Verse. 3554 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيْ رَسُوْلِ اللہِ اُسْوَۃٌ حَسَنَۃٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللہَ وَالْيَوْمَ الْاٰخِرَ وَذَكَرَ اللہَ كَثِيْرًا۝۲۱ۭ
Laqad kana lakum fee rasooli Allahi oswatun hasanatun liman kana yarjoo Allaha waalyawma alakhira wathakara Allaha katheeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد كان لكم في رسول الله أسوة» بكسر الهمزة وضمها «حسنة» اقتداء به في القتال والثبات في مواطنه «لمن» بدل من لكم «كان يرجو الله» يخافه «واليوم الآخر وذكر الله كثيرا» بخلاف من ليس كذلك.

21

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} هذا عتاب للمتخلفين عن القتال؛ أي كان لكم قدوة في النبي صلى الله عليه وسلم حيث بذل نفسه لنصرة دين الله في خروجه إلى الخندق. والأسوة القدوة. وقرأ عاصم «أُسوة» بضم الهمزة. الباقون بالكسر؛ وهما لغتان. والجمع فيهما واحد عند الفرّاء. والعلة عنده في الضم على لغة من كسر في الواحدة: الفرقُ بين ذوات الواو وذوات الياء؛ فيقولون كِسْوة وكُساً، ولِحية ولحىً. الجوهريّ: والأُسوة والإسوة بالضم والكسر لغتان. والجمع أُسًى وإسًى. وروى عقبة بن حسان الهجري عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} قال: في جوع النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكره الخطيب أبو بكر أحمد وقال: تفرد به عقبة بن حسان عن مالك، ولم أكتبه إلا بهذا الإسناد. الثانية: قوله تعالى: {أُسْوَةٌ} الأسوة القدوة. والأسوة ما يتأسّى به؛ أي يُتعزَّى به. فيقتدَى به في جميع أفعاله ويتعزّى به في جميع أحواله؛ فلقد شُجّ وجهه، وكسرت رباعيته، وقُتل عمه حمزة» وجاع بطنه، ولم يُلْفَ إلا صابراً محتسِباً، وشاكراً راضياً. وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا (عن بطوننا) عن حَجَر حجر؛ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين. خرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه: حديث غريب. وقال صلى الله عليه وسلم لما شُجّ: «حديث : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» تفسير : وقد تقدّم. {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} قال سعيد بن جبير: المعنى لمن كان يرجو لقاء الله بإيمانه ويصدّق بالبعث الذي فيه جزاء الأفعال. وقيل: أي لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر. ولا يجوز عند الحذاق من النحويين أن يكتب «يرجو» إلا بغير ألف إذا كان لواحد؛ لأن العلة التي في الجمع ليست في الواحد. {وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} خوفاً من عقابه، ورجاء لثوابه. وقيل: إن «لِمَنْ» بدل من قوله: «لَكُمْ» ولا يجيزه البصريون؛ لأن الغائب لا يبدل من المخاطب، وإنما اللام من «لِمن» متعلقة بـ«ـحسنة»، و«أُسْوة» اسم «كَانَ» و«لَكُمْ» الخبر. واختلف فيمن أريد بهذا الخطاب على قولين: أحدهما: المنافقون؛ عطفاً على ما تقدّم من خطابهم. الثاني: المؤمنون؛ لقوله: {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ}. واختلف في هذه الأسوة بالرسول عليه السلام، هل هي على الإيجاب أو على الاستحباب؛ على قولين: أحدهما: على الإيجاب حتى يقوم دليل على الاستحباب. الثاني: على الاستحباب حتى يقوم دليل على الإيجاب. ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدينا.

البيضاوي

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد، أو هو في نفسه قدوة يحسن التأسي به كقولك في البيضة عشرون منا حديداً أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد، وقرأ عاصم بضم الهمزة وهو لغة فيه. {لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} أي ثواب الله أو لقاءه ونعيم الآخرة، أو أيام الله واليوم الآخر خصوصاً. وقيل هو كقولك أرجو زيداً وفضله، فإن {ٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} داخل فيها بحسب الحكم والرجاء يحتمل الأمل والخوف و {لِمَنْ } كان صلة لحسنة أو صفة لها. وقيل بدل من {لَكُمْ } والأكثر على أن ضمير المخاطب لا يبدل منه. {وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسي بالرسول من كان كذلك. {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } بقوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم }تفسير : [البقرة: 214] الآية، وقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم»تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: حديث : إنهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر» تفسير : وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الراء وفتح الهمزة. {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} ظهر صدق خبر الله ورسوله أو صدقاً في النصرة والثواب كما صدقا في البلاء، وإظهار الاسم للتعظيم. {وَمَا زَادَهُمْ } فيه ضمير {لَمَّا رَأَوُاْ}، أو الخطب أو البلاء. {إِلاَّ إِيمَانًا} بالله ومواعيده. {وَتَسْلِيماً} لأوامره ومقاديره. {مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} من الثبات مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمقاتلة لإِعلاء الدين من صدقني إذا قال لك الصدق، فإن المعاهد إذا وفى بعهده فقد صدق فيه. {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ } نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر، والنحب النذر واستعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان. {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} الشهادة كعثمان وطلحة رضي الله عنهما. {وَمَا بَدَّلُواْ} العهد ولا غيروه. {تَبْدِيلاً} شيئاً من التبديل. روي أن طلحة ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى أصيبت يده فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أوجب طلحة»تفسير : وفيه تعريض لأهل النفاق ومرض القلب بالتبديل، وقوله: {لّيَجْزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} تعليل للمنطوق والمعرض به، فكأن المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء كما قصد المخلصون بالثبات والوفاء العاقبة الحسنى، والتوبة عليهم مشروطة بتوبتهم أو المراد بها التوفيق للتوبة. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } لمن تاب. {وَرَدَّ اللهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني الأحزاب. {بِغَيْظِهِمْ } متغيظين. {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً } غير ظافرين وهما حالان بتداخل أو تعاقب. {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } بالريح والملائكة. {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً } على إحداث ما يريده. {عَزِيزاً } غالباً على كل شيء. {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم } ظاهروا الأحزاب. {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} يعني قريظة. {مِن صَيَاصِيهِمْ} من حصونهم جمع صيصية وهي ما يتحصن به ولذلك يقال لقرن الثور والظبى وشوكة الديك. {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} الخوف وقرىء بالضم. {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} وقرىء بضم السين روي: حديث : أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب فقال: أتنزع لأمتك والملائكة لم يضعوا السلاح إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم فأذن في الناس أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فحاصرهم إحدى وعشرين أو خمساً وعشرين حتى جهدهم الحصار فقال لهم: تنزلون على حكمي فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فحكم سعد بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم، فكبر النبي عليه الصلاة والسلام فقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، فقتل منهم ستمائة أو أكثر وأسر منهم سبعمائة

ابن كثير

تفسير : هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته، ومرابطته ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه عز وجل، صلوات الله وسلامه عليه دائماً إِلى يوم الدين، ولهذا قال تعالى للذين تقلقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي: هلا اقتديتم به، وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال تعالى: {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً}. ثم قال تعالى مخبراً عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم، وجعله العاقبة حاصلة لهم في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: يعنون قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاَۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} تفسير : [البقرة: 214] أي: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب، ولهذا قال تعالى: {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}. وقوله تعالى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إِلى الناس وأحوالهم؛ كما قال جمهور الأئمة: إِنه يزيد وينقص، وقد قررنا ذلك في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة، ومعنى قوله جلت عظمته: {وَمَا زَادَهُمْ} أي: ذلك الحال والضيق والشدة {إِلاَّ إِيمَاناً} بالله {وَتَسْلِيماً} أي: انقياداً لآوامره، وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ } بكسر الهمزة وضمها {حَسَنَةٌ } اقتداء به في القتال والثبات في مواطنه {لِمَنْ } بدل من {كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ } يخافه {وَٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً } بخلاف من ليس كذلك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُوُلِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} فيه وجهان: أحدهما: أي مواساة عند القتال، قاله السدي. الثاني: قدوة حسنة يتبع فيها، والأسوة الحسنة المشاركة في الأمر يقال هو مواسيه بماله إذا جعل له نصيباً. وفي المراد بذلك وجهان: أحدهما: الحث على الصبر مع النبي صلى الله عليه وسلم في حروبه. الثاني: التسلية لهم فيما أصابهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم شُج وكُسِرَت رباعيته وقتل عمه حمزة. {لِمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِر} فيه وجهان: أحدهما: لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر قاله ابن عيسى. الثاني: لمن كان يرجوا الله بإيمانه ويصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، قاله ابن جبير. {وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} يحتمل وجهين: أحدهما: أي استكثر من العمل بطاعته تذكراً لأوامره. الثاني: أي استكثر من ذكر الله خوفاً من عقابه ورجاء لثوابه واختلف فيمن أريد بهذا الخطاب على قولين: أحدهما: المنافقون عطفاً عل ما تقدم من خطابهم. الثاني: المؤمنون لقوله: {لِمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ}. واختلف في هذه الأسوة بالرسول هل هي على الإِيجاب أو على الاستحباب على قولين: أحدهما: على الإيجاب حتى يقوم دليل علىالاستحباب. الثاني: على الاستحباب حتى يقول دليل على الإيجاب. ويحتمل أن يحمل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا. قوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأحْزَابِ...} الآية. فيه قولان: أحدهما: أن الله وعدهم في سورة البقرة فقال {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم} تفسير : [البقرة: 214] الآية. فلما رأواْ أحزاب المشركين يوم الخندق {قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} قاله قتادة. الثاني: ما رواه كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذكرت الأحزاب فقال: "حديث : أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةُ عَلَيهَا يَعْنِي قُصُورِ الحِيرَةِ وَمَدَائِنِ كِسرَى فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ"، تفسير : فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صادق إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر فطلعت الأحزاب فقال المؤمنون {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولَهُ} الآية. {... إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} فيه قولان: أحدهما: إلا إيماناً وتسلمياً للقضاء، قاله الحسن. الثاني: إلا إيماناً بما وعد الله وتسليماً لأمر الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُسْوَةٌ} مواساة عند القتال، أو قدوة حسنة يُتبع فيها، والأُسوة: المشاركة في الأمر، واساه في ماله جعل له فيه نصيباً. حثَّهم بذلك على الصبر معه في الحروب، أو تسلية فيما أصابهم، فإن الرسول صلى الله عليه سلم شُج وكُسرت رباعيته وقُتل عمه. {يَرْجُواْ} ثواب الله في اليوم الآخر، أو يرجوا لقاءه بالإيمان ويصدق بالبعث.خطاب للمنافقين، أو المؤمنين، وهذه الأُسوة واجبة، أو مستحبة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أسوة} بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس. الآخرون: بكسرها {نضعف} بالنون وكسر العين {العذاب} بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب. الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة {ويعمل صالحا يؤتها} على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في {ويعمل} الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني. {وقرن} بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة. الباقون: بكسرها. {ولا تبرجن} {أن تبدل} بتشديد التاءين: البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام. {وخاتم} بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم. الباقون: بكسرها. الوقوف: {كثيراً} ه لإبتداء القصة {الأحزاب} لا لأن {قالوا} جواب "لما" {رسوله} الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه {وتسليما} ط {عليه} ج لابتداء التفصيل مع الفاء {ينتظر} لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح {تبديلا} ه لا إلا عند ابي حاتم {عليهم} ط {رحيما} ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً {شجرها} ط {مع الله} ط {يعدلون} ه {حاجزاً} ط {مع الله} ط {لا يعلمون} ه ط {خلفاء الأرض} ه ط {مع الله} ط {ما تذكرون} ه ط {رحمته} ط {مع الله} ط {يشركون} ط {والأرض} ط {مع الله} ط {صادقين} ه {الا الله} ط {يبعثون} ه {عمون} ه. التفسير: القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر. وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد. والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال في باب الدين حق. ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه تعالى قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذاب. وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و"لولا" للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه {لعلكم ترحمون} بأن يكشف العذاب عنكم. والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم {قالوا اطيرنا} اي تشاء منا {بك وبمن معك} وكانوا قد قحطوا {قال طائركم} أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم {عند الله} وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب. ومعنى التطير والطائر قد مر في "الأعراف" وفي "سبحان". ثم جزم بنزول العذاب بقوله {بل أنتم قوم تفتنون} أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة. ثم حكى سوء معاملتكم مع نبيهم بقوله {وكان في المدينة} يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام {تسعة رهط} لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة. وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة {وتسليماً} لقضائه. وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا} تفسير : [البقرة: 214] إلى آخره. كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حرباً ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستشهدوا، فمدحهم الله تعالى بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه. ويجوز أن يجعل المعاهدة عليه مصدوقاً على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه {فمنهم من قضى نحبه} أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته. {ومنهم من ينتظر} الشهادة كعثمان وطلحة {وما بدلوا تبديلاً} ما غير كل من الفريقين عهده. وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا. وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله {إن الله كان غفوراً رحيماً} حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم لو كان دون ذلك لغفر لهم {وردّ الله الذين كفروا} وهم الأحزاب ملتبسين {بغيظهم لم ينالوا خيراً} أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة. {وكفى الله المؤمنين القتال} بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا {وأنزل الذين} ظاهروا الأحزاب {من أهل الكتاب من صياصيهم} والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلاً منها سبب التحصن به. حديث : روي أن جبرائيل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟ فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة. فأذن في الناس ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحصارهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: تنزلون على حكمي. فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائةتفسير : . وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير. وإنما قدم مفعول {تقتلون} لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و "فريقا تأسرون" فإذا سمع السامع قوله "وفريقاً" ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله {وأنزل} على قوله {وقذف} وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر. {وأورثكم أرضهم} التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولاً {وديارهم} التي كانت في القلاع فسلموها إليكم {وأموالهم} التي كانت في تلك الديار {وأرضا لم تطؤها} قيل: هي القلاع أنفسها. وعن مقاتل: هي خيبر. وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة. وعن الحسن: فارس والروم. وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب. ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله {وكان الله على كل شيء قديراً} قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة بقوله عليه السلام "حديث : الصلاة وما ملكت أيمانكم" تفسير : ولما أرشد نبيه إلى القسم الأول بقوله {اتقِ الله} أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة. لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فنقول: التخيير قولاً كان واجباً بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا. ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقاً؟ والظاهر أنه لا يعتبر فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله {فتعالين} وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم الطلاق أم لا؟ الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإِنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعاً. ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا. ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟ الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب. وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالاً بعبادة ربه. وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة. والسراح الجميل كقوله {أية : أو تسريح بإحسان}تفسير : [الآية: 229] وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وفي قوله {للمحسنات} إشارات إلى أن اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان. والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال. ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل {أية : لا يحل لك النساء من بعد} تفسير : [الأحزاب: 52] وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا استأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً أما حكم التخيير في الطلاق فإِذا قال لها: اختاري. فقالت: اخترت نفسي. أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت: لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين. وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض. واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود. وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره. وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعد ذلك طلاقاً وعن علي رضي الله عنه مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة. وحين خيرهن النبي صلى الله عليه وسلم واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة. وأيضاً نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين. وليس في قوله {من يأت} دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : [الزمر: 65] {أية : ولئن اتبعت أهواءهم} تفسير : [البقرة: 120] وقوله {منكن} للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة. وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر. وقيل: هي عصيانهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه. وفي قوله {وكان ذلك على الله يسيراً} إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئاً، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟ وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك. والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك. ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنساناً بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب. قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث. والواحد وما وراءه. والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل. وقوله {إن اتقيتن} احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي ان كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعاً ليناً مثل كلام المريبات {فيطمع الذي في قلبه مرض} أي ريبة وفجور. وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمراً بالإِيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير. ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله {وقرن} بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله {فظلتم تفكهون} [الواقعة: 65] واصله "إقررن". من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قراراً أو من قر يقر بكسر القاف. وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع. والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله {أية : غير متبرجات بزينة}تفسير : [النور: 60] وذلك في سورة النور. والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم عليه السلام، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان. والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام. وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال. ثم أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة ثم عاماً في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر. وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد و {أهل البيت} نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أصل، وفاطمة رضي الله عنهما والحسن والحسين رضي الله عنهما بالاتفاق. والصحيح أن علياً رضي الله عنه منهم لمعاشرته بنت النبي صلى الله عليه وسلم وملازمته إياه. وورود الآية في شأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب. فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين. ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة. ثم ختم الآية بقوله {إن الله كان لطيفا خبيراً} إيذاناً بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده. يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه ولم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت {إن المسلمين والمسلمات} وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولاً كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده. ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله {والصادقين والصادقات} ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان {أية : واصبر على ما أصابك}تفسير : [الآية: 17] أي بسببه. ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله {والخاشعين والخاشعات} وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها {أية : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}تفسير : [المؤمنون: 1 - 2] فلذلك أردفها بالصدقة. ثم بالصيام المانع مطلقاً من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقاً وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري. ثم ختم الأوصاف بقوله {والذاكرين الله كثيراً} يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله. وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة {لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} وقال في الآية {والذاكرين الله كثيراً} ويجيء بعد ذلك {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماشٍ أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله تعالى وهي النية. قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله. والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم. وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى ههنا عاد إلى حديثه، قال الراوي: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكانت أمهات أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} الآية. فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر. وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قبلت، وزوّجها زيداً فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوّجها عبده، وقال أهل النظم: إنه تعالى لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد وخالف الدليل ضل ضلالاً لا يرعوي بعده. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يردها أولاً، لعله أي لم يلده الخ تأمل ولو ارادها لاختطبها. وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي. فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟ قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتكبر عليّ لشرفها. فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد. فلما اعتدت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب. قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك. ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي. فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ. قوله {للذي} يعني زيداً {أنعم الله عليه} بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله {وأنعمت عليه} أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص. وقوله {واتق الله} أي في تطليقها فلا تفارقها. نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج. الذي أخفى النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيداً سيطلقها. وعن عائشة لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه. والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله {والله أحق أن تخشاه} فإِن حسنات الأبرار سيئات المقربين. فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذراً من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس. قال جار الله: الواوات في قوله {وتخفى} {وتخشى} {والله} للحال. ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس {والله أحق أن تخشاه} حتى لا تفعل مثل ذلك. قوله {فلما قضى زيد منها} حاجته ولم يبق له بها رغبة وطلقها وانقضت عدتها {زوّجناكها} نفياً للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم يستفاد من فعله ايضاً، بل الثاني يؤكد الأول. ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب، وقوله {إذا قضوا منهن وطراً} يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى. عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة. وقيل: التطليق. فلا إضمار على هذا {وكان أمر الله مفعولاً} مكوناً لا محالة. ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه النبي صلى الله عليه وسلم عن قالة الناس بقوله {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله} أي قسم وأوجب {له} و {سنة الله} مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص. ومعنى {قدراً مقدوراً} قضاء مقضياً هكذا قاله المفسرون ولعل قوله {وكان أمر الله مفعولاً} إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مراراً. وفي قوله {ولا يخشون أحداً إلا الله} تعريض بما صرح به في قوله {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو. ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيداً لم يكن ابناً له فقال {ما كان محمد أبا أحد} فكان لقائل أن يقول: أما كان أباً للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل {من رجالكم} فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضاً من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ. والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب. ومعنى الاستدراك في قوله {ولكن رسول الله} صلى الله عليه وسلم إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله {وخاتم النبيين} لأن النبي إذا علم أن بعده نبياً آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه {وكان الله بكل شيء عليماً} ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ومجيء عيسى عليه السلام في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبئ قبله وهو يجيء على شريعة نبيناً مصلياً إلى قبلته وكأنه بعض أمته. التأويل: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة} أي كان في الأول مقدراً لكم متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود "حديث : أول ما خلق الله نوري أو روحي" تفسير : وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال. فمن كان يرجو الله كان عمله خالصاً لوجه الله تعالى، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الجنان. وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" نفياً وإثباتاً، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله. {ولما رأى المؤمنون الأحزاب} المجتمعين على إضلالهم واهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه {قالوا} متوكلين على الله {هذا ما وعدنا الله ورسوله} أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل {من المؤمنين رجال} يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث {صدقوا ما عاهدوا الله عليه} أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى. {فمنهم من قضى نحبه} فوصل إلى مقصده {ومنهم من ينتظر} الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين {وكفى الله المؤمنين القتال} بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها. {وأنزل الذين ظاهروهم} أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب {من صياصيهم} هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب {فريقاً تقتلون} وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه {وتأسرون فريقاً} وهم الدنيا وجاهها {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة {وارضاً لم تطئوها} يشير إلى مقامات وكمالات لم يلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق. {قل لأزواجك} فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم مع أنهن محال النطفة الإنسانية الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم بالحق لا الحظ {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} تفسير : [آل عمران: 31] ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب. والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية {يا نساء النبي} هم الذين اسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق {إن اتقيتن} بالله من غيره {فلا تخضعن بالقول} لشيء من الدارين فإن كثيراً من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب. فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب. {وقرن في بيوتكن} من عالم الملكوت {ولا تبرجن} في عالم الحواس راغبين في زينة كعادة الجهلة {وأقمن الصلاة} التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحاينة، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها. وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي. الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف. إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية. {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفاً للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفاً لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا. وفي قوله {والله أحق أن تخشاه} دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيراً. {فلما قضى زيد منها وطراً} قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة {ما كان على النبيّ من حرج} فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق {ولكن رسول الله} صلى الله عليه وسلم فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا قال "حديث : كل حسب ونسب ينقطع إلاّ حسبي ونسبي".

