٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : أي من غاية الجبن عند ذهابهم كانوا يخافونهم وعند مجيئهم كانوا يودون لو كانوا في البوادي ولا يكونون بين المقاتلين مع أنهم عند حضورهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} أي لجبنهم؛ يظنون الأحزاب لم ينصرفوا وكانوا انصرفوا، ولكنهم لم يتباعدوا في السير. {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} أي وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال. {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ} تمنوْا أن يكونوا مع الأعراب حَذَراً من القتل وتربُّصاً للدوائر. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «لَو أنهم بُدًّى فِي الأعراب»؛ يقال: بادٍ وبُدًّى؛ مثل غازٍ وغُزًّى. ويُمَدّ مثل صائم وصوّام. بدا فلان يبدو إذا خرج إلى البادية. وهي البِداوة والبَداوة؛ بالكسر والفتح. وأصل الكلمة من البَدْو وهو الظهور. {يَسْأَلُونَ} وقرأ يعقوب في رواية رُوَيس «يتساءلون عن أنبائكم» أي عن أخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم. يتحدّثون: أمَا هلك محمد وأصحابه! أمَا غلب أبو سفيان وأحزابه! أي يودّوا لو أنهم بادون سائلون عن أنبائكم من غير مشاهدة القتال لفرط جبنهم. وقيل: أي هم أبداً لجبنهم يسألون عن أخبار المؤمنين، وهل أصيبوا. وقيل: كان منهم في أطراف المدينة من لم يحضر الخندق، جعلوا يسألون عن أخباركم ويتمنون هزيمة المسلمين. {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي رمياً بالنّبل والحجارة على طريق الرياء والسمعة؛ ولو كان ذلك للَّهِ لكان قليله كثيراً.
ابن كثير
تفسير : وهذا أيضاً من صفاتهم القبيحة في الجبن والخور والخوف {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} بل هم قريب منهم، وأن لهم عودة إِليهم، {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى ٱلأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ} أي: ويودون إِذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة، بل في البادية يسألون عن أخباركم، وما كان من أمركم مع عدوكم، {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: ولو كانوا بين أظهركم، لما قاتلوا معكم إِلا قليلاً، لكثرة جبنهم وذلتهم، وضعف يقينهم، والله سبحانه وتعالى العالم بهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ } من الكفار {لَّمْ يَذْهَبُواْ } إلى مكة لخوفهم منهم {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ } كرّة أخرى {يَوَدُّواْ } يتمنوا {لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى ٱلأَعْرَابِ } أي كائنون في البادية {يَسْئَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ } أخباركم مع الكفار {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ } هذه الكرّة {مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً } رياء وخوفاً من التعيير.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَحْسَبُونَ الأَحْزَابِ لَمْ يَذْهَبُواْ} يعني أن المنافقين يحسبون أبا سفيان وأحزابه من المشركين حين تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مغلوبين لم يذهبوا عنه وأنهم قريب منهم ثم فيه وجهان: أحدهما: أنهم كانواعلى ذلك لبقاء خوفهم وشدة جزعهم. الثاني: تصنعاً للرياء واستدامة التخوف. {وَإِنَ يَأْتِ الأَحْزَابُ} يعني أبا سفيان وأصحابه من المشركين. {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعرْابِ} أي يود المنافقون لو أنهم في البادية مع الأعراب حذراً من القتل وتربصاً للدوائر. {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ} أي عن أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتحدثون: أما هلك محمد وأصحابه، أما غلب أبو سفيان وأحزابه. {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُم مَا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً} فيه وجهان: أحدهما: إلا كرهاً. الثاني: إلا رياءً.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {يحسبون} للمنافقين، والمعنى أنهم من الجزع والفزع بحيث رحل {الأحزاب} وهزمهم الله تعالى وهؤلاء يظنون أنها من الخدع وأنهم {لم يذهبوا} بل يريدون الكرة إلى غلب المدينة، ثم أخبر تعالى عن معتقد هؤلاء المنافقين أن ودهم لو أتى الأحزاب وحاصروا المدينة أن يكونوا هم قد خرجوا إلى البادية في جملة {الأعراب} وهم أهل العمود والرحيل من قطر إلى قطر، ومن كان من العرب مقيماً بأرض مستوطناً فلا يسمون أعراباً وغرضهم من البداوة أن يكونوا سالمين من القتال، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف "لو أنهم بُدّى في الأعراب" شديدة الدال منونة وهو جمع باد كغاز وغزى، وروي عن ابن عباس "لو أنهم بدوا"، وقرأ أهل مكة ونافع وابن كثير والحسن "يسألون" أي من ورد عليهم، وقرأ أبو عمرو وعاصم والأعمش "يسلون" خفيفة بغير همز على نحو قوله {أية : سل بني إسرائيل} تفسير : [البقرة: 211] وقرأ الجحدري وقتادة والحسن بخلاف عنه "يساءلون" أي يسأل بعضهم بعضاً. قال الجحدري "يتساءلون"، ثم سلى الله تعالى عنهم وحقر شأنهم بأن أخبر أنهم لو حضروا لما أغنوا ولما {قاتلوا إلا قتالاً قليلاً} لا نفع له، قال الثعلبي هو قليل من حيث هو رياء من غير حسبة ولو كان لله لكان كثيراً، ثم أخبر تعالى على جهة الموعظة بأن كل مسلم ومدع في الإسلام لقد كان يجب أن يقتدي بمحمد عليه السلام حين قاتل وصبر وجاد بنفسه. وقرأ جمهور الناس "إسوة" بكسر الهمزة، وقرأ عاصم وحده "أُسوة" بضم الهمزة وهما لغتان معناه قدوة، وتأسى الرجل إذا اقتدى، ورجاء الله تعالى تابع للمعرفة به، ورجاء اليوم الآخر ثمرة العمل الصالح، {وذكر الله كثيراً} من خير الأعمال، فنبه عليه، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "يحسبون الأحزاب قد ذهبوا فإذا وجدوهم لم يذهبوا ودوا لو أنهم بادون في الأعراب".
