Verse. 3555 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

وَلَمَّا رَاَ الْمُؤْمِنُوْنَ الْاَحْزَابَ۝۰ۙ قَالُوْا ھٰذَا مَا وَعَدَنَا اللہُ وَرَسُوْلُہٗ وَ صَدَقَ اللہُ وَرَسُوْلُہٗ۝۰ۡوَمَا زَادَہُمْ اِلَّاۗ اِيْمَانًا وَّتَسْلِــيْمًا۝۲۲ۭ
Walamma raa almuminoona alahzaba qaloo hatha ma waAAadana Allahu warasooluhu wasadaqa Allahu warasooluhu wama zadahum illa eemanan watasleeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولمَّا رأى المؤمنون الأحزاب» من الكفار «قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله» من الابتلاء والنصر «وصدق الله ورسوله» في الوعد «وما زادهم» ذلك «إلا إيمانا» تصديقا بوعد الله «وتسليما» لأمره.

22

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين وهو أنهم قالوا هذا ما وعدنا الله من الابتلاء ثم قالوا: {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } في مقابلة قولهم: { أية : مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } تفسير : [الأحزاب: 12] وقولهم: {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } ليس إشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هي إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ } وقد وقع وصدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس وقوله: {مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَـٰناً } بوقوعه وتسليماً عند وجوده.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ} ومن العرب من يقول: «راء» على القلب. {قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ} يريد قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} تفسير : [البقرة: 214] الآية. فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق قالوا: «هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ»؛ قاله قتادة. وقول ثانٍ رواه كُثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذكرت الأحزاب فقال: حديث : «أخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها ـ يعني على قصور الحِيرة ومدائن كِسرى ـ فأبشروا بالنصر» فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله، موعد صادق؛ إذ وُعدنا بالنصر بعد الحصرتفسير : . فطلعت الأحزاب فقال المؤمنون: {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} ذكره الماوردي. و«مَا وَعَدَنا» إن جعلت «ما» بمعنى الذي فالهاء محذوفة. وإن جعلتها مصدراً لم تحتج إلى عائد {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} قال الفراء: وما زادهم النظر إلى الأحزاب. وقال علي بن سليمان: «رأى» يدل على الرؤية، وتأنيث الرؤية غير حقيقي، والمعنى: ما زادهم الرؤية إلا إيماناً بالرب وتسليماً للقضاء، قاله الحسن. ولو قال: ما زادوهم لجاز. ولما اشتدّ الأمر على المسلمين وطال المقام في الخندق، قام عليه السلام على التّل الذي عليه مسجد الفتح في بعض الليالي، وتوقع ما وعده الله من النصر وقال: حديث : «من يذهب ليأتينا بخبرهم وله الجنة» فلم يجبه أحد. وقال ثانياً وثالثاً فلم يجبه أحد، فنظر إلى جانبه وقال: «من هذا؟» فقال حذيفة. فقال: «ألم تسمع كلامي منذ الليلة؟» قال حذيفة: فقلت يا رسول الله، منعني أن أجيبك الضُّرّ والقُرّ. قال: «انطلق حتى تدخل في القوم فتسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم. اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى تردّه إليّ، انطلق ولا تحدِث شيئاً حتى تأتيني». فانطلق حذيفة بسلاحه، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يقول: «يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين اكشف هَمي وغَمي وكربي فقد ترى حالي وحال أصحابي». فنزل جبريل وقال: «إن الله قد سمع دعوتك وكفاك هول عدوّك» فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وبسط يديه وأرخى عينيه وهو يقول: «شكراً شكراً كما رحِمتني ورحِمت أصحابي». وأخبره جبريل أن الله تعالى مرسل عليهم ريحاً؛ فبشّر أصحابه بذلك. قال حذيفة: فانتهيت إليهم وإذا نيرانهم تتقد؛ فأقبلت ريح شديدة فيها حصباء فما تركت لهم ناراً إلا أطفأتها ولا بناء إلا طرحته، وجعلوا يتترسون من الحصباء. وقام أبو سفيان إلى راحلته وصاح في قريش: النجاءَ النجاء! وفعل كذلك عُيينة بن حِصن والحارث بن عوف والأقرع بن حابس. وتفرّقت الأحزاب، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد إلى المدينة وبه من الشَّعَث ما شاء الله؛ فجاءته فاطمة بغَسول فكانت تغسل رأسه، فأتاه جبريل فقال: «وضعتَ السلاح ولم تضعه أهل السماء، مازلت أتبعهم حتى جاوزت بهم الروحاء ـ ثم قال ـ: انهض إلى بني قريظة». وقال أبو سفيان: مازلت أسمع قعقعة السلاح حتى جاوزت الرَّوْحاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَمَّا رَءَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ } من الكفار {قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } من الابتلاء والنصر {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } في الوعد {وَمَا زَادَهُمْ } ذلك {إِلاَّ إِيمَانًا } تصديقاً بوعد الله {وَتَسْلِيماً } لأمره.

