٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} قال محمد بن عمرو يرفعه إلى عائشة: قالت: «الَّذِينَ كَفَرُوا» هاهنا أبو سفيان وعُيينة بن بدر، رجع أبو سفيان إلى تِهامة، ورجع عُيينة إلى نجد. {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} بأن أرسل عليهم ريحاً وجنوداً حتى رجعوا ورجعت بنو قُريظة إلى صياصِيهم؛ فكفى أمَر قريظة بالرعب. {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً} أمره {عَزِيزاً } لا يُغلَب.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية، ولولا أن الله جعل رسوله رحمة للعالمين، لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم التي أرسلها على عاد، ولكن قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33] فسلط عليهم هواء فرق شملهم؛ كما كان سبب اجتماعهم من الهوى، وهم أخلاط من قبائل شتى أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعاتهم، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحنقهم، ولم ينالوا خيراً لا في الدنيا؛ مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول صلى الله عليه وسلم بالعداوة، وهمهم بقتله، واستئصال جيشه، ومن هم بشيء وصدق همه بفعله، فهو في الحقيقة كفاعله. وقوله تبارك وتعالى: {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} أي: لم يحتاجوا إِلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم، بل كفى الله وحده، ونصر عبده، وأعز جنده، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده» تفسير : أخرجاه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: «حديث : اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم»تفسير : . وفي قوله عز وجل: {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها، لم يغزهم المشركون، بل غزاهم المسلمون في بلادهم. قال محمد بن إسحاق: لما انصرف أهل الخندق عن الخندق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا: «حديث : لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» تفسير : فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يغزوهم بعد ذلك، حتى فتح الله تعالى مكة، وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق حديث صحيح، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن سفيان، حدثني أبو إسحاق قال: سمعت سليمان بن صرد رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «حديث : الآن نغزوهم ولا يغزوننا» تفسير : وهكذا رواه البخاري في "صحيحه" من حديث الثوري، وإسرائيل عن أبي إسحاق به، وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} أي: بحوله وقوته ردهم خائبين، لم ينالوا خيراً، وأعز الله الإسلام وأهله، وصدق وعده، ونصر رسوله وعبده، فله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي الأحزاب {بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً } مرادهم من الظفر بالمؤمنين {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } بالريح والملائكة {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً } على إيجاد ما يريده {عَزِيزاً } غالباً على أمره.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَغَيظِهِمْ} يعني أبا سفيان وجموعه من الأحزاب. {بِغَيظِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: بحقدهم. الثاني: بغمّهم. {لَمْ يَنَالُواْ خَيراً} قال السدي لم يصيبوا من محمد وأصحابه ظفراً ولا مغنماً. {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} فيه وجهان: أحدهما: بعلي بن ابي طالب كرم الله وجهه. حكى سفيان الثوري عن زيد عن مرة قال أقرأنا ابن مسعود هذا الحرف: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} بعلي بن أبي طالب. الثاني: بالريح والملائكة، قاله قتادة والسدي. {وََكَانَ اللَّهُ قَوِياً} في سلطانه. {عَزِيزاً} في انتقامه.
ابن عطية
تفسير : عدد الله تعالى في هذه الآية نعمه على المؤمنين في هزم الأحزاب وأن الله تعالى ردهم {بغيظهم} لم يشفوا منه شيئاً ولا نالوا مراداً، {وكفى} كل من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل الأحزاب، وروي أن المراد بــ {المؤمنين} هنا علي بن أبي طالب وقوم معه عنوا للقتال وبرزوا ودعوا إليه وقتل علي رجلاً من المشركين اسمه عمرو بن عبد ود، فكفاهم الله تعالى مداومة ذلك وعودته بأن هزم الأحزاب بالريح والملائكة وصنع ذلك بقوته وعزته. قال أبو سعيد الخدري: حبسنا يوم الخندق فلم نصل الظهر ولا العصر ولا المغرب ولا العشاء حتى كان بعد هوى من الليل كفينا وأنزل الله تعالى، {وكفى الله المؤمنين القتال}، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام وصلى الظهر فأحسنها ثم كذلك حتى صلى كل صلاة بإقامة. وقوله تعالى: {وأنزل الذين ظاهروهم} يريد بني قريظة بإجماع من المفسرين، قال الرماني وقال الحسن الذين أنزلوا {من صياصيهم} بنو النضير، وقال الناس: هم بنو قريظة، وذلك أنهم لما غدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهروا الأحزاب عليه أراد الله تعالى النقمة منهم، فلما ذهب الأحزاب جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقت الظهر فقال: يا محمد إن الله تعالى يأمرك بالخروج إلى بني قريظة، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس وقال لهم: "حديث : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"تفسير : ، فخرج الناس إليها ووصلها قوم من الصحابة بعد العشاء وهم لم يصلوا العصر وقوفاً