Verse. 3552 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

اَشِحَّۃً عَلَيْكُمْ۝۰ۚۖ فَاِذَا جَاۗءَ الْخَوْفُ رَاَيْتَہُمْ يَنْظُرُوْنَ اِلَيْكَ تَدُوْرُ اَعْيُنُہُمْ كَالَّذِيْ يُغْشٰى عَلَيْہِ مِنَ الْمَوْتِ۝۰ۚ فَاِذَا ذَہَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوْكُمْ بِاَلْسِـنَۃٍ حِدَادٍ اَشِحَّۃً عَلَي الْخَــيْرِ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ لَمْ يُؤْمِنُوْا فَاَحْبَطَ اللہُ اَعْمَالَہُمْ۝۰ۭ وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَي اللہِ يَسِيْرًا۝۱۹
Ashihhatan AAalaykum faitha jaa alkhawfu raaytahum yanthuroona ilayka tadooru aAAyunuhum kaallathee yughsha AAalayhi mina almawti faitha thahaba alkhawfu salaqookum bialsinatin hidadin ashihhatan AAala alkhayri olaika lam yuminoo faahbata Allahu aAAmalahum wakana thalika AAala Allahi yaseeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أشحة عليكم» بالمعاونة، جمع شحيح وهو حال من ضمير يأتون «فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي» كنظر أو كدوران الذي «يغشى عليه من الموت» أي سكراته «فإذا ذهب الخوف» وحيزت الغنائم «سلقوكم» آذوكم أو ضربوكم «بألسنة حداد أشحة على الخير» أي الغنيمة يطلبونها «أولئك لم يؤمنوا» حقيقة «فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك» الإحباط «على الله يسيرا» بإرادته.

19

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} أي بخلاء عليكم؛ أي بالحفر في الخندق والنفقة في سبيل الله؛ قاله مجاهد وقتادة. وقيل: بالقتال معكم. وقيل: بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم. وقيل: أشِحّةً بالغنائم إذا أصابوها؛ قاله السدي. وانتصب على الحال. قال الزجاج: ونصبه عند الفرّاء من أربع جهات: إحداها: أن يكون على الذم؛ ويجوز أن يكون عنده نصباً بمعنى يعوّقون أشحة. ويجوز أن يكون التقدير: والقائلين أشحة. ويجوز عنده «وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً» أشحة؛ أي أنّهم يأتونه أشحة على الفقراء بالغنيمة. النحاس: ولا يجوز أن يكون العامل فيه «المعوقين» ولا «القائلين»؛ لئلا يفرق بين الصلة والموصول. ابن الأنباري: «إلاَّ قَلِيلاً» غير تام؛ لأن «أَشَّحِةً» متعلق بالأول، فهو ينتصب من أربعة أوجه: أحدها: أن تنصبه على القطع من «المعوّقين» كأنه قال: قد يعلم الله الذين يعوقون عن القتال ويشحِون عن الإنفاق على فقراء المسلمين. ويجوز أن يكون منصوباً على القطع من «القائلين» أي وهم أشحة. ويجوز أن تنصبه على القطع مما في «يأتون»؛ كأنه قال: ولا يأتون البأس إلا جبناء بخلاء. ويجوز أن تنصب «أشحة» على الذمّ. فمن هذا الوجه الرابع يحسن أن تقف على قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً}. {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} وقف حسن. ومثله «أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ» حال من المضمر في «سَلَقُوكُمْ» وهو العامل فيه. {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} وصفهم بالجبن؛ وكذا سبيل الجبان ينظر يميناً وشمالاً محدّداً بصره، وربما غشي عليه. وفي «الْخَوْف» وجهان: أحدهما: من قتال العدوّ إذا أقبل؛ قاله السدّي. الثاني: الخوف من النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا غلب؛ قاله ابن شجرة. {رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} خوفاً من القتال على القول الأول. ومن النبي صلى الله عليه وسلم على الثاني. «تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ» لذهاب عقولهم حتى لا يصح منهم النظر إلى جهة. وقيل: لشدّة خوفهم حذراً أن يأتيهم القتل من كل جهة. {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} وحكى الفراء «صلقوكم» بالصاد. وخطيبٌ مِسْلاق ومِصْلاق إذا كان بليغاً. وأصل الصلق الصوت؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعن الله الصالقة والحالقة والشاقّة»تفسير : . قال الأعشى:شعر : فيهم المجد والمساحة والنّجْـ ـدَةُ فيهم والخاطب السَّلاق تفسير : قال قتادة: ومعناه بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطنا أعطنا، فإنا قد شهدنا معكم. فعند الغنيمة أشَحُّ قومٍ وأبسطهم لساناً، ووقت البأس أجبن قومٍ وأخوفهم. قال النحاس: هذا قول حسن؛ لأن بعده «أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ». وقيل: المعنى بالغوا في مخاصمتكم والاحتجاج عليكم. وقال القتبي: المعنى آذوكم بالكلام الشديد. السّلق: الأذى. ومنه قول الشاعر:شعر : ولقد سلقنا هوازنا بنواهلٍ حتى انحنينا تفسير : «أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْر» أي على الغنيمة؛ قاله يحيـى بن سلام. وقيل: على المال أن ينفقوه في سبيل الله؛ قاله السدّي. «أولَئِكَ لَمْ يُوْمِنُوا» يعني بقلوبهم وإن كان ظاهرهم الإيمان؛ والمنافق كافر على الحقيقة لوصف الله عز وجل لهم بالكُفر. {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} أي لم يثبهم عليها؛ إذا لم يقصدوا وجه الله تعالى بها. {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} يحتمل وجهين: أحدهما: وكان نفاقهم على الله هيناً. الثاني: وكان إحباط عملهم على الله هيّناً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } بالمعاونة جمع شحيح: وهو حال من ضمير «يأتون» {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى } كنظر أو كدوران الذي {يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } أي سكراته {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ } وحيزت الغنائم {سَلَقُوكُم } آذوكم أو ضربوكم {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ } أي الغنيمة يطلبونها {أوْلَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ } حقيقة {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ وَكَانَ ذٰلِكَ } الإِحباط {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } بإرادته.

