Verse. 3556 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ رِجَالٌ صَدَقُوْا مَا عَاہَدُوا اللہَ عَلَيْہِ۝۰ۚ فَمِنْہُمْ مَّنْ قَضٰى نَحْبَہٗ وَمِنْہُمْ مَّنْ يَّنْتَظِرُ۝۰ۡۖ وَمَا بَدَّلُوْا تَبْدِيْلًا۝۲۳ۙ
Mina almumineena rijalun sadaqoo ma AAahadoo Allaha AAalayhi faminhum man qada nahbahu waminhum man yantathiru wama baddaloo tabdeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» من الثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم «فمنهم من قضى نحبه» مات أو قتل في سبيل الله «ومنهم من ينتظر» ذلك «وما بدَّلوا تبديلا» في العهد، وهم بخلاف حال المنافقين.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : إشارة إلى وفائهم بعهدهم الذي عاهدوا الله أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت فمنهم من قضى نحبه أي قاتل حتى قتل فوفى بنذره والنحب النذر، ومنهم من هو بعد في القتال ينتظر الشهادة وفاء بالعهد وما بدلوا تبديلاً بخلاف المنافقين فإنهم قالوا لا نولي الأدبار فبدلوا قولهم وولوا أدبارهم وقوله: {لّيَجْزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } أي بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة كما صدقوا مواعيدهم ويعذب المنافقين الذين كذبوا واخلفوا وقوله: {إِن شَاء } ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد، وإنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل يأس النبـي عليه الصلاة والسلام عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس منهم وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } حيث ستر ذنوبهم و {رَّحِيماً } حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده أو نقول: {وَيُعَذّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ } مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جازاهم الله به على صدقهم فقال: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ } أي مع غيظهم لم يشفوا صدراً ولم يحققوا أمراً {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } أي لم يحوجهم إلى قتال {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً } غير محتاج إلى قتالهم عزيزاً قادراً على استئصال الكفار وإذلالهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} رفع بالابتداء، وصَلُح الابتداء بالنكرة لأن «صَدَقُوا» في موضع النعت. {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ}. «مَن» في موضع رفع بالابتداء. وكذا «وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ» والخبر في المجرور. والنَّحْب: النذر والعهد؛ تقول منه: نَحَبت أَنْحُب؛ بالضم. قال الشاعر:شعر : وإذا نحبت كَلْبٌ على الناس إنهم أحق بتاج الماجد المتكرم تفسير : وقال آخر:شعر : قـد نحـب المجـدُ علـيـنا نَحْـبَـا تفسير : وقال آخر:شعر : أَنَحْـبٌ فيـقـضَـى أم ضـلالٌ وبـاطـلُ تفسير : وروى البخاريّ ومسلم والترمذي عن أنس قال: قال عمّي أنس بن النَّضْر ـ سُمِّيت به ـ ولم يشهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكَبُر عليه فقال: أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غِبتُ عنه، أما واللَّهِ لئن أرانِي الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد لَيَرَيَنّ الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها؛ فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد من العام القابل، فاستقبله سعد بن مالك فقال: يا أبا عمرو أين؟ قال: واهاً لريح الجنة! أجدها دون أُحُد؛ فقاتل حتى قُتل، فوجِد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورَمْية. فقالت عَمّتي الرُّبَيِّع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا بَبَنانه. ونزلت هذه الآية: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} لفظ الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: {أية : مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب: 23] الآية: منهم طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصيبت يده؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوجب طلحة الجنة»تفسير : . وفي الترمذيّ عنه: حديث : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابيّ جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته، يوقّرونه ويهابونه؛ فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه؛ ثم إني اطّلعت من باب المسجد وعليّ ثياب خضر، فلما رآني النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «أين السائل عمن قضى نحبه؟» قال الأعرابي: أنا يا رسول الله. قال: «هذا ممن قضى نَحْبَه»تفسير : قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن بكير. وروى البيهقي عن أبي هريرة: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أُحُد، مرّ على مصعب بن عُمير وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه ودَعَا له، ثم تلا هذه الآية: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ـ إلى ـ تَبْدِيلاً } ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأْتُوهم وزوروهم والذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردّوا عليه»تفسير : . وقيل: النحب الموت؛ أي مات على ما عاهد عليه؛ عن ابن عباس. والنحب أيضاً الوقت والمدّة. يقال: قضى فلان نحبه إذا مات. وقال ذو الرمّة:شعر : عشِيّةَ فرّ الحارِثيّون بعد ما قَضَى نَحْبه في ملتَقَى الخيل هَوْبَرُ تفسير : والنَّحْب أيضاً الحاجة والهِمة؛ يقول قائلهم: مالي عندهم نحب؛ وليس المراد بالآية. والمعنى في هذا الموضع بالنحب النذر كما قدّمنا أوّلاً؛ أي منهم من بذل جهده على الوفاء بعهده حتى قتل؛ مثل حمزة وسعد بن معاذ وأنس بن النضر وغيرهم. ومنهم من ينتظر الشهادة وما بدّلوا عهدهم ونذرهم. وقد روي عن ابن عباس أنه قرأ «فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ومنهم من بدّل تَبْديلاً» قال أبو بكر الأنباريّ: وهذا الحديث عند أهل العلم مردود؛ لخلافه الإجماع، ولأن فيه طعناً على المؤمنين والرجال الذين مدحهم الله وشرفهم بالصدق والوفاء؛ فما يعرف فيهم مغيّر وما وجد من جماعتهم مبدّل؛ رضي الله عنهم. {لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} أي أمر الله بالجهاد ليجزي الصادقين في الآخرة بصدقهم. {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ} في الآخرة {إِن شَآءَ} أي إن شاء أن يعذبهم لم يوفقهم للتوبة؛ وإن لم يشأ أن يعذبهم تاب عليهم قبل الموت. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر عز وجل عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه؛ لا يولون الأدبار، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق {صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} قال بعضهم: أجله. وقال البخاري: عهده، وهو يرجع إِلى الأول، {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} أي: وما غيروا عهد الله، ولا نقضوه ولا بدلوه. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: لما نسخنا المصحف، فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، لم أجدها مع أحد إِلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} تفرد به البخاري دون مسلم، وأخرجه أحمد في مسنده، والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما من حديث الزهري به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال البخاري أيضاً: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي عن ثمامة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر رضي الله عنه: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} الآية، انفرد به البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق أخر. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال: قال أنس: عمي أنس بن النضر رضي الله عنه سميت به لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهداً فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله عز وجل ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال له أنس رضي الله عنه: يا أبا عمرو أين واهاً لريح الجنة، إِني أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل رضي الله عنه، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته عمتي الربيّع بنة النضر: فما عرفت أخي إِلا ببنانه، قال: فنزلت هذه الآية: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه رضي الله عنهم. ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به. ورواه النسائي أيضاً وابن جرير من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه به نحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن أنس، رضي الله عنه قال: إِن عمه، يعني: أنس بن النضر رضي الله عنه، غاب عن قتال بدر، قال: غُيِّبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن الله أشهدني قتالاً للمشركين، ليرين الله تعالى ما أصنع، قال: فلما كان يوم أحد، انكشف المسلمون، فقال: اللهم إِني أعتذر إِليك مما صنع هؤلاء ــــ يعني: أصحابه ــــ وأبرأ إِليك مما جاء به هؤلاء ــــ يعني: المشركين ــــ ثم تقدم، فلقيه سعد بن معاذ رضي الله عنه دون أحد، فقال: أنا معك. قال سعد رضي الله عنه: فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فلما قتل قال: فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم، وكانوا يقولون: فيه وفي أصحابه نزلت: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ}. وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، والنسائي فيه أيضاً عن إِسحاق بن إِبراهيم، كلاهما عن يزيد بن هارون به. وقال الترمذي: حسن. وقد رواه البخاري في المغازي عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة عن مصرف عن حميد عن أنس رضي الله عنه به، ولم يذكر نزول الآية. ورواه ابن جرير من حديث المعتمر بن سليمان عن حميد عن أنس رضي الله عنه به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني، حدثنا سليمان بن أيوب بن سلملن، بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة رضي الله عنه قال: لما أن رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد، صعد المنبر، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وعزى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر، ثم قرأ هذه الآية: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} الآية كلها، فقام إِليه رجل من المسلمين فقال: يارسول الله من هؤلاء؟ فأقبلت، وعلي ثوبان أخضران حضرميان، فقال: «حديث : أيها السائل هذا منهم» تفسير : وكذا رواه ابن جرير من حديث سليمان بن أيوب الطلحي به. وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضاً، وابن جرير من حديث يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما رضي الله عنه به. وقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس. وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري حدثنا أبو عامر ــــ يعني: العقدي ــــ حدثني إسحاق ــــ يعني: ابن طلحة بن عبيد الله ــــ عن موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية رضي الله عنه، فلما خرجت، دعاني فقال: ألا أضع عندك يابن أخي حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : طلحة ممن قضى نحبه».تفسير : ورواه ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي عن موسى بن طلحة قال: قام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : طلحة ممن قضى نحبه» تفسير : ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} يعني: عهده {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} قال: يوماً فيه القتال، فيصدق في اللقاء. وقال الحسن: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} يعني: موته على الصدق والوفاء، ومنهم من ينتظر الموت على مثل ذلك، ومنهم من لم يبدل تبديلاً، وكذا قال قتادة وابن زيد. وقال بعضهم: نحبه: نذره. وقوله تعالى: {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} أي: وما غيروا عهدهم، وبدلوا الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا عليه، وما نقضوه؛ كفعل المنافقين الذين قالوا: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً وَلَقَدْ كَانُواْ عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَـٰرَ}. وقوله تعالى: {لِّيَجْزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أي: إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال؛ ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم، حتى يعملوا بما يعلمه منهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ } تفسير : [محمد: 31] فهذا علم بالشيء بعد كونه، وإن كان العلم السابق حاصلاً به قبل وجوده، وكذا قال الله تعالى: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} تفسير : [آل عمران: 179] ولهذا قال تعالى ههنا: {لِّيَجْزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} أي: بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به، ومحافظتهم عليه، {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ} وهم الناقضون لعهد الله، المخالفون لأوامره، فاستحقوا بذلك عقابه، وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا، إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان، والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان. ولما كانت رحمته ورأفته تبارك وتعالى بخلقه هي الغالبة لغضبه قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } من الثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ } مات أو قُتل في سبيل الله {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } ذلك {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً } في العهد، وهم بخلاف حال المنافقين.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم بايعوا الله على ألا يفرُّوا، فصدقوا في لقائهم العدو يوم أحد، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنهم قوم لم يشهدوا بدراً فعاهدوا الله ألا يتأخروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرب يشهدها أو أمر بها، فوفوا بما عاهدوا الله عليه، قاله أنس بن مالك. {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فمنهم من مات ومنهم من ينتظر الموت، قاله ابن عباس ومنه قول بشر بن أبي خازم: شعر : قضى نحب الحياة وكلُّ حي إذا يُدْعى لميتته أجابا تفسير : الثاني: فمنهم من قضى عهده قتل أو عاش، ومنهم من ينتظر أن يقضيه بقتال أو صدق لقاء، قاله مجاهد. الثالث: فمنهم من قضى نذره ومنه قول الراعي: شعر : حتى تحنّ إلى ابن أكرمها حسباً وكن منجز النحب تفسير : فيكون النحب على التأويل الأول الأجل، وعلى الثاني العهد، وعلى الثالث النذر. {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} فيه وجهان: أحدهما: ما غيروا كما غير المنافقون، قاله ابن زيد. الثاني: ما بدلوا ما عاهدوا الله عليه من الصبر ولا نكثوا بالفرار، وهذا معنى قول الحسن. قوله: {لِّيَجْزِيَ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: الذين صدقوا لما رأواْ الأحزاب {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} الآية. الثاني: الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه من قبل فثابوا ولم يغيروا. {وَيُعَذِّبُ الْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ} فيه وجهان: أحدهما: يعذبهم إن شاء ويخرجهم من النفاق إن شاء، قاله قتادة. الثاني: يعذبهم في الدنيا إن شاء أو يميتهم على نفاقهم فيعذبهم في الآخرة إن شاء، قاله السدي. {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} قال السدي يخرجهم من النفاق بالتوبة حتى يموتوا وهم تائبون. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} يحتمل وجهين: أحدهما: غفرواً بالتوبة رحيماً بالهداية إليها. الثاني: غفوراً لما قبل التوبة رحيماً لما بعدها.