البقاعي

تفسير : ولما أخبر تعالى عنهم بهذه الأحوال التي هي غاية في الدناءة، أقبل عليهم إقبالاً يدلهم على تناهي الغضب، فقال مؤكداً محققاً لأجل إنكارهم: {لقد كان لكم} أيها الناس كافة الذين المنافقون في غمارهم {في رسول الله} الذي جاء عنه لإنقاذكم من كل ما يسوءكم، وجلاله من جلاله المحيط بكل جلال، وكماله من كماله العالي على كل كمال، وهو أشرف الخلائق، فرضيتم مخالطة الأجلاف بدل الكون معه {أسوة} أي قدوة عظيمة - على قراءة عاصم بضم الهمزة، وفي أدنى المراتب - على قراءة الباقين بالكسر، تساوون أنفسكم به وهو أعلى الناس قدراً يجب على كل أحد أن يفدي ظفره الشريف ولو بعينه فضلاً عن أن يسوي نفسه بنفسه، فيكون معه في كل أمر يكون فيه، لا يختلف عنه أصلاً {حسنة لمن كان} على قراءة الجماعة بمطلق الصبر في البأساء وأحسنية - على قراءة عاصم بالصبر على الجراح في نفسه والإصابة في عمه وأعزّ أهله وجميع ما كان يفعل في مقاساة الشدائد، ولقاء الأقران، والنصيحة لله ولنفسه وللمؤمنين، وعبر عنه بوصف الرسالة لأنه حظ الخلق منه ليقتدوا بأفعاله وأقواله، ويتخلفوا بأخلاقه وأحواله، ونبه على أن الذي يحمل على التآسي به صلى الله عليه وسلم إنما هو الصدق في الإيمان ولا سيما الإيمان بالقيامة، وأن الموجب للرضا جبلة له {يرجوا الله} أي في جبلته أنه يجدد الرجاء مستمراً للذي لا عظيم في الحقيقة سواه فيأمل إسعاده ويخشى إبعاده {واليوم الآخر} الذي لا بد من إيجاده ومجازاة الخلائق فيه بإعمالهم، فمن كان كذلك حمله رجاؤه على كل خير، ومنعه من كل شر، فإنه يوم التغابن، لأن الحياة فيه دائمة، والكسر فيه لا يجبر. ولما عبر بالمضارع المقتضي لدوام التجدد اللازم منه دوام الاتصاف الناشئ عن المراقبة لأنه في جبلته، أنتج ان يقال: فأسى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء تصديقاً لما في جبلته من الرجاء، فعطف عليه، أو على "كان" المقتضيه للرسوخ قوله: {وذكر الله} الذي له صفات الكمال، وقيده بقوله: {كثيراً} تحقيقاً لما ذكر من معنى الرجاء الذي به الفلاح، وأن المراد منه الدائم في حالي السراء والضراء. ولما أخبر عما حصل في هذه الوقعة من الشدائد الناشئة عن الرعب لعامة الناس، وخص من بينهم المنافقين بما ختمه بالملامة في ترك التآسي بمن أعطاء الله قيادهم، وأعلاه عليهم في الثبات والذكر، وختم هذا الختم بما يثمر الرسوخ في الدين، ذكر حال الراسخين في أوصاف الكمال المتأسين بالداعي، المقتفين للهادي، فقال عاطفاً على {هنالك ابتلي المؤمنون}: {ولما رأى المؤمنون} أي الكاملون في الإيمان {الأحزاب} الذين أدهشت رؤيتهم القلوب {قالوا} أي مع ما حصل لهم من الزلزال وتعاظم الأحوال: {هذا} أي الذي نراه من الهول {ما وعدنا} من تصديق دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان {الله} الذي له الأمر كله {ورسوله} المبلغ عنه في نحو قوله: {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} تفسير : [البقرة: 214] {أية : أحسب الناس أن يتركوا}تفسير : [العنكبوت: 2] {أية : أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم}تفسير : [التوبة: 16] وأمثال ذلك، فسموا المس بالبأساء والضراء، والابتلاء بالزلزال والأعداء، وعداً لعلمهم بما لهم عليه عند الله، ولا سيما في يوم الجزاء، وما يعقبه من النصر، عند اشتداد الأمر. ولما كان هذا معناه التصديق، أزالوا عنه احتمال أن يكون أمراً اتفاقياً، وصرحوا به على وجه يفهم الدعاء بالنصر الموعود به في قولهم عطفاً على هذا: {وصدق} مطلقاً لا بالنسبة إلى مفعول معين {الله} الذي له صفات الكمال {ورسوله} الذي كماله من كماله، أي ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما وعدا به من السراء والضراء مما رأيناه. وهما صادقان فيما غاب عنا مما وعدا به من نصر وغيره، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما. ولما كان هذا قولاً يمكن أن يكون لسانياً فقط كقول المنافقين، أكده لظن المنافقين ذلك، فقال سبحانه شاهداً لهم: {وما زادهم} أي ما رأوه من أمرهم المرعب {إلا إيماناً} أي بالله ورسوله بقلوبهم، وأبلغ سبحانه في وصفهم بالإسلام، فعبر بصيغة التفعيل فقال: {وتسليماً} أي لهما بجميع جوارحهم في جميع القضاء والقدر، وقد تقدم في قوله تعالى في سورة الفرقان {أية : ويجعل لك قصوراً} تفسير : [الفرقان: 10] ما هو من شرح هذا. ولما كان كل من آمن بائعاً نفسه وماله لله، لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وكان بعض الراسخين في الإيمان لم يعط الإيمان حقه في القتال في نفسه وماله, كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، أما في ماله فبالخروج عنه كله، وأما في نفسه فيما يقحمها من الأهوال، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له في بعض المواطن: "الزم مكانك وأمتعنا بنفسك"، "ويقول له ولعمر رضي الله عنهما أنهما من الدين بمنزلة السمع والبصر" وكان أبو بكر رضي الله عنه في ليلة الغار يذكر الطلب فيتأخر، والرصد فيتقدم، وما عن الجوانب فيصير إليها، ومنهم من وفى هذه الغزوة وما قبلها فأراد الله التنويه بذكرهم والثناء عليهم توفية لما يفضل به في حقهم، وترغيباً لغيرهم فأظهر ولم يضمر لئلا يتقيد بالمذكورين سابقاً فيخص هذه الغزوة فقال: {من المؤمنين} أي الكمل {رجال} أي في غاية العظمة عندنا، ثم وصفهم بقوله: {صدقوا}. ولما كان العهد عند ذوي الهمم العلية، والأخلاق الزكية، لشدة ذكرهم له ومحافظتهم على الوفاء به، وتصوره لهم حتى كأنه رجل عظيم قائم تجاههم، يتقاضاهم الصدق، عدى الفعل إليه فقال: {ما عاهدوا الله} المحيط علماً وقدرة وجلالاً وعظمة {عليه} أي من بيع أنفسهم وأموالهم له بدخولهم في هذا الدين الذي بنى على ذلك فوفوا به أتم وفاء، وفي هذا إشارة إلى أبي لبابة بن المنذر رضي الله عنه، وكان من أكابر المؤمنين الراسخين في صفة الإيمان حيث زل في إشارته إلى بني قريظة بأن المراد بهم الذبح، كما تقدم في الأنفال في قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} تفسير : [الأنفال: 27] فذهب من حينه وربط نفسه تصديقاً لصدقه في سارية من سواري المسجد حتى تاب الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة. ولما ذكر الصادقين، وكان ربما فهم أن الصدق لا يكون إلا بالقتل، قسمهم قسمين مشيراً إلى خلاف ذلك بقوله: {فمنهم من قضى} أي أعطى {نحبه} أي نذره في معاهدته، أنه ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويموت دونه، وفرغ من ذلك وخرج من عهدته بأن قتل شهيداً، فلم يبق عليه نذر كحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع وأنس بن النضر الذي غاب عن غزوة بدر فقال: غبت عن أول قتال قاتل فيه النبي صلى الله عليه وسلم، لئن أشهدني الله قتالاً ليرين الله ما أصنع، فلما انهزم من انهزم في غزوة أحد قال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ومما صنع هؤلاء - يعني المنهزمين من المسلمين. وقاتل حتى قتل بعد بضع وثمانين جراحة من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر {من المؤمنين رجال}" - انتهى، وغير هؤلاء ممن قتل قبل هذا في غزوة أحد وغيرها، وسعد بن معاذ ممن جرح في هذه الغزوة وحكم في بني قريظة بالقتل والسبي، ولم يرع لهم حلفهم لقومه، ولا أطاع قومه في الإشارة عليه باستبقائهم كما استبقى عبد الله بن أبي المنافق بني قينقاع ولا أخذته بهم رأفة غضباً لله ولرسوله رضي الله عنه، وممن لم يقتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة رضي الله عنهم ثبت في أحد وفعل ما لم يفعله غيره، لزم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفارقه، وذب عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممن قضى نحبه، فالمراد بالنحب هنا العهد الذي هو كالنذر المفضي إلى الموت، وأصل النحب الاجتهاد في العمل، ومن هنا استعمل في النذر لأنه الحامل على ذلك {ومنهم} أي الصادقين {من ينتظر} قضاء النحب إما بالنصرة، أو الموت على الشهادة، أو مطلق المتابعة الكاملة. ولما كان المنافقون ينكرون أن يكون أحد صادقاً فيما يظهر من الإيمان، أكد قوله تعريضاً بهم: {وما بدلوا تبديلاً} أي وما أوقعوا شيئاً من تبديل بفترة أو توان، فهذا تصريح بمدح أهل الصدق، وتلويح بذم أهل النفاق عكس ما تقدم، روى البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما نسخنا الصحف بالمصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري - رضي الله عنه - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}. وقوله: "نسخنا الصحف" التي كانت عند حفصة رضي الله عنها بعد موت عمر رضي الله عنه "في المصاحف" التي أمر بها عثمان رضي الله عنه، وقوله: "لم أجدها" أي مكتوبة بدليل حفظه لها، وهذا يدل على أنه لما نسخ المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه لم يقتنعوا بالصحف. بل ضموا إليها ما هو مفرق عند الناس مما كتب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحضرته كما فعلوا حين جمعوا الصحف على عهد أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين. ولما كان كأنه قيل: قد فهم من سياق هذه القصة أن القصد الإقبال عليه سبحانه، وقطع جميع العلائق من غيره، لأنه قادر على كل شيء، فهو يكفي من أقبل عليه كل مهم وإن كان في غاية العجز عنه، تارة بسبب ظاهر, وتارة بغيره, فما له لم يحكم بالاتفاق على كلمة السلام، لتحصل الراحة من هذا العناء كله، فأجيب بأن هذا لتظهر صفة العز والعظمة والعدل وغيرها ظهوراً تاماً إلى غير ذلك من حكم ينكشف عنها الحجاب، وترفع لتجليها غاية التجلي ستور الأسباب، فقال تعالى معلقاً بقوله: {جاءتكم جنود}: {ليجزي الله} أي الذي يريد إظهار جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ظهوراً تاماً {الصادقين} في ادعاء أنهم آمنوا به {بصدقهم} فيعلي أمرهم في الدنيا وينعمهم في الأخرى، فالصدق سبب وإن كان فضلاً منه لأنه الموفق له {ويعذب المنافقين} في الدارين بكذبهم في دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس والمال {إن شاء} يعذبهم على النفاق {أو يتوب عليهم} أي بما يرون من صدقه سبحانه في إعزاز أوليائه وإذلال أعدائه بقدرته التامة حيث كانوا قاطعين بخلاف ذلك. ولما كانت توبة المنافقين مستعبدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث سرائرهم، قال معللاً ذلك كله على وجه التأكيد: {إن الله} أي بما له من الجلال والجمال {كان} أزلاً وأبداً {غفوراً رحيماً} يستر الذنب وينعم على صاحبه بالكرامة، أما في الإثابة لكل فالرحمة عامة، وأما في تعذيب المنافق فيخص الصادقين، لأن عذاب أعدائهم من أعظم نعيمهم، وفي حكمه بالعدل عموم الرحمة أيضاً، فهو لا يعذب أحداً فوق ما يستحق.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} قال: مواساة عند القتال. وأخرج ابن مردويه والخطيب في رواة مالك وابن عساكر وابن النجار عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} قال: في جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن سعيد بن يسار قال: كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما في طريق مكة، فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، فقال ابن عمر رضي الله عنه: أليس لك في رسول الله اسوة حسنة؟ قلت: بلى. قال: فإنه كان يوتر على البعير. وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم عن حفص بن عاصم رضي الله عنه قال: قلت لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: رأيتك في السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها فقال: يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا..... وكذا... فلم أره يصلي قبل الصلاة ولا بعدها، ويقول الله تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} . وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما‏،‏ أنه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت‏:‏ أيقع على امرأته قبل أن يطوف بالصفا والمروة‏؟‏ فقال‏:‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت، وصلى خلف المقام ركعتين، وسعى بين الصفا والمروة، ثم قرأ ‏ {‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏ ‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه أن رجلاً أتى ابن عباس رضي الله عنهما فقال‏:‏ إني نذرت أن أنحر نفسي‏.‏ فقال ابن عباس ‏ {‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏} ‏ ‏ {‏وفديناه بذبح عظيم‏} ‏ فأمره بكبش‏. وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها، وقال ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏ ‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أهلّ وقال‏:‏ إن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه، ثم تلا ‏ {‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏ ‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ هم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينهي عن الحبرة من صباغ البول، فقال له رجل‏:‏ أليس قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها‏؟‏ قال عمر رضي الله عنه‏:‏ بلى‏.‏ قال الرجل‏:‏ ألم يقل الله ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏ ‏؟‏ فتركها عمر‏. وأخرج أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه أكب على الركن فقال‏:‏ إني لا علم أنك حجر، ولو لم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك، واستلمك، ما استلمتك‏.‏ ولا قبلتك ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏ ‏.‏ وأخرج أحمد وأبو يعلى عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال‏:‏ طفت مع عمر رضي الله عنه، فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر، أخذت بيده ليستلم فقال‏:‏ ما طفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فهل رأيته يستلمه‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ما بعد عنك فإن لك في رسول الله أسوة حسنة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن عيسى بن عاصم عن أبيه قال‏:‏ صلى ابن عمر رضي الله عنهما صلاة من صلاة النهار في السفر، فرأى بعضهم يسبح، فقال ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ لو كنت مسبحاً لأتممت الصلاة، حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يسبح بالنهار، وحججت مع أبي بكر، فكان لا يسبح بالنهار، وحججت مع عمر، فكان لا يسبح بالنهار، وحججت مع عثمان رضي الله عنه، فكان لا يسبح بالنهار، ثم قال ابن عمر رضي الله عنه ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏ .

ابو السعود

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} خَصلةٌ حسنةٌ حقُّها أنْ يُؤتسى بها كالثَّباتِ في الحربِ ومقاساةِ الشَّدائدِ أو هو في نفسه قدوة يحق التأسّي به كقولك في البـيضة عشرون منّاً حديداً أي هي في نفسِها هذا القدُر من الحديدِ وقُرىء بكسرِ الهمزةِ وهي لُغةٌ فيها {لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} أي ثوابَ الله أو لقاءَهُ أو أيَّامَ الله واليَّومَ الآخرَ خُصوصاً وقيل: هو مثلُ قولِك أرجُو زيداً وفضَله فإنَّ اليومَ الآخرَ من أيامِ الله تعالى ولمن كان صلة لحسنة أو صفة لها وقيل بدلٌ من لكُم والأكثرونَ على أنَّ ضميرَ المخاطبِ لا يُبدلُّ منه {وَذَكَرَ ٱللَّهَ} أي وقَرن بالرَّجاءِ ذكَر الله {كَثِيراً} أي ذكراً كَثيراً أو زماناً كَثيراً فإنَّ المُثابرةَ على ذكرِه تعالى تُؤدِّي إلى مُلازمةِ الطَّاعةِ وبها يتحقَّقُ الانتساءُ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم. {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ} بـيانٌ لما صدَر عن خُلَّصِ المؤمنينَ عند اشتباهِ الشؤونِ واختلافِ الظُّنونِ بعد حكايةِ ما صدرَ عن غيرِهم أي لمَّا شاهدُوهم حسبما وصفُوا لهم {قَالُواْ هَـٰذَا} مُشيرين إلى ما شاهدُوه من حيثُ هو غيرِ أنْ يخطرَ ببالِهم لفظٌ يدلُّ عليه فضلاً عن تذكيرِه وتأنيثِه فإنَّهما من أحكامِ اللَّفظِ كما مرَّ في قولِه تعالى: { أية : فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًً قَالَ هَـٰذَا رَبّى} تفسير : [سورة الأنعام: الآية 78] وجعله إشارةً إلى الخطبِ أو البلاءِ من نتائجِ النَّظرِ الجليلِ فتدبَّر. نَعم يجوزُ التَّذكيرُ باعتبارِ الخبرِ الذي هُو {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} فإنَّ ذلكَ العُنوان أولُ ما يخطُر ببالِهم عند المُشاهدةِ ومرادُهم بذلك ما وعدُوه بقولِه تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء} تفسير : [سورة البقرة: الآية 214] إلى قولِه تعالى: {أية : أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 214] وقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : سيشتدُّ الأمرُ باجتماعِ الأحزابِ عليكم والعاقبةُ لكم عليهم »، تفسير : [لم أقف عليه] وقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلام: « حديث : إنَّ الأحزابَ سائرونَ إليكُم بعدَ تسعِ ليالٍ أو عشرٍ ». تفسير : وقُرىء بكسرِ الرَّاءِ وفتح الهمزةِ {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي ظهَر صدقُ خبرِ الله تعالى ورسولِه أو صَدَقا في النُّصرة والثَّوابِ كما صَدَقا في البلاءِ وإظهارِ الاسمِ للتَّعظيم {وَمَا زَادَهُمْ} أي ما رَأَوه {إِلاَّ إِيمَانًا} بالله تعالى وبمواعيدهِ {وَتَسْلِيماً} لأوامرِه ومقاديرِه.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الآية: 21]. قال محمد بن على الترمذى: الأسوة فى الرسول صلى الله عليه وسلم الاقتداء به والاتباع لسنته وترك مخالفته فى قول وفعل. سمعت جدى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: من أمَّرَ السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ومن أمَّرَ الهوى على نفسه نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول: {أية : وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ}تفسير : [النور: 54].

القشيري

تفسير : "كان" صلة ومعناها: لكم في رسول الله أسوة حسنة، به قدوتكم، ويجب عليكم متابعته فيما يرسمه لكم. وأَقول الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله على الوجوب إلى أن يقوم دليل التخصيص، فأما أَحواله فلا سبيلَ لأحدٍ إلى الإشراف عليها، فإن ظَهَرَ شيء من ذلك بإخباره أَو بدلالة أقواله وأفعاله عليه فإن كان ذلك مُكْتَسَباً مِن قِبَلِه فيُلحق في الظاهر بالوجوب بأفعاله وأقواله، وإن كان غير مكتسبٍ له فهي خصوصيةٌ له لا ينبغي لأحد أَن يتعرّض لمقابلته لاختصاصه - صلى الله عليه وسلم - بعلوِّ رتبته.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} اسوة النبى صلى الله عليه وسلم اسوة المحبة وقدورة الشوق وطريق المعرفة التى يبلغ المقتدى الى الحق بلا حجاب والى محبته الكبرى لقوله تعالى {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : قال محمد من على الاسوة فى الرسول الاقتداء به والاتباع بسنته وترك مخالفته فى قول وفعل.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد كان لكم} ايها المؤمنون كما فى تفسير الجلالين وهو الظاهر من قوله فيما بعد لمن كان يرجو الله الخ. {فى رسول الله اسوة حسنة}. قال الراغب الاسوة والاسوة كالقدوة والقدوة الحالة التى يكون الانسان عليها فى اتباع غيره ان حسنا وان قبيحا ان سارّا وان ضارا ويقال تأسيت به اى اقتديت. والمعنى لقد كان لكم فى محمد صلى الله عليه وسلم خصلة حسنة وسنة صالحة حقها ان يؤتسى بها اى يقتدى كالثبات فى الحرب ومقاساة الشدائد فانه قد شج فوق حاجبه وكسرت رباعيته وقتل عمه حمزة يوم احد واوذى بضروب الاذى فوقف ولم ينهزم وصبر فلم يجزع فاستسنوا بسنته وانصروه ولا تتخلفوا عنه. وقال بعضهم كلمة فى تجريديه جرد من نفسه الزكية شئ وسمى قدوه وهى هو يعنى ان رسول الله فى نفسه اسوة وقدوة يحسن التأسى والاقتداء به كقولك فى البيضة عشرون منا حديدا اى هى نفسها هذا القدر من الحديد {لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر} اى يأمل ثواب الله ونعيم الآخرة او يخاف الله واليوم الآخر. فالرجاء يحتمل الامل والخوف ولمن كان صلة الحسنة او صفة لها لا بدل من لكم فان الاكثر على ان ضمير المخاطب لا يبدل منه {وذكر الله كثيرا} اى ذكرا كثيرا فى جميع اوقاته واحواله اى وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية الى ملازمة الطاعة وبها يتحقق الأتساء برسول الله. قال الحكيم الترمذى الاسوة فى الرسول الاقتداء به والاتباع لسنته وترك مخالفته فى قول وفعل. قال الشيخ سعدى شعر : درين بحر جزمرد ساعى نرفت كم آن شد كه دنبال راعى نرفت كسانى كزين راه بركشته اند بر فتند بسيار وسر كشته اند خلاف بيمبر كسى ره كزيد كه هركز بمنزل نخواهد رسيد محالست سعدى كه راه صفا توان رفت جزبربى مصطفى تفسير : فمتابعة الرسول تجب على كل مؤمن حتى يتحقق رجاؤه ويثمر عمله لكونه الواسطة والوسيلة وذكر الرجاء اللازم للايمان بالغيب فى مقام النفس وقرن به الذكر الكثير الذى هو عمل ذلك المقام ليعلم ان من كان فى البداية يلزم متابعته فى الاعمال والاخلاق والمجاهدات بالنفس والمال اذ لو لم يستحكم البداية لم يفلح بالنهاية ثم اذا تجرد وتزكى عن صفات نفسه فليتابعه فى موارد قلبه كالصدق والاخلاص والتسليم ليحتظى ببركة المتابعة بالمواهب والاحوال وتجليات الصفات فى مقام القلب كما احتظى بالمكاسب والمقامات وتجليات الافعال فى مقام النفس وهكذا فى مقام الروح حتى الفناء. وفى التأويلات النجمية يشير الى ما سبقت به العناية لهذه الامة فى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما اخبر بلفظ {لقد كان} اى كان {لكم} مقدرا فى الازل ان يكون لكم عند الخروج من العدم الى الوجود {فى رسول الله اسوة حسنة} اى اقتداء حسن وذلك فان اول كل شئ تعلقت به القدرة للايجاد كان روح رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله "حديث : اول ما خلق الله روحى" تفسير : فالاسوة الحسنة عبارة عن تعلق القدرة بارواح هذه الامة لاخراجهم من العدم الى الوجود عقيب اخراج روح رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدم الى الوجود فمن اكرم بهذه الكرامة يكون له اثر فى عالم الارواح قبل تعلقه بعالم الاشباح وبعد تعلقه بعالم الاشخاص فأما اثره فى عالم الارواح فبتقدمه على الارواح بالخروج الى عالم الارواح وبرتبته فى الصف الاول بقرب روح رسول الله صلى الله عليه وسلم اوفى الصف الذى يليه وبتقدمه فى قبول الفيض الالهى وبتقدمه عند استخراج ذرات الذريات من صلب آدم فى استخراج ذراته وباحضارها فى الحضرة وبتقدمه استماع خطاب ألست بربكم وبتقدمه فى اجابة الرب تعالى بقوله قالوا بلى وبتقدمه فى المعاهدة مع الله وبتأخيره فى الرجوع الى صلب آدم وبتأخره فى الخروج عن اصلاب الآباء الى ارحام الامهات وفى الخروج عن الرحم وبتأخر تعلق روحه بجسمه فان لله الذى هو المقدم والمؤخر فى هذه التقدمات والتأخرات حكمة بالغة ولها تأثيرات عجيبة يطول شرحها واما اثره فى عالم الاشباح فاعلم انه بحسب هذه المراتب فى ظهور اثر الاسوة يظهر اثرها فى عالم الاشباح عند تعلق نظر الروح بالنطفة فى الرحم او لا الى ان تتربى النطفة بنظره فى الاطوار المختلفة ويصير قالبا مسويا مستعدا لقبول تعلق الروح به فمثل القالب المسوى مع الروح كمثل الشمعة مع نقش الخاتم اذا وضع عليها يقبل جميع نقوش الخاتم فالروح المكرم اذا تعلق بالقالب المسوّى يودع فيه جميع خواصه التى استفادها من تلك التقدمات والتأخرات الاسوتية فكل ما يجرى على الانسان من بداية ولادته الى نهاية عمره من الافعال والاقوال والاخلاق والاحوال كلها من آثار خواص اودعها الله فى الروح فبحسب قرب كل روح الى روح الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده عنه له اعمال ونيات تناسب حاله فى الاسوة فاما حال اهل القرب منهم فبان يكون عملهم على وفق السنة خالصا لوجه الله تعالى كما قال {لمن كان يرجو الله} واما من هودونهم فى القرب والاخلاص فبان يكون عملهم لليوم الآخر اى للفوز بنعيم الجنان كما قال تعالى {واليوم الآخر} اى لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ثم جعل نيل هذه المقامات مشروطا بقوله تعالى {وذكر الله} كثيرا لان فى الذكر وهو كلمة لا اله الا الله نفيا واثباتا وهما قدمان للسائرين الله تعالى وجنا حان للطائرين بالله بهما يخرجون من ظلمات الوجود المجازى الى نور الوجود الحقيقى انتهى كلام التأويلات