ابن عطية

تفسير : {أشحة}، جمع شحيح ونصبه على الحال من {القائلين} [الأحزاب: 18]، أو من فعل مضمر دل عليه {المعوقين} [الأحزاب: 18]، أو من الضمير في {يأتون} [الأحزاب: 18] أو على الذم، وقد منع بعض النحاة أن يعمل في هذه الحال {المعوقين} [الأحزاب: 18] و {القائلين} [الأحزاب: 18] لمكان التفريق بين الصلة والموصول بقوله {ولا يأتون البأس} [الأحزاب: 18] وهو غير داخل في الصلة، وهذا الشح قيل هو بأنفسهم يشحون على المؤمنين بها، وقيل هو بإخوانهم، وقيل بأموالهم في النفقات في سبيل الله، وقيل بالغنيمة عند القسم. والصواب تعميم الشح أن يكون بكل ما فيه للمؤمنين منفعة. وقوله تعالى: {فإذا جاء الخوف} قيل معناه فإذا قوي الخوف من العدو وتوقع أن يستأصل جميع أهل المدينة لاذ هؤلاء المنافقون بك {ينظرون} نظر الهلع المختلط كنظر الذي {يغشى عليه} {فإذا ذهب} ذلك {الخوف} العظيم وتنفس المخنق سلقوا أي خاطبوا مخاطبة بليغة، يقال خطيب سلاق ومسلاق ومسلق ولسان أيضاً كذلك إذا كان فصيحاً مقتدراً، وقرأ ابن أبي عبلة "صلقوكم" بالصاد ووصف الألسنة بـ"الحدة" لقطعها المعاني ونفوذها في الأقوال، وقالت فرقة معنى قوله تعالى: {فإذا جاء الخوف}، أي إذا كان المؤمنون في قوة وظهور وخشي هؤلاء المنافقون سطوتك يا محمد بهم رأيتهم يصانعون وينظرون إليك نظر فازع منك خائف هلع، فإذا ذهب خوفك عنهم باشتغالك بعدو ونحوه كما كان مع الأحزاب {سلقوكم} حينئذ، واختلف الناس في المعنى الذي فيه يسلقون، فقال يزيد بن رومان وغيره: ذلك في أذى المؤمنين وسبهم وتنقص الشرع ونحو هذا، وقال قتادة: ذلك في طلب العطاء من الغنيمة والإلحاح في المسألة. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يترتبان مع كل واحد من التأويلين المتقدمين في الخوف، وقالت فرق السلق هو في مخادعة المؤمنين بما يرضيهم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة، وقوله تعالى: {أشحة} حال من الضمير في {سلقوكم}، وقوله {على الخير} يدل على عموم الشح في قوله أولاً {أشحة عليكم}، وقيل في هذا معناه {أشحة} على مال الغنائم، وهذا مذهب من قال إن {الخير} في كتاب الله تعالى حيث وقع فهو بمعنى المال، وقرأ ابن أبي عبلة "أشحةٌ" بالرفع، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم {لم يؤمنوا} ولا كمل تصديقهم، وجمهور المفسرين على أن هذه الإشارة إلى منافقين لم يكن لهم قط إيمان، ويكون قوله {فأحبط الله} أي أنها لم تقبل قط، فكانت كالمحبطة، وحكى الطبري عن ابن زيد عن أبيه أنه قال نزلت في رجل بدري نافق بعد ذلك ووقع في هذه المعاني {فأحبط الله} عمله في بدر وغيرها. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا فيه ضعف، والإشارة بــ {ذلك} في قوله {وكان ذلك على الله يسيراً} يحتمل أن تكون إلى إحباط عمل هؤلاء المنافقين، ويحتمل أن تكون إلى جملة حالهم التي وصف من شحهم ونظرهم وغير ذلك من أعمالهم، أي أن أمرهم يسير لا يبالي به ولا له أثر في دفع خير ولا جلب شر.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} بالخير، أو بالقتال معكم، أو بالغنائم إذا أصابوها، أو بالنفقة في سبيل الله {فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ} من النبي إذا غلب، أو من العدو إذا أقبل {سَلَقُوكُم} رفعوا أصواتهم عليكم، أو آذوكم بالكلام الشديد والسَّلْق: الأذى، قال الخليل: سلقته باللسان إذا أسمعته ما يكره {حِدَادٍ} شديدة ذربة، جدالاً في أنفسهم، أو نزاعاً في الغنيمة {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} على قسمة الغنيمة، أو الغنيمة في سبيل الله، أو على الرسول صلى الله عليه وسلم لظفره {لَمْ يُؤْمِنُواْ} بقلوبهم {فَأَحْبَطَ اللَّهُ} ثواب حسناتهم.

الخازن

تفسير : {أشحة عليكم} أي بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة وصفهم الله بالبخل والجبن {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم} أي في رؤوسهم من الخوف والجبن {كالذي يغشى عليه من الموت} أي كدوران عين الذي قرب من الموت وغشيه أسبابه فإنه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف {فإذا ذهب الخوف} أي زال {سلقوكم} أي آذوكم. ورموكم في حالة الأمن {بألسنة حداد} أي ذربة تفعل كفعل الحديد قال ابن عباس معناه عضوكم وتناولوكم بالنقص والغيبة، وقيل بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون أعطونا فإنا شهدنا معكم القتال فلستم بأحق بالغنيمة منا فهم عند الغنيمة أشجع قوم وعند الحرب أجبن قوم {أشحة على الخير} أي يشاحون المؤمنين عند الغنيمة فعلى هذا المعنى يكون المراد بالخير المال {أولئك لم يؤمنوا} أي لم يؤمنوا حقيقة الإيمان وإن أظهروا الإيمان لفظاً {فأحبط الله أعمالهم} أي التي كانوا يأتون بها مع المسلمين قيل هي الجهاد وغيره {وكان ذلك على الله يسيراً} أي إحباط أعمالهم مع أن كل شيء على الله يسير. قوله تعالى {يحسبون} يعني هؤلاء المنافقين {الأحزاب} يعني قريشاً وغطفان واليهود {لم يذهبوا} أي لم ينصرفوا عن قتالهم جبناً وفرقاً وقد انصرفوا عنهم {وإن يأت الأحزاب} أي يرجعوا إليهم للقتال بعد الذهاب {يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} أي يتمنون لو أنهم كانوا في بادية مع الأعراب من الجبن والخوف {يسألون عن أنبائكم} أي عن أخباركم وما آل إليه أمركم {ولو كانوا فيكم} يعني هؤلاء المنافقين {ما قاتلوا إلا قليلاً} يعني يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون قد قاتلنا معكم وقيل هو الرمي بالحجارة وقيل رياء من غير احتساب. قوله عز وجل {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} أي قدوة صالحة أي اقتدوا به اقتداء حسناً وهو أن تنصروا دين الله وتؤازروا رسوله ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذ قد كسرت رباعيته وجرح وجهه وقتل عمه وأوذي بضروب الأذى فصبر وواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً واستنوا بسنته {لمن كان يرجوا الله} يعني أن الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان يرجو الله قال ابن عباس يرجو ثواب الله {واليوم الآخر} يعني ويخشى يوم البعث الذي فيه الجزاء {وذكر الله كثيراً} أي في جميع المواطن على السراء والضراء ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال تعالى {ولمّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله} أي قالوا ذلك تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده {وصدق الله ورسوله} أي فيما وعدا وهو مقابلة قول المنافقين {أية : ما وعدنا الله ورسولُهُ إلا غروراً}تفسير : [الأّحزاب: 12] وقولهم "وصدق الله ورسوله" ليس إشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله ورسوله قبل الوقوع، وإنما هو إشارة إلى البشارة في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس، وقيل إنهم وعدوا أن تلحقهم شدة وبلاء فلما رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا هذه ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله {وما زادهم إلا إيماناً} أي تصديقاً لله {وتسليماً} أي لأمره. قوله تعالى {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} أي قاموا بما جاهدوا الله عليه ووفوا به {فمنهم من قضى نحبه} أي فرغ من نذره ووفى بعهده وصبر على الجهاد حتّى استشهد، وقيل قضى نحبه يعني أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل قضى نحبه أي بذل جهده في الوفاء بالعهد وقيل قضى نحبه استشهد يوم بدر وأحد {ومنهم من ينتظر} يعني من بقي بعد هؤلاء من المؤمنين ينتظرون أحد الأمرين إما الشهادة أو النصر على الأعداء {وما بدلوا} يعني عهدهم {تبديلاً} (ق) عن أنس قال غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون قال اللهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحاً من دون أحد فقال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: من المؤمنين رجال صدقوا ما عدهوا الله عليه إلى آخر الآية. (ق) عن خباب بن الأرت قال "هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله. فوقع أجرنا على الله فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئاً منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك نمرة وكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدت رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه سلم أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه من الأذخر ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها" النمرة كساء ملون من صوف، وقوله ومنا من أينعت أي أدركت ونضجت له ثمرته، وهذه استعارة لما فتح الله لهم من الدنيا، وقوله يهدبها أي يجتنيها ويقطعها. عن أبي موسى بن طلحة قال دخلت على معاوية فقال ألا أبشرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : "طلحة ممن قضى نحبه""تفسير : . أخرجه الترمذي. وقال هذا حديث غريب (خ) عن قيس ابن أبي حازم قال "رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد".