ابن عبد السلام

تفسير : {عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ} بايعوا على أن لا يفروا فصدقوا في اللقاء يوم أُحد، أو قوم لم يشهدوا بدراً فعاهدوا الله أن لا يتأخروا عن رسوله في حرب حضرها أو أمر بها، فوفوا بما عاهدوا {قَضَى نَحْبَهُ} مات {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} الموت "ع"، أو قضى عهده قتلاً، أو عاش {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} أن يقضيه بقتال، أو صدق لقاء، أو النحب: النذر، وعلى الأول الأجل وعلى الثاني العهد {وَمَا بَدَّلُواْ} ما غيروا كما غير المنافقون، أو {وَمَا بَدَّلُواْ} عهدهم بالصبر ولا نكثوا بالفرار "ح".

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي داود في المصاحف والبغوي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما نسخنا المصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} فألحقتها في سورتها في المصحف. وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر رضي الله عنه {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}. وأخرج ابن سعد وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي والبغوي في معجمه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، لئن أراني الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله ما أصنع، فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال: يا أبا عمرو إلى أين؟ قال: واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، ونزلت هذه الآية {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه. وأخرج الحاكم وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه أن عمه غاب عن قتال بدر فقال: غبت عن أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله تعالى قتالاً للمشركين ليرين الله كيف أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المشركون، فقال: اللهم إني ابرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركون - واعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - ثم تقدم فلقيه سعد رضي الله عنه فقال: يا أخي ما فعلت فأنا معك، فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فوجد فيه بضعاً وثمانين من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، فكنا نقول: فيه وفي أصحابه نزلت {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} . وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو مقتول، فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه....} ثم قال أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فائتوهم وزوروهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أبي ذر رضي الله عنه قال: "لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، مر على مصعب بن عمير رضي الله عنه مقتولاً على طريقه، فقرأ {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...}". وأخرج ابن مردويه من طريق خباب رضي الله عنه، مثله. وأخرج ابن أبي عاصم والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طلحة رضي الله عنه "حديث : أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألته، يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم إني انطلقت من باب المسجد فقال: أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابي: أنا. قال: هذا ممن قضى نحبه ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال "حديث : لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قرأ هذه الآية {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...} كلها. فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ فأقبلت فقال: أيها السائل هذا منهم ". تفسير : وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن معاوية رضي الله عنه حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول طلحة ممن قضى نحبه ". تفسير : وأخرج الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل طلحة رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا طلحة أنت ممن قضى نحبه ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى وابن المنذر وأبو نعيم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه،‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت‏‏"حديث : ‏دخل طلحة بن عبيد الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏: يا طلحة‏.‏ أنت ممن قضى نحبه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنهم قالوا‏:‏ حدثنا عن طلحة قال‏:‏ ذاك امرؤ نزل فيه آية من كتاب الله ‏{‏فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر‏}‏ طلحة ممن قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏ {‏فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر‏} ‏ وآخرون {‏ما بدلوا تبديلا‏ً}‏ ‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏فمنهم من قضى نحبه‏} ‏ قال‏:‏ الموت على ما عاهدوا الله عليه {‏ومنهم من ينتظر‏} ‏على ذلك‏. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله ‏ {‏قضى نحبه‏} ‏ قال‏:‏ أجله الذي قدر له‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول لبيد‏: شعر : ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيقضى أم ضلال وباطل تفسير : وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏فمنهم من قضى نحبه‏}‏ قال‏:‏ عهده ‏{‏ومنهم من ينتظر‏}‏ يوماً فيه جهاد، فيقضي نحبه يعني عهده بقتال أو صدق في لقاء‏. وأخرج أحمد والبخاري وابن مردويه عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏يوم الأحزاب الآن نغزوهم ولا يغزونا‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ‏"‏حبسنا يوم الخندق عن الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، حتى كان بعد العشاء بهك‏ كفينا ذلك‏.‏ فأنزل الله ‏{‏وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً‏}‏ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام، ثم صلى الظهر كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام فصلى العصر كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام المغرب فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك‏.‏ وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف ‏{أية : ‏فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً‏}‏تفسير : ‏[‏البقرة: 239‏]‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن عيسى بن طلحة قال‏:‏حديث : دخلت على أم المؤمنين وعائشة بنت طلحة وهي تقول لأمها أسماء‏:‏ أنا خير منك، وأبي خير من أبيك، فجعلت أسماء تشتمها وتقول‏:‏ أنت خير مني فقالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ ألا أقضين بينكما‏؟‏ قالت‏:‏ بلى‏.