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {لقد كان لكم في رسول الله}؛ محمد صلى الله عليه وسلم {أسوَةٌ حَسَنَة}؛ خَصْلَةٌ حسنة، من حقها أن يُؤتسى بها؛ كالثبات في الحرب، ومقاساة الشدائد، ومباشرة القتال. أو: في نفسه قدوة يحسن التأسي به. كما تقول: في البيضة عشرون رطلاً من حديد، أي: هي في نفسها عشرون. وفيه لغتان: الضم والكسر، كالعِدوة والعُدوة، والرِشوة والرُشوة. وهي {لمَن كان يرجو اللهَ واليوم الآخر} أي: يخاف الله ويخاف اليوم الآخر، أو: لأجل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر. و"لمن": قيل: بدل من ضمير "لكم"، وفيه ضعف؛ إذ لا يبدل من ضمير المخاطب إلا ما يدل على الإحاطة. وقيل: يتعلق بحسنة، أي: أسوة حسنة كائنة لمَن آمن، {وذكر الله كثيراً} أي: في الخوف والرجاء، والشدة والرخاء، فإن المؤتسِي بالرسول يكون كذلك. {ولمَّا رأى المؤمنون الأحزابَ} قد أقبلوا عليهم؛ ليستأصلوهم، وقد وعدهم الله أن يسلط عليهم المحن، ويُزَلْزَلُوا حتى يستغيثوا ويستنصروا بقوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم..}تفسير : [البقرة:214] إلى قوله: {أية : نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}تفسير : [البقرة: 214]، فلما جاء الأحزاب واضطربوا؛ {قالوا هذا ما وعدنا اللهُ ورسولهُ وصدق اللهُ ورسولهُ}، وعَلِمُوا أن الجنة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: "حديث : إنَّ الأحزاب سائِرون إليكم، في آخر تِسْع ليال، أو عشر"تفسير : ، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد، قالوا ذلك. و {هذا}: إشارة إلى الخطب والبلاء، أي: هذا الخطب الذي وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، {وما زادهم}، ما رأوا من اجتماع الأحزاب ومجيئهم، {إلا إيماناً} بالله وبمواعيده {وتسليماً} لقضائه وأقداره. {من المؤمنين رجال صَدَقوا ما عاهدوا اللهَ عليه} أي: صدقوا فيما عاهدوه، فحذف الجار، وأوصل المفعول إلى "ما"؛ وذلك أن رجالاً من الصحابة نَذَرُوا أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا، وقاتلوا حتى يُسْتَشْهَدُوا، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة، وسعيد بن زيد، وحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر، وغيرهم. {فمنهم مَن قضى نَحْبهُ}؛ نذره؛ بأن قاتل حتى استشهد؛ كحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر. والنَّحْبُ: النذر، واستعير للموت؛ لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت، فكأنه نذرٌ لازم في رقبته، فإذا مات؛ فقد قضى نحبه، أي: نذره. وقال في الصحاح: النحب: النذر، ثم قال: والنَّحْبَ: المدة والوقت. يقال: قضى فلان نَحْبَه، إذا مات. هـ. فهو لفظ مشترك بين النذر والموت. وصحح ابنُ عطية أن النحب الذي في الآية ليس من شرطه الموت. بل معناه: قَضَى نذره الذي عاهد الله عليه من نصرة الدين، سواء قُتل أو بقي حيًّا. بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في طلحة: "حديث : هذا ممن قَضَى نَحْبَه"تفسير : هـ. {ومنهم مَن ينتظرُ} أي: الموت على الشهادة؛ كعثمان وطلحة، {وما بدّلوا}؛ العهد {تبديلا}؛ ولا غيَّروه، لا المسْتَشْهَد، ولا مَن ينتظر الشهادة. وفيه تعريض بمَن بدّل من أهل النفاق، كقوله تعالى فيما مر: {أية : وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ...}تفسير : [الأحزاب: 15]. {ليجزي اللهُ الصادقين بصدقهم}؛ بوفائهم بالعهد، {ويُعذِّب المنافقين إن شاء} إذا لم يتوبوا، {أو يتوبَ عليهم} إن تابوا {إن الله كان غفوراً} بقبول التوبة، {رحيماً} بعفو الحوبة. الإشارة: قد تقدّم ما يتعلق بالاقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - والاهتداء بهديه، وأنه منهاج الأكابر. وقوله تعالى: {ولَمَّا رأى المؤمنون الأحزاب...} الآية. كذلك الأقوياء من هذه الطائفة، إذا رأوا ما يهولهم ويروعهم زادهم ذلك إيماناً وتسليماً، ويقيناً وطمأنينة، وتحققوا بصحة الطريق؛ إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين، وسنة الأنبياء والمرسَلين. قال تعالى:{أية : أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}تفسير : [العنكبوت:2] الآية. وتقدم في إشارتها ما يتعلق بهذا المعنى. قال بعضهم: نحن كالنجوم، كلما اشتدت الظلمة قَوِيَ نُورُنَا. وقال القشيري: كما أن المنافقين اضطربت عقائدهمُ عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثِقَةٌ، وعلى الأعداء جرأةً، ولحكم الله استسلاماً. وفي الله قوة. ثم قال: قوله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا...} الآية، شَكَرَ صنيعَهم في المِرَاسَ، ومدح يقينهم عند شهود الناس، وسمّاهم رجالاً؛ إثباتاً لهم بالخصوصية في الرتبة، وتمييزاً لهم من بين أشكالهم بعلوِّ الحال، فمنهم مَنْ خرج من دنياه على صِدْقه، ومنهم مَنْ ينتظر حكم الله في الحياة والممات، وحقيقة الصدق: حفْظُ العهد وترك مجاوزة الحدَّ. ويقال: استواءُ السِّرِّ والجهر. ويقال: هو الثبات عندما يكون الأمر جدًّا. قوله تعالى: {... ليجزي الله الصادقين بصدقهم..} في الدنيا بالتمكين، والنصرة على العدو، وإعلاء الرتبة، وفي الآخرة بجزيل الثواب، وجميل المآب، والخلودِ في النعيم المقيم، والتقدم على الأشكال بالتكريم والتعظيم. وقوله: {ويُعذب المنافقين إن شاء} يقال: إذا لم يجَزم بعقوبة المنافق، وتعلَّق القول فيه على الرجاء، فبالحريّ ألا يُخيِّبَ المؤمنَ في رجائه. انتهى كلام القشيري. ثم ذكر رجوع الأحزاب، فقال: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ...}

الطوسي

تفسير : قرأ عاصم {أسوة} - بضم الهمزة - الباقون بكسرها، وهما لغتان. والكسر اكثر. ومثله (كسوة، وكسوة، ورشوة ورشوة). هذا خطاب من الله تعالى للمكلفين، يقول لهم: ان لكم معاشر المكلفين {في رسول الله إسوة حسنة} أي اقتداء حسن، في جميع ما يقوله ويفعله متى فعلتم مثله كان ذلك حسناً، والمراد بذلك الحث على الجهاد والصبر عليه في حروبه، والتسلية لهم في ما ينالهم من المصائب، فان النبي صلى الله عليه وآله شج رأسه وكسرت رباعيته في يوم احد وقتل عمه حمزة. فالتأسي به في الصبر على جميع ذلك من الاسوة الحسنة. وذلك يدل على ان الاقتداء بجميع افعال النبي صلى الله عليه وآله حسن جائز إلا ما قام الدليل على خلافه، ولا يدل على وجوب الاقتداء به في افعاله. وإنما يعلم ذلك بدليل آخر. فالاسوة حال لصاحبها يقتدي بها غيره في ما يقول به، فالاسوة تكون في إنسان وهي اسوة لغيره، فمن تأسى بالحسن ففعله حسن {لمن كان يرجو الله} فالرجاء توقع الخير، فرجاء الله توقع الخير من قبله ومثل الرجاء الطمع والامل، ومتى طمع الانسان في الخير من قبل الله، فيكون راجياً له. وقوله {وذكر الله كثيراً} معناه يذكره تعالى بجميع صفاته، ويدعوه بها فيستحق بذلك الثواب من جهته. ثم قال وقد عاد تعالى إلى ذكر المؤمنين وانهم حين عاينوا الأحزاب التي اجتمعت على قتال النبي صلى الله عليه وآله وتظافروا عليه، وهم ابو سفيان ومن معه من المشركين {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله} من الجهاد في سبيله {وصدق الله ورسوله} في ما اخبرا به، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان اخبرهم انه يتظاهر عليكم الأحزاب، ويقاتلونكم فلما رآهم المؤمنون تبينوا صدق قوله وكان ذلك معجزاً له {وما زادهم} مشاهدة عدوّهم {إلا إيماناً} وتصديقاً بالله ورسوله {وتسليماً} لأمره. ثم بين ان {من المؤمنين رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه} من مجاهدة عدوّه، وألا يولوا الأدبار. وقيل: ذلك يوم تأخروا عن بدر، ثم عاهدوا ألا يفارقوا النبي صلى الله عليه وآله في غزواته. وقوله {فمنهم من قضى نحبه} أي منهم من صبر حتى قتل في سبيل الله، وخرج إلى ثواب ربه {ومنهم من ينتظر} ذلك {وما بدلوا تبديلاً} أي لم يبدلوا الايمان بالنفاق ولا العهد بالحنث. وروي أن الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب عليه السلام فالذي قضى نحبه حمزة، وجعفر والذي ينتظر علي عليه السلام ثم بين تعالى انه يجزي الصادقين على صدقهم في تنزيله فوعهدهم بالثواب الدائم والنعيم المقيم. وقوله {ويعذب المنافقين إن شاء} لا يدل على أن ما يجب غفرانه من الكبائر عند التوبة يجوز تعليقه بالمشيئة، لأن على مذهبنا إنما جاز ذلك، لأنه لا يجب اسقاط العقاب بالتوبة عقلا، وإنما جاز ذلك وعلمناه بالسمع وإن الله يتفضل بذلك. وقوله {أو يتوب عليهم} معناه إن شاء قبل توبتهم وأسقط عقابهم. إذا تابوا، وإن شاء لم يقبل ذلك. وذلك اخبار عن مقتضى العقل. وأما مع ورود السمع وهو قوله {أية : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات}تفسير : فنقطع على انه تعالى يغفر مع حصول التوبة. وقوله {إن الله كان غفوراً رحيماً} يؤكد ذلك لأنه انما يكون فيه مدح إذا غفر ماله المؤاخذة به، ويرحم من يستحق العقاب. وأما من يجب غفران ذنبه ويجب رحمته، فلا مدح في ذلك. وقال قوم: معناه {ويعذب المنافقين إن شاء} بعذاب عاجل في الدنيا أو يتوبوا، قالوا: وإنما علق بالشرط في قوله {إن شاء أو يتوب عليهم} لأنه علم أن من المنافقين من يتوب، فقيد الكلام ليصح - المعنى - ذكره الجبائي - وقيل: إن الذي وعد الله المؤمنين في الأحزاب هو أنه وعدهم إذا لقوا المشركين ظفروا بهم واستعلوا عليهم في نحو قوله {أية : ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} تفسير : مع فرض الجهاد. وقيل: إن الذي وعدهم الله به في قوله {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} تفسير : - ذكره قتادة - و (النحب) النذر أي قضى نذره الذي كان نذره في ما عاهد الله عليه. وقال مجاهد: قضى نحبه أي عهده. وقيل: ان المؤمنين كانوا نذروا إذا لقوا حزباً مع رسول الله أن يثبتوا ولا ينهزموا، وقال الحسن: قضى نحبه أي مات على ما عاهد عليه، والنحب الموت كقول ذي الرمة: شعر : قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر تفسير : أي منيته. وهو بر اسم رجل والنحب الخطر العظيم قال جرير: شعر : بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا عشية بسطام جرين على نحب تفسير : أي على خطر والنحب المد في السير يوماً وليلة، قال الفرزدق. شعر : وإذ نحبت كلب على الناس أنهم أحق نتاج الماجد المتكرم تفسير : ثم اخبر تعالى أنه رد المشركين من الأحزاب عن قتال النبي صلى الله عليه وآله بغيظهم الذي جاؤا به وخيبهم لم ينالوا خيراً أملوه من الظفر بالنبي صلى الله عليه وآله وبالمؤمنين {وكفى الله المؤمنين القتال} عند رجوعهم، وقيل وكفى الله المؤمنين القتال بالريح والملائكة. وقيل: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي عليه السلام وهي قراءة ابن مسعود، وكذلك هو في مصحفه، في قتله عمرو بن عبد ود، وكان ذلك سبب هزيمة القوم. {وكان الله قوياً عزيزاً} أي قادراً لا يغالب، وعزيزاً لا يقهر، لانه قوي في سعة مقدوره، عزيز في انتقامه.

الجنابذي

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} اى خصلة حسنة ينبغى ان يتأسّى بها او هو من باب التّجريد مثل رأيت بزيد اسداً {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ} بدل من قوله تعالى لكم بدل البعض من الكلّ، او الّلام للتّبيين بتقدير مبتدءٍ محذوفٍ {وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} يعنى تلك الاسوة لا تكون الاّ لمن جمع بين جراء الله وذكره كثيراً وهذه الجملة معترضة بين حكاية حال المسلمين والاحزاب جاء الله بها تلطّفاً بالمسلمين وتعريضاً بالمنافقين وتذكيراً للخالصين.

