Verse. 3560 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

وَاَوْرَثَكُمْ اَرْضَہُمْ وَدِيَارَہُمْ وَ اَمْوَالَہُمْ وَاَرْضًا لَّمْ تَطَـــــُٔـوْہَا۝۰ۭ وَكَانَ اللہُ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرًا۝۲۷ۧ
Waawrathakum ardahum wadiyarahum waamwalahum waardan lam tataooha wakana Allahu AAala kulli shayin qadeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها» بعد وهي خيبر أخذت بعد قريظة «وكان الله على كل شيءٍ قديرا».

27

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه ترتيب على ما كان، فإن المؤمنين أولاً تملكوا أرضهم بالنزول فيها والاستيلاء عليها ثم تملكوا ديارهم بالدخول عليهم وأخذ قلاعهم ثم أموالهم التي كانت في بيوتهم وقوله: {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا } قيل المراد القلاع وقيل المراد الروم وأرض فارس وقيل كل ما يؤخذ إلى يوم القيامة: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيراً } هذا يؤكد قول من قال إن المراد من قولهم: {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا } هو ما سيؤخذ بعد بنـي قريظة، ووجهه هو أن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاد ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها.

البيضاوي

تفسير : {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ} مزارعهم. {وَدِيَـٰرَهُمْ } حصونهم. {وَأَمْوٰلَهُمْ } نقودهم ومواشيهم وأثاثهم. حديث : روي أنه عليه الصلاة والسلام جعل عقارهم للمهاجرين فتكلم فيه الأنصار فقال: إنكم في منازلكم وقال عمر رضي الله عنه: أما تخمس كما خمست يوم بدر فقال: لا إنما جعلت هذه لي طمعةتفسير : {وَأَرْضاً لَّمْ} كفارس والروم، وقيل خيبر وقيل كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيراً } فيقدر على ذلك. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} السعة والتنعم فيها. {وَزِينَتَهَا} زخارفها. {فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ} أعطكن المتعة. {وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} طلاقاً من غير ضرار وبدعة. روي أنهم سألنه ثياب الزينة وزيادة النفقة فنزلت. فبدأ بعائشة رضي الله عنها فخيرها فاختارت الله ورسوله، ثم اختارت الباقيات اختيارها فشكر الله لهن ذلك فأنزل {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ }تفسير : [الأحزاب: 52] وتعليق التسريح بإرادتهن الدنيا وجعلها قسيماً لإِرادتهن الرسول يدل على أن المخيرة إذا اختارت زوجها لم تطلق خلافاً لزيد والحسن ومالك وإحدى الروايتين عن علي، ويؤيده قول عائشة رضي الله عنها «خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه». ولم يعده طلاقاً وتقديم للتمتع على التسريح المسبب عنه من الكرم وحسن الخلق. قيل لأن الفرقة كانت بإرادتهن كاختيار المخيرة نفسها فإنه طلقة رجعية عندنا وبائنة عند الحنفية، واختلف في وجوبه للمدخول بها وليس فيه ما يدل عليه، وقرىء «أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ» بالرفع على الاستئناف. {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} يستحقر دونه الدنيا وزينتها ومن للتبيين لأنهن كلهن كن محسنات. {يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ} بكبيرة. {مُّبَيّنَةٍ} ظاهر قبحها على قراءة ابن كثير وأبي بكر والباقون بكسر الياء. {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه، لأن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه تتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد، وعوتب الأنبياء بما لا يعاتب به غيرهم وقرأ البصريان «يضعف» على البناء للمفعول، ورفع {ٱلْعَذَابَ} وابن كثير وابن عامر «نضعف» بالنون وبناء الفاعل ونصب «ٱلْعَذَابَ». {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} لا يمنعه عن التضعيف كونهن نساء النبي وكيف وهو سببه. {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ} ومن يدم على الطاعة. {لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} ولعل ذكر الله للتعظيم أو لقوله: {وَتَعْمَلْ صَـٰلِحاً نُؤْتِهَـا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} مرة على الطاعة ومرة على طلبهن رضا النبي عليه الصلاة والسلام بالقناعة وحسن المعاشرة. وقرأ حمزة والكسائي «ويعمل» بالياء حملاً على لفظ «من ويؤتها» على أن فيه ضمير اسم الله. {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} في الجنة زيادة على أجرها. {يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاءِ} أصل أحد وحد بمعنى الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث والواحد والكثير، والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل. {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} مخالفة حكم الله ورضا رسوله. {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ} فلا تجئن بقولكن خاضعاً ليناً مثل قول المريبات. {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ } فجور وقرىء بالجزم عطفاً على محل فعل النهي على أنه نهى مريض القلب عن الطمع عقيب نهيهن عن الخضوع بالقول. {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} حسناً بعيداً عن الريبة. {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ} من وقر يقر وقاراً أو من قر يقر حذفت الأولى من راءي اقررن ونقلت كسرتها إلى القاف، فاستغني عن همزة الوصل ويؤيده قراءة نافع وعاصم بالفتح من قررت أقر وهو لغة فيه، ويحتمل أن يكون من قار يقار إذا اجتمع. {وَلاَ تَبَرَّجْنَ} ولا تتبخترن في مشيكن. {تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} تبرجاً مثل تبرج النساء في أيام الجاهلية القديمة، وقيل هي ما بين آدم ونوح، وقيل الزمان الذي ولد فيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام كانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقيل الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإِسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في الإِسلام ويعضده قوله عليه الصلاة والسلام لأبي الدرداء رضي الله عنه «حديث : إن فيك جاهلية، قال جاهلية كفر أو إسلام قال بل جاهلية كفر»تفسير : {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَـوٰةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في سائر ما أمركن به ونهاكن عنه. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ } الذنب المدنس لعرضكم وهو تعليل لأمرهن ونهيهن على الاستئناف ولذلك عمم الحكم. {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } نصب على النداء أو المدح. {وَيُطَهّرَكُمْ } عن المعاصي. {تَطْهِيــراً } واستعارة الرجس للمعصية والترشيح بالتطيهر للتنفير عنها، وتخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما رضي الله عنهم لما روي «حديث : أنه عليه الصلاة والسلام خرج ذات غدوة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجلس فأتت فاطمة رضي الله عنها فأدخلها فيه، ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء الحسن والحسين رضي الله عنهما فأدخلهما فيه ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ}»،تفسير : والاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون إجماعهم حجة ضعيف لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، والحديث يقتضي أنهم من أهل البيت لا أنه ليس غيرهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَٰرَهُمْ وَأَموٰلَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوها} بعد وهي خيبر: أُخذت بعد قريظة {تَطَئُوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً }.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَرْضَهُمْ} المزارع والنخيل {وَدِيَارَهُمْ} منازلهم وأموالهم المنقولة {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُهَا} مكة، أو خيبر، أو فارس والروم "ح"، أو ما ظهر المسلمون عليه إلى يوم القيامة {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ} أراد فتحه من القرى والحصون {قَدِيراً} وعلى ما أراده من نقمة أو عفو.