مع لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فلم يخطئهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وصلى قوم في الطريق ورأوا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما خرج مخرج التأكيد فلم يخطئهم أيضاً، وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة خمساً وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ الأوسي، وكان بينهم وبين الأوس حلف فرجوا حنوه عليهم، فحكم فيهم سعد بأن تقتل المقاتلة، وتسبى الذرية والعيال والأموال، وأن تكون الأرض والثمار للمهاجرين دون الأنصار، فقالت له الأنصار في ذلك، فقال: أردت أن تكون لهم أموال، كما لكم أموال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجالهم فأخرجوا أرسالاً وضرب أعناقهم وهم من الثمانمائة إلى التسعمائة، وسيق فيهم حيي بن أخطب النضري وهو الذي كان أدخلهم في الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذهب الأحزاب دخل عندهم وفاء لهم، فأخذه الحصر حتى نزل فيمن نزل على حكم سعد، فلما نزل وعليه حلتان فقاحيتان، ويداه مجموعة إلى عنقه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: والله يا محمد أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولقد اجتهدت، ولكن من يخذل الله يخذل، ثم قال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله وقدره ملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم تقدم فضربت عنقه، وفيه يقول جبل بن حوال الثعلبي: [الطويل] شعر : لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ولكنه من يخذل الله يخذل لأجهد حتى أبلغ النفس عذرها وقلقل يبغي العز كل مقلقل تفسير : و {ظاهروهم} معناه عاونوهم، وقرأ عبد الله بن مسعود "آزروهم" وهي بمعنى {ظاهروهم} و"الصياصي": الحصون، واحدها صيصية وهي كل ما يمتنع به، ومنه يقال لقرون البقر الصياصي، والصياصي أيضاً: شوك الحاكة، وتتخذ من حديد، ومنه قول دريد بن الصمة: [الطويل] شعر : كوقع الصاصي في النسيج الممدّد تفسير : والفريق المقتول: الرجال المقاتلة، والفريق المأسور: العيال والذرية، وقرأ الجمهور "وتأسِرون" بكسر السين، وقرأ أبو حيوة "تأسُرون" بضم السين، وقوله {وأورثكم} استعارة من حيث حصل ذلك لهم بعد موت الآخرين من قبلهم، وقوله {وأرضاً لم تطؤوها}، يريد بها البلاد التي فتحت على المسلمين بعد كالعراق والشام ومكة فوعد الله تعالى بها عند فتح حصون بني قريظة وأخبر أنه قد قضى بذلك قاله عكرمة، وذكر الطبري عن فرق أنهم خصصوا ذلك، فقال الحسن بن أبي الحسن: أراد الروم وفارس، وقال قتادة: كنا نتحدث أنها مكة، وقال يزيد بن رومان ومقاتل وابن زيد: هي خيبر، وقالت فرقة اليمن. قال الفقيه الإمام القاضي: ولا وجه لتخصيص شيء من ذلك دون شيء.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِغَيْظِهِمْ} بحقدهم، أو غمهم {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} لم يصيبوا ظفراً ولا مغنماً {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} بالريح الملائكة، أو بعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه {قَوِيّاً} في سلطانه {عَزِيزاً} في انتقامه.
البقاعي
تفسير : ولما ذكرهم سبحانه نعمته بما أرسل على أعدائهم من جنوده، وبين أحوال المنافقين والصادقين وما له في ذلك من الأسرار، وختم بهاتين الصفتين، قال مذكراً بأثرهما فيما خرقه من العادة بصرف الأعداء على كثرتهم وقوتهم على حالة لا يرضاها لنفسه عاقل، عاطفاً على قوله في أول السورة والقصة {فأرسلنا}: {ورد الله} أي بما له من صفات الكمال {الذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه شموس عقولهم من أدلة الوحدانية وحقية الرسالة، وهم من تحزب من العرب وغيرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم عن المدينة ومضايقة المؤمنين، حال كونهم {بغيظهم} الذي أوجب لهم التحزب ثم الذي أوجب لهم التفرق من غير طائل حال كونهم {لم ينالوا خيراً} لا من الدين ولا من الدنيا، بل خذلهم بكل اعتبار. ولما كان الرد قد يكون بسبب من عدوهم، بين أن الأمر ليس كذلك فقال: {وكفى الله} أي العظيم بقوته وعزته عباده، ودل على أنه ما فعل ذلك إلا لأجل أهل الإخلاص فقال: {المؤمنين القتال} بما ألقى في قلوبهم من الداعية للانصراف بالريح والجنود من الملائكة وغيرهم منهم نعيم بن مسعود كما تقدم. ولما كان هذا أمراً باهراً، أتبعه ما يدل على أنه عنده يسير فقال: {وكان الله} أي الذي له كل صفة كمال دائماً أزلاً وأبداً {قوياً} لا يعجزه شيء {عزيزاً} يغلب كل شيء. ولما أتم أمر الأحزاب، أتبعه حال الذين ألّبوهم، وكانوا سبباً في إيتانهم كحيي بن أخطب والذين مالأوهم على ذلك، ونقضوا ما كان لهم من عهد، فقال: {وأنزل الذين ظاهروهم} أي عاونوا الأحزاب، ثم بينهم بقوله مبغضاً: {من أهل الكتاب} وهم بنو قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير كحيي، وكان ذلك بعد إخراج بني قنيقاع وبني النضير {من صياصيهم} أي حصونهم العالمية، جمع صيصية وهي كل ما يتمنع به من قرون البقر وغيرها مما شبه بها من الحصون. ولما كان الإنزال من محل التمنع عجباً، وكان على وجوه شتى، فلم يكن صريحاً في الإذلال، فتشوفت النفس إلى بيان حاله، بين أنه الذل فقال عاطفاً بالواو ليصلح لما قبل ولما بعد: {وقذف في قلوبهم الرعب} أي بعد الإنزال كما كان قذفه قبل الإنزال، فلو قدم القذف على الإنزال لما أفاد هذه الفؤائد، ولا اشتدت ملاءمة ما بعده للإنزال. ولما ذكر ما أذلهم به، ذكر ما تأثر عنه مقسماً له فقال: {فريقاً} فذكره