الأعقم

تفسير : {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} أي قدوة حسنة، والقدوة الحسنة أن يقتدوا به في الصبر على الجهاد والشكر على النعمة والثبات في الدين {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} أي يرجو ثوابه ويخاف عقابه {وذكر الله كثيراً} أي من عادتهم ذكر الله كثيراً {ولما رأى المؤمنون الأحزاب} مع كثرتهم واجتماع كلمتهم على حرب المسلمين لم يزدهم إلاَّ الثبات والتسليم والتوكل فقال سبحانه: {هذا ما وعدنا الله ورسوله} قيل: وعدهم عند لقاء المشركين الظفر بهم بظهور دينهم، وقيل: وعدهم الله أن يزلزلوا حتى يستغيثوا ويستنصروه في قوله: {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} تفسير : [البقرة: 214] فلما جاء الأحزاب {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله} وأيقنوا بالجنة والنصر، وعن ابن عباس (رضي الله عنه) قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: "حديث : ان الأحزاب سائرون إليكم في آخر تسع ليال أو عشر" تفسير : فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا ايماناً} وتصديقاً {وتسليماً} للنفس وثباتاً في الحرب {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} قيل: عاهدوهم ليلة العقبة، وقيل: إذا لقوا العدوّ لا يولون الأدبار {فمنهم من قضى نحبه} قيل: قضى عهده ونذره، يعني صبروا على الجهاد حتى قتلوا أو مات ما عاهد عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني حمزة ومصعباً {ومنهم من ينتظر} قيل: ينتظر ما أصاب إخوانهم من الشهادة وثوابها لصبرهم في القتال ولا ينتظروا القتل لأنه قبح {وما بدَّلوا} يعني في عهدهم، أي استمروا على الوفاء ولم يغيروا {ليجزي الله الصادقين بصدقهم} عليه في استحقاق الثواب {ويعذب المنافقين إن شاء} إذا لم يتوبوا {أو يتوب عليهم} إذا تابوا {إن الله كان غفوراً} لمن تاب {رحيماً} بالمؤمنين، ثم عاد إلى ذكر نعمته فقال سبحانه: {وردّ الله الذين كفروا} الأحزاب {بغيظهم} مغتاظين {لم ينالوا خيراً} غير ظافرين {وكفى الله المؤمنين القتال} بالريح والملائكة {وكان الله قوياً عزيزاً} {وأنزل الذين ظاهروهم} أي ظاهروا الأحزاب {من أهل الكتاب من صياصيهم} من حصونهم، "حديث : وروي أن جبريل (عليه السلام) أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم على فرسه الخيزوم والغبار على وجه الفرس والسرج فقال: "ما هذا يا جبريل؟" قال: من متابعة فرسي، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه، فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة فأذن في الناس "ان من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة" فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء الآخرة لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، فقال لهم: "تنزلون على حكمي" فأبوا، فقال: "على حكم سعد بن عبادة؟" فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيكم أن يقتل مقاتلكم وتستبى ذراريهم ونسائهم، فكبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: "لقد حكمت فيه بحكم الله من فوق سبع أرفعة" ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً وقذفهم فضرب أعناقهم من ثمان مائة إلى تسع مائة، وقيل: كانوا ستمائة مقاتل وسبع مائة أسير، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار" تفسير : {وقذف في قلوبهم الرعب} أي الخوف {فريقا تقتلون وتأسرون فريقاً} قتلوا المقاتلين وأسروا النساء والذراري {وأورثكم أرضهم} أي أعطاكم أرضهم {وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطأوها} أي أعطاكم، وعن الحسن: أنها فارس والروم، وعن قتادة: وكنا نحدث أنها مكة، وعن مقاتل: هي خيبر، وقيل: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.

الهواري

تفسير : قوله: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الأَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً}. وهذا الذكر تطوّع ليس فيه وقت. قال: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ} يعنون الآية التي في سورة البقرة، وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. {وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ}. قال الله: {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} {إِلاَّ إِيمَاناً}، أي: تصديقاً {وَتَسْلِيماً} أي: لأمر الله. وتفسير الكلبي أن الأحزاب لما خرجوا من مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أن يحفر، فقالوا: يا رسول الله، وهل أتاك من خبر؟ فقال: نعم. فلما حُفِر الخندق وفُرِغ منه أتاهم الأحزاب. فلما رآهم المؤمنون قالوا: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ...} إلى آخر الآية. قوله: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} حيث بايعوه على أن لا يفروا، وصدقوا في لقائهم العدو، وذلك يوم أحد. {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} تفسير مجاهد: {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} أي: عهده فقتل أو عاش {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} يوماً فيه قتال فيقضي عهده ويقاتل [فيقتل أو يصدق في لقائه]. وبعضهم يقول: {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} أي: أجله، يعني من قتل يومئذ: حمزة وأصحابه {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} أي: أجله. قال: {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} كما بَدَّلَ المنافقون. قال: {لِّيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ} أي: المؤمنين الذين صدقوا في قولهم وفعلهم. {بِصِدْقِهِمْ} أي: بإكمالهم فرض الله ووفائهم بما عاهدوا الله عليه، أي: يجزيهم بذلك الجنة. قال: {وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَآءَ} فيموتوا على نفاقهم فيعذبهم، فإنه قد شاء عذابهم إذا ماتوا على نفاقهم فيعذبهم. {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أي: يمن عليهم بالتوبة فيرجعوا عن نفاقهم ويتوبوا منه. {إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً} أي: لمن تاب منهم من نفاقه وكفره {رَّحِيماً} أي: رحيماً له إذ جعل له من نفاقه متاباً ومرجعاً.

اطفيش

تفسير : {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} وضم عاصم همزة أسوة هنا وفي الموضعين فى الممتحنة وهو لغة والأسوة بالكسرة والضم الخصلة يقتدى بها كثباته صلى الله عليه وسلم في الحرب وتحمله المشاق والشدائد وهو في نفسه قدوة بحسن التأسي به فالظرفية مجازية كقولك هذا الطعام عشرون مدا اي هو في نفسه عشرون مدا لا زيادة فيه فهو صلى الله عليه وسلم فيه تلك الاسوة وهي غيره وهي شأنه في الحرب وتحمل الاذى ككسر رباعيته وقتل عمه حمزة رضي الله عنه فاستنوا بسنته ووازروه وأنصروه ولا تخالفوه. {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} لمن بدل من لكم بدل بعض بناء على ان الخطاب في لكم للمؤمنين وغيرهم فانما أبدل الظاهر مع اللام من الضمير مع اللام لأن الظاهر بعض من ذلك الضمير ولك ان تقول الخطاب في لكم للمؤمنين ويبدل لمن من لكم ملاحظة لعلموم من واحاطتها كأن قيل لكم يا مؤمنون لجميع من يرجو الله ويراد بجميع من يرجو الله المؤمنون المحاطون وعلى هذا فهو من بدل الشيء من الشيء واجاز الاخفش والكوفيون ابدال الظاهر من الضمير الحاصر بدل شيء من شيء ولو يكن البدل للاحاطة وعبارة القاضي الاكثر من ضمير المخاطب لا ببدل منه وأجاز تعليق لمن بحسنة أو بمحذوف وقعت لحسنة ومعنى يرجو الله يرجو ثوابه او نعيمه الدائم او لقاءه على رضى لا سخط وايامه هي ايام النصر وان قلت فما معنى رجاء اليوم الآخر قلت رجاءه بنفسه لوقوع الخير فيه التشريف ويجوز كون المراد لمن كان يرجو اليوم الآخر وذكر الله تلذذا كقولك اعجبني زيد وفضله ولم ترد ايقاع الاعجاب الا على فضله ويجوز كون الرجاء بمعنى الخوف كذا ظهر والحمد لله. {وذكر الله كثيرا} في جميع الاماكن والاحوال لا في السراء وحدها شرط للرجاء كثرة الذكر باللسان مع القلب فان ذلك هي حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحواله التي يقتدى بها فمقارنة الرجاء والذكر الكثير يتصل الانسان ملازمة الطاعات ويحتمل ان يكون المراد بذكر الله احضاره في القلب فينهض للطاعة وعند طلب النفس المعصية فيتزجر عنها. وعن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "أيها الناس إِن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة" قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: "مجالس الذكر في الارض فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروا انفسكم من كان يحب ان يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده فان الله ينزل العبد منه حيث انزله من نفسه" . تفسير : وعن ابي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : عن الله سبحانه "انا مع عبدي اذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه" . تفسير : وعن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحب الأعمال الى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ". تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأصحابه ان الاحزاب سائرون اليكم تسعا او عشرا" تفسير : اي في آخر تسع ليال او عشر فلما رآهم قد اقبلوا للأجل قالوا: ما حكى الله عنهم بقوله: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} وقيل وعدهم ان الاحزاب تأتي وتحصرهم ويلاقون منها شدة وان العاقبة لهم عليها ولما رأوهم جاءوا قالوا صدق الله ورسوله لما رأوا الصدق في محبتهم قالوا كما كان الصدق في المجيء كان في نصرنا عليهم فسننصر عليهم قطعا وان قلت الواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف نسب صدق الوعد الى الله سبحانه كما نسبه لرسوله قلت لا يخفى والحمد لله انما اخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغيب انما هو عن الله وقيل وعدهم الله على لسان رسوله ان يزلزلوا حتى يستغيثوا في قوله. {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} تفسير : ولما جاء الاحزاب قالوا اي مجيئ الاحزاب وهو بلاء. {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} ويجوز ان يكون مرادهم النصر على الاحزاب واين هذا من قول المنافقين. {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} قال عياض ويحتمل انهم أرادوا صدق ما وعدهم بآية البقرة وصدق الوعد بالنصر على الاحزاب وهم عالمون ان الله ورسوله صادقان في كل حال لكن اخبروا بصدقهما استبشارا وتسلية وردا على من يقول بغير ذلك او المراد قد ظهر صدقه الذي نعتقده واقاموا الظاهر موضع المضمر تعظيما لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتلذذا بذكرهما وتأنيسا. وقرأ حمزة وابو بكر في رواية عنه بإمالة فتحة راء رأى واخلاص فتحة همزته وصلا. وروي عنه انه يميل فتحتها ايضا والوقف أولى بإمالة الهمزة لثبوت الالف بعدها فيه. {وما زادهم} ما رأوه من الخطب والبلاء من الاحزاب. {إلا إيمانا} تصديقا بالله ومواعده. {وتسليما} لقضائه، وذكر الكلبى أن الأحزاب لما خرجوا من مكة امر رسوله الله صلى الله عليه وسلم بالخندق ان يحفروه فقالوا: يا رسول الله وهل اتاك من خبر؟ فقال: نعم، فلما حفر الخندق وفرغ منه أتاهم الأحزاب فقالوا: {هذا ما وعدنا الله} الاية وأثنى الله عليهم بزيادة الايمان والتسليم لقضائه.

اطفيش

تفسير : {لَقَد كان لَكُم في رسُول الله أسوةٌ حسنةٌ} الخطاب على العموم وقوله: {لمَن كان يرجُو الله واليَوْم الآخر} بدل بعض، اعنى لمن والرابط محذوف، اى لمن كان منكم، ومن العجيب اخراج الجار عن الابدال، وجعل الابدال اللفظ من وحدها من الكاف، وأى مانع من جعل الجار والمجرور بدلا من الجار والمجرور، وخص من كان يرجو الخ، لانه المنتفع، كما قيل: الخطاب للؤمنين، ولمن بدل كل، ولكم متعلق بكان، ولا خبر لها، وكذا فى او تعلق بمحذوف حال من فاعل كان، وهو اسوة او لكم خبر كان، وفى متعلق به او بالاستقرار او بمحذوف حال من اسوة، او بمحذوف خبر كان، ولكم متعلق بها: والاسوة الخصلة التى يقتدى بها، او هى هو صلى الله عليه وسلم على التجريد، كقولك: فى هذا المتاع قنطار، اى هو نفس قنطار، وان قدر وزن قنطار فلا تجريد ونحو: رأيت من زيد اسداً وبحراً امرنا الله ان نقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم فى اقواله وافعاله، وما اخبرنا به من اعتقاده مما هو عبادة، او مبلغ الا ما خص به صلى الله عليه وسلم. قال حفص القارئ لابن عمر: ما رأيتك تصلى فى السفر قبل المكتوبة ولا بعدها؟ فقال سافرت كذا وكذا مرة معه صلى الله عليه وسلم، فلم اراه يفعل، لقد كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة، وهم عمر ان ينهى عن لبس الحبرة، فقال له رجل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها، لقد كان لكم فى رسول الله الخ، فلم ينه عنها. وقال ابن عباس: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اذا حرم الرجل عليه امراته فكفارة يمين، لقد كان لكم الخ"تفسير : وخرج بـ{من كان يرجو الله واليوم الاخر} من انكر اليوم الاخر، وكذا ان قلنا: اليوم الاخر عبارة عن الثواب، تسمية للحال باسم المحل وهو زمانه، وقولك: ارجو الله وثوابه ابلغ من قولك: ارجو ثواب الله، تقول: ارجو كرم زيد، واذا بالغت قلت: ارجو زيدا وكرمه، ويجوز تقدير يرجو رضا الله، وثواب اليوم الآخر. وقال مقاتل: الرجاء هنا بمعنى الخوف، ووجهه ان المقام للتهديد، ويبعد تقدير ايام الله، اى حروبا ينصر فيها، ويبعد تفسير اليوم الآخر بيوم الموت. {وذكَر الله كثيراً} ذكرا كثيرا، او زمانا كثيرا اسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر النووى ان ذكر الله بلا جملة لا ثواب فيه مثل ان يقول: الله او رحمن، الا ان ينوى ما تمت به جملة، قلت: بل ذلك ثواب ان قصد امر أخرويا، كمدح الله بذلك الاسم، وذكر هو او غيره انه لا ثواب لذكر لم يستحضر معناه اجماعا، وهذا كما جاء انه لا يكتب للمصلى الا ما عقل من صلاته. قلت: ارجو من سعة رحمة الله، ان يكتب له من الذكر ما غفل عن استحضار معناه، مع اجتهاد ونية قدر طاقته، وقدر رغبته، حتى ان غزوب قلبه كالامر الضرورى، فيفيد الحديث بهذا، لان العمل على النية وللقارئ فى جماعة ما سبقه غيره لسكوته لمعنى او عياء، او لنومه غلبه، ونص ابن الصيفى اليمنى ان لقارئ القرآن فى غير الصلاة ثواب ما قرأ ولو لم يحضر قلبه او نيته.