الخازن

تفسير : {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤوها} يعني بعد قيل هي خيبر ويقال إنها مكة وقيل فارس والروم وقيل هي كل أرض تفتح على المسلمين إلى يوم القيامة {وكان الله على كل شيء قديراً}. قيل كانت في آخر ذي القعدة سنة خمس. وعلى قول البخاري المتقدم في غزوة الخندق عن موسى بن عقبة أنها كانت في سنة أربع. قال العلماء بالسير إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح في الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم انصرف صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة ووضعوا السلاح، فلما كان الظهر أتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمماً بعمامة من إستبرق على بغلة بيضاء عليها رحالة وعليها من قطيفة من ديباج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه وقد غسلت شقه فقال جبريل يا رسول الله قد وضعت السلاح؟ قال: نعم قال: جبريل عفا الله عنك ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. وروى أنه كان الغبار على وجه جبريل وفرسه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجهه ووجه فرسه فقال إن الله تعالى يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عامد إلى بني قريظة فانهز إليهم فإني قد قطعت أوتارهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً فأذن أن من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إليهم وابتدرهم الناس، وسار علي حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال: يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال: أظنك سمعت لي منهم أذى قال: نعم يا رسول الله قال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال "يا أخوان القردة قد أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته". قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولاً؛ ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال "هل مر بكم أحد؟" فقالوا: يا رسول الله مر بنا دحية بن خليفة على بغلة بيضاء عليها رحاله وعليها قطيفة ديباج. فقال صلى الله عليه وسلم "ذاك جبريل عليه السلام بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية أموالهم وتلاحق به الناس فأتاه رحال بعد صلاة العشاء الأخيرة ولم يصلوا العصر لقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"تفسير : فصلوا العصر بها بعد العشاء الأخيرة فما عابهم الله بذلك ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العلماء: حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب كان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ووفى لكعب بن أسد بما كان عاهده، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد يا معشر يهود إنكم قد نزل من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالاً ثلاثاً فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هن؟ قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتؤمنون على دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبداً ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالاً مصلتين بالسيوف ولا نترك وراءنا ثقلاً يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئاً نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما في العيش بعدهم خير. قال: فإن أبيتم هذه الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فانزلوا فلعلنا أن نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من قبلنا إلا ما قد علمت فأصابهم من المسخ ما لم يخف عليك. قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه حازماً ليلة من الدهر ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه سلم أن ابعث لنا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بن عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. فلما رأوه قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم. فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، قال أبو لبابة فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت النبي صلى الله عليه سلم حتى ربط في المسجد إلى عمود من عمده وقال والله لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت وعاهد الله لا يطأ أرض بني قريظة أبداً ولا يراني الله في بلد قد خنت الله ورسوله فيه أبداً. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه قال أما لو قد جاءني لاستغفرت له فأما إذا فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه، ثم إن الله أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقلت: مم ضحكت يا رسول الله أضحك الله سنك؟ قال: تيب على أبي لبابة. فقلت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله قال بلى إن شئت قال فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب. فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك. قال: فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده فلما مر عليه خارجاً إلى الصبح أطلقه. قال: ثم إن ثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعيد وأسيد بن عبيد وهم نفر من بني هذيل ليسوا من قريظة ولا النضير نسبهم من فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج في تلك الليلة عمرو بن السعدي القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا قال: عمرو بن السعدي كان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا أغدر بمحمد صلى الله عليه وسلم أبداً فقال محمد بن مسلمة اللهم لا تحرمني من عثرات الكرام، فخلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدري أين ذهب من أرض الله فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه فقال ذاك رجل نجاه الله بوفائه؛ وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت برمته ملقاة ولا يدري أين ذهب. فقال: فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواثب الأوس وقالوا يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت. وقد كان رسول الله صلى الله عليه سلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه. فسأله إياهم عبد الله بن أبي سلول فوهبهم له. فلما كلمه الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ وكان سعد جعله رسول الله صلى الله عليه سلم في مسجده في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رفيدة وكانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب، فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه سلم في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له وسادة من أدم وكان رجلاً جسيماً ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه. قال: قد آن لسعد أن تأخذه في الله لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلا دار بني الأشهل فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه، فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قوموا إلى سيدكم فأنزلوه فقاموا إليه وقالوا: يا أبا عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك مواليك فتحكم فيهم. فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم ما حكمت. قالوا: نعم قال وعلى من ها هنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم. قال سعد: فاني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث من نساء بني النجار ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضربت أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم أرسالاً وفيهم عدو الله ورسوله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة إلى التسعمائة وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالاً يا كعب ما ترى ما يصنع بنا قال أفي كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع وأن من يذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم النبي صلى الله عليه وسلم وأتى بحيي بن أخطب عدو الله وعليه حلة تفاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ثم أقبل على الناس فقال يا أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضرب عنقه وروي عن عائشة قالت لم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندي تتحدث معي وتضحك ظهراً وبطناً ورسول الله صلى الله عليه سلم يقتل رجالهم بالسيف إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت أنا والله قلت ويلك مالك قالت أقتل قلت ولم قالت حدثا أحدثته قالت فانطلق بها فضرب عنقها وكانت عائشة تقول ما أنسى عجباً منها طيب نفس وكثرة ضحك وقد عرفت أنها تقتل قال الواقدي وكان اسم المرأة بنانة امرأة الحكم القرظي وكانت قتلت خلاد بن سويد قال وكان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هناك. وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أن الزبير بن باطا القرظي ويكنى أبا عبد الرحمن كان مّنَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجلية يوم بعاث أخذه فجز ناصيته ثم خلى سبيله فجاءه يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني قال وهل يجهل مثلي مثلك قال إني أريد أن أجزيك بيدك عندي قال إن الكريم يجزي الكريم قال ثم أتى ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه سلم فقال يا رسول الله قد كان الزبير عندي يد وله عليَّ منة وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هو