بلفظ الفرقة ونصبه ليدل بادئ بدء على أنه طوع لأيدي الفاعلين: {تقتلون} وهم الرجال، وكان نحو سبعمائة. ولما بدأ بما يدل على التقسيم مما منه الفرقة، وقد أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب، أولاه الأثر الآخر ليصير الأثران المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة فقال: {وتأسرون فريقاً} وهم الذراري والنساء، ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في أمرهم، وقدم في الرجال لتحتم القتل فيهم. ولما ذكر الناطق بقسميه، ذكر الصامت فقال: {وأورثكم أرضهم} من الحدائق وغيرها؛ ولما هم خص بقوله: {وديارهم} لأنه يحامي عليها ما لا يحامي على غيرها؛ ثم عم بقوله: {وأموالهم} مما تقدم ومن غيره من النقد والماشية والسلاح والأثاث وغيرها، فقسم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان ولفارسه سهم كما للراجل ممن ليس له فرس, وأخرج منها الخمس, فعلى سنتها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازي، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من سباياهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة. إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فتلبثت قليلاً، ثم أسلمت، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول الله! بل تتركني في ملكك فهو أخف عليّ وعليك، فتركها حتى توفي عنها في ملكه رضي الله عنها. ولما كانت هذه غزوة طار رعبها في الآفاق، وأذلت أهل الشرك من الأميين وغيرهم على الإطلاق، ونشرت ألوية النصر فخفقت أعلامها في جميع الآفاق، وأغمدت سيف الكفر وسلت صارم الإيمان للرؤوس والأعناق، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبصر الناس بالحروب، وأنفذهم رأياً لما له من الثبات عند اشتداد الكروب: "حديث : الآن نغزوهم ولا يغزونا"تفسير : ، قال تعالى: {وأرضاً لم تطؤها} أي تغلبوا عليها بتهيئتكم للغلبة عليها وإعطائكم القوة القريبة من فتحها، وهي أرض خيبر أولاً، ثم أرض مكة ثانياً ثم أرض فارس والروم وغيرهما مما فتحه الله بعد ذلك، وكان قد حكم به في هذه الغزوة حين أبرق تلك البرقات للنبي صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق، فأراه في الأولى اليمن، وفي الأخرى فارس، وفي الأخرى الروم. ولما كان ذلك أمراً باهراً, سهله بقوله: {وكان الله} أي أزلاً وأبداً بما له من صفات الكمال {على كل شيء} هذا وغيره {قديراً} أي شامل القدرة.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ورد الله الذين كفروا بغيظهم} قال: الأحزاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله تعالى عنه في قوله {ورد الله الذين كفروا بغيظهم} قال: أبو سفيان وأصحابه {لم ينالوا خيراً} قال: لم يصيبوا من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ظفراً {وكفى الله المؤمنين القتال} انهزموا بالريح من غير قتال. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وكفى الله المؤمنين القتال} قال: بالجنود من عنده، والريح التي بعث عليهم {وكان الله قوياً} في أمره {عزيزاً} في نقمته. وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال:"حديث : لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكرب، وحتى قال النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم أنك إن تشأ لا تعبد" فبينما هم على ذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان جميعاً، فخذل بين الناس، فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال. فذلك قوله {وكفى الله المؤمنين القتال} . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: لما كان يوم الأحزاب ردهم الله {بغيظهم لم ينالوا خيراً} فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من يحمي أعراض المسلمين؟ قال كعب رضي الله عنه: أنا يا رسول الله. قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: أنا يا رسول الله. فقال: إنك تحسن الشعر. فقال حسان: أنا يا رسول الله فقال: نعم. اهجهم أنت، فإنه سيعينك عليهم روح القدس ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ هذا الحرف {وكفى الله المؤمنين القتال} بعلي بن أبي طالب.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}. لم يُشمت بالمسلمين عَدُوًّا، ولم يُوصِّلْ إليهم مَنْ كيدهم سواءاً، ووضع كيدهم في نحورهم، واجتثَّهم من أصولهم، وبيِّن بذلك جواهر صِدْقهم وغير صدقهم، وشكَر مَنْ استوجب شكره مِنْ جملتهم، وفضحَ مَنْ استحقّ الذمّ من المدلسِّين منهم. {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}. إنّ الحقَّ - سبحانه - إذا أجمل أكمل، وإذا شفى كفى، وإذا وفى أوفى. فأظفر المسلمين عليهم، وأورثهم معاقلَهم، وأذلّ مُتعزِّزَهم، وكفاهم بكلِّ وجهٍ أمرهم، ومكَّنهم من قَتْلِهم وأسرِهم ونهْبِ أَموالهم، وسَبى ذراريهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ورد الله الذين كفروا} يعنى الاحزاب وهو رجوع الى حكاية بقية القصة اى وقع ما وقع من الحوادث ورد الله الذين كفروا حال كونهم ملتبسين {بغيظهم} وحسرتهم: يعنى [خشمناك برفتند] والغيظ اشد الغضب وهو الحرارة التى يجدها الانسان من ثوران دم قلبه {لم ينالوا خيرا} حال بعد حال اى حال كونهم لم يصيبوا ما ارادوا من الغلبة وسماها خيرا لان ذلك كان عندهم خيرا فجاء على استعمالهم وزعمهم {وكفى الله المؤمنين القتال} بما ذكر من ارسال الريح الشديدة والملائكة شعر : باد صبا ببست ميان نصرت ترا ديدى جراغ راكه كند باد يا ورى تفسير : {وكان الله قويا} على احداث كل ما يريده {عزيزا} غالبا على كل شئ ثم اخبر بالكفاية الاخرى فقال
