٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : وجه التعلق هو أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله: « حديث : الصلاة وما ملكت أيمانكم » تفسير : ثم إن الله تعالى لما أرشد نبيه إلى ما يتعلق بجانب التعظيم لله بقوله: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 1] ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة، ولهذا قدمهن في النفقة، وفي الآية مسائل فقهية منها أن التخيير هل كان واجباً على النبـي عليه السلام أم لا؟ فنقول التخيير قولاً كان واجباً من غير شك لأنه إبلاغ الرسالة، لأن الله تعالى لما قال له قل لهم صار من الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا؟ والظاهر أنه للوجوب، ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يصير اختيارها فراقاً والظاهر أنه لا يصير فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبـي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } ومنها أن واحدة منهن إن اختارت نفسها وقلنا بأنها لا تبين إلا بإنابة من جهة النبـي عليه السلام فهل كان يجب على النبـي عليه السلام الطلاق أم لا؟ الظاهر نظراً إلى منصب النبـي عليه السلام أنه كان يجب، لأن الخلف في الوعد من النبـي غير جائز بخلاف واحد منا، فإنه لا يلزمه شرعاً الوفاء بما يعد ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا، والظاهر أنها لا تحرم، وإلا لا يكون التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنيا، ومنها أن من اختارت الله ورسوله كان يحرم على النبـي عليه الصلاة والسلام طلاقها أم لا؟ الظاهر الحرمة نظراً إلى منصب الرسول عليه الصلاة والسلام على معنى أن النبـي عليه السلام لا يباشره أصلاً، بمعنى أنه لو أتى به لعوقب أو عوتب، وفيها لطائف لفظية منها تقديم اختيار الدنيا، إشارة إلى أن النبـي عليه الصلاة والسلام غير ملتفت إلى جانبهن غاية الالتفات وكيف وهو مشغول بعبادة ربه، ومنها قوله عليه السلام: {وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } إشارة إلى ما ذكرنا، فإن السراح الجميل مع التأذي القوي لا يجتمع في العادة، فعلم أن النبـي عليه الصلاة والسلام ما كان يتأثر من اختيارهن فراقه بدليل أن التسريح الجميل منه، ومنها قوله: {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ } إعلاماً لهن بأن في اختيار النبـي عليه السلام اختيار الله ورسوله والدار الآخرة وهذه الثلاثة هي الدين وقوله: {أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ } أي لمن عمل صالحاً منكن، وقوله: {تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ } فيه معنى الإيمان، وقوله: {لِلْمُحْسِنَـٰتِ } لبيان الإحسان حتى تكون الآية في المعنى، كقوله تعالى: { أية : وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } تفسير : [لقمان: 22] وقوله تعالى: { أية : مَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } تفسير : [الكهف: 88] وقوله: { أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } تفسير : [البقرة: 82] والأجر العظيم الكبير في الذات الحسن في الصفات الباقي في الأوقات، وذلك لأن العظيم في الأجسام لا يطلق إلا على الزائد في الطول وفي العرض وفي العمق، حتى لو كان زائداً في الطول يقال له طويل، ولو كان زائداً في العرض يقال له عريض، وكذلك العميق، فإذا وجدت الأمور الثلاثة قيل عظيم، فيقال جبل عظيم إذا كان عالياً ممتداً في الجهات، وإن كان مرتفعاً فحسب يقال جبل عال، إذا عرفت هذا فأجر الدنيا في ذاته قليل وفي صفاته غير خال عن جهة قبح، لما في مأكوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيره من اللذات وغير دائم، وأجر الآخرة كثير خال عن جهات القبح دائم فهو عظيم.
القرطبي
تفسير : فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ} قال علماؤنا: هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدّم من المنع من إيذاء النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وكان قد تأذى ببعض الزوجات. قيل: سألنَه شيئاً من عرَض الدنيا. وقيل: زيادة في النفقة. وقيل: آذَيْنَه بغيْرة بعضهنّ على بعض. وقيل: أمِر صلى الله عليه وسلم بتلاوة هذه الآية عليهنّ وتخييرهنّ بين الدنيا والآخرة. وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: إن مَنْ مَلَك زوجة فليس عليه تخييرها. أمِر صلى الله عليه وسلم أن يخيّر نساءه فاخترنه. وجملة ذلك أن الله سبحانه خيّر النبيّ صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيًّا ملِكاً وعرض عليه مفاتيح خزائن الدنيا، وبين أن يكون نبيًّا مِسكيناً؛ فشاور جبريل فأشار عليه بالمسكنة فاختارها؛ فلما اختارها وهي أعلى المنزلتين، أمره الله عز وجل أن يخيّر زوجاته؛ فربما كان فيهنّ من يكره المقام معه على الشدّة تنزيهاً له. وقيل: إن السبب الذي أُوجِب التخيير لأجله، أن امرأة من أزواجه سألته أن يصوغ لها حَلْقة من ذهب، فصاغ لها حلقة من فضة وطلاها بالذهب ـ وقيل بالزعفران ـ فأبت إلا أن تكون من ذهب؛ فنزلت آية التخيير فخيَّرهنّ، فقلن اخترنا الله ورسوله. وقيل: إن واحدة منهنّ اختارت الفراق. فالله أعلم. روى البخاريّ ومسلم ـ واللفظ لمسلم ـ حديث : عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: ـ فأذِن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذِن له، فوجد النبيّ صلى الله عليه وسلم جالساً حوله نساؤه واجماً ساكتاً ـ قال: ـ فقال والله لأقولنّ شيئاً أضحك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمتُ إليها فَوَجَأْتُ عنقها؛ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «هنّ حولي كما ترى يسألنَني النفقة» فقام أبو بكر إلى عائشة يَجَأُ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يَجَأ عنقها؛ كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده!! فقلن: واللَّهِ لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أبداً ليس عنده. ثم اعتزلهنّ شهراً أو تسعاً وعشرين. ثم نزلت عليه هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ ـ حتى بلغ ـ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}. قال: فبدأ بعائشة فقال: «يا عائشة، إني أريد أن أعرِض عليك أمراً أحِبُّ ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك» قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: «لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إنّ الله لم يبعثني مُعَنتاً ولا مُتَعنِّتاً ولكن بعثني معلماً مُيَسِّراً»تفسير : . وروى الترمذي حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: «يا عائشة، إني ذاكر لكِ أمراً فلا عليكِ ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويْك» قالت: وقد عَلم أن أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه؛ قالت ثم قال: «إنّ الله يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ـ حتى بلغ ـ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}» فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وفعل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. قال العلماء: وأما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم عائشة أن تشاور أبويها لأنه كان يحبها، وكان يخاف أن يحملها فرط الشباب على أن تختار فِراقه، ويعلم من أبويها أنهما لا يشيران عليها بفراقه. الثانية: قوله تعالى: {قُل لأَزْوَاجِكَ} كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم أزواج، منهن من دخل بها، ومنهن من عقد عليها ولم يدخل بها، ومنهن من خطبها فلم يتم نكاحه معها. فأوّلهنّ: خديجة بنت خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ بن كِلاب. وكانت قبله عند أبي هالة واسمه زرارة بن النبّاش الأسدي، وكانت قبله عند عتيق بن عائذ، وَلدت منه غلاماً اسمه عبد مناف. وولدت من أبي هالة هند بن أبي هالة، وعاش إلى زمن الطاعون فمات فيه. ويقال: إن الذي عاش إلى زمن الطاعون هند بن هند، وسُمعت نادبته تقول حين مات: واهندُ ابن هنداه، واربِيبَ رسول الله. ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة غيرها حتى ماتت. وكانت يوم تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت أربعين سنة، وتوفيت بعد أن مضى من النبوّة سبع سنين، وقيل: عشر. وكان لها حين توفيت خمس وستون سنة. وهي أول امرأة آمنت به. وجميع أولاده منها غير إبراهيم. قال حكيم بن حزام: توفيت خديجة فخرجنا بها من منزلها حتى دفنّاها بالحَجُون؛ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرتها، ولم تكن يومئذٍ سُنَّةُ الجنازة الصلاةَ عليها. ومنهن: سَوْدة بنت زَمْعة بن قيس بن عبد شمس العامرية، أسلمت قديماً وبايعت، وكانت عند ابن عمّ لها يقال له السكران بن عمرو؛ وأسلم أيضاً، وهاجرا جميعاً إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها. وقيل: مات بالحبشة؛ فلما حلّت خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوّجها ودخل بها بمكة، وهاجر بها إلى المدينة؛ فلما كبرت أراد طلاقها فسألته ألاّ يفعل وأن يدعها في نسائه، وجعلت ليلتها لعائشة ـ حسبما هو مذكور في الصحيح ـ فأمسكها، وتوفيت بالمدينة في شوّال سنة أربع وخمسين. ومنهن: عائشة بنت أبي بكر الصدّيق، وكانت مسماة لجُبير بن مطعِم، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال أبو بكر: يا رسول الله، دَعْني أسُلّها من جُبير سَلاًّ رفِيقاً؛ فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث سنين؛ وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع، وبقيت عنده تسع سنين، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثمان عشرة، ولم يتزوج بِكراً غيرها، وماتت سنة تسع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين. ومنهن: حفصة بنت عمر بن الخطاب القُرَشِية العدويّة، تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلقها، فأتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوّامة قوّامة» فراجعها. قال الواقديّ: وتوفيت في شعبان سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية، وهي ابنة ستين سنة. وقيل: ماتت في خلافة عثمان بالمدينة. ومنهن: أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أميّة المخزومية ـ واسم أبي أمية سُهيل ـ تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من شوّال سنة أربع، زوّجها منه ابنها سلمة على الصحيح، وكان عُمَرُ ابنُها صغيراً، وتوفيت في سنة تسع وخمسين. وقيل: سنة ثنتين وستين؛ والأول أصح. وصلّى عليها سعيد بن زيد. وقيل أبو هريرة. وقُبِرت بالبقِيع وهي ابنة أربع وثمانين سنة. ومنهنّ: أم حبيبة، واسمها رَمْلة بنت أبي سفيان. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضَّمْريّ إلى النجاشيّ، ليخطب عليه أم حبيبة فزوجه إياها، وذلك سنة سبع من الهجرة، وأصدق النجاشيّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار، وبعث بها مع شُرحبيل بن حَسَنة، وتوفيت سنة أربع وأربعين. وقال الدَّارَقُطْنِيّ: كانت أم حبيبة تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة على النصرانية، فزوّجها النجاشيّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إليه مع شُرحبيل بن حسنة. ومنهنّ:حديث : زينب بنت جَحْش بن رِئاب الأسديّة؛ وكان اسمها بَرّة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، وكان اسم أبيها بُرّة؛ فقالت: يا رسول الله، بدّل اسم أبي فإن البُرّة حقيرة؛ فقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لو كان أبوك مؤمناً سميناه باسم رجل منا أهل البيت ولكني قد سميته جحشاً والجحش من البُرّة»تفسير : ذكر هذا الحديث الدَّارَقُطْنِيّ. تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في سنة خمس من الهجرة، وتوفيت سنة عشرين، وهي بنت ثلاث وخمسين. ومنهنّ: زينب بنت خُذيمة بن الحارث (ابن عبد الله) بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صَعْصعة الهلالية، كانت تسمى في الجاهلية أمّ المساكين؛ لإطعامها إياهم. تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان على رأس واحد وثلاثين شهراً من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في حياته في آخر ربيع الأوّل على رأس تسعة وثلاثين شهراً؛ ودفنت بالبقيع. ومنهنّ: جُوَيرية بنت الحارث بن أبي ضِرار الخُزاعية المُصْطَلِقيّة، أصابها في غزوة بني المُصْطَلِق فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شَمّاس فكاتبها؛ فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوّجها، وذلك في شعبان سنة ست، وكان اسمها بُرّة فسمّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم جُوَيرية، وتوفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين. وقيل: سنة خمسين، وهي ابنة خمس وستين. ومنهن: صفية بنت حُيَيّ بن أخْطَب الهارونية، سباها النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم خَيْبر واصطفاها لنفسه، وأسلمت وأعتقها، وجعل عتقها صداقها. وفي الصحيح: أنها وقعت في سهم دِحْيَة الكَلْبيّ فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس، وماتت في سنة خمسين. وقيل: سنة اثنتين وخمسين، ودفنت بالبقيع. ومنهن: رَيحانة بنت زيد بن عمرو بن خُنافة من بني النَّضير، سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها، وتزوّجها في سنة ست، وماتت مرْجِعَه من حَجة الوَداع، فدفنها بالبقيع. وقال الواقديّ: ماتت سنة ست عشرة وصلّى عليها عمر. قال أبو الفرج الجَوْزِيّ: وقد سمعت من يقول: إنه كان يطؤها بمِلْك اليمين ولم يعتقها. قلت: ولهذا والله أعلم لم يذكرها أبو القاسم عبد الرحمن السُّهَيْلِي في عداد أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم. ومنهن: ميمونة بنت الحارث الهلالِية، تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَرِف على عشرة أميال من مكة، وذلك في سنة سبع من الهجرة في عُمْرة القَضِيّة، وهي آخر امرأة تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدّر الله تعالى أنها ماتت في المكان الذي بنى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، ودفنت هنالك، وذلك في سنة إحدى وستين. وقيل: ثلاث وستين. وقيل ثمان وستين. فهؤلاء المشهورات من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهنّ اللاتي دخل بهن؛ رضي الله عنهن. فأما من تزوّجهن ولم يدخل بهن؛ فمنهن: الكلابِية. واختلفوا في اسمها؛ فقيل فاطمة. وقيل عَمْرة. وقيل العالية. قال الزهريّ: تزوّج فاطمة بنت الضحاك الكلابية فاستعاذت منه فطلقها، وكانت تقول: أنا الشقيّة. تزوّجها في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة، وتوفيت سنة ستين. ومنهن: أسماء بنت النعمان بن الجَوْن بن الحارث الكِنْدية، وهي الجونية. قال قتادة: لما دخل عليها دعاها فقالت: تعال أنت، فطلّقها. وقال غيره: هي التي استعاذت منه. وفي البخاريّ قال:حديث : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شَراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبينتفسير : . وفي لفظ آخر قال أبو أُسيد: حديث : أتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجَوْنية، فلما دخل عليها قال: «هبِي لي نفسك» فقالت: وهل تهب الملِكة نفسها للسُّوقة! فأهوى بيده ليضعها عليها لتسكن؛ فقالت: أعوذ بالله منك! فقال: «قد عُذتِ بمعَاذ» ثم خرج علينا فقال: «يا أبا أسَيد، أكْسها رازِقِيين وألحقها بأهلها».تفسير : ومنهنّ: قُتَيْلة بنت قيس، أخت الأشعث بن قيس، زوّجها إياه الأشعث، ثم انصرف إلى حَضْرمَوْت، فحملها إليه فبلغه وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم. فردّها إلى بلاده، فارتدّ وارتدت معه. ثم تزوّجها عِكرمة بن أبي جَهْل، فوجد من ذلك أبو بكر وَجْداً شديداً. فقال له عمر: إنها والله ما هي من أزواجه، ما خيّرها ولا حجبها. ولقد برّأها الله منه بالارتداد. وكان عروة ينكر أن يكون تزوّجها. ومنهنّ: أم شريك الأزدية، واسمها غُزَيَّة بنت جابر بن حكيم، وكانت قبله عند أبي بكر بن أبي سلمى، فطلقها النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها. وهي التي وهبت نفسها. وقيل: إن التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم خَوْلة بنت حكيم. ومنهنّ: خَوْلة بنت الهُذَيل ابن هُبَيرة، تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهلكت قبل أن تصل إليه. ومنهنّ: شَرَافُ بنت خليفة، أخت دِحْية، تزوّجها ولم يدخل بها. ومنهنّ: ليلى بنت الخَطِيم، أخت قيس، تزوّجها وكانت غيوراً فاستقالته فأقالها. ومنهنّ: عمرة بنت معاوية الكِندية، تزوّجها النبي صلى الله عليه وسلم. قال الشعبيّ: تزوّج امرأة من كِنْدة فجيء بها بعد ما مات. ومنهنّ: ابنة جندب بن ضمرة الجُنْدُعِية. قال بعضهم: تزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنكر بعضهم وجود ذلك. ومنهنّ: حديث : الغِفارِيّة. قال بعضهم؛ تزوّج امرأة من غِفار، فأمرها فنزعت ثيابها فرأى بياضاً فقال: «الْحَقِي بأهلك»تفسير : . ويقال: إنما رأى البياض بالكلابية. فهؤلاء اللاتي عقد عليهنّ ولم يدخل بهنّ؛ صلى الله عليه وسلم. فأما من خطبهنّ فلم يتم نكاحه معهنّ؛ ومن وهبت له نفسها: فمنهنّ: أم هانىء بنت أبي طالب، واسمها فاختة. خطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة مُصْبِيَة واعتذرت إليه فعذرها. ومنهنّ: ضُباعة بنت عامر. ومنهنّ: حديث : صفِية بنت بَشامة بن نضلة، خطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان أصابها سِباء، فخيّرها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن شئت أنا وإن شئت زوجك؟» قالت: زوجي. فأرسلها؛ فلعنتها بنو تميمتفسير : ؛ قاله ابن عباس. ومنهنّ: أم شريك. وقد تقدّم ذكرها. ومنهنّ: ليلى بنت الخَطِيم؛ وقد تقدّم ذكرها. ومنهنّ: خولة بنت حكيم بن أمية؛ وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم فأرجأها، فتزوّجها عثمان بن مظعون. ومنهنّ: جَمْرة بنت الحارث بن عَوف المرّي؛ خطبها النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال أبوها: إن بها سوءاً ولم يكن بها، فرجع إليها أبوها وقد برِصَت، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر. ومنهنّ: سودة القرشية؛ خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مصبِية. فقالت: أخاف أن يَضْغُوَ صِبْيَتِي عند رأسك. فحمِدها ودعا لها. ومنهنّ: امرأة لم يُذكر اسمها. قال مجاهد: حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: أستأمر أبي. فلقِيت أباها فأذن لها، فلقِيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قد التحفنا لحافاً غيرك».تفسير : فهؤلاء جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وكان له من السَّراري سُرِّيتان: مارِية القبطية، ورَيْحانة؛ في قول قتادة. وقال غيره: كان له أربع: مارية، ورَيحانة، وأخرى جميلة أصابها في السَّبْي، وجاريةٌ وهبتها له زينب بنت جحش. الثالثة: قوله تعالى: {إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} «إِنْ» شرط، وجوابه «فَتَعَالَيْنَ»؛ فعلق التخيير على شرط. وهذا يدل على أن التخيير والطلاق المعلقين على شرط صحيحان، فينفذان ويمضيان؛ خلافاً للجهال المبتدعة الذين يزعمون أن الرجل إذا قال لزوجته: أنتِ طالق إن دخلتِ الدار، أنه لا يقع الطلاق إن دخلت الدار؛ لأن الطلاق الشرعيّ هو المنجَّز في الحال لا غير. الرابعة: قوله تعالى: {فَتَعَالَيْنَ} هو جواب الشرط، وهو فعل جماعة النساء، من قولك تعالى؛ وهو دعاء إلى الإقبال إليه يقال: تعالى بمعنى أقبل، وُضع لمن له جلالة ورفعة، ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى الإقبال، وأما في هذا الموضع فهو على أصله؛ فإن الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. {أُمَتِّعْكُنَّ} قد تقدّم الكلام في المُتْعة في «البقرة». وقرىء «أُمَتِّعُكُنَّ» بضم العين. وكذا «وَأُسَرِّحُكُنّ» بضم الحاء على الاستئناف. والسراح الجميل؛ هو أن يكون طلاقاً للسنة من غير ضرار ولا منع واجب لها. الخامسة: اختلف العلماء في كيفية تخيير النبيّ صلى الله عليه وسلم أزواجه على قولين: الأوّل: أنه خيّرهنّ بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق، فاخترن البقاء؛ قالته عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبِيّ وابن شهاب وربيعة. ومنهم من قال: إنما خيرهنّ بين الدنيا فيفارقهنّ، وبين الآخرة فيمسكهنّ؛ لتكون لهنّ المنزلة العليا كما كانت لزوجهنّ؛ ولم يخيرهنّ في الطلاق؛ ذكره الحسن وقتادة. ومن الصحابة عليّ فيما رواه عنه أحمد بن حنبل أنه قال: لم يخيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه إلا بين الدنيا والآخرة. قلت: القول الأوّل أصح؛ لقول عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت: قد خيّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا! في رواية: فاخترناه فلم يعدّه طلاقاً. ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق؛ لذلك قال: «حديث : يا عائشة إني ذاكر لكِ أمراً فلا عليك ألاّ تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك»تفسير : الحديث. ومعلوم أنه لم يرد الاستئمار في اختيار الدنيا وزينتها على الآخرة. فثبت أن الاستئمار إنما وقع في الفرقة، أو النكاح. والله أعلم. السادسة: اختلف العلماء في المخيَّرة إذا اختارت زوجها؛ فقال جمهور العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى: إنه لا يلزمه طلاق، لا واحدة ولا أكثر؛ هذا قول عمر بن الخطاب وعليّ وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وعائشة. ومن التابعين عطاء ومسروق وسليمان بن يسار وربيعة وابن شهاب. وروي عن عليّ وزيد أيضاً: إن اختارت زوجها فواحدة بائنة؛ وهو قول الحسن البصريّ والليث، وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك. وتعلقوا بأن قوله: اختاري، كناية عن إيقاع الطلاق، فإذا أضافه إليها وقعت طلقة؛ كقوله: أنتِ بائن. والصحيح الأوّل؛ لقول عائشة: خيّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم يعدّه علينا طلاقاً. أخرجه الصحيحان. قال ابن المنذر: وحديث عائشة يدل على أن المخيّرة إذا اختارت زوجها لم يكن ذلك طلاقاً، ويدل على أن اختيارها نفسها يوجب الطلاق، ويدل على معنى ثالث، وهو أن المخيَّرة إذا اختارت نفسها أنها تطليقة يملك زوجها رجعتها؛ إذ غير جائز أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما أمره الله. وروي هذا عن عمر وابن مسعود وابن عباس. وبه قال ابن أبي ليلى والثوريّ والشافعيّ. وروي عن عليّ أنها إذا اختارت نفسها أنها واحدة بائنة. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. ورواه ابن خُوَيْزِمَنْدَاد عن مالك. وروي عن زيد بن ثابت أنها إذا اختارت نفسها أنها ثلاث. وهو قول الحسن البصريّ، وبه قال مالك والليث؛ لأن المِلك إنما يكون بذلك. وروي عن عليّ رضي الله عنه أنها إذا اختارت نفسها فليس بشيء. وروي عنه أنها إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية. السابعة: ذهب جماعة من المدنيّين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء، والقضاء ما قضت فيهما جميعاً؛ وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. قال ابن شعبان: وقد اختاره كثير من أصحابنا، وهو قول جماعة من أهل المدينة. قال أبو عمر: وعلى هذا القول أكثر الفقهاء. والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما؛ وذلك أن التمليك عند مالك هو قول الرجل لامرأته: قد ملّكتك؛ أي قد ملّكتك ما جعل الله لي من الطلاق واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً؛ فلما جاز أن يملّكها بعض ذلك دون بعض وادعى ذلك، كان القولُ قولَه مع يمينه إذا ناكرها. وقالت طائفة من أهل المدينة: له المناكرة في التمليك وفي التخيير سواء في المدخول بها. والأوّل قول مالك في المشهور. وروى ابن خُوَيْزِمَنْدَاد عن مالك أن للزوج أن يناكر المخيَّرة في الثلاث، وتكون طلقة بائنة كما قال أبو حنيفة. وبه قال أبو الجَهْم. قال سُحْنون: وعليه أكثر أصحابنا. وتحصيل مذهب مالك: أن المخيّرة إذا اختارت نفسها وهي مدخول بها فهو الطلاق كله، وإن أنكر زوجها فلا نكرة له. وإن اختارت واحدة فليس بشيء، وإنما الخيار البتات، إما أخذته وإما تركته؛ لأن معنى التخيير التسريح، قال الله تعالى في آية التخيير: {أية : فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } تفسير : [الأحزاب: 28] فمعنى التسريح البتات، قال الله تعالى: {أية : ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}تفسير : [البقرة: 229]. والتسريح بإحسان هو الطلقة الثالثة؛ روي ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم كما تقدّم. ومن جهة المعنى أن قوله: اختاريني أو اختاري نفسك يقتضي ألاّ يكون له عليها سبيل إذا اختارت نفسها، ولا يملك منها شيئاً؛ إذ قد جعل إليها أن تخرج ما يملكه منها أو تقيم معه إذا اختارته، فإذا اختارت البعض من الطلاق لم تعمل بمقتضى اللفظ، وكانت بمنزل من خُيّر بين شيئين فاختار غيرهما. وأما التي لم يدخل بها فله مناكرتها في التخيير والتمليك إذا زادت على واحدة؛ لأنها تبِين في الحال. الثامنة: اختلفت الرواية عن مالك متى يكون لها الخيار؛ فقال مرة: لها الخيار ما دامت في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض. فإن لم تختر ولم تقض شيئاً حتى افترقا من مجلسهما بطل ما كان من ذلك إليها؛ وعلى هذا أكثر الفقهاء. وقال مرة: لها الخيار أبداً ما لم يعلم أنها تركت؛ وذلك يُعلم بأن تمكّنه من نفسها بوطء أو مباشرة؛ فعلى هذا إن منعت نفسها ولم تختر شيئاً كان له رفعهاإلى الحاكم لتوقع أو تسقط، فإن أبت أسقط الحاكم تمليكها. وعلى القول الأول إذا أخذت في غير ذلك من حديث أو عمل أو مشي أو ما ليس في التخيير بشيء كما ذكرنا سقط تخييرها. واحتج بعض أصحابنا لهذا القول بقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}تفسير : [النساء: 140]. وأيضاً فإن الزوج أطلق لها القول ليعرف الخيار منها، فصار كالعقد بينهما، فإن قبلته وإلا سقط؛ كالذي يقول: قد وهبت لك أو بايعتك، فإن قبل وإلا كان الملك باقياً بحاله. هذا قول الثوريّ والكوفيين والأوزاعيّ والليث والشافعي وأبي ثور، وهو اختيار ابن القاسم. ووجه الرواية الثانية أن ذلك قد صار في يدها وملَكَته على زوجها بتمليكه إياها فلما ملكت ذلك وجب أن يبقى في يدها كبقائه في يد زوجها. قلت: وهذا هو الصحيح حديث : لقوله عليه السلام لعائشة: «إني ذاكر لك أمراً فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك»تفسير : رواه الصحيح، وخرّجه البخاريّ، وصححه الترمذيّ. وقد تقدم في أول الباب. وهو حجة لمن قال: إنه إذا خيّر الرجل امرأته أو ملّكها أن لها أن تقضي في ذلك وإن افترقا من مجلسهما؛ روي هذا عن الحسن والزُّهريّ، وقاله مالك في إحدى روايتيه. قال أبو عبيد: والذي عندنا في هذا الباب، اتباع السنة في عائشة في هذا الحديث، حين جعل لها التخيير إلى أن تستأمر أبويها، ولم يجعل قيامها من مجلسها خروجاً من الأمر. قال المَرْوزِيّ: هذا أصح الأقاويل عندي، وقاله ابن المنذر والطّحاويّ.
ابن كثير
تفسير : هذا أمر من الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن رضي الله عنهنّ وأرضاهن الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه، قالت: فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك»تفسير : وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: «حديث : إن الله تعالى قال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَِزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ}» تفسير : إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وكذا رواه معلقاً عن الليث: حدثني يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها، فذكره، وزاد: قالت: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل مافعلت، وقد حكى البخاري أن معمراً اضطرب فيه، فتارة رواه عن الزهري عن أبي سلمة، وتارة رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: قالت عائشة رضي الله عنها: لما نزل الخيار، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني أريد أن أذكر لك أمراً، فلا تقضي فيه شيئاً حتى تستأمري أبويك» تفسير : قالت: قلت: وما هو يارسول الله؟ قالت: فرده عليها، فقالت: وما هو يارسول الله؟ قالت: فرده عليها، فقالت: وما هو يارسول الله؟ قالت: فقرأ صلى الله عليه وسلم عليها: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَِزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} إلى آخر الآية، قالت: فقلت: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ففرح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن بشر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت آية التخيير، بدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ياعائشة إني عارض عليك أمراً، فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر وأم رومان رضي الله عنهما»تفسير : ، فقالت: يارسول الله وما هو؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : قال الله عز وجل: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَِزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}» تفسير : قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان رضي الله عنهما. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استقرأ الحجر، فقال: «حديث : إن عائشة، رضي الله عنها ــــ قالت: كذا وكذا»تفسير : ، فقلن: ونحن نقول مثلما قالت عائشة. رضي الله عنهن كلهن. رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة عن محمد بن عمرو به. قال ابن جرير: وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي حدثنا محمد بن إِسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ـــ إلى نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل علي فقال: «حديث : سأذكر لك أمراً، فلا تعجلي حتى تستشيري أباك»تفسير : فقلت: وما هو يارسول الله؟ قال: «حديث : إِني أمرت أن أخيركن» تفسير : وتلا عليها آية التخيير إِلى آخر الآيتين، قالت: فقلت: وما الذي تقول: لاتعجلي حتى تستشيري أباك؟ فإِني أختار الله ورسوله. فسر صلى الله عليه وسلم بذلك، وعرض على نسائه، فتتابعن كلهن، فاخترن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل عن الزهري، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت عائشة رضي الله عنها: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : إِني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك» تفسير : قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: "حديث : إِن الله تبارك وتعالى قال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَِزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ}" تفسير : الآيتين، قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإِني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة رضي الله عنهن، وأخرجه البخاري ومسلم جميعاً عن قتيبة عن الليث عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها مثله. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يعدها علينا شيئاً، أخرجاه من حديث الأعمش. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زكريا بن إِسحاق عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ببابه جلوس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر رضي الله عنه، فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، وحوله نساؤه، وهو صلى الله عليه وسلم ساكت، فقال عمر رضي الله عنه: لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، فقال عمر رضي الله عنه: يارسول الله لو رأيت ابنة زيد ــــ امرأة عمر ــــ سألتني النفقة آنفاً، فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: «حديث : هن حولي يسألنني النفقة» تفسير : فقام أبو بكر رضي الله عنه إِلى عائشة ليضربها، وقام عمر رضي الله عنه إِلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: والله لانسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده، قال: وأنزل الله عز وجل الخيار، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال: «حديث : إِني أذكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» تفسير : قالت: وما هو؟ قال: فتلا عليها: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَِزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} الآية، قالت عائشة رضي الله عنها: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : إِن الله تعالى لم يبعثني معنفاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إِلا أخبرتها» تفسير : انفرد بإِخراجه مسلم دون البخاري، فرواه هو والنسائي من حديث زكريا بن إِسحاق المكي به. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا علي بن هشام بن البريد عن محمد بن عبيد الله ابن علي بن أبي رافع، عن عثمان بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه الدنيا والآخرة، ولم يخيرهن الطلاق، وهذا منقطع. وقد روي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك، وهو خلاف الظاهر من الآية، فإِنه قال: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} أي: أعطيكن حقوقكن، وأطلق سراحكن، وقد اختلف العلماء في جواز تزوج غيره لهن، لو طلقهن، على قولين، أصحهما: نعم، لو وقع؛ ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم. قال عكرمة: وكان تحته يومئذ تسع نسوة: خمس من قريش: عائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة رضي الله عنهن، وكانت تحته صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي النضيرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، رضي الله عنهن وأرضاهن جميعاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } وهُنَّ تسع وطلبن منه من زينة الدنيا ما ليس عنده {إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ } أي متعة الطلاق {وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } أطلقكنّ من غير ضرار.