ابن عطية

تفسير : وصف الله تعالى المؤمنين حين رأوا تجمع الأحزاب لحربهم وصبرهم على الشدة وتصديقهم وعد الله تعالى على لسان نبيه، واختلف في مراد المؤمنين بوعد الله ورسوله لهم، فقالت فرقة: أرادوا ما أعلمهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر بحفر الخندق فإنه أعلمهم بأنهم سيحصرون وأمرهم بالاستعداد لذلك وأعلمهم بأنهم سينصرون من بعد ذلك، فلما رأوا الأحزاب {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله} فسلموا لأول الأمر وانتظروا آخره، وقالت فرقة: أرادوا بوعد الله ما نزل في سورة البقرة من قوله: {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} تفسير : [البقرة: 214]. قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يكون المؤمنون نظروا في هذه الآية، وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أمرهم بحفر الخندق، وأشاروا بالوعد إلى جميع ذلك، وهي مقالتان إحداهما من الله والأخرى من رسوله، وزيادة الإيمان هي في أوصافه لا في ذاته لان ثبوته وإبعاد الشكوك عنه والشبه زيادة في أوصافه، ويحتمل أن يريد إيمانهم بما وقع وبما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يقع فتكون الزيادة في هذا الوجه فيمن يؤمن به لا في نفس الإيمان، وقرأ ابن أبي عبلة "وما زادوهم" بواو جمع، و"التسليم" الانقياد لأمر الله تعالى كيف جاء، ومن ذلك ما ذكرناه من أن المؤمنين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند اشتداد ذلك الخوف: يا رسول الله إن هذا أمر عظيم فهل من شيء نقوله؟ فقال: قولوا "حديث : اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا"تفسير : ، فقالها المسلمون في تلك الضيقات. ثم أثنى الله على رجال من المؤمنين عاهدوا الله تعالى على الاستقامة التامة فوفوا وقضوا نحبهم، أي نذرهم وعهدهم، و"النحب" في كلام العرب النذر، والشيء الذي يلتزمه الإنسان، ويعتقد الوفاء به، ومنه قول الشاعر: "قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر"، المعنى أنه التزم الصبر إلى موت أو فتح فمات ومن ذلك قول جرير: [الطويل] شعر : بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا عشية بسطام جرين على نحب تفسير : أي على أمرعظيم التزم القيام، كأنه خطر عظيم وشبهه، وقد يسمى الموت نحباً، وبه فسر ابن عباس هذه الآية، وقال الحسن {قضى نحبه} مات على عهد، ويقال للذي جاهد في أمر حتى مات قضى فيه نحبه، ويقال لمن مات قضى فلان نحبه، وهذا تجوز كأن الموت أمر لا بد للإنسان أن يقع به فسمي نحباً، لذلك فممن سمى المفسرون أنه أشير إليه بذلك أنس بن النضر عم أنس بن مالك، وذلك أنه غاب عن بدر فساءه ذلك وقال: لئن شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهداً ليرين الله ما أصنع، فلما كانت أحد أبلى بلاء حسناً حتى قتل ووجد فيه نيف على ثمانين جرحاً، فقالت فرقة: إن هذه الإشارة هي إلى أنس بن النضر ونظرائه ممن استشهد في ذات الله تعالى، وقال مقاتل والكلبي الرجال الذين {صدقوا ما عاهدوا الله عليه} هم أهل العقبة السبعون أهل البيعة، وقالت فرقة: الموصوفون بقضاء النحب هم جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوا بعهود الإسلام على التمام، فالشهداء منهم، والعشرة الذي شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة منهم، إلى من حصل في هذه المرتبة ممن لم ينص عليه، ويصحح هذه المقالة ما روي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على المنبر فقال له أعرابي: يا رسول الله من الذي قضى نحبه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم دخل طلحة بن عبيد الله على باب المسجد وعليه ثوبان أخضران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين السائل؟ فقال: ها أنا ذا يا رسول الله، قال: هذا ممن قضى نحبه تفسير : قال القاضي أبو محمد: فهذا أدل دليل على أن النحب ليس من شروطه الموت، وقال معاوية بن أبي سفيان: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : طلحة ممن قضى نحبه"تفسير : ، وروت هذا المعنى عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {ومنهم من ينتظر} يريد ومنهم من ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح وهو بسبيل ذلك {وما بدلوا} وما غيروا، ثم أكد بالمصدر، وقرأ ابن عباس على منبر البصرة "ومنهم من بدل تبديلاً"، رواه عنه أبو نصرة، وروى عنه عمرو بن دينار "ومنهم من ينتظر وآخرون بدلوا تبديلاً"، واللام في قوله تعالى: {ليجزي} لام الصيرورة والعاقبة، ويحتمل أن تكون لام كي، وتعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم والتوبة موازية لتلك الإدامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان: إقامة على نفاق، أو توبة منه، وعنهما ثمرتان تعذيب، أو رحمة، فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدة من هاتين، وواحدة من هاتين، ودل ما ذكر على ما ترك ذكره ويدلك على أن معنى قوله "ليعذب" ليديم على النفاق قوله {إن شاء} ومعادلته بالتوبة وبحرف {أو} ولا يجوز أحد أن {إن شاء} يصح في تعذيب منافق على نفاقه بل قد حتم الله على نفسه بتعذيبه.