ابن عبد السلام
تفسير : {يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} لخوفهم وشدة جزعهم، أو تصنعاً للرياء واستدامة للتخوف {إِلاَّ قَلِيلاً} كرهاً، أو رياء.
النسفي
تفسير : {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ } أي لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا ولم ينصرفوا مع أنهم قد انصرفوا {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ } كرة ثانية {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى ٱلأَعْرَابِ } البادون جمع البادي أي يتمنى المنافقون لجبنهم أنهم خارجون من المدينة إلى البادية حاصلون بين الأعراب ليأمنوا على أنفسهم ويعتزلوا مما فيه الخوف من القتال {يُسْـئَلُونَ } كل قادم منهم من جانب المدينة {عَنْ أَنبَائِكُمْ } عن أخباركم وعما جرى عليكم {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ } ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال {مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً } رياء وسمعة. {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } بالضم حيث كان: عاصم أي قدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به كما تقول «في البيضة عشرون مناً حديداً» أي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد. أو فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها حيث قاتل بنفسه {لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} أي يخاف الله ويخاف اليوم الآخر أو يأمل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر. قالوا {لِمَنْ } بدل من {لَكُمْ } وفيه ضعف لأنه لا يجوز البدل من ضمير المخاطب. وقيل: {لِمَنْ } يتعلق بـ {حَسَنَةٌ } أي أسوة حسنة كائنة لمن كان {وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً } أي في الخوف والرجاء والشدة والرخاء {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ } وعدهم الله أن يزلزلوا حتى يستغيثوه ويستنصروه بقوله {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } إلى قوله {أية : قَرِيبٌ }تفسير : [البقرة: 214] فلما جاء الأحزاب واضطربوا ورعبوا الرعب الشديد {قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } وعلموا أن الغلبة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم في آخر تسع ليال أو عشر. فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك، وهذا إشارة إلى الخطب والبلاء {وَمَا زَادَهُمْ } ما رأوا من اجتماع الأحزاب عليهم ومجيئهم {إِلاَّ إِيمَانًا } بالله وبمواعيده {وَتَسْلِيماً } لقضائه وقدره. {مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } أي فيما عاهدوه عليه فحذف الجار كما في المثل «صدقني سن بكره» أي صدقني في سن بكره بطرح الجار وإيصال الفعل. نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا وهم عثمان بن عفان وطلحة وسعد بن زيد وحمزة ومصعب وغيرهم {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ } أي مات شهيداً كحمزة ومصعب. وقضاء النحب صار عبارة عن الموت لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته فإذا مات فقد قضى نحبه أي نذره {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } الموت أي على الشهادة كعثمان وطلحة {وَمَا بَدَّلُواْ } العهد {تَبْدِيلاً } ولا غيروه لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة، وفيه تعريض لمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلوب كما مر في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَانُواْ عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَـٰرَ }تفسير : {لّيَجْزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } بوفائهم بالعهد {وَيُعَذّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ إِن شَاء } إذا لم يتوبوا {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } إن تابوا {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً } بقبول التوبة {رَّحِيماً } بعفو الحوبة. جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، لأن كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبها والسعي في تحصيلها. {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الأحزاب {بِغَيْظِهِمْ } حال أي مغيظين كقوله {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ }تفسير : [المؤمنون: 20] {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً } ظفراً أي لم يظفروا بالمسلمين وسماه خيراً بزعمهم وهو حال أي غير ظافرين {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } بالريح والملائكة {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً } قادراً غالباً. {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم } عاونوا الأحزاب {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } من بني قريظة {مِن صَيَاصِيهِمْ } من حصونهم الصيصية ما تحصن به. حديث : رُوي أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم، على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: من متابعة قريش. فقال: يا رسول الله إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا وإنهم لكم طعمة. فأذن في الناس أن من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة. فحاصروهم خمساً وعشرين ليلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تنزلون