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وَرَدَّ اللهُ الذين كفروا} أي: الأحزاب {بغَيْظِهم}؛ ملتبسين بغيظهم، فهو حال كقوله: {أية : تَنبُتُ بِالدُّهنِ}تفسير : [المؤمنون: 20] أي: ردهم غائظين {لم ينالوا خيراً}؛ ظفراً، أي: لم يظفروا بالمسلمين. وسمّاه "خيراً" بزعمهم، وهو أيضاً حال، أي: غير ظافرين، {وكفى اللهُ المؤمنين القتال} بالريح، والملائكة، {وكان اللهُ قوياً عزيزاً}؛ قادراً غالباً، فقهرهم بقدرته وغلبهم بقهريته. {وأنزل الذين ظاهروهم}: عاونوا الأحزاب وجاؤوا بهم {من أهلِ الكتاب}، يعني بني قريظة، أنزلهم {من صَياصِيهم}؛ من حصونهم. والصيصة: ما يتحصّن به. قال الهروي: وكل ما يتحصّن به فهو صيصة، ويقال لقرون البقر والظبي: صَيَاصي؛ لأنها تتحصن بها، وفي وصف أصحاب الدجال: "شواربهم كالصياصي"، لطولها، وفتلها، فصارت كالقرون. هـ. رُوي أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب، ورجع المسلمون إلى المدينة - على فَرَسه الحيزوم، والغُبار على وجه الفَرَس والسَّرْج، فقال: ما هذا جبريلُ؟ فقال: من مُتَابعةِ قُريش. ثم قال: إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، وأنا عائدٌ إليهم، فإن الله داقهُمْ دَقَّ البيض على الصَّفا، وهم لكم طُعْمةٌ. وفي رواية: لَمَّا رجع - عليه الصلاة والسلام - ودخل مغتسله، جاءه جبريل بعمامة من استبرق، على بغلة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: قد وضعتَ السِّلاح، والله ما وضعت الملائكةُ السلاحَ، وما رجعت إلا من طلب القوم، وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة. فأذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس: أنَّ من كان سَامِعاً مُطيعاً فلا يُصلَّين العَصْرَ إلا في بني قُريظة. فخرج إليهم، فحاصرهُم خمساً وعشرين ليلةٌ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تنزلُون على حُكْمي؟ فأبَوْا، فقال: تنزلون على حكم سَعد بن مُعاذِ؟ فرضوا به. فقال سعد: نحكم فيهمْ: أن تُقتل مقاتِلتَهُم، وتُسبى ذَرارِيهمْ ونساؤُهُم. فكبَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : لقد حكم فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة ". تفسير : ثم استنْزلهم، وخَنْدَق في سوق المدينة خندقاً، وقدَّمَهُم، فضرب أعناقَهُم. وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة. وقيل: كانوا ستمائة مقاتل، وسبعمائة أسير، فقتل المقاتلة، وقسم الأسارى، وهم الذراري والنساء. وكان عليّ والزبير رضي الله عنهما يضربان أعناق بني قريظة. والنبي صلى الله عليه وسلم جالس هناك. والقصة مطولة في كتب السير. {وقذَفَ في قلوبهم الرعبَ} الخوف. وفيه السكون والضم، {فريقاً تقتلون} وهم الرجال {وتأسرون فريقاً} وهم النساء والذراري. قالت عائشة رضي الله عنها: لم يقتل صلى الله عليه وسلم من نساء بني قريظة امرأة إلا واحدة، قتلها بخلاد بن سويد، كانت شدخت رأسه بِحجَر من فوق الحصن. {وأورثكم أرضَهم وديارَهم وأموالهم} كالمواشي والنقود والأمتعة. رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، وقال لهم: "حديث : إنكم في منازلكم"تفسير : . {و} أورثكم {أرضاً لم تطؤوها} بعدُ، قيل: خيبر، ولم يكونوا نالوها، أو: مكة، أو: فارس والروم، أو: كل أرض لم تُفتح إلى يوم القيامة، فمكّنهم الله من ذلك كله، وفتح عليهم مشارق الأرض ومغاربها. {وكان الله على كل شيءٍ قديراً} فيقدر على جميع ذلك. الإشارة: هذه عادة الله مع خواصه، أن يُخوفهم ثم يُؤمنهم، ويذلهم ثم يعزهم، ويفقرهم ثم يغنيهم، ويجعل دائرة السوء على مَن ناوأهم، ويكفيهم أمرهم من غير محاربة ولا قتال، {وكفى الله المؤمنين القتال...} الآية. ثم يكون لهم التصرف في الوجود بأسره، أمرهم بأمر الله، وحكمهم بحكمه، والله غالب على أمره. ولَمَّا نصر الله رسولَه، وفرّق الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنضير، ظنّ أزواجه أنه اختص بنفائس أموال اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله؛ بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإماء والخول ونحن على ما تراه من الفاقه والضيق، وآلمن قلبه - عليه الصلاة والسلام - لمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن به بما يعامل به الملوكُ والأكابرُ أزواجَهم. فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ...}
الجنابذي
تفسير : {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} حال عن واحدة من الجمل السّابقة المناسبة له او عطف على قوله قالوا هذا ما وعدنا الله او على قالت الاعراب او على يقول او على ابتلى المؤمنون او على زلزلوا او على زاغت الابصار او جاؤكم او جاءتكم يعنى اذكروا نعمة الله اذ ردّ الله الّذين يعنى الاحزاب {بِغَيْظِهِمْ} حقدهم {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} منكم من ظفرٍ وغنيمةٍ {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} بارسال الرّيح والملائكة عليهم، وفى اخبارٍ كثيرةٍ انّ المعنى كفى الله المؤمنين القتال بعلىّ بن ابى طالب (ع) يعنى فى تلك الغزوة او مطلقاً فانّه دخل على الكفّار وهنٌ بقتل عمرو بن عبد ودٍّ وتقوّى المؤمنون ولم يبق لهم حاجة الى القتال بحيث يقتل المؤمنون فى القتال ولذلك ورد: ضربة علىٍّ يوم الخندق افضل من عبادة الثّقلين {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً} لا يمكن لاحدٍ مدافعته وممانعته عن مراده {عَزِيزاً} غالباً كلّ غالبٍ.