ابن عبد السلام

تفسير : {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ} بقوله في البقرة {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم}تفسير : الآية [البقرة: 214]، أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الخندق أخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة في قصور الحيرة ومدائن كسرى فأبشروا بالنصر فاستبشروا وقالوا: الحمد لله موعد صادق إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر فطلعت الأحزاب فقالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله. {إِيمَاناً} بالرب {وَتَسْلِيماً} لقضائه، أو إيماناً بوعده وتسليماً لأمره.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ...} الآية. قالت فرقة: لما أمر ـــ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ـــ بحفر الخندقِ أعلمهم بأنهم سَيُحْصَرَون، وأمرهم بالاستعدادِ لذلك، وأعْلمهم بأنهم سَيُنْصَرُوْنَ بعد ذلك, فلما رأوا الأحزاب: {قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} الآية، وقالت فرقة: أرادوا بوعد اللّه ما نَزَل في سورة البقرة من قوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم }تفسير : [البقرة:214] إلى قوله {أية : قَرِيبٌ } تفسير : [البقرة:214]. قال * ع *: وَيُحْتَمَلُ أنهم أرادوا جميعَ ذلك. ثم أثنى سُبحانه على رجالٍ عَاهدوا اللّه على الاسْتِقَامَةِ فَوَفَّوْا، وَقَضَوْا نَحْبُهُمْ، أي: نَذْرَهُمْ، وَعَهَدَهُمْ، «والنَّحْبُ» فِي كَلاَمِ العَرَبِ: النَّذْرُ والشَّيءُ الذي يلتزمُهُ الإنسان، وقَد يُسَمَّى المَوْتُ نَحْباً، وبهِ فسَّر ابن عبَّاس وغيرُه هذه الآيةَ، ويقال للذي جاهد في أمرٍ حتى ماتَ: قضى فيه نحبه، ويقالُ لمن مات: قَضَى فلانُ نَحْبَه؛ فمن سَمَّى المفسرون أنّه أُشِيرَ إليه بهذه الآية أنس بن النضر عَمُّ أنسِ بن مالكٍ، وذلك أنه غَابَ عن بَدْرِ فساءَه ذلك، وقال لَئِنْ شَهدت مع رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم مَشْهَداً ليَرَيَنَّ اللّهُ ما أصْنَعُ. فلما كان أحَدٌ أبلَى بلاءً حَسَناً حَتَّى قُتِلَ وَوُجِدَ فيه نَيِّفٌ على ثمانينَ جُرْحاً، فكانوا يَروْنَ أن هذه الآيةَ في أنس بن النضر ونظرائه. وقالت فرقة: الموصوفون بقَضَاء النَّحْبِ؛ هم جماعةٌ من أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفَّوْا بِعُهُودِ الإسْلاَمِ عَلَى التَّمَامِ، فالشُّهَداءُ منهم، والعَشَرَةُ الذين شَهِدَ لهم رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم بالجنّةِ منْهم، إلى مَن حَصَل في هذه المرتبةِ مِمَّنْ لَم يُنَصَّ عليه، ويُصَحَّحُ هذه المقالةَ أيضاً مَا رُوِيَ حديث : أن رَسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم كان عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللّهِ، مَنِ الَّذِي قَضَىٰ نَحْبَهُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَاعَةً، ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ عَلَىٰ بَابِ المَسْجِدِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: هَأَنَذَا، يا رسُولَ اللّه، قَالَ: هَذَا مِمَّنْ قَضَىٰ نَحْبهُ»».