على حكمي»تفسير : فأبوا، فقال: «حديث : على حكم سعد بن معاذ»تفسير : فرضوا به فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال:حديث : «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة»تفسير : ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً وقدمهم فضرب أعناقهم وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة. وقيل: كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } الخوف وبضم العين: شامي وعلي. ونصب {فَرِيقاً } بقوله {تَقْتُلُونَ } وهم الرجال {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } وهم النساء والذراري {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَـٰرَهُمْ وَأَمولَهُمْ } أي المواشي والنقود والأمتعة. حديث : روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار وقال لهم إنكم في منازلكم تفسير : {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا } بقصد القتال وهي مكة أو فارس والروم أو خيبر أو كل أرض تفتح إلى يوم القيامة {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيراً } قادراً. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا } أي السعادة في الدنيا وكثرة الأموال {فَتَعَالَيْنَ } أصل تعال أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطيء، ثم كثر حتى استوى في استعماله الأمكنة، ومعنى {تعالين} أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن كقوله «قام يهددني». { أُمَتّعْكُنَّ } أعطكن متعة الطلاق وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا المفوضة قبل الوطء {وَأُسَرّحْكُنَّ } وأطلقكن {سَرَاحاً جَمِيلاً } لا ضرار فيه أردن شيئاً من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة وتغايرن، فغم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فبدأ بعائشة رضي الله عنها وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم اختار جميعهن اختيارها. وروي أنه قال لعائشة: حديث : «إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك»تفسير : ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وحكم التخيير في الطلاق أنه إذا قال لها اختاري فقالت اخترت نفسي أن تقع تطليقة بائنة، وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء. وعن علي رضي الله عنه: إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ } «من» للبيان لا للتبعيض. {أَجْراً عَظِيماً يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ } سيئة بليغة في القبح {مُّبَيّنَةٍ } ظاهر فحشها. من بيّن بمعنى تبين وبفتح الياء: مكي وأبو بكر. قيل: هي عصيانهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشوزهن. وقيل: الزنا والله عاصم رسوله من ذلك {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ } {يُضَـٰعِِّفُ لَهَا ٱلْعَذَابُ} مكي وشامي {يُضَـٰعَّفُ} أبو عمرو ويزيد ويعقوب {ضِعْفَيْنِ } ضعفي عذاب غيرهن من النساء لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن، فزيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد من العاصي الجاهل، لأن المعصية من العالم أقبح ولذا فضل حد الأحرار على العبيد ولا يرجم الكافر {وَكَانَ ذٰلِكَ } أي تضعيف العذاب عليهن {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } هيناً.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} قال: يحسبونهم قريباً لم يبعدوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} قال: كانوا يتحدثون بمجيء أبي سفيان وأصحابه، وإنما سموا الأحزاب لأنهم حزبوا من قبائل الأعراب على النبي صلى الله عليه وسلم {وإن يأت الأحزاب} قال: أبو سفيان وأصحابه {يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} يقول: يود المنافقون. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وإن يأت الأحزاب} قال: أبو سفيان وأصحابه {يودوا لو أنهم بادون} يقول: يود المنافقون. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} قال: هم المنافقون بناحية المدينة، كانوا يتحدثون بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويقولون: أما هلكوا بعد، ولم يعلموا بذهاب الأحزاب، قد سرهم أن جاءهم الأحزاب أنهم بادون في الاعراب مخافة القتال. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {يسألون عن أنبائكم} قال: عن أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما فعلوا. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والخطيب في تالي التلخيص عن أسد بن يزيد أن في مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه {يسلون عن أنبائكم} السؤال بغير ألف.
القشيري