الهواري
تفسير : قال: {وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً} أي: لم ينالوا من المسلمين غنيمة ولا ظفراً؛ وظفرهم بالمسلمين عندهم - لو ظفروا - خيرٌ {وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ القِتَالَ} أي: بالريح والجنود التي أرسلها الله عليهم {وَكانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}. قال: {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} أي: عاونوهم {مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ} يعني قريظة والنضير {مِن صَيَاصِيهِمْ} أي: من حصونهم {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حصر قريظة نزل عليه: انزلوا على حكم سعد بن معاذ في قول بعضهم. ذكروا عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبيه حديث : أن سعداً لم يحكم فيهم، ولكن النبي عليه السلام أرسل إليه فجاء على حمار، فقال: أشر عليّ فيهم. فقال: قد علمت أن الله أمرك فيهم بأمر فأنت فاعل ما أمرك به، فقال: أشر عليّ فيهم. فقال: لو وليت أمرهم لقتلت مقاتلتهم ولسبيت ذراريهم ونساءهم ولقسمت أموالهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لقد أشرت عليّ فيهم بالذي أمرني الله به . تفسير : ذكروا عن عطية العوفي قال: كنت فيمن عرض على النبي عليه السلام يوم قريظة، فمن نبتت عانته قتل، ومن لم تنبت عانته ترك. فنظروا إليَّ فإذا عانتي لم تنبت فتركت. وأما النضير فإنه لما حصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نخلهم، فرأوا أنه قد ذهب بعيشهم صالحوه على أن يجليهم إلى الشام. ذكروا عن نافع عن ابن عمر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّق نخل بني النضير [وهي البويرة] وترك العجوةتفسير : ، وهي التي قال فيها الشاعر: شعر : وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير تفسير : وذكروا عن عكرمة أنه قال: ما دون العجوة فهو لينة. قال: {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} أي: خيبر. ذكروا عن أنس بن مالك قال: حديث : كنت رديفَ أبي طلحة يوم فتحنا خيبر؛ وإن ساقي لتصيب ساق النبي عليه السلام، وفخذي فخذَه. فلما أشرفنا عليها قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين . تفسير : فأخذناها عنوة. ذكروا عن أنس بن مالك قال: حديث : صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة صبّحنا خيبر، فقرأ بنا أقصر سورتين في القرآن، ثم ركب. فلما أشرفنا عليها قالت اليهود: محمد والله والخميس. قال: والخميس: الجيش. فأخذناها عنوةتفسير : . قال: {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}.
اطفيش
تفسير : {ورد الله الذين كفروا بغيظهم} متعلق بمحذوف حال من الذين اي ثابتين بغيظهم والباء بمعنى مع وهم الأحزاب فانهم رجعوا بالغيظ ما جاءوا به من غيظ اذ تعبوا ما تعبوا ولم ينالوا ما يحبون من رسول الله والمؤمنين من قتل واسر كما قال الله: {لم ينالوا خيرا} ظفراً والجملة حال ثانية او حال من ضمير الاستقرار في الحال الاولى او بيان لمعنى الاول او استئناف. {وكفى الله المؤمنين القتال} بأن هزم الأحزاب بالملائكة والريح. {وكان الله قوياً عزيزا} لا يضعفه شيء عما أراد ايجاده ولا يغلبه شيء على امره.
اطفيش
تفسير : {وردَّ الله الَّذين كفَروا} عن المدينة الى بلادهم، العطف على ارسلنا اى فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها، ورد الله الذين كفروا، او معطوف على قضى المقدر الذى تعلق ليجزى {بغيظهم} حال من الذين، اى ثابتين مع غيظهم، او يقدر كون خاص، اى متلبسين بغيظهم {لَمْ ينالُوا خيراً} الجملة حال ثانية من الذين او من ضمير الاستقرار فى بغيظهم، اذا قدر بالكون العام، والمعنى لم ينالوا شيئا يحسبونه خيرا من مال، كما قال تعالى: "أية : وإنه لحب الخير لشديد" تفسير : [العاديات: 8]. ومن قتل النبى او كثير من الصحابة فانهم قتلوا ستة فقط: سعد بن معاذ الا انه تحمل الرمية ومات بها بعد مدة رضى الله عنه، وانس بن اويس بن عتيك، وعبدالله بن سهل، وهم من بنى عبدالاسهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عثمة، وهما من بنى جشم بن الخرزج من بنى سلمة، وكعب بن زيد من بنى النجار، الا انهم ردهم الله غير عالمين بموت هؤلاء، فلم يلتذوا بموتهم حين ردهم الله، بل ذهبوا مغتمين بمن قتل منهم، وهم اربعة: عمرو بن عبدود، وهم يعدونه بألف قتله على فى الخندق، فهذه الف، وهو من