لك" فأتاه فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك قال شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أهله وأولاده فقال "هم لك" فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني امرأتك وولدك فهم لك فقال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما له يا رسول الله قال هو لك فأتاه فقال إن رسول الله صلى لله عليه وسلم قد أعطاني مالك فهو لك فقال أي ثابت ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية يتراءى فيه عذارى الحي كعب بن أسد قال قتل قال فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا كررنا عزال بن شموال قال قتل قال فما فعل المجلسان يعني بني كعب وبني قريظة بني عمرو بن قريظة قال قتلوا قال فإني أسألك بيد عندك يا ثابت إلا ما ألحقتني بالقوم فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت فضربت عنقه فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله حتى يلقى الأحبة قال يلقاهم والله في نار جهنّم خالداً أبداً قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أنبت منهم ثم قسم أموال بني قريظة ونساءهم على المسلمين وأغنم في ذلك اليوم سهمين للخيل وسهماً للرجال فكان للفارس ثلاثة أسهم سهمان للفرس ولفارسه سهم وللراجل من ليس له فرس سهم وكانت الخيل ستة وثلاثين فرساً وكان أول يوم وقع فيه السهمان ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع لهه بهم خيلا وسلاحاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنانة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وفي في ملكه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب. فقالت: يا رسول الله, بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها, وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه بذلك من أمرها. فبينما هو بين أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة, فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك فلما قضي شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ وذلك أنه دعا بعد أن حكم في بني قريظة ما حكم فقال اللهم إنك علمت أنه لم يكن قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئاً فأبقني له وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك فانفجر كلمه فرجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد. قالت: عائشة فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فو الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر وبكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي. قالت: وكانوا كما قال الله تعالى {أية : رحماء بينهم}تفسير : [الفتح: 29] (خ) حديث : عن سلمان بن صرد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلى الأحزاب "الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم""تفسير : . (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه سلم كان يقول "حديث : لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعز جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده ". تفسير : قوله تعالى {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن} أي متعة الطلاق {وأسرحكن سراحاً جميلاً} أي من غير ضرر {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً} سبب نزول هذه الآية أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه من عرض الدنيا شيئاً وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى أن لا يقربهن شهراً، ولم يخرج إلى أصحابه فقالوا ما شأنه وكانوا يقولون طلق الله رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. فقال عمر: لأعلمن لكم شأنه قال فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أطلقتهن قال: "لا" قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن. قال: "نعم إن شئت" فقمت على باب المسجد وناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ونزلت هذه الآية {ولو رده إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فكنت أنا استنبطت هذا الأمر. وأنزل الله آية التخيير وكان تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع نسوة خمسة من قريش وهو: عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة بنت أبي أمية وسودة بنت زمعة، وأربع من غير قرشيات وهن زينب بن جحش الأسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية وجويرية بنت الحارث المصطلقية، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة، وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتابعتها على ذلك فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقالت تعالى {أية : لا يحل لك النساء من بعد}تفسير : [الأَحزاب: 52] (م) عن جابر بن عبد الله قال: "حديث : دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد رسول الله صلى الله عليه سلم جالساً وحوله نساؤه واجماً ساكتاً. فقال: لأقولن شيئاً أضحك به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله لقد رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال هن حولي كما ترى يسألنني النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة فوجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة فوجأ عنقها كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده قلن والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أبداً ليس عنده ثم اعتزلهن شهراً أو تسعاً وعشرين حتى نزلت هذه الآية {يا أيها النبي قلت لأزواجك إن كنتن} حتى بلغ: {للمحسنات منكن أجراً عظيماً} قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك قالت: وما هو يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا عليها الآية قالت أفيك يا رسول الله أستشير أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت: قال: لا تسألني امرأة منهن إلى أخبرتها إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً مبشراً"تفسير : قوله واجماً أي مهتماً، والواجم الذي أسكته الهم وعلته الكآبة وقيل الوجوم الحزن. قولهم فوجأت عنقها أي دققته وقوله لم يبعني معنتاً العنت المشقة والصعوبة (م) عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهراً قال الزهري فأخبرني عروة "حديث : "عن عائشة قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدهن دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بي فقلت: يا رسول الله، أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً وإنك دخلت من تسع وعشرين؛ أعدهن قال: إن الشهر تسع وعشرين" ". تفسير : فصل في حكم الآية اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن، حتى يقع بنفس الاختيار أم لا فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم، إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق وإنما خيرهن على أنهن إذ اخترن الدنيا فارقهن لقوله تعالى {فتعالين أمتعكن وأسرحكن} بدليل أنه لم يكن جوابهن على الفور،"حديث : وأنه قال لعائشة: "لا تعجلي حتى تستشيري أبويك""تفسير : وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور، وذهب قوم إلى أنه كان تفويض الطلاق ولو اخترن أنفسهن كان طلاقاً. التفريع على حكم الآية اختلف أهل العلم في حكم التخيير، فقال عمر وابن مسعود، وابن عباس: إذا خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء وإن اختارت نفسها يقع طلقة واحدة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن عند أصحاب الرأي يقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها وعند الآخرين رجعية وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج يقع طلقة واحدة وإذا اختارت نفسها فثلاث وهو قول الحسن به قال مالك. وروي عن علي أنها إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة، وإذا اختارت نفسها فطلقة بائنة وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا شيء (ق) عن مسروق قال: ما أبالي خيرت امرأتي واحدة أو مائة أو الفاً بعد أن تختارني، ولقد سألت عائشة رضي الله عنها، فقالت خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان طلاقاً وفي رواية فاخترناه فلم يعد ذلك شيئاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {وأورثكم} [وميراث داد شمارا] {ارضهم} مزارعهم وحدائقهم {وديارهم} حصونهم وبيوتهم {واموالهم} نقودهم واثاثهم ومواشيهم شبهت فى بقائها على المسلمين بالميراث الباقى على الوارثين اذ ليسوا فى الشئ منهم من قرابة ولادين ولا ولاء فاهلكهم الله على ايديهم وجعل املاكهم واموالهم غنائم لهم باقية عليهم كالمال الباقى على الوارث {وارضا} [وشمارا داد زمينى راكه] يعنى فى علمه وتقديره {لم تطؤها} باقدامكم بعد كفارس والروم وما ستفتح الى يوم القيامة من الاراضى والممالك من وطئ يطأ وطئا: وبالفارسية [بباى سبردن] {وكان الله على كل شئ قديرا} فقد شاهدتم بعض مقدوراته من ايراث الارض التى تسلمتموها فقيسوا عليها ما بعدها. قال الكاشفى [بس قادر باشد بر فتح بلاد وتسخير آن براى ملازمان سيد عباد شعر : لشكر عزم ترا فتح وظفر همراهست لا جرم هر نفس اقليم دكر مى كيرى تفسير : ـ روى ـ انه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وكان وقت الظهيرة وصلى الظهر ودخل بيت زينب وقد غسلت شق رأسه الشريف اتى جبريل عليه السلام على فرسه حيزوم معتجرا بعمامة سوداء فقال أوقد وضعت السلاح يا رسول