تفسير : قال * ع *: فهذا أدل دليل على أَن النَّحْبَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِه المَوْتُ. وقال معاوية بن أبي سفيان: إني سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ، وَرَوَتْ عَائِشَة نَحوَه. وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} يريدُ ومنهم من ينتظر الحصولَ في أعلى مَراتِب الإيمان والصلاحِ، وهم بسبيل ذلك ومَا بدّلوا ولا غيّرُوا واللامُ في: {لِّيَجْزِيَ} يحتمل أن تكونَ لامَ الصيرورة أو «لامَ كي»، وتعذيبُ المنافقينَ ثمرةُ إدامتِهم الإقامةَ على النفاقِ إلى مَوْتِهم، والتوبَة موازيةُ لتلك الإدامة، وثمرة التوبة تركهُمْ دونَ عذاب، فهما درجتان: إدامَةُ على نفاقٍ أو تَوْبَةُ منه، وعَنْهُمَا ثمرتان: تعذيبٌ أو رحمة. ثم عدَّدَ سبحانه ـــ نعمه على المؤمنين في هَزْمِ الأحزَاب؛ فقال: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏ولما رأى المؤمنون الأحزاب‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى آخر الآية قال إن الله تعالى قال لهم في سورة البقرة ‏{أية : ‏أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء‏}‏ تفسير : ‏[‏البقرة: 214‏]‏ فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق ‏{‏قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله‏} ‏ فتأول المؤمنون ذلك فلم يزدهم إلا إيماناً وتسليماً‏. وأخرج جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ أنزلت هذه الآية قبل تحوّل ‏{‏أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏ وصدق الله ورسوله فيما أخبرا به من الوحي قبل أن يكون‏. وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ أنزل الله في سورة البقرة ‏{‏أم حسبتم أن تدخلوا الجنة‏}‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً‏} ‏ قال‏:‏ ما زادهم البلاء إلا إيماناً بالرب، وتسليماً للقضاء‏.

القشيري

تفسير : كما أنّ المنافقين اضطربت عقائدُهم عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهلُ اليقين ازدادوا ثِقةً، وعلى الأعداء جرأةً، ولحكم الله استسلاماً، ومن الله قوةً.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولما رأى المؤمنون الاحزاب} اى الجنود المجتمعة لمحاربة النبى عليه السلام واصحابه يوم الخندق. والحزب جماعة فيها غلظ كما فى المفردات {قالواهذا} البلاء العظيم {ما وعدنا الله ورسوله} بقوله تعالى {ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء} الآية وقوله عليه السلام "حديث : سيشتدّ الامر باجتماع الاحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم" تفسير : وقوله عليه السلام "حديث : ان الاحزاب سائرون اليكم بعد تسع ليال او عشر" تفسير : {وصدق الله ورسوله} اى ظهر صدق خبر الله ورسوله {وما زادهم} ما رأوه: وبالفارسية [ونيفزود ديدن احزاب مؤمنانرا] {الا ايمانا} بالله ومواعيده {وتسليما} لا وامره ومقاديره. وقال الكاشفى [وكردن نهادن احكام امر حضرت رسالت بناهى راكه سعادت دوسراى دران تسليم مندرجست] شعر : هركه دارد جون قلم سر برخط فرمان او مى نويسد بخت طغراى شرف برنام او