تفسير : يحسبون الأحزابَ لم يذهبوا، ويخافون من عَوْدهم، ويفزعون من ظلِّ أنفسهم إذا وقعوا على آثارهم، ولو اتفق هجومُ الأعداءُ عليكم ما كانوا إلا في حرز سيوفهم ودرية رماحهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {يحسبون الاحزاب لم يذهبوا} اى هؤلاء المنافقون لجبنهم المفرط يظنون ان الاحزاب لم ينهزموا ففروا الى المدينة والاحزاب هم الذين تحزبوا على النبى عليه السلام يوم الخندق وهم قريش وغطفان وبنوا قريظة والنضير من اليهود [والتحزب: كروه كروه شدن] كما فى التاج {وان يأت الاحزاب} كرة ثانية الى المدينة: وبالفارسية [اكر بيايند اين لشكرها نوبتى ديكر] {يودوا لوانهم بادون فى الاعراب} تمنوا انهم خارجون من المدينة الى البدو وحاصلون بين الاعراب لئلا يقوتلوا. والود محبة الشئ وتمنى كونه وبدا يبدو بداوة اذا خرج الى البادية وهى مكان يبدو ما يعن فيه اى يعرض ويقال للمقيم بالبادية باد فالبادون خلاف الحاضرين والبدو خلاف الحضر {يسألون} كل قادم من جانب المدينة {عن انبائكم} عن اخباركم وعما جرى عليكم: يعنى [از آنج كذشته باشد ميان شما ودشمنان] وهو داخل تحت الود اى يودون انهم غائبون عنكم يسمعون اخباركم بسؤالهم عنها من غير مشاهدة {ولو كانوا فيكم} فى الخندق هذه الكرة الثانية ولم يرجعوا الى المدينة وكان قتال: وبالفارسية [واكر باشند درميان يعنى درمدينه ومقاتله بااعدادست دهد] {ما قاتلوا الا قليلا} رياء وخوفا من التعيير من غير حسبة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يَحْسَبُون} أي: هؤلاء المنافقون {الأحزابَ}، يعني: قريشاً وغطفان، الذين تحزّبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: اجتمعوا، أنهم {لم يذهبوا} ولم ينصرفوا؛ لشدة جُبنهم، مع أنهم انصرفوا. {وإن يأتِ الأحزابُ} كرة ثانية؛ {يودُّوا لو أنهم بادون في الأعراب}، والبادون: جمع باد، أي: يتمنى المنافقون - لجُبنهم - أنهم خارجون من المدينة إلى البادية، حاصلون بين الأعراب؛ ليأمنوا على أنفسهم، ويعتزلوا مما فيه الخوف من الحرب، {يسألون} كل قادم منهم من جانب المدينة. وقرئ {يَسَاءلون}، بالشد. أي: يتساءلون، بعضهم بعضاً {عن أنبائكم}؛ عن أخباركم وعما جرى عليكم، {ولو كانوا} أي: هؤلاء المنافقون {فيكم} أي: حاضرون في عسكركم، وَضَرَ قِتَالٌ، {ما قاتلوا إلا قليلاً}؛ رياءً وسمعة، ولو كان لله؛ لكان كثيراً؛ إذ لا يقل عمل لله. الإشارة: الجبان يخاف والناس آمنون، والشجاع يأمن والناس خائفون، ولا ينال من طريق القوم شيئاً جبانٌ ولا مستحي ولا متكبر. فمن أوصاف الضعفاء: أنهم، إذا نزلت بالقوم شدة أو محنة - كما امْتُحِنَ الجنيد وأصحابه - يتمنون أنهم خارجون عنهم، وربما خرجوا بالفعل، وإن ذهبت شوكتهم؛ يحسبون أنهم لم يذهبوا؛ لشدة جزعهم. ومن أوصافهم: أنهم يكثر سؤالهم عن أخبار القوم، والبحث عما جرى بهم؛ خوفاً وجزعاً، ولو مضوا معهم لم يغنوا شيئاً. والله تعالى أعلم. ثم ذكرهم من أهل القوة، فقال: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ...}
الهواري
تفسير : قال: {يَحْسَبُونَ} أي: المنافقون {الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا} أي: يودّ المنافقون {لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ} يعني في البادية مع الأعراب، أي: يودُّون من الخوف لو أنهم في البدو {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ} وهو كلام موصول؛ وليس بهم في ذلك إلا الخوف على أنفسهم وعيالهم وأموالهم، لأنهم مع المسلمين قد أقرّوا بدينهم، وادَّعوا ملّتهم، وجاهدوا معهم أعداءهم، وهم يتمَنَّوْن أن يظفر المشركون على المسلمين من غير أن تدخل عليهم في ذلك مضرة. قال: {وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً} وذلك القليل إنما يقاتل رياء وسمعة بلا حسبة ولا نيّة.
اطفيش
تفسير : {يحسبون} يعتقد هؤلاء المنافقون وقيل يظنون. {الأحزاب} من الكفار. {لم يذهبوا} وهم قد ذهبوا وانهزموا ففروا لداخل المدينة من الخندق لما بهم من الخوف الشديد والجبن فكم بين هؤلاء والذي يفدون النبي بأنفسهم وأموالهم وقلوبهم روي ان رجلا من أصحاب النبي صلى الله عيله وسلم لما مسهم الحصر والبلاء في الخندق رجع الى اهله ليصيب طعاما وإداما فأصاب أخاه يتغذى بالتمر فدعاه فقال اخوه المؤمن: بخلت على رسول الله بنفسك فلا حاجة لي في طعامك. {وإن يأت الأحزاب} رجعوا للقتال بعد الذهاب. {يودوا} يتمن هؤلاء المنافقون او يحبوا. {لو أنهم بادون في الأعراب} لو مصدرية والمصدر مفعول يودوا ومعنى بادون اصحاب بادية كقولك لابنون اي اصحاب لبن وهو اسم فاعل للنسب اصله باديون نقلت ضمة الياء للدال فحذفت الياء للساكن بعدها واصل تلك الياء واو رجعت ياء لتقدم الكسرة او هو اسم فاعل لغير النسب من بدء بمعنى دخل البدو او صار من اهله اي داخلون البدو او كائنون من اهله وفي للظرفية اي في جملة الاعراب وبينهم وهم اصحاب البدو او بمعنى مع وانما يحبون ذلك ويتمنونه ليسلموا من القتال يعني ان الخوف والجبن تمكنا من قلوبهم ولا يزولان فكما هربوا هذه المرة يهربون المرة الاخرى لو رجع القتال وفي مصحف ابن مسعود "يحسبون الاحزاب قد ذهبوا فاذا وجدوهم لم يذهبوا ودوا انهم بادون في الاعراب" وقري {بدا} كغزا وهو المعل كساجد ومسجد من الصحيح وقريء {بدي} بالكسر والتخفيف كعاد وعدي. {يسألون} كل من قدم المدينة من جهة الخندق او من جهة الكفار سواء كان القادم منهم او من غيرهم وقيل المراد يسألون من قدم منهم والواضح الاول. {عن أنبائكم} أخباركم مع الكفار وذلك للخوف على انفسهم واموالهم وعيالهم وكانوا يتمنون ان يظفر المشركون بالمؤمنين من غير ان تدخل عليهم في ذلك مضرة وقريء {يسألون} بتشديد السين بعد همزة يفتعلون من السؤال ابدلت التاء سينا وادغمت فيها السين فهو كقراءة الجمهور او يتفاعلون من السؤال ابدلت وادغمت السين وحذفت الالف فمعناه يسأل بعضهم بعضا ماذا سمعت ماذا بلغك. {ولو كانوا فيكم} ولم يرجعوا الى المدينة وكان قتال. {ما قاتلوا إلا قليلا} قتالا قليلا او زمانا قليلا خوفا من التعبير بعدم القتال ورياء فحضورهم رغبتهم سواء وما خيانتهم الا وبال عليهم يخافون التعبير فيقاتلون قليلا لاقامة العذر ولا يخافون الله وعن بعضهم القليل هنا الرمي بالحجارة.