الشوكاني
تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } قيل: هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدّمها من المنع من إيذاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان قد تأذّى ببعض الزوجات. قال الواحدي: قال المفسرون: إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئاً من عرض الدنيا، وطلبن منه الزيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهنّ على بعض، فآلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهنّ شهراً، وأنزل الله آية التخيير هذه، وكنّ يومئذ تسعاً: عائشة وحفصة وأمّ سلمة وأمّ حبيبة وسودة هؤلاء من نساء قريش، وصفية الخيبرية وميمونة الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. ومعنى {ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} سعتها ونضارتها ورفاهيتها والتنعم فيها {فَتَعَالَيْنَ } أي أقبلن إليّ {أُمَتّعْكُنَّ } بالجزم جواباً للأمر، أي أعطكنّ المتعة، وكذا {أسرّحكنّ} بالجزم، أي أطلقكنّ وبالجزم في الفعلين قرأ الجمهور، وقرأ حميد الخراز بالرفع في الفعلين على الاستئناف، والمراد بالسراح الجميل هو الواقع من غير ضرار على مقتضى السنة. وقيل: إن جزم الفعلين، على أنهما جواب الشرط، وعلى هذا يكون قوله: {فتعالين} اعتراضاً بين الشرط والجزاء {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ } أي الجنة ونعيمها {فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ } أي اللاتي عملن عملاً صالحاً {أَجْراً عَظِيماً } لا يمكن وصفه، ولا يقادر قدره وذلك بسبب إحسانهن، وبمقابلة صالح عملهنّ. وقد اختلف العلماء في كيفية تخيير النبيّ صلى الله عليه وسلم أزواجه على قولين: القول الأوّل: أنه خيرهنّ بإذن الله في البقاء على الزوجية أو الطلاق، فاخترن البقاء، وبهذا قالت عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي والزهري وربيعة. والقول الثاني: أنه إنما خيرهنّ بين الدنيا فيفارقهنّ، وبين الآخرة فيمسكهن ولم يخيرهنّ في الطلاق، وبهذا قال عليّ والحسن وقتادة، والراجح الأوّل. واختلفوا أيضاً في المخيرة إذا اختارت زوجها هل يحسب مجرّد ذلك التخيير على الزوج طلقة أم لا؟ فذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا يكون التخيير مع اختيار المرأة لزوجها طلاقاً لا واحدة ولا أكثر. وقال علي وزيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وبه قال الحسن والليث. وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك. والراجح الأوّل لحديث عائشة الثابت في الصحيحين قالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه فلم يعدّه طلاقاً. ولا وجه لجعل مجرّد التخيير طلاقاً، ودعوى أنه كناية من كنايات الطلاق مدفوعة بأن المخير لم يرد الفرقة لمجرّد التخيير، بل أراد تفويض المرأة وجعل أمرها بيدها، فإن اختارت البقاء بقيت على ما كانت عليه من الزوجية، وإن اختارت الفرقة صارت مطلقة. واختلفوا في اختيارها لنفسها هل يكون ذلك طلقة رجعية، أو بائنة؟ فقال بالأوّل عمر وابن مسعود وابن عباس وابن أبي ليلى والثوري والشافعي. وقال بالثاني عليّ وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن مالك. والراجح الأوّل، لأنه يبعد كل البعد أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه على خلاف ما أمره الله به، وقد أمره بقوله: {أية : إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } تفسير : [الطلاق: 1]، وروي عن زيد بن ثابت أنها إذا اختارت نفسها فثلاث طلقات، وليس لهذا القول وجه. وقد روي عن عليّ: أنها إذا اختارت نفسها فليس بشيء، وإذا اختارت زوجها فواحدة رجعية. ثم لما اختار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله أنزل فيهنّ هذه الآيات تكرمة لهنّ وتعظيماً لحقهنّ فقال: {يٰنِسَاء ٱلنَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } أي ظاهرة القبح واضحة الفحش، وقد عصمهنّ الله عن ذلك وبرأهنّ وطهرهنّ {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } أي يعذبهنّ مثلي عذاب غيرهنّ من النساء إذا أتين بمثل تلك الفاحشة؛ وذلك لشرفهنّ وعلوّ درجتهنّ وارتفاع منزلتهنّ. وقد ثبت في هذه الشريعة في غير موضع أنّ تضاعف الشرف وارتفاع الدرجات يوجب لصاحبه إذا عصى تضاعف العقوبات. وقر أبو عمرو: "يضعف" على البناء للمفعول، وفرق هو وأبو عبيد بين يضاعف ويضعف، فقالا: يكون يضاعف ثلاثة عذابات ويضعف عذابين. قال النحاس: هذه التفرقة التي جاء بها لا يعرفها أحد من أهل اللغة، والمعنى في يضاعف ويضعف واحد، أي يجعل ضعفين، وهكذا ضعف ما قالاه ابن جرير {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } لا يتعاظمه ولا يصعب عليه. {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَـٰلِحاً } قرأ الجمهور: {يقنت} بالتحتية، وكذا قرؤوا: {يأت منكنّ} حملاً على لفظ من في الموضعين، وقرأ الجحدري ويعقوب وابن عامر في رواية وأبو جعفر بالفوقية حملاً على المعنى، ومعنى {من يقنت}: من يطع، وكذا اختلف القراء في {مبينة}، فمنهم من قرأها بالكسر، ومنهم من قرأها بفتح الياء كما تقدّم في النساء. وقرأ ابن كثير وابن عامر: "نضعف" بالنون ونصب العذاب، وقرىء: "نضاعف" بكسر العين على البناء للفاعل {نُؤْتِهَـا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } قرأ حمزة والكسائي بالتحتية، وكذا قرأ: "يعمل" بالتحتية، وقرأ الباقون: "تعمل" بالفوقية، "ونؤت" بالنون. ومعنى إتيانهنّ الأجر مرّتين: أنه يكون لهنّ من الأجر على الطاعة مثلا ما يستحقه غيرهنّ من النساء إذا فعلن تلك الطاعة. وفي هذا دليل قويّ على أن معنى {يضاعف لها العذاب ضعفين}: أنه يكون العذاب مرّتين لا ثلاثاً؛ لأن المراد إظهار شرفهنّ ومزيتهنّ في الطاعة والمعصية بكون حسنتهنّ كحسنتين، وسيئتهنّ كسيئتين، ولو كانت سيئتهنّ كثلاث سيئات لم يناسب ذلك كون حسنتهنّ كحسنتين، فإن الله أعدل من أن يضاعف العقوبة عليهنّ مضاعفة تزيد على مضاعفة أجرهن {وَأَعْتَدْنَا لَهَا } زيادة على الأجر مرّتين {رِزْقاً كَرِيماً }. قال المفسرون: الرزق الكريم هو: نعيم الجنة، حكى ذلك عنهم النحاس. ثم أظهر سبحانه فضيلتهنّ على سائر النساء تصريحاً، فقال: {يٰنِسَاء ٱلنَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاء } قال الزجاج: لم يقل: كواحدة من النساء؛ لأن أحد نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة. وقد يقال: على ما ليس بآدميّ كما يقال: ليس فيها أحد لا شاة، ولا بعير. والمعنى: لستنّ كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل والشرف. ثم قيد هذا الشرف العظيم بقيد فقال: {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ } فبين سبحانه أن هذه الفضيلة لهنّ إنما تكون بملازمتهنّ للتقوى، لا لمجرّد اتصالهنّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد وقعت منهنّ ولله الحمد التقوى البينة، والإيمان الخالص، والمشي على طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته. وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي: إن اتقيتنّ فلستنّ كأحد من النساء. وقيل: إن جوابه: {فَلاَ تَخْضَعْنَ } والأوّل أولى. ومعنى {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ }: لا تلنّ القول عند مخاطبة الناس كما تفعله المريبات من النساء، فإنه يتسبب عن ذلك مفسدة عظيمة، وهي قوله: {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ } أي فجور وشك ونفاق، وانتصاب {يطمع} لكونه جواب النهي. كذا قرأ الجمهور. وحكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ: "فيطمع" بفتح الياء وكسر الميم. قال النحاس: أحسب هذا غلطاً، ورويت هذه القراءة عن أبي السمال وعيسى بن عمر وابن محيصن، وروي عنهم: أنهم قرؤوا بالجزم عطفاً على محل فعل النهي {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } عند الناس بعيداً من الريبة على سنن الشرع، لا ينكر منه سامعه شيئاً، ولا يطمع فيهنّ أهل الفسق والفجور بسببه. {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } قرأ الجمهور: "وقرن" بكسر القاف من وقر يقر وقاراً، أي سكن، والأمر منه قر بكسر القاف، وللنساء قرن: مثل عدن وزنّ. وقال المبرد: هو من القرار، لا من الوقار، تقول: قررت بالمكان بفتح الراء، والأصل: اقررن بكسر الراء فحذفت الراء الأولى تخفيفاً كما قالوا في ظللت: ظلت، ونقلوا حركتها إلى القاف، واستغنى عن ألف الوصل بتحريك القاف. وقال أبو علي الفارسي: أبدلت الراء الأولى ياء كراهة التضعيف كما أبدلت في قيراط ودينار، وصار للياء حركة الحرف الذي أبدلت منه، والتقدير: اقيرن، ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحريك الياء بالكسر فتسقط الياء لاجتماع الساكنين، وتسقط همزة الوصل لتحريك ما بعدها فيصير قرن. وقرأ نافع وعاصم بفتح القاف. وأصله: قررت بالمكان: إذا أقمت فيه بكسر الراء، أقرّ بفتح القاف كحمد يحمد، وهي لغة أهل الحجاز، ذكر ذلك أبو عبيد عن الكسائي، وذكرها الزجاج، وغيره. قال الفراء: هو كما تقول هل حست صاحبك، أي هل أحسسته؟ قال أبو عبيد: كان أشياخنا من أهل العربية ينكرون القراءة بالفتح للقاف، وذلك لأن قررت بالمكان أقرّ لا يجوّزه كثير من أهل العربية. والصحيح قررت أقرّ بالكسر، ومعناه: الأمر لهنّ بالتوقر والسكون في بيوتهنّ، وأن لا يخرجن، وهذا يخالف ما ذكرناه هنا عنه عن الكسائي وهو من أجلّ مشايخه. وقد وافقه على الإنكار لهذه القراءة أبو حاتم فقال: إن "قرن" بفتح القاف لا مذهب له في كلام العرب. قال النحاس: قد خولف أبو حاتم في قوله إنه لا مذهب له في كلام العرب، بل فيه مذهبان: أحدهما: حكاه الكسائي، والآخر: عن عليّ بن سليمان. فأما المذهب الذي حكاه الكسائي فهو ما قدّمناه من رواية أبي عبيد عنه، وأما المذهب الذي حكاه عليّ بن سليمان، فقال: إنه من قررت به عيناً أقرّ. والمعنى: واقررن به عيناً في بيوتكنّ. قال النحاس: وهو وجه حسن. وأقول: ليس بحسن ولا هو معنى الآية، فإن المراد بها أمرهنّ بالسكون والاستقرار في بيوتهنّ، وليس من قرّة العين. وقرأ ابن أبي عبلة: "واقررن" بألف وصل وراءين، الأولى مكسورة على الأصل. {وَلاَ تَبَرَّجْنَّ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأَولَىٰ } التبرّج: أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره مما يستدعي به شهوة الرجل. وقد تقدّم معنى التبرّج في سورة النور. قال المبرد: هو مأخوذ من السعة، يقال: في أسنانه برج: إذا كانت متفرّقة. وقيل: التبرّج هو: التبختر في المشي، وهذا ضعيف جدّاً. وقد اختلف في المراد بالجاهلية الأولى، فقيل: ما بين آدم ونوح. وقيل: ما بين نوح وإدريس. وقيل: ما بين نوح وإبراهيم. وقيل: ما بين موسى وعيسى، وقيل: ما بين عيسى ومحمد. وقال المبرد: الجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء. قال: وكان نساء الجاهلية تظهر ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخليلها، فينفرد خليلها بما فوق الإزار إلى أعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل. قال ابن عطية: والذي يظهر لي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهنّ فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة، لأنهم كانوا لا غيرة عندهم، وليس المعنى أنّ ثم جاهلية أخرى. كذا قال، وهو قول حسن. ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل، فيكون المعنى: ولا تبرّجن أيها المسلمات بعد إسلامكنّ تبرّجاً مثل تبرّج أهل الجاهلية التي كنتنّ عليها، وكان عليها من قبلكنّ أي لا تحدثن بأفعالكنّ وأقوالكنّ جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من قبل. {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَه} خصّ الصلاة والزكاة لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية. ثم عمم فأمرهنّ بالطاعة لله ولرسوله في كل ما هو شرع {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } أي إنما أوصاكنّ الله بما أوصاكنّ من التقوى، وأن لا تخضعن بالقول، ومن قول المعروف، والسكون في البيوت وعدم التبرّج، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والطاعة ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، والمراد بالرجس: الإثم والذنب المدنسان للأعراض الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه، فيدخل تحت ذلك كل ما ليس فيه لله رضا، وانتصاب {أهل البيت} على المدح كما قال الزجاج، قال: وإن شئت على البدل. قال: ويجوز الرفع والخفض. قال النحاس: إن خفض فعلى أنه بدل من الكاف والميم، واعترضه المبرد بأنه لا يجوز البدل من المخاطب، ويجوز أن يكون نصبه على النداء {وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } أي يطهركم من الأرجاس والأدران تطهيراً كاملاً. وفي استعارة الرجس للمعصية والترشيح لها بالتطهير تنفير عنها بليغ، وزجر لفاعلها شديد. وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية، فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير: إن أهل البيت المذكورين في الآية هنّ زوجات النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة. قالوا: والمراد بالبيت بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومساكن زوجاته لقوله: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ }. وأيضاً السياق في الزوجات من قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } إلى قوله: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِى بُيُوتِكُـنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْــمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً }. وقال أبو سعيد الخدري ومجاهد وقتادة، وروي عن الكلبي: أن أهل البيت المذكورين في الآية هم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين خاصة، ومن حججهم الخطاب في الآية بما يصلح للذكور لا للإناث، وهو قوله: {عنكم} و {ليطهركم} ولو كان للنساء خاصة لقال عنكنّ ويطهركنّ. وأجاب الأولون عن هذا أن التذكير باعتبار لفظ الأهل كما قال سبحانه: {أية : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [هود: 73] وكما يقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك؟ يريد زوجته أو زوجاته، فيقول: هم بخير. ولنذكر هاهنا ما تمسك به كلّ فريق. أما الأوّلون، فتمسكوا بالسياق، فإنه في الزوجات كما ذكرنا، وبما أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } قال: نزلت في نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج نحوه ابن مردويه من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن سعد عن عروة نحوه. وأما ما تمسك به الآخرون، فأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أمّ سلمة قالت: في بيتي نزلت: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } وفي البيت فاطمة وعليّ والحسن والحسين، فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه، ثم قال: «حديث : هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أمّ سلمة أيضاً؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في بيتها على منامة له عليه كساء خيبريّ، فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ادعي زوجك وابنيك حسناً وحسيناً»تفسير : ، فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً }، فأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بفضلة كسائه فغشاهم إياها، ثم أخرج يده من الكساء وألوى بها إلى السماء، ثم قال: حديث : اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»تفسير : ، قالها ثلاث مرّات. قالت أمّ سلمة: فأدخلت رأسي في الستر، فقلت: يا رسول الله، وأنا معكم؟ فقال: حديث : إنك إلى خير»تفسير : مرّتين. وأخرجه أيضاً أحمد من حديثها قال: حدّثنا عبد الله بن نمير حدّثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رياح، حدّثني من سمع أمّ سلمة تذكر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكره. وفي إسناده مجهول وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات. وقد أخرجه الطبراني عنها من طريقين بنحوه. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لحديث أمّ سلمة طرقاً كثيرة في مسند أحمد وغيره. وأخرج ابن مردويه والخطيب من حديث أبي سعيد الخدري نحوه. وأخرج الترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } وذكر نحو حديث أمّ سلمة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة قالت: «حديث : خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين فأدخلهما معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء عليّ فأدخله معه، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً }»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة ومعه عليّ وحسن وحسين حتى دخل، فأدنى علياً وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه، وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } وقال: «حديث : اللهمّ هؤلاء أهل بيتي، اللهمّ أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً تفسير : ، قلت: يا رسول الله، وأنا من أهلك؟ قال: حديث : وأنت من أهلي» تفسير : . قال واثلة: إنه لأرجا ما أرجوه. وله طرق في مسند أحمد. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن المنذر والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمرّ بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: «حديث : الصلاة يا أهل البيت الصلاة، {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً }»تفسير : . وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أذكركم الله في أهل بيتي» تفسير : فقيل لزيد: ومن أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده: آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر، وآل العباس. وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله: {وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ... وَأَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ } [الواقعة:27 - 41] فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلاثاً، فذلك قوله: {فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ... وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ... وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ } [الواقعة: 8 - 10] فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين. ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله: {وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَـٰرَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } [الحجرات: 13] وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر. ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً، فذلك قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } فأنا، وأهل بيتي مطهرون من الذنوب»تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال: «حديث : الصلاة الصلاة، {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً }»تفسير : . وفي إسناده أبو داود الأعمى، وهو وضاع كذّاب. وفي الباب أحاديث وآثار، وقد ذكرنا هاهنا ما يصلح للتمسك به دون ما لا يصلح. وقد توسطت طائفة ثالثة بين الطائفتين، فجعلت هذه الآية شاملة للزوجات ولعليّ وفاطمة والحسن والحسين، أما الزوجات فلكونهنّ المرادات في سياق هذه الآيات كما قدّمنا، ولكونهنّ الساكنات في بيوته صلى الله عليه وسلم النازلات في منازله، ويعضد ذلك ما تقدّم عن ابن عباس وغيره. وأما دخول عليّ وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب، ويؤيد ذلك ما ذكرناه من الأحاديث المصرّحة بأنهم سبب النزول، فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين فقد أعمل بعض ما يجب إعماله وأهمل ما لا يجوز إهماله. وقد رجح هذا القول جماعة من المحققين منهم القرطبي وابن كثير وغيرهما. وقال جماعة: هم بنو هاشم، واستدلوا بما تقدم من حديث ابن عباس وبقول زيد بن أرقم المتقدّم حيث قال: ولكن آله من حرّم الصدقة بعده: آل عليّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، فهؤلاء ذهبوا إلى أن المراد بالبيت: بيت النسب. قوله: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْــمَةِ } أي اذكرن موضع النعمة إذ صيركنّ الله في بيوت يتلى فيها آيات الله والحكمة، أو اذكرنها وتفكرن فيها لتتعظن بمواعظ الله، أو اذكرنها للناس ليتعظوا بها ويهتدوا بهداها، أو اذكرنها بالتلاوة لها لتحفظنها ولا تتركن الاستكثار من التلاوة. قال القرطبي: قال أهل التأويل: آيات الله هي: القرآن، والحكمة: السنة. وقال مقاتل: المراد بالآيات والحكمة: أمره، ونهيه في القرآن. وقيل: إن القرآن جامع بين كونه آيات بينات دالة على التوحيد وصدق النبوة، وبين كونه حكمة مشتملة على فنون من العلوم والشرائع {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً } أي لطيفاً بأوليائه خبيراً بجميع خلقه، وجميع ما يصدر منهم من خير وشرّ وطاعة ومعصية، فهو يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وقد أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر قال: أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس ببابه جلوس، والنبيّ صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبيّ صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر، سألت النفقة آنفاً فوجأت في عنقها، فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: «حديث : هنّ حولي يسألنني النفقة»تفسير : ، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده، وأنزل الله الخيار، فنادى بعائشة فقال: حديث : إني ذاكر لك أمراً ما أحبّ أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك تفسير : ، قالت: ما هو؟ فتلا عليها: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } الآية، قالت عائشة: أفيك أستأمر أبويّ، بل أختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لنسائك ما اخترت فقال: حديث : إن الله لن يبعثني متعنتاً ولكن بعثني معلماً مبشراً، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها»تفسير : . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه قالت: فبدأ بي فقال: «حديث : إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك»تفسير : ، وقد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال: إن الله قال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} إلى تمام الآية، فقلت له: ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفعل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَـٰلِحاً } قال: يقول: من يطع الله منكنّ وتعمل منكنّ لله ورسوله بطاعته. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ } قال: يقول: لا ترخصن بالقول ولا تخضعن بالكلام. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ } قال: مقارنة الرجال في القول حتى يطمع الذي في قلبه مرض. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: نبئت أنه قيل لسودة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم: مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقرّ في بيتي فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت؛ قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر عن مسروق قال: كانت عائشة إذا قرأت: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } بكت حتى تبلّ خمارها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب قال: كانت الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس؛ أن عمر بن الخطاب سأله، فقال: أرأيت قول الله لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ } هل كانت جاهلية غير واحدة، فقال ابن عباس: ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة، فقال له عمر: فأتني من كتاب الله ما يصدّق ذلك، فقال: إن الله يقول: {أية : وَجَـٰهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ } تفسير : [الحج: 78] أوّل مرّة فقال عمر: من أمرنا أن نجاهد؟ قال: مخزوم وعبد شمس. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضاً في الآية قال: تكون جاهلية أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة أنها تلت هذه الآية فقالت: الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: الجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد. وقد قدّمنا ذكر الآثار الواردة في سبب نزول قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ }. وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْــمَةِ } قال: القرآن والسنة، يمتنّ بذلك عليهنّ. وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة عن سهل في قوله: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ } الآية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّها النَبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا وَزِينَتَهَا} الآية. وهذا أمر من الله لنبيه أن يخبر أزواجه، واختلف أهل التأويل في تخييره لهن على قولين: أحدهما: خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن واختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، قاله الحسن وقتادة. الثاني: أنه خيّرهن بين الطلاق أو المقام معه، وهذا قول عائشة رضي الله عنها وعكرمة والشعبي ومقاتل. روى عبد الله بن أبي ثورعن ابن عباس قال: قالت عائشة رضي الله عنها: أنزلت آية التخيير فبدأني أول امرأة من نسائه، فقال: "حديث : إنّي ذَاكَرٌ أَمْراً وَلاَ عَلَيك أَلاَّ تَعْمَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبُوَيكِ" تفسير : وقد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم تلا آية التخيير فقالت أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل قولي. وقال سعيد بن جبير: إلا الحميرية فإنها اختارت نفسها. واختلف في السبب الذي لأجله خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه على خمسة أقاويل: أحدها: لأن الله تعالى خير نبيه بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة، فاختار الآخرة على الدنيا وقال: "حديث : اللَّهُمَّ احْيِنِي مِسْكِيناً وَأمِتْنِي مِسْكِينَاً وَاحْشْرْنِي فِي زُمْرَةِ المَساكِين" تفسير : فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير نسائه ليكنَّ على مثل حاله إن كان اختيارهن مثل ما اختاره. حكاه أبو القاسم الصيمري. الثاني: لأنهن تغايرن عليه، فروت عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليهجرنَنّا شهراً فدخل عليّ بعد صبحة تسعة وعشرين، فقلت يا رسول الله: ألم تكن حلفت لتهجرننا شهراً؟ فقال: "حديث : إن الشهر هكذا وهكذا وهكذا، تفسير : ثم خنس الإبهام، ثم قال يا عائشة: "حديث : إِنّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً وَلاَ عَلَيْكِ أَن لاَّ تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَشِيري أَبُويكِ"تفسير : ؟ وخشي حداثة سني قلت: وما ذاك؟ قال "حديث : أُمِرْتُ أَن أَخَيِّرَكُنَّ ". تفسير : الثالث: أن أزواجه طالبنه وكان غير مستطيع فكان أوّلهن أم سلمة فسألته ستراً معلماً، فلم يقدر عليه، وسألته ميمونة حلة يمانية، وسألته زينب بنت جحش ثوباً مخططاً وهو البرد اليماني، وسألته أم حبيبة ثوباً سحولياً، وسألته حفصة ثوباً من ثياب مصر، وسألته جويرية معجزاً، وسألته سودة قطيفة جبيرية، وكل واحدة منهن طلبت نصيباً إلاّ عائشة لم تطلب شيئاً، فأمر الله تعالى بتخييرهن، حكاه النقاش. الرابع: لأن أزواجه اجتمعن يوماً فقلن: نريد ما تريد النساء من الحلي والثياب حتى قال بعضهن: لو كنا عن غير النبي صلى الله عليه وسلم إذن لكان لنا شأن وثياب وحلي، فأنزل الله تعالى آية التخيير، حكاه النقاش. الخامس: لأن الله تعالى صان خلوة نبيه فخيرهن على ألا يتزوجن بعده، فلما أجَبْنَ إلى ذلك أمسكهن. قال مقاتل بن حيان: قاله الحسن وقتادة: وكان تحته يومئذ تسع سوى الحميرية، خمس من قريش: عائشة وحفصة وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة بنت أبي أمية وسودة بنت زمعة، هؤلاء خمس من قريش، وكان تحته صفية بنت حيي بن أخطب الحميرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. فلما اخترنه والصبر معه على ما يلاقيه من شدة ورخاء عوضهن الله تعالى على صبرهن بأمرهن بأمرين: أحدهما: بأن يجعلهن أمهات المؤمنين فقال تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أَمَّهَاتُكُمْ} تعظيماً لحقوقهن وتأكيداً لحرمتهن. الثاني: أن حظر عليهن طلاقهن والاستبدال بهن فقال {لاَ يَحِلُّ لك النِّسَاءُ مِن بَعد...} الآية. فكان تحريم طلاقهن مستداماً. وأما تحريم التزويج عليهن فقد كان ذلك لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في شدته وقلة مكنته. ثم اختلف الناس بعد سعة الدنيا عليه هل أحل الله له النساء على قولين: أحدهما: أنه كان تحريمه عليهن باقياً لأن الله تعالى جعله جزاء لصبرهن. الثاني: أن الله تعالى أحل له النساء أن يتزوج عليهن عند اتساع الدنيا عليه، لأن علة التحريم الضيق والشدة، فإذا زالت زال موجبها. قالت عائشة رضي الله عنها ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ له النساء، يعني اللاتي حظرن عليه، وقيل إن الناسخ لتحريمهن قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} الآية. فأما غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يلزمهم تخيير نسائهم فإن خيروهن فقد اختلف الفقهاء في حكمهن على ثلاثة مذاهب. أحدها: إن اخترن الزوج فلا فرقة، وإن اخترن أنفسهن كانت تطليقة رجعية. وهذا قول الزهري وعائشة والشافعي. الثاني: إن اخترن الزوج فهي تطليقة وله الرجعة، وإن اخترن أنفسهن فهي تطليقة بائن والزوج كأحد الخطاب، وهذا قول عليّ رضي الله عنه. الثالث: إن اخترن الزوج فهي تطليقة والزوج كأحد الخطاب، وإن اخترن أنفسهن فهي ثلاث ولا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، وهذا قول زيد بن ثابت.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في سبب هذه الآية، فقالت فرقة سببها غيرة غارتها عائشة، وقال ابن زيد وقع بين أزواجه عليه السلام تغاير ونحوه مما شقي هو به فنزلت الآية بسبب ذلك، ويسر الله له أن يصرف إرادته في أن يؤوي إليه من يشاء، وقال ابن الزبير: نزل ذلك بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أزواجه النفقة وتشططن في تكليفه منها فوق وسعه، وقالت فرقة بل سبب ذلك أنهن طلبن منه ثياباً وملابس وقالت واحدة: لو كنا عند غير النبي لكان لنا حلي ومتاع. وقال بعض الناس: هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلاوتها عليهن وتخييرهن بين الدنيا والآخرة وأمر الطلاق مرجأ فلو اخترن أنفسهن نظر هو كيف يسرحهن وليس فيها تخييرهن في الطلاق، لأن التخيير يتضمن ثلاث تطليقات وهو قد قال {وأسرحكن سراحاً جميلاً} وليس مع بت الطلاق سراح جميل، وقالت فرقة: بل هي آية تخيير فاخترنه ولم يعد ذلك طلاقاً وهو قول عائشة أيضاً. واختلف الناس في التخيير إذا اختارت المرأة نفسها، فقال مالك: هي طالق ثلاثاً ولا مناكرة للزوج بخلاف التمليك، وقال غيره هي طلقة بائنة، وقال بعض الصحابة إذا خير الرجل امرأته فاختارته فهي طلقة وهذا مخالف جداً، وقوله تعالى: {إن كنتن تردن الحياة الدنيا} أي إن كانت عظم همتكن ومطلبكن الدنيا أي التعمق فيها والنيل من نعيمها وزينة الدنيا المال والبنون. {فتعالين} دعاء، و {أمتعكن} معناه أعطيكن المتاع الذي ندب الله تعالى له في قوله {أية : ومتعوهن} تفسير : [البقرة: 236]، وأكثر الناس على أنها من المندوب إليه، وقالت فرقة هي واجبة، والسراح الجميل يحتمل أن يكون ما دون بت الطلاق ويحتمل أن يكون في بقاء جميل المتعقد وحسن العشرة وجميل الثناء وإن كان الطلاق باتاً و {أعد} معناه يسر وهيأ و"المحسنات" الطائعات لله والرسول. قال الفقيه الإمام القاضي: وأزواج النبي اللواتي نزلت فيهن تسع، خمس من قريش، عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وأربع من غير قريش، ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. قال الفقيه الإمام القاضي: وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من إيلائه الشهر ونزلت عليه هذه الآية بدأ بعائشة وقال: "حديث : يا عائشة إني ذاكر لك أمراً ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" تفسير : ثم تلا عليها الآية، فقالت له: وفي أي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت وقد علم أن أبوي لا يأمراني بفراقه ثم تتابع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على مثل قول عائشة فاخترن الله ورسوله رضي الله عنهن.