الجنابذي

تفسير : {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ} الخالصون {ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} بخلاف غير الخالصين فانّهم قالوا ما وعدنا الله ورسوله الاّ غروراً {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما حال الخالصين؟ ايكونون متساوين؟- فقال: من المؤمنين رجالٌ {صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} عند البيعة مع محمّدٍ (ص) بالاجابة له فى شروطه والمعنى قالوا ما عاهدوه صدقاً لا كذباً كالمنافقين او صدقوا فيما عاهدوه {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} للنّحب معانٍ كثيرة منها الخطر العظيم والحاجة والوقت والنّوم والشّدّة والمدّة والموت والاجل والنّذر، والكلّ مناسب ههنا فانّ المراد قضاء عمره {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} النّحب {وَمَا بَدَّلُواْ} ما عاهدوا الله عليه {تَبْدِيلاً} شيئاً من التّبديل، فيه تعريض باهل النّفاق وقد ورد أخبار كثيرة انّ الآية نزلت فى حمزة وجعفرٍ وعبيدة وعلىٍّ (ع)، وفى بعض الاخبار انّها نزلت فى المؤمنين من شيعة آل محمّدٍ (ص)، وفى خبر عن الصّادق (ع) المؤمن مؤمنان؛ فمؤمن صدق بعهد الله ووفى بشرطه وذلك قول الله عزّ وجلّ: رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وذلك لا يصيبه اهوال الدّنيا ولا اهوال الآخرة وذلك ممّن يشفع ولا يشفع له، ومؤمن كخامة الزّرع يعوجّ احياناً ويقوم احياناً، فذلك ممّن يصيبه اهوال الدّنيا واهوال الآخرة، وذلك ممّن يشفع له ولا يشفع، وفى خبرٍ عنه (ع): لقد ذكركم الله فى كتابه فقال: من المؤمنين رجالٌ صدقوا (الآية) انّكم وفيتم بما اخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا وانّكم لم تبدّلوا بنا غيرنا، وعنه (ع) انّه قال؛ قال رسول الله (ص): "حديث : يا علىّ (ع) من احبّك ثمّ مات فقد قضى نحبه، ومن احبّك ولم يمت فهو ينتظر، وما طلعت شمس ولا غربت الاّ ظلّت عليه برزقٍ وايمانٍ ".

اطفيش

تفسير : {ولما رأى المُؤمنون الأحْزاب قالُوا هذا} اى هذا الذى رأينا من اتيان الاحزاب او هذا البلاء {ما وعَدنا الله ورسُولهُ} اى ما وعدناه الله ورسوله، ومن العجيب جعل ما مصدرية، ثم يأول المصدر، وهو الوعد بالموعود الذى هو ما وعدناه الله، فليبق بلا مصدرية ويقدر الهاء كما رأيت. والموعود قوله فى سورة البقرة: "أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة" تفسير : [البقرة: 214] إلى: "أية : والضراء" تفسير : [البقرة: 214] وهى نزلت قبل نزول الاحزاب على المدينة بعام، وأيضا الموعود قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان الاحزاب سائرون اليكم تسعا او عشرا" تفسير : اى آخر تسع او عشر اى من وقت الاخبار، او من غرة الشهر، وآية البقرة فى ذلك اولى من هذا، لانه لم يجئ حديثاً. {وصَدق الله ورسُولُه} داخل فى القول عطف على جملة: هذا ما الخ، ولا يجوز عطفه على وعدنا الله، اذ لا رابط فى هذا المعطوف يعود الى ما الا ان يقدر: وصدق الله ورسوله فيه، ولم يضمر، لانه لو قال وصدقا لجمع الله وغيره فى ضمير، ومر كلام فى سورة المائدة على ذلك {وما زادهُم} فاعل زاد ضمير الرأى مصدر رأى بلا تاء، او ضمير الشهود مصدر شهد، او ضمير البلاء، وذلك اولى من رجوعه الى الوعد، بان يزيدهم الايمان {إلا إيماناً} بالله انه له حق اذ وعد الغيب الذى لا يعمله غيره، فوقع وهذا أولى من تقدير ايمانا بالله وبمواعيده، والتحقيق ان الايمان يزداد لزيادة الادلة، وللفكر فيها بمعنى يرسخ بعد ان ثبت اصله {وتسليما} لقضائه.