اطفيش
تفسير : {يحْسَبون الأحْزاب لم يذهَبوا} لفرط خوفهم ودهشهم بهم، وقد ذهبوا بهزم الله لهم، حتى انهم رجعوا الى المدينة من الخندق خوفا منهم بعد الذهاب الذى لم يعلموا به، ومع انهم خرجوا عن معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يلى جهة المدينة {وإنْ يأت الأحزاب} مرة ثانية {يودوا لو أنهم بادُون في الأعْراب} يتمنوا انهم بادون نازلون فى البدو مع الاعراب، وهم عرب الصحراء لا عرب المدينة، لئلا يصيبهم قتل وجرح وسلب، او نحو ذلك، ولو حرف تمن مؤكد ليود، ولم تدخل على الجملة، فان ما بعدها فى تأويل مصدر مفعول به ليود، او الود مطلق الحب، وخصوص التمنى مدلول عليه بلو، او يقدر الفعل فتكون مصدرية، والمصدر من بادون فاعل لفعل المقدر، والفعل المقدر فى تاويل مصدر مفعول يؤد، اى يودوا لو ثبت انهم بادون، اى يودوا لو ثبت بدوهم، اى يودوا ثبوت بدوهم. {يسألون} فى البدو كل من قدم من جهة المدينة {عن أنْبائكُم} اخباركم ماذا جرى لكم مع الاحزاب، والجملة حال من المستتر فى بادون، او خبر ثان لأن، والمعنى يتمنون ان لهم سؤالا عن اخباركم لا مشاهدة {ولو كانُوا فيكُم} حين جاءتكم الاحزاب، وتضاربتم معهم بالحجارة والنبل، او حين كانوا فى البدو، ولو كانوا فيه لو جاءت الاحزاب مرة ثانية وقاتلوكم {ما قاتلوا إلا قليلا} زمانا قليلا او قتالا قليلا خوفا وخذلانا لكم، وذلك القليل يصدر سهم مدارأة لكم، وخوفا من التغيير.
الالوسي
تفسير : {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ } أي هم من الجزع والدهشة لمزيد جبنهم وخوفهم بحيث هزم الله تعالى الأحزاب فرحلوا وهم يظنون أنه لم يرحلوا، وقيل: المراد هؤلاء لجبنهم يحسبون الأحزاب لم ينهزموا وقد انهزموا فانصرفوا عن الخندق راجعين إلى المدينة لذلك، وهذا إن صحت فيه رواية فذاك وإلا فالظاهر أنه مأخوذ من قوله تعالى: {أية : وَٱلْقَائِلِينَ لإِخْوٰنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا }تفسير : [الأحزاب: 18] لدلالته ظاهراً على أنهم خارجون عن معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثون إخوانهم على اللحاق بهم، وكون المراد هلموا إلى رأينا أو إلى مكاننا الذي هو في طرف لا يصل إليه السهم خلاف الظاهر، وكذا من قوله سبحانه: {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ } على ما هو الظاهر أيضاً إذ يبعد حمله على اتحاد المكان ولو في الخندق. {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ } كرة ثانية {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى ٱلأَعْرَابِ } تمنوا أنهم خارجون إلى البدو وحاصلون مع الأعراب وهم أهل العمود، وقرأ عبد الله. وابن عباس. وابن يعمر. وطلحة {بدي} جمع باد كغاز وغزى وليس بقياس في معتل اللام وقيام فعلة كقاض وقضاة؛ وفي رواية أخرى عن ابن عباس {بدوا} فعلاً ماضياً، وفي رواية صاحب «الإقليد» {بدي} بوزن عدي. {يُسْـئَلُونَ } أي كل قادم من جانب المدينة {عَنْ أَنبَائِكُمْ } عما جرى عليكم من الأحزاب يتعرفون أحوالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة / فرقاً وجبناً، واختيار البداوة ليكونوا سالمين من القتال، والجملة في موضع الحال من فاعل {بادون}، وحكى ابن عطية أن أبا عمرو وعاصماً والأعمش قرؤا (يسلون) بغير همز نحو قوله تعالى: {أية : سَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ }تفسير : [البقرة: 211] ولم يعرف ذلك عن أبـي عمرو وعاصم، ولعل ذلك في شاذهما ونقلها صاحب «اللوامح» عن الحسن والأعمش، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وقتادة والجحدري والحسن ويعقوب بخلاف عنهما {يساءلون} بتشديد السين والمد وأصله يتساءلون فأدغمت التاء في السين أي يسأل بعضهم بعضاً أي قول بعضهم لبعض: ماذا سمعت وماذا بلغك؟ أو يتساءلون الأعراب أي يسألونهم كما تقول: رأيت الهلال وتراءيته وأبصرت زيداً وتباصرته. {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ } أي في هذه الكرة المفروضة بقوله تعالى: {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} أو لو كانوا فيكم في الكرة الأولى السابقة ولم يرجعوا إلى داخل المدينة وكانت محاربة بالسيوف ومبارزة الصفوف {مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً } رياء وسمعة وخوفاً من التعبير قال مقاتل والجياني والبعلبكي: هو قليل من حيث هو رياء ولو كان الله تعالى كان كثيراً.