ابن عبد السلام
تفسير : {قُل لأَزْوَاجِكَ} لم يخيرهن في الطلاق بل خيرهن من اختيار الدنيا فيفارقهن، أو اختيار الآخرة فيمسكهن "ح"، أو خيرهن في الطلاق، أو المقام معه فاخترن كلهن إلا الحميرية فإنها اختارت نفسها. وسبب تخييرهن أن الرسول صلى الله عليه سلم خُير بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة فأمره بتخييرهن ليكنَّ على مثل حاله أو لأنهن تغايرن عليه فآلى منهن شهراً، وأُمر بتخييرهن، أو اجتمعن يوماً وقلن: نريد ما تريده النساء من الحلي والثياب، حتى قال بعضهن: لو كنا عند غير الرسول صلى الله عليه وسلم لكان لنا شأن وحلي وثياب فنزلت، أو لأن الله تعالى صان خلوة نبيه صلى الله عليه وسلم فخيرهن على أن لا يتزوجن بعده فأجبن إلى ذلك فأمسكهن، أو سألته أم سلمة سِتراً معلماً وميمونة حلة يمانية وزينب ثوباً مخططاً وهو البرد اليماني وأم حبيبة ثوباً سحولياً وحفصة ثوباً من ثياب مصر وجويرية مِعجراً وسودة قطيفة فدكية فلم تطلب عائشة رضي الله تعالى عنها شيئاً فأمره الله تعالى بتخييرهن، وكان تحته يومئذٍ تسع سوى الحميرية خمس قريشات عائشة وحفصة وأم حبيبة وأم سلمة وسودة وصفية بنت حُيي الخيبرية وميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. فلما اخترن الصبر معه على الرخاء والشدة عُوضن بأن جُعلن أمهات المؤمنين تعظيماً لحقوقهن وتأكيداً لحرمتهن، وحُظر عليه طلاقهن أبداً وحُرم النكاح عليهن ما دام معسراً فإن أيسر ففيه مذهبان، قالت عائشة رضى الله عنها ما مات الرسول صلى الله عليه وسلم حتى حل له النساء، يعني اللآتي حظرن عليه، وقَيل الناسخ لتحريمهن قوله: {أية : إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ}تفسير : الآية:[الأحزاب: 50].
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...} الآية، ذَكَرَ جُلُّ المفسرين أن أزواج النَّبِي صلى الله عليه وسلم سَأَلْنَه شَيْئاً من عَرَضِ الدنيا، وآذَيْنَه بزيادة النَفَقَة والغَيْرَة، فَهَجَرَهُنَّ وآلى أَلاَّ يقربَهن شَهْراً، فنزلت هذه الآية، فبدأَ بعائشة، وقال: «حديث : يا عَائشَةُ، إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً وَلاَ عَلَيْكِ أَلاَّ تَعْجَلِي حَتَّىٰ تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ تَلاَ عَلَيْهَا الآيةَ، فَقَالَتْ لَهُ: وَفِي أَيِّ هَذَا أُسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ ثم قَالَتْ: وَقَدْ علِمَ أَن أَبَوَيَّ لاَ يَأْمُرَانِي بِفُراقِهِ، ثُمَّ تَتَابَع أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ مِثْلِ قَوْلِ عَائِشَةَ فَٱخْتَرْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ رَضِيَ اللّه عنهن».تفسير : قالتْ فِرْقَةٌ قَوْله: {بِفَـٰحِشةٍ مُّبَيِّنَةٍ} يَعُمُّ جَمِيعَ المَعَاصِي ولزمهنَّ رضي اللّه عنهنَّ بحَسْبِ مَكَانَتُهُنَّ، أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمَ غيرَهن، فَضُوعِفَ لهنَّ الأجْرُ والعذابُ. وقوله: {ضِعْفَيْنِ} معناه: يكونُ العذابُ عذابَين، أي: يضاف إلى عذابِ سائِر النَّاس عذابٌ آخرُ مِثْلهُ و {يَقْنُتْ}: معناه: يُطِيعُ ويَخْضَعُ بالعبُوديَّة؛ قاله الشعبي وقتادة والرزقُ الكريمُ: الجنة. ثم خاطَبَهُنَّ اللّهُ سبحانه بأنّهنّ لَسْنَ كأحدٍ مِن نساءِ عَصْرِهنَّ؛ فَمَا بَعْدُ، بَلْ هُنَّ أَفْضَلُ بشرطِ التَّقْوَى، وإنما خصصنا النساء لأَن فيمن تقدم آسية ومريم فتأملْهُ؛ وقد أشار إلى هذا قتادة. ثم نَهَاهُنَّ سبحانه عما كانت الحالُ عليه في نساء العرَب من مكالَمَةِ الرجال برَخيمِ القولِ؛ و{لاَ تَخْضَعْنَ} معناه: لا تُلِنَّ. قال ابن زيد: خَضْعُ القَوْل ما يُدْخل في القُلُوبَ العزَل؛ والمرضُ في هذه الآية قال قتادة: هو النفاق. وقال عكرمة: الفِسْق، والغزل، والقولُ المعروفُ هو الصوابُ الذي لا تنكره الشريعةُ ولا النفوسُ. وقرأ الجمهور: «وقِرْن» ـــ بكسر القَافِ ـــ، وقرأ نافعُ وعاصِمُ: «وقَرْن» ـــ بالفتح ـــ، فأما الأولى فيصح أن تكونَ من الوَقار، ويصحُّ أن تَكُونَ من القَرَارِ، وأما قراءة الفتح فعلى لغة العرب قَرِرْتُ ـــ بِكَسْرِ الرَّاءِ ـــ، أَقِرَ ـــ بفتح القاف في المكان، وهي لغة ذكرها أبو عبيد في «الغريب» المصنف وذكرها الزَّجاجُ وغيره، فأمرَ اللّه تعالى في هذه الآية نسَاءَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بملازَمةِ بيُوتِهن، ونَهاهُنَّ عن التبرجِ؛ والتبرّجُ إظهَارُ الزينَةِ والتَّصَنُّعُ بِهَا، ومنه الروجُ لظهُورها وانكشافِها للعيون، واخْتَلَفَ الناسُ في {ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} فقالَ الشعبي: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وقيل: غيرُ هذا. قال * ع *: والذي يظهر عندي؛ أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها فَأَمِرْنَ بالنَّقْلَةِ عن سِيرَتِهنَّ فِيها، وهي ما كانَ قَبْل الشَّرْعِ مِن سِيرةِ الكَفَرَةِ، وجَعْلِها أولى بالإضافة إلى حالةِ الإسْلام، وليس المعنى. أن ثُمَّ جاهليةً أخِرَة، و{ٱلرِّجْسَ} اسم يقعُ على الإثم وعلى العذابِ وعلى النَجَاسَات والنقائِص، فأذْهَبَ اللّه جميعَ ذلك عن أهْل البَيْتِ، قالت أم سلمةَ نزلت هذه الآية في بَيْتي؛ حديث : فدعا رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم عليّا وفاطِمَةَ وحَسَنَا وحُسَيْنا فَدَخَلَ مَعَهم تَحْت كساءِ خيبري، وقال «هؤلاءِ أهل بيتي، وقرأ الآية، وقَال اللَّهمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ، فَقَالَ: أَنْتِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَنْتِ إلَىٰ خَيْرَ»»تفسير : . والجمهورُ على هذا، وقال ابن عباس وغيره: أهل البيتِ: أزواجه خاصة، والجمهور على ما تقدم. قال * ع *: والذي يظهر لي: أن أهل البيت أزواجه وبنتُه وبنوها وزوجُها أعنى عليّاً، ولفظ الآية: يقتضي أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن. قال * ص *: و {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ}: منصوبٌ على النداءِ أو على المدْحِ أو على الاخْتِصَاصِ وَهُوَ قَلِيلٌ في المخاطب، وأكْثَرُ ما يكونُ في المتكلِّم، كقوله [الرجز] شعر : نَحْنُ بَنَاتِ طَارِقْ نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ تفسير : انتهى. واسْتَصْوَبَ ابنُ هشامٍ نصبَه على النداء، قاله في «المغني»: وقوله تعالى: {وَٱذْكُـرْنَ} يُعْطِي أنْ أهْل البيتِ نساؤه، وعلى قول الجمهور: هي ابتداء مخاطبةِ والحكمةُ السّنّةُ، فقولُه: {وَٱذْكُـرْنَ} يحتمل مَقْصِدَيْنِ: كِلاهما مَوْعِظَة أحدُهمَا: أن يريدَ تَذَكَّرْنَه، واقْدِرْنَه قَدْرَه، وفَكِّرْنَ فِي أنّ مَنْ هذِهِ حَالُه يَنْبَغِي أن تَحْسُنَ أَفْعَالُه، والثاني: أن يُرِيْدَ: {ٱذْكُـرْنَ} بمعنى: احْفَظْنَ واقْرَأْنَ وَأَلْزِمْنَهُ أَلسنتَكنَّ. * ت *: ويحتمل أن يُرَادَ بـ {ٱذْكُـرْنَ} إفشاؤه ونشرُه للناس، واللّه أعلم. وهذا هو الذي فهمُه ابنُ العربيِّ من الآية، فإنَّه قال: أمر اللّه أزواجَ رسولهِ أن يُخْبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن وبما يَرَيْنَ من أفعالِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وأقواله، حتى يبلغَ ذلك إلى الناسِ، فيعملوا بما فيه ويَقْتَدُوا به، انتهى. وهوَ حسن وهو ظاهر الآية وقد تقدم له نحو هذا في قوله تعالى: {أية : وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } تفسير : [النساء:128] الآية. ذكره في «أحكام القرآن».