بنى مالك بن حسل من بنى عامر بن لؤى، ونوفل بن عبدالله بن المغيرة، فى الخندق، وهو من بنى مخزوم بن يقظة، ومنبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبدالدار، اصابه سهم غرب، اى لا يدرى من رماه الا انه تحمل به الى مكة ومات فيها، وهو من بنى عبدالدار بن قصى، وحسل وهو ابن عمرو المذكور آنفا. {وكَفَى الله} بالريح والجنود، وقيل: بقتل عمرو بن عبد ود، والصحيح الاول، فانهم ذهبوا بهما لا بقتله {المُؤمنين القِتَال} كفى يتعدى لاثنين كما فى الآية، وفى قوله تعالى: "أية : فسيكفيكهم الله" تفسير : [البقرة: 137] والمراد كفاهم القتال الشديد بالتلاقى بالسيوف والرماح والسهام والخناجر، وهو القتال الذى يقتضيه تحزبهم، او المراد ردهم الله، وقطع القتال بعد، فان قريشا لم تغرهم بعد ذلك {وكانَ الله قَوياً} على كل ما اراد {عزيزاً} على كل شئ.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَرَدَّ ٱللَّهُ } الخ رجوع إلى حكاية بقية القصة وتفصيل لتتمة النعمة المشار إليها إجمالاً بقوله تعالى: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} تفسير : [الأحزاب: 9] وهو معطوف على {أَرْسَلْنَا } وقد وسط بينهما بيان كون ما نزل بهم واقعة طامة تحيرت بها العقول والأفهام وداهية تحاكت فيها الركب وزلت الأقدام، وتفصيل ما صدر عن فريقي أهل الإيمان وأهل الكفر والنفاق من الأحوال والأقوال لإظهار عظم النعمة وإبانة خطرها الجليل ببيان وصولها إليهم عند غاية احتياجهم إليها أي فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ورددنا بذلك {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة، وجوز شيخ الإسلام - ولعل صنيعه يشير إلى أولويته حيث بدأ به - كونه معطوفاً على المقدر قبل: {أية : لّيَجْزِىَ ٱللَّهُ }تفسير : [الأحزاب: 24] كأنه قيل إثر حكاية الأمور المذكورة وقع ما وقع من الحوادث ورد الله الذين كفروا وقيل هو معطوف من حيث المعنى على قوله تعالى: {لِيَجْزِىَ } كأنه قيل فكان عاقبة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه أن جزاهم الله تعالى بصدقهم ورد أعدائهم وهذا الرد من جملة جزائهم على صدقهم وهو كما ترى، والمراد بالذين كفروا الأحزاب على ما روي غير واحد عن مجاهد، والظاهر أنه عنى المشركين واليهود الذين تحزبوا. وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أنه فسر ذلك بأبـي سفيان وأصحابه، ولعله الأولى، وعلى القولين المراد رد الله الذين كفروا من نحل اجتماعهم حول المدينة وتحزبهم إلى مساكنهم {بِغَيْظِهِمْ } حال من الموصول لا من ضمير {كَفَرُواْ } والباء للملابسة أي ملتبسين بغيظهم وهو أشد الغضب، وقوله تعالى: {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً } حال من ذاك أيضاً أو من ضمير {بِغَيْظِهِمْ } أي غير ظافرين بخير أصلاً، وفسر بعضهم الخير بالظفر بالنبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وإطلاق الخير عليه مبني على زعمهم، وفسره بعضهم بالمال كما في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }تفسير : [العاديات: 8] والأولى أن يراد به كل خير عندهم فالنكرة في سياق النفي تعم، وجوز أن تكون الجملة مستأنفة لبيان سبب غيظهم أو بدلاً. {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } أي وقاهم سبحانه ذلك، و {كَفَىٰ } هذه تتعدى لاثنين، وقيل: هي بمعنى أغنى وتتعدى إلى مفعول واحد. والكلام هنا على الحذف والإيصال والأصل وكفى الله المؤمنين عن القتال أي أغناهم سبحانه عنه ولا وجه له / وهذه الكفاية كانت كما أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة بالريح والملائكة عليهم السلام، وقيل: بقتل على كرم الله تعالى وجهه عمرو بن عبد ود. وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقرأ هذا الحرف (وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب) وفي «مجمع البيان» هو المروي عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه ولا يكاد يصح ذلك، والظاهر ما روي عن قتادة لمكان قوله تعالى: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا }تفسير : [الأحزاب: 9] وكأن المراد بالقتال الذي كفاهم الله تعالى إياهم القتال على الوجه المعروف من تعبية الصفوف والرمي بالسهام والمقارعة بالسيوف أو القتال الذي يقتضيه ذلك التحزب والاجتماع بحكم العادة. وفي «البحر» ما هو ظاهر في أن المراد: كفى الله المؤمنين