ابن عاشور
تفسير : لما ذُكر حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض من فتنتهم في المسلمين وإذا هم حين مجيء جنود الأحزاب وحين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ثُني عنان الكلام الآن إلى حالهم حين أنعم الله على المسلمين بانكشاف جنود الأحزاب عنهم، فأفاد بأن انكشاف الأحزاب حصل على حين غفلة من المنافقين فلذلك كانوا يشتدّون في ملام المسلمين ويسلِقُونَهم بألسنة حِدَادٍ على أن تَعرضوا للعدوّ الكثير، وكان الله ساعتئذ قد هزم الأحزاب فانصرفوا وكفى الله المؤمنين شرهم، وليس للمنافقين وساطة في ذلك. ولعلهم كانوا لا يودّون رجوع الأحزاب دون أن يأخذوا المدينة، فتكون جملة {يحسبون}استئنافاً ابتدائياً مرتبطاً بقوله {أية : اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً}تفسير : [الأحزاب: 9] الخ... جاء عوْداً على بدْءٍ بمناسبة ذكر أحوال المنافقين، فإن قوله: {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} يؤذن بانهزام الأحزاب ورجوعهم على أعقابهم، أي: وقع ذلك ولم يشعر به المنافقون. ويجوز أن يكون المعنى: أنهم كانوا يسلقون المؤمنين اعتزازاً بالأحزاب لأن الأحزاب حلفاء لقريظة وكان المنافقون أخلاّء لليهود فكان سلقُهم المسلمين في وقت ذهاب الأحزاب وهم لا يعلمون ذلك ولو علموه لخفَّضوا من شدتهم على المسلمين، فتكون جملة {يحسبون} حالاً من ضمير الرفع في {أية : سلقوكم}تفسير : [الأحزاب: 19] أي: فعلوا ذلك حاسبين الأحزاب محيطين بالمدينة ومعتزين بهم فظهرت خيبتهم فيما قدروا. وأما قوله {وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} فهو وصف لِجبن المنافقين، أي: لو جاء الأحزاب كَرَّة أخرى لأخذ المنافقون حيطتهم فخرجوا إلى البادية بين الأعراب القاطنين حول المدينة وهم غفار وأسلَمُ وغيرهم، قال تعالى: {أية : ما كان لأهل المدينة ومَن حولهم من الأعراب}تفسير : [التوبة: 120] الآية. والوُدّ هنا مستعمل كناية عن السعي لحصول الشيء المودود لأن الشيء المحبوب لا يمنع من تحصيله إلا مانع قاهر فهو لازم للودّ. والبادي: ساكن البادية. وتقدم عند قوله تعالى {أية : سواءٌ العاكفُ فيه والبادِ} تفسير : في سورة الحج (25). والأعراب: هم سكان البوادي بالأصالة، أي: يودُّوا الالتحاق بمنازل الأعراب ما لم يعجزوا لما دل عليه قوله عقبه {ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً}، أي: فلو لم يستطيعوا ذلك فكانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً. و{لو} حرف يفيد التمني بعد فعل ودّ ونحوه. أنشد الجاحظ وعبد القاهر:شعر : يَودُّون لو خاطوا عليك جلودهم ولا تَمنع الموت النفوسُ الشحائح تفسير : وتقدم عند قوله تعالى {يودّ أحدُهم لو يُعَمَّر ألف سنة} في سورة البقرة (96). والسؤال عن الأنباء لقصد التجسس على المسلمين للمشركين وليسرّهم ما عسى أن يلحق المسلمين من الهزيمة. ومعنى {ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً} أنهم إذا فرض أن لا يتمكنوا من الخروج إلى البادية وبقُوا في المدينة مع المسلمين ما قاتلوا مع المسلمين إلا قتالاً قليلاً، أي: ضعيفاً لا يُؤْبَه به، وإنما هو تعلة ورياء، وتقدم نظيره آنفاً. والأنباء: جمع نبأ وهو: الخبر المهم، وتقدم عند قوله تعالى {أية : ولقد جاءك من نبإ المرسلين} تفسير : في سورة (الأنعام 34) وقرأ الجمهور {يسألون} (بسكون السين فهمزة) مضارع سأل. وقرأ رويس عن يعقوب {يَسَّاءلون} (بفتح السين مشددة وألف بعدها الهمزة) مضارع تساءل، وأصله: يتساءلون أدغمت التاء في السين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يحسبون الأحزاب: أي يحسب أولئك المنافقون الجبناء الأحزاب وهم قريش وغطفان. لم يذهبوا: أي لم يعودوا إلى بلادهم خائبين. وإن يأت الأحزاب: أي مرة أخرى فرضاً. يودوا لو أنهم بادون في الأعراب: أي من جبنهم وخوفهم يتمنَّون أن لو كانوا في البادية مع سكانها. يسألون عن أنبائكم: أي إِذَا كانوا في البداية لو عاد الأحزاب يسألون عن أنبائكم أي أخباركم هل انهزمتم أو انتصرتم. ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا: أي لو كانوا بينكم في الحاضرة ما قاتلوا معكم إلا قليلا. أسوة حسنة: أي قدوة صالحة تقتدون به صلى الله عليه وسلم في القتال والثبات في مواطنه. هذا ما وعدنا الله ورسوله: من الابتلاء والنصر. وصدق الله ورسوله: في الوعد الذي وعد به. وما زادهم إلا إيماناً وتسليما: أي تصديقا بوعد الله وتسليما لأمر الله. صدقوا ما عاهدوا الله عليه: أي وفوا بوعدهم. فمنهم من قضى نحبه: أي وفى بنذره فقاتل حتى استشهد. ومنهم من ينتظر: أي ما زال يخوض المعارك مع رسول الله وهو ينتظر القتل في سبيل الله. وما بدلوا تبديلا: أي في عهدهم بخلاف المنافقين فقد نكثوا عهدهم. ورد الله الذين كفروا بغيظهم: أي ورد الله الأحزاب خائبين لم يظفروا بالمؤمنين. وكفى الله المؤمنين القتال: أي بالريح والملائكة. معنى الآيات: ما زال السياق في سرد أحداث غزوة الأحزاب فقوله تعالى {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ} أي يحسب أولئك المنافقون الجبناء الذين قالوا إن بيوتنا عورة وقالوا لإِخوانهم هلم إلينا أي اتركوا محمداً في الواجهة وحده إنهم لجبنهم ظنوا أن الأحزاب لم يعودوا إلى بلادهم مع أنهم قد رحلوا وهذا منتهى الجبن والخوف وقوله تعالى {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} أي مرة أخرى على فرض وتقدير {يَوَدُّواْ} يومئذ {لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ} أي خارج المدينة مع الأعراب في البادية لشدة خوفهم من الأحزاب الغزاة، وقوله تعالى {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ} أي أخباركم هل ظَفِرَ بكم الأحزاب أو لا، {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ} أي بينكم ولم يكونوا في البادية {مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً} وذلك لجبنهم وعدم إيمانهم بفائدة القتال لكفرهم بلقاء الله تعالى وما عنده من ثواب وعقاب هذا ما تضمنته الآية الأولى [20]. وقوله تعالى في الآية الثانية [21] {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي: لقد كان لكم أيها المسلمون أي: من مؤمنين صادقين ومنافقين كاذبين في رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة أي قدوة صالحة فاقتدوا به في جهاده وصبره وثباته، فقد جاع حتى شد بطنه بعصابة وقاتل حتى شُجّ وجهه وكسرت رباعيته ومات عمه وحفر الخندق بيديه وثبت في سفح سلع أمام العدو قرابة شهر فأتسوا به في الصبر والجهاد والثبات إن كنتم ترجون الله أي تنظرون ما عنده من خير في مستقبل أيامكم في الدنيا والآخرة وترجون اليوم الآخر أي ترتقبونه وما فيه من سعادة وشقاء، ونعيم مقيم أو جحيم وعذاب أليم. وتذكرون الله تعالى كثيرا في كل حالاتكم وأوقاتكم، فاقتدوا بنبيكم فإِن الاقتداء به واجب لايسقط إلاّ عن عجز والله المستعان. وقوله تعالى في الآية الثالثة في هذا السياق [22] {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ} أي لما رأى المؤمنون الصادقون جيوش الأحزاب وقد أحاطت بهم {قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} بخلاف ما قاله المنافقون حيث قالوا {أية : مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [الأحزاب: 12] وقوله {وَمَا زَادَهُمْ} أي رؤيتهم للأحزاب على كثرتهم {إِلاَّ إِيمَاناً} بصادق وعد الله {وَتَسْلِيماً} لقضائه وحكمه، وهذا ثناء عطر على المؤمنين الصادقين من ربهم عز وجل. وقوله تعالى {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} هذا ثناء آخر على بعض المؤمنين الذين لما تخلفوا عن بدر فتأسفوا ولما حصل انهزام لهم في أُحد عاهدوا الله لئن أشهدهم الله قتالاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقاتلن حتى الاستشهاد فأخبر تعالى عنهم بقوله فمنهم من قضى نحبه أي وفي بنذره فقاتل حتى استشهد ومنهم من ينتظر القتل في سبيل الله، وقوله تعالى {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} أدنى تبديل في موقفهم فثبتوا على عهدهم بخلاف المعوقين من المنافقين فإِنهم بدلوا وغيروا ما عاهدوا الله عليه وقوله تعالى {لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} أي أجرى تعالى تلك الأحداث فكانت كما قدرها في كتاب المقادير، ليجزي الصادقين بصدقهم فيكرمهم وينعمهم في جواره ويعذب المنافقين بناره إن شاء ذلك فيميتهم قبل