٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : أي عاونوهم من أهل الكتاب وهم بنو قريظة من صياصيهم من قلاعهم وقذف في قلوبهم الرعب حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونسائهم للسبـي فريقاً تقتلون وهم الرجال، وتأسرون فريقاً وهم الصبيان والنسوان، فإن قيل هل في تقديم المفعول حيث قال {فريقاً تقتلون} وتأخيره حيث قال: {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } فائدة؟ قلت قد أجبنا أن ما من شيء من القرآن إلا وله فوائد منها ما يظهر ومنها ما لا يظهر، والذي يظهر من هذا والله أعلم أن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأعرف فالأعرف والأقرب فالأقرب، والرجال كانوا مشهورين فكان القتل وارداً عليهم والأسرى كانوا هم النساء والصغار ولم يكونوا مشهورين والسبـي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلين ما هو أشهر على الفعل القائم به وما هو أشهر من الفعلين قدمه على المحل الأخفى، وإن شئنا نقول بعبارة توافق المسائل النحوية فنقول قوله: {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ } فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل، أما أنها جملة فعلية فلأنها لو كانت إسمية لكان الواجب في فريق الرفع وكان يقول فريق منهم تقتلونهم فلما نصب كان ذلك بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره تقتلون فريقاً تقتلون والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قذف في قلوبهم الرعب فلو قال تقتلون إلى أن يسمع السامع مفعول تقتلون يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته فلا يعلم أنهم هم المقتولون، فأما إذا قال فريقاً مع سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعه يستمع إلى تمام الكلام وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل فعدم تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذا عرف حالهم وما يجىء بعده يكون مصروفاً إليهم، ولو قال بعد ذلك وفريقاً تأسرون فمن سمع فريقاً ربما يظن أن يقال فيهم يطلقون، أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى، وكذلك الكلام في قوله: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم } وقوله: {وَقَذَفَ } فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبب الإنزال، ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر، قدم الإنزال على قذف الرعب، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} يعني الذين عاونوا الأحزاب: قريشاً وغَطَفان؛ وهم بنو قُريظة. وقد مضى خبرهم. {مِن صَيَاصِيهِمْ} أي حصونهم؛ واحدها صِيصَة. قال الشاعر:شعر : فأصبحت الثِّيران صَرْعَى وأصبحتْ نساء تميم يبتدِرْن الصياصِيا تفسير : ومنه قيل لشوكة الحائك التي بها يُسوّى السَّداة واللُّحْمة: صِيصة. قال دريدُ بن الصِّمَّة:شعر : فجئتُ إليه والرماحُ تَنُوشُه كوقع الصَّياصِي في النسيج الممدّد تفسير : ومنه: صيصَة الديك التي في رجله. وصَياصِي البقر قرونها؛ لأنها تمتنع بها. وربما كانت تركّب في الرماح مكان الأسنة؛ ويقال: جَذّ اللَّهُ صِئْصِئه؛ أي أصله. {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} وهم الرجال. {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} وهم النساء والذّرّية؛ على ما تقدّم. {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} بعدُ. قال يزيد بن رُومان وابن زيد ومقاتل: يعني حُنَين؛ ولم يكونوا نالوها، فوعدهم الله إياها. وقال قتادة: كنا نتحدّث أنها مكة. وقال الحسن: هي فارس والرّوم. وقال عِكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} فيه وجهان: أحدهما: على ما أراد بعباده من نقمة أو عفوٍ قديرٌ؛ قاله محمد بن إسحاق. الثاني: على ما أراد أن يفتحه من الحصون والقُرَى قدير؛ قاله النقاش. وقيل: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} مما وَعَدَكُمُوه {قَدِيراً } لا تردّ قدرته ولا يجوز عليه العجز تعالى. ويقال: تأسِرون وتأسُرون (بكسر السين وضمها) حكاه الفراء.
ابن كثير
تفسير : قد تقدم أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب، ونزلوا على المدينة، نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد، وكان ذلك بسفارة حيي بن أخطب النضري لعنه الله، دخل حصنهم، ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحك قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون ههنا حتى يستأصلوا محمداً وأصحابه، فقال له كعب: بل والله أتيتني بذل الدهر، ويحك ياحيي إنك مشؤوم، فدعنا منك، فلم يزل يفتل في الذروة والغارب حتى أجابه، واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب، ولم يكن من أمرهم شيء، أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم، فلما نقضت قريظة، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ساءه، وشق عليه وعلى المسلمين جداً، فلما أيده الله تعالى ونصره، وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مؤيداً منصوراً، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من وعثاء تلك المرابطة في بيت أم سلمة رضي الله عنها، إذ تبدى له جبريل عليه الصلاة والسلام معتجراً بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوضعت السلاح يارسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم» تفسير : قال: لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم، ثم قال: إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة، وفي رواية: فقال له: عذيرك من مقاتل، أوضعتم السلاح؟ قال: «حديث : نعم» تفسير : قال: لكنا لم نضع أسلحتنا بعد، انهض إلى هؤلاء، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : أين؟» تفسير : قال: بني قريظة؛ فإن الله تعالى أمرني أن أزلزل عليهم، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» تفسير : فسار الناس، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا: لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيل المسير، وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة، فلم يعنف واحداً من الفريقين، وتبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم نازلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما طال عليه الحال، نزلوا على حكم سعد ين معاذ سيد الأوس رضي الله عنه؛ لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، كما فعل عبد الله ابن أبي ابن سلول في مواليه بني قينقاع، حين استطلقهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فظن هؤلاء أن سعداً سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك، ولم يعلموا أن سعداً رضي الله عنه كان قد أصابه سهم في أكحله أيام الخندق، فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله، وأنزله في قبة المسجد ليعوده من قريب، وقال سعد رضي الله عنه فيما دعا به: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً، فأبقني لها، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستجاب الله تعالى دعاءه، وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلباً من تلقاء أنفسهم، فعند ذلك استدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ليحكم فيهم، فلما أقبل، وهو راكب على حمار قد وطَّؤوا له عليه، جعل الأوس يلوذون به ويقولون: ياسعد إنهم مواليك، فأحسن فيهم، ويرققونه عليهم ويعطفونه، وهو ساكت لا يرد عليهم، فلما أكثروا عليه قال رضي الله عنه: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقيهم، فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قوموا إلى سيدكم» تفسير : فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظاماً وإكراماً واحتراماً له في محل ولايته؛ ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : إن هؤلاء ــــ وأشار إليهم ــــ قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت»تفسير : فقال رضي الله عنه: وحكمي نافذ عليهم؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم»تفسير : . قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : . قال: وعلى من ههنا؟ وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله، وهو معرض بوجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً وإكراماً وإعظاماً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم»تفسير : . فقال رضي الله عنه: إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم وأموالهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة»تفسير : ، وفي رواية: «حديث : لقد حكمت بحكم الملك»تفسير : ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأخاديد فخدت في الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم، وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبى من لم ينبت منهم مع النساء، وأموالهم، وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب "السيرة" الذي أفردناه موجزاً وبسيطاً، ولله الحمد والمنة. ولهذا قال تعالى: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم} أي: عاونوا الأحزاب، وساعدوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} يعني: بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل، كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديماً؛ طمعاً في اتباع النبي الأمي الذين يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، {أية : فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89] فعليهم لعنة الله. وقوله تعالى: {مِن صَيَاصِيهِمْ} يعني: حصونهم، كذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم من السلف، ومنه سمي صياصي البقر، وهي قرونها؛ لأنها أعلى شيء فيها، {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} وهو الخوف، لأنهم كانوا مالؤوا المشركين على حرب النبي صلى الله عليه وسلم وليس من يعلم كمن لا يعلم، فأخافوا المسلمين، وراموا قتالهم ليعزوا في الدنيا، فانعكس عليهم الحال، وانقلبت إليهم القال، انشمر المشركون، ففازوا بصفقة المغبون، فكما راموا العز، ذلوا، وأرادوا استئصال المسلمين، فاستؤصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة، فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة، ولهذا قال تعالى: {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} فالذين قتلوا هم المقاتلة، والأسراء هم الأصاغر والنساء. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم بن بشير، أخبرنا عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، فشكوا في، فأمر بي النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظروا: هل أنبت بعد؟ فنظروني، فلم يجدوني أنبت، فخلي عني، وألحقني بالسبي، وكذا رواه أهل السنن كلهم من طرق عن عبد الملك بن عمير به. وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه النسائي أيضاً من حديث ابن جريج عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عطية بنحوه. وقوله تعالى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَـٰرَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ} أي: جعلها لكم من قتلكم لهم، {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} قيل: خيبر، وقيل: مكة، رواه مالك عن زيد بن أسلم، وقيل: فارس والروم، وقال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مراداً، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً}. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت يوم الخندق أقفو الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ رضي الله عنه، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة، قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد رضي الله عنه، وعليه درع من حديد قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد رضي الله عنه من أعظم الناس وأطولهم، فمر وهو يرتجز ويقول:شعر : لَبِّثْ قَليلاً يَشْهَدِ الهَيْجا حَمَلْ ما أَحْسَنَ المَوْتَ إذا حانَ الأَجَلْ تفسير : قالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيهم رجل عليه تسبغة له، تعني: المغفر، فقال عمر رضي الله عنه: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذ، فدخلت فيها، فرفع الرجل التسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، فقال: ياعمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله تعالى؟ قالت: ورمى سعداً رضي الله عنه رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له، وقال له: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله، فقطعه، فدعا الله تعالى سعد رضي الله عنه فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقأ كَلْمه، وبعث الله تعالى الريح على المشركين {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد رضي الله عنه في المسجد، قالت: فجاءه جبريل عليه السلام، وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أوقد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، قالت: فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فمر على بني تميم، وهم جيران المسجد، فقال: «حديث : من مر بكم؟» تفسير : قالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي يشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل عليه الصلاة والسلام، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم، واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم إنه الذبح، قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : انزلوا على حكم سعد بن معاذ» تفسير : فنزلوا، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه، فأتى به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه، وحف به قومه، فقالوا: ياأبا عمرو حلفاؤك ومواليك، وأهل النكاية، ومن قد علمت، قالت: فلا يرجع إليهم شيئاً، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم، التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قال: قال أبو سعيد: فلما طلع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قوموا إلى سيدكم فأنزلوه» تفسير : فقال عمر رضي الله عنه: سيدنا الله، قال: «حديث : أنزلوه» تفسير : فأنزلوه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : احكم فيهم» تفسير : قال سعد رضي الله عنه: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله» تفسير : ثم دعا سعد رضي الله عنه، فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئاً، فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم، فاقبضني إليك. قال: فانفجر كلمه، وكان قد برىء منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله، قالت عائشة رضي الله عنها: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، قالت: فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر رضي الله عنه، من بكاء عمر رضي الله عنه وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: {أية : رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29] قال علقمة: فقلت أي أمه فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ قالت: كانت عينه لاتدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته صلى الله عليه وسلم وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها نحواً من هذا، ولكنه أخصر منه، وفيه: دعا سعد رضي الله عنه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ } أي قريظة {مِن صَيَاصِيهِمْ } حصونهم، جمع صيصة وهو ما يُتحصن به {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } الخوف {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ } منهم وهم المقاتلة {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } منهم: أي الذراري.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } أي عاضدوهم وعاونوهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بنو قريظة؛ فإنهم عاونوا الأحزاب ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاروا يداً واحدة مع الأحزاب. والصياصي جمع صيصية: وهي الحصون، وكل شيء يتحصن به يقال له: صيصية، ومنه صيصية الديك، وهي الشوكة التي في رجله، وصياصي البقر قرونها؛ لأنها تمتنع بها، ويقال: لشوكة الحائك التي يسوّي بها السداة واللحمة: صيصية، ومنه قول دريد بن الصمة:شعر : فجئت إليه والرماح تنوشه كوقع الصياصي في النسيج الممدد تفسير : ومن إطلاقها على الحصون قول الشاعر:شعر : فأصبحت الثيران صرعى وأصبحت نساء تميم يبتدرن الصياصيا تفسير : {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } أي الخوف الشديد حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي وهي معنى قوله: {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } فالفريق الأوّل: هم الرجال، والفريق الثاني: هم النساء والذرية، وهذه الجملة مبيّنة، ومقرّرة لقذف الرعب في قلوبهم. قرأ الجمهور: {تقتلون} بالفوقية على الخطاب، وكذلك قرؤوا {تأسرون}، وقرأ ابن ذكوان في رواية عنه بالتحتية فيهما، وقرأ اليماني بالفوقية في الأوّل، والتحتية في الثاني، وقرأ أبو حيوة: "تأسرون" بضم السين، وقد حكى الفراء كسر السين وضمها فهما لغتان، ووجه تقديم مفعول الفعل الأوّل وتأخير مفعول الفعل الثاني أن الرجال لما كانوا أهل الشوكة، وكان الوارد عليهم أشدّ الأمرين وهو القتل، كان الاهتمام بتقديم ذكرهم أنسب بالمقام. وقد اختلف في عدد المقتولين والمأسورين، فقيل: كان المقتولون من ستمائة إلى سبعمائة. وقيل: ستمائة. وقيل: سبعمائة. وقيل: ثمانمائة. وقيل: تسعمائة. وكان المأسورون سبعمائة، وقيل: سبعمائة وخمسين. وقيل: تسعمائة. {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَـٰرَهُمْ وَأَمولَهُمْ } المراد بالأرض: العقار والنخيل، وبالديار: المنازل والحصون، وبالأموال الحليّ والأثاث والمواشي والسلاح والدراهم والدنانير {وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا } أي وأورثكم أرضاً لم تطؤوها، وجملة: {تطئوها} صفة لـ {أرضاً}. قرأ الجمهور: {لم تطئوها} بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة، وقرأ زيد بن علي: "تطوها" بفتح الطاء وواو ساكنة. واختلف المفسرون في تعيين هذه الأرض المذكورة، فقال يزيد بن رومان وابن زيد ومقاتل: إنها خيبر، ولم يكونوا إذ ذاك قد نالوها، فوعدهم الله بها. وقال قتادة: كنا نتحدّث أنها مكة. وقال الحسن: فارس والروم. وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيراً } أي هو سبحانه قدير على كل ما أراده من خير وشرّ ونعمة ونقمة، وعلى إنجاز ما وعد به من الفتح للمسلمين. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {مِن صَيَاصِيهِمْ } قال: حصونهم. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو الناس، فإذا أنا بسعد بن معاذ ورماه رجل من قريش يقال له: ابن الفرقدة بسهم، فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله سعداً، فقال: اللهم لا تمتني حتى تقرّ عيني من قريظة، فبعث الله الريح على المشركين {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } ولحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمر بقبة من أدم، فضربت على سعد في المسجد، قالت: فجاء جبريل، وإن على ثناياه لوقع الغبار، فقال: أو قد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمته، وأذّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما اشتدّ حصرهم واشتدّ البلاء عليهم، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله، قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد ابن معاذ، فأتي به على حمار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : احكم فيهم تفسير : ، قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال: حديث : لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْل الْكِتَابِ} هم بنو قريظة من اليهود ظاهرواْ أبا سفيان ومجموعة من الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عاونوه والمظاهرة هي المعاونة. وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوه فغزاهم بعد ستة عشر يوماً من الخندق قال قتادة نزل عليه جبريل وهو عند زينب بنت جحش يغسل رأسه فقال عفا الله عنك ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة فانهد إلى بني قريظة فإني قد قلعت أوتادهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال فسار إليهم فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة حتى نزلوا على التحكيم في أنفسهم. وفيمن نزلوا على حكمه قولان: أحدهما: أنهم نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم أن يقتل مقاتلوهم ويسبى ذراريهم وأن عقارهم للمهاجرين دون الأنصار فقال قومه: آثرت المهاجرين بالعقار علينا، فقال: إنكم ذوو عقار وليس للمهاجرين فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "حديث : قُضِيَ فِيهِم بِحُكْمِ اللَّهِ" تفسير : قاله قتادة. الثاني: أنهم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحكموا سعداً لكن أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد فقال: "حديث : أَشِر عَلَيَّ فِيهِم" تفسير : فقال: لو وليتني أمرهم لقتلت مقاتليهم ولسبيت ذراريهم ولقسمت أموالهم فقال: "حديث : وَالَّذِي نَفْسِ بِيَدِهِ لََقَدْ أَشَرتَ عَلَيَّ فِيهِم بِالَّذِي أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ" تفسير : وروي ذلك عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبيه. {مِن صَيَاصِيهِمْ} من حصونهم قال الشاعر: شعر : فأصبحت النسوان عقرى وأصبحت نساء تميم يبتدرْن الصياصيا. تفسير : وسميت بذلك لامتناعهم بها، ومنه سميت قرون البقر صياصي لامتناعها بها، وسميت شوكة الديك التي في ساقه صيصية. {وَقَذَفَ فِي قُُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} قال قتادة بصنيع جبريل بهم. {فَرِيقاً تَقْتُـلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} حكى عطية القرظي أنهم عُرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة فمن كان احتلم أو نبتت عانته قتل، فنظروا إليّ فلم تكن نبتت عانتي فتركت فقيل إنه قتل منهم أربعمائة وخمسين رجلاً وهم الذين عناهم الله بقوله {فَرِيقاً تقتلون}وسبي سبعمائة وخمسين رجلاً وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله {وتأسرون فريقاً} وقال قتادة: قتل أربعمائة وسبى سبعمائة. {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُم وَأَمْوَالَهُم} يريد بالأرض النخل والمزارع، وبالدبار المنازل وبالأموال المنقولة. {وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُوهَا} فيها أربعة أقاويل: أحدها: أنها مكة، قاله قتادة. الثاني: خيبر، قاله السدي وابن زيد. الثالث: فارس والروم، قاله الحسن. الرابع: ما ظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة، قاله عكرمة. {وَكَانَ اللَّهُ علََى كُلِّ شَيءٍ قَدِيراً} فيه وجهان: أحدهما: على ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قديرٌ، قاله ابن اسحاق. الثاني: على ما أراد أن يفتحه من الحصون والقرى، قدير، قاله النقاش.