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏أشحة عليكم‏} ‏ بالخير المنافقون‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أشحة عليكم‏} ‏ قال‏:‏ في الغنائم، إذا أصابها المسملون شاحوهم عليها قالوا بألسنتهم‏:‏ لستم باحق بها منا قد شهدنا وقاتلنا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك‏}‏ قال‏:‏ إذا حضروا القتال والعدو ‏ {‏رأيتهم ينظرون إليك‏} ‏ أجبن قوم، وأخذله للحق ‏ {‏تدور أعينهم‏} ‏ قال‏:‏ من الخوف‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏تدور أعينهم‏} ‏ قال‏:‏ فرقا من الموت‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏سلقوكم‏} ‏ قال‏:‏ استقبلوكم‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {سلقوكم بألسنة حداد} قال: الطعن باللسان قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت الأعشى وهو يقول: شعر : فيهم الخصب والسماحة والنجـ ــدة فيهم والخاطب المسلاق تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} قال: أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأه مقاسمة. أعطونا... أعطونا... إنا قد شهدنا معكم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {أشحة على الخير} قال: على المال. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وكان ذلك على الله يسيراً} يعني هيناً. والله أعلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {اشحة عليكم} حال من فاعل يأتون جمع شحيح وهو البخيل. قال الراغب الشح بخل مع حرص وذلك فيما كان عادة يقال رجل شحيح وقوم اشحة اى حال كونهم بخلاء عليكم بالمعاونة او الانفاق فى سبيل الله على فقراء المسلمين [يا نمى خواهدكه ظفر وغنيمت شمارا باشد] {فاذا جاء الخوف} خوف العدو {رأيتهم ينظرون اليك} فى تلك الحالة {تدور اعينهم} فى احداقكم يمينا وشمالا {كالذى يغشى عليه من الموت} اى دورانا كائنا كدوران عين المغشى عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخوفا والتجاء بك يقال غشى على فلان اذا نابه ما غشى فهمه اى ستره {فاذا ذهب الخوف} وجمعت الغنائم {سلقوكم} يقال سلقه بالكلام آذاه كما فى القاموس. قال فى تاج المصادر [السلق: بزبان آزردن] ومنه سلقوكم {بألسنة حداد] اى جهروا فيكم بالسوء من القول وآذوكم. والحداد جمع حديد يقال لسان حديد نحو لسان صارم وماض وذلك اذا كان يؤثر تأثير الحديد: يعنى [برنجانند شمارا وسخنهاى سخت كويند بزبانهاى تيز يعنى تيز زبانى كنند] وقالوا وفروا قسمنا فانا قد ساعدناكم وقاتلنا معكم وبمكاننا غلبتم عدوكم وبنا نصرتم عليه {اشحة على الخير} نصب على الحال من فاعل سلقوكم: يعنى [در حالتى كه سخت حريصند برغنيمت مشاخيه ومجادله ميكنند دروقت قسمت او بخيلند برمال اين جهان نمى خواهندكه رساند بشما كرم وفضل خدا] فهم عند الغنيمة اشح الناس واجبنهم عند البأس {اولئك} الموصوفون بما ذكر من صفات السوء {لم يؤمنوا} بالاخلاص حيث ابطنوا خلاف ما اظهروا فصار اخبث الكفرة وابغضهم الى الله {فاحبط الله اعمالهم} اى اظهر بطلانها اذ لم يثبت لهم اعمال فتبطل لانهم منافقون وفى هذا دلالة على ان المعتبر عند الله هو العمل المبنى على التصديق والا فهو كبناء على غير اساس {وكان ذلك} الاحباط {على الله يسيرا} هينا: بالفارسية [آسان] لتعلق الارادة به وعدمها يمنعه عنه. وفى التأويلات النجمية يشير الى مدعي الطلب اذا ارتدوا عن الطلب فانهم لم يؤمنوا ايمانا حقيقيا فى صدق الطلب والالم يرتدوا عن الطلب فان المشايخ قد قالوا ان مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة ولهذا قال تعالى {فاحبط الله اعمالهم} لانها لم تكن بايمان حقيقى بل كانت بالتقليد والرياء والسمعة وكان ذلك الرد والابطال على الله يسيرا. وقد قال بعض الكبار انى لست بقطب الوجود ولكن مؤمن به فقيل له ونحن مؤمنون به ايضا فقال بين ايمان وايمان فرق فمن ايمان لا يزول كاصل الشجرة الراسخة ومن ايمان يزول كاصل النباتات الواهية وذلك لان المحسن الموقن مأمون من الارتداد والريب بخلاف اهل الغفلة والمتعبد على حرف شعر : لا يزيل الماء نقشا فى الحجر بل يزيل النقش فى وجه الورق باش بر عشق خدا ثابت قدم رونمى كردان زوجه باك حق

الجنابذي

تفسير : {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} الشّح بالتّثليث البخل والحرص، وجاء من باب علم ونصر وضرب والمعنى بخلاء على خيركم او بخلاء ثابتين على ضرركم او حريصون على ضرركم {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ} فى رؤسهم من شدّة الخوف {كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ} نزول {ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} سلقه بالكلام آذاه، شبّه الالسنة بالاسنّة واثبت لها الحدّة استعارةً بالكناية وترشيحاً للاستعارة يعنى انّهم جمعوا بين البخل والجبن وشدّه الاذى حين الأمن {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ} حال من الالسنة او من فاعل سلقوكم او منصوب على الذّمّ {أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ} اخلاصاً {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} الّتى عملوها فى ظاهر الاسلام {وَكَانَ ذَلِكَ} الحبط {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} بعدما ارسل الله عليهم الرّيح والملائكة وبعد هزيمتهم لشدّة خوفهم ودهشتهم {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} كرّةً ثانيةً {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ} كلّ قادمٍ عليهم من المدينة {عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ} فى الكرّة الثّانيّة او لو بقوا فيكم ولم يرجعوا الى المدينة فى الحال الحاضر {مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً} وقد ذكر قصّة الاحزاب وجماعاتهم من الاعراب ومجيئهم الى المدينة وقتل عمرو بن عبد ودّ وهزيمتهم وجبن المنافقين من اصحاب رسول الله (ص) وتجبينهم لغيرهم فى المفصّلات؛ من اراد فليرجع اليها.

اطفيش

تفسير : {أشحة} الخ.. حال من (ولو يأتون) وقيل منه ومن المعوقين يعني ومن القائلين ان قلنا انهم عبدالله بن ابي ومن معه وانهم غير المعوقين ايضا وان قلنا انهم فريق واحد فذلك القائل استغني عنهم بالمعوقين وان قلنا القائلون اليهود فلا تصح الحالية منهم او هو مفعول لمحذوف اي ذم اشحة وهو جمع شحيح واصله اشحة كأرغفة نقلت كسرة الحاء الاولى للشين فأدغمت في الثانية. {عليكم} يا معشر المؤمنين أي بخلا عليكم بالمعونة في أمر القتال ونحوه وبالنفقة في ذلك ونحوه من أمور الآخرة ومنافعكم. {فإذا جاء} حضر وقيل اشتد. {الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم} حال من ولو ينظرون. {كالذي يغشى عليه} أي كنظر الذي أو دورانا كدوران عيني الذي او حال كونهم كالذي أو حال كون أعينهم كعين الذي. {من الموت} أي لاجل الموت أي لسكراته وانما ينظرون اليه خوفا والتجاء اليه حتى انهم كالمحتضر يذهب عقله ويشخص بصره ولا يطرق. {فإذا ذهب الخوف} زال وحيزت الغنيمة ووقعت القسمة. {سلقوكم} آذوكم وضربوكم شبه الأذى باللسان بالضرب بنحو العصا وقريء {صلقوكم} بالصاد. {بألسنة حداد} ذربة يطلبون الغنيمة ويقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفر قسمتنا فإنا قد قاتلنا معكم وبنا غلبتم عدوكم ووصفها بالحدة تشبيها لها بنحو السيف. وقال ابن عباس: عتبوكم بألسنة حداد وقالت فرقة: هذا السلق هو مخادعة المؤمنين مما يرضيهم من القول على جهة المصانعة ولا ينافي هذا القول وصف الألسنة بالحدة فإن المراد بالحدة التأثير وهي كما تؤثر شرا تؤثر خيرا وقيل السلق الصياح. {أشحة} حال من ولو سلقوكم او منصوب على الذم وتؤيده قراءة بعضهم بالرفع على انه خبر لمحذوف. {على الخير} قيل يدل على عموم الشح في قوله سبحانه {أشحة عليكم} وقيل المراد بالخير المال والغنيمة فعلى الأول يكون قوله {أشحة على الخير} تأكيدا في المعنى لقوله {أشحة عليكم}، وعلى الثاني يكون مفيدا ما لا يفيد الأول وفسره بعض بالقتال وعبارة جار الله وقريء {أشحة} بالرفع و{صلقوكم} بالصاد وظاهره ان قراءة الرفع في أشحة الاول او فيه مع الثاني والمتبادر الاول وصرح القاضي بها في الثاني فقط والشح والبخل مترادفان وقيل اشد من البخل يكون في المال والنفس والبخل في المال. وقال طاووس: هو ان يبخل بما في يد غيره، والبخل بما في يده. وقال ابن عمر: هو ان تريد أخذ مال غيرك، والبخل امساك مالك وانظر القناطير. {أولئك لم يؤمنوا} حقيقة والايمان في لسانهم فقط. {فأحبط الله أعمالهم} من جهاد وغيره الذي يظهر ان عمل من أشرك بشرك وعمل من يعمل بهزءوا وخوفا من الناس لا تكتبها الملائكة في الصحف وان الاحباط مستعمل في معنى عدم القبول فاستعمل الخاص وهو الاحباط فانه حقيقة في ابطال ما قد أثبت في العام وهو مطلق عدم القبول وهؤلاء اسروا الشرك او عملوا بخوف فاظهر الله جل وعلا ان أعمالهم غير مقبولة وانها باطلة او اثبتت الملائكة أعمالهم في صحفهم على انهم لم يعلموا ما غاب في القلب من نحو الشرك فأحبطها الله وأبطلها بعد اثباتهم لها وأعلمتنا بذلك وان احباطها مسبب عن عدم ايمان قلوبهم كما تدل عليه الفاء فيجب على المكلف اتقان ايمانه قبل كل شيء اذ كل عمل مع عدم اتقانه باطل وكل من عمل لرياء وسمعة كهؤلاء فلخلل في ايمانه مثلهم فانهم لما لم يؤمنوا كان ما عملوا لم يعملوه لله بل رياء وسمعة واضطرارا ولو كان بينهم وبين الموحد العامل فرق. {وكان ذلك} أي احباط اعمالهم. {على الله يسيرا} سهلا كغيره من جميع الاشياء فانه لا شيء يصعب على الله حاشاه لتعلق الارادة وعدم المانع.