توبتهم، أو يتوب عليهم فيؤمنوا ويوحدوا ويدخلوا الجنة مع المؤمنين الصادقين وهو معنى قوله: {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ} ذلك لهم قضاء وقدراً أو يتوب عليهم فيتوبوا فلا يعذبوا، وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} إخبار منه تعالى عن نفسه بأنه كان ذا ستر على ذنوب التائبين من عباده رحيما بهم فلا يعاقبهم بعد توبتهم. وقوله تعالى في آخر هذا السياق [25] {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم قريش وكنانة وأسد وغطفان ردهم بغيظهم أي بكربهم وغمهم حيث لم يظفروا بالرسول والمؤمنين ولم يحققوا شيئا مما أمّلوا تحقيقه، وكفى الله المؤمنين القتال حيث سلط على الأحزاب الريح والملائكة فانهزموا وفروا عائدين إلى ديارهم لم ينالوا خيراً. وكان الله قوياً على إيجاد ما يريد إيجاده عزيزاً أي غالباً على أمره لا يمتنع منه شيء أراده. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) تقرير أن الكفر والنفاق صاحبهما لا يفارقه الجبن والخور والشح والبخل. 2) وجوب الائتساء برسول الله في كل ما يطيقه العبد المسلم ويقدر عليه. 3) ثناء الله تعالى على المؤمنين الصادقين لمواقفهم المشرفة ووفائهم بعهودهم. 4) ذم الانهزاميين الناكثين لعهودهم الجبناء من المنافقين وضعاف الإِيمان. 5) بيان الحكمة في غزوة الأحزاب، ليجزي الصادقين......الخ.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْأَلُونَ} {أَنبَآئِكُمْ} {قَاتَلُوۤاْ} (20) - وَهُمْ مِنْ شِدَّةِ دَهْشَتِهِمْ، وَضَعْفِ إِيمَانِهِمْ لاَ يَزَالُونَ يَظُنُّونَ أَنَّ الأَحزابَ مِنْ قُرَيشٍ وغَطْفَانَ.. لَمْ يَرْحَلُوا عنِ المَدِينةِ، وَقَدْ هَزَمَهُمُ اللهُ وَرَحَلُوا. وإِذا عَاد الأَحْزَابُ مَرَّةً أُخْرى لِقِتَالِ المُسْلِمِينَ فِي المَدينةِ وَحِصَارِها، تَمَنُّوا لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِي البَادِيةِ بينَ الأعرابِ بَعِيداً عنِ المَدينةِ، حَتَّى لاَ يَلْحَقَ بِهِمْ مَكْرُوهٌ، وَيَكْتَفُونَ بِالسُّؤَالِ عَنْ أَخْبَارِكُمْ كُلَّ قَادِمٍ إِليهِمْ مِنْ جِهَةِ المَدينةِ. وَلَوْ أَنَّ هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ كَانُوا بَيْنَكُمْ أَثْنَاءَ القِتالِ لمَا قَاتَلُوا مَعَكُمْ إِلاَّ قِتَالاً يَسيراً رِيَاءً وَخَوْفاً مِنَ المَعْرَكَةِ، لا قِتَالاً يَرْجُونَ بِهِ ثَوَابَ اللهِ في الآخِرَةِ. بَادُونَ في الأعْرَابِ - كَانُوا مَعَ الأعْرابِ فِي البَادِيَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : القرآن الكريم يحكي هذا الموقف عن المنافقين، ويكشف نواياهم السيئة، فبعد أنْ تجمَّع الأحزاب وخرجوا لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم ما يزال هؤلاء المنافقون {يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ ..} [الأحزاب: 20] فهذا التجمُّع يخيفهم ويروعهم؛ لذلك لم يُصدِّقوه، فقد رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ينتصر على أعدائه متفرقين، وهذه هي المرة الأولى التي يجتمع فيها أعداء الإسلام على اختلافهم. إذن: استبعد المنافقون تجمُّع الأحزاب هذا التجمع، وبعد ذلك ينفضون دون أنْ يصنعوا حَدَثاً يُذكر في التاريخ. والحُسْبان: ظن، أي: ليس حقيقة. {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ ..} [الأحزاب: 20] أي: إنْ يتجمع الأحزاب يودُّ المنافقون لو أنهم بادون أي: مقيمون في البادية بعيداً عن المدينة؛ لأنهم يخافون من مطلق التجمع، ولأنهم إنْ بَقَوْا في المدينة إما أنْ يحاربوا الأحزاب وهم غير واثقين من النصر، وإما ألاَّ يحاربوا فيصيرون أعداءً للمسلمين. فهم يريدون - إذن - أنْ يعيشوا في النفاق، وألاَّ يخرجوا منه؛ لذلك يودون عيشة البادية مع الأعراب، ومن بعيد {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ..} [الأحزاب: 20] أي: ما حدث لكم في هذه المواجهة. ثم يقرر القرآن هذه الحقيقة: {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 20] أي: درْءاً للشبهات، وذَرّاً للرماد في العيون، إذن: لا تأْسَ عليهم، ولا تحزن لتخلُّفهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):