مداومة القتال وعودته فإن قريشاً هزموا بقوة الله تعالى وعزته عز وجل وما غزوا المسلمين بعد ذلك وإلا فقد وقع قتال في الجملة وقتل من المشركين على ما روي عن ابن إسحاق ثلاثة نفر من بني عبد الدار بن قصي منبه بن عثمان بن عبيد ابن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة، ومن بني مخزوم بن يقظة نوفل بن عبد الله بن المغيرة اقتحم الخندق فتورط فيه فقتل، ومن بني عامر بن لؤي ثم من بني مالك بن حسل عمرو بن عبد ود نازله علي كرم الله تعالى وجهه كما علمت فقتله. وروي عن ابن شهاب أنه رضي الله تعالى عنه قتل يومئذ ابنه حسل أيضاً فيكون من قتل من المشركين أربعة واستشهد من المؤمنين بسبب هذه الغزوة سعد بن معاذ وأنس بن أويس بن عتيك وعبد الله بن سهل وهم من بني عبد الأشهل والطفيل بن النعمان وثعلبة بن عثمة وهما من بني جشم بن الخزرج من بني سلمة وكعب بن زيد وهو من بني النجار ثم من بني دينار أصابه سهم غرب فقتله، قال ابن إسحاق: ولم يستشهد إلا هؤلاء الستة رضي الله تعالى عنهم. {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً } على إحداث كل ما يريد جل شأنه {عَزِيزاً} غالباً على كل شيء.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : فأرسلنا عليهم ريحاً}تفسير : [الأحزاب: 9] وهو الأنسب بسياق الآيات بعدها، أي أرسل الله عليهم ريحاً وردّهم، أو حال من ضمير {أية : يحسبون الأحزاب لم يذهبوا}تفسير : [الأحزاب: 20]، أي: يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وقد رد الله الأحزاب فذهبوا. والرد: الإرجاع إلى المكان الذي صُدر منه فإنَّ ردهم إلى ديارهم من تمام النعمة على المسلمين بعد نعمة إرسال الريح عليهم لأن رجوعهم أعمل في اطمئنان المسلمين. وعُبر عن الأحزاب بالذين كفروا للإيماء إلى أن كفرهم هو سبب خيبتهم العجيبة الشأن. والباء في {بغيظهم} للملابسة، وهو ظرف مستقرّ في موضع الحال، أي: ردهم مُغِيظين. وإظهار اسم الجلالة دون ضمير المتكلم للتنبيه على عظم شأن هذا الرد العجيب كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ليجزي الله الصادقين بصدقهم}تفسير : [الأحزاب: 24]. والغيظ: الحَنق والغضب، وكان غضبهم عظيماً يناسب حال خيبتهم لأنهم تجشموا كلفة التجمّع والإنفاق وطولِ المكث حول المدينة بلا طائل وخابت آمالهم في فتح المدينة وأكل ثمارها وإفناء المسلمين، وهم يحسبون أنها منازلة أيام قليلة، ثم غاظهم ما لحقهم من النكبة بالريح والانهزام الذي لم يعرفوا سببه. وجملة {لم ينالوا خيراً} حال ثانية. ولك أن تجعل جملة {لم ينالوا خيراً} استئنافاً بيانياً لبيان موجب غيظهم. و{كفى} بمعنى أغنى، أي: أراحهم من كلفة القتال بأن صرف الأحزاب. و{كفى} بهذا المعنى تتعدى إلى مفعولين يقال: كفيتُك مُهمك وليست هي التي تزاد الباء في مفعولها فتلك بمعنى: حسب. وفي قوله {وكفى الله المؤمنين القتال} حذف مضاف، أي كلفة القتال، أو أرزاء القتال، فإن المؤمنين كانوا يومئذ بحاجة إلى توفير عددهم وعُددهم بعد مصيبة يوم أُحُد ولو التقوا مع جيش المشركين لكانت أرزاؤهم كثيرة ولو انتصروا على المشركين. والقول في إظهار اسم الجلالة في قوله {وكفى الله المؤمنين القتال} كالقول في {وردّ اللَّه الذين كفروا بغيظهم}. وجملة {وكان الله قوياً عزيزاً} تذييل لجملة {وردّ الله الذين كفروا} إلى آخرها. والقوة: القدرة، وقد تقدمت في قوله {أية : لو أنّ لي بكم قوة} تفسير : في سورة [هود: 80]. والعزة: العظمة والمنعة، وتقدمت في قوله تعالى: {أية : أخذته العزّة بالإثم} تفسير : في سورة [البقرة: 206]. وذكر فعل {كان} للدلالة على أن العزة والقوة وصفان ثابتان لله تعالى، ومن تعلُّقات قوتِه وعزته أن صرف ذلك الجيش العظيم خائبين مفتضحين وألقى بينه وبين أحلافه من قريظة الشك، وأرسل عليهم الريح والقرّ، وهدَى نُعيماً بن مسعود الغطفاني إلى الإسلام دون أن يشعر قومه فاستطاع النصح للمسلمين بالكَيد للمشركين. ذلك كله معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه رد الذين كفورا بغيظهم، لم ينالوا خيراً، وأنه كفى المؤمنين القتال، وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ولم يبين هنا السبب الذي رد به الذين كفروا وكفى به المؤمنين القتال، ولكنه جل وعلا، بين ذلك بقوله: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} تفسير : [الأحزاب: 9] أي وبسبب تلك الريح، وتلك الجنود ردهم بغيظهم وكفاكم القتال كما هو ظاهر.