الالوسي

تفسير : {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ } بيان لما صدر عن خلص المؤمنين عند اشتباه الشؤن واختلاط الظنون بعد حكاية ما صدر عن غيرهم أي لما شاهدوهم حسبما وصفوا لهم {قَالُواْ هَـٰذَا } إشارة عند المحققين إلى ما شاهدوه من غير أن يخطر ببالهم لفظ يدل عليه فضلاً عن تذكيره وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ نعم يجوز التذكير باعتبار الخبر الذي هو {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } فإن ذلك العنوان أول ما يخظر ببالهم عند المشاهدة وعند الأكثر إشارة إلى الخطب والبلاء، و {مَا } موصولة عائدها محذوف وهو المفعول الثاني لوعد أي الذي وعدناه الله، وجوز أن تكون مصدرية أي هذا وعد الله تعالى ورسوله إياناً وأرادوا بذلك ما تضمنه قوله تعالى في سورة البقرة [214] {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء }تفسير : كما أخرج ذلك ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأخرجه جماعة عن قتادة أيضاً ونزلت آية البقرة قبل الواقعة بحول على ما أخرجه جويبر عن الضحاك عن الحبر رضي الله تعالى عنه. وفي «البحر» عن ابن عباس قال: قال النبـي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً أي في آخر تسع ليال أو عشر أي من وقت الإخبار أو من غرة الشهر فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك فمرادهم بذلك ما وعد بهذا الخبر. وتعقبه ابن حجر بأنه لم يوجد في كتب الحديث. وقرىء بإمالة الراء من {رأى} نحو الكسرة وفتح الهمزة وعدم إمالتها، وروي إمالتهما وإمالة الهمزة دون الراء على تفصيل فيه في «النشر» فليراجع. {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } الظاهر أنه داخل في حيز القول فجوز أن يكون عطفاً على جملة {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا } الخ أو على صلة الموصول وهو كما ترى، وأن يكون في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه. وأياً ما كان فالمراد ظهر صدق خبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن الصدق محقق قبل ذلك والمترتب على رؤية الأحزاب ظهوره، وجوز أن يكون المعنى وصدق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام في النصرة والثواب كما صدق الله تعالى ورسوله في البلاء، والإظهار مع سبق الذكر للتعظيم ولأنه لو أضمر وقيل وصدق جاء الجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير واحد والأول تركه أو قيل وصدق هو ورسوله بقي الإظهار في مقام الإضمار فلا يندفع السؤال كذا قيل، وحديث الجمع قد مر ما فيه. {وَمَا زَادَهُمْ } أي ما رأوا المفهوم من قوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ } الخ ورجوع الضمير إلى المصدر المفهوم من {رَأْىَ } يعكر عليه التذكير، وأرجعه بعضهم إلى الشهود المفهوم من ذلك، وجوز رجوعه إلى الوعد أو الخطب والبلاء المفهومين من السياق أو الإشارة. وقرأ ابن أبـي عبلة {وَمَا زَادُوهُمْ } بضمير الجمع العائد على الأحزاب {إِلاَّ إِيمَانًا } بالله تعالى وبمواعيده عز وجل {وَتَسْلِيماً } لأوامره جل شأنه وإقداره سبحانه، واستدل بالآية على جواز زيادة الإيمان ونقصه، ومن أنكر قال: إن الزيادة فيما يؤمن به لا في نفس الإيمان والبحث في ذلك مشهور وفي كتب الكلام على أبسط وجه مسطور.