ابن عبد السلام
تفسير : {الِّذِينَ ظَاهَرُوهُم} بنو قريظة وكان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوه، والمظاهرة: المعاونة، فغزاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ستة عشر يوماً من الخندق فحصرهم إحدى وعشرين ليلة فنزلوا على التحكيم في أنفسهم وأموالهم فحكموا سعداً فحكم بقتل مقاتلتهم وبسبي ذراريهم وأن عقارهم للمهاجرين دون الأنصار فكبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: " حديث : قضى فيهم بحكم الله "تفسير : ، أو نزلوا على حكم الرسول ولم يحكم فيه سعد وإنما أرسل إليه يستشيره فقال: لو وُليت أمرهم لقتلت مقاتلتهم وسبيت ذراريهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده لقد أشرت فيهم بالذي أمرني الله تعالى به فيهم " تفسير : {صَيَاصِيهِمْ} حصونهم لامتناعهم بها كما تمتنع البقر بصياصيها وهي قرونها ومنه صيصية الديك شوكة في ساقه. {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} بصنيع جبريل بهم {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} قتل أربعمائة وخمسين وسبى سبعمائة وخمسين، وقيل: عرضوا عليه فأمر بقتل من احتلم، أو أنبت.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم} يريد: بني قُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا غَدَرُوا وَظَاهَرُوا الأحْزَابَ، أرادَ اللّهُ النِّقْمَة مِنْهُمْ فَلَمَّا ذَهَبَ الأَحْزَابُ؛ جَاءَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقْتَ الظُّهْرِ؛ فَقَالَ: يَا مْحَمَّدُ، إنَّ اللّهَ يَأْمُرُكَ بِالخُرُوجِ إلَىٰ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَنَادَىٰ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّاسِ، وَقَالَ لَهُمْ: «حديث : «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فَخَرَجَ النَّاسُ إلَيْهِمْ، وَحَصَرَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَمْساً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلُوا عَلَىٰ حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ؛ فَحَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ بِأَنْ تُقْتَلَ المُقَاتَلَةُ وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالْعِيَالُ وَالأَمْوَالُ، وَأَنْ تَكُونَ الأَرْضَ وَالثِمَارُ لِلْمُهَاجِرِينَ دُونَ الأَنْصَارِ، فَقَالَتْ لَهُ الأَنْصَارُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُهَاجِرِينَ أَمْوَالٌ كَمَا لَكُمْ أَمْوَالٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقَعَةٍ»» تفسير : فَأَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِرِجَالِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقِهُمْ، وَفِيهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضِيرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ أَدْخَلَهُمْ فِي الْغَدْرِ، و {ظَـٰهَرُوهُم}: معناه: عاوَنُوهم، و«الصياصي»: الحُصُون، واحدُها صيصيةٍ وهي كل ما يَتَمَنَّعُ به ومنه يقال لقرون: البقر الصياصي، والفريقُ المقتولُ: الرجالُ والفريقُ المأسور: العيالُ والذُّرِّيَّة. وقوله سبحانه: {وَأَرْضاً لَّمْ تطؤُوهَا} يريد بها: البلاد التي فتحت على المسلمين بعدُ كالعراقِ والشامِ واليمنِ وغيرها، فوعَدَ اللّه تعالى بها عند فتح حصون بني قريظة، وأخبر أنه قد قضى بذلك قاله عكرمة.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب} قال: قريظة {من صياصيهم} قال: قصورهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {من صياصيهم} قال: حصونهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب} قال "حديث : هم بنو قريظة ظاهروا أبا سفيان، وراسلوه، ونكثوا العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش يغسل رأسه وقد غسلت شقه، إذ أتاه جبريل عليه السلام، فقال: عفا الله عنك. ما وضعت الملائكة عليهم السلام سلاحها منذ أربعين ليلة، فانهض إلى بني قريظة فإني قد قطعت أوتادهم، وفتحت أبوابهم، وتركتهم في زلزال وبلبال. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم، وناداهم: يا اخوة القردة فقالوا يا أبا القاسم ما كنت فحاشا! فنزلوا على حكم سعد بن معاذ وكان بينهم وبين قومه حلف، فرجوا أن تأخذه فيهم مودة، فأومأ إليهم أبو لبابة، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول....}[الأنفال: 27]. فحكم فيهم: أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم، وأن عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقال قومه وعشيرته: آثر المهاجرين بالأعقار علينا، فقال إنكم كنتم ذوي أعقار، وأن المهاجرين كانوا لا أعقار لهم. فذكر لنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر، وقال: مضى فيكم بحكم الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وقذف في قلوبهم الرعب} قال: بصنيع جبريل عليه السلام {فريقاً تقتلون } قال: الذين ضربت أعناقهم وكانوا أربعمائة مقاتل، فقتلوا حتى أتوا على آخرهم {وتأسرون فريقاً} قال: الذين سبوا وكانوا فيها سبعمائة سبي. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} قال: قريظة، والنضير أهل الكتاب {وأرضاً لم تطئوها} قال: خيبر. فتحت بعد قريظة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأرضاً لم تطئوها} قال: كنا نحدث أنها مكة، وقال الحسن رضي الله عنه: هي أرض الروم وفارس، وما فتح عليهم. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {وأرضاً لم تطئوها} قال: يزعمون أنها خيبر، ولا أحسبها إلا كل أرض فتحها الله على المسلمين، أو هو فاتحها إلى يوم القيامة. وأخرج ابن سعد عن سعيد بن جبير قال: كان يوم الخندق بالمدينة فجاء أبو سفيان بن حرب ومن تبعه من قريش، ومن تبعه من كنانة، وعيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان، وطليحة ومن تبعه من بني أسد، وأبو الأعور ومن تبعه من بني سليم وقريظة، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا ذلك، وظاهروا المشركين، فأنزل الله فيهم {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم} فأتى جبريل عليه السلام ومعه الريح، فقال حين سرى جبريل عليه السلام: ألا أبشروا ثلاثاً. فأرسل الله عليهم، فهتكت القباب، وكفأت القدور، ودفنت الرجال، وقطعت الأوتاد، فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد، فأنزل الله {إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها}. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : خرجت يوم الخندق أقفو الناس فإذا أنا بسعد بن معاذ ورماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم، فأصاب أكحله، فقطعه، فدعا الله سعد، فقال: اللهم لا تمتني حتى تقرعيني من قريظة، وبعث الله الريح على المشركين {وكفى الله المؤمنين القتال} ولحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم، فضربت على سعد رضي الله عنه في المسجد قالت: فجاء جبريل عليه السلام - وإن على ثناياه نقع الغبار - فقال: أو قد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة السلاح بعد، أخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لامته، وأذن في الناس بالرحيل: أن يخرجوا، فأتاهم فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء عليهم فقيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ، فأتي به على حمار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احكم فيهم فقال: إني أحكم فيهم؛ أن تقتل مقاتليهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، قال: فلقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله ". تفسير : وأخرج البيهقي عن موسى بن عقبة رضي الله عنه قال: أنزل الله في قصة الخندق، وبني قريظة تسعاً وعشرين آية فاتحتها {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} والله تعالى أعلم.
ابو السعود
تفسير : {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم} أي عاونُوا الأحزابَ المردودةَ {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} وهُم بنُو قريظةَ {مِن صَيَاصِيهِمْ} من حصُونِهم، جمعُ صِيصِيَة وهي ما يُتحصَّن به، ولذلكَ يقالُ لقرنِ الثَّورِ والظَّبـيِ وشوكةِ الدِّيكِ {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} الخوفَ الشَّديدَ بحيثُ أسلمُوا أنفسَهم للقتلِ وأهليهم وأولادَهم للأسرِ حسبَما ينطقُ به قولُه تعالى: {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} من غيرِ أنْ يكونَه من جهتِهم حَراكٌ فضلاً عن المُخالفةِ والاستعصاءِ. رُوي أنَّ جبريلَ عليه السَّلامُ أتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صبـيحةَ اللَّيلةِ التي انهزمَ فيها الأحزابُ ورجعَ المُسلمون إلى المدينةِ ووضعُوا السِّلاحَ فقال: أتنزعْ لأمَتك والملائكةُ ما وضعُوا السِّلاحَ، إنَّ الله يأمُرك أن تسيرَ إلى بني قُريظةَ وأنا عامدٌ إليهم. فأذَّن في النَّاسِ أنْ لا يصلُّوا العصرَ إلا ببني قُريظةَ فحاصرُوهم إحدى وعشرينَ أو خَمساً وعشرين ليلةً حتَّى جهدَهم الحصارُ فقال لهم: « حديث : تنزلُون على حُكمي » تفسير : فأبَوا فقالَ: « حديث : عَلى حُكم سعدِ بن معاذٍ » تفسير : فرضُوا به فحكم سعدٌ بقتلِ مقاتلِيهم وسبـيِ ذرارِيهم ونسائِهم، فكبَّر النبـيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: « حديث : لقد حكمتَ بحُكم الله من فوقِ سبعةِ أرقعةٍ ». تفسير : فقُتلَ منهم ستمائةُ مقاتلٍ وقيل: من ثمانمائةُ إلى تسعمائةُ وأُسر سبعمائةٌ. وقُرىء تأسُرونَ بضمِّ السِّينِ، كما قُرىء الرُّعبُ بضمِّ العينِ، ولعلَّ تأخيرَ المفعولِ في الجُملةِ الثَّانيةِ مع أنَّ مساقَ الكلامِ لتفصيلِه وتقسيمِه كما في قولِه تعالى: { أية : فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 87] وقوله تعالى: { أية : فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} تفسير : [سورة المائدة: الآية 70] لمراعاةِ الفواصلِ. {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَـٰرَهُمْ} أي حصونَهم {وَأَمْوٰلَهُمْ} نقودَهم وأثاثَهم ومواشيهم. رُوي « حديث : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جعلَ عقارَهم للمهاجرينَ دونَ الأنصارِ فقالتِ الأنصارُ في ذلكَ فقالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "إنَّكم في منازلِكم" فقال عمرُ رضي الله عنه: أَمَا تُخمس كما خمَّستَ يومَ بدرٍ؟ فقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "لا. إنَّما جُعلتْ هذه لي طعمةً دونَ النَّاسِ" قالُوا: رضينَا بما صنعَ الله ورسولُه » تفسير : {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤوهَا} أي أورثَكم في علمِه وتقديرِه أرضاً لم تقبضُوها بعدَ كفارسَ والرُّومِ وقيل: كلُّ أرضٍ تُفتح إلى يومِ القيامةِ وقيل: خيبرُ {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيراً} فقد شاهدتُم بعضَ مقدوراتِه في إيراثِ الأراضِي التي تسلَّمتموها فقيسُوا عليها ما عَدَاها. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} أي السَّعةَ والتَّنعمَ فيها {وَزِينَتَهَا} وزخارفَها {فَتَعَالَيْنَ} أي أقبلنَ بإرادتِكن واختيارِكن لإحدى الخصلتينِ كما يُقال: أقبل يُخاصمني وذهبَ يُكلِّمني وقامَ يُهددني {أُمَتّعْكُنَّ} بالجزمِ جواباً للأمرِ وكذا {وَأُسَرّحْكُنَّ} أي أعطيكنَّ المتعةَ وأطلقنَّ {سَرَاحاً جَمِيلاً} طلاقاً من غيرِ ضرارٍ. وقُرىء بالرَّفعِ على الاستئنافِ. رُوي أنهنَّ سألنَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ثيابَ الزِّينةِ وزيادةَ النَّفقةِ فنزلتْ فبدأَ بعائشةَ فخيَّرها فاختارتْ الله ورسولَه والدَّارَ الآخرةَ ثمَّ اختارتِ الباقياتُ اختيارَها فشكرَ لهنَّ الله ذلكَ فنزلَ: { أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ} تفسير : [سورة الأحزاب: الآية 52]. واختُلف في أنَّ هذا التخيـيرَ هل كان تفويض الطَّلاقِ إليهنَّ حتَّى يقعَ الطَّلاقُ بنفسِ الاختيارِ أو لا. فذهبَ الحسنُ وقَتَادةُ وأكثرُ أهلِ العلمِ إلى أنَّه لم يكُن تفويضَ الطَّلاقِ وإنَّما كانَ تخيـيراً لهنَّ بـينَ الإرادتينِ على أنهنَّ إنْ أردنَ الدُّنيا فارقهنَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كما يُنبىء عنه قولُه تعالى: {أية : فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ}تفسير : [سورة الأحزاب: الآية 33] وذهبَ آخرون إلى أنَّه كانَ تفويضاً للطَّلاقِ إليهنَّ حتَّى لو أنهنَّ اخترنَ أنفسهنَّ كان ذلك طلاقاً وكذا اختُلف في حكمِ التَّخيـيرِ فقال ابنُ عمرَ وابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهم: إذَا خيَّر رجلٌ امرأتَه فاختارتْ زوجَها لا يقعُ شيءٌ أصلاً ولو اختارتْ نفسَها وقعتْ طلقةً بائنةً عندنا ورجعيَّةً عند الشَّافعيِّ، وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وابنِ أبـي لَيْلَى وسفيانَ، ورُوي عن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّها إنِ اختارتْ زوجَها يقعُ طلقةً واحدةً وإنِ اختارتْ نفسَها يقعُ ثلاثَ طَلَقاتٍ وهو قولُ الحسنِ وروايةٌ عن مالكٍ. ورُوي عن عليَ رضي الله عنه أنَّها إنِ اختارتْ نفسَها فواحدةٌ بائنةٌ ورُوي عنه أيضاً أنها إنِ اختارتْ زوجَها لا يقعُ شيءٌ أصلاً، وعليه إجماعُ فقهاءِ الأمصارِ. وقد رُوي « حديث : عن عائشةَ رضي الله عنها: "خيَّرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فاخترنَاهُ ولم يعدَّه طلاقاً" » تفسير : . وتقديمُ التَّمتيعِ على التَّسريحِ من بابِ الكرمِ وفيه قطعٌ لمعاذيرهنَّ من أولِ الأمرِ. والمتعةُ في المطلقةِ التي لم يُدخل بها ولم يُفرض لها صَداقٌ عند العقدِ واجبةٌ عندَنا وفيما عداهنَّ مستحبَّةٌ وهي دِرعٌ وخمارٌ وملحفةٌ بحسبِ السَّعةِ والإقتارِ إلا أنْ يكونَ نصفُ مهرِها أقلَّ من ذلكَ فحينئذٍ يجبُ لها الأقلُّ منهُما ولا ينقصُ عن خمسةِ دراهمٍ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وانزل الذين ظاهروهم} اى عاونوا الاحزاب المردودة على رسول الله والمسلمين حين نقضوا العهد {من اهل الكتاب} وهم بنوا قريظة قوم من اليهود بالمدينة من خلفاء الاوس وسيد الاوس حينئذ سعد بن معاذ رضى الله عنه {من صياصيهم} من حصونهم جمع صيصة بالكسر وهى ما يتحصن به ولذلك يقال لقرن الثور والظبى وشوكة الديك وهى فى مخلبته التى فى ساقه لانه يتحصن بها ويقاتل {وقذف} رمى والقى {فى قلوبهم الرعب} اى الخوف والفزع بحيث سلموا انفسهم للقتل واهليهم واودلاهم للاسر حسبما ينطق به قوله تعالى {فريقا تقتلون} يعنى رجالهم {وتأسرون فريقا} يعنى نساءهم وصبيانهم من غير ان يكون من جهتهم حركة فضلا عن المخالفة والاسر الشد بالقيد وسمى الاسير بذلك ثم قيل لكل مأخوذ مقيد وان لم يكن مشدودا ذلك
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير، وابن عامر {نضعف} بالنون وتشديد العين {العذاب} نصباً، أسند الفعل إلى الله تعالى. وقرأ ابو عمرو {يضعف} بالياء وتشديد العين بلا ألف على ما لم يسم فاعله. الباقون {يضاعف} بالياء والألف. والذي عليه أكثر المفسرين إن المعني بقوله {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب} هم بنو قريظة من اليهود، وكانوا نقضوا العهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وعاونوا أبا سفيان، فلما هزم الأحزاب امر النبي صلى الله عليه وآله مناديه بأن ينادي لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة، لأن جبرائيل عليه السلام نزل عليه وقال إن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، ففيهم من لحق ذلك بعد وصلى العصر في الوقت، وفيهم من صلاها قبل ذلك. وكل صوبه رسول الله. ثم حكم سعد ابن معاذ فيهم رضوا بحكمه، فحكم سعد أن تقتل الرجال، وتسبى الذراري والنساء وتقسم الأموال وتكون الارض للمهاجرين دون الأنصار، فقيل له في ذلك فقال لكم دار، وليس للمهاجرين دار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآلهحديث : حكم فيهم بحكم الله تعالىتفسير : ، وفي بعض الأخبار لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، وهو جمع رقيع اسم من اسماء سماء الدنيا. وقال الحسن: الآية نزلت في بني النضير والاول أصح وأليق بسياق الآيات، لان بني الضير لم يكن لهم في قتال الأحزاب شيء، وكانوا قد انجلوا قبل ذلك. والمظاهرة المعاونة، وهي زيادة القوة بأن يكون المعاون ظهراً لصاحبه في الدفع عنه، والظهر المعين. وفي قراءة ابن مسعود آزروهم، ومعناه عاونوهم. والصياصي الحصون التي يمتنع بها واحدها صيصية. ويقال جذ الله صيصية فلان أي حصنه الذي يمتنع به. والصيصية قرن البقرة وشوكة الديك أيضاً، وهي شوكة الحائك أيضاً، قال الشاعر: شعر : [ما راعني إلا الرماح تنوشه] كوقع الصياصي في النسيج الممدد تفسير : وقوله {وقذف في قلوبهم الرعب} أي ألقى في قلوبهم يعني اليهود والمشركين خوفاً من النبي صلى الله عليه وآله {فريقاً تقتلون} منهم يعني الرجال {وتأسرون فريقاً} يعني النساء والذراري ثم قال {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} يعني ديار بني قريظة وأرضهم وأموالهم. جعلها الله للمسلمين مع ذلك ونقلها اليهم {وأرضا لم تطؤها} معناه وأورثكم أرضاً لم تطؤها، قال الحسن: هي أرض فارس والروم. وقال قتادة: هي مكة. وقال يزيد بن رومان وابن زيد: هي خيبر {وكان الله على كل شيء قديراً} أي قادراً على توريثكم أرض هؤلاء وأموالهم ونصركم وغير ذلك. إلى ها هنا انتهت قصة الأحزاب. ثم انتقل إلى خطاب النبي صلى الله عليه وآله فقال له {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً} قال الحسن لم يكن ذلك تخيير طلاق، انما هو تخيير بين الدنيا والآخرة. وكان لنزول الآية سبب معروف من بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله فعاتبهن الله تعالى وخيرهن بين المقام مع النبي صلى الله عليه وآله واختيار ما عند الله من الثواب ونعيم الأبد ومن مفارقته بالطلاق وتعجيل المنافع يأخذونها، وبين ذلك بقوله {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار والآخرة، فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً} وقيد ذلك بالمحسنات لعلمه أن فيهن من ربما ارتكبت ما يستحق به الخروج عن ولاية الله تعويلا على ما وعد الله تعالى به من النعيم، فزجرهن بالتهديد المذكور في الآية. وروي أن سبب نزول هذه الآية أن كل واحدة من نسائه طلبت شيئاً فسألت أم سلمة ستراً معلقاً وسألت ميمونة حلة وسألت زينب بنت جحش برداً يمانياً وسألت أم حبيبة ثوباً سحوانياً وسألت حفصة ثوباً من ثياب مصر وسألت حويرية معجراً وسألت سودة قطيفة خيبرية، فلم يقدر على ذلك، لان الله تعالى كان خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة. وقال: "حديث : اللهم أحيني مسكيناً وامتني مسكيناً واحشرني مسكيناً في جملة المساكين" تفسير : فحينئذ أمره الله تعالى بتخيير النساء، فاخترن الله ورسوله فعوضهن الله عن ذلك أن جعلهن أمهات المؤمنين. وقيل: وأمر الله أن لا يطلقهن ولا يتزوج عليهن بقوله {أية : لا يحل لك النساء من بعد}تفسير : ذكره ابن زيد. ثم خاطب نساء النبي صلى الله عليه وآله فقال {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة يضاعف لها العذاب} من شدد أراد التكثير، ومن أثبت الألف أراد من المضاعفة، ومن قرأ بالنون أضاف الفعل إلى الله، لأن الفاعل لذلك هو الله وإنما جاز ان يضعف عقابهن بالمعصية لعظم قدرهن، وأن معصيتهن تقع على وجه يستحق بها ضعف ما يستحق غيرهن، كما أن طاعاتهن يستحق بها ضعف ما يستحق به غيرهن، من حيث كن قدوة في الاعمال وأسوة في ذلك. ثم اخبر تعالى أن تضعيف ذلك عليه يسير سهل. والضعف مثل الشيء الذي يضم اليه، ضاعفته ازددت عليه مثله، ومنه الضعف، وهو نقصان القوة بأن يذهب احد ضعفيها، فهو ذهاب ضعف القوة. قال أبو عبيدة: يضاعف لها ضعفين أي يجعل لها العذاب ثلاثة أعذبة لان ضعف الشيء مثله، وضعفي الشيء مثلاه ومجاز يضاعف أن يجعل إلى الشيء شيئان حتى يكون ثلاثة، فأما من قرأ {يضعف} أراد أن يجعل الشيء شيئين، وذكر بعضهم أن ذلك غلط على أبي عمرو في تشديد يضعف، لأن ذلك نقل عنه على حكاية الفرق بين يضاعف ويضعف بالتشديد، وليس بينهما فرق، لان المضاعفة والتضعيف شيء واحد وإنما قرأ ابو عمرو {يضعف} بضم الياء وتسكين الضاد وتخفيف العين وفتحها والفرق يقع بين هذه وبين يضاعف لانك تقول لمن اعطاك درهما فأعطيته مكانه درهمين: أضعفت لك العطية، فان اعطيته مكان درهم خمسة او ستة قلت ضاعفت له العطية وضعفت بالتشديد أيضاً، فلما رأى ابو عمرو أن من احسن من أزواج النبي أعطي اجرين علم آن من اذنب منهن عوقب عقوبتين، فقرأ يضعف لها العذاب ضعفين. وكان الحسن لا يرى التخيير شيئاً. وقال: إنما خيرن بين الدنيا والآخرة لا في الطلاق، وكذلك عندنا ان الخيار ليس بشيء غير أن اصحابنا قالوا إنما كان ذلك لنبي الله خاصة، ولما خيرهن لو اخترن انفسهن لبن، فلما غيره فلا يجوز له ذلك. وقال قتادة: خيرهن الله تعالى بين الدنيا والآخرة في شيء كن أردن من الدنيا. وقال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة بن ابي أميه، وسودة بنت زمعة. وكان تحته صفيه بنت حي ابن خطب وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الاسدية، وحويرية بنت الحارث من بني المصطلق، فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله.
الجنابذي
تفسير : {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} يعنى ظاهروا الاحزاب {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ} وهم بنو قريظة فانّهم نقضوا عهد الرّسول (ص) وظاهروا الاحزاب وقصّتهم وقصّة نقض عهدهم بوسوسة حىّ بن اخطب الّذى كان من بنى النّضير ونزولهم من صياصيهم وقتلهم واسر نسائهم وذراريهم مذكورة فى المفصّلات {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} وهى ارض خيبر افتتحها الله بالصّلح من دون وطئ خيل وجمل بعد بنى قريظة، وقيل: هى مكّة، وقيل: هى الرّوم وفارس، وقيل: هى كلّ ارض تفتح الى يوم القيامة، وقيل: هى كلّ ما أفاء الله على رسوله (ص) ممّا لم يوجف بخيلٍ ولا ركابٍ {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} خطاب آخر خاصّ به (ص) ناداه بعدما قالت بعض نسائه حفصة او زينب بنت جحشٍ ان طلّقنا وجدنا اكفاءً فى قومنا، وسببه على ما قاله القمّى انّه لمّا رجع رسول الله (ص) من خيبر واصاب كنز آل ابى الحقيق قالت ازواجه: اعطنا ما اصبت فقال لهنّ رسول الله (ص): قسّمته بين المسلمين على ما امر الله فغضبن وقلن لعلّك انّك ترى ان طلّقتنا انّا لا نجد الاكفاء من قومنا يتزّوجونا؟ فانف الله تعالى لرسوله (ص) فأمره الله تعالى ان يعتزلهنّ فاعتزلهنّ رسول الله (ص) فى مشربة امّ ابراهيم تسعة وعشرين يوماً حتّى حضن وطهرن ثمّ انزل الله هذه الآية فقال: {قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} لا للمسيئات الخارجات بالسّيوف فقامت امّ سلمة اوّل من قامت فقالت: قد اخترت الله واخترت رسوله (ص) فقمن كلهنّ فعانقنه وقلن مثل ذلك فأنزل تفخيماً لشأنه (ص) وتخييراً له ترجى من تشاء منهنّ وتؤوى اليك من تشاء.