د. أسعد حومد
تفسير : (25) - وَرَدَّ اللهُ المُشْرِكينَ، مِنْ قَرَيْشٍ وَغَطْفَانَ وَأسَدٍ وَسُلَيْمٍ، بِغَيْظِهِمْ لِفْوتِ مَا أَمَلُوهُ مِنَ الظَّفَرِ بِمُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ، وَالفَوْزِ بِالغَنائِم، وَلَمْ يَحْتَجِ المُؤْمِنُونَ إِلى مُنَازَلَتِهِمْ لإِجْبَارِهِمْ عَلَى الانْسِحَابِ، وَإِنَّما سَلَّطَ اللهُ عَلَيهِمْ رِيحاً، وَأْرْسَلَ عَلَيهِمْ مَلائِكَتَهُ يُلْقُونَ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَانْسَحَبُوا مَخْذُولِينَ مَفْلُولِينَ فَكَفَى اللهُ المُؤْمِنينَ شَرَّ القِتَالِ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ. وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً، لاَ يُغْلَبُ وَلاَ يُضَامُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الغيظ: احتدام حقد القلب على مقابل منافس، والمعنى: أن الله تعالى ردَّ الكافرين والغيظ يملأ قلوبهم؛ لأنهم جاءوا وانصرفوا دون أنْ ينالوا من المسلمين شيئاً {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ..} [الأحزاب: 25] ليس الخير المطلق، إنما لم ينالوا الخير في نظرهم، وما يبتغونه من النصر على المسلمين، فهو خير لهم وإنْ كان شراً يُراد بالإسلام. وقد رد الله الكافرين إلى غير رَجْعة، ولن يفكروا بعدها في الهجوم على الإسلام؛ لذلك قال سيدنا رسول الله بعد انصرافهم خائبين: "لا يغزونا أبداً، بل نغزوهم نحن" وفعلاً كان بعدها فتح مكة. وقوله تعالى: {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ..} [الأحزاب: 25] أي: أن ردَّ الكافرين لم يكُنْ بسبب قوتكم وقتالكم، إنما تولَّى الله ردَّهم وكفاكم القتال، صحيح كانت هناك مناوشات لم تصل إلى حجم المعركة، ولو حدثت معركة بالفعل لكانت في غير صالح المؤمنين؛ لأنهم كانوا ثلاثة آلاف، في حين كان المشركون عشرة آلاف. إذن: كانت رحمة الله بالمؤمنين هي السبب الأساسي في النصر؛ لذلك ذُيلت الآية بقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} [الأحزاب: 25] قوياً ينصركم دون قتال منكم، وعزيزاً: أي يغلب ولا يُغلب. هذا ما كان من أمر قريش وحلفائها، أما بنو قريظة فيقول الله فيهم: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من كمال لطف الله على المؤمنين، ووفور رحمته وإحسانه عليهم {رَدَّ ٱللَّهُ} عنهم كيد أعدائهم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: الأحزاب المزدحمين حواليهم، المتفقين على مقتهم {بِغَيْظِهِمْ} أي: مع كمال غيظهم في مقت المؤمنين، ووفور تهورهم وجرأتهم عليك؛ لذلك طردهم سبحانه خائبين خاسرين، بحيث {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} مما أملوا في نفوسهم من الظفر على المؤمنين واستئصالهم {وَ} من كمال رأفته سبحانه عل المؤمنين: {كَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ} أي: مؤنة قتال الأحزاب بريح الصبا وجنود الملائكة، بحيث لم يقدم أحد من المؤمنين لقتالهم فانهزموا إلى حيث لم يلتفت أحد منهم خلفه، ولم يعاون أخاه {وَ} ليس ببدع من الله أمثال هذه الكرامات لأنبيائه وأوليائه؛ إذ {كَانَ ٱللَّهُ} المراقب لأحوال عباده {قَوِيّاً} قديراً في نفسه يقوي أولياءه {عَزِيزاً} [الأحزاب: 25] غالباً ينصرهم ويغلبهم على أعدائهم فضلاً لهم وكرامةً عليهم. {وَ} بعدما كفى الله المؤمنين مؤنة الأحزاب أراد أن يكفيهم مؤنة معاوينهم؛ لذلك {أَنزَلَ} سبحانه {ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} وعاونوهم؛ أي: الأحزاب {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} يعني: يهود قريظة والنضير {مِن صَيَاصِيهِمْ} أي: حصونهم وقلاعهم، جميع صيصية، وهي ما يُتحصن به من الجبل وغيره، وذلك أنه بعدما انهم الأحزاب، ورجعوا خائبين خاسرين إلى بلادهم، ورجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مع أصحابه، وشرع يغسل رأسه، والأصحاب قد انتزعوا عن أسلحتهم، فجاءه جبريل معتجراً بعمامة من إستبرق، والنقع على ثناياه وعلى فرسه الذي اسمه حيزوم، وقال: وضعتم السلاح، إن الملائكة لم تضع أسلحتها منذ أربعين ليلة، إن الله يأمرك بالمسير إلى قريظة، وإني مزلزل حصونها، وكان صلى الله عليه وسلم قد غسل نصف رأسه فعصبه وأذن بالرحيل، فقال: "حديث : من كان سامعاً ومطيعاً فلا يصلين العصر إلى في بني قريظة ". تفسير : وأعطى رايته علياً - كرم الله وجهه - فسار بالناس حتى دنا من الحصن فحاصرهم عليه السلام إحدى و عشرين، أو خمساً وعشرين ليلة، وأجهدهم الحصار وضعفوا {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} أي: الخوف مع كونهم متحصنين، فأرسل عليه السلام فقال لهم: أتنزلون بحكمي فأبوا، فقال: على حكم سعد بن معاذ، فرضوا بحكمه فنزلوا، فحكم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم، فكبَّر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : لقد حكمت بحكم الله يا سعد من فوق سبعة أرقعة"تفسير : فقتل منهم ستمائة وأكثر، وأسر منهم سبعمائة، كما قال سبحانه {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} [الأحزاب: 26]. {وَ} بعدما استأصلوا بالأسر والقتل {أَوْرَثَكُمْ} الله سبحانه إليكم أيها المؤمنون {أَرْضَهُمْ} أي: مزارعهم {وَدِيَارَهُمْ} التي تسكنون فيها مع ما فيه من الأمتعة والرخوة {وَأَمْوَالَهُمْ} أي: مواشيهم ونقودهم وتجارتهم تفضلاً عليكم، وامتناناً {وَ} كذا تفضل سبحانه عليكم، وأورثكم {أَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} أي: لم تتحركوا عليها، بل لم تبصروها ولم تسيروا إليها أصلاً، وهي خيبر أو مكة، أو فارس أو الروم، أو كل أرض يفتح الله إلى يوم القيامة {وَ} لا تتعجبوا من كمال فضل الله وسعة جوده أمثال هذه الكرامات؛ إذ {كَانَ ٱللَّهُ} المتفرد بالقدرة الكاملة، والقوة التامة الشاملة {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من مقدوراته ومراداته {قَدِيراً} [الأحزاب: 27] لا يعسر عنده مقدور دون مقدور، بل الكل في جنب قدرته على السواء، {أية : فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}تفسير : [الملك: 3] في مقدور حكيم قدير {أية : ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ}تفسير : [الملك: 4].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):