‏ قالت‏:‏ فإن أبا بكر رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له‏: "‏أنت عتيق من النار قالت‏:‏ فمن يومئذ سمى عتيقاً، ثم دخل طلحة رضي الله عنه فقال‏:‏ أنت يا طلحة ممن قضى نحبه"‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن اللهف عن أبيه رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فمنهم من قضى نحبه‏} ‏ قال‏:‏ نذره وقال الشاعر‏: شعر : قضت من يثرب نحبها فاستمرت تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله ‏{‏فمنهم من قضى نحبه‏} قال‏:‏ مات على ما هو عليه من التصديق والإِيمان ‏ {‏ومنهم من ينتظر‏}‏ ذلك ‏ {‏وما بدلوا تبديلا‏ً} ‏ ولم يغيروا كما غير المنافقون‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه‏}‏ على الصدق والوفاء ‏{‏ومنهم من ينتظر‏} ‏ من نفسه الصدق والوفاء ‏ {‏وما بدلوا تبديلا‏ً} ‏يقول‏:‏ ما شكوا ولا ترددوا في دينهم، ولا استبدلوا به غيره ‏{‏ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم‏}‏ قال‏:‏ يخرجهم من النفاق بالتوبة حتى يموتوا وهم تائبون من النفاق، فيغفر لهم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي المؤمنينَ بالإخلاصِ مُطلقاً لا الذينَ حُكيتْ محاسنُهم خاصَّة {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} من الثَّباتِ مع الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والمقاتلةِ لأعداءِ الدِّينِ وهُم رجالٌ من الصَّحابةِ رضي الله عنهُم نذرُوا أنَّهم إذا لقُوا حرباً مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثبتُوا وقاتلُوا حتَّى يستشهدوا وهُم عثمانُ بنُ عفَّان وطلحةُ بنُ عُبـيدِ اللَّهِ وسعيدُ بنُ زيدِ بنِ عمروِ بن نفيلٍ وحمزةُ ومصعبُ بنُ عُميرٍ وأنسُ بنُ النَّضرِ وغيرُهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومعنى صَدَقُوا أَتَوا بالصِّدقِ من صَدَقني إذا قال لك الصِّدقَ. ومحل ما عاهدُوا النَّصبُ إمَّا بطرحِ الخافضِ عنه وإيصالِ الفعلِ إليه كما في قولِهم: صَدَقني سنّ بكرِه أي في سنِّهِ وإما بجعلِ المُعاهد عليهِ مصدُوقاً على المجازِ كأنَّهم خاطبُوه خطابَ من قال لكرمائِه: شعر : نحرتني الأعداءُ إنْ لَم تنحرِي تفسير : وقالوا له: سنفي بك وحيث وفوا به فقد صدقُوه ولو كانُوا نكثُوه لكذبُوه ولكان مكذُوباً {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} تفصيلٌ لحالِ الصَّادقينَ وتقسيمٌ لهم إلى قسمينِ. والنَّحبُ النَّذرُ وهو أنْ يلتزمَ الإنسانُ شيئاً من أعمالِه ويُوجبه على نفسِه، وقضاؤُه الفراغُ منه والوفاءُ به ومحلُّ الجارِّ والمجرورِ الرَّفعُ على الابتداءِ على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ في قولِه تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 8] الآيةَ، أي فبعضُهم أو فبعضٌ منهُم مَن خرجَ عن العُهدةِ كحمزةَ ومصعبِ بنِ عميرٍ وأنسِ بنِ النَّضرِ عمِّ أنسِ بنِ مالكٍ وغيرِهم رضوان الله عليهم أجمعين فإنَّهم قد قضَوا نذورَهم سواء كانَ النَّذرُ على حقيقتِه بأنْ يكونَ ما نذرُوه أفعالَهم الاختياريةَ التي هي المقاتلةُ المغيَّاةُ بما ليسَ منها ولا يدخلُ تحتَ النَّذرِ وهو الموتُ شَهيداً أو كان مُستعاراً لالتزامِه على ما سيأتي. {وَمِنْهُمُ} أي وبعضُهم أو بعضٌ منهم {مَّن يَنتَظِرُ} أي قضاءَ نحبِه لكونِه موقناً كعثمانَ وطلحةَ وغيرِهما ممَّن استُشهد بعد ذلك رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين فإنَّهم مستمرُّون على نذورِهم قد قضَوا بعضَها وهو الثَّباتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والقتالُ إلى حينِ نزولِ الآيةِ الكريمةِ ومنتظرونَ لقضاءِ بعضِها الباقِي وهو القتالُ إلى الموتِ شهيداً. هذا ويجوزُ أنْ يكونَ النَّحبُ مُستعاراً لالتزامِ الموتِ شهيداً إمَّا بتنزيلِ التزامِ أسبابِه التي هي أفعالٌ اختياريَّةٌ للنَّاذرِ منزلةَ التزامِ نفسِه وإمَّا بتنزيلِ نفسِه منزلةَ أسبابِه وإيرادِ الالتزامِ عليه وهو الأنسبُ بمقامِ المدحِ، وأياً ما كان ففي وصفِهم بالانتظارِ المُنبىءِ عن الرَّغبةِ في المنتظرِ شهادةٌ حقَّةٌ بكمالِ اشتياقِهم إلى الشَّهادةِ، وأمَّا ما قيلَ من أنَّ النَّحبَ استُعير للموتِ لأنَّه كنذرٍ لازمٍ في رقبةِ كلِّ حيوانٍ فمسخٌ للاستعارةِ وذهابٌ برونقِها وإخراجٌ للنَّظمِ الكريمِ عن مُقتضى المقامِ بالكلِّيةِ {وَمَا بَدَّلُواْ} عطفٌ على صدَقُوا وفاعلُه فاعلُه أي وما بدَّلُوا عهدَهم وما غيَّروه {تَبْدِيلاً} أي تبديلاً ما لا أصلاً ولا وصفاً بل ثبتُوا عليهِ راغبـينَ فيه مُراعين لحقوقِه على أحسنِ ما يكونُ، أمَّا الذينَ قضَوا فظاهرٌ وأما الباقُون فيشهدُ به انتظارُهم أصدقَ شهادةٍ وتعميمُ عدمِ التَّبديلِ للفريقِ الأول مع ظُهورِ حالِهم للإيذانِ بمساواةِ الفريقِ الثَّاني لهُم في الحُكمِ ويجوزُ أنْ يكونَ ضميرُ بدَّلُوا للمنتظرينَ خاصَّة بناءً على أنَّ المحتاجَ إلى البـيانِ حالُهم وقد رُوي « حديث : أنَّ طلحةَ رضي الله عنه ثبتَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يومَ أحدٍ حتَّى أُصيبتْ يدُه فقال عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "أوجبَ طلحةُ الجنَّة" » تفسير : وفي رواية: « حديث : أوجبَ طلحةُ » تفسير : وعنه عليهِ الصَّلاة والسَّلامُ في رواية جابرٍ رضي الله عنه: « حديث : مَن سرَّه أنْ ينظرَ إلى شهيدٍ يمشِي على الأرضِ فلينظُر إلى طلحةَ بنِ عُبـيدِ اللَّهِ » تفسير : وفي روايةِ عائشةَ رضي الله عنها: « حديث : مَنْ سرَّه أنْ ينظرَ إلى شهيدٍ يمشي على الأرضِ وقد قضَى نحبَه فلينظُر إلى طلحةَ » تفسير : وهذا يشيرُ إلى أنَّه من الأولينَ حُكماً.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} [الآية: 23]. قال محمد بن على: خص الله الإنس من جميع الحيوان ثم خص المؤمنين من الإنس ثم خص الرجال من المؤمنين فقال: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} فحقيقة الرجوليه الصدق ومن لم يدخل فى ميدان الصدق فقد خرج من حد الرجولية. سمعت عبد الله الرازى يقول: كتبت من كتاب أبى عثمان وذكر أنه من كلام شاه؟ ثلاثة من علامات الصدق والوصول إلى منازل الأنبياء، وذلك: إسقاط قدر الدنيا والمال من قلبك حتى يصير الذهب والفضة عندك كالمدر والتراب متى ظفرت به صببته على الخلق كهيئة التراب، والثانى: إسقاط رؤية الخلق من قلبك حتى كأنهم كلهم أموات وأنت وحدك على وجه الأرض تعبد ربك ولا تلتفت إلى مدحهم ولا تزيد ولا تنقص شيئًا من أفعالك بسبب كلامهم، والثالث: إحكام سياسة نفسك بخالصة العداوة لها وقطع الشهوات واللذات عنها حتى يكون فرحك فى الجوع وترك الشهوات كفرح أبناء الدنيا بالشبع ونيل الشهوات فعندها لزمت طريق الصادقين من المريدين وستصل إلى فوائد الله وكرامته إن شاء الله تعالى. وسئل أبو حفص: من الرّجال؟ فقال: الصادقون مع الله بوفاء العهود. قال الله جلّ ذكره: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}. وقال الحسين فى قوله: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}. فقال: هو أن يترك الصادق إرادته لإرادة الله واختياره ومحابَّهُ لمحابِّه وتدبيره لتدبيره حتى يرى من قلبه ونفسه وجميع جوارحه أنه لا يريد إلاَّ ما أراد الله يصح ذلك قوله: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}. قوله عز وجل: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} [الآية: 23]. قال بعضهم: من بذل وسعه ومجهوده فى الطاعة ومنهم من ينتظر بالتوفيق من ربِّه: {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} ما تغيَّروا عن محبة نبى الله صلى الله عليه وسلم تغييرًا. قوله عز وعلا: {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} [الآية: 23]. قال عمر المكى: إن الله عز وجل يبلى المؤمنين بأنواع من البلاء فيرجع إلى ربه بالابتهال والتضرع فيقول الله لملائكته: زيدوه بلاء فيقولون: يا رب زدناه بلاءً فوجدناه صابرًا فما يزال يقول: زيدوه ويقولون: زدناه حتى تقول الملائكة انتهى المزيد. فيقول: اكتبوه الساعة ممن لا يغير ولا يبدل ومصداقه فى كتاب الله: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً}.