ابن عاشور

تفسير : لما ذكرت أقوال المنافقين والذين في قلوبهم مرض المؤذنة بما يداخل قلوبهم من الخوف وقلة الإيمان والشك فيما وعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من النصر ابتداء من قوله {أية : وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض}تفسير : [الأحزاب: 12] قوبلت أقوال أولئك بأقوال المؤمنين حينما نزلت بهم الأحزاب ورأوا كثرتهم وعددهم وكانوا على بصيرة من تفوقهم عليهم في القوة والعدد أضعافاً وعلموا أنهم قد ابتلوا وزلزلوا، كل ذلك لم يُخِرْ عزائمهم ولا أدخل عليهم شكاً فيما وعدهم الله من النصر. وكان الله وعدهم بالنصر غير مرة منها قوله في سورة البقرة {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مَسَّتْهُمُ البأساءُ والضَّراءُ وزُلْزِلُوا حتى يقولُ الرسول والذين ءامنوا معه مَتَى نصرُ الله ألا إن نصر الله قريب}تفسير : [البقرة: 214]. فلما رأى المسلمون الأحزاب وابتُلوا وزُلْزِلوا ورأوا مثل الحالة التي وصفت في تلك الآية علموا أنهم منصورون عليهم، وعلموا أن ذلك هو الوعد الذي وعدهم الله بآية سورة البقرة. وكانت آية البقرة نزلت قبل وقعة الأحزاب بعام، كذا روي عن ابن عباس، وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر المسلمين: أن الأحزاب سائرون إليكم بعد تسع أو عشر، فلما رأى المؤمنون الأحزاب وزُلزلوا راجعهم الثبات الناشىء عن قوة الإيمان وقالوا: {هذا ما وعدنا الله ورسوله} أي: من النظر ومن الإخبار بمسير الأحزاب وصدَّقوا وعد الله إياهم بالنصر وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بمسير الأحزاب، فالإشارة {بهذا} إلى ما شاهدوه من جيوش الأحزاب وإلى ما يتبع ذلك من الشدة والصبر عليها وكل ذلك وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم أخبروا عن صدق الله ورسوله عليه الصلاة والسلام فيما أخبرا به وصدَقوا الله فيما وعدهم من النصر خلافاً لقول المنافقين: {أية : ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً}تفسير : [الأحزاب: 12] فالوعد راجع إلى الأمرين والصدق كذلك. والوعد: إخبار مخبر بأنه سيعمل عملاً للمُخبَر (بالفتح). ففعل {صدق} فيما حكي من قول المؤمنين {وصدق الله ورسوله} مستعمل في الخبر عن صدق مضى وعن صدق سيقع في المستقبل محقق وقوعه بحيث يُجعل استقباله كالمضي مثل {أية : أتى أمرُ الله} تفسير : [النحل: 1] فهو مستعمل في معنى التحقق. أو هو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، ولا شك أن محمل الفعل على الصدق في المستقبل أنسب بمقام الثناء على المؤمنين وأعلق بإناطة قولهم بفعل {رأى المؤمنون الأحزاب} دون أن يقال: ولما جاءت الأحزاب. فإن أبيتَ استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه فاقصره على المجاز واطرح احتمال الإخبار عن الصدق الماضي. وضمير {زادهم} المستتر عائد إلى ما عاد إليه اسم الإشارة، أي: وما زادهم ما رأوا إلا إيماناً وتسليماً، أي: بعكس حال المنافقين إذ زادهم شكاً في تحقق الوعد، والمعنى: وما زاد ذلك المؤمنين إلا إيماناً، أي: ما زاد في خواطر نفوسهم إلا إيماناً، أي: لم يزدهم خوفاً على الخوف الذي من شأنه أن يحصل لكل مترقِّب أن ينازله العدوّ الشديد، بل شغلهم عن الخوف والهلع شاغل الاستدلال بذلك على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به وفيما وعدهم الله على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام من النصر فأعرضت نفوسهم عن خواطر الخوف إلى الاستبشار بالنصر المترقب. والتسليم: الانقياد والطاعة لأن ذلك تسليمُ النفس للمنقاد إليه، وتقدم في قوله تعالى {أية : ويسلّموا تسليماً} تفسير : في سورة النساء (65). ومن التسليم هنا تسليم أنفسهم لملاقاة عدوّ شديد دون أن يتطلبوا الإلقاء بأيديهم إلى العدوّ وأن يصالحوه بأموالهم. فقد ذكر ابن إسحاق وغيره أنه لما اشتدّ البلاء على المسلمين استشار رسول الله السعدَيْن سعدَ بن عُبادة وسعدَ بن معاذ في أن يعطي ثلث ثمار المدينة تلك السنة عيينةَ بنَ حصن، والحارثَ بن عوف وهما قائدا غطفان على أن يرجعا عن المدينة، فقالا: يا رسول الله أهو أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك الله به لا بدّ لنا من العمل به، أم شيء تصنعه لنا؟ قال رسول الله: بل شيء أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتْكم عن قوس واحد وكَالَبُوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمرٍ مَّا. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قِرى أو بَيْعاً أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه وأعزَّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيفَ حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله: فأنت وذاك. فهذا موقف المسلمين في تلك الشدة وهذا تسليم أنفسهم للقتال. ومن التسليم الرضى بما يأمر به الرسول من الثبات معه كما قال تعالى: {أية : ويُسَلِّمُوا تَسلِيماً}تفسير : [النساء: 65]. وإذ قد علم أنهم مؤمنون لقوله {ولمَّا رأى المؤمنون الأحزاب} إلى آخره... فقد تعين أن الإيمان الذي زادهم ذلك هو زيادة على إيمانهم، أي: إيمان مع إيمانهم. والإيمان الذي زادهُمُوه أريد به مظهر من مظاهر إيمانهم القويّ، فجعل تكرر مظاهر الإيمان وآثاره كالزيادة في الإيمان لأن تكرر الأعمال يقوِّي الباعث عليها في النفس يباعد بين صاحبه وبين الشك والارتداد فكأنه يزيد في ذلك الباعث، وهذا من قبيل قوله تعالى: {أية : ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}تفسير : [الفتح: 4] وقوله: {أية : فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيماناً} تفسير : كما تقدم في سورة براءة (124)، فكذلك القول في ضد الزيادة وهو النقص، وإلا فإن حقيقة الإيمان وهو التصديق بالشيء إذا حصلت بمقوماتها فهي واقعة، فزيادتها تحصيل حاصل ونقصها نقض لها وانتفاء لأصلها. وهذا هو محمل ما ورد في الكتاب والسنة من إضافة الزيادة إلى الإيمان وكذلك ما يضاف إلى الكفر والنفاق من الزيادة كقوله تعالى: {أية : الأعراب أشدُّ كُفْراً ونِفاقاً}تفسير : [التوبة: 97] وقوله: {أية : وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}تفسير : [التوبة: 125]. وإلى هذا المحمل يرجع خلاف الأيمة في قبول الإيمان الزيادة والنقص فيؤول إلى خلاف لفظي.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين لما رأوا الأحزاب يعني جنود الكفار الذين جاءوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم في غزوة الخندق قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ولم يبين هنا الآية التي وعدهم إياه فيها. ولكنه بين ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} تفسير : [البقرة: 214]، وممن قال إن آية البقرة المذكورة مبينة لآية الأحزاب هذه: ابن عباس: وقتادة، وغير واحد وهو ظاهر. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً} الآية، صريح في أن الإيمان يزيد وقد صرح الله بذلك في آيات من كتابه، فلا وجه للاختلاف فيه مع تصريح الله جل وعلا به في كتابه، في آية متعددة كقوله تعالى: {أية : لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} تفسير : [الفتح: 4] وقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} تفسير : [التوبة: 124] إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {رَأَى} {إِيمَاناً} (22) - وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ فِي إِيمَانِهِم الأحزابَ، يُحْدِقُونَ بالمَدِينةِ، قَالُوا: هَذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الابتلاءِ والاخْتِبَارِ وَالامتِحَانِ بالشَّدَائِدِ، الذِي يَعْقُبُهُ النَّصْرُ القَرِيبُ. وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ في النَّصْرِ والثَّوَابِ، كَمَا صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ في الابتِلاءِ والاخْتِبَارِ، وَمَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلا صَبْراً عَلَى البَلاءِ، وَتَصْدِيقاً بِتَحْقِيقِ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَتَسلِيماً لِلقَضَاءِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنُونَ قَوْلَهُ تَعَالى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزلزلوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: لما رأى المؤمنون الأحزاب منصرفين مهزومين {قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ ..} [الأحزاب: 22] أي: هذا النصر، وهذا الوعد الذي تحقق ما زادهم {إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب: 22]. وهذه المسألة دليل من أدلة أن الإيمان يزيد وينقص، فالإيمان يزيد بزيادة الجزئيات التي تُعليه، فبعد الإيمان بالحق - سبحانه وتعالى - هناك إيمان بالجزئيات التي تثبت صِدْق الحق في كلِّ تصرف. وتسليماً: أي لله في كلِّ ما يُجريه على العباد.

همام الصنعاني

تفسير : 2329- قال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}: [الآية: 22]، قال: أَنْزَلَ اللهُ في سورة البقرة: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ}تفسير : [البقرة: 214]، فلمَّا رأى المؤمنون الأحزاب، قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، لقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ}.