اطفيش
تفسير : {وأنزل الذين ظاهروهم} أي عاونوا الاحزاب وهم بنوا قريضة كما قال: {من أهل الكتاب} بيان للذين او من للتبعيض وهي ايضا تفيد البيان. {من صياصيهم} متعلق بانزال جمع صيصيه وهي ما يتحصن به، وذلك يقال لقرن الثور والظبي ومخلب الديك الذي في رجليه صيصيه لانها تتحصن بذلك. {وقذف في قلوبهم الرعب} الخوف وقريء بالفتح. {فريقاً تقتلون} وهم ست مائة مقاتل وقيل من ثماني مائة الى تسع مائة. {وتأسرون} وقريء بضم السين. {فريقا} هم النساء والذراري وهم سبع مائة وقيل سبع مائة وخمسون.
اطفيش
تفسير : {وأنَزل الذين ظاهروهم} اعانوا الاحزاب {مِن أهْل الكتاب} المراد بنو قريظة عند الجمهور وهو الصحيح، وقيل: بنو النضير {مِنْ صَياصِيهِم}حصونهم استعار لها الصياصى الموضوع لكل ما يمتنع به، كالقرون للثور والظبى، وشوكة الديك فى رجله لجامع الامتناع {وقَذَف} ألقى {في قُلُوبهم الرُّعْب} الخوف الشديد حتى اسلموا انفسهم بلا امتناع ولا مخالفة للقتل، واموالهم للسلب، واهلهم واولادهم للاسر كما قال: {فريقاً تقْتُلون} وهم الرجال {وتأسرون فريقاً} النساء والصبيان، وانزالهم من الصياصى عبارة عن اذلالهم على طريق الاستعارة التبعية، وقذف الرعب سبب له، واخره لان السرور بانزالهم اكثر، فالاخبار به اهم للمؤمنين، كما ان القتل للرجال اهم، فقدم على عامله وعلى الاسر، ولانهم مساق التفصيل، وقدم الاسر على فريقا، لانه اهم، ولو قدم فريقا لتوهم قبل ذكر تأسرون انه يقال فى القراءة بعد ذلك تهزمون وللفاصلة، وليتصل القتل والاسر بلا فضل. روى ان جبريل عليه السلام، جاء صبح يوم الانهزام او ظهره، رسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب، وقد غسلت نصف رأسه معتجراً بعمامة استبرق، على بغلة فوقها قطيفة ديباج، وقال: هل وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة وما رجعت الى الآن من طلب القوم، وان الله يأمرك بالمسير الى قريظة، وإنى ازلزل حصونهم، فأذن لا تصلوا العصر الا فى قريظة، واستخلف ابن ام مكتوب على المدينة، واعطى عليا الراية، وأسرع الناس اليه: ولما دنا من الحصن سمع فحشاً عليه صلى الله عليه وسلم فرجع اليه فقال: يا رسول الله ما عليك ان تدنوا من هؤلاء الاخابث، فقال: لعلك سمعت اذى؟ قال: نعم يا رسول الله، قال لو رأونى لم يقولوا، فدنا فقال: يا إخوان القردة هل اخزاكم الله وانتقم منكم؟ قالوا: يا ابا القاسم ما كنت فاحشا ويروى ما كنت جهولا. وقد مر بنفر من أصحابه فقال: هل مر بكم احد؟ قالوا: يا رسول الله دحية الكلبى على بغلة بيضاء، عليها قطيفة ديباج، فقال: ذلك جبريل يزلزل بقريظة ويرعبهم، ونزل على بئر يقال لها: انا، بناحية اموالهم، ولحقه رجال بعد العشاء، ولم يصلوا العصر لقوله: صلوا العصر فى قريظة، وقد اشتغلوا جهدهم بأمر السير للحرب، فصلوها ولم يعاتبهم، وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، وقيل احدى وعشرين، وقيل خمسة عشر، واشتد خوفهم وفيهم حى بن أخطب، وفاء لعهده لكعب بن أسد، وأيقنوا ان لا ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال كعب: تابعوا الرجل: فوالله لقد تبين لكم انه نبى مرسل فى كتابكم لتأمنوا، فقالوا: لا نفارق التوراة، فقال: اقتلوا أبناءكم ونساءكم فنخرج اليه غير خائفين عليهم أن متنا، وان ظفرنا اتخذنا نساء واولاداً، فقالوا لا خير فى العيش بعد هؤلاء، فقاتلوه الليلة غافلا فلا يظن انا لا نقاتل ليلة السبت، فقالوا: لا نحدث فى السبت فيصيبنا ما اصاب من احدث فيه، فقال: لا حزم فيكم ضيعتم الحزم. فبعثوا اليه صلى الله عليه وسلم ان ارسل الينا ابا لبابة بن عبدالمنذر، اخا بنى عمرو بن عوف، حلفاء الاوس نسشره، فلما جاءهم بكت اليه النساء والصبيان، فرق لهم وقال له الرجال: أننزل على حكم محمد فأشار بيده الى حلقه انه الذبح، فرجع الى المدينة لا اليه صلى الله عليه وسلم لخيانته، فربط نفسه بجذع فى المسجد، وكانت سواريه جذوع النخل، حتى نزلت توبته رضى الله عنه، فاستنزلهم صلى الله عليه وسلم، فقال الاوس: يا رسول الله هم موالينا فهبهم لنا كما وهبت للخزرج مواليهم بنى قينقاع؟ فقال: الا ترضون بحكم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك سعد بن معاذ، وكان فى خيمة فى المسجد تداويه امراة من أسلم، يقال لها: فيدة محتبسة فى مداواة الجرحى وخدمتهم، من جرح اصابه يوم الخندق فى اكحله، من قريشى يقال له: ابن العرقة، ودعا الله: لا تمتنى حتى تقر عينى من قريظة، وقريظة اختاروا حكمه. فحمله قومه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار موطئ له بأدم، وكان جسيماً جميلاً، وهم يقولون: أحسن الى مواليك، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمك لتحسن إليهم، واكثروا فقال لا تأخذنى فى الله لومة لائم، فذهب بعض من سمعه من قومه الى بنى الأشهل ينعى اليهم قريظة، ولما وصل سعد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قوموا الى سيدكم، فقال المهاجرون: يريد الانصار، وقال الانصار: عم المؤمنين، فقام الانصار وقالوا: يا ابا عمرو حكمك صلى الله عليه وسلم لتحسن اليهم، فقال: عليكم عهد الله انكم رضيتم بحكمى؟ قالوا: نعم، والتفت الى ناحية فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض به صلى الله عليه وسلم، فقال: نعم، قال: تقتل الرجال، وتقسم الاموال، وتسبى الذرارى والنساء، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع ارقعة"تفسير : واعطى المهاجرين ديارهم، فقالت الانصار:ماذا؟ فقال: لكم ديار ولا ديار لهم فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نعم لكم منازلكم ". تفسير : وامر بحفر خنادق فى المدينة يقتلهم فيها ارسالا، وهم ستمائة او سبعمائة او ما بين ثمانمائة وتسعمائة، وفيهم وكعب رئيسا القوم، فقالوا له: الى من يذهب بهم، فقال: أفى كل مواطن لاتعقلون، يذهب بهم الى الموت، الا ترون انهم لا يرجعون، ولما فرغ منهم أتى بحيى فى حلة تفاحية، قد شقت عليه فى كل ناحية قدر أنملة، لئلا يسلبها، مجموعة يداه الى عنقه بحبل، ولما نظر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اما والله ما لمت نفسى فى عداوتك، ولكن من خذل الله يخذل، وقال: أيها الناس لا بأس قضاء الله وقدره، وملحمة على بنى اسرائيل، ثم جلس وضربت عنقه، وكان عظيم الكبر، وظل عما قيل: شعر : تواضع تكن كالبدر يسمو لناظر على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو بنفسه على طبقات الجو وهو وضيع تفسير : وعما قيل: شعر : أما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بأقصى قعره الدرر تفسير : واستوهب ثابت بن قيس بن الشماس، الزبير بن باطى القرظى، لانه منّ عليه يوم بعاث فى الجاهلية، فوهبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: انا شيخ كبير ما اصنع بالحياة، ولا أهل ولا ولد، فرجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره فاستوهب اهله وولده، فوهبهما، فأخبره فقال: هم اهل بيت الحجاز لا مال لهم، فاستوهب ماله فوهبه صلى الله عليه وسلم له، فأخبره فقال يا ثابت ما فعل الذى وجهه مرآة صينية يتمرأ فيها عذارى الحى كعب بن أسد؟ قال قتل، قال: فما فعل مقدمتنا اذا شددنا، وحاميتنا اذا قررنا عزال بن شموال؟ قال: قتل، قال فما فعل المجلسان، يعنى بنى كعب بن قريظة، وبنى عمرو بن قريظة؟ قال: قتلوا، قال فإنى أسالك يا ثابت يبدى، اى منتى عندك الا احلقنى بالقوم، فوالله ما بالعيش بعد هؤلاء من خير، فما انا بصابر حتى ألقى الاحبة، فقدمه ثابت فضرب عنقه، ولما بلغ ابا بكر قوله: ألقى الاحبة قال: يلقاهم والله فى جهنم، خالدين مخلدين، وإنما قتل وهو شيخ، لانه ليس بالشيخ الفانى، بل فيه صلاح لحضور القتال قيل: شعر : طلب المحال من الضلال فإن ترد ان لا تطاع فمر بما لا يمكن تفسير : فخرج من الدنيا بلا مال ولا خير الى النار، بل بلا كفن لسوء اختياره، وقد قيل: شعر : إنِّى خرجه من الدنيا وليس معى من كل ما ملكت كفى سوى كفنى تفسير : وقيل: شعر : ومن سره ان لا يرى ما يسوءه فلا يتخذ شيئا يسوء به فقدا تفسير : واستوهبت سلمى بنت قيس خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن شمول القرظى، وقالت: انه قال سيصلى ويأكل لحم العجل، فوهبه لها قيل: شعر : ازرع جميلا ولو فى غير موضعه ما خاب قطر جميل أينما زرعا تفسير : وقتل من انبت من الذكور، ولم يقتل امراة الا لبانة زوج الحكم القرظى، اذ طرحت فى هذه الغزوة الرحا على خلاد بن سويد فقتلته واقفا تحت حائط من حيطان قريظة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : له اجر شهيدين" تفسير : قال عروة بن الزبير، عن عائشة: والله ان هذه الامرأة لعندى تحدث معى وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها بالسيوف، اذ هتف باسمها، اين فلانة؟ قالت: انا والله، قلت لها: ويلك مالك؟ قالت: أقتل، قلت: ولم؟ قالت: لحدث احدثته، فانطلق بها فضرب عنقها، كانت عائشة رضى الله عنها تقول: والله ما انسى عجبا يمنها طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت انها تقتل، زين لها الشيطان مدخلا سهلا متعسر المخرج، قيل: شعر : وأحزم الناس من لو مات من عطش لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا تفسير : وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم اموالهم ونساءهم وأولادهم للفارس سهم، ولفرسه سهمان، وللراجل سهم، والخيل فى هذه الغزوة ست وثلاثون فرسا، وهو أول فئ وقع فيه السهمان، واخرج منه الخمس، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الانصارى، اخا بنى عبد الاشهل بسبايا من سبايا القوم، والسبايا كلها سبعمائة وخمسون الى نجد، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا، واختار صلى الله عليه وسلم ريحانة بنت عمرو، فكانت فى ملكه حتى مات، وعرض عليها ان يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله بل تتركنى فى ملكك، فهو اخف عليك وعلىّ: وحين سباها أبت الا اليهودية، فعزلها ووجد فى نفسه لذلك، فبينما هو مع اصحابه، اذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: ان هذا لنعلا ابن شعبة، جاء يبشرنى بإسلام ريحانة، فجاءه فقال يا رسول الله قد اسلمت ريحانة، فسره اسلامها، والغزوتان آخر ذى القعدة لا كما قيل كل فى سنة، ولما انقضى شأن قريظة انفجر جرح سعد فمات شهيدا: شعر : وما اهتز عرض الله من اجل هالك سمعنا به الا لسعد بن ابى عمرو تفسير : {وأوْرثَكُم أرْضَهم} ارض الحرث والنخل والشجر، وقدمت لكثرة المنفعة، وأسند التمليك الى الله وكان بلفظ الايراث، ولم يقل ملكتم او ورثتم، او اعطيتكم، لان فعل الله اقوى، والارث اثبت لا يقبل فسخا ولا رجوعا بشرط، ولا إقالة، ويثبت بلا قبول له، ومع رد {وديارهم وأمْوالهُم} اى الدنانير والدراهم، والحيوان وسائر العروض {وأرْضاً لم تطئوها} لم تكونوا عليها باقدامكم خيبر عند مقاتل، فتحت بعد قريظة ومكة عند قتادة، والروم وفارس عند الحسن، وقيل: اليمن وما يفتح الى يوم القيامة عند عكرمة وعروة، والعطف على ارضهم ولم تطئوها نعت ارضا وأورثكم، بمعنى قضى لكم فيصلح لما مضى وما يأتى، والخطاب للحاضرين والآتين، او يقدر ويورث امتك بعدك ارضا تطئوها، وزعم بعض ان ارضا النساء مجازا، والوطء الجماع، او وطء الارض عبارة عنه، قيل: شعر : بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد تفسير : {وكان الله على كلِّ شئ قَديراً} بلا علاج ولا كلفة، ومن قدرته انه يجعل الزمان الواحد طويلا فى شأن احد، قصيرا فى شأن احد كزمان القيامة، قصيرا فى زمان المؤمن، طويلا فى زمان الكافر، وكما روى ان شيخا ادخل تلميذه فى خلوة اول النهار، فأقام عند امه واهله سبعة أيام، لانه اشتاق اليهم، وخرج وقت عصر ذلك اليوم، ولم يسلم عليه احد سلام راجع من السفر، ولم يقل له احد ما هذه الغيبة.