اطفيش

تفسير : {أشحةً} جمع شحيح فصيح استعمالا شاذ قياسا، لان قياس جمع فعيل الوصف المضاف كخليل، افعلاء مثل اخلاء، وسمع ايضا اشحاء على القياس حال من واو يأتون، اى تركوا الاتيان اشحة، قاله الزجاج، وفيه ان عامله لا النافية، والمعنى صحيح، لكن مقتضى كون صاحب الحال الواو وان يكون عامله يأتى لانه العامل فى الواو، فيتغير المعنى لان المعنى حينئذ اتيانهم اشحة منتف، فلعله حال من محذوف مثبت، اى يأتون اشحة او من أل فى القائافى، او من ضميره فى قائلين، وعليه لا يضر الفصل باجزاء الصلة. {عليْكم} اى عنكم بالخير كله كالنفقة والنصرة والغنيمة، والنفع بأبدانهم، وكل منفعة لا يحبون للمؤمنين نفعا ما، وهذا هو المناسب لحالهم من حب الشر للمؤمنين، وقيل هذا حب خير للمؤمنين من غلبة وبقاء، لانهم لو كانوا مغلوبين لم يجدوا من يمنع الاحزاب عنهم، فيقتلون او تؤخذ اموالهم وهو المناسب، لقوله تعالى: {أشحة على الخير} ولان تعدية الشح بعلى، انما هو فى حب بقاء الشئ، وفى الوجه الاول، وعليه الجمهور فسرتها بعن {فاذا جاء الخَوف} من العدو {رأيتهُم ينْظرُون إليك تَدور أعينهُم} اى احداقها من شدة الخوف، والجملة حال من واو ينظرون {كالَّذى يغْشَى عليْه مِن المَوتِ} لاجل الموت او بسببه، اى ينظرون ثابتا كنظر الذى، او تدرور اعينهم دورانا ثابتا كدوران الذى او حال من اعينهم، كعين الذى، او هذا النظر تملق اذا رأوا نجاة المؤمنين، او امارة النصر، او رأوهم غالبين لا كما قيل نظر خيانة، لعلهم يجدون مضربا. {فإذا ذَهَب الخوفُ سلقُوكم بألْسِنةٍ} آذوكم ببسط ألسنتهم فى الذم وما دونه، كقولهم: اعطونا من الغنيمة فلستم بأحق بها منا، والطعن فى الدين قيل: أصل السلق بسط العضو الى احد بالقهر، {حِدادٍ} شداد فى الشر كالسيوف الحديدة، ويحتمل انه شبه ألسنتهم بالسيوف على الاستعارة المكنية، بل الاستعارة على تناسى التشبيه، ورمز اليها بلازمها وهى الحدة، ولازمها الآخر وهو السلق، على انه بمعنى الصرب، فهما اواثباتهما استعارتان تخييليتان، ويقال ايضا السلق البلاغة فى الخطبة، وجهر الصوت فهم يفعلون ذلك بالسوء جرأة قال صلى الله عليه وسلم: (حديث : ليس منا من سلق او حلق)تفسير : اى من رفع صوته جزعا من المصيبة، او حلق ما لا يحلق. {أشحةً عَلى الخَير} كله كما مر مستبقين له لأنفسهم، فهم يطلبون من الغنيمة، ويمسكون اموالهم لا ينفقونها فى سبيل الله، او على بمعنى عن أبى يبخلون عن الخير ولا ينفعون الاسلام او اهله شئ، على انه قد يقال لا تختص على فى الشح بالاستبقاء، ولا بأس بالتكرار تأكيدا، ولاسيما انه تجدد العامل هنا، وهو سلق وأشحة حال من فاعله، وفرق بعض بأن اشحة هنالك فى معاونة المؤمنين، والنصر والانفاق فى سبيل الله تعالى، وما هنا فى مال الغنيمة، وبعض بأن ما هنالك تحبب الى المؤمنين واستبقاء لهم، وما هنا جرأة عليهم بالسلق اذ ذهب ما يتخوفونه، وبعض بأن ما هنالك شح منهم عن المؤمنين، وما هنا شح عن كل احد. {أولئك لم يؤمنوا} من قلوبهم بل ألسنتهم فقط {فأحْبطَ الله أعمالهُم} حين عملوها لشركهم حين عملوا كما دلت عليه الفاء فانها سببية، والمراد لم يقبلها من اول مرة، وليس المراد انها صحت ثم أبطلت، كما يتبادر من الاحباط، فذلك تشبيه او اطلاق للمفيد على المطلق، ولكن المراد بطلانها من اول، قيل المعنى اظهر بطلانها، والاعمال العبادات المأمور بها، وان فسر بما علموه نفاقا وتصنعا، وليس عبادة فى قصدهم، فاحباطه عدم النفع به فى الدينا، ولاحظ لهم فى الاخرة، وقيل: الاعمال عبادة الله، والاحباط على ظاهره، وانها نزلت فى مؤمن مخلص شهد بدرا، ونافق بعد، ويرد هذا بقوله لم يؤمنوا، وبصيغة الجمع، ويجاب بانه لم يؤمن من نافق، وانه قد يكون معه فى ذلك اثنان او اكثر، ويبحث بان الاشارة الى عموم المنافقين المذكورين قبل: ويجاب بجواز الاشارة الى العموم لخصوص من فعل ذلك منهم. {وكان ذَلك} الاحباط {عَلى الله يَسيراً} هينا لا يبالى به، ولا يخاف منه، اوكان ذلك الشح عن المؤمنين سهلا عند الله عز وجل، لانه ينصر المؤمنين ويغنيهم بغيرهم، ولا يكون سبباً لخذلانهم.