القشيري

تفسير : شَكَرَ صنيعَهم في المراس، ومدح يقينهم عند شهود الباس، وسماهم رجالاً إثباتاً لخصوصية رتبتهم وتمييزاً لهم من بين أَشكالهم بعلوِّ الحالة والمنزلة، فمنهم مَنْ خرج من دنياه على صدْقه ومنهم مَنْ ينتظر حكم الله في الحياة والممات، ولم يزيغوا عن عهدهم، ولم يراوغوا في مراعاة حدِّهم؛ فحقيقةُ الصدق حِفْظُ العهد وتَرْكُ مجاوزة الحدِّ. ويقال: الصدقُ استواءُ الجهر والسِّرِّ. ويقال: هو الثباتُ عندما يكون الأَمرُ جِدًّا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ} ان الله سبحانه وصف العارفين بالرجولية فى حمل امانة الازل وعرض الاكبر عاهدوا الله لا يختار واشياء من العرش الى اثرى وصدقوا عهدهم وبلغوا الى منازل الامن {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} فمن بقى فى سيره ولم يصل الى الوصال وهن فى عزم وفاء العهد فهو منتظر لتمام وسعيه واستيفاء حظه من الله ومن معرفته وخدمته ومراقب لكشف جمال الحبيب لياخذ يده ويبلغه مراده من مشاهدته ليس المنتظر اقل درجة ممن قضى نحبه فانهم كالمطر لا يدرى اوله خير ام أخره قال محمد بن على خص الله الانس من بين الحيوان ثم خص المؤمنين من الانس ثم خص الرجال من المؤمنين فقال رجال صدقوا فحقيقة الرجولية الصدق ومن لم يدخل فى ميادين الصدق فقد خرج من حد الرجولية قال بعضهم منهم من يبذل وسعه ومجهودة فى الطاعة {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} التوفيق من ربّه {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} ما غيروا عن محبة نبيه صلى الله عليه وسلم تغيرا وقيل ما استعانوا بغيره فى مهماتهم بعد ان ضمن الله لهم الكفاية فى كل الحوائج.

اسماعيل حقي

تفسير : {من المؤمنين} بالاخلاص {رجال صدقوا} اتوا الصدق فى {ما عاهدوا الله عليه} من الثبات مع الرسول والمقاتلة لاعلاء الدين اى حققوا العهد بما اظهروه من افعالهم وهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحمزة ومصعب بن عمير وانس بن النضر وغيرهم رضى الله عنهم نذروا انهم اذا لقوا حزبا مع رسول الله ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا. قال الحكيم الترمذى رحمه الله خص الله الانس من بين الحيوان ثم خص المؤمنين من بين الانس ثم خص الرجال من المؤمنين فقال {رجال صدقوا} فحقيقة الرجولية الصدق ومن لم يدخل فى ميادين الصدق فقد خرج من حد الرجولية. واعلم ان النذر قربة مشروعة وقد اجمعوا على لزومه اذا لم يكن المنذور معصية واما قوله عليه السلام "حديث : لا تنذروا فان النذر لا يغنى من القدر شيئا" تفسير : فانما يدل على ان النذر المنهى لا يقصد به تحصيل غرض او دفع مكروه على ظن ان النذر يرد من القدر شيئا فليس مطلق النذر منهيا اذلو كان كذلك لما لزم الوفا به وآخر الحديث "حديث : وانما يستخرج به من البخيل" تفسير : وهو اشارة الى لزومه لان غير البخيل يعطى باختياره بلا واسطة النذر والبخيل انما يعطى بواسطة النذر الموجب عليه واما لو كان النذر وعدمه سواء عنده وانما نذر لتحقيق عزيمته وتوكيدها فلا كلام فى حسن مثل هذا النذر واكثر نذور الخواص ما خطر ببالهم وعقده جنانهم فان العقد اللسانى ليس الا لتتميم العقد الجنانى فكما يلزم الوفاء فى المعاقدة اللسانية فكذا فى المعاقدة الجنانية فليحافظ فانه من باب التقوى المحافظ عليها من اهل الله تعالى شعر : طريق صدق بياموز ازآب صافى دل براستى طلب ازادكى جوسرو جمن وفاكنيم وملامت كشيم وخوش باشيم كه در طريقت ما كافريست رنجيدن تفسير : {فمنهم من قضى نحبه} تفضيل لحال الصادقين وتقسيم لهم الى قسمين. والنحب النذر المحكوم بوجوبه وهو ان يلتزم الانسان شيئا من اعماله ويوجبه على نفسه وقضاؤه الفراغ منه والوفاء به يقال قضى فلان نحبه اى وفى بنذره ويعبر بذلك عمن مات كقولهم قضى اجله واستوفى اكله وقضى من الدنيا حاجته وذلك لان الموت كنذر لازم فى عنق كل حيوان ومحل الجار والمجرور الرفع على الابتداء اى فبعضهم من خرج عن عهده النذر بان قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وانس بن النضر الخزرجى الانصارى عم انس بن مالك رضى الله عنه ـ روى ـ ان انسا رضى الله عنه غاب عن بدر فشهد احدا فلما نادى ابليس ألا ان محمدا قد قتل مر بعمر رضى الله عنه ومعه نفر فقال ما يقعدكم قالوا قتل رسول الله قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم جال بسيفه فوجد قتيلا وبه بضع وثمانون جراحة شعر : بى زخم تيغ عشق زعالم نمى روم بيرون شدن زمعركه بى زخم عارماست تفسير : {ومنهم} اى وبعضهم {من ينتظر} قضاء نذره لكونه موقتا كعثمان وطلحة وغيرهما فانهم مستمرون على نذورهم وقد قضوا بعضها وهو الثبات مع رسول الله والقتال الى حين نزول الآية الكريمة ومنتظرون قضاء بعضها الباقى وهو القتال الى الموت شهيدا وفى وصفهم بالانتظار اشارة الى كمال اشتياقهم الى الشهادة شعر : غافلان ازمرك مهلت خواستند عاشقان كفتند نىنى زود باد تفسير : وفى المثنوى شعر : دانه مردن مرا شيرين شدست بل هم احياء بى من آمدست صدق جان دادن بودهين سابقوا ازنبى برخوان رجال صدقوا اى بسا نفس شهيد معتمد مرده در دنيا وزنده مى رود تفسير : {وما بدلوا} عطف على صدقوا وفاعله اى وما بدلوا عهدهم وما غيروه {تبديلا} مّا لا اصلا ولا وصفا بل ثبتوا عليه راغبين فيه مراعين لحقوقه على احسن ما يكون اما الذين قضوا فظاهر واما الباقون فيشهد به انتظارهم اصدق الشهادة حديث : ـ روى ـ ان طلحة رضى الله عنه ثبت مع رسول الله يوم احد يحميه حتى اصيبت يده وجرح اربعا وعشرين جراحة فقال عليه السلام "اوجب طلحة الجنة" تفسير : وسماه النبى عليه السلام يومئذ طلحة الخير ويوم حنين طلحة الجود ويوم غزوة ذات العشيرة طلحة الفياض وقتل يوم الجمل. وفى الآية تعريض بارباب النفاق واصحاب مرض القلب فانهم ينقضون العهود ويبدّلون العقود شعر : فداى دوست نكرديم عمر ومال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد

اطفيش

تفسير : {من المؤمنين رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه} من المؤمنين خبر ورجال مبتدأ وصدقوا نعت رجال ويقدر لصدقوا مفعول آخر أي صدقوا الله ما عاهدوا الله عليه ولحذف لفظ الجلال اعقب صدقوا أظهر لفظا ولم يؤت به ضمير اعقب عاهدوا او يظهر ولو ذكر اللفظ الاول اقامة للظاهر موقع المضمر، وما مفعول ثان ومعنى صدقوا الله ما عاهدوا الله عليه: اخبروه وهو عالم بكل شيء بصدق وذلك حين عاهدوا ان يجاهدوا فقد نطقوا له بصدق لأنهم سيجهدون، نقول صدقني زيد وكذبني بالتخفيف أي: قال لي: صدقاً وكذباً. ولك ان تقول المفعول محذوف كما مر وما منصوب على نزع الخافض ولك ان لا تقدر مفعولا وتقدر الجار اي صدقوا فيما وعدوا وان لا تقدره، وما مفعول بأنهم أخبروا المعاهد عليه وهو الجهاد بالصدق اي سنفي بك ولو لم يفوا به لكان قد كذبوه، وذلك ان رجالاً من الصحابة نذروا ان لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعوا وقاتلوا حتى يستشهدوا فجاء أُحد وقاتلوا وجالدوا وصبروا فمنهم سعيد بن زيد بن سعد بن عمر بن نسد ومصعب بن عمير وأنس بن النظر عم انس بن مالك وحمزة وغيرهم ممن مات بأحد رضي الله عنهم وممن لم يمت قيل: كطلحة بن عبدالله، قال جار الله: وعثمان بن عفان وانه ممن ينتظر، والأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجة عندنا وعند قومنا تدل على خلافه {فمنهم من قضى نحبه} أي تجز عنده بأنه قاتل حتى مات شهيداً رضي الله عنه كحمزة ومصعب وانس بن النظر وقد علمت ان قضى بمعنى: أنجز والنحب: العهد وهو أيضاً وعد وهو ايضا ندر ولا يخفى انه مفعول قضي، وقيل: قضي او في ونحبه مفعول به وقيل النحب الموت استعارة من النحب بمعنى النذر فهو مفعول مطلق وقضى بمعنى مات او مفعول به وقضى بمعنى: بلغ وقيل: قضى بمعنى وفي نحبه: بمعنى وعده وهو عهد ونذر ايضا منصوب على تقدير الياء وقيل: قضى بمعنى بلغ والنحب الأجل مفعول به وقيل: قضى نحبه يدل جهده في الوفاء بالعهد حتى مات ومن فسر بالموت لنحب بالموت ابن عباس رضي الله عنهما روى ان انس بن النظر غاب عن بدر فساءه ذلك، فقال لمن شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهد: ليرني الله ما أصنع، وقيل: قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عن اول قتال قاتلت المشركين لئن أشهدني الله قتالاً للمشركين ليرني الله ما اصنع ولعله قال هذا وقال ذلك، ولما كان يوم احد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني اعتذر اليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين حيث انكشفوا وأبرأ اليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم ندم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النظر، وقيل قال: والذي نفسي بيده اني اجد ريحها من دون احد، وفي رواية قال: اللهم اني ابرأ اليك مما جاء به هؤلاء المشركين وأعتذر اليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين وهي أولى، فقال سعد: فما استطعت فأصنع وحمل لسيفه على المشركين وبلى بلاء حسنا حتى قتل رضي الله عنه، قال: بن اخيه انس فوجد بين القتلى فيه بضع وثمانون جراحة بين ضربة سيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وقد مثلوا به كما مثلوا بحمزة فما عرفناه حتى عرفت اخته ثيابه. قال خباب: وليس قضاء النحب نصا في الموت لجواز استعماله في الوفاء بالنذر من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مات او حيي. {ومنهم من ينتظر} الشهادة والمراتب العالية وفي بعهده من الثبات ولم يمت فهو ينتظر قتالا آخر يرغب ان يستشهد فيه، وقيل: ينتظر مع الوفاء النصر او الاستشهاد، قالوا: "حديث : كطلحة ولقد ثبت بأحد حتى قطعت يده واستشهدت قبله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوجب طلحة"" تفسير : أي الجنة، وفي الصحاح أوجب الرجل اذا عمل عملا يوجب له الجنة والنار. قال خباب ابن الأرت: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مات ولم يأكل من اجره شيئا منهم صعب بن عمير قتل يوم احد وترك شمله اذا غطينا رأسه بدت رجلاه واذا غطينا رجليه بدا رأسه ونجعل على رجليه شيئا من الاذخر ومنا من اينعت اى ادركت ثمرته اى كساء الملون وهو من صوف وذلك كناية عما فتح الله لهم فهو يهديها اي يجنيها، حديث : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال له اعرابي: يا رسول الله من الذي قضى نحبه؟ فسكت ساعة ثم دخل طلحة بن عبيدالله وعليه ثوبان اخضران. فقال صلى الله عليه وسلم: "اين السائل"؟ فقال: ها انا ذا يا رسول الله. قال: "هذا" يعني طلحة من قضى نحبهتفسير : . قال عياض: وهذا ادل دليل على ان النحب ليس من شرطه الموت، وفي الحديث: "حديث : من أحب ان ينظر الى شهيد يمشي على الأرض فلينظر الى طلحة"تفسير : . وقال معاوية بن ابي سفيان: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "طلحة ممن قضى نحبه"تفسير : . وروت عائشة نحوه وروي: حديث : أَن ابنه موسى دخل على معاوية فقال له: ألا أبشرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "طلحة ممن قضى نحبه"تفسير : . وقال قيس بن حازم: رأيت طلحة أشلاء يوم احد ولعل القول بتوبة طلحة صحيح. {وما بدلوا تبديلا} ما تركوا العهد ولا غيره كما بدل المنافقون فذلك تعريض بتبديلهم.

اطفيش

تفسير : {من المُؤمنينَ} مطلقا لا الذين ذكر الله محاسنهم خاصة، ونص بعض اصحابنا على انه لا يقال حكى الله عن غيره بل ذكره الله {رجالٌ صَدقُوا ما عاهدوا الله عليْه} من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمقاتلة للاعداء، وقيل: من الطاعات مطلقا، فيدخل الثبات المذكور بالاولى، قال انس: غاب عمى انس بن النضر عن بدر، فشق ذلك عليه، فقال: اول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، لئن أرانى الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ليرين الله تعالى ما أصنع، فشهد يوم احد، فاستقبله سعد بن معاذ بن معاذ رضى الله عنه فقال: يا ابا عمرو اين قال: واها لريح الجنة اجدها دون احد فقاتل حتى قتل، فوجد فى جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، وفيه وفى اصحابه نزلت الآية، وهو فى الولاية للشهرة، بانه صحابى لم يذكر عنه ما يختلف فيه، ولانه كل من عرفه عرفه بخير، ومن جهله جهله بالكلية، ولا سيما انه مات قبل الفتنة. والذى اقول به: من توقف من الصحابة فى شأن فتنتهم لا يبرأ منه، بل يتولى لانه وقف من حيث انه لم يدرك الحق، وليسوا يرجعون الى الوقوف اذا زل امام هم تحته، اذ لا وجه لرجوع المتولى لذاته بزلة امامه، وانما يرجع اليه من تولى تبعا له، وكان قبل فى الوقوف، وأيضا نص صلى الله عليه وسلم على ولايتهم، فهى ولاية دائمة حتى يصدر منهم موجب البراءة، لم يزل امامهم او زل، وقيل: المراد بالاية اهل العقبة السبعون، وقيل: بنو حارثة، وما مفعول به جعل ما عاهدوا عليه كشخص معاهد على الاستعارة المكنية، ورمز الى ذلك باثبات المصدوقية الذى هو تخييل، وعلى الاسناد المجازى، يقال صدقنى اى خبرنى بصدق، او يقدر صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، او صدقوا فيما عاهدوا الخ، ولم يكذبوا فيه. {فَمنهُم مَنْ قَضَى نَحْبه} ادى نذره اى فعله ووفى به، شبه النذر بالموت لجامع وجوب الوقوع، اى لزومه فى الذمة، وذلك استعارة تصريحية، والقرنية حالية، وقضى ترشيح، وقد شهر قضى نحبه فى معنى مات، او قضاء النحب مستعار، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : طلحة ممن قضى نحبه" تفسير : رواه قومنا، وجعلوه طلحة الذى عاش بعده صلى الله عليه وسلم، وخلط وفسروا قضى النحب بالوفاء بالوعد، لاخصوص الموت، وقالوا ثبت يوم احد، حتى قطعت يده، كما فسر مجاهد قضاء النحب بالوفاء بالعهد، ان يجاهد ولا يقر. {ومنُهُم مَن ينتَظر} اى ينتظر ان يموت على الوفاء بما عاهد عليه من الخير، وقد علم الله انه يموت عليه، فصدق عليه قوله عز وجل: {رجال صدقوا} او ينتظر حربا يجتهد فيها ويخلص، وعلم الله تعالى انه سيفعل فصدق عليه رجال صدقوا، وقيل المراد بالصدق مطابقة ما فى ألسنتهم لقلوبهم، والمراد يصدقون فعبر بالماضى للتحقق. {وما بدَّلُوا} عهدكم كما بدل المنافقون، والواو للقاضين، والمنتظرين، واجيز عوده للمنتظرين خاصة، لان حالهم هى المحتاجة الى بيان انها صحت او لم تصح {تَبْديلاً} الجملة معطوفة على صدقوا، ووجه التأكيد بتبديلا رجوعه الى النفى، اى انتفى التبديل انتفاء بليغا، وان شئت فالتوكيد تعريض بمن بدل تبديلا عظيما، وهم هؤلاء المنافقون، ولا مفهوم بان هؤلاء الصادقين بدلوا بعض تبديل.