الالوسي

تفسير : {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } الظاهر أن الخطاب للمؤمنين الخلص المخاطبين من قبل في قوله تعالى: {عَنْ أَنبَائِكُمْ } وقوله سبحانه: {أية : وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 20]. والإسوة بكسر الهمزة كما قرأ الجمهور وبضمها كما قرأ عاصم: الخصلة، وقال الراغب: الحالة التي يكون عليها الإنسان وهي اسم {كان} و {لَكُمْ } الخبر و {فِى رَسُولِ ٱللَّهِ} متعلق بما تعلق به {لَكُمْ } أو في موضع من {إسوة} لأنه لو تأخر جاز أن يكون نعتاً لها أو متعلق بكان على مذهب من أجاز فيها ناقصة وفي أخواتها أن تعمل في الظرف، وجوز أن يكون {في رسول الله} الخبر و{لكم} تبيين أي أعني لكم أي والله لقد كان لكم في رسول الله خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد؛ ويجوز أن يراد بالأسوة القدوة بمعنى المقتدى على معنى هو صلى الله عليه وسلم في نفسه قدوة يحسن التأسي به، وفي الكلام صنعة التجريد وهو أن ينتزع من ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة في الاتصاف نحو لقيت منه أسداً وهو كما يكون بمعنى من يكون بمعنى في كقوله:شعر : أراقت بنو مروان ظلماً دماءنا وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل تفسير : وكقوله: في البيضة عشرون منا حديد أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد. والآية وإن سيقت للاقتداء به عليه الصلاة والسلام في أمر الحرب من الثبات ونحوه فهي عامة في كل أفعاله صلى الله عليه وسلم إذا لم يعلم أنها من خصوصياته كنكاح ما فوق أربع نسوة؛ أخرج ابن ماجه وابن أبـي حاتم عن حفص بن عاصم قال: قلت لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما رأيتك في السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها فقال يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا فلم أره يصلي قبل الصلاة ولا بعدها ويقول الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} وأخرج عبد الرزاق في «المصنف» عن قتادة قال: هم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن ينهى عن الحبرة فقال رجل: أليس قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها؟ قال عمر: بلى قال الرجل: ألم يقل الله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فترك ذلك عمر رضي الله تعالى عنه. وأخرج الشيخان والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن ابن عمر أنه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت أيقع على امرأته قبل أن يطوف بين الصفا والمروة فقال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين وسعى بين الصفا والمروة ثم قرأ {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }. / وأخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال: إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها، وقال {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } إلى غير ذلك من الأخبار، وتمام الكلام في كتب الأصول. {لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } أي يؤمل الله تعالى وثوابه كما يرمز إليه أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعليه يكون قد وضع {ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } بمعنى يوم القيامة موضع الثواب لأن ثوابه تعالى يقع فيه فهو على ما قال الطيبـي من إطلاق اسم المحل على الحال، والكلام نحو قولك: أرجو زيداً وكرمه مما يكون ذكر المعطوف عليه فيه توطئة للمعطوف وهو المقصود وفيه من الحسن والبلاغة ما ليس في قولك: أرجو زيداً كرمه على البدلية. وقال صاحب «الفرائد»: يمكن أن يكون التقدير يرجو رحمة الله أو رضا الله وثواب اليوم الآخر ففي الكلام مضافان مقدران، وعن مقاتل أي يخشى الله تعالى ويخشى البعث الذي فيه جزاء الأعمال على أنه وضع اليوم الآخر موضع البعث لأنه يكون فيه، والرجاء عليه بمعنى الخوف، ومتعلق الرجاء بأي معنى كان أمر من جنس المعاني لأنه لا يتعلق بالذوات، وقدر بعضهم المضاف إلى الاسم الجليل لفظ أيام مراداً بها الوقائع فإن اليوم يطلق على ما يقع فيه من الحروب والحوادث واشتهر في هذا حتى صار بمنزلة الحقيقة وجعل قرينة هذا التقدير المعطوف وجعل العف من عطف الخاص على العام، والظاهر أن الرجاء على هذا بمعنى الخوف، وجوز أن يكون الكلام عليه كقوله: أرجو زيداً وكرمه. وأن يكون الرجاء فيه بمعنى الأمل إن أريد ما في اليوم من النصر والثواب، وأن يكون بمعنى الخوف والأمل معاً بناء على جواز استعمال اللفظ في معنييه أو في حقيقته ومجازه وإرادة ما يقع فيه من الملائم والمنافر، وعندي أن تقدير أيام غير متبادر إلى الفهم، وفسر بعضهم {ٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ } بيوم السياق والمتبادر منه يوم القيامة و {مِنْ } على ما قيل بدل من ضمير الخطاب في {لَكُمْ } وأعيد العامل للتأكيد وهو بدل كل من كل والفائدة فيه الحث على التأسي، وإبدال الاسم الظاهر من ضمير المخاطب هذا الإبدال جائز عند الكوفيين والأخفش، ويدل عليه قوله:شعر : بكم قريش كفينا كل معضلة وأم نهج الهدى من كان ضليلاً تفسير : ومنع ذلك جمهور البصريين: ومن هنا قال صاحب «التقريب»: هو بدل اشتمال أو بدل بعض من كل، ولا يتسنى إلا على القول بأن الخطاب عام وهو مخالف للظاهر كما سمعت، ومع هذا يحتاج إلى تقدير منكم، وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون لمن متعلقاً بحسنة أو بمحذوف وقع صفة لها لأنه وقع بعد نكرة، وقيل: يجوز أن يكون صفة لأسوة. وتعقب بأن المصدر الموصوف لا يعمل فيما بعد وصفه، وكذا تعدد الوصف بدون العطف لا يصح، وقد صرح بمنع ذلك الإمام الواحدي، ولا يخفى أن المسألة خلافية فلا تغفل. {وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً } أي ذكراً كثيراً وقرن سبحانه بالرجاء كثرة الذكر لأن المثابرة على كثرة ذكره عز وجل تؤدى إلى ملازمة الطاعة وبها يتحقق الائتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم ومما ينبغي أن يعلم أنه قد صرح بعض الأجلة كالنووي أن ذكر الله تعالى المعتبر شرعاً ما يكون في ضمن جملة مفيدة كسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ونحو ذلك وما لا يكون بمفرد لا يعد شرعاً ذكراً نحو الله أو قادر أو سميع أو بصير إذا لم يقدر هناك ما يصير به اللفظ كلاماً، والناس عن هذا غافلون، وأنهم أجمعوا على أن الذكر المتعبد بمعناه لا يثاب صاحبه ما لم يستحضر معناه فالمتلفظ بنحو سبحان الله ولا إله إلا الله إذا كان غافلاً عن المعنى غير ملاحظ له ومستحضراً إياه لا يثاب إجماعاً، والناس أيضاً عن هذا غافلون / فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ابن عاشور

تفسير : بعد توبيخ المنافقين والذين في قلوبهم مرض أقبل الكلام على خطاب المؤمنين في عموم جماعتهم ثناء على ثباتهم وتأسّيهم بالرسول صلى الله عليه وسلم على تفاوت درجاتهم في ذلك الائتساء، فالكلام خبر ولكن اقترانه بحرفي التوكيد في {لقد} يومىء إلى تعريض بالتوبيخ للذين لم ينتفعوا بالإسوة الحسنة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض فلذلك أتي بالضمير مجملاً ابتداء من قوله {لكم}، ثم فُصِّل بالبدل منه بقوله {لمن كان يرجو الله واليومَ الآخر وذكر الله كثيراً}، أي: بخلاف لمن لم يكن كأولئك، فاللام في قوله: {لمن كان يرجو الله} توكيد لللام التي في المبدل منه مثل قوله تعالى {أية : تكون لنا عيدا لأوّلنا وآخرنا}تفسير : [المائدة: 114]، فمعنى هذه الآية قريبٌ من معنى قوله تعالى في سورة براءة في قصة تبوك:{أية : رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالف وطُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم}تفسير : [التوبة: 87، 88] الآية. والإسوة بكسر الهمزة وضمها اسم لما يُؤتَسَى به، أي: يُقتدى به ويُعمل مثل عمله. وحق الأسوة أن يكون المؤتسى به هو القدوة ولذلك فحرف {في} جاء على أسلوب ما يسمى بالتجريد المفيد للمبالغة إذ يجرد من الموصوف بصفة موصوف مثله ليكون كذاتين، كقول أبي خالد الخارجي:شعر : وفي الرحمان للضعفاء كَاف تفسير : أي الرحمان كافٍ. فالأصل: رسولُ الله إسوة، فقيل: في رسول الله إسوة. وجعل متعلقُ الائتساء ذاتَ الرسول دون وصف خاص ليشمل الائتساء به في أقواله بامتثال أوامره واجتناب ما ينهَى عنه، والائتساءَ بأفعاله من الصبر والشجاعة والثبات. وقرأ الجمهور {إسوة} بكسر الهمزة. وقرأ عاصم بضم الهمزة وهما لغتان. و{لمن كان يرجوا الله} بدل من الضمير في {لكم} بدل بعض من كل أو شبه الاشتمال لأن المخاطبين بضمير {لكم} يشتملون على من يرجون الله واليوم الآخر، أو هو بدل مطابق إن كان المراد بضمير {لكم} خصوص المؤمنين، وفي إعادة اللام في البدل تكثير للمعاني المذكورة بكثرة الاحتمالات وكل يأخذ حظه منها. فالذين ائتسوا بالرسول صلى الله عليه وسلم يومئذ ثبت لهم أنهم ممن يرجون الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً. وفيه تعريض بفريق من الذين صدّهم عن الائتساء به ممن كانوا منافقين أو في قلوبهم مرض من الشك في الدين. وفي الآية دلالة على فضل الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنه الإسوة الحسنة لا محالة ولكن ليس فيها تفصيل وتحديد لمراتب الائتساء والواجب منه والمستحب وتفصيله في أصول الفقه. واصطلاحُ أهل الأصول على جعل التأسّي لقبَاً لاتِّباع الرسول في أعماله التي لم يطالب بها الأمة على وجه التشريع. وذكر القرطبي عن الخطيب البغدادي أنه روي عن عقبة بن حسان الهَجَري عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} قال: في جوع النبي صلى الله عليه وسلم.

القطان

تفسير : أُسوة، وإسوة: قدوة. قضى نحبه: مات او استُشهد في سبيل الله. بغيظهم: بأشد ما يكون من الغضب. ظاهَروهم: عاونهم. من اهل الكتاب: اليهود من بني قريظة. من صياصيهم: من حصونهم، واحدها صِيصِية وهي كل ما يُمتنع به. قذف في قلوبهم الرعب: القى في قلوبهم الخوف الشديد. لا يزال الحديث عن غزوة الاحزاب. {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.... } في هذه الآية عتاب من الله للمتخلّفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد كان لكم في رسول الله قُدوة حسنةٌ أن تتأسُّوا به، ولا تتخلّفوا عنه، وتصبروا على الحرب ومعاناة الشدائد، لمن كان يرجو ثواب الله والفوز بالنجاة في اليوم الآخر. وقد قرن الله الرجاء بكثرة ذكر الله. قراءات: قرأ عاصم: أُسوة بضم الهمزة، والباقون: إسوة بكسرها وهما لغتان. ولما رأى المؤمنون الأحزابَ مقبِلين للقتال، يتوافدون حماسةُ وحباً للانتقام {قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} من نزول الشدائد ووقوع الفتن، امتحاناً لإيمان عباده. وقد صدق الله ورسوله وما زادَهم هولُ ما رأوا الا إيماناً بالله، وتسْليماً لأوامره وقضائه. هذا هو الإيمان الحق، الصبر والثبات، والتسليم الى الله ورسوله، والثقة بنصر الله. {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً}. من المؤمنين بالله ورسوله رجال وَفَوا بما عاهدوا الله عليه من الصبر على الشدائد، فمنهم من فَرَغَ من العمل الذي كان نَذَرَه لله وأوجبَه على نفسه، فاستُشهد بعضُهم يوم بدر، وبعضهم يوم أحد، وبعضهم في غير ذلك من المواطن المشرفة، {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} الشهادةَ، وما غيَّروا العهدَ الذي عاهدوا ربهم، كما غيره المعوِّقون القائلون لإخوانهم: هلمّ الينا، والقائلون: إن بيوتَنا عَورة. {لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} ان الله سبحانه يختبر عبادَه بالخوفِ والشدائد ليُظهرَ الصادقَ بإيمانه من المنافق الكذاب كما قال: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}تفسير : سورة [محمد:31]. ويعذّب المنافِقين إذا استمرّوا على نفاقِهم. فإن تابوا، فإن الله غفور رحيم. وباب التوبة عنده مفتوحٌ دائما وابدا، وهو يغفر الذنوب جميعا. {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}. انتهت المعركة وانفرجت الغُمة، وردَّ الله الكفار ممتلئةً قلوبُهم بالغيظ خائبين، لم ينالوا خيراً من نصرٍ او غنيمة. وكفى الله المؤمنين مشقَّة القتال، وكان الله عزيزاً بحَوْله وقوته. روى الشيخان من حديث ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : لا إِله إِلا الله وحدَه، صدق عبدَه، وأعزَّ جنده، وهزم الأَحزابَ وحده، فلا شيء بعده " تفسير : وروى محمد بن اسحاق انه لما انصرف الاحزاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لن تغزوكم قريشُ بعدَ عامِكم هذا، ولكنكم تغزونهم"تفسير : وقد تحقق هذا ونصر الله رسولَه والمؤمنين الى ان فتح عليهم مكة. {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}. انتهت المعركة مع الأحزاب من قريش وحلفائها وردّهم الله خائبين، لكنّها لم تنتهِ مع اليهود من بني قريظة، الذين نقضوا العهد مع رسول الله والمؤمنين. وكان الرسول لما قَدِم المدينة، كتبَ كتاباً بين المهاجرين والانصار وادَعَ فيه اليهودَ وعاهدَهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم، وشَرَطَ لهم واشترط عليهم، وجاء فيه: "انه من تَبِعنا من يهودَ فان له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، ان اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وان قبائلَ يهودَ أُمة مع المؤمنين. لليهود دينُهم، وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم.... وان بينهم النصرَ على ما حارب أهل هذه الصحيفة وان بينهم النُّصحَ والنصيحة، والبِرّ دون الاثم، وان بينهم النصرَ على من دهم يثرب.". والعهدُ طويلٌ موجود في سيرة ابن هشام وعدد من المراجع. ولكن اليهودَ، هم اليهود في كل زمان ومكان، فقد نقضوا العهد واتفقوا مع قريش والأحزابِ على أن يهجُموا على المدينة من خلْفِ المسلمين. ولما علم رسول الله بذلك بعث سعدَ بن مُعاذ، وسعدَ بن عبادة - في رجالٍ من الانصار ليتحققوا الخبر. فوجدوهم على شرّ ما بلَغَهم عنهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: من رسولُ الله؟ لا عهدَ بيننا وبين محمد ولا عقد. وهكذا حاولوا طعنَ المسلمين من الخلف، ولكنّ الله خيبّهم، إذ أنهم اختلفوا مع قريش وتحصنوا في حصونهم ولم يحاربوا. فلما انصرف الرسولُ الكريم والمسلمون من الخندق راجعين الى المدينة - أمَرَ الرسول مؤذنا فأَذن في الناس: إن من كان سمعاً مطيعاً فلا يصلِّيَنَّ العصرَ الا في بني قريظة. ونزل رسول الله ببني قريظة فحاصرَهَم خمساً وعشرين ليلة حتى تعبوا وجَهَدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعبَ، ونزلوا على حُكم سعد بن معاذ حَليفِهم. فحكم فيهم ان تُقتل الرجال، وتقسَم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، لأنهم لو نَفَّذوا عهدهم مع قريشٍ لقضَوا على المسلمين واستأصلوهم، ولكن الله سلّم ونَصَرَ المسلمين {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}. وقد توفي سعدُ بن معاذ شهيدا من سهم أصابه في ذراعه رضي الله عنه. {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} وأورثكم الله ايها المؤمنون ارض اليهود وحصونهم وديارهم واموالهم التي ادّخروها، ومزارعهم. وقد قسمها الرسول الكريم بين المسلمين، واخر الخمس لرسول الله يصرفه في سبيل الله وأرضاً لم تطئوها: خيبر ومكة، وكل ما لم يُفتح بعد..

