً}. قال: فكنا نقول: نزلت فيه هذه الآية وفي أصحابه. وأخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد ابن محمد بن شاذان عن جيغويه بن محمد الترمذي، عن صالح بن محمد، عن سليمان بن حرب، عن حزم، عن عروة عن عائشة في قوله: {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} قالت: منهم طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى أُصيبت يده، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أوجب طلحة الجنّة. وبإسناده عن صالح عن مسلم بن خالد عن عبد الله بن أبي نجيح أنَّ طلحة بن عبيد الله يوم أحُد كان محتصناً للنبيّ (عليه السلام) في الخيل وقد بُهر النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: فجاء سهم عابر متوجّهاً إلى النبيّ صلّى الله عليه فاتّقاه طلحة بيده فأصاب خنصره فقال: [حَس] ثمّ قال: بسم الله، فقال النبيّ (عليه السلام): "حديث : لو أنَّ بها بدأت لتخطفتك الملائكة حتى تدخلك الجنّة ". تفسير : وروى معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أُمّ المؤمنين قالت: إنّي لفي بيتي ورسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه في الفناء وبيني وبينهم الستر إذ أقبل طلحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سرّه أنْ ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة ". تفسير : وأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن سليمان بن بابويه بن قهرويه قال: أخبرني أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي، عن محمد ابن عبّاد الواسطي، عن مكي بن إبراهيم، عن الصلت بن دينار، عن ابن نضر، عن جابر، عن أبي عبد الله قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «حديث : مَنْ سرّه أنْ ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله ». تفسير : { لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من قريش وغطفان {بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} نصراً وظفراً {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} بالملائكة والريح {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}. قوله عزّ وجلّ: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} يعني عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان وهم بنو قريظة، حديث : وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا أصبح من الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم، وانصرف (عليه السلام) والمسلمون من الخندق راجعين إلى المدينة، ووضعوا السلاح، فلمّا كان الظهر أتى جبرائيل رسول الله صلّى الله عليه وسلم [معتماً] بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش، وهي تغسل رأسه وقد غسلت شقّة فقال: قد وضعتَ السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، قال جبرائيل: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، وما رجعت الآن إلاّ من طلب القوم، إنّ الله يأمرك يا محمّد بالسير إلى بني قريظة [وأنا عامدٌ إلى بني قريظة] فانهض إليهم، فإنّي قد قطعت أوتارهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً، فأذَّن إنَّ من كان سامعاً مطيعاً لا يصلّين العصر إلاّ في بني قريظة. وقدّم رسول الله صلّى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب برايته إليهم وابتدرها الناس؛ فسار علي ابن أبي طالب حتّى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة [على] رسول الله صلّى الله عليه وسلم منهم، فرجع حتّى لقي رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالطريق وقال: يارسول الله لا عليك أنْ لا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال: لِمَ؟ أظنّك سمعت لي منهم أذى. قال: نعم يارسول الله، قال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً، فلمّا دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولاً. ومرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم على أصحابه بالصورين قبل أنْ يصل إلى بني قريظة فقال: هل مرَّ بكم أحد؟ فقالوا: يا رسول الله لقد مرَّ بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك جبرائيل بُعث إلى بني قريظة، يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم، فلمّا أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم يقال لها يراقا، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلّوا العصر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلّين أحدكم العصر إلاّ في بني قريظة، فصلّوا العصر بها بعد صلاة العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك في كتابه، ولا عنّفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وحاصرهم رسول الله خمساً وعشرين ليلة حتّى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب، وقد كان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وقال كعب بن أسد بما كان عاهده، فلمّا أيقنوا بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتّى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر اليهود إنّه قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإنّي عارض عليكم خِلالاً ثلاث، فخذوا أيّها شئتم، فقالوا: وما هنّ؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدّقه فوالله لقد تبيّن لكم أنّه نبيّ مرسل، وأنّه لَلذي كنتم تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبداً ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم هذه فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثمّ نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالاً مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلاً يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئاً نخشى عليه، وإنْ نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء، فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين فلا خير في العيش بعدهم. قال: فإنْ أبيتم على هذه فإنّ الليلة ليلة السبت، وأنّه عسى أنْ يكون محمّد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا لعلّنا أنْ نصيب من محمّد وأصحابه غرّة، قالوا: نفسد سبتنا ونُحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا ممّن قد علمت، فأصابهم من المسخ ما لم يَخْفَ عليك. قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أُمّه بليلة واحدة من الدهر حازما. قال: ثمّ إنّهم بعثوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس ستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله صلّى الله عليه وسلم إليهم، فلمّا رأوه قام إليه الرجال ونهش إليه النساء والصبيان يبكون في جهه، فَرَقَّ لهم، وقالوا: يا أبا لبابة أترى أنْ ننزل على حكم محمّد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، إنّه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتّى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله، ثمّ انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأتِ رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني حتّى يتوب الله عليَّ ممّا صنعت، وعاهد الله لا يطأ بني قريظة، ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبداً. فلمّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، فأمّا إذ فَعَل فما أنا بالذي أُطلقه من مكانه حتّى يتوب الله عليه، ثمّ إنّ الله تعالى أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أُمّ سلمة وقالت أُمّ سلمة: فسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم من السَّحَر يضحك فقلت: مِمَّ ضحكت يارسول الله أضحك الله سنّك؟ قال: تيب على أبي لبابة، فقالت: ألا أُبشّره بذلك يارسول الله؟ قال: بلى إنْ شئت قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب الحجاب عليهن. فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، قال: فسار إليه الناس ليطلقوه، فقال: لا والله حتّى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده. فلمّا مرَّ عليه خارجاً إلى الصبح أطلقهُ. قال: ثمّ إنَّ ثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة وأسيد بن عبيد وهم نفر من بني هزل ليسوا من بني قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك وهم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي، فمرّ بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها محمد بن مسلمة الأنصاري في تلك الليلة، فلمّا رآه قال: مَنْ هذا؟ قال: عمرو بن سعدي، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلّى الله عليه وسلم وقال: لا أغدر بمحمّد أبداً، فقال محمّد بن مسلمة حين عرفه: اللهمّ لا تحرمني عثرات الكرام، ثمّ خلّى سبيله، فخرج على وجهه، حتّى بات في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة، ثمّ ذهب فلا يُدرى أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا، فذُكر لرسول الله صلّى الله عليه وسلم شأنه فقال: ذاك رجل نجّاه الله بوفائه. وبعض الناس يزعم أنّه أُوثق برمّة فيمن أُوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأصبحت رمَّته ملقاة لا يُدرى أين ذهب، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم تلك المقالة والله أعلم. فلمّا أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله إنّهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت، وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه فسألهم إيّاه عبد الله بن أبي سلول فوهبهم له، فلمّا كلّمته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا ترضون يا معشر الأوس أنْ يحكم فيهم رجل منكم"؟ قالوا: بلى. قال: "فذلك إلى سعد بن معاذ". وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة امرأة من المسلمين، يقال لها (رفيدة) في مسجده، وكانت تداوي الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: "اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب". فلمّا حكّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، أتاه قومه فاحتملوه على حمار، وقد وطئوا لهُ بوسادة من أدم، وكان رجلاً جسيماً، ثمّ أقبلوا معه إلى رسول الله صلّى الله عليه وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في موإليك، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّما ولاّك ذاك لتحسن فيهم، فلمّا أكثروا عليه قال: قد أتى لسعد أنْ لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه إلى دار بني عبد الأشهل فنعي لهم رجال بني قريظة قبل أنْ يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه. فلمّا انتهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: قوموا إلى سيّدكم فأنزلوه. فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاّكَ مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيها ما حكمت؟ قالوا: نعم،قال: وعليّ من هاهنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم. قال سعد: فإنّي أحكم فيهم، أنْ يُقتل الرجال، وتُقسم الأموال، وتسبى النساء والذراري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعةتفسير : ، ثمّ استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث امرأة من بني النجّار، ثمّ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم،فخندق بها خندقاً ثمّ بعث إليهم فضرب أعناقهم، فهم في تلك الخنادق يخرج بهم إليه أرسالاً وفيهم عدوّ الله حيي بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر لهم يقول: كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة. وقيل: قالوا لكعب بن أسد وهو يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالاً: يا كعب ما ترى أنْ يُصنع بنا؟ فقال كعب: في كلّ موطن لا تعقلون ألا ترون أنّ الداعي لا ينزع وأنَّ مَن يذهب به منكم لا يرجع، هو والله القتل. فلم يزل ذلك دأبهم حتى فرغ منهم رسول الله صلّى الله عليه وأُتي بحيي بن أخطب عدوّ الله وعليه حلة تفاحية قد شققها عليه من كلّ ناحية كموضع الأنملة [أنملة أنملة] لئلاّ يسلبها، مجموعه يداه إلى عنقه بحبل، فلمّا نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكنّه مَن يخذل الله يُخذلِ، ثمّ أقبل على الناس، فقال: أيّها الناس، إنّه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقدره، وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثمّ جلس فضربت عنقه فقال هبل بن حواس [الثعلبي]: شعر : لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ولكنه من يخذل الله يخذل يجاهد حتى أبلغ النفس عذرها وقلقل يغبي العز كل مقلقل تفسير : وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: لم يقتل من نساء بني قريظة إلاّ امرأة واحدة، قالت: والله إنّها لعندي تتحدّث معي وتضحك ظهراً، ورسول الله صلّى الله عليه وسلم يقتل رجالهم بالسوق؛ إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله. قالت: قلت: ويلك ما لك؟ قالت: أُقتل. قلت: ولِمَ؟ قالت: حدثٌ أحدثته. قال: فانطلق بها فضربت عنقها، وكانت عائشة تقول: ما أنسى كذا عجباً منها طيب نفس، وكثرة ضحك، وقد عرفت أنّها تُقتل. قال الواقدي: واسم تلك المرأة بنانة امرأة الحكم القرظي،وكانت قد قتلت خلاّد بن سويد، رمت عليه رحا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وضربت عنقها بخلاّد بن سويد، وكان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هناك. وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أنَّ الزبير بن باطا القرظي وكان يكنى أبا عبد الرحمن كان قد مَنَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بغاث أخذه فجرّ ناصيته، ثمّ خلّى سبيله، وجاءه يوم قريظة، وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ فقال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: إنّي قد أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إنّ الكريم يجزي الكريم، قال:” حديث : ثمّ أتى ثابت رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد كان للزبير عندي يد وله عليَّ مِنَّة، وقد أحببتُ أنْ أجزيه بها فَهَبْ لي دمه، فقال رسول الله صلّى الله عليه: "هو لك". فأتاه فقال له: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك. فقال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة؟ فأتى ثابتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله أهله وولده؟ فقال: "هم لك". فأتاه فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاني امرأتك وولدك فهم لك. فقال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله فقال: يا رسول الله ماله. فقال: هو لك،” تفسير : فأتاه فقال: إنّ رسول الله قد أعطاني مالك فهو لك. فقال أي ثابت: ما فعل الذي كأنّ وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي كعب بن أسد قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حُيّي بن أخطب؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدمنا إذا شددنا، وحامينا إذا كررنا أعزال ابن سموأل؟ قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة، قال: ذهبوا قتلوا، قال: وإنّي اسألك بيدي عندك يا ثابت إلاّ ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فها أنا صابر لله حتى ألقى الأحبّة، فقدّمه ثابت فضرب عنقه، فلمّا بلغ قوله أبا بكر ألقى الأحبّة، فقال: يلقاهم والله في نار جهنّم خالداً فيها مخلّداً أبداً، فقال ثابت بن قيس في ذلك: شعر : وفت ذمّتي إني كريم وإنّني صبور إذا ما القوم حادوا عن الصبرِ وكان زبير أعظم الناس منّةٌ عليَّ فلما شد كوعاه بالأسرِ أتيت رسول الله كي ما أفكّه وكان رسول الله بحراً لنا يجري تفسير : قالوا: وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أُسر منهم، فسألته سليمى بنت قيس أُمّ المنذر أُخت سليط بن قيس وكانت إحدى خالات رسول الله صلّى الله عليه وسلم وكانت قد صلّت معه القبلتين وبايعته بيعة النساء رفاعةً بن سموأل القرظي وكان رجلاً قد بلغ، فَلاذَ بها وكان يعرفها قبل ذلك فقالت: يا نبي الله بأبي أنت وأُمّي هب لي رفاعة بن سموأل، فإنّه زعم أنّه سيصلّي ويأكل لحم الجمل، فوهبه لها [فاستحيته] قالوا: ثمّ إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قَسَّم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سهمان للخيل وسهمان للرجال، وأخرج منها الخمس، وكان للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان وللفارس سهم، وللرّاجل ممّن ليس له فرس سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستّة وثلاثون فرساً، وكان أوّل فيء وقع فيه السهمان، وأخرج منه الخمس فعلى سنتها وما مضى من رسول الله فيها وقعت المقاسم ومضت السنّة في المغازي، ثمّ بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلاً وسلاحاً. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن حنافة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة فكانت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى توفّي عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يحرص أنْ يتزوّجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يارسول الله بل تتركني في ملكك فهو أخفّ عليَّ وعليك فتركها، وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام وأبتْ إلاّ اليهودية، فعزلها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ووجد في نفسه بذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: إنّ هذا لثعلبة بن شعبة يبشِّرني بإسلام ريحانة، فجاءَه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسرّه ذلك. فلمّا انقضى شأن بني قريظة الفجر خرج سعد بن معاذ، وذلك أنّه دعا بعد أنْ حكم في بني قريظة ما حكم فقال: اللّهمّ إنّك قد علمت أنّه لم يكن قوم أحبّ إليَّ من أنْ أجاهدهم من قوم ذّبوا رسولك، اللّهمّ إنْ كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئاً فأبقني لها، وإنْ كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك فانفجر كلمه فرجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيمته التي ضرب عليه في المسجد. قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، فوالذي نفس محمّد بيده إنّي لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإنّي لفي حجرتي، قالت: وكانوا كما قال الله عزّ وجلّ: {أية : رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الفتح: 29]. قال علقمة: [أي أمّه] كيف كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنّه كان إذا اشتدّ وجده فإنّما هو آخذ بلحيتهِ، قال محمّد بن إسحاق: لم يقتل من المسلمين يوم الخندق إلاّ ستّة نفر، وقتل من المشركين ثلاثة نفر، وقتل يوم قريظة من المسلمين خلاّد بن سويد بن ثعلبة طرحت عليه رحى فشدخته فقط. ولمّا انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الخندق وقريظة قال: الآن نغزوهم يعني قريشاً ولا يغزوننا، فكان كذلك حتّى فتح الله على رسوله مكّة، وكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس للهجرة فذلك قوله الله عزّ وجلّ: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ} أي حصونهم ومعاقلهم، واحدها صيصية، ومنه قيل لقرن البقر صيصية، ولشوكة الديك والحاكة صيصية، وقال الشاعر: شعر : كوقع الصياصي في النسيج الممدد تفسير : {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} وهم الرجال {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} وهم النساء والذراري {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} بعد. قال يزيد بن رومان وابن زيد ومقاتل: يعني خيبر. قتادة: كنّا نُحدّث أنّها مكّة. قال الحسن: فارس والروم. عكرمة: كلّ أرض تفتح إلى يوم القيامة. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قد: حرف يفيد التحقيق، خاصة إذا جاءتْ من الحق سبحانه، ويأتي معها الفعل في صيغة الماضي، لكن هنا {قَدْ يَعْلَمُ ..} [الأحزاب: 18] فجاء الفعل بصيغة المضارع، وهذا يعني أن الحدث الذي يقع الآن سيثبت أن الله يعلم المُعوِّقين، وقد علم أزلاً. فإنْ قُلْتَ: فالحق سبحانه يعلم قبل أنْ يكون هناك تعويق، نقول: فَرْق بين أنْ يعلم الأمر قبل أنْ يقع، وأنْ يعلمه إذ يقع، فقد يقول قائل: علمتُ وسوف تجازيني على ما تعلم سابقاً، لكن لو تركتني في المستقبل لن تحدث مني مخالفة. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يؤكد هذا الأمر. والمعوِّق: هو الذي يضع العوائق أمام مرادك، ويُثبِّط هِمَّتك ويُخذِّلك. وقوله: {هَلُمَّ إِلَيْنَا ..} [الأحزاب: 18] يعني: أقبل وتعال. وكلمة (هلم) تأتي هكذا بصيغة المفرد دائماً مع المفرد والمثنى والجمع، ومع المذكر والمؤنث، ومنه قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ..} تفسير : [الأنعام: 150] أي: هاتوا، وهذه هي اللغة الفصيحة. وفي لغة من لغات تهامة يُلحقون بها علامة التثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، فيقولون: هلم وهلمي وهلما وهلموا، ولجمع الإناث هَلُمْنَ. وقوله تعالى : {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 18] البأس أي: الحرب، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ..} تفسير : [الأنبياء: 80]. وقال سبحانه: {أية : وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ..} تفسير : [البقرة: 177] ففَرْق بين البأس والبأساء: البأس أي: الحرب. أما البأساء، فكل ما يصيب الإنسان من مكروه في غير ذاته كفَقْد ولد، أو خسارة مال .. إلخ، أما الضراء فما يصيب الإنسان في ذاته، كمرض أو نحوه. ومن ذلك قول الله تعالى عن سيدنا داود: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ..} تفسير : [الأنبياء: 80]. والمراد: صناعة الدروع التي يلبسها الإنسان على مظانِّ المقَاتِل فيه، وعلى أجهزته الحيوية كالصدر والقلب والرأس، ولها غطاء خاص (الخوذة)، وتُصنع الدروع مُسنَّنة. أي: بها تموُّج وتجاويف، بحيث تتلقى ضربات السيف بإحكام، فلا تنفلت الضربة إلى مكان آخر فتؤذيه. لذلك يقول تعالى لنبيه داود عن هذه الصنعة {أية : وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ..} تفسير : [سبأ: 11] أي: في إحكام هذه الحلقات المتداخلة. وفَرْق أيضاً هنا بين لَبُوس ولباس: اللباس هو ما يقي الإنسان تقلبات الجو، ويستر عورته أثناء الأمن وسلام الحياة، وهذه هي الملابس العادية التي يرتديها الناس. وفيها يقول الحق سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} تفسير : [النحل: 81]. أما كلمة (لَبُوس) فهي المُعدَّة لحالة الحرب كالدروع ونحوها؛ لذلك جاءت بصيغة دالة على التضخيم (لَبُوس). وهذه الآية تلفتنا إلى مظهر من مظاهر الدقة في الأداء القرآني المعجز، فالآية هنا ذكرت (الحَرَّ)، ولم تذكر شيئاً عن المقابل له، وهو البرد، والعلماء عادةً ما يلجئُون إلى تقدير هذا المحذوف عند تفسير الآية، فيقولون: أي تقيكم الحر والبرد، يريدون أنْ يكملوا أسلوب القرآن، وهذا لا يجوز. وحين نمعن النظر في هذه الآية، نجد أن الله تعالى خلق الظلال لتقينا حرارة الشمس، وجعل اللباس، وكذلك جعل لنا الأكنان في الجبال، والله خلق الحرَّ على هذه الصورة التي لا يتحملها الإنسان؛ لأن للحر مهمة في حياتنا، فحرارة الشمس تخدمك في أمور كثيرة، وإنْ كانت تضايقك بعض الوقت، فالحق سبحانه أبقاها لتؤدي مهمةَ خير لك، ثم حَمَاك بالظل واللباس والأكنان من شرِّها. فإنْ قُلْتَ: فهذه الأشياء تقيني أيضاً البرد، نقول: إياك أنْ تظن أن الدفء يأتيك من غطاء ثقيل أو ملابس شتوية، إنما الدفء من ذاتك أنت، فأنت تدفئ (البطانية) والفراش الذي تنام عليه، بدليل أنك ساعة تأتي فراشك لتنام تجده بارداً، ثم بعد مرور ساعات الليل تجده في الصباح دافئاً. إذن: فحرارتك الذاتية انتقلَتْ إلى الغطاء فأدفأَته، وكل ما يؤديه الغطاء أنه يحفظ حرارة جسمك بداخله، فلا تتبدد في الهواء المحيط بك. لذلك، لما درس العلماء مسألة حرارة جسم الإنسان وجدوا فيها مظهراً من مظاهر قدرة الله، فالإنسان تُشع منه حرارة تكفي في أربع وعشرين ساعة لِغَلْي سبعة عشر لتراً من الماء، ومعدل هذه الحرارة في الجسم 37 ثابتة في قيظ الحر وبرد الشتاء، مما يدل على أن لجسمك ذاتية منفصلة تماماً عن الجو المحيط بك. ومن عجائب خَلْق الإنسان أن هذه الحرارة تتفاوت من عضو إلى عضو آخر، والجسم واحد، فأعضاء حرارتها ما بين 7 - 9 كالأنف والأذن والعين، ولو زادتْ حرارة العين عن هذا المعدل تنفجر، أما الكبد فحرارته 40 .. إلخ، ومعلوم أن الحرارة تُحدِث استطراقاً في الجسم الواحد، وفي المكان الواحد. ومن عجائب خَلْق الإنسان في هذه المسألة العَرَق الذي يتصبب منك في حالة تعرضك للحرارة الشديدة، فيخرج العرق من مسامِّ الجسم، ليُلطف من درجة حرارته، ويُحدِث عملية تبريد، كالتي نراها مثلاً في موتور السيارة، حتى عندنا في الفلاحين تجد الفلاح من كثرة عمله في الأرض وكثرة عرقه تتكون على جسمه طبقة مثل الجير، وهذه أملاح تخرج مع العرق؛ لذلك يكثر في هؤلاء الفلاحين أكل (المش) و (المخللات) لتعويض نسبة الأملاح المفقودة مع العرق، إذن: فالحق سبحانه لم يقل (والبرد)، لأن الدفء كما رأينا ذاتي. وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 18] وهذه القلة مستثناه: إما من الإتيان، أو أنهم يأتون البأس، لكن قلة منهم يُقاتلون بهمة ونشاط، والباقون أتوْا ذَرَّاً للرماد في العيون - كما يقولون ولئلا يُتهموا بالتخلف عن رسول الله. ثم يقول الحق سبحانه: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا ...}.