الالوسي

تفسير : {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي المؤمنين بالإخلاص مطلقاً لا الذين حكيت محاسنهم خاصة {رِجَالٌ } أي رجال {صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } من الثبات مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمقاتلة للأعداء، وقيل: من الطاعات مطلقاً ويدخل في ذلك ما ذكر دخولاً أولياً، وسبب النزول ظاهر في الأول. أخرج الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وجماعة عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه لئن أراني الله تعالى مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله تعالى ما أصنع فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا عمرو أين؟ قال: واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية ونزلت هذه الآية: {مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } وكانوا يرون أنها نزلت فيه وأصحابه. وفي «الكشاف» نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا أي نذروا الثبات التام والقتال الذي يفضي بحسب العادة إلى نيل الشهادة وهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحمزة ومصعب بن عمير وغيرهم، وعن الكلبـي ومقاتل أن هؤلاء الرجال هم أهل العقبة السبعون أهل البيعة، وقال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة والمعول عليه عندي ما قدمته، ومعنى {صَدَقُواْ } أتوا بالصدق من صدقني إذا قال [لك] الصدق، ومحل {مَا عَـٰهَدُواْ } النصب إما على نزع الخافض وهو (في) وإيصال الفعل إليه كما في قولهم صدقني سن بكرة على رواية النصب أي في سن بكره والمفعول محذوف والأصل صدقوا الله فيما عاهدوه، وإما على أنه هو المفعول الصريح. وجعل ما عاهدوا عليه بمنزلة شخص معاهد على طريق الاستعارة المكنية وجعله مصدوقاً تخييل وعلى الإسناد المجازي. {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ } تفصيل لحال الصادقين وتقسيم لهم إلى قسمين، والنحب على ما قال الراغب النذر المحكوم بوجوبه يقال: قضى فلان نحبه أي وفى بنذره. وقال أبو حيان: النذر الشيء الذي يلتزمه الإنسان ويعتقد الوفاء قال الشاعر:شعر : عشية فر الحارثيون بعدما قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر تفسير : وقال جرير:شعر : بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا عشية بسطام جرين على نحب تفسير : أي على أمر عظيم التزم القيام به. وشاع قضى فلان نحبه بمعنى مات إما على أن النحب مستعار استعارة تصريحية للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل إنسان والقرينة حالية والقضاء ترشيح، وإما على أن قضاء النحب مستعار له. وجوز أن يراد بالنحب في الآية النذر وأن يراد الموت، وقال بعض الأجلة: يجوز أن يكون مستعاراً لالتزام الموت شهيداً أما بتنزيل التزام أسبابه التي هي أفعال اختيارية للناذر منزلة التزام نفسه، وإما بتنزيل نفسه منزلة أسبابه وإيراد الالتزام عليه وهو الأنسب بمقام المدح، وجعله استعارة للموت لأنه كنذر لازم مسخ للاستعارة وإذهاب برونقها وإخراج للنظم الكريم عن مقتضى المقام بالكلية انتهى، وفيه منع ظاهر كما لا يخفى على المنصف. والذي يقتضيه ظاهر بعض الأخبار أن النحب هنا بمعنى النذر وقضاؤه أداؤه والوفاء به، فقد أخرج ابن أبـي عاصم والترمذي وحسنه وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طلحة أن أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابـي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألته يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابـي / ثم إني اطلعت من باب المسجد، فقال: أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابـي: أنا قال: هذا ممن قضى نحبه. وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبـي بكر قالت: دخل طلحة بن عبيد الله على النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا طلحة أنت ممن قضى نحبه، وأخرج الحاكم عن عائشة نحوه. وأخرج الترمذي وغيره عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: حديث : طلحة ممن قضى نحبهتفسير : ، وكأن علياً كرم الله تعالى وجهه عنى مدحه بذلك في قوله وقد قيل له حدثنا عن طلحة: ذاك أمرؤ نزل فيه آية من كتاب الله {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } وقد أخرج ذلك عنه كرم الله تعالى وجهه أبو الشيخ وابن عساكر؛ وكان رضي الله تعالى عنه قد ثبت يوم أحد حتى أصيبت يده. وإلى حمل النحب على حقيقته ذهب مجاهد فالمعنى منهم من وفي بعهده وأدى نذره. {وَمِنْهُمُ } أي وبعضهم {مَّن يَنتَظِرُ } يوماً فيه جهاد فيقضي نحبه ويؤدي نذره ويفي بعهده، ومن حمل {ما عاهدوا الله} تعالى على العموم وأبقى النحب على حقيقته قال: المعني منهم من وفى بعهود الإسلام وما يلزم من الطاعات ومنهم من ينتظر الحصول في أعلا مراتب الإيمان والصلاح. واستشكل إبقاء النحب على حقيقته لأن وفاء النذر عين صدق العهد فيكون مآل المعنى من المؤمنين رجال عاهدوا الله تعالى وصدقوا أي فعلوا ووفوا بما عاهدوا الله تعالى عليه فمنهم من فعل ووفى بما عاهد، وفيه تقسيم الشيء إلى نفسه، ويشكل على هذا المعنى قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } لأن المنتظر غير واف فكيف يجعل قسماً من الذين صدقوا؟ أي وفوا. وأجيب بأن المراد بالصدق في الآية مطابقة النسبة الكلامية للنسبة الخارجة وهذا الكلام المتضمن لهذه النسبة هو ما اقتضاه عهدهم على الثبات من نحو قولهم: لئن أرانا الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنثبتن ولنقاتلن، واتصاف الخبر بالصدق وكذا المخبر به لا يقتضي أكثر من مطابقة نسبته للواقع في أحد الأزمنة فنحو يقوم زيد صادق وكذا المخبر به وقت الإخبار به وإن كان وقوع القيام بعد ألف سنة مثلاً، وكذا نحو إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود صادق وإن كان التكلم به ليلاً فهؤلاء الرجال لما أخبروا عن أنفسهم أنهم أن أراهم الله تعالى مشهداً مع رسوله عليه الصلاة والسلام ثبتوا وقاتلوا وعلم سبحانه أن هذا مطابق للواقع أخبر تعالى عنهم بأنهم صدقوا ثم قسمهم عز وجل إلى قسمين قسم أدى ما أخبر عن نفسه أنه يؤديه وقسم ينتظر وقتاً يؤديه فيه، ولا يتصف هذا القسم بالكذب إلا إذا مات وقد أراه الله تعالى ذلك ولم يؤد، ومن أخبر الله تعالى عنهم بالصدق ما ماتوا حتى أدوا فلا إشكال. نعم الإشكال على تقدير أن يراد بالصدق فيما عاهدوا تحقيق العهد فيما أظهروه من أفعالهم كما فسره الراغب ويراد من قضاء النحب وفاء النذر أو العهد كما لا يخفى، وقيل: المراد بصدقهم المذكور مطابقة ما في ألسنتهم لما في قلوبهم على خلاف المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ولا إشكال في التقسيم حينئذ. وقيل: الصدق بالمعنى المشهور بين الجمهور إلا أن المراد بصدقوا يصدقون، وعبر عن المضارع بالماضي لتحقق الوقوع، وكلا القولين كما ترى. وعن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: {قَضَىٰ نَحْبَهُ} فقال: أجله الذي قدر له فقال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول لبيد:شعر : ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيقضى أم ضلال وباطل تفسير : وأخرج جماعة عنه أنه فسر ذلك بالموت، وروي نحوه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وعليه لا مانع / من أن يراد بصدقوا ما عاهدوا الله عليه كما ذكر عن الراغب حققوا العهد فيما أظهروه من أفعالهم، فيكون المعنى من المؤمنين رجال عاهدوا الله تعالى على الثبات والقتال إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحققوا ذلك وثبتوا فمنهم من مات ومن منهم من ينتظر الموت، والذي يقتضيه السياق أن المراد قضى نحبه ثابتاً بأن يكون قد استشهد كانس بن النضر ومصعب بن عمير، ويحتمل أن يراد ما أعم من ذلك فيدخل من مات بعد الثبات حتف أنفه قبل نزول الآية إن كان هنالك من هو كذلك، وعدوا ممن ينتظر عثمان وطلحة وأول ما ورد في طلحة من أنه ممن قضى نحبه بأن المراد أنه في حكم من استشهد، وأوجبوا ذلك فيما أخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى وابن المنذر وأبو نعيم وابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة»تفسير : وأخرج ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله مثله. وفي «إرشاد العقل السليم» عن عائشة بلفظ «حديث : من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي في الأرض، وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة»تفسير : وفي «مجمع البيان» عن أبـي اسحاق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: نزلت فينا {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } الآية وأنا والله المنتظر، وفي وصفهم بالانتظار المنبىء عن الرغبة في المنتظر شهادة حقه بكمال اشتياقهم إلى الشهادة، وقيل: إلى الموت مطلقاً حباً للقاء الله تعالى ورغبة فيما عنده عز وجل. {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً } عطف على {صَدَقُواْ } وفاعله أي وما بدلوا عهده وما غيروه تبديلاً ما لا أصلاً ولا وصفا بل ثبتوا عليه راغبين فيه مراعين لحقوقه على أحسن ما يكون، أما الذين قضوا فظاهر، وأما الباقون فيشهد به انتظارهم أصدق شهادة، وتعميم عدم التبديل للفريق الأول مع ظهور حالهم للإيذان بمساواة الفريق الثاني لهم في الحكم، وجوز أن يكون ضمير {بَدَّلُواْ } للمنتظرين خاصة بناء على أن المحتاج إلى البيان حالهم، وفي الكلام تعريض بمن بدل من المنافقين حيث ولوا الأدبار وكانوا عاهدوا لا يولون الأدبار فكأنه قيل: وما بدلوا تبديلاً كما بدل المنافقون فتأمل جميع ذاك والله تعالى يتولى هداك.