د. أسعد حومد

تفسير : {يَرْجُو} (21) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ عَلَى الاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم والتَّأَسِّي بِهِ فِي صَبْرِهِ وَمُصَابَرَتِهِ وَمُرَابَطَتِهِ وَمُجَاهَدَتِهِ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَظْهَرُوا الضَّجَرَ وَتَزَلْزَلُوا وَاضْطَربُوا فِي أَمْرِهِمْ يَوْمَ الأَحْزابِ: هَلاَّ اقْتَدَيْتُمْ بِرَسُولِ اللهِ، وَتَأَسَّيْتُمْ بِشَمَائِلِهِ فَلَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إِنْ كُنْتُمْ تَبْتَغُونَ ثَوَابَ اللهِ، وَتَخَافُونَ عِقَابَهُ، وَتَذْكُرونَ اللهَ ذِكْراً كَثيراً، فَذِكْرُ اللهِ يُؤَدِّي إِلى طَاعَتِهِ، وَيَدْفَعُ إِلى اتِّباع مَسْلَكِ رَسُولِهِ وَالاقْتِدَاءَ بِهِ. أُسْوَةٌ حَسَنةٌ - قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أسوة: قدوة ونموذج سلوكي، والرسول صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ عن الله منهجه لصيانة حركة الإنسان في الحياة، وهو أيضاً صلى الله عليه وسلم أُسْوة سلوك، فما أيسر أنْ يعظ الإنسانُ، وأنْ يتكلَّم، المهم أنْ يعمل على وَفْق منطوق كلامه ومراده، وكذلك كان سيدنا رسول الله مُبلِّغاً وأسوة سلوكية؛ لذلك قالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن". لكن، ما الأسوة الحسنة التي قدَّمها رسول الله في مسألة الأحزاب؟ لمَّا تجمَّع الأحزاب كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم مُنزلَ الكتاب، سريعَ الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم ". تفسير : وجعل شعاره الإيماني فيما بعد "حديث : لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده" تفسير : وما دام هذا شعار المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو لكم أُسْوة. وقال تعالى عن المؤمنين في هذه الغزوة: {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 214]. وفي بدر يقول أبو بكر: يا رسول الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. ولقائل أنْ يقول: إذا كان الله تعالى قد وعد نبيه بالنصر، فَلِم الإلحاح في الدعاء؟ نقول: ما كان سيدنا رسول الله يُلح في الدعاء من أجل النصر؛ لأنه وَعْد مُحقَّق من الله تعالى. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 7]. فالرسول لا يريد الانتصار على العِير، وعلى تجارة قريش، إنما يريد النفير الذي خرج للحرب. وقوله تعالى: {فِي رَسُولِ ٱللَّهِ ..} [الأحزاب: 21] كأن الأُسْوة الحسنة مكانها كل رسول الله، فهو صلى الله عليه وسلم ظرف للأُسْوة الحسنة في كل عضو فيه صلى الله عليه وسلم، ففي لسانه أُسْوة حسنة، وفي عينه أُسْوة حسنة، وفي يده أُسْوة حسنة .. إلخ، كله صلى الله عليه وسلم أُسْوة حسنة. هذه الأُسْوة لمَنْ؟ {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 21]. وصف ذكر الله بالكثرة؛ لأن التكاليف الإيمانية تتطلب من النفس استعداداً وتهيؤاً لها، وتؤدي إلى مشقة، أما ذِكْر الله فكما قُلْنا لا يكلفك شيئاً، ولا يشق عليك؛ لذلك قال تعالى: {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ..} تفسير : [العنكبوت: 45]. يعني: أكبر من أيِّ طاعة أخرى؛ لأنه يسير على لسانك، تستطيعه في كل عمل من أعمالك، وفي كل وقت، وفي أيِّ مكان، ولذلك قُلْنا في آية الجمعة: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ..} تفسير : [الجمعة: 10].