الجيلاني

تفسير : وإن اعتذروا بك، وتبرءوا عما كانوا وصاروا عليه، قل لهم: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ} بعلمه الحضوري {ٱلْمُعَوِّقِينَ} المثبطين {مِنكُمْ} عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، المتخلفين عنه في الحروب والمعارك، وهم المنافقون {وَ} يعلم أيضاً {ٱلْقَآئِلِينَ} منكم أيها المنافقون من أهل المدينة {لإِخْوَانِهِمْ} ممن في قلوبهم مرض من المؤمنين: {هَلُمَّ إِلَيْنَا} أي: قربوا أنفسكم نحونا؛ لتنجو عن المخاوف والمهالك {وَ} بعدما سمعوا منكم إخوانكم قولكم هذا {لاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ} أي: الحراب والقتال {إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 18] أي: إتياناً قليلاً، بل يثبطون ويسرفون، ويعتذرون بالأعذار الكاذبة. وبعدما أتوا ما أتوا إلا {أَشِحَّةً} أي: بخلاء {عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون المخلصون لما معكم من المعاونة والنفقة في سبيل الله، أو خوف الظفر وفوت الغنيمة، أو من خوف العاقبة، وإنما فعلوا ذلك قبل القتال {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ} وظهرت أمارات القتال والحراب {رَأَيْتَهُمْ} أيها الرائي حين {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} من شدة خوفهم وخشيتهم {تَدُورُ} أي: تتحرك وتضطرب {أَعْيُنُهُمْ} أي: آماقهم في أحداقهم {كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ} أي: يحل ويدور {عَلَيْهِ مِنَ} أمارات {ٱلْمَوْتِ} ولاح عليه علامات السكرات {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ} وزال الرعب والخشية، وانهزم العدو، واجتمعت الغنائم {سَلَقُوكُمْ} أي: جاءوكم مستلقين متسلطين عليكم {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} ذربة قاطعة، باسطين أيديهم إلى الغنائم وقت قسمتكم، صائحين عليكم: لستم أولى منَّا وأحق بهذه الغنائم؛ لأنَّا شهدنا القتال معكم، بل نحن لا نقصِّر وأنتم قاصرون، فبم ترجحون أنتم علينا، وإنما سلقوكم بها حال كونهم {أَشِحَّةً} بخلاء {عَلَى ٱلْخَيْرِ} الذي وصل إليكم من الغنائم العظام؟!. وبالجملة: {أوْلَـٰئِكَ} البعداء الهالكون في تيه النفاق والشقاق {لَمْ يُؤْمِنُواْ} بتوحيد الله، ولم يخلصوا الإيمان به وبرسوله وكتابه، بل: إنما آمنوا واعترفوا باللسان؛ لحقن الدماء والأموال خداعاً ومكراً؛ ولذلك مكر الله المطلع على نيَّاتهم بهم {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} الصالحة، وأبطلها عليهم بلا ترتيب الجزاء والمثوبات، كما لأعمال المخلصين من المؤمين {وَكَانَ ذَلِكَ} الإحباط والإبطال {عَلَى ٱللَّهِ} القادر لجميع ما ثبت في لوح قضائه {يَسِيراً} [الأحزاب: 19] سهلاً غير عسير عنده. وإن استعسرتم أيها المحجوبون بالحجب الظلمانية الكثيفة، ومن كمال غيِّهم وضلالهم، ونهاية جبنهم ورعبهم من الأحزاب {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} ولم ينهزموا، مع أنهم ذهبوا منهزمين إلى حيث لم يبق منهم أحد {وَ} هم من كمال محبتهم ومودتهم مع الأحزاب {إِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} ويكروا بعد الفرار {يَوَدُّواْ} هؤلاء المنافقون إتيانهم إلى حيث تمنوا {لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ} ظاهرون {فِي} البدو {ٱلأَعْرَابِ} أي: فيما بينهم، خارجون عن أظهر المسلمين، لا حقون بالكفرة، معدودون من عدادهم حتى {يَسْأَلُونَ} كل قادم من قبلكم {عَنْ أَنبَآئِكُمْ} وأخباركم، وما جرى عليكم أيها المؤمنون من الوقائع الهائلة والمصيبات المهولة {وَ} من كمال ودادتهم مع الكفرة: {لَوْ} فُرض أنهم {كَانُواْ فِيكُمْ} وقت كر الكفرة عليكم {مَّا قَاتَلُوۤاْ} من المنافقين من قبلكم مع أعدائكم {إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 20] منهم، وهو أيضاً على سبيل الرياء والسمعة، ومقتضى ما زعموا من جلب النفع أو دفع الضر، لا لرضاء الله وإعلاء دينه ونصرة نبيه.

همام الصنعاني

تفسير : 2328- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {هَلُمَّ إِلَيْنَا}: [الآية: 18]، قال، قال المنافِقُونَ: ما مُحَمَّدٌ وأصحابه إلا أكلة رأس، وهو هالك، ومن معه، هَلُمَّ إلينا.