الالوسي

تفسير : {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } أي بخلاء عليكم بالنفقة والنصرة على ما روي عن مجاهد وقتادة، وقيل: بأنفسهم، وقيل: بالغنيمة عند القسم، وقيل: بكل ما فيه منفعة لكم وصوب هذا أبو حيان، وذهب الزمخشري إلى أن المعنى أضناء بكم يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف وذلك لأنهم يخافون على أنفسهم لو غلب النبـي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين حيث لم يكن لهم من يمنع الأحزاب عنهم ولا من يحمي حوزتهم سواهم، وقيل: كانوا يفعلون ذلك رياء، والأكثرون ذهبوا إلى ما سمعت قبل وعدل إليه مختصر و«كشافه» أيضاً وذلك على ما قيل لأن ما ذهب إليه معنى ما في التفريع بعد فيحتاج إلى جعله تفسيراً، ورجحه بعض الأجلة على ما ذهب إليه الأكثر فقال: إنما اختاره ليطابق معنى ويقابل قوله تعالى بعد: {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ } ولأن الاستعمال يقتضيه فإن الشح على الشيء هو أن يراد بقاؤه كما في «الصحاح» وأشار إليه بقوله: أضناء بكم، وما ذكره غيره لا يساعده الاستعمال انتهى. قال الخفاجي: إن سلم ما ذكر من الاستعمال كان متعيناً وإلا فلكل وجهة كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام. و {أَشِحَّةً } جميع شحيح على غير القياس إذ قياس فعيل الوصف المضعف عينه ولامه أن يجمع على افعلاء كضنين وأضناء وخليل وأخلاء فالقياس أشحاء وهو مسموع أيضاً، ونصبه عند الزجاج وأبـي البقاء على الحال من فاعل {أية : يَأْتُونَ} تفسير : [الأحزاب: 18] على معنى تركوا الإتيان أشحة، وقال الفراء: على الذم، وقيل: على الحال من ضمير {أية : هَلُمَّ إِلَيْنَا} تفسير : [الأحزاب: 18] أو من ضمير يعوقون مضمراً، ونقل أولهما عن الطبري وهو كما ترى، وقيل: من {ٱلْمُعَوّقِينَ } أو من / القائلين، ورداً بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة، وتعقب بأن الفاصل من متعلقات الصلة وإنما يظهر الرد على كونه حالاً من {ٱلْمُعَوّقِينَ } لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته. وقرأ ابن أبـي عبلة {أَشِحَّةً } بالرفع على إضمار مبتدأ أي هم أشحة. {فَإِذَا جَاء ٱلْخَوْفُ} من العدو وتوقع أن يستأصل أهل المدينة {رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ } أي أحداقهم أو بأحداقهم على أن الباء للتعدية فيكون المعنى تدير أعينهم أحداقهم، والجملة في موضع الحال أي دائرة أعينهم من شدة الخوف. {كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } صفة لمصدر {يُنظَرُونَ } أو حال من فاعله أو لمصدر {تَدورُ } أو حال من {أَعْيُنَهُمْ } أي ينظرون نظراً كائناً كنظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذراً وخوفاً ولواذاً بك أو ينظرون كائنين كالذي الخ أو تدور أعينهم دوراناً كائناً كدوران عين الذي الخ أو تدور أعينهم كائنة كعين الذي الخ، وقيل: معنى الآية إذا جاء الخوف من القتال وظهر المسلمون على أعدائهم رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم في رؤيتهم وتجول وتضطرب رجاء أن يلوح لهم مضرب لأنهم يحضرون على نية شر لا على نية خير، والقول الأول هو الظاهر. {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } أي أذوكم بالكلام وخاصموكم بألسنة سلطة ذربة قاله الفراء، وعن قتادة بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون: أعطونا أعطونا فلستم بأحق بها منا، وقال يزيد بن رومان: بسطوا ألسنتهم في أذاكم وسبكم وتنقيص ما أنتم عليه من الدين. وقال بعض الأجلة: أصل السلق بسط العضو ومده للقهر سواء كان يداً أو لساناً فسلق اللسان بإعلان الطعن والذم وفسر السلق هنا بالضرب مجازاً كما قيل للذم طعن، والحامل عليه توصيف الألسنة بحداد، وجوز أن يشبه اللسان بالسيف ونحوه على طريق الاستعارة المكنية ويثبت له السلق بمعنى الضرب تخييلاً، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن السلق في الآية فقال: الطعن باللسان قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم أما سمعت قول الأعشى:شعر : فيهم الخصب والسماحة والنجدة فيهم والخاطــب المسـلاقتفسير : وفسره الزجاج بالمخاطبة الشديدة قال: معنى سلقوكم خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة يقال: خطيب مسلاق وسلاق إذا كان بليغاً في خطبته، واعتبر بعضهم في السلق رفع الصوت وعلى ذلك جاء قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من سلق أو حلق» قال في «النهاية» أي رفع صوته عند المصيبة، وقيل: أن تصك المرأة وجهها وتمرشه، والأول أصح، وزعم بعضهم أن المعنى في الآية بسطوا ألسنتهم في مخادعتكم بما يرضيكم من القول على جهة المصانعة والمجاملة، ولا يخفى ما فيه، وقرأ ابن أبـي عبلة {صلقوكم} بالصاد. {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ } أي بخلاء حريصين على مال الغنائم على ما روي عن قتادة، وقيل: على ما لهم الذين ينفقونه، وقال الجبائي: أي بخلاء بأن يتكلموا بكلام فيه خير، وذهب أبو حيان إلى عموم الخير ونصب {أَشِحَّةً } على الحال من فاعل {سَلَقُوكُم } أو على الذم، ويؤيده قراءة ابن أبـي عبلة {أَشِحَّةً } بالرفع لأنه عليه خبر مبتدأ محذوف أي هم {أَشِحَّةً } والجملة مستأنفة لا حالية كما هو كذلك على الذم، وغاير بعضهم بين الشح هنا والشح فيما مر بأن ما هنا مقيد بالخير المراد به مال الغنيمة وما مر مقيد بمعاونة المؤمنين ونصرتهم أو بالإنفاق / في سبيل الله تعالى فلا يتكرر هذا مع ما سبق، والزمخشري لما ذهب إلى ما ذهب هناك، قال هنا: فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة نقلوا ذلك الشح وتلك الضنة والرفرفة عليكم إلى الخير وهو المال والغنيمة ونسوا تلك الحالة الأولى واجترؤا عليكم وضربوكم بألسنتهم الخ، وقد سمعت ما قال بعض الأجلة في ذلك. ويمكن أن يقال في الفرق بين هذا وما سبق: أن المراد مما سبق ذمهم بالبخل بكل ما فيه منفعة أو بنوع منه على المؤمنين ومن هذا ذمهم بالحرص على المال أو ما فيه منفعة مطلقاً من غير نظر إلى كون ذلك على المؤمنين أو غيرهم وهو أبلغ في ذمهم من الأول. {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بما ذكر من صفات السوء {لَمْ يُؤْمِنُواْ } بالإخلاص فإنهم المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا في قلوبهم الكفر {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي أظهر بطلانها لأنها باطلة منذ عملت إذ صحتها مشروط بالايمان وبالإخلاص وهم مبطنون الكفر وفي «البحر» أي لم يقبلها سبحانه فكانت كالمحبطة وعلى الوجهين المراد بالأعمال العبادات المأمور بها، وجوزأن يكون المراد بها ما عملوه نفاقاً وتصنعاً وإن لم يكن عبادة، والمعنى فأبطل عز وجل صنعهم ونفاقهم فلم يبق مستتبعاً لمنفعة دنيوية أصلاً. وحمل بعضهم الأعمال على العبادات والإحباط على ظاهره بناء على ما روي عن ابن زيد عن أبيه قال نزلت الآية في رجل بدري نافق بعد بدر ووقع منه ما وقع فأحبط الله تعالى عمله في بدر وغيرها، وصيغة الجمع تبعد ذلك وكذا قوله تعالى: {لَمْ يُؤْمِنُواْ } فإن هذا كما هو ظاهر هذه الرواية قد آمن قبل، وأيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»تفسير : يأبى ذلك فالظاهر والله تعالى أعلم أن هذه الرواية غير صحيحة. {وَكَانَ ذٰلِكَ } أي الاحباط {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } أي هيناً لا يبالي به ولا يخاف سبحانه اعتراضاً عليه، وقيل: أي هيناً سهلاً عليه عز وجل، وتخصيص يسره بالذكر مع أن كل شيء عليه تعالى يسير لبيان أن أعمالهم بالاحباط المذكور لكمال تعاضد الحكم المقتضية له وعدم مانع عنه بالكلية، وقيل: {ذلك} إشارة إلى حالهم من الشح ونحوه، والمعنى كان ذلك الحال عليه عز وجل هيناً لا يبالي به ولا يجعله سبحانه سبباً لخذلان المؤمنين وليس بذاك، والمقصود مما ذكر التهديد والتخويف.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 19- حُرَصاء عليكم فى الظاهر حيث لا خوف، فإذا جاء الخوف من قبل العدو أو من قبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم حائرة، كحال المغشى عليه من سكرات الموت، فإذا ذهب الخوف بالغوا فى ذمكم وشتمكم بألسنة قاطعة، بخلاء بكل خير. أولئك لم يؤمنوا بقلوبهم وإن أعلنوا إسلامهم فأبطل الله أعمالهم بإضمارهم الكفر، وكان ذلك الإحباط أمرا هينا على الله. 20- يظن هؤلاء المنافقون أن جيوش الكفار المتحزبة لا تزال مكانها تحاصر المدينة، وإن يأت الأحزاب كرة أخرى يَتَمَنَّ الجبناء أن لو كانوا يعيشون مع الأعراب فى البوادى يتسقطون أخباركم، ولو ظل هؤلاء فى معسكرهم ولم يفروا والتحم الجيشان ما قاتلوا معكم إلا قليلا للرياء والسمعة. 21- لقد كان لكم فى رسول الله قدوة حسنة لمن كان يرجو رحمة الله ونعيم اليوم الآخر، وذكر الله كثيراً فى الخوف والرجاء والشدة والرخاء. 22- ولمَّا رأى المؤمنون الأحزاب المشركين قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله من قبل، فقد وعدنا بالشدائد ثم النصر، وصدق الله ورسوله، وما زادتهم هذه الشدائد إلا قوة إيمان بالله وحسن تسليم لقضائه.