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى غزوة الأحزاب، وموقف المنافقين المذبذبين منها، بالقعود عن الجهاد، وتثبيط العزائم، أمر المؤمنين في هذه الآيات بالاقتداء بالرسول الكريم في صبره وثباته، وتضحيته وجهاده، ثم جاء الحديث عن زوجات رسول الله الطاهرات، وأمرهنَّ بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في زهده، وعدم التطلع إلى زهرة الدنيا لأنهن قدوة لسائر نساء المؤمنين. اللغَة: {أُسْوَةٌ} الأسوة: القُدوة وفيها لغتان كسر الهمزة وضمها يقال: ائتسى فلان بفلان أي اقتدى به. {نَحْبَهُ} النَّحب: النذرُ والعهد يقال: نَحَبَ ينحب من باب قَتل نذر، ومن باب ضرب بكى، قال لبيد: شعر : ألا تسْألانِ المرءَ ماذا يُحاول أنحْبٌ فيُقضى أم ضلال وباطل تفسير : ويقال: قضى نحبه إذا مات، وعبَّر به عن الموت لأن كل حي لا بدَّ أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته فإِذا مات فقد قضى نحبه أي نذره. {صَيَاصِيهِمْ} حصونهم جمع صيصية وهو ما يتحصن به، قال الشاعر: شعر : فأصبحت الثيرانُ صَرْعى وأصبحت نساءُ تميم يبْتدرنَ الصَّياصيا تفسير : {أُمَتِّعْكُنَّ} متعة الطلاق، وأصل المتاع ما يُتبلَّغ به من الزاد، ومنه متعة المطلقة لأنها تنتفع وتتمتع به. {وَأُسَرِّحْكُنَّ} أطلقكنَّ، وأصل التسريح في اللغة: الإِرسال والإِطلاق. {تَبَرَّجْنَ} تبرجت المرأة: أظهرت زينتها ومحاسنها للأجانب، وأصله من الظهور ومنه سمي البرج لسعته وظهوره. {وَقَرْنَ} إلزمن بيوتكن من قولهم: قررتُ بالمكان أقرُّ به إذا بقيت فيه ولزمته، والقرار: مصدر، وأصل "قرنْ" اقررن حذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها، واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف. {ٱلرِّجْسَ} في اللغة: القذر والنجاسة، وعُبّر به هنا عن الآثام لأن عرض المقترف للقبائح يتلوث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالنجاسات. سَبَبُ النّزول: أ - أخرج ابن جرير الطبري عن أنس بن مالك قال: غاب عمي "أنس بن النضر" عن قتال يوم بدر، فقال: غبتُ عن أول قتالٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لئن أشهدني الله قتالاً ليرينَّ الله ما أصنع؟ فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون ـ انهزموا ـ فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل هؤلاء ـ يعني المشركين ـ وأعتذر إليك ممَّا صنع هؤلاء - يعني المسلمين - ثم مشى بسيفه فلقيه "سعد بن معاذ" فقال: أي سعد والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد! ثم قاتل حتى قتل، فقال سعد يا رسول الله: ما استطعت أن أصنع ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدناه بين القتلى وبه بضع وثمانون جراحة بين ضربةٍ بسيف، أو طعنةٍ برمح، أو رمية بسهم، فما عرفناه حتى جاءت أخته فعرفته ببنانه - رءوس الأصابع ـ قال أنس: فكنا نتحدث أن هذه الآية {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ..} نزلت فيه وفي أصحابه. ب - وروى الإِمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: حديث : أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ والناسُ ببابه جلوس - فلم يُؤذن له، ثم أقبل عمر رضي الله عنه فاستأذن فلم يُؤذن له، ثم أُذن لأبي بكرٍ وعمر فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالسٌ وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك! فقال يا رسول الله: لو رأيت ابنة زيد ـ امرأة عمر ـ سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدتْ نواجذه، وقال: "هُنَّ حولي يسألنني النفقة"! فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصه كلاهما يقولان: تسألانِ رسول الله ما ليس عنده؟ فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: واللهِ لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده، وأنزل الله آية الخيار {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال لها: إني أذكر لكِ أمراً ما أحبُّ أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية فقالت: أفيك أستأمرُ أبوي؟ بل أختار اللهَ ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألاّ تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال: إن الله لم يبعثني معنفاً ولكن بعثني معلماً وميسراً، لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها ". تفسير : ج ـ عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا نبيَّ الله: ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يُذكرن!؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ..} الآية. التفسِير: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي لقد كان لكم أيها المؤمنون في هذا الرسول العظيم قدوةٌ حسنة، تقتدون به صلى الله عليه وسلم في إخلاصه، وجهاده، وصبره، فهو المثل الأعلى الذي يجب أن يُقتدى به، في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، لأنه لا ينطق ولا يفعل عن هوى، بل عن وحيٍ وتنزيل، فلذلك وجب عليكم تتبع نهجه، وسلوك طريقه {لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} أي لمن كان مؤمناً مخلصاً يرجو ثواب الله، ويخاف عقابه {وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي وأكثر من ذكر ربه، بلسانه وقلبه قال ابن كثير: أمر تبارك وتعالى الناسَ بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في صبره ومصابرته، ومجاهدته ومرابطته، ولهذا قال للذين تضجروا وتزلزلوا، واضطربوا يوم الأحزاب {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} والمعنى: هلاّ اقتديتم به وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم!! ثم حكى تعالى موقف المؤمنين الصادقين في غزوة الأحزاب أثناء رؤيتهم جنود قريش ومن تحزَّب معهم، وما صدر عن المؤمنين من إخلاصٍ ويقين، تُظهر بوضوح روح الإِيمان والتضحية فقال {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي ولمَّا رأى المؤمنون الكفار قادمين نحوهم، وقد أحاطوا بهم من كل جانب إحاطة السوار بالمعصم، قالوا: هذا ما وعدنا به الله ورسولُه، من المحنة والابتلاء، ثم النصر على الأعداء {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} أي صدق الله في وعده، ورسولُه فيما بشرنا به، قال المفسرون: حديث : لما كان المسلمون يحفرون الخندق اعترضتهم صخرة عظيمة عجزوا عن تكسيرها، فأخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بها فجاء وأخذ المعول وضربها ثلاث ضربات أضاءت له منها مدائن كسرى، وقصور الروم، فقال: أبشروا بالنصر"تفسير : ، فلما أقبلت جموع المشركين ورأوهم قالوا: {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} أي وما زادهم ما رأوه من كثرة جند الأحزاب، ومن شدة الضيق والحصار، إلا إيماناً قوياً عميقاً بالله، واستسلاماً وانقياداً لأوامره {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} أي ولقد كان من أولئك المؤمنين رجالٌ صاقدون، نذروا أنهم إذا أدركوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} أي فمنهم من وفّى بنذره وعهده حتى استشهد في سبيل الله كأنس بن النضر وحمزة {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} أي ومنهم من ينتظر الشهادة في سبيل الله {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} أي وما غيَّروا عهدهم الذي عاهدوا عليه ربهم أبداً {لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} أي ليجزي الله الصادقين بسبب صدقهم وحسن صنيعهم أحسن الجزاء في الآخرة {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أي ويعذّب المنافقين الناقضين للعهود بأن يُميتهم على النفاق فيعذبهم، أو يتوب عليهم فيرحمهم {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} أي واسع المغفرة رحيماً بالعباد، قال ابن كثير: ولما كانت رحمته ورأفته تبارك وتعالى هي الغالبة لغضبه ختم بها الآية الكريمة {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ} أي وردَّ الله الأحزاب الذين تألبوا على غزو المدينة خائبين خاسرين، مغيظين محنقين، لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} أي حال كونهم لم ينالوا أيَّ خير لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل قد اكتسبوا الآثام في مبارزة الرسول عليه السلام وهمّهم بقتله {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} أي كفاهم شرَّ أعدائهم بأن أرسل عليهم الريح والملائكة حتى ولّوا الأدبار منهزمين {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} أي قادراً على الانتقام من أعدائه، عزيزاً غالباً لا يُقهر، ولهذا كان عليه السلام يقول: "حديث : لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده"تفسير : . {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ} أي وأنزل اليهود ـ وهم بنو قريظة ـ الذين أعانوا المشركين ونقضوا عهدهم وانقلبوا على النبي وأصحابه، أنزلهم من حصونهم وقلاعهم التي كانوا يتحصنون فيها {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} أي ألقى الله في قلوبهم الخوف الشديد حتى فتحوا الحصون واستسلموا قال ابن جزي: نزلت الآية في يهود "بني قريظة" وذلك أنهم كانوا معاهدين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضوا عهده وصاروا مع قريش، فلما انهزم المشركون وانصرفت قريش عن المدينة حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة حتى نزلوا على حكم "سعد بن معاذ" فحكم بأن يُقتل رجالهم، ويُسبى نساءهم وذريتهم فذلك قوله تعالى: {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} يعني الرجال وقتل منهم يومئذٍ ما بين الثمانمائة والتسعمائة {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} يعني النساء والذرية {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} أي وأورثكم يا معشر المؤمنين أرض بني قريظة وعقارهم وخيلهم ومنازلهم وأموالهم التي تركوها {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} أي وأرضاً أخرى لم تطؤوها بعدُ بأقدامكم، وهي خيبر لأنها أخذت بعد قريظة، وكل أرض فتحها المسلمون بعد ذلك {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} أي قادراً على كل ما أراد، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، قال أبو حيان: ختم تعالى هذه الآية ببيان قدرته على كل شيء، وكأن في ذلك إشارة إلى فتحه على المسلمين الفتوح الكثيرة، فكما ملَّكهم هذه الأراضي فكذلك هو قادر على أن يملّكهم غيرها من البلاد {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ} أي قل لزوجاتك اللاتي تأذيتَ منهن بسبب سؤالهن إياك الزيادة في النفقة {إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} أي إن رغبتُنَّ في سعة الدنيا ونعيمها، وبهرجها الزائل {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} أي فتعالينَ حتى أدفع لكنَّ متعة الطلاق {وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} أي وأطلقكُنَّ طلاقاً من غير ضرار {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} أي وإِن كنتُنَّ ترغبن في رضوان الله ورسوله، والفوز بالنعيم الوافر في الدار الآخرة {فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} جواب الشرط أي فإِن الله تعالى قد هيأ للمحسنات منكنَّ بمقابلة إحسانهن ثواباً كبيراً لا يوصف، وهو الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال في البحر: لما نصر الله نبيه، وفرَّق عنه الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنظير، ظنَّ أزواجه أنه اختصَّ بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن يا رسول الله: بناتُ كسرى وقيصر في الحُليّ والحُلَل، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق!! وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهنَّ بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهنَّ، وأزواجه إذ ذاك تسع زوجات {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي من تفعل منكن كبيرةً من الكبائر، أو ذنباً تجاوز الحدَّ في القبح، قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} أي يكون جزاؤها ضعف جزاء غيرها من النساء، لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} أي كان ذلك العقاب سهلاً يسيراً على الله، لا يمنعه منه كونهنَّ أزواج ونساء النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الآية تلوينٌ للخطاب، فبعد أن كانت المخاطبة لهن على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجَّه الخطاب إليهنَّ هنا مباشرةً لإِظهار الاعتناء بأمرهن ونصحهن، قال الصَّاوي: وهذه الآيات خطاب من الله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم إظهاراً لفضلهن، وعظم قدرهن عند الله تعالى، لأن العتاب والتشديد في الخطاب مشعر برفعة رتبتهن، لشدة قربهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنهن أزواجه في الجنة، فبقدر القرب من رسول الله يكون القرب من الله {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ} أي ومن تواظب منكنَّ على طاعة الله وطاعة رسوله {وَتَعْمَلْ صَالِحاً} أي وتتقرب إلى الله بفعل الخير وعمل الصالحات {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} أي نعطها الثواب مضاعفاً ونثيبها مرتين: مرة على الطاعة والتقوى، وأخرى على طلبهنَّ رضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقناعة وحسن المعاشرة {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} أي وهيأنا لها في الجنة ـ زيادة على ما لها من أجر ـ رزقاً حسناً مرضياً لا ينقطع، ثم أظهر فضيلتهنَّ على النساء فقال: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} أي أنتن تختلفن عن سائر النساء من جهة أنكنَّ أفضل وأشرف من غيركن، لكونكن زوجات خاتم الرسل، وأفضل الخلق محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، فليست الواحدة منكنَّ كالواحدة من آحاد النساء {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} شرطٌ حذف جوابه لدلالة ما قبله أي إن اتقيتنَّ اللهَ فأنتُنَّ بأعلى المراتب قال القرطبي: بيَّن تعالى أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط التقوى، لما منحهنَّ الله من صحبة رسوله سيد الأولين والآخرين، وقال ابن عباس: يريد في هذه الآية: ليس قدركنَّ عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتُنَّ أكرمُ عليَّ وثوابكنَّ أعظم إن اتقيتُن، فشرط عليهن التقوى بياناً أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا بنفس اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ} أي فلا ترققن الكلام عند مخاطبة الرجال {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي فيطمع مَن كان في قلبه فجور وريبة، وحبٌ لمحادثة النساء {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أي وقلن قولاً حسناً عفيفاً لا ريبة فيه، ولا لين ولا تكسر عند مخاطبتكنَّ للرجال قال ابن كثير: ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلامٍ ليس فيه ترخيم، ولا تخاطب الأجنبيَّ كما تخاطب زوجها {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أي الزَمْنَ بيوتكنَّ ولا تخرجن لغير حاجة، ولا تفعلن كما تفعل الغافلات، المتسكعات في الطرقات لغير ضرورة {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} أي لا تظهرن زينتكن ومحاسنكنَّ للأجانب مثل ما كان نساء الجاهلية يفعلن، حيث كانت تخرج المرأة إلى الأسواق مظهرةً لمحاسنها، كاشفة ما لا يليق كشفه من بدنها قال قتادة: كانت لهن مشية فيها تكسُّرٌ وتغنج فنهى الله تعالى عن ذلك {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ} أي حافظن على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، قال ابن كثير: نهاهنَّ أولاً عن الشر، ثم أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة وهي عبادة الله وحده، وإيتاء الزكاة وهي الإِحسان إلى المخلوقين {وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي أطعن الله ورسوله في جميع الأوامر والنواهي لتنلن مرتبة المتقيات {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ} أي إنما يريد الله أن يخلصكنَّ من دنس المعاصي، ويطهركنَّ من الآثام، التي يتدنس بها عرض الإِنسان كما يتلوث بدنه بالنجاسات {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} أي يا أهل بيت النبوة {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} أي ويطهركم من أوضار الذنوب والمعاصي تطهيراً بليغاً {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ} أي وأقرأن آيات القرآن، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإِن فيهما الفلاح والنجاح، قال الزمخشري: ذكّرهن أن بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهنَّ ألا ينسين ما يُتلى فيها من الكتاب الجامع بين أمرين: آيات بينات تدل على صدق النبوة، وحكمة وعلوم وشرائع سماوية {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} أي عالماً بما يصلح لأمر العباد، خبيراً بمصالحهم ولذلك شرع للناس ما يُسعدهم في دنياهم وآخرتهم، ثم أخبر تعالى أن المرأة والرجل في الجزاء والثواب سواء فقال: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} هم المتمسكون بأوامر الإِسلام المتخلقون بأخلاقه رجالاً ونساءً {وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي المصدِّقين بالله وآياته، وما أُنزل على رسله وأنبيائه {وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ} أي العابدين الطائعين، المداومين على الطاعة {وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ} أي الصادقين في إيمانهم، ونياتهم، وأقوالهم، وأعمالهم {وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ} أي الصابرين على الطاعات وعن الشهوات في المكره والمنشط {وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ} أي الخاضعين الخائفين من الله جل وعلا، المتواضعين له بقلوبهم وجوارحهم {وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ} أي المتصدقين بأموالهم على الفقراء، بالإِحسان وأداء الزكوات {وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ} أي الصائمين لوجه الله شهر رمضان وغيره من الأيام، فالصوم زكاة البدن يزكيه ويطهّره {وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ} أي عن المحارم والآثام، وعما لا يحل من الزنى وكشف العورات {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} أي المديمين ذكر الله بألسنتهم وقلوبهم في كل الأوقات والأمكنة {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} أي أعدَّ لهؤلاء المتقين الأبرار، المتصفين بالصفات الجليلة أعظم الأجر والثواب وهو الجنة، مع تكفير الذنوب بسبب ما فعلوه من الأعمال الحسنة. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِطناب بتكرار الاسم الظاهر {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} كرر الإِسم الكريم للتشريف والتعظيم. 2- الاستعارة {قَضَىٰ نَحْبَهُ} النحبُ، النذر، واستعير للموت لأنه نهاية كل حي، فكأنه نذر لازم في رقبة الإِنسان. 3- الجملة الاعتراضية {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ ـ إِن شَآءَ ـ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} للتنبيه على أن أمر العذاب أو الرحمة موكول لمشيئته تعالى. 4- المقابلة بين {إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} وبين {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ}. 5- التشبيه البليغ {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} أي كتبرج أهل الجاهلية حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فصار بليغاً. 6- عطف العام على الخاص {وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بعد قوله: {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ} فإِن إطاعة الله ورسوله تشمل كل ما تقدم من الأوامر والنواهي. 7- الاستعارة {يُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ .. وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} استعار الرجس للذنوب، والطهر للتقوى لأن عرض المرتكب للمعاصي يتندس، وأما الطاعة فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر. 8- الإِيجاز بالحذف {وَٱلْحَافِـظَاتِ} حذف المفعول لدلالة السابق عليه أي والحافظات فروجهن. 9- التغليب {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم} غلَّب الذكور وجمع الإِناث معهم ثم أدرجهم في الضمير. 10- توافق الفواصل مثل {يَسِيراً، قَدِيراً، كَثِيراً} وهو من المحسنات البديعية.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه تحريكاً لحمية المؤمنين: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ} أيها المؤمنون المخلصون، الطالبون التخلق بأخلاق الله، الهاربون عن أخلاق أعدائه {فِي رَسُولِ ٱللَّهِ} المبعوث؛ لإرشادكم وإهدائكم {أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي: خصلة حميدة بديعة يجب التأسي والاتصاف بها {لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ} أي: لقاءه ومطالعة وجهه الكريم {وَ} يرجو أيضاً {ٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} الموعود يه هذه الكرامة العظيمة، وبواسطة هذا الرجاء وغلبة هذه الأمنية العظيمة في خاطره {وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 21] في عموم الأعيان والأحياز؛ لتلذذه بذكره سبحانه؛ حتى ينال ما وعد من الفوز بشرف اللقاء، ومن كان كذلك، وهمه ذلك فهو مؤتسٍ بالرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الخصلة المحمودة، والديدنة المسعودة المقبولة عند الله التي هي الرضا بجميع ما جرى عليه من القضاء. ومن علامات الثبات على العزيمة، وتحمل الشدائد، ومقاساة الأحزان، وارتكاب المتاعب والمشاق في إعلاء دين الله وكلمة توحيده، والتوكل نحوه في الضراء والسراء، وكظم الغيظ عند هجوم الغضب، والعفو عند القدرة وغير ذلك من الخصائل الحميدة والأخلاق الجميلة المرضية {وَ} من شدة تأثير هذه الخصائل الجميلة في قلوب المؤمنين {لَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ} المخلصون {ٱلأَحْزَابَ} حواليهم {قَالُواْ} متذكرين لوعد الله، متثبتين على دينه، متشمرين لإعلاء كلمة توحيده: {هَـٰذَا} الوقت وقت إنجاز {مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} من النصر والغلبة على الأعداء، والفوز بأنواع الغنائم والعطاء عاجلاً وآجلاً بقوله سبحانه: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم...}تفسير : [البقرة: 214] وقوله عليه السلام: "حديث : سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم العاقبة لكم عليهم"تفسير : ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر ". تفسير : {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} في جميع ما جاءنا من قِبَل الله ورسوله من الوعد والوعيد، وأنواع النعم والعطاء، والمحن والبلاء {وَ} من كمال تثبتهم وتفويضهم على الله، وتوكلهم نحوه: {مَا زَادَهُمْ} إلمام الخطوب وحدوث الوقائع، ونزول المحن والبليات {إِلاَّ إِيمَاناً} بالله وكمال قدرته وعلمه وإرادته، وسائر صفات الذاتية والفعلية {وَتَسْلِيماً} [الأحزاب: 22] لعموم ما جرى عليهم من صولجان قضائه بلا تلعثم وتذبذب في إيمانهم واعتقادهم. ومن غاية خلوصهم في إيمانهم وتسليمهم {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} المشمرين لإعلاء دين الله ونصرة رسوله على العزيمة الكاملة الصادقة {رِجَالٌ} أبطال كاملون في الإخلاص والشجاعة والوفاء {صَدَقُواْ} في جميع {مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} أي: نجزوا مواثيقهم، ووفوا عموم عهودهم التي عهدوا مع الله ورسوله من الثبات على العزيمة، والتصبر في المعركة، وعدم التزلزل من المحل الذي عين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في صف القتلا، ولم يجنبوا ولم يضعفوا أصلاً. {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} ووفى نذره بأن قاتل مع أعداء الله على مقتضى ما عاهد ونذر حتى استشهد ووصل إلى مرامه ومبتغاه، كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر - رضون الله عليهم أجمعين - {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} الشهادة، كعثمان وطلحة فقاتلوا مع الأعداء وقتلوهم، ونجواو منهم سالمين منتظرين إلى قتال آخر؛ ليستشهدوا فيه {وَ} من كمال تثبتهم وتمكنهم في تعيينهم، وإخلاصهم في إيمانهم: {مَا بَدَّلُواْ} من النذور والعهود التي أتوا بها عازمين عليها جازمين، ولا أضمروا في أنفسهم، كالمنافقين {تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23] شيئاً حقيراً من التبدل والنقص، فكيف بالعظيم الكثير؟! بل زادوها وأكدوها. كل ذلك {لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ} المجازي لأعمال عباده {ٱلصَّادِقِينَ} المخلصين منهم {بِصِدْقِهِمْ} أي: جزاءً حسناً يناسب صدقهم وإخلاصهم، أو بواسطة صدقهم وإخلاصهم {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ} منهم، وليجازيهم بمقتضى كفرهم ونفاقهم تعذيباً مخلداً مؤبداً {إِن شَآءَ} وتعلق إرادته ومشيئته بتخليدهم في العذاب {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} ويوفقهم على الإيمان والإخلاص، إن علق إرادته بإيمانهم وإنقاذهم من العذاب الأبدي {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على جميع ما أحاط تحت قدرته {كَانَ غَفُوراً} ساتراً لذنوب من وفقهم على التوبة من عصاة عباده {رَّحِيماً} [الأحزاب: 24] يقبل توبتهم، ويرحم عليهم بعدما أخلصوا فيها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حسن الأسوة وسر القدوة وبقوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] يشير إلى ما سبقت به العناية لهذه الأمة في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر بلفظ {كَانَ} أي: كان لكم مقدر في الأزل أن يكون لكم عند الخروج من العدم إلى الوجود {فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ} أي: فقد أحسنته، وذلك بأن أول شيء تعلقت به القدرة للإيجاد كان روح رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله: "حديث : أول ما خلق الله روحي"تفسير : والأسوة الحسنة عبارة عن تعلق القدرة بأرواح هذه الأمة لإخراجهم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدم إلى الوجود، فمن أكرم بهذه الكرامة يكون لها أثر في عالم الأرواح قبل تعلقه بعالم الأشباح، فأما أثره في عالم الأرواح فتقدمه على الأرواح بالخروج إلى عالم الأرواح وترجيعه في الصف الأول بقرب روح رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في الصف الذي يليه، وبتقدمه في قبول الفيض الإلهي وبتقدمه عند استخراج ذرات الذريات من صلب آدم في استخراج ذريته بإحضارها في الحضرة وبتقدمه في استماع خطاب {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] وبتقدمه في إجابة الرب تعالى بقوله: {أية : قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172] وبتقدمه في المعاهدة مع الله وبتأخره في الرجوع إلى صلب آدم وبتأخره في الخروج عن أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وفي الخروج عن الرحم ويتأخر تعلق روحه بجسمه، فإن لله الذي هو المقدم والمؤخر في هذه التقدمات والتأخرات حكم بالغة، ولها تأثيرات عجيبة يطول شرحها، وأما أثره في عالم الأشباح فاعلم أنه بحسب هذه المراتب في ظهور أثر الأسوة يظهر أثرها في عالم الأشباح عند تعلق نظر الروح بالنطفة في الرحم أولاً إلى أن تربى النطفة بنظره في الأطوار المختلفة، وتصير قالباً مستوي الروح مستعداً للقبول تعلق الروح به فمثل القالب المستوي مع الروح كمثل الشمعة مع نقش الخاتم إذا وضع عليها تقبل جميع نقوش الخاتم. فالروح المكرم إذا تعلق بالقالب المستوي يودع فيه جميع خواصه التي استفاد من تلك التقدمات والتأخرات الأسوية، فكل ما يجري على الإنسان من بداية ولادته إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأحوال كلها من آثار خواص أودعها الله في الروح فبحسب قرب كل روح الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده عنه له أعمال ونيات تناسب حاله في الأسوة، فأما حال أهل القرب منهم بأن يكون علمهم على وفق السنة خالصاً لوجه الله. كما قال تعالى: {لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ} [الأحزاب: 21] وأما من هو دونهم في القرب والإخلاص فبأن يكون لليوم الآخر أي للفوز بنعم الجنان كما قال تعالى: {وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} [الأحزاب: 21] ثم جعل نيل هذه المقامات مشروطاً بقول: {وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 21] لأن في الذكر وهو كلمة "لا إله إلا الله" نفياً أو إثباتاً وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله بهما يخرجان من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي عند رؤية الأحزاب. وبقوله: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ} [الأحزاب: 22] يشير إلى أهل نور الوجود المجتمعين على إضلالهم وإهلاكهم من النفس وصفاتها والدنيا وزينتها والشيطان وأتباعه {قَالُواْ} متوكلين على الله مفوضين أمورهم إلى الله {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} [الأحزاب: 22] فإن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء والأمثل فالأمثل وصدق الله ورسوله {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً} [الأحزاب: 22] بصدق وعد الله {وَتَسْلِيماً} [الأحزاب: 22] لأحكامه الأزلية. وبقوله تعالى: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} [الأحزاب: 23] يشير إلى أن فهم من هو بمنزلة الرجال بأن يكون هو متصرفاً في الموجودات وألا تصرف لشيء من الموجودات رأت فيه، كما قال بعضهم: "أنا سيد لا يدخلني شيء"، وأمارة رجوليتهم أنهم {صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} ألا يعبدوا غيره من الدنيا والعقبى والدرجات العليا إلى أن يصلوا إلى الحضرة العلي الأعلى {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} [الأحزاب: 23] أي: بلغ مقصده وهذا حال المنتهين {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} [الأحزاب: 23] البلوغ والوصال وهو في السير وهذا حال المتوسطين {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23] بالإعراض عن الطلب والإقبال على غير الله. {لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 24] في الطلب وبقدم الصدق ينزلون عند ربهم {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ} [الأحزاب: 24] وهم مدعو الطلب بغير قدم صدق بل بقدم كذب ورياء {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 24] أن يكونوا في زي أهل الحرفة ولباس التقوى وفي سيرة أهل الرياء والنفاق، كما قال بعضهم: شعر : أمّا الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها تفسير : إن الله كان من الأزل إلى الأبد غفوراً لمن يشاء رحيماً لمن يشاء. وبقوله: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ} [الأحزاب: 25] يشير إلى كفار النفس والشيطان والدنيا وردهم عن القلوب المنورة بنور الإيمان ومنهم غيظهم {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} [الأحزاب: 25] أي مراداً {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} [الأحزاب: 25] بريح القهر إذ هبت على النفوس فأبطلت شهواتها وعلى الشيطان فردت كيده على الدنيا فأزالت زينتها {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً} [الأحزاب: 25] في إبطال الباطل وتحقيق الحق {عَزِيزاً} [الأحزاب: 25] لا مانع له عما يشاء.