الله قال نعم قال جبريل ما وضعت ملائكة الله السلاح منذ نزل بك العدو ان الله يأمرك بالمسير الى بنى قريظة فانى عامد اليهم بمن معى من الملائكة فمزلزل بهم الحصون وداقهم دق البيض على الصفا فادبر بمن معه وسار حتى سطع الغبار فامر عليه السلام بلالا رضى الله عنه فاذن فى الناس من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر الا فى بنى قريظة وقد لبس عليه السلام الدرع والمغفر واخذ قناة بيده الشريفة وتقلد السيف وركب فرسه اللحيف بالضم والناس حوله قد لبسوا السلاح وهم ثلاثة آلاف واستعمل على المدينة ابن ام مكتوم رضى الله عنه ودفع اللواء الى على رضى الله عنه وكان اللواء على حاله لم يحل من مرجعه من الخندق وارسله متقدما مع بعض الاصحاب ومر عليه السلام بنفر من بنى النجار قد لبسوا السلاح فقال هل مرّ بكم احد قالوا نعم دحية الكلبى رضى الله عنه وامرنا بحمل السلاح وقال لنا رسول الله يطلع عليكم الآن فقال ذلك جبريل فلما دنا على رضى الله عنه من الحصون وغرز اللواء عند اصل الحصون سمع من بنى قريظة مقالة قبيحة فى حقه عليه السلام وحق ازواجه فسكت المسلمون وقالوا السيف بيننا وبينكم فلما رأى على رضى الله عنه رسول الله مقبلا امر قتادة الانصارى ان يلزم اللواء ورجع اليه عليه السلام فقال يا رسول الله لا عليك ان لا تدنو من هؤلاء الاخابث قال لعلك سمعت منهم لى اذى قال نعم قال لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا فلما دنا من حصونهم قال يا اخوان القردة والخنازير لان اليهود مسخ شبانهم قردة وشيوخهم خنازير فى زمن داود عليه السلام عند اعتدائهم يوم السبت بصيد السمك اخزاكم الله وانزل بكم نقمته أتشتموننى فجعلوا يحلفون ويقولون ما قلنا يا ابا القاسم ما كنت فحاشا: يعنى [توفحاش نبودى وهركز ناسزا نكفتى جونست كه امروز مارا ميكويى] ثم ان جماعة من الصحابة شغلهم ما لم يكن منه بد عن المسير لبنى قريظة ليصلوا بها العصر فاخروا صلاة العصر الى ان جاؤا بعد العشاء الاخيرة فصلوها هناك امتثالا لقوله عليه السلام "حديث : لا يصلين العصر الا فى بنى قريظة" تفسير : وقال بعضهم نصلى ما يريد رسول الله منا ان ندع الصلاة ونخرجها عن وقتها وانما اراد الحث على الاسراع فصلوها فى اماكنهم ثم ساروا فما عابهم الله فى كتابه ولا عنفهم رسول الله لقيام عذرهم فى التمسك بظاهر الامر فكل من الفريقين متأول ومأجور بقصده وهو دليل على ان كل مختلفين فى الفروع من المجتهدين مصيب. ومن هنا اخذ الصوفية ما ذكروا فى آداب الطريقة ان الشيخ المرشد اذا ارسل المريد لحاجة فمر فى الطريق بمسجد وقد حضرت الصلاة فانه يقدم السعى للحاجة اهتماما لا تهاونا بالصلاة. وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى قريظة خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله فى قلوبهم الخوف الشديد وكان حيى ابن اخطب سيد بنى النضير دخل مع بنى قريظة حصنهم حين رجعت الاحزاب فلما ايقنوا ان رسول الله غير منصرف حتى يقاتلهم قال كبيرهم كعب بن اسد يا معشر اليهود نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم انه النبى الذى تجدونه فى كتابكم وان المدينة دار هجرته وما معنى من الدخول معه الا الحسد للعرب حيث لم يكن من بنى اسرائيل ولقد كنت كارها لنقض العهد ولم يكن البلاء والشؤم الا من هذا الجالس يعنى حيى بن اخطب فقالوا لا نفارق حكم التوراة ابدا ولا نستبدل به غيره اى القرآن فقال ان ابيتم على هذه الخصلة فهلموا فلنقتل ابناءنا ونساءنا ثم نخرج الى محمد واصحابه رجالا مصلتين السيوف حتى لا نترك وراءنا نسلا يخشى عليه ان هلكنا فقالوا نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم ان لم نهلك فقال فان ابيتم فان الليلة ليلة السبت وان محمدا واصحابه قد آمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب منهم غفلة فقالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا فقال لهم عمرو بن سعدى فان ابيتم فاثبتوا على اليهودية واعطوا الجزية فقالوا نحن لا نقر للعرب بخرّاج فى رقابنا يأخذونه القتل خير من ذلك ثم حديث : قال لهم رسول الله تنزلون على حكمى فابوا فقال على حكم سعد بن معاذ سيد الاوس فرضوا به وعاهدوا على ان لا يخرجوا من حكمه فارسل عليه السلام فى طلبه وكان جريحا فى وقعة الخندق فجاء راكب حمار وكان رجلا جسيما فقال عليه السلام"قوموا الى سيدكم" فقام الانصار فانزلوه وبه ثبت الاستقبال للقادم فحكم بقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم ونسائهم فكبر النبى عليه السلام وقال "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة ارقعة" تفسير : اى السموات السبع والمراد ان شأن هذا الحكم العلو والرفعة ثم استنزلهم وامر بان يجمع ما وجد فى حصونهم فوجدوا فيها الفا وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع والفى رمح وخمسمائة ترس واثاثا واوانى كثيرة وجمالا ومواشى وشياها وغيرها وخمس ذلك وجعل عقارهم للمهاجرين دون الانصار لانه كان لهم منازل فرضى الكل بما صنع الله ورسوله وامر بالمتاع ان يحمل وترك المواشى هناك ترعى الشجر ثم غدا الى المدينة فامر بالاسارى وكانوا ستمائة مقاتل او اكثر ان يكونوا فى دار اسامة بن زيد رضى الله عنه والنساء والذرية وكانت سبعمائة فى دار ابنة الحارث النجارية لان تلك الدار كانت معدودة لنزول الوفود من العرب ثم خرج الى سوق المدينة فامر بالخندق فحفروا فيه حفائر فضرب اعناق الرجال والقوا فى تلك الخنادق وردوا عليهم التراب وكان المتولى لقتلهم عليا والزبير ولم يقتل من نسائهم الابنانة كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد رضى الله عنه تحت الحصن فقتلته ولم يستشهد فى هذه الغزوة الاخلاد قال عليه السلام "حديث : له اجر شهيدين" تفسير : ثم بعث رسول الله سعد بن زيد الانصارى بسبايا بنى قريظة الى نجد فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا قسمها رسول الله على المسلمين حديث : ونهى عليه السلام ان يفرق بين ام وولدها حتى يبلغ اى تحيض الجارية ويحتلم الغلام وقال "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين احبته يوم القيامة" تفسير : واصطفى عليه السلام لنفسه منهم ريحانة بنت شمعون وكانت جميلة واسلمت فاعتقها رسول الله وتزوجها ولم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع سنة عشر فدفنها بالبقيع وكانت هذه الوقعة فى آخر ذى القعدة سنة خمس من الهجرة. وفى الآية اشارة الى انه كما ان بنى قريظة اعانوا المشركين على المسلمين فهلكوا فكذلك العلماء المداهنون اعانوا النفس والشيطان والدنيا على القلوب وافتوا بالرخص لا رباب الطلب وفتروهم عن التجريد والمجاهدة وترك الدنيا والعزلة والانقطاع وقالوا هذه رهبانية وليست من ديننا وتمسكوا بآيات واخبار لها ظاهر وباطن فأخذوها بظاهرها وضيعوا باطنها فآمنوا ببعض هو على وفق طباعهم وكفروا ببعض هوعلى خلاف طباعهم اولئك اعوان النفوس والشياطين والدنيا فمن قاربهم هلك كما هلكوا فى وادى المساعدات ونعوذ بالله من المخالفات وترك الرياضات والمجاهدات: وفى المثنوى شعر : اندرين ره مى تراش ومى خراش تادمى آخر دمى فارغ مباش تفسير : فان البطالة لا تثمر الا الحرمان والجد يفتح ابواب المراد من أى نوع كان

اطفيش

تفسير : {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطأوها} وهي خيبر اخذوها بعد قريضة وقيل مكة وقيل فارس والروم وقيل ما يفتح لهم ولمن بعدهم من المسلمين وزعم بعضهم انها نساؤهم كنى عنهن بالارض التي لم يطؤوها وهو من بدع التفاسير. {وكان الله على كل شيء قديرا} فهو قادر على ذلك ومعنى اراثته اياهم ما سيرثونه انه حكم وقضى ان سيملكونه قصة بني قريضة وقتالهم من كتاب المواهب قيل: كانت غزوتهم في آخر ذي القعدة سنة خمس، وقيل: سنة اربع حديث : لما انصرف صلى الله عليه وسلم عن الخندق ودخل المدينة وضع السلاح هو والمؤمنون فلما كان الظهر اتاه جبريل على فرسه حيزوم متعجراً بعمامة من استبرق على بغلة بيضاء عليها قطيفة ديباح ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه وقد غسلت شقه فقال جبريل: يا رسول الله قد وضعت السلاح! قال: نعم. قال جبريل: عفى الله عنك ما وضعت الملائكة السلاح منذ اربعين ليلة وما رجعت الا الآن من طلب القوم، وروى انه كان الغبار على وجه جبريل عليه السلام ووجه فرسه فجعل صلى الله عليه وسلم يمسحه عن وجهيهما. فقال جبريل: ان الله تبارك وتعالى يأمرك بالسير الى بني قريضة فأتهم فإني قد قطعت أوتارهم وفتحت ابوابهم وتركتهم في زلزال، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي من كان سامعا مطيعا فلا يصلون العصر الا في بني قريضة وقدم عليا برأيه وابتدرها الناس وسار حتى دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال: يا رسول الله لا عليك ان تدنوا من هؤلاء الأخابث، قال: "أظنك سمعت لي منهم أذى". قال: نعم يا رسول الله. قال: "لو رأوني ما قالوا من ذلك شيئا"، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال يا إخوان القردة قد أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته. قالوا: يا ابا القاسم ما كنت جهولا ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه قبل ان يصل الى بني قريضة فقال: هل مر بكم احد؟ فقالوا: يا رسول الله مر بنا دحية على بغلة بيضا علي قطيفة ديباج فقال صلى الله عليه وسلم ذلك جبريل عليه السلام بعث الى بني قريضة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهمتفسير : . فنزل على بئر من آبارهم في ناحية اموالهم وتلاحق به الناس فأتاه رجال بعد العشاء لم يصلوا العصر كما مر وحاصرهم هم عشرين ليلة وجهدهم الحصار ودخل الرعب في قلوبهم وفيهم حيي بن أخطب وفاءً لعهده لكعب، كما مر وذلك قول بن اسحاق وقال ابن سعد: خمس عشرة وقال ابن عقبة: بضع عشرة. قال رئيسهم كعب بن اسد: يا معشر يهود انه قد نزل بكم ما ترون اني عارض عليكم خلال ثلاثا اتخذوا بها شئتم، قالوا: وما هي؟ قال: نبايع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين انه نبي مرسل وانه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم واموالكم وابنائكم ونسائكم فأبوا، قال: فاذا أبيتم على هذه فهلم نقتل أبنائنا ونسائنا ثم نخرج الى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فان نهلك ولم نترك وراءنا ما نخشى عليه. فقالوا: أي عيش لنا بعد ابنائنا ونسائنا فقال: إن أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة سبت وعسى ان يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فأنزلوا لعلنا نصيب منهم غرة قالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا الا من علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ. قيل حاصرهم احدى وعشرين ليلة فسألوه الصلح على ما صالح عليه اخوانهم من بني النظير ان يسيروا الى اخوانهم الى اذرعاث واريحا من ارض الشام فأبى الا ان ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأتوا وقيل وحديث : كان ابو لبابة من أصحابهم وكان ماله وعياله وولده فيهم وأرسلوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ابعث الينا أبا لبابة وهو رفاعة بن عبدالمنذر نستشيره في امرنا فأرسله اليهم فلما رأوه قام اليه الرجال واسرعت اليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا يا ابا لبابة أترى ان ننزل على حكم سعد بن معاذ وقيل: قالوا على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده الى حلقه انه الذبح وقيل: اشار الى خلفه انه الذبح وقيل: قال لا تفعلوا فانه الذبح قال ابو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت اني قد خنت الله ورسوله ثم انطلق على وجهه فلم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد على عمود من عمده وقال: لا أبرح من مكاني هذا حتى يتوب عليّ ما صنعت وعاهد الله ان لا يطأ بني قريضة ابدا ولا ارى في بلد خنت الله ورسوله فيه ابدا فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وكان قد استبطأه قال: "أما لو جاءني لاستغفرت الله له، وأما اذ فعل ما فعل فما انا بالذي اطلقه من مكانه حتى حتى يتوب الله عليه" قيل لم يذق طعاما سبعة ايام ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ثم ان الله سبحانه انزل توبة ابي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت ام سلمة قالت ام سلمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك سحرا فقلت: مم ضحكت يا رسول الله اضحك الله سنك؟ قال: "اتيب على ابي لبابة". فقلت: ألا ابشره بذلك يا رسول الله؟ قال: "بلى ان شئت"، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل ان يضرب عليهن بالحجاب، فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك. قالت فثار الناس اليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده، وقيل: قالوا له اطلق نفسك، فقال ما ذكر، فلما مر عليه خارجا من صلاة الصبح اطلقه تفسير : وبذلك فسر مجاهد {أية : اعترفوا بذنوبهم}. تفسير : قال: قال ابو لبابة لقريظة ما قال وأشار الى حلقه بأن محمدا يذبحكم ان نزلتم على حكمه والمشهور ان ذلك لتخلفه عن غزوة تبوك، وعن عبدالله ابن ابي بكر ان ابا لبابة ارتبط بسلسلة ثقيلة تسع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه فما كاد يسمع وكان يذهب بصره وكانت ابنته تحمله اذا حضرت الصلاة او اراد ان يذهب لحاجة فاذا فرغ اعادته، وقال ابن اسحاق: اقام مرتبطا ست ليال تحمله امرأته في وقت كل صلاة ثم تربطه ارتباطا بالجذع، وكانت سواري المسجد جذوعا وقال: تمام توبتي ان لا ادخل البلد الذي خنت فيه الله ورسوله وان اتصدق بمالي فقال صلى الله عليه وسلم "تصدق بالثلث" ولما اشتد الحصار ببني قريظة اذعنوا ان ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم فيهم سعد بن معاذ وكان قد جعله في خيمة فى المسجد الشريف لامرأة من اسلم يقال لها رفيدة تداوي الجرحى فلما حكمه اتاه قومه فحملوه على حمار وقد وطئوا له بوسادة من آدم وكان رجلا جسيما ثم اقبلوا معه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتهى سعد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال عليه السلام: "قوموا الى سيدكم" فاما المهاجرون من قريش فيقولون انما اراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار واما الانصار فيقولون عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فقالوا حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك امر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد فاني احكم فيهم ان يقتل الرجال وتقسم الاموال وتسبى الذراري والنساء فقال عليه السلام: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة رافعة" تفسير : والرفيع السماء سميت بذلك لانها رفعت بالنجوم وروى محمد بن صالح: "لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات" وقال جابر: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احكم فيهم يا سعد". فقال: الله ورسوله احق بالحكم قال: "قد أمرك الله ان تحكم فيهم" تفسير : وفي هذه القصة جواز الاجتهاد في زمانه صلى الله عليه وسلم وهي مسألة اختلف فيها اهل اصول الفقه والمختار الجواز سواء كان في حضرته صلى الله عليه وسلم ام لا وان ما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع امكان القطع ولا يضر ذلك لانه بالتقرير يصير قطعيا وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته عليه السلام كما في هذه القصة وغيرها وانصرف صلى الله عليه وسلم يوم الخميس لسبع ليال او خمس قولان خلون من ذي الحجة وامر عليه السلام ببني قريظة فادخلوا اليه فضربت اعناقهم وكانوا ما بين ستمائة الى سبعمائة وقال السهيلي المكثر يقول انهم ما بين الثمانمائة الى التسع مائة وقال جابر اربع مائة مقاتل ويجمع بين ذلك بأن الباقين كانوا اتباعا وفي رواية ان ثعلبة بن سعيد واسيد بن سعيد واسيد بن عبيد وهم نفر من بني هذيل ليسوا من بني قريظة ولا النظير نسبهم من فوق ذلك هم بنوا عم القول اسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعد القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم محمد بن مسلمة الانصاري تلك الليلة فلما رآه قال من هذا؟ قال: عمرو بن السعدي وكان قد ابى ان يدخل مع بني قريظة في غدرهم وقال لا اغدر بمحمد ابدا فقال محمد بن مسلمة اللهم لا تحرمني عثرات الكرام فخلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدرى اين ذهب من ارض الله فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "ذلك لرجل نجاه الله بوفائه" وبعض الناس كان يزعم انه اوثق بربه فيمن اوثق من بني قريظة فأصبحت رمته ملقاة وذلك حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة فلما اصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسم فتواثب الاوس فقالوا يا رسول الله انهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي الخزرج بالامس ما قد علمت وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه فسألهم اياه عبدالله بن ابي بن سلول فوهبهم له فلما كلمه الاوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "ألا ترضون يا معشر الاوس ان يحكم الله منكم فيهم رجلا" قالوا بلى قال "فذلك سعد بن معاذ" تفسير : وكان قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رفيدة تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على الخدمة من كانت به ضيعة من المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين اصابه السهم بالخندق: "اجعلوه في خيمة رفيدة حتى ادعوه من قريب" فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة احتمله قومه على حمار قد وطئوا له وسادة من ادم واقبلوا معه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا ابا عمرو احسن في مواليك فان رسول الله صلى الله انما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما اكثروا عليه قال سعد: لا تأخذني في الله لومة لائم فرجع بعض من كان معه الى دار بني الاشهل فنعى عليهم رجال بني قريظة قبل ان يصل اليهم سعد للكلمة التي سمعوا منه فلما انتهى شد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قوموا الى سيدكم" فأنزلوه فقاموا اليه فقالوا يا ابا عمرو: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ولاك مواليك فتحكم فيه فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ان الحكم فيهم ما حكمت قالوا: نعم قال: وعلى من هاهنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم" قال سعد: فاني احكم فيهم ان تقتل الرجال وتقسم الاموال وتسبى النساء والذراري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى من فوق سبعة ارفعة" ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق لها خنادق ثم بعث اليهم فضربت اعناقهم فيها يخرج بهم ارسالا وفيهم عدو الله ورسوله حيي بن اخطب وكعب بن اسد رأس القوم وهم ستمائة او سبعمائة وقالوا لكعب وهو يذهب بهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارسالا: يا كعب ما ترى ما يصنع بنا؟ قال: اني موكل بكم الا تعقلون الا ترون الداعي لا ينزع ومن ذهب منكم لا يرجع هو الله القتل فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واتى بحيي بن اخطب عدو الله وعليه حلة تفاحية شققها من كل ناحية مجموعة يداه الى عنقه بحبل فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ثم اقبل على الناس فقال: ايها الناس لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني اسرائيل ثم جلس فضربت عنقه وروي عن عائشة انه لم يقتل من بني قريظة من النساء الا امرأة واحدة قالت واله انها لعندي تتحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالهم بالسيوف اذ هتف هاتف باسمها ابنت فلانة قالت: انا والله ويلك ما لك اقتل؟ قال: نعم قالت: ولما؟ قال: لحدث احدثتيه فانطلق بها فضربت عنقها فكانت عاشئة تقول: ما انسى عجبا منها طيب نفس وضحك وقد عرفت انها تقتل. قال الواقدي: وكان اسم المرأة بنانة امرأة الحكم واحداثها قتلها خلاد بن سويد وكان علي والزبير يضربان اعناق بني قريظة ورسول الله جالس هناك. وروي ان الزبير بن ماطا القرظي ويكنى ابا عبدالرحمن مر في الحرب في الجاهلية على ثابت بن قيس بن شماس فجز ناصيته ثم خلى سبيله فجاءه يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال: يا ابا عبدالرحمن هل تعرفني؟ قال: يجهل مثلي مثلك. قال: اني اريد ان اجزاك بيدك عندي. قال: ان الكريم يجزي الكريم، ثم أتى ثابت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان للزبير عندي يد وله عليّ منة وقد احببت ان اجزيه بها فهب لي دمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو لك فأتاه فقال له: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك. فقال شيخ كبير: لا اهل له ولا ولد ما يصنع بالحياة؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اهله وأولاده!؟ فقال: هم لك. فأتاه فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني امرأتك وولدك فهم لك. فقال: اهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماله يا رسول الله !! قال: هو لك. فأتاه فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعطاني مالك فهو لك فقال: أي ثابت - وأي حرف نداء - ما فعل الذي كان وجهة مرآة صينية تترايا فيها عذاري الحي كعب بن أسد؟ قال: قتل قال: فما فعلت مقدمتنا اذا شددنا وحاميتنا اذا كررنا عزال بن شموال قال: قتل قال: فما فعل المجلسان يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قال: قتلوا قال: فإني بيدي عندك يا ثابت الا ما تلحقني بالقوم فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما انا بصابر حتى القى الأحبة فقدمه ثابت فضربت عنقه فلما بلغ ابا بكر الصديق قوله حتى القى الاحبة قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالدا مخلدا ابدا وقد امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل من من أنبت منهم يكشف عن عورته فينظر اليه وقسم اموال بني قريظة ونساءهم على المسلمين للفارس ثلاثة اسهم سهم له وسهمان لفرسه ولمن لا فرس له سهم وكانت الخيل ستة وثلاثين ثم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الانصارى اخا بني الاشهل بسبايا من سبايا بني قريضة الى نجد فابتاع بها خيلا وسلاحا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنانة احدى نساء بني عمرو بن قريضة فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ان يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو اخف عليك وعلي فتركها وقد كانت حين سباها قد كرهت الاسلام وأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه بذلك من امرها فبينما هو مع اصحابه اذ سمع وقع نعلين خلفه فقال: ان هذا لثعلبة بن شعبة يبشرني باسلام ريحانة فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك ولما قضي ما حكم به سعد انفجر جرحه فمات شهيدا قيل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ريحانة وقيل كان يطئها بملك اليمين وامر بالغنائم فجمعت وأخرج الخمس من المتاع والسبي ثم امر بالباقي فبيع فيمن يريد، وقسمه بين المسلمين فكان على ثلاث آلاف ومائتين وسبعين سهما ثلاثة للفارس وواحد للرجل وكان صلى الله عليه وسلم يعتق من الخمس ويهب ويخدم منه من اراد، وفي رواية ان سعدا رضي الله عنه دعى: اللهم اني اظن انك قد وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها فانفجرت فلم يرعهم الا الدم يسيل الى كل خيمة لبني غفار في المسجد فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الدم يأتينا من قبلكم فاذا سعد يغدوا جرحه دما فمات، صدق ظنه وأجيب دعاءه اذ لم يقع بين المسلمين وقريش بعد الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيها من المشركين وما هو إلا ان تجهز للعمرة فصدوه عن دخول مكة وكادت الحرب تقع ولم تقع، ووقعت الهدنة واعتمر من قابل ولما نقضوا العهد توجه اليهم غازيا ففتحت مكة وسبب انفجار جرحه انه مرت به عنز وهو مضجع فأصاب ظلفها موضع النحر فانفجرت حتى مات وحضر جنازته سبعون الف ملك واهتز عرش الرحمن لموته حقيقة فرحا بقدوم روحه او مجازا عن الاستبشار او عن تعظيم الشأن والمعنى اهتز حملة العرش، وقال المنافقون ما اخف جنازته. فقال رسول الله: ان الملائكة كانت تحمله. وعن البراء أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة حرير فجعل اصحابه يمسونها ويعجبون من لينها فقال صلى الله عليه وسلم: تتعجبون من هذه المناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها والين وهذه كناية عن عظم ملكه في الجنة والا فالمنديل بعد ليوسخ ولا وسخ فيها يمسح بالمنديل كأنه قيل لو كان فيها وسخ أكانت مثل هذه منديلا له وقبض انسان يومئذ من قبره قبضة فذهب بها ثم نظر اليها بعد فاذا هي مسلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله سبحانه الله حتى عرف ذلك في وجهه فقال الحمد لله لو كان احد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها سعد ضم ضمة ثم فرج الله عنه. قال ابو سعيد الخدري كنت ممن حفر لسعد قبره فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا وفي هذه السنة فرض الحج وقيل سنة ست وهو قول الجمهور وقيل سنة سبع وقيل سنة ثمان ورجحه جماعة وانما مات في المسجد لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رده اليه بعد الحكم وحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو بكر وعمر رضي الله عنهما موته قالت عائشة رضي الله عنها فوالذي نفس محمد بيده اني لاعرف بكاء عمر من بكاء ابي بكر واني لفي حجرتي وكانوا كما قال الله سبحانه: {أية : رحماء بينهم} تفسير : ولما حلا الاحزاب قال صلى الله عليه وسلم حديث : الآن نغزوهم ولا يغزوننا وكان يقول لا اله الا الله وحده لا شريك له أعز جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ولا شيء بعده تفسير : وذكره جار الله انه لما رجعوا من الخندق للمدينة ووضعوا السلاح جاء جبريل على فرسه الحيزوم والغبار على وجهه الفرس والسرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ فقال: من متابعة قريش فمسح الغبار عن وجه الفرس والسرج الى آخر ما مر وان كثيرا من الناس لم يصلوا العصر الا بعد العشاء الاخيرة يوم ذهبوا الى قريضة على ما مر وانه صلى الله عليه وسلم قال تنزلون على حكمي فأبوا فقال على حكم سعد بن معاذ فرضوا بحكم سعد بما أمر فكبر صلى الله عليه وسلم، وقال لقد حكمت بحكم الله الى آخر ما مر، وعن بعض حاصرهم احدى وعشرين ليلة وقال لم يحكم سعد ولكن ارسل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء على حمار، فقال اشر علي فيهم فقال علمت ان الله امرك فيهم بأمر فأنت فاعل ما أمرك به فقال اشر علي فيهم فقال لو وليت امرهم لقتلت مقاتليهم ولسبيت ذراريهم ونسائهم ولقسمت، فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسي بيده لقد أشرت علي بالذي امرني الله عز وجل به تفسير : قال عطية العوفي كنت فيمن عرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريضة فنظروا الى عانتي فاذا هي لم تنبت فتركت وتأتي قصة النظير، وروي ان سعدا حكم بما مر وبأن الارض والثمار للمهاجرين فقالت الانصار في ذلك فقال اردت ان تكون لهم اموال كما لكم اموال ولما حكم بذلك كله قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت بما حكم الله وذكر جار الله ان رسول الله ت جعل عقارهم للمهاجرين دون الانصار. فقالت الانصار في ذلك. فقال: انكم في منازلكم. فقال عمر: أما تخمس كما خمست يوم بدر؟ قال: انما جعلت هذا لكم طعمة دون الناس. قال: رضينا بما صنع الله ورسوله.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ } عطف على قوله سبحانه وتعالى: {أية : أَنَزلَ} تفسير : [الأحزاب: 26] الخ، والمراد بأرضهم مزارعهم، وقدمت لكثرة المنفعة بها من النخل والزروع. وفي قوله عز وجل: {أورثكم} إشعار بأنه انتقل إليهم ذلك بعد موت أولئك المقتولين وأن ملكهم إياه ملك قوي ليس بعقد يقبل الفسخ أو الإقالة {وَدِيَـٰرَهُمْ } أي حصونهم {وَأَمْوٰلَهُمْ } نقودهم ومواشيهم وأثاثهم التي اشتملت عليها أرضهم وديارهم. أخرج ابن أبـي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن قتادة من خبر طويل أن سعداً رضي الله تعالى عنه حكم كما حكم بقتل مقاتلهم وسبـي ذراريهم بأن أعقارهم للمهاجرين دون الأنصار فقال قومه: أتؤثر المهاجرين بالأعقار علينا؟ فقال: إنكم ذوو أعقار وإن المهاجرين لا أعقار لهم، وأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمه. وفي «الكشاف» روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار فقالت الأنصار في ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: إنكم في منازلكم، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: أما تخمس كما خمست يوم بدر؟ قال: لا إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس قال: رضينا بما صنع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. / وذكر الجلال السيوطي أن الخبر رواه الواقدي من رواية خارجة بن زيد عن أم العلاء قالت: لما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير جعل الحديث، ومن طريق المسور بن رفاعة قال: فقال عمر يا رسول الله ألا تخمس ما أصيب من بني النضير الحديث اهـ، وعليه لا يحسن من الزمخشري ذكره هٰهنا مع أن الآيات عنده في شأن بني قريظة، وسيأتي الكلام فيما وقع لبني النضير في تفسير سورة الحشر إن شاء الله تعالى. {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} قال مقاتل ويزيد بن رومان وابن زيد: هي خيبر فتحت بعد بني قريظة، وقال قتادة: كان يتحدث أنها مكة، وقال الحسن: هي أرض الروم وفارس، وقيل: اليمن، وقال عكرمة: هي ما ظهر عليها المسلمون إلى يوم القيامة واختاره في «البحر»، وقال عروة: لا أحسبها إلا كل أرض فتحها الله تعالى على المسلمين أو هو عز وجل فاتحها إلى يوم القيامة، والظاهر أن العطف على {أَرْضَهُمْ } واستشكل بأن الإرث ماض حقيقة بالنسبة إلى المعطوف عليه ومجازاً بالنسبة إلى هذا المعطوف. وأجيب بأنه يراد بأورثكم أورثكم في علمه وتقديره وذلك متحقق فيما وقع من الإرث كأرضهم وديارهم وأموالهم وفيما لم يقع بعد كإرث ما لم يكن مفتوحاً وقت نزول الآية. وقدر بعضهم أورثكم في جانب المعطوف مراداً به يورثكم إلا أنه عبر بالماضي لتحقق الوقوع والدليل المذكور، واستبعد دلالة المذكور عليه لتخالفهما حقيقة ومجازاً. وقيل: الدليل ما بعد من قوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ } الخ، ثم إذا جعلت الأرض شاملة لما فتح على أيدي الحاضرين ولما فتح على أيدي غيرهم ممن جاء بعدهم لا يخص الخطاب الحاضرين كما لا يخفى. ومن بدع التفاسير أنه أريد بهذه الأرض نساؤهم، وعليه لا يتوهم إشكال في العطف. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {لَمْ تطوها} بحذف الهمزة أبدل همزة تطأ ألفاً على حد قوله:شعر : إن السباع لتهدى في مرابضها والناس لا يهتدى من شرهم أبداً تفسير : فالتقت ساكنة مع الواو فحذفت كقولك لم تروها {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيراً } فهو سبحانه قادر على أن يملككم ما شاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {دِيَارَهُمْ} {أَمْوَالَهُمْ} (27) - وَأَوْرَثَ اللهُ المُؤمِنينَ أَرْضَ بَني قُرَيْظَةَ، وَنَخِيلَهُمْ، وَمَزارِعَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَمَوَاشِيَهُمْ، وَأَوْرَثَ اللهُ المُؤْمنينَ الأَرَاضيَ التي فَتَحُوها فِيما بَعْدُ، مِنْ أَراضي اليَهودِ والمُشْرِكِينَ وَغَيرِهم، في الجَزِيرةِ العَرَبيَّةِ وَخَارِجِها. وَهِيَ أراضٍ لَمْ يَسْبِقْ لِلمُؤمِنينَ أَنْ وطِئَتْها أَقْدَامُهُمْ مِنْ قبلُ، واللهُ تَعَالى قَادِرٌ عَلى ذَلِكَ، فَلا يَتَعَذَّرُ عَليهِ شيءٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {وَأَوْرَثَكُمْ ..} [الأحزاب: 27] أي: أعطاكم أرضَ وديار وأموالَ أعدائكم من بعد زوالهم وانهزامهم {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ..} [الأحزاب: 27] أي: أماكن جديدة لم تذهبوا إليها بعد، والمراد بها خيبر، وكأن الله يقول لهم: انتظروا فسوف تأخذون منهم الكثير {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} [الأحزاب: 27]. وهكذا انتهى التعبير القرآني من قصة الأحزاب. وينبغي علينا الآن أنْ نستعرض القصة بفلسفة أحداثها، وأن نتحدث عَمَّا في هذه القصة من بطولات، ففيها بطولات متعددة، لكل بطل فيها دور. وتبدأ القصة حين ذهب كل من حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكانا من قريظة، ذهبا إلى قريش في أماكنها، وقالوا: جئناكم لنتعاون معكم على إبطال دعوة محمد، فأتُوا أنتم من أسفل، وننزل نحن من أعلى، ونحيط محمداً ومن معه ونقضي عليهم. وكان في قريش بعض التعقُّل فقالوا لحيي بن أخطب وصاحبه: أنتم أهل كتاب، وأعلم بأمر الأديان فقولوا لنا: أديننا الذي نحن عليه خير أم دين محمد؟ فقال: بل أنتم أصحاب الحق. سمعتْ قريش هذا الكلام بما لديها من أهواء، وكما يقال: آفة الرأي الهوى؛ لذلك لم يناقشوه في هذه القضية، بل نسجوا على منواله، ولم يذكروا ما كان من أهل الكتاب قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وأنهم كانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله ويقولون لهم: لقد أطلَّ زمان نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قَتْلَ عاد وإرم، لقد فات قريشاً أنْ تراجع حيي بن أخطب، وأن تسأله لماذا غيَّرتم رأيكم في محمد؟ ثم جاء القرآن بعد ذلك، وفضح هؤلاء وهؤلاء، فقال سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 51]. فكانت هذه أول مسألة تغيب فيها العقول، ويفسد فيها الرأي، فتنتهز قريش أول فرصة حين تجد مَنْ يناصرها ضد محمد ودعوته، ومن هنا اجتمع أهل الباطل من قريش وأحلافها من بني فزارة، ومن بني مرة، ومن غطفان وبني أسد والأشجعيين وغيرهم، اجتمعوا جميعاً للقضاء على الدين الوليد. ثم كانت أولى بطولات هذه المعركة، لرجل ليس من العرب، بل من فارس عبدة النار والعياذ بالله، وكأن الحق سبحانه يُعِد لنصرة الحق حتى من جهة الباطل، إنه الصحابي الجليل سلمان الفارسي، الذي قضى حياته جَوَّالاً يبحث عن الحقيقة، إلى أنْ ساقتْه الأقدار إلى المدينة، وصادف بعثة رسول الله وآمن به. وكان سلمان أول بطل في هذه المعركة، حين أشار على رسول الله بحفر الخندق، وقال: يا رسول الله كنا - يعني في فارس - إذا حَزَبنا أمرُ القتال خندقنا يعني: جعلنا بيننا وبين أعدائنا خندقاً، ولاقت هذه الفكرة استحساناً من المهاجرين ومن الأنصار، فأراد كل منهم أن يأخذ سلمان في صَفِّه، فلما تنازعا عليه، قال سيدنا رسول الله لهم "بل سلمان منا آل البيت" وهذا أعظم وسام يوضع على صدر سلمان رضي الله عنه. وهذه الفكرة دليل على أن الحق سبحانه يُجنِّد حتى الباطل لخدمة الحق، فنحن لم يسبق لنا أنْ رأينا خندقاً ولا أهل الفارسي الذين جاءوا بهذه الفكرة، لكن ساقها الله لنا، وجعلها جُنْداً من جنوده على يد هذا الصحابي الجليل، لنعلم كما قال تعالى {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..} تفسير : [الأنفال: 24]. وقد أوضحنا هذا المعنى في قصة فرعون الذي كان يذبح الأطفال بعد النبوءة التي سمعها، ثم يأتيه طفل على غير العادة يحمله إليه الماء، وهو في صندوقه، ولا يخفى على أحد أنَّ أهله قصدوا بذلك إبعاده عن خطر فرعون، ومع ذلك حال الله بين فرعون وبين ما في قلبه، فأخذ الولدَ وربَّاه في بيته. وقد أحسن الشاعر الذي عبَّر عن هذا المعنى، فقال: شعر : إذاَ لَمْ تُصَادِفْ في بَنِيكَ عِنَايةً فَقَد كَذَب الراجي وَخَاب المُؤمِّلُ فَمُوسىَ الذِي ربَّاه جِبْريلُ كَافِرٌ ومُوسىَ الذي ربَّاهُ فرعَوْنُ مُرْسَلُ تفسير : البطل الثاني في هذه المعركة رجل يُدْعَى نعيم بن مسعود الأشجعي، جاء لرسول الله يقول: يا رسول الله لقد مال قلبي للإسلام، ولا أحد يعلم ذلك من قومي، فقال له رسول الله: "وما تغني أنت؟ ولكن خذِّل عنا" أي: ادفع عنا القوم بأيِّ طريقة، أبعدهم عنّا، أو ضلِّلهم عن طريقنا، أو قُلْ لهم أننا كثير ليرهبونا .. إلخ. هذا رجل كان بالأمس كافراً، فماذا فعل الإيمان في قلبه، وهو حديث عهد به؟ نظر نُعَيْم، فرأى قريشاً وأتباعها يأتون من أسفل، وبني قريظة وأتباعهم يأتون من أعلى، فأراد أنْ يدخل بالدسيسة بينهما، فذهب لأبي سفيان، وقال: يا أبا سفيان، أنا صديقكم، وأنتم تعلمون مفارقتي لدين محمد، ولكني سمعت هَمْساً أن بني قريظة تداركوا أمرهم مع محمد، وقالوا: إن قريشاً وأحلافهم ليسوا مقيمين في المدينة مثلنا، فإنْ صادفوا نصراً ينتصرون، وإنْ صادفوا هزيمة فروا إلى بلادهم، ثم يتركون بني قريظة لمحمد؛ لذلك قرروا ألاَّ يقاتلوا معكم إلاَّ أنْ تعطوهم عشرة من كبرائكم ليكونوا رهائن عندهم. سمع أبو سفيان هذا الكلام، فذهب إلى قومه فقال لهم: أنتم المقيمون هنا، وليس هذا موطن بني قريظة، وسوف يتركونكم لمواجهة محمد وحدكم، فإنْ أردتم البقاء على عهدهم في محاربة محمد، فاطلبوا منهم رهائن تضمنوا بها مناصرتهم لكم. بعدها ذهب أبو سفيان ليكلِّم بني قريظة في هذه المسألة، فقال: هلك الخفُّ والحافر - يعني: الإبل والخيل - ولسنا بدار مقام لنا، فهيا بنا نناجز محمداً - هذا بعد أنْ مكثوا نيِّفاً وعشرين يوماً يعدون ويتشاورون - فقالوا له: هذا يوم السبت، ولن نفسد ديننا من أجل قتال محمد وعلى كل حال نحن لن نشترك معكم في قتال، إلا أنْ تعطونا عشرة من كبرائكم يكونون رهائن عندنا، ساعتها علم أبو سفيان أن كلام نعيم الأشجعي صِدْق، فجمع قومه وقال لهم: الأرض ليست أرض مقام لنا، وقد هلك الخف والحافر، فهيا بنا ننجو. قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء نعيم بن مسعود، وأخبر رسول الله بما حدث، ووجد رسول الله الجو هادئاً، فقال: "ألا رجل منكم يذهب فيُحدِّثنا الآن عنهم، وهو رفيقي في الجنة؟" والمراد: أن يندسَّ بين صفوف الأعداء ليعلم أخبارهم. ومع هذه البشارة التي بشر بها سيدنا رسول الله مَنْ يؤدي هذه المهمة، لم يَقُمْ من الحاضرين أحد، ودَلَّ هذا على أن الهول ساعتها كان شديداً، والخطر كان عظيماً، وكان القوم في حال من الجهد والجوع والخوف، جعلهم يتخاذلون عن القيام، فلم يأنس أحد منهم قوة في نفسه يؤدي بها هذه المهمة. لذلك كلَّف رسول الله رجلاً يُدْعى حذيفة بن اليمان بهذه المهمة قال حذيفة: ولكن رسول الله قال لي: لا تُحدِث أمراً حتى ترجع إليَّ، فلما ذهبتُ وتسللتُ ليلاً جلستُ بين القوم، فجاء أبو سفيان بالنبأ من بني قريظة، يريد أنْ يرحل بمَنْ معه، فقال: ليتعرَّف كل واحد منكم على جليسة، مخافة أن يكون بين القوم غريب. وهنا تظهر لباقة حذيفة وحُسْن تصرفه - قال: فأسرعتُ وقلت لمَنْ على يميني: مَنْ أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان، وقلت لمَنْ على يساري: مَنْ أنت؟ قال: عمرو بن العاص، وسمعت أبا سفيان يقول للقوم: هلك الخفُّ والحافر، وليستْ الأرض دارَ مقام فهيا بنا، وأنا أولكم، وركب راحلته وهي معقولة من شدة تسرُّعه، قال حذيفة: فهممتُ أن أقتله، فأخرجت قوسي ووترتُها وجعلت السهم في كبدها، لكني تذكرت قول رسول الله "لا تحدثن شيئاً حتى تأتيني" فلم أشأْ أن أقتله، فلما ذهبت إلى رسول الله وجدته يصلي، فلما أحسَّ بي فَرج بين رجليه - وكان الجو شديد البرودة - فدخلتُ بين رجليه فنثر عليَّ مُرْطه ليدفئني، فلما سلم قال لي: ما خطبك فقصصت عليه قصتي. وبعد أنْ جند الحق سبحانه كلاً من نعيم الأشجعي وحذيفة لنصرة الحق، جاءت جنود أخرى لم يروْهَا، وكانت هذه الليلة باردة، شديدة الرياح، وهبَّتْ عاصفة اقتلعتْ خيامهم، وكفأتْ قدورهم وشرَّدتهم، ففرَّ مَنْ بقي منهم. وهذا معنى قوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} تفسير : [الأحزاب: 25] {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [المدثر: 31]. بعد أنْ ردَّ الحق سبحانه كفار مكة بغيظهم، وكفى المؤمنين القتال أراد أنْ يتحوَّل إلى الجبهة الأخرى، جبهة بني قريظة، فلما رجع رسول الله من الأحزاب لقيه جبريل عليه السلام فقال: أوضعتَ لأْمتَك يا محمد، ولم تضع الملائكة لأمتها للحرب؟ اذهب فانتصر لنفسك من بني قريظة، فقال رسول الله للقوم: "حديث : مَنْ كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ". تفسير : فاختلف الصحابة حول هذا الأمر: منهم مَنْ انصاع له حرفياً، وأسرع إلى بني قريظة ينوي صلاة العصر بها، ومنهم مَنْ خاف أنْ يفوته وقت العصر فصلى ثم ذهب، فلما اجتمعوا عند رسول الله أقرَّ الفريقين، وصوَّب الرأيين. وكانت هذه المسألة مرجعاً من مراجع الاجتهاد في الفكر الإسلامي، والعصر حَدَثٌ، والحدث له زمان، وله مكان، فبعض الصحابة نظر إلى الزمان فرأى الشمس توشك أنْ تغيب فصلَّى، وبعضهم نظر إلى المكان فلم يُصَلِّ إلا في بني قريظة؛ لذلك أقر رسول الله هذا وهذا. وينبغي على المسلم أنْ يحذر تأخير الصلاة عن وقتها؛ لأن العصر مثلاً وقته حين يصير ظِلُّ كل شيء مِثْلَيْه وينتهي بالمغرب، وهذا لا يعني أن تُؤخِّر العصر لآخر وقته، صحيح إنْ صليْتَ آخر الوقت لا شيء عليك، لكن مَنْ يضمن لك أن تعيش لآخر الوقت. إذن أنت لا تأثم إنْ صلّيْت آخر الوقت، لكن تأثم في آخر لحظة من حياتك حين يحضرك الموت وأنت لم تُصَلِّ؛ لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الأعمال الصلاة لوقتها" فليس معنى امتداد الوقت إباحة أنْ تُؤخَّر. وفي مسألة الأحزاب بطولة أخرى لسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد ظهرت هذه البطولة عندما وجد الكفار في الخندقة نقطة ضعيفة، استطاعوا أنْ يجترئوا على المسلمين منها، وأن يقذفوا منها خيولهم، فلما قذفوا بخيولهم إلى الناحية الأخرى، فجالت الخيل في السبخة بين الخندق وجبل سلع، ووقف واحد من الكفار وهو عمرو بن ود العامري وهو يؤمئذ أشجع العرب وأقواها حتى عدَّوْه في المعارك بألف فارس. حديث : وقف عمرو بن ود أمام معسكر المسلمين يقول وهو مُشْهِر سيفه: مَنْ يبارز؟ فقال علي لرسول الله: أبارزه يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: "اجلس يا علي، إنه عمرو" فأعاد عمرو: أين جَنّتكم التي وعدتم بها مَنْ قُتِل في هذا السبيل؟ أجيبوني. فقال علي: أبارزه يا رسول الله؟ قال: "اجلس يا علي، إنه عمرو" وفي الثالثة قال عمرو: *وَلَقَدْ بُحِحْتُ من النِّداءِ * بجمعِكُمُ هَلْ مِنْ مُبَارِزْ* *وَوقفْتُ إذ جَبُنَ المشجَّعُ * مٌُوْقِفَ القِرْن المنَاجزْ* *إنَّ الشَّجاعَة في الفَتَى * والجودَ مِنْ خير الغرائِز* عندها انتفض علي رضي الله عنه وقال: أنا له يا رسول الله، فأَذِن له رسول الله، فأشار علي لعمرو، وقال: *لاَ تَعجَلَنَّ فَقَدْ أتَاكَ * مجيب صوتِكَ غير عَاجِز* *ذُو نية وبَصيرة * والصِّدْقُ مُنجِي كُلَّ فَائزْ* *إنِّي لأَرْجُو أنْ أُقيم * عَلْيك نَائِحةَ الجنَائزْ* *مِنْ ضَرْبةٍ نَجْلاَء * يَبْقَى ذِكْرُهَا عِنْدَ الهَزَاهِزْ* أي: الحروب. وكانت لسيدنا رسول الله درع سابغة اسمها ذات الفضول، فألبسها رسول الله علياً وأعطاه سيفه ذا الفقار وعمامته السحاب، وكانت تسعة أكوار، وخرج علي رضي الله عنه لمبارزة عمرو بن ود، فضرب عمرو الدرقة فشقَّها، فعاجله على بضربة سيف على عاتقه أردتْهُ قتيلاً، فقال عليٌّ ساعة وقع: الله أكبر سمعه رسول الله فقال: "قُتِل عدو الله". ثم حدثت زوبعة العِثْيَر - وهو غبار الحرب - فحَجبت المعركة، فذهب سيدنا عمر رضي الله عنه ليرى ما حدث، فوجد علياً يمسح سيفه في درع عمرو بن ود، فقال: الله أكبر، فقال رسول الله: "قُتِل وأَيْم الله". ومن الأخلاق الكريمة التي سجَّلها سيدنا علي في هذه الحادثة أنه بعد أنْ قتل عَمْراً سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ سلبْتَ دِرْعه، فإنه أفخر درع في العرب"؟ فقال علي: والله لقد بانت سوأته، فاستحييت أنْ أصنع ذلك. ثم أنشد رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه، وهو يشير إلى عمرو: *نَصَر الحجَارةَ من سَفَاهَة رَأْيه * ونَصَرْتُ ربَّ مُحمدٍ بصَوابي* *فصَددْتُ حِينَ تركْتُه مُتجدِّلاً * كالجِذْعِ بين دَكَادِكَ ورَوَابي* وعَفَفْتُ عن أثْوَابهِ وَلَو أنّني * كنتُ المُقَنْطَر بَزَّنِي أثْوابِي* وفي هذه الواقعة قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو لم يكن لك يا علي غيرها في الإسلام لَكَفَتْكَ" . تفسير : لذلك قال العارفون بالله كأن علياً رضي الله عنه حُسِد حين قتل عمرو بن ود، فأصابته العين في ذاته، فقُتِل بسيف ابن ملجم، ومن هنا قالوا: أعزّ ضربة في الإسلام ضربة عليٍّ لعمرو بن ود، وأشأم ضربة في الإسلام ضربة ابن ملجم لعلي. وفي المعركة بطولة أخرى لسيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه حيث يقول: ضربني يوم الأحزاب حِبَّان بن قيس بن العَرِقة، وقال: خُذْها وأنا ابن العَرِقة - فقلت: عرَّقَ الله وجهك في النار، فلما أصابني في أكحلي - والأكحل هو: العِرْق الذي نضع فيه الحقنة، ومنه يخرج دم الفَصْد والحجامة. فقلت: اللهم إنْ كانت هذه آخر موقعة بيننا وبين قريش فاجعلني شهيداً، وإنْ كنت تعلم أنهم يعودون فأبقني لأشفي نفسي مِمَّنْ أخرج رسول الله وآذاه، ولا تُمِتْني حتى أشفى غليلي من بني قريظة. وقد كان، فبعد أنْ مكث الأحزاب وبنو قريظة قرابة خمسة وعشرين يوماً دون قتال، وانتهى الأمر بالمفاوضات اختار سيدنا رسول الله سعد بن معاذ ليكون حكَماً في هذه المسألة، فحكم سعد بقتل المقاتلين منهم، وأسر الذراري والنساء والأموال، فلما بلغ هذا الحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لقد حكمتَ فيهم حكم ربك من فوق سبع سماوات ". تفسير : ثم ثار الجرح على سيدنا سعد حتى مات به، فحملوه إلى خيمة رسول الله بالمسجد، فجاءت الملائكة تقول لرسول الله: مَنْ هذا الذي مات، وقد اهتزَّ له عرش الرحمن؟ قال: "إنه سعد بن معاذ". وقد قال تعالى: {أية : فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} تفسير : [الأحزاب: 26]. وفي قوله تعالى: {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ..} [الأحزاب: 27] بشارة للمسلمين بأن البلاد ستُفتح لهم دون قتال، وهذا حال جمهرة البلاد التي دخلها الإسلام، فغالبية هذه البلاد فُتِحَتْ بالأُسوْة السلوكية للمسلمين آنذاك، وبذلك نستطيع أن نردَّ على مَنْ يقول: إن الإسلام انتشر بحدِّ السيف. وإذا كان الإسلام انتشر بحَدِّ السيف، فأيُّ سيف حمل المسلمين الأوائل على الإسلام وكانوا من ضعاف القوم لا يستطيعون حتى حماية أنفسهم؟ إذن: لا شيء إلا قدوة السلوك التي حملت كل هؤلاء على الإيمان. وسبق أن ذكرنا أن عمر - رضي الله عنه - وما أدراك ما عمر قوة وصلابةً يقول حين سمع قول الله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. قال: أيُّ جمع هذا، ونحن لا نستطيع حماية أنفسنا؟ مما يراه من ضعف المسلمين وبطش الكافرين. ثم لو انتشر الإسلام بالسيف لأصبح سكان البلاد التي دخلها الإسلام كلهم مسلمين، ولَمَا كانت للجزية وجود في الفقه الإسلامي، إذن: بقاء الجزية على مَنْ لم يؤمن دليل على بطلان هذه المقولة، ودليل على عدم الإكراه في الدين، فالفتح الإسلامي كفل حرية العقيدة {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} تفسير : [الكهف: 29] وعليه الجزية لبيت مال المسلمين مقابل ما تقدمه الدولية إليه من خدمات. فالجزية التي تتخذونها سُبة في الإسلام دليل على أن الإسلام أقرَّكم على دينكم، إنما حَمْل السيف كان فقط لحماية الاختيار في الدعوة، فأنا سأعرض الإسلام على الناس، ومن حقي أنْ أقاتل مَنْ يعارضني بالسلاح، من حقي أن أعرض الإسلام كمبدأ، فمَنْ آمن به فعلى العين والرأس، ومَنْ لم يؤمن فليَبْقَ في ذمتنا. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 2332- حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا}: [الآية: 27]، قال: مكَّة. 2333- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن: فارس والروم.