د. أسعد حومد

تفسير : {أوْلَـٰئِكَ} {أَعْمَالَهُمْ} (19) - وَهُمْ بُخَلاء شَحِيحُونَ، لاَ يَمُدُّونَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّفَقَةِ وَالمَالِ، وَلا يُقَدِّمُونَ لَهُمُ العَوْنَ والنُّصْرَةَ بالنَّفْسِ. فَإِذَا بَدَأَتِ الحَرْبُ، والتَحَمَ المُقَاتِلُونَ رَأَيْتَهُمْ وَقَدِ اعْتَراهُم الخَوْفُ والهَلَعُ يَنْظُرُونَ إِليكَ يَا مُحَمَّدُ وَأَعْيُنُهُمْ تَدُورَ خَوْفاً وَفَرَقاً، كَدَوَرانِ عَيْنِ الذِي غَشِيَهُ المَوْتُ، وَقَرُبَ مِنْهُ، فَتَجْمدُ عَيْنُهُ وَلا تَطْرِفُ. أَمَّا إِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ وَأَسْبَابُهُ، وَعَادَ الأَمْنُ إِلى النُّفُوسِ، فَإِنَّهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ، وَيَتَكَلَّمُونَ عَنِ النَّجْدَةِ والشَّهَامَةِ، والبُطُولاتِ التي أَظْهَرُوها في مَيدَانِ المَعْرَكَةِ، وَهُمْ في هذا كَاذِبُونَ. وَإِذا ظَهَرَ المُؤْمِنُونَ في الحَرْبِ فهُمْ بُخَلاَءُ حَرِيصُونَ عَلَى أَلاَّ يَفُوتَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المَغَانِمِ، فَهُمْ حِينَ البَأْسِ جُبَنَاءُ، وَحِينَ الغَنِيمَةِ أَشِحَّاءٌ (وَقيلَ بَلِ المَعْنَى هُو: فَإِذا ذَهَبَ الخَوْفُ بَالَغُوا فِي شَتْمِكُمْ وَذَمِّكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ مَشْحُوذَةٍ قَاطِعَةٍ). وَهؤُلاءِ، الذِينَ بَسَطَ اللهُ تَعَالى أَوْصَافَهُمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ إِيمَاناً صَادِقاً، وَلَمْ يُخْلِصُوا العَمَلَ لأَنَّهُمْ أهْلُ نِفَاقٍ فَأَهْلَكَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ، وَأَبْطَلَها، وَأَذْهَبَ ثَوَابَها وَأُجُورَها، وَجَعَلَهَا هَبَاءً مَنْثُوراً، وَكَانَ إِحْبَاطُ أَعْمَالِهِمْ أَمراً يَسِيراً عَلَى اللهِ. يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ المَوْتِ - تُصِيبُهُ عَشْيَةٌ مِنْ سَكَراتِ المَوْتِ. سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ - اسْتَقْبَلُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ. أَشِحَّةً على الخَيْرِ - لَيْسِ فِيهِمْ خَيْرٌ، جَمَعُوا الجُبْنَ وَالكَذِبَ، وَالحِرْصَ وَقِلَّةَ الخَيْرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ..} [الأحزاب: 19] الشح في معناه العام هو البخل، لكن الشحيح الذي يبخل على الغير، وقد يكون كريماً على نفسه وعلى أهله، أما البخيل فهو الذي يبخل حتى على نفسه؛ لذلك قال تعالى: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ..} [الأحزاب: 19] ليس على أنفسهم. وأنت حين تتأمل الصفات المذمومة في الكون تجدها ضرورية لحقائق تكوين الكون، وتجد لها مهمة؛ لذلك فَطِن الشاعر إلى هذه المسألة، فقال: شعر : إنَّ الأشِحَّاءَ أسْخَى الناسِ قَاطِبةً لأنَّهم مَلكُوا الدُّنيا وَمَا انتفَعُوا لم يَحْرِمُوا الناسَ من بَعْضِ الذِي مَلكُوا إلاَّ لِيُعْطَوْا هُموا كُل الذِي جمَعُوا تفسير : وآخر يرى للبخيل فضلاً عليه، فيقول: شعر : جُزِي البخيلُ عليَّ صالحةً مِنَّّى لخِفَّتِهِ علَى نَفْسِي تفسير : نعم، البخيل خفيف على النفس؛ لأنه لم يَجُدْ عليك بشيء يأسرك به، ولم يستعبدك في يوم من الأيام بالإحسان إليك، فهو خفيف على نفسك؛ لأنك لستَ مديناً له بشيء. وهذا على حَدِّ قول الشاعر: شعر : أَحْسِنْ إلىَ النَّاسِ تَسْتعبدِ قُلُوبَهُم وطَالَما اسْتعبَد الإنْسانَ إحْسَانُ تفسير : فالبخل وإنْ كان مذموماً، فقد ركزه الله في بعض الطباع ليعين التضاد، ومعنى "يعين التضاد" أن البخل مقابله الكرم، والبخيل يعاون الكريم على أداء مهمته، فالكريم عادة (إيده سايبه)، ينفق هنا وهناك حتى ينفد ما معه، ومن أهل الكرم مَنْ يلجأ إلى أنْ يبيع أرضه أو بيته في سبيل كرمه، فمَنْ يشتري منه إذن إذا لم يكُنْ هناك مَنْ يكنز المال ويبخل به؟ إذن: لو نظرتَ إلى كل شيء في الوجود تجد له مهمة، حتى إنْ كان مذموماً، ثم إن البخيل كثيراً ما يكون ظريفاً لا يخلو مجلسه من ظُرْفه، فقد كنا في بواكير شبابنا نشرب السجائر، فكان الواحد منا يُخرج علبة السجائر يوزعها على الحاضرين، وربما لا تكفي واحدة فأخرج الأخرى، وكان في مجلسنا واحد من هؤلاء، فنظر إليَّ في غَيْظ وقال (يا قلبك يا أخي). وقد كانت هذه السجائر سبباً في أننا جُرْنا على شبابنا، فكان لها أثر بالغ علينا في الكِبَر، فليحْمِ الشباب شبابهم ولا يدمروه بمثل هذه الخبائث المحرمة. ثم يقول سبحانه: {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ ..} [الأحزاب: 19] أي: في ساعة الفزع، يأخذ الفزع أبصارهم، فينظرون هنا وهناك، لا تستقر أبصارهم، ولا تسكن إلى شيء، زاغتْ أبصارهم {كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ..} [الأحزاب: 19]. ومن ذلك الخبر: "إنكم لتكثرون عند الفزع، وتَقلُّون عند الطمع". كان هذا حالهم عند الخوف والفزع {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ..} [الأحزاب: 19] معنى {سَلَقُوكُمْ ..} [الأحزاب: 19] آلموكم وآذوكم بألسنتهم، وقالوا لكم: أعطونا حقنا، فقد حاربنا معكم، ولولا نحن ما انتصرتُمْ على عدوكم، إلى غير ذلك من التطاول بالقول والإيذاء والتأنيب. وهذا كله من معاني (السلق) ومنه: سلق اللحم ونحوه، وهو أنْ يغلي في الماء دون أنْ تضيف إليه شيئاً، ومثله السلخ، فكلها معانٍ تلتقي في الإيلام. وعادةً ما تجد في اللغة إذا اشترك اللفظان في حرفين، واختلفا في الثالث تجد أن لهما معنى عاماً يجمعهما كما في سلق وسلخ، وفي: قطف، وقطر، وقطم. وكلها تلتقي في الانفصال. وقوله تعالى: {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ..} [الأحزاب: 19] حداد يعني: حادة فصيحة بملء الفم، كما في قوله تعالى: {أية : فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق: 22]. ومعنى {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ..} [الأحزاب: 19] بعد أنْ قال {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ..} [الأحزاب: 19] أكدَّ هذا المعنى بقوله {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ ..} [الأحزاب: 19] أي: في عمومه. {أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ ..} [الأحزاب: 19] لأنهم لو آمنوا لَعلموا أن الشحَّ، شُحٌّ عليهم هم، وليس في صالحهم؛ لأن الكريم يستزيد من الله العطاء، أما الشحيح فليس له زيادة؛ لذلك يقول تعالى: {أية : هَٰأَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ..} تفسير : [محمد: 38]. وربك حين يراك تنفق مما أعطاك يزيدك؛ لأنك مؤتمن على الرزق؛ لذلك يقول أحد الصالحين: اللهم إنك عوّدتني خيراً، وعوَّدْتُ خلقك خيراً، فلا تقطع ما عوَّدتني حتى لا أقطع عن الناس ما عوَّدتهم. إذن: فالعطاء استدرار لنعمة الله، وسبب للمزيد منها. وهَبْ أن لك عدة أولاد، أعطيتَ لواحد منهم جنيهاً مثلاً، فذهب واشترى به حلوى، ثم وزَّعها على إخوته، ولم يُؤثِر نفسه عليهم، لا بُدَّ أنك ستأتمنه، وتعطيه المزيد؛ لأن الخير في يده يفيض على الآخرين. ونتيجة عدم الإيمان {فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} [الأحزاب: 19] أي: أنهم عملوا، لكن أعمالهم لا رصيدَ لها من إيمان؛ لذلك أحبطها الله أي: جعلها غير ذات جدوى ولا فائدةَ تعود عليهم. وهذه القضية أوضحها القرآن في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} تفسير : [إبراهيم: 18]. وهذا الإحباط أمر يسير على الله تعالى، لكن أفي حَقِّ الله تعالى نقول: هذا صعب، وهذا يسير؟ قالوا: كلُّ أمر الله يسير؛ لأنه تعالى لا يفعل بمعالجة الشيء، إنما يفعل سبحانه بكُنْ، وسبق أنْ مثَّلنا لمعالجة الأفعال بمَنْ يريد أنْ ينقل مثلاً عشرة أرادبّ من القمح، فإنه لا يستطيع إلا أنْ يحملها مُجزَّأة، فينقل (الجُوال) من هنا إلى هناك، ثم الآخر، إلى أنْ ينتهي من الكمية كلها، ويأخذ في هذا العمل وقتاً يتناسب مع قوته. فلما تقدَّم العلم، وتطوَّر الفكر الإنساني رأينا الآلة التي تحمل كل هذه الكمية وتنقلها في حركة واحدة، وبمجرد الضغط على مجموعة من الأزرار والمفاتيح، فإذا كان العبد المخلوق لله عز وجل قد استطاع أنْ يصلَ إلى هذا التيسير، فما بالك بالخالق عز وجل؟ لذلك يقول تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] ولا تتعجب من هذه المسألة؛ لأن ربك أعطاك في ذاتك شيئاً منها، لماذا تستبعد فِعْل الله تعالى بكُنْ، وأنت ترى جوارحك تنفعل لمجرد إرادتك للفعل، مجرد رغبتك في القيام ترى نفسك قد قُمْتَ، دون حتى أن تأمر جوارحك وعضلاتك بالقيام. فإنْ قلتَ: فلماذا لا يأمر الإنسان جوارحه وأعضاءه بما يريد؟ نقول: لأنك لا تملك أنْ تأمرها، فهي تنقاد لك ولمرادك بأمر الله، فالأشياء كلها إنما تأتمر بأمر الخالق سبحانه، ولا تتخلف عن أمره أبداً، ألم تقرأ عن السماء {أية : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 2] . فالسماء مع عِظَم خَلْقها تسمع وتطيع أمر خالقها؛ أما أنت أيها العبد، فأيَّ شيء تأمر، وأنت لا تعرف أصلاً ما تأمره؟ وهل تعرف أنت العضلات والأعضاء والأعصاب التي تشترك بداخلك لأداء عملية القيام؟ لذلك ولعدم علمك بما تأمره جعل الله أعضاءك وجوارحك تنفعل لمجرد إرادتك. أما هو سبحانه فيقول (كُنْ) لأنه خالق كل شيء، وكل شيء مؤتمر بأمره، وقال سبحانه (كُنْ) حتى لا تقولها أنت، فكأنها سبقتْ منه سبحانه لصالحك أنت، وأنت تفعل من باطن كُنْ الأولى التي توزَّعَتْ علينا جميعاً.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} معناه بالَغوا فِي عَيبِكُمْ ولائِمتِكُمْ.