ابن عاشور

تفسير : أعقب الثناء على جميع المؤمنين الخلص على ثباتهم ويقينهم واستعدادهم للقاء العدوّ الكثير يومئذ وعزمهم على بذل أنفسهم ولم يقدر لهم لقاؤه كما يأتي في قوله {أية : وكفى الله المؤمنين القتال}تفسير : [الأحزاب: 25] بالثناء على فريق منهم كانوا وَفَّوْا بما عاهدوا الله عليه وفاءً بالعمل والنية، ليحصل بالثناء عليهم بذلك ثناء على إخوانهم الذين لم يتمكنوا من لقاء العدوّ يومئذ ليعلم أن صدق أولئك يؤذن بصدق هؤلاء لأن المؤمنين يدٌ واحدة. والإخبار عنهم برجال زيادة في الثناء لأن الرجُل مشتق من الرِّجْل وهي قوة اعتماد الإنسان كما اشتق الأيد من اليَد، فإن كانت هذه الآية نزلت مع بقية آي السورة بعد غزوة الخندق فهي تذكير بما حصل من المؤمنين من قبل، وإن كانت نزلت يوم أُحُد فموضعها في هذه السورة إنما هو بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم فهو تنبيه على المعنى الذي ذكرناه على تقدير: أنها نزلت مع سورة الأحزاب. وأيَّا مَّا كان وقتُ نزول الآية فإن المراد منها: رجال من المؤمنين ثبتوا في وجه العدو يوم أُحُد وهم: عثمان بن عفان، وأنس بن النضر، وطلحة بن عبيد الله، وحمزة، وسعيد بن زيد، ومصعب بن عمير. فأما أنس بن النضر وحمزة ومصعب بن عمير فقد استُشهدوا يومَ أُحُد، وأما طلحة فقد قُطِعت يده يومئذ وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما بقيتهم فقد قاتلوا ونجوا. وسياق الآية وموقعها يقتضيان أنها نزلت بعد وقعة الخندق. وذكر القرطبي رواية البيهقي عن أبي هريرة: «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أُحُد مرّ على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف ودعا له ثمّ تلا {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه} تفسير : الآية. ومعنى {صدقوا ما عاهدوا الله عليه} أنهم حققوا ما عاهدوا عليه فإن العهد وعد وهو إخبار بأنه يفعل شيئاً في المستقبل فإذا فعله فقد صدق. وفعل الصدق يستعمل قاصراً وهو الأكثر، ويستعمل متعدياً إلى المخبَر بفتح الباء يقال: صدقه الخبر، أي قال له الصدق، ولذلك فإن تعديته هنا إلى {ما عاهدوا الله عليه} إنما هو على نزع الخافض، أي: صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، كقولهم في المثل: صدقني سنَّ بَكْرِه، أي: في سن بكره. والنحب: النذر وما يلتزمه الإنسان من عهد ونحوه، أي: من المؤمنين مَن وفّى بما عاهد عليه من الجهاد كقول أنس بن النضرْ حين لم يشهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبُر ذلك عليه وقال: أولُ مشهد شَهده رسول الله غبت عنه، أما والله لئن أراني الله مَشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرَيَّن الله ما أصنع فشهد أُحُداً وقاتل حتى قُتل. ومثل الذين شهدوا أيام الخندق فإنهم قَضَوْا نحبهم يوم قريظة. وقد حمل بعض المفسرين {قضَى نحبه} في هذه الآية على معنى الموت في الجهاد على طريقة الاستعارة بتشبيه الموت بالنذر في لزوم الوقوع، وربما ارتقى ببعض المفسرين ذلك إلى جعل النحب من أسماء الموت، ويمنع منه ما ورد في حديث الترمذي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في طلحة ابن عبيد الله: «إنه ممن قَضَى نَحْبَه»تفسير : ، وهو لم يمت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قوله {وما بدلوا تبديلاً} فهو في معنى {صدقُوا ما عاهدوا الله عليه} وإنما ذكر هنا للتعريض بالمنافقين الذين عاهدوا الله لا يولُّون الأدبار ثم ولوا يوم الخندق فرجعوا إلى بيوتهم في المدينة. وانتصب {تبديلاً} على أنه مفعول مطلق موكِّد لــــ {بدّلوا} المنفي. ولعل هذا التوكيد مسوق مساق التعريض بالمنافقين الذين بدّلوا عهد الإيمان لما ظنوا أن الغلبة تكون للمشركين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 23- من هؤلاء المؤمنين رجال عاهدوا الله على الثبات فى القتال مع الرسول فوفوا بما عاهدوا، فمنهم من نال شرف الاستشهاد، ومنهم من بقى حيا ينتظر أن ينال هذا الشرف، وما بدلوا عهد الله الذى قطعوه على أنفسهم، ولا غيروا شيئاً منه. 24- ليجزى الله المؤمنين الصادقين بصدقهم فى إيمانهم ووفائهم بعهدهم، ويعذب المنافقين - إن شاء - أو يوفق المستعد منهم إلى التوبة، إن الله كان غفوراً بقبول التوبة. رحيما بالعفو عن المعصية. 25- وردَّ الله الكفار المتحزبين على الرسول ممتلئة قلوبهم بالغيظ لم ينالوا خيرا من نصر أو غنيمة، وكفى الله المؤمنين مشقة قتالهم بما سلطه عليهم من الريح والملائكة، وكان الله قويا على تنفيذ ما يريد، عزيزا لا يغلبه غالب. 26- وأنزل الله الذين عاونوا الأحزاب من أهل الكتاب - وهم يهود بنى قريظة - من قلاعهم التى يتحصنون بها، وألقى فى قلوبهم الرعب. فريقاً تقتلون - وهم الرجال - وتأسرون فريقا آخر وهو النساء والذرارى. 27- وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطأها أقدامكم من قبل، وكان الله - سبحانه - قديراً على تنفيذ كل شئ يريد. 28- يا أيها النبى: قل لأزواجك - ناصحاً لهن -: إن كنتن تردن الحياة الدنيا ومتعتها فأقبلن أدفع إليكن ما يُخفف وحشة الطلاق، فيكون متعة لَكُنَّ، وأطلقكن طلاقاً لا إساءة معه.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاهَدُواْ} (23) - لَمَّا ذَكَر اللهُ تَعَالى أَنَّ المُنَافِقينَ نَقَضٌوا العَهْدَ، وَصَفَ المُؤمنينَ بأَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى العَهْدِ وَالمِيثَاق، وَأَنَّ مِنْهُمْ رِجَالاً أَوْفُوا بِمَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيهِ مِنَ الصَّبْرِ في الشِّدَّةِ وَالبَأْسَاءِ، فَاسْتُشْهِدَ بَعْضُهُمْ في بَدْرٍ، وَبَعْضُهُمْ اسْتُشْهِدَ فِي أُحُدٍ، وَبَعْضُهُمْ لَقِيَ وَجْهَ رَبِّهِ فِي غَيرِ هذِينِ المَوْقِفَينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ قَضَاءَ اللهِ، وَالفَراغَ مِنْ أَجَلِهِ، كَمَا قَضَى مِنْهُمْ مَنْ مَضَى عَلَى الوَفَاءِ للهِ بِالعَهْدِ، وَمَا غَيَّرُوا وَمَا بَدَّلُوا. (رُوِيَ أَنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ الذِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ غَابَ عَنْ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، فَقَالَ: لَئِنْ أَرَاني الله تَعَالَى مَشْهَداً مَعَ رَسُولِ اللهِ، فِيمَا بَعدُ، لَيَرَيَنَّ اللهُ تَعَالى مَا أصْنَعُ). (وَقِيلَ إِنَّها نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّان وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْر وَغَيْرُهُمْ نَذَرُوا أَنَّهُمْ إِذا لَقُوا حَرْباً مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَبَتُوا وَقَاتَلُوا حَتى يُسْتَشْهَدُوا). قَضَى نَحْبَهُ - وَفى نَذْرَهُ أَوْ مَاتَ شَهِيداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نزلت هذه الآية في جماعة من المؤمنين صادقي الإيمان، إلا أنهم لم يشهدوا بدراً ولا أُحُداً، ولكنهم عاهدوا الله إنْ جاءت معركة أخرى لَيُبَادِرُونَّ إليها، ويبلُون فيها بلاءً حسناً. وورد أنها نزلت في أنس بن النضر، فقد عاهد الله لما فاتته بدر لو جاءت مع المشركين حرب أخرى لَيبلونَّ فيها بلاء حسناً، وفعلاً لما جاءت أُحُد أبلى فيها بلاءً حسناً حتى استشهد فيها، فوجدوا في جسده نيِّفاً وثمانين طعنةً برمح، وضربة بسيف، وهذا معنى {صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ..} [الأحزاب: 23]. وساعة تسمع كلمة {رِجَالٌ ..} [الأحزاب: 23] في القرآن، فاعلم أن المقام مقام جدٍّ وثبات على الحق، وفخر بعزائم صُلْبة لا تلين، وقلوب رسخ فيها الإيمان رسوخ الجبال، وهؤلاء الرجال وَفَّوا العهد الذي قطعوه أمام الله على أنفسهم، بأنْ يبلُوا في سبيل نصرة الإسلام، ولو يصل الأمر إلى الشهادة. وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ..} [الأحزاب: 23] قضى نحبه: أي أدَّى العهد ومات، والنحب في الأصل هو النذر، فالمراد: أدى ما نذره، أو ما عاهد الله عليه من القتال، ثم اسْتُعمِلَت (النحب) بمعنى الموت. لكن، ما العلاقة بين النذر والموت؟ قالوا: المعنى إذا نذرتَ فاجعل الحياةَ ثمناً للوفاء بهذا النذر، وجاء هذا التعبير {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ..} [الأحزاب: 23] لتعلم أن الموت يجب أن يكون منك نذراً. أي: انذر لله أنْ تموت، لكن في نُصْرة الحق وفي سبيل الله، فكأن المؤمن هو الذي ينذر نفسه وروحه لله، وكأن الموت عنده مطلوب ليكون في سبيل الله. فالمؤمن حين يستصحب مسألة الموت ويستقرئها يرى أن جميع الخَلْق يموتون من لدُن آدم عليه السلام حتى الآن؛ لذلك تهون عليه حياته ما دامت في سبيل الله، فينذرها ويقدمها لله عن رضا، ولِمَ لا وقد ضحيتَ بحياة، مصيرها إلى زوال، واشتريتَ بها حياة باقية خالدة مُنعَّمة. وقد ورد في الأثر: "ما رأيتُ يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت" ومع أننا نرى الموت لا يُبقى على أحد فينا إلا أن كل إنسان في نفسه يتصور أنه لن يموت. وحَقٌّ للمؤمن أنْ ينذر نفسه، وأنْ يضحي بها في سبيل الله؛ لأن الله يقول: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 169-171]. وهذه الحياة التي عند الله حياة على الحقيقة، لأن الرزق سِمة الحيِّ الذي يعيش ويأكل ويشرب .. إلخ، وإياك أنْ تظن أنها حياة معنوية فحسب. وقد تسمع مَنْ يقول لك: هذا يعني أنني لو فتحتُ القبر على أحد الشهداء أجده حياً في قبره؟ ونقول لمن يحب أنْ يجادل في هذه المسألة: الله تعالى قال: {أية : أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ ..} تفسير : [آل عمران: 169] ولم يقل: أحياء عندك، فلا تحكم على هذه الحياة بقانونك أنت، لا تنقل قانون الدنيا إلى قانون الآخرة. والمؤمن ينبغي أن يكون اعتقادة في الموت، كما قال بعض العارفين: الموت سهم أُرسِل إليك بالفعل، وعمرك بقدر سفره إليك. والقرآن حين يعالج هذه المسألة يقول تعالى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ..} تفسير : [الملك: 1-2] فقدَّم الموت على الحياة، حتى لا نستقبل الحياة بغرور الحياة، إنما نستقبلها مع نقيضها حتى لا نغترَّ بها. وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ ..} [الأحزاب: 23] أي: ينتظر الوفاء بعهده مع الله، وكأن الله تعالى يقول: الخير فيكم يا أمة محمد باقٍ إلى يوم القيامة {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23] معنى التبديل هنا: أي ما تخاذلوا في شيء عاهدوا الله عليه ونذروه، فما جاءت بعد ذلك حرب، وتخاذل أحد منهم عنها، ولا أُدخِل أحد منهم الحرب مواربة ورياء، فقاتل من بعيد، أو تراجع خوفاً من الموت، بل كانوا في المعمعة حتى الشهادة. ثم يقول الحق سبحانه: {لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ}. يعني، عهدة، فقتل، أَو عاش {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} [الآية: 23]. يقول ينتظر يوما فيه جهاد، فيقضيَ نحبه. يعني: عهده، بقتل: أَو صدق في لقاءِ العدو. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثناء ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} [الآية: 25]. قال: يعني الأَحزاب. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}. يعني: قريظة {مِن صَيَاصِيهِمْ} [الآية: 26]. يعني من قصورهم. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [الآية: 28]. قال: اعتزلهن رسول الله، ثم خيّرهن، وذلك في زينب بنت جحش وكراهيتها لنكاح زيد بن حارثة، حين أَمرها به رسول الله.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} معناه نِذْرُهُ. والنَّحبُ: المَوتُ. والنَّحبُ: الخَطرُ العَظيمُ.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} [23]. 421 - أخبرنا الهيثمُ بنُ أيوبَ قال: حدَّثنا إبراهيمُ، قال ابنُ شهابٍ، عن خَارِجةَ، أنَّ أباهُ، قال: فُقِدَتْ آيةٌ من سورةِ الأحزابِ حين نَسَخْنَا المُصحفَ، كُنْتُ أسمعُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقرؤُها، فوجدتُها مع خُزيمَةَ بن ثابتٍ {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} فألحَقْتُهَا في سُورتِها في المُصحفِ. 422 - أخبرني عبدُ اللهِ بنُ الهيثمِ، قال حدَّثنا أبو داوُد قال: حدَّثنا حَمادُ بن سلمةَ، وسُليمانُ بن المغيرةِ، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن أنسٍ، قال: غاب عَمِّي أنسُ بن النَّضرِ، الذي سُميتُ لهُ، ولم يشهدْ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً، فقال: أولُ مشهدٍ شَهِدَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، غِبتُ عنهُ، أما واللهِ، لَئِنْ أشهدني اللهُ مشهداً بعدهُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليرينَّ ما أصْنَعُ، فهاب أن يقول غيرها، فلما كان من العام المُقبلِ، شهد أُحداً، قال: فلقيهُ سعدُ بنُ مُعاذٍ [فقال:] مَهْيَمْ، فقال لهُ: يا أبا عمرو: إني أجدُ ريح الجنةِ دونَ أُحُدٍ، فقاتل حتى قُتل، فَوُجِدَ به بضعةٌ وثمانُونَ؛ من رميةٍ وطعنةٍ وضربةٍ، قالت/ أُخْتُهُ: فما عرفتُ أخي إلاَّ بِبَنَانِهِ؛ وكان حَسَنَ البنانِ، فنزلت هذه الآية {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} إلى {تَبْدِيلاً} فكُنا نرى أنَّها نزلت فيه وفي أصحابهِ. قوله تعالى {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} [23] 423 - أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيم، قال أخبرنا يزيدُ بنُ هارُون، قال أخبرنا حُميدٌ، عن أَنَسٍ، أن عَمَّهُ غاب عن قتالِ [أهل] بدرٍ، فلمَّا كان يومُ أُحدٍ، وانكشف المُسلِمُون، قال: اللَّهُمَّ إنِّي أعتذرُ إليك مما صنع هؤُلاءِ - يعني أصحابه - وأبرأُ إليك مما جاء به هؤُلاءِ - يعني المشركين - فلقيهُ سعدٌ دون أُحُدٍ، قال سعدٌ: فلم أستطع أن أفعلَ فِعلَهُ، قال: فوجد فيه ثمانُون [طعنةً] من بين طعنةٍ بِرُمحٍ، وضربةٍ بسيفٍ، ورميةٍ بسهمٍ، قال: فكُنا نقول فيه وفي أصحابه: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ/ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً}.

همام الصنعاني

تفسير : 2326- معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ}: [الآية: 23]، قال: قَضَى أجله على الصدق والوفاء.