الالوسي
تفسير : {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَـٰهَرُوهُم } أي عاونوا الأحزاب المردودة {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } وهم بنو قريظة عند الجمهور، وعن الحسن أنهم بنو النضير وعلى الأول المعول {مِن صَيَاصِيهِمْ } أي من حصونهم جمع صيصية وهي كل ما يمتنع به ويقال لقرن الثور والظباء ولشوكة الديك التي في رجله كالقرن الصغير، وتطلق الصياصي على الشوك الذي للنساجين ويتخذ من حديد قاله أبو عبيدة وأنشد لدريد بن الصمة الجشمي:شعر : نظرت إليه والرماح تنوشه كوقع الصياصي في النسيج الممدد تفسير : وتطلق على الأصول أيضاً قال أبو عبيدة إن العرب تقول: جذ الله تعالى صئصئة أي أصله. {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } أي الخوف الشديد بحيث أسلموا أنفسهم للقتل وأهليهم وأولادهم للأسر حسبما ينطق به قوله تعالى: {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } أي من غير أن يكون من جهتهم حراك فضلاً عن المخالفة والاستعصاء. وفي «البحر» أن قدف الرعب سبب لإنزالهم ولكن قدم المسبب لما أن السرور بإنزالهم أكثر والإخبار به أهم، وقدم مفعول {تَقْتُلُونَ } لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين وكان الاعتناء بحالهم أهم ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل الاعتناء هناك بالأسر أشد، ولو قيل: وفريقاً تأسرون لربما ظن قبل سماع تأسرون أنه يقال بعد تهزمون أو نحو ذلك، وقيل: قدم المفعول في الجملة الأولى لأن مساق الكلام / لتفصيله وأخر في الثانية لمراعاة الفواصل، وقيل التقديم لذلك وأما التأخير فلئلا يفصل بين القتل وأخيه وهو الأسر فاصل، وقيل: غوير بين الجملتين في النظم لتغاير حال الفريقين في الواقع فقد قدم أحدهما فقتل وأخر الآخر فأسر. وقرأ ابن عامر والكسائي {ٱلرعب} بضم العين وقرأ أبو حيوة {تأسرون} بضم السين، وقرأ اليماني {يأسرون} بياء الغيبة وقرأ ابن أنس عن ابن ذكوان بها فيه وفي (يقتلون) ولا يظهر لي وجه وجيه لتخصيص الاسم بصيغة الغيبة فتأمل. وتفصيل القصة على سبيل الاختصار أنه لما كانت صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب أو ظهر يوم تلك الليلة على ما في بعض الروايات وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى داخل المدينة أتى جبريل عليه السلام معتجراً بعمامة إستبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند زينب بنت جحش تغسل رأسه الشريف وقد غسلت شقه فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: عفا الله تعالى عنك ما وضعت الملائكة عليهم السلام السلاح بعد وما رجعت إلا الآن من طلب القوم وإن الله تعالى يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم فأمر عليه الصلاة والسلام مؤذناً فاذن في الناس من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وقدم علي بن طالب كرم الله تعالى وجهه برايته إليهم وابتدرها الناس فسار كرم الله تعالى وجهه حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقيه عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابث قال: لم؟ أظنك سمعت لي منهم أذى قال: نعم يا رسول الله قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة هل أخزاكم الله تعالى وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولاً وفي رواية فحاشاً وكان عليه الصلاة والسلام قد مر بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إليهم فقال: هل مر بكم أحد قالوا: يا رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبـي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك جبريل عليه السلام بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم ولما أتاهم صلى الله عليه وسلم نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم يقال لها بئر أنا وتلاحق الناس فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة» وقد شغلهم ما لم يكن لهم منه بد في حربهم فلما أتوا صلوها بعد العشاء فما عابهم الله تعالى بذلك في كتابه ولا عنفهم رسوله عليه الصلاة والسلام. وحاصرهم صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين ليلة، وقيل: إحدى وعشرين، وقيل: خمس عشرة وجهدهم الحصار وخافوا أشد الخوف وقد كان حيي بن أخطب دخل معهم في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما عاهده عليه فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال لهم كعب: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالاً ثلاثاً فخذوا أيها شئتم قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبـي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبداً ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم على هذه فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رجالاً مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلاً حتى يحكم الله تعالى بيننا وبينهم فإن نهلك نهلك ولم نترك / وراءنا نسلاً نخشى عليه وأن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال: فإن أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت وأنه عسى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب منهم غرة قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ قال: فما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا فأرسله عليه الصلاة والسلام إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا له: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم قال: نعم وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح فعرف أنه قد خان الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فلم يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب إلى المدينة وربط نفسه بجذع في المسجد حتى نزلت توبته رضي الله تعالى عنه ثم إنه عليه الصلاة والسلام استنزلهم فتواثب الأوس فقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وقد كانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه فسأله إياهم عبد الله بن أبـي بن سلول فوهبهم له فلما كلمته الأوس قال عليه الصلاة والسلام ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى قال فذاك إلى سعد بن معاذ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعله في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به صنيعة من المسلمين وقد كان رضي الله تعالى عنه قد أصيب يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله تعالى فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، وروي أن بني قريظة هم اختاروا النزول على حكم سعد ورضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فأتاه قومه وهو في المسجد فحملوه على حمار وقد وطأوا له بوسادة من أدم وكان رجلاً جسيماً جميلاً ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعى إليهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد عن كلمته التي سمع منه فلما انتهى سعد إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام والمسلمين قال صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم» فأما المهاجرون من قريش فقالوا: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار وأما الأنصار فيقولون: قد عم بها عليه الصلاة والسلام المسلمين فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد: عليكم عهد الله تعالى وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم قال: وعلى من هٰهنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض برسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقال صلى الله عليه وسلم. نعم قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبـى الذراري والنساء فكبر النبـي صلى الله عليه وسلم وقال: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحرث امرأة من بني النجار ثم خرج إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج إليهم بها إرسالاً وفيهم عدو الله تعالى حيـي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم / وهم ستمائة أو سبعمائة والمستكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة وقد قالوا لكعب وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسالاً يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون أما ترون الداعي لا ينزع ومن ذهب منكم لا يرجع هو والله القتل فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتى بحيي بن أخطب عدو الله تعالى وعليه حلة تفاحية قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله تعالى يخذل ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله تعالى كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضربت عنقه فقال فيه جبل بن جدال التغلبـي:شعر : لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها وقلقل يبغي العز كل مقلقل تفسير : وروي أن ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه استوهب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن باطا القرظي لأنه من عليه في الجاهلية يوم بعاث فقال صلى الله عليه وسلم هو لك فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك فهو لك قال: شيخ كبير فما يصنع بالحياة ولا أهل له ولا ولد؟ فأتى ثابت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: بأبـي أنت وأمي يا رسول الله امرأته وولده قال: هم لك فأتاه فقال: قد وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك وولدك فهم لك قال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك فأتى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: ما له قال: هو لك فأتاه فقال: قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك فهو لك فقال أي ثابت: ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية يتمرأ فيها عذارى الحي كعب بن أسد؟ قال: قتل قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن شموال؟ قال: قتل قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة قال: قتلوا قال: فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك ألا ألحقتني بالقوم فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر لله تعالى قتلة ذكر ناصح حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت فضرب عنقه فلما بلغ أبا بكر رضي الله تعالى عنه قوله: ألقى الأحبة قال: يلقاهم والله في جهنم خالدين فيها مخلدين، واستوهبت سلمى بنت أقيس أم المنذر أخت سليط بن قيس وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلت معه القبلتين وبايعته مبايعة النساء رفاعة بن شموال القرظي وقالت: بأبـي أنت وأمي يا نبـي الله هب لي رفاعة فإنه زعم أنه سيصل ويأكل لحم الجمل فوهبه عليه الصلاة والسلام لها فاستحيته. وقتل منهم كل من أنبت من الذكور، وأما النساء فلم يقتل منهم إلا امرأة يقال لها لبابة زوجة الحكم القرظي وكانت قد طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته. أخرج ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: والله إن هذه الامرأة لعندي تحدث معي وتضحك ظهراً وبطناً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها بالسيوف إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت: أنا والله قلت لها: ويلك ما لك؟ قالت: أقتل قلت: ولم؟ قالت: لحدث أحدثته فانطلق بها فضربت عنقها فكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: فوالله ما أنسى عجباً منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم / أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال، وأخرج منها الخمس وكان للفرس سهمان وللفارس سهم وللراجل الذي ليس له فرس سهم، وكانت الخيل في تلك الغزوة ستة وثلاثين فرساً وهو أول فيء وقعت فيه السهمان وأخرج منه الخمس على ما ذكر ابن إسحاق، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا القوم وكانت السبايا كلها على ما قيل سبعمائة وخمسين إلى نجد فابتاع بها لهم خيلاً وسلاحاً وكان عليه الصلاة والسلام قد اصطفى لنفسه الكريمة من نسائهم ريحانة بنت عمرو وكانت في ملكه صلى الله عليه وسلم حتى توفي، وقد كان عليه الصلاة والسلام عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملك فهو أخف عليَّ وعليك فتركها صلى الله عليه وسلم وكانت حين سباها قد أبت إلا اليهودية فعزلها عليه الصلاة والسلام ووجد في نفسه لذلك فبينما هو صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: إن هذا لنعلا ابن شعبة جاء يبشرني بإسلام ريحانة فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك من أمرها، وكان الفتح على ما في «البحر» في آخر ذي القعدة وهذه الغزوة وغزوة الخندق كانتا في سنة واحدة كما يدل عليه ما ذكرناه أول القصة وهو الصحيح خلافاً لمن قال: إن كلاً منهما في سنة، ولما انقضى شأن بني قريظة انفجر لسعد رضي الله تعالى عنه جرحه فمات شهيداً، وقد استبشرت الملائكة عليهم السلام بروحه واهتز له العرش، وفي ذلك يقول رجل من الأنصار:شعر : وما اهتز عرش الله من موت هالك سمعنا به إلا لسعد أبـي عمروتفسير : واستشهد يوم بني قريظة على ما روي عن ابن إسحاق من المسلمين ثم من بني الحرث بن الخزرج خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو طرحت عليه رحا فشدخته شدخاً شديداً، وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن له لأجر شهيدين، ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان أخو بني أسد بن خزيمة ورسول الله عليه الصلاة والسلام محاصر بني قريظة فدفن في مقبرتهم التي يدفنون فيها اليوم وإليه دفنوا موتاهم في الإسلام، وتمام الكلام فيما وقع في هذه الغزوة في كتب السير.
ابن عاشور
تفسير : كان يهود قريظة قد أعانوا الأحزاب وحاصروا المدينة معهم وكان حُيَيّ بنُ أخطب من بني النضير منضماً إليهم وهو الذي حرّض أبا سفيان على غزو المدينة. فلما صرف الله الأحزاب أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يغزو قريظة وهم فريق من اليهود يعرفون ببني قريظة وكانت منازلهم وحُصونهم بالجَنوب الشرقي من المدينة تعرف قريتهم باسمهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاد إلى المدينة من الخندق ظُهراً وكان بصدد أن يغتسل ويَستقر فلما جاءه الوحي بأن يغزو قريظة نادى في الناس أنْ لا يصليَنَّ أحدُكم العصر إلا في بني قريظة. وخرج الجيش الذي كان بالخندق معه فنزلوا على قرية قريظة واستعصم أهل القرية بحصونهم فحاصرهم المسلمون نحواً من عشرين ليلة، فلما جهدهم الحصار وخامرهم الرعب من أن يفتح المسلمون بلادهم فيستأصلوهم طمِعوا أن يطلبوا أن يسلموا بلادهم على أن يحكّم حكَم في صفة ذلك التسليم. ويقال لهذا النوع من المصالحة: النزول على حُكم حَكَم، فأرسلوا شَاس بن قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعرضون أن ينزلوا على مثل ما نزلت عليه بنو النضير من الجَلاء على أن لهم ما حَملَتْ الإبلُ إلا الحَلَقة، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبول ذلك وبعد مداولات نزلوا على حكم سَعْد بن معاذ، فحكم سعد أن تقتل المقَاتِلة وتُسبَى النساء والذَّراري وأن تكون ديارهم للمهاجرين دون الأنصار فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حكم به سعد كما هو مفصل في السيرة. ومعنى {ظاهروهم} ناصروهم وأعانوهم، وتقدم في قوله تعالى: {أية : ولم يظاهروا عليكم أحداً} تفسير : في سورة براءة (4). والإنزال: الإهباط، أي: من الحصون أو من المعتصمات كالجبال. والصياصي: الحصون، وأصلها أنها جمع صِيصَيَة وهي القَرْن للثَّوْر ونحوه. قال عبد بني الحسحاس:شعر : فأصبحت الثيرانُ غرقَى وأصبحت نساءُ تميم يلتقطن الصَّيَاصيا تفسير : أي: القرون لبيعها. كانوا يستعملون القرون في مناسِج الصوف ويتخذون أيضاً منها أوعية للكحل ونحوه، فلما كان القرن يدافع به الثوْر عن نفسه سمي المَعقل الذي يعتصم به الجيش صيصية والحصونُ صياصيَ. والقذف: الإلقاء السريع، أي: جعل الله في قلوبهم الرعب بأمره التكويني فاستسلموا ونزلوا على حكم المسلمين. والفريق الذين قُتلوا هم الرجال وكانوا زهاء سبعمائة والفريق الذين أُسروا هم النساء والصبيان. والخطاب من قوله {فريقاً تقتلون} إلى آخره... للمؤمنين تكملة للنعمة التي أنبأ عنها قوله: {أية : يا أيها الذين ءامنوا اذكروا نِعمة الله عليكم إذْ جاءَتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً}تفسير : [الأحزاب: 9] الآية، أي: فأهلكنا الجنود وردهم الله بغيظهن وسلطكم على أحلافهم وأنصارهم. وتقديم المفعول في {فريقاً تقتلون} للاهتمام بذكره لأن ذلك الفريق هم رجال القبيلة الذين بقتلهم يتم الاستيلاء على الأرض والأموال والأسرى، ولذلك لم يقدم مفعول {تأسرون} إذ لا داعي إلى تقديمه فهو على أصله. وقوله {وأرضاً لم تطؤوها} أي: تنزلوا بها غزاةً وهي أرض أُخرى غير أرض قريظة وصفت بجملة {لم تَطَؤُوها} أي: لم تمشوا فيها. فقيل: إن الله بشرهم بأرض أخرى يرثونها من بعد. قال قتادة: كنا نحدث أنها مكة. وقال مقاتل وابن رومان: هي خيبر، وقيل: أرض فارس والروم. وعلى هذه التفاسير يتعين أن يكون فعل {أورثكم} مستعملاً في حقيقته ومجازه؛ فأما في حقيقته فبالنسبة إلى مفعوله وهو {أرضهم وديارهم وأموالهم}، وأما استعماله في مجازه فبالنسبة إلى تعديته إلى {أرضاً لم تطؤوها}، أي: أن يورثكم أرضاً أخرى لم تطؤوها، من باب: {أية : أتى أمر الله}تفسير : [النحل: 1] أو يُؤوَّل فعل {أورثكم} بمعنى: قَدَّر أن يُوَرِّثكم. وأظهر هذه الأقوال أنها أرض خيبر فإن المسلمين فتحوها بعد غزوة قريظة بعام وشهر. ولعلّ المخاطبين بضمير {أورثكم} هم الذين فتحوا خيبر لم ينقص منهم أحد أو فقد منه القليل ولأن خيبر من أرض أهل الكتاب وهم ممن ظاهروا المشركين فيكون قصدُها من قوله {وأرضاً} مناسباً تمام المناسبة. وفي التذييل بقوله {وكان الله على كل شيء قديراً} إيماء إلى البشارة بفتح عظيم يأتي من بعده. وعندي: أن المراد بالأرض التي لم يَطؤوها أرض بني النضير وأن معنى {لم تطؤوها} لم تفتحوها عنوة، فإن الوطء يطلق على معنى الأخذ الشديد، قال الحارث بن وَعْلَة الذهلي:شعر : وطَأَتَنا وَطْئاً على حَنَق وَطْءَ المقيَّد نابت الهَرْم تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تعلموهم أن تطؤوهم}تفسير : [الفتح: 25]، فإن أرض بني النضير كانت مما أفاء الله على رسوله من غير إيجاف.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ظاهروهم: أي ناصروهم ووقفوا وراءهم يشدون أزرهم. من صياصيهم: أي من حصونهم والصياصي جمع صيصيَّة وهي كل ما يمتنع به. وقذف في قلوبهم الرعب: أي ألقى الخوف في نفوسهم فخافوا. وأرضاً لم تطأوها: أي لم تطأوها بعد وهي خيبر إذ فتحت بعد غزوة الخندق. معنى الآيات: قوله تعالى {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} هذا شروع في ذكر غزوة بني قريظة إذ كانت بُعيد غزوة الخندق في السنة الخامسة من الهجرة في آخر شهر القعدة وخلاصة الحديث عن هذه الغزوة أنه لما ذهب الأحزاب وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة وكان بنو قريظة قد نقضوا عهدهم وانضموا إلى الأحزاب من المشركين عوناً لهم على رسول الله والمؤمنين فلما ذهب الأحزاب وانصرف الرسول والمؤمنون من الخندق إلى المدينة فما راع الناس إلا ومنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي إلى بني قريظة فلا يصليّن أحدكم العصر إلا ببني قريظة وهي على أميال من المدينة وذلك أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم ظهر ذلك اليوم فقال يا رسول الله وضعت السلاح إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة فقام رسول الله وأمر منادياً ينادي بالذهاب إلى بني قريظة وذهب رسول الله والمسلمون فحاصروهم قرابة خمس وعشرين ليلة وجهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب فقال لهم رسول الله أتنزلون على حكمي فأبوا فقال أتنزلون على حكم سعد بن معاذ؟ فقالوا نعم فحكمه فيهم فحكم بأن يُقتل الرجال وتسبى الذراري والنساء وتقسم الأموال، فقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم مقرراً للحكم لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات. فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث من نساء بني النجار وخرج إلى سوق المدينة فحفر فيها خندقاً ثم جيء بهم وفيهم حيي بن أخطب الذي حزّب الأحزاب وكعب بن أسد رئيس بني قريظة، وأمر علياً والزبير بضرب أعناقهم وطرحهم في ذلك الخندق. وبذلك انتهى الوجود اليهودي المعادي بالمدينة النبويّة. والحمد لله. فقوله تعالى {وَأَنزَلَ} أي الله تعالى بقدرته {ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} أي ظاهروا الأحزاب وكانوا عوناً لهم على الرسول والمؤمنين وهم يهود بني قريظة {مِن صَيَاصِيهِمْ} أي أنزلهم من حصونهم الممتنعين بها، {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} ولذا قبلوا التحكيم فحكّم فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأوس سعد بن معاذ رضي الله عنه فحكم فيهم بقتل المقاتلة من الرجال وسبي النساء والذراري وهو معنى قوله تعالى {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} وهم الرجال {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} وهم النساء والأطفال، وقوله {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ} الزراعية {وَدِيَارَهُمْ} السكنيّة {وَأَمْوَالَهُمْ} الصامتة والناطقة وقوله {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} أي أورثكم أرضاً لم تطئوها بعد وهي أرض خيبر حيث غزاهم رسول الله في السنة السادسة بعد صلح الحديبية وفتحها الله عليهم وقوله {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} تذييل المراد به تقرير ما أخبر تعالى به من نصر أوليائه وهزيمة أعدائه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) بيان عاقبة الغدر فإِن قريظة لما غدرت برسول الله انتقم منها فسلط عليها رسوله والمؤمنين فأبادوهم عن آخرهم ولم يبق إلاّ الذين لا ذنب لهم وهم النساء والأطفال. 2) بيان صادق وعد الله إذ أورث المسلمين أرضاً لم يكونوا قد وطئوها وهي خيبر والشام والعراق وفارس وبلاد أخرى كبيرة وكثيرة. 3) تقرير أن قدرة الله لا تحد أبداً فهو تعالى على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ظَاهَرُوهُم} {ٱلْكِتَابِ} (26) - لَمَّا قَدِمَتِ الأَحْزَابُ إِلى المَدِينةِ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَبَيْنَ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَهْدٌ وَمُوَادَعَةٌ، فَجَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ - زَعيمُ يَهُودِ بَني النَّضِيرِ - وَكَانَ مَعَ قَوْمِهِ مَعَ الأحْزاب، - إِلى بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْتَحِثُّهُمْ عَلَى نَقْضِ عَهْدِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَمُشَارَكَةِ الأَحْزَابِ فِي مُحَارَبَةِ المُسْلِميِنَ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمينَ. وَلَمَّا هَزَمَ اللهُ الأَحْزَابَ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يَسيرَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُعَاقِبَهُمْ عَلَى غَدْرِهِمْ، وَنَقْضِهِمْ العَهْدَ. وَبَعْدَ حَرْبٍ دَامَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ يَوْماً اضْطُرُّوا إِلى النُّزُولِ على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَانَ حَلِيفاً لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَاسْتَدْعَاهُ رَسُولُ اللهِ - وَكَانَ فِي المَدِينةِ يَشْتَكِي مِنْ جُرْحٍ أَصَابَهُ - فَحَكَمْ سَعْدٌ بِأَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالأَمْوالُ. وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالى: إِنَّهُ قَذَفَ فِي قُلُوبِ بَنِي قُرَيْظَةَ الرُّعْبَ (الذِينَ ظَاهَرُوا الأحْزَابَ مِنْ أَهلِ الكِتَابِ)، وَأْنْزَلَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ (صَيَاصِيهِمْ) عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ، فَقَتَلَ المُسْلِمُونَ فَرِيقاً، وَأَسَرُوا فَرِيقاً. الذينَ ظَاهَرُوهُمْ - الذِينَ أَعَانُوا الأًحْزَابَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ. صَيَاصِيهمْ - حُصُونِهِمْ وَمَعَاقِلِهِمْ. الرُّعبُ - الخَوْفُ الشَّديدُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {ظَاهَرُوهُم ..} [الأحزاب: 26] أي: عاونوهم {مِن صَيَاصِيهِمْ ..} [الأحزاب: 26] أي: من حصونهم وقلاعهم {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ..} [الأحزاب: 26] أي: الخوف وهو جندي من جنود الله، وهذا الرعب الذي ألقاه الله في قلوب الكافرين هو الذي فرَّقهم، ولم يجعل لكثرة العدد لديهم قيمة، وما فائدة أعداد كثيرة خائفة مذعورة {أية : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ..} تفسير : [المنافقون: 4]. ألم يُحدِّثنا صحابة رسول الله أنهم كانوا يستعملون السواك، فظن الكفار أنهم يسنُّون أسنانهم ليأكلوهم، هذا هو الرعب الذي نصر الله به عباده المؤمنين. ومعنى {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ ..} [الأحزاب: 26] أي: المقاتلين الذين يحملون السلاح {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} [الأحزاب: 26] وهم النساء والذراري وغيرهم مِمَّنْ لا يحملون السلاح. ثم يقول الحق سبحانه: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} معناه أعانُوهم. تفسير : وقوله تعالى: {مِن صَيَاصِيهِمْ} معناه من حُصُونِهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} [الأحزاب: 26] أي: أعانوا للنفس والشيطان والدنيا على القلوب {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [الأحزاب: 26] وهم العلماء المداهنون بفنون الرخص لا عزائم الطلب ويغرونهم التجريد والمجاهدة وترك الدنيا والعزلة والانقطاع، ويقولون: هذه رهبانية وليست ومن ديننا ويتمسكون بآيات وأخبار لها ظاهر وباطن، فيأخذون بظاهرها ويبطلون ويضيعون باطنها، ولا يعلمون أن القرآن يفسر بعضه بعضاً فيؤمنون ببعض هو على وفق طباعهم ويكفرون ببعض هو على خلاف طباعهم، أولئك أعوان النفوس والشياطين. {مِن صَيَاصِيهِمْ} وإنزالهم بأن الله تعالى ينور قلوب أرباب الطلب بنور الإيقان والعرفان؛ ليتحقق عندهم جهل هؤلاء العلماء السوء وينزل وقعهم ووقارهم في نظر أهل التحقيق {مِن صَيَاصِيهِمْ} أي: من حصون تكبرهم وتجبرهم وغرورهم وحسبانهم عند أهل النظر، وأيضاً أنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب؛ لئلا يفتنون بهم ويغتروا عن صدق طلبهم {وَقَذَفَ} [الأحزاب: 26] بنور قلبهم {فِي قُلُوبِهِمُ} [الأحزاب: 26] النفوس والشياطين {ٱلرُّعْبَ} [الأحزاب: 26] ليتفرقوا عن تسويلات أرباب الطلب {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [الأحزاب: 26] وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} [الأحزاب: 26] وهم الدنيا وجاهها ومالها. {وَأَوْرَثَكُمْ} [الأحزاب: 27] يا أرباب الحق {أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [الأحزاب: 27] لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة وبقوله: {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} [الأحزاب: 27] يشير إلى مقامات وكمالات لم يبلغوها باستعمال الدنيا، وما فيها أمر استعمالها فيه وكان الله على توفيق استعمال كل شيء من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها في طلب الحق قديراً. ثم أخبر عن طلب الدنيا أنه تارك العقبى والمولى بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28] موجب للمفارقة عن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه مع أنهن محال النطفة الإنسانية في عالم الصورة ليعلم أن حب الدنيا وزينتها آكد في إيجاب المفارقة عن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ لأن أرحام قلوبهم محل النطفة الروحانية الربانية، فينبغي أن يكون أطيب وأزكى لاستحقاق تلك النطفة الشريفة، فإن الطيبات للطيبين وبقوله: {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 29] يشير إلى أن محبة الله ورسوله والدار الآخرة موجبة الاتصال إلى النبي صلى الله عليه وسلم والوصلة إلى الله عز وجل إن كانت خالصة من دون الله، فإن كانت مشوبة بنعيم الجنة فله نعيم الجنة بقدر شوب محبة الله محبة النعيم، وله من الأجر العظيم بحسب محبة الله، فإن قال قائل: فلما تحقق أن محبة الله إذا كانت مشوبة بمحبة غير الله يوجب النقص من الأجر العظيم فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم توجب النقص من الأجر العظيم، قلنا: لا يوجب النقص من الأجر العظيم بل تزيد فيه لأن من أحب النبي صلى الله عليه وسلم فقد أحب الله كما أن من يطع الرسول فقد أطاع الله والفرق بين محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة الجنة أن محبته بالحق دون الحظ ومحبة الجنة بالحظ دون الحق، فإن الجنة حظ النفس كما قال تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ}تفسير : [فصلت: 31] ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعته مؤدية إلى محبة الله للعبد لقوله: أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 31]. وبقوله: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] يشير إلى أن الثواب والعقاب بقدر نفاسة النفس وخستها تزيد وتنقص، وأن زيادة العقوبة على الجرم من أمارات الفضيلة كحد الحر والعبد، وتقليل ذلك من أمارات النقص وذلك لأن أهل السعادة صنفين: صنف منهم السعيد والآخر الأسعد، فالسعيد: من أهل الجنة، والأسعد: من أهل الله، فإذا صدر من السعيد طاعة فأعطي أجراً واحداً من الجنة، وإن صدر معصية فأعطي بها عذابا واحداً من الجحيم، وإذا صدر من أهل الأسعد طاعة فأعطي أجره مرتين وذلك بأن له درجة في الجنة ومرتين في القربة، وإن صدر منه معصية يضاعف له العذاب ضعفين نقص في درجته من الجنة ونقص في مرتبته من القربة أو عذاب من ألم مس النار، وعذاب من ألم مس بعد ذلك الحجاب ومن هنا كان دعاء السَّري السَّقطي - قدس سره -: اللهم إن كنت معذبي بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} [الأحزاب: 30] أن يضاعف لهم العذاب ضعفين بخلاف الخلق لأن تضعيفه العذاب في جهنم ليس بيسير، فإنهم يبعثون به ويعسر عليهم ذلك.
همام الصنعاني
تفسير : 2330- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِن صَيَاصِيهِمْ}: [الآية: 26]، قال: من حُصُونِهِمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):