الأندلسي

تفسير : {أَشِحَّةً} جمع شحيح وهو البخيل وهو جمع لا ينقاس وقياسه في الصفة المضعفة العين واللام أفعلاء نحو خليل وأخلاء فالقياس أشحاء وهو مسموع أيضاً والصواب أن يعم شحهم بكل ما فيه منفعة للمؤمنين فإِذا جاء الخوف من العدو وتوقع أن يستأصل أهل المدينة لاذ هؤلاء المنافقون بك * ينظرون نظر الهلوع المختلط النظر الذي يغشى عليه من الموت * وتدور في موضع الحال أي دائرة أعينهم. {كَٱلَّذِي} في موضع الصفة لمصدر محذوف وهو مصدر مشبه أي دوراناً كدوران عين الذي يغشى عليه فبعد الكاف محذوفان وهما دوران وعين. {سَلَقُوكُمْ} أي بسطوا ألسنتهم فيكم. {أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ} إشارة إلى ما حصل للمؤمنين من الظفر والغنيمة. {أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ} إشارة إلى المنافقين أي لم يكن لهم قط إيمان والإِحباط عدم قبول إيمانهم فكأنها محيطة قال الزمخشري: فإِن قلت هل ثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإِحباط قلت لا ولكنه تعليم لمن عسى يظن أن الإِيمان إلخ "انتهى" وفي كلامه عسى صلة لمن وهو لا يجوز. {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} جملة في موضع المفعول الثاني ليحسبون أي هم من الجزع بحيث هزم الله الأحزاب فرحلوا وهم يحسبون أنهم لم يرحلوا. {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} كرة ثانية تمنوا لخوفهم بما منوا به هذه الكرة أنهم مقيمون في البدو مع الأعراب وهم أهل العمود يرحلون من قطر إلى قطر. {يَسْأَلُونَ} من قدم من المدينة عما جرى عليكم من قتال الأحزاب يتعرفون أحوالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة فرقاً وجبناً وغرضهم من البداوة أن يكونوا سالمين من القتال ولو كانوا فيكم ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا إلا قليلاً لعله رياءً وسمعة. {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الظاهر من قوله لكم عموم الخطاب للمؤمن ولمن يظهر الإِيمان والأسوة القدوة وقرىء بضم الهمزة وكسرها ولمن بدل من قوله لكم بدل بعض من كل فكما نصركم ووازركم حتى قاتل بنفسه عدوكم يجب عليكم أن تنصروه وتوازروه ولا ترغبوا بأنفسكم عن نفسه ولا عن مكان هو فيه قال الزمخشري: لمن كان يرجو بدل من لكم كقوله: للذين استضعفوا لمن آمن "انتهى" ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب إسم ظاهر في بدل الشىء من الشىء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش ويدل عليه قول الشاعر شعر : بكم قريش كفينا كل معضلة وأمّ نهج الهدى من كان ضليلاً تفسير : ولما بين تعالى حال المنافقين وقولهم: {أية : مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [الأحزاب: 12] بين حال المؤمنين وقولهم: صفة ما قال المنافقون وعن ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حديث : ان الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً أي في آخر تسع ليال أو عشر فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك . تفسير : {قَضَىٰ نَحْبَهُ} قال ابن عباس: نحبه موته ومشهور اللغة أن قولهم قضى نحبه كناية عن الموت كما قال ابن عباس وقال الشاعر: شعر : فوجدي بسلمى مثل وجد مرقش باسماً إذ لا يستفيق عواذله قضى نحبه وجداً عليها مرقش وعلقت من سلمى خيالاً أماطله تفسير : {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي الأحزاب عن المدينة والمؤمنين إلى بلادهم. {بِغَيْظِهِمْ} أي مغيظين فهو حال والباء للمصاحبة ولم ينالوا حال ثانية أو من الضمير في بغيظهم فيكون حالاً متداخلة. {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} بإِرسال الريح والجنود وهم الملائكة فلم يكن قتال بين المؤمنين والكفار وكفى هنا بمعنى وفي تتعدى لاثنين وإذا كانت بمعنى حسب فالأكثر في لسان العرب أن يكون الفاعل مصحوباً بالباء الزائدة نحو كفى بالله والقليل حذف هذه الباء كما قال عميرة: شعر : ودع إن تجهزت غادياً كفى الشيب والإِسلام للمرء ناهياً تفسير : {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} أي أعانوا قريشاً ومن معهم من الأحزاب. {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} هم يهود بني قريظة وقيل وبنو النضير ومن أهل الكتاب بيان لقوله: الذين ظاهروهم * ومن صياصهم متعلق بقوله: وأنزل من صياصهم أي من حصونهم واحدها صيصة وهي كل ما يمتنع به والصياصي أيضاً شوك الحاكة ويتخذ من حديد وقذف الرعب سبب لإِنزالهم ولكنه قدم المسبب لما كان المرور بإِنزالهم أكثر والاخبار به أهم قدم وقال رجل: حديث : يا رسول الله مر بنا دحية الكلبي على بغلة بيضاء عليها قطيفة ديباج فقال: ذلك جبريل عليه السلام بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم ولما رجعت الأحزاب جاء جبريل عليه السلام وقت الظهر فقال إن الله يأمركم بالخروج إلى بني قريظة فنادى في الناس لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة فخرجوا إليها فمصل في الطريق وراء ان ذلك خرج مخرج التأكيد والاستعجال ومصل بعد العشاء وكل مصيب فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة فنزلوا على حكم سعد بن معاذ الأوس رضي الله عنه لحلف كان بينهم رجوا بذلك حنوّه عليهم فحكم أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية والعيال والأموال وأن تكون الأرض والثمار للمهاجرين دون الأنصار فقالت له الأنصار في ذلك فقال أردت أن تكون لهم أموال كما لكم أموال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة وقدمهم فضرب أعناقهم وهم بين ثمانمائة إلى سبعمائة وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير وجيء بحي بن أخطب النضيري وهو الذي كان أدخلهم في الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عندهم وفاء لهم فنزل فيمن نزل على حكم سعد فلما قرب وعليه حلتان تفاحيتان مجموعة يداه إلى عنقه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكن من يخذل الله يخذل ثم قال: أيها الناس انه لا بأس أمر الله وقدره وحكمته كتبت على بني إسرائيل ثم قدّم فضربت عنقه . تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} سبب نزولها أن أزواجه صلى الله عليه وسلم تغايرن وأردن زيادة في كسوة ونفقة فنزلت ولما نصر الله نبيه عليه الصلاة والسلام وصرف عنه الأحزاب وفتح عليه قريظة والنضير ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم فقعدن حوله وقلن يا رسول الله بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإِماء والخول ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال وأن يعاملهن بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم فأمره الله تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن وأزواجه إذ ذاك تسعة عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وهؤلاء من قريش ومن غير قريش ميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية وصفية بنت حي بن أخطب الخيبرية فقال أبو القاسم الصيرفي: لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة واختار الآخرة وأمر بتخيير نسائه ليظهر صدق موافقتهن وكان تحته عشر نساء زاد الحميرية فاخترن الله ورسوله إلا الحميرية وروي حديث : أنه قال لعائشة وبدأ بها كانت أحبهن إليه إني ذاكراً لك أمراً ولا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت رضي الله عنها أو في هذا استأمر أبوي فإِني أريد الله ورسوله والدار الآخرة تخبر أزواجك أني اخترتك فقال إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً والظاهر أنهن لو اخترن الحياة الدنيا وزينتها متعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلقهن وأنه ليس باختيارهن ذلك يقع الفراق دون أن يوقعه هو صلى الله عليه وسلم ثم نادى نساء النبي ليجعلن بالهن مما يخاطبن به إذا كان أمراً يجعل البال له . تفسير : {بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} كبيرة من المعاصي ولا يتوهم أنها الزنا لعصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولأنه تعالى وصفها بالتبيين والزنا مما يتستر به وينبغي أن تحمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته ولما كان مكانهن مهبط الوحي من الأوامر والنواهي لزمهن بسبب ذلك وكونهن تحت الرسول عليه السلام أكثر مما يلزم غيرهن فضوعف لهن الأجر والعذاب وقرىء نضعف مبنياً للفاعل العذاب نصب ونضعف مبنياً للمفعول العذاب رفع ومعنى ضعفين أي مرتين. {وَمَن يَقْنُتْ} أي يطع ويخضع بالعبودية لله تعالى وبالموافقة لرسوله صلى الله عليه وسلم وقرىء: يقنت بياء المذكر ويعمل حملاً على لفظ من. {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} أي ليس كل واحدة منكن كشخص واحد من النساء أي من نساء عصركن فكما أنه عليه السلام ليس كأحد من الرجال كما قال عليه الصلاة والسلام لست كأحدكم كذلك زوجاته اللاتي تشرفن بقربه قال الزمخشري: أحد في الأصل بمعنى واحد وهو الواحد ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنس والواحد ما وراءه والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء أي إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}تفسير : [النساء: 152] يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم بأنهم على الحق المبين "انتهى" أما قوله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد فصحيح وأما قوله ثم وضع إلى قوله وما وراءه فليس بصحيح لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد لأن واحداً ينطلق على كل شىء اتصف بالوحدة وأحد المستعمل في النفي العام مخصوص بمن يعقل وذكر النحويون ان مادته همزة وحاء ودال ومادة أحد بمعنى واحد أصله واو وحاء ودال فقد اختلفا مادة ومدلولاً. {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} الظاهر أنه محمول على أن معناه إن استقبلتن أحداً فلا تخضعن واتقى بمعنى استقبل معروف في اللغة قال النابغة الجعدي: شعر : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد تفسير : أي استقبلتنا باليد ويكون هذا المعنى أبلغ في مدحهن إذ لم يعلق فضيلتهن على التقوى ولا على نهيهن عن الخضوع إذ هن متقيات لله تعالى في أنفسهن والتعليق ظاهره يقتضي أنهن لسن متحليات بالتقوى. {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} وهو الذي لا تنكره الشريعة ولا العقول. {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} قرىء: وقرن بكسر القاف يقول: وقريقر إذا سكن فهو أمر مثل قولك عدن من وعد وقرن بفتح القاف وتقدّم لنا أنه يقال: قررت في المكان على وزن فعلت فيكون مضارعه يقررن والأمر أصله أقررن نقلت حركة الراء إلى القاف وانحذفت همزة الوصل ثم حذفت لام الكلمة وهي الراء كما حذفت في ظللت فقيل قرن كما قيل ظلن أمرهن تعالى بملازمة بيوتهن فنهاهن عن التبرج وأعلم تعالى أنه فعل الجاهلية الأولى قال الليث: تبرجت أبدت محاسنها من وجهها وجسدها ويرى مع ذلك من عينها حسن نظر. {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ} تقدم نظيره في قوله: يريد الله ليبين لكم في النساء والرجس الإِثم واستعار الرجس للذنوب والطهر للتقوى لأن عرض المقترف للمعاصي يتدنس بها وأما الطاعات فالعرض منها نقي مصون كالثوب الطاهر وانتصب أهل على النداء أو على المدح أو على الاختصاص وهو قليل في المخاطب ومنه بك الله نرجو الفضل وأكثر ما يكون في المتكلم نحو قوله: شعر : نحن بنات طارق نمشي على النمارق تفسير : ولما كان أهل البيت يشمله وإياهن غلب المذكر على المؤنث في الخطاب في عنكم ويطهركم.