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} الآية وجه التعلق (هو) أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإلى هذا أشار عليه (الصلاة و) السلام بقوله: "حديث : الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْتفسير : فاللَّه (تعالى لما) أرشد نبيه إلى ما يتعلق بجانب التعظيم لله بقوله: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ}تفسير : [الأحزاب: 1] ذكره ما يتعلق بجانب الشفقة وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قَدَّمَهُنَّ في النفقة. فصل قال المفسرون: سبب نزول هذه الآية نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - (سَأَلْنَهُ) عن عرض الدنيا (شيئاً) وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض فهجرهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآلى أن لا يقربهن شهراً ولا يخرج إلى أصحابه فقالوا ما شأنه وكانوا يقولون طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه فقال عمر: لأعلَمنَّ لكم شأنه قال: فدخلت على رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا رسول الله: أطلقتهن قال: لا، فقلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال: نعم إنْ شِئْتَ فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه ونزلت هذه الآية: {أية : وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}تفسير : [النساء: 83] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير وكانت تحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ تسعُ نسوة خمسٌ من قريش عائشةُ بنت أبي بكر, وحفصةُ بنت عمر، وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ وأمّ سلمةَ بنت أمية، وسودةُ بنت زَمْعة وغير القرشيات زينب بنتُ جحش الأسدية، وميمونةُ بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حُيَيّ بن أخطب الخَيْبريَّة وجُوَيْرِيةُ بنت الحارث المُصْطَلِقيَّة، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها فقرأ عليها (القرآن) فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة. ورُؤي الفرح في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعنها على ذلك، قال قتادة فلما اخْتَرْن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال: "لاَ تَحِلُّ لَكَ النِّسَاْءُ مِنْ بَعْدُ". وعن جابر بن عبد الله قال: حديث : دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لواحد منهم قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - جالساً حوله نساؤه واجماً ساكناً قال: فقال: لأقولَنَّ شيئاً أُضْحِكُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فَوَجأْتُ عنقها فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة يَجَأُ عُنُقَها وقام عمر إلى حفصة يَجَأُ عنقها كلاهما يقول: تسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً أبداً ليس عنده ثم اعتزلهن شهراً أو تسعاً وعشرين يوماً ثم نزلت هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ} حتى بلغ {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أعرض عليك أمراً لا أحب أن تعجلي حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآية فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير أَبَويَّ بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أنّ الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً مبشراًتفسير : وروى الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهراً قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: حديث : فلما مضت تسعٌ وعشرونَ أعُدُّهن دخل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: بدأ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن فقال: إن الشهر تسع وعشرون . تفسير : فصل اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار أم لا؟ فذهب الحَسَنُ وَقَتَادة وأكثر أهل العلم إلى أنه لم يكن تفويض للطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن لقوله تعالى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ} ويدل عليه أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه قال لعائشة: "حديث : لا تعجلي حتى تَسْتَشَيري أبوَيْك"تفسير : وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور. وذهب آخرون إلى أنه كان تفويضَ طلاق ولو اخترن أنفسهن كان طلاقاً، واختلف العلماء في حكم التخيير فقال عمر وابن مسعود وابن عباس إذا خير رجلٌ امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، ولو اختارت نفسها وقع طلقة واحدة وهو قول عمر بن عبد العزيز وابنُ أبي ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي إلا أن عند أصحاب الرأي تقع طلقةٌ بائنةً إذا اختارت نفسها، وعند الآخرين رجعيةٌ، وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج يقع طلقة واحدةً وإذا اختارت نفسها فثلاثٌ وهو قول الحسن، وروايةً عن مالك. وروي عن علي أيضاً أنها إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة وإذا اختارت نفسها فطلقة ثانية، وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء لما روت عائشة قالت: خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك شيئاً. قوله: "أُمَتَّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ" العامة على جزمهما، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مجزوم على جواب الشرط، وما بين الشرط وجوابه معترض، ولا يضر دخول الفاء على جملة الاعتراض ومثله في دخول الفاء قوله: شعر : 4084 - وَاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعهُ أَنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِرَا تفسير : يريد: واعلم أن سوف يأتي. والثاني: أن الجواب قوله "فتعالين" و "أمتعكن" جواب لهذا الأمر، وقرأ زيد بن علي "أُمْتِعْكُنَّ"، بتخفيف التاء من "أمتعه" وقرأ حُمَيْد الحَزَّاز "أُمَتِّعُكُنَّ وَأُسَرِّحُكُنَّ" بالرفع فيهما على الاستئناف و "سَرَاحاً" قائم مقام التَّسريح. فصل قال ابن الخطيب: وههنا مسائل منها هل كان هذا التخيير واجباً على النبي (صلى الله عليه وسلم) أم لا والجواب أن التخيير كان قولاً واجباً من غير شك لأنه إبلاغ للرسالة لأن الله تعالى لما قال (له): "قل لهم" صار من الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا، والظاهر أنه للوجوب ومنه أن واحدة منهم لو اختارت الفراق هل كان يصير اختيارها فراقاً. والظاهر أنه لا يصير فراقاً وإنما تبين المختارة نفسها فإنه من جهة النبي عليه السلام لقوله: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} ومنها أن واحدة منهن لو اختارت نفسها وقلنا إنها لا تبين إلا بإبانة النبي - صلى الله عليه وسلم - فهل كان يجب على النبي عليه (الصلاة و) السلام الطلاق أم لا؟ الظاهر نظراً إلى منصبه عليه (الصلاة و) السلام أنه كان طلاقاً لأن الخُلْفَ في الوعد من النبي غير جائز بخلاف أحدنا فإنه لا يلزمه شرعاً الوفاء بما يعد، ومنها أن المطلقة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا؟ والظاهر أنها لا تحرم وإلا لم يكن التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنية ومنها أن من اختارت الله ورسوله هل كان يحرم على النبي عليه (الصلاة و) السلام طلاقها أم لا؟ الظاهر الحرمة نظراً إلى منصب الرسول عليه السلام على معنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يمتنع منه أصلاً لا بمعنى أنه لو أتى به لعُوقِب أو لعُوتِبَ. قوله: {أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ} أي من عمل صالحاً منكن كقوله تعالى: {أية : وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}تفسير : [لقمان: 22] والأجر العظيم: الكثير الزائد في الطول وفي العرض وفي العمق حتى لو كان زائداً في الطول يقال له طويل ولو كان زائداً في العرض يقال له: عريض وكذلك العميق فإذا وجدت (منه) الأمور الثلاثة قيل عظيم، فيقال: جبل عظيم إذا كان عالياً ممتداً في الجهات، وإن كان مرتفعاً حيث يقال: جبل عال. إذا عُرف هذا فأجر الدنيا في ذاته قليل وفي صفاته غير خال عن وجهة قبح لما في مأكوله ومشروبه من الضرر وغيره، وأيضاً فهو غير دائم، وأجر الآخرة كثير خالٍ عن جهات القبح دائم فهو عظيم. قوله تعالى: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ... } الآية العامة على "يأت" بالياء من تحت حملاً على لفظ "مَنْ" لأن "مَنْ "أداة تقوم مقام الاسم يعبر به عن الواحد والجمع (و) المذكر والمؤنث، وزيدُ بن علي، والجَحْدَريُّ، ويعقوب بالتاء من فوق حملاً على معناها لأنه يرشح بقوله: "منْكُنَّ" حال من فاعل "يأْتِ" وتقدم القراءة في "مبينة" بالنسبة لكسر الياء وفتحها، في النساء. قوله: "يضاعف" قرأ عمرو "يَضَعَّف" - بالياء من تحت وتشديد العين مفتوحة على البناء للمفعول - العذابُ بالرفع لقيامة مقام الفاعل، وقرأ ابن كثير وابن عامر "يُضَعِّف" - بنون العظمة وتشديد العين مكسورة على البناء للفاعل - العَذَابَ بالنصب على المفعول به وقرأ الباقون "يُضَاعَف" من المفاعلة مبنياً للمفعول العذابُ بالرفع لقيامه مقام الفاعل (وقد) تقدم توجيه التضعيف والمضاعفة في سورة البقرة. فصل قال ابن عباس المراد هنا بالفاحشة النشوز وسوء الخلق، وقيل: هو كقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر: 65]. واعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خير نساءه واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهددهن بالتوقي عما يسوء النبي ويقبح بهن من الفاشحة التي هي أصعب على الزوج من كل ما يأتي به زوجته وأوعدهن بتضعيف العذاب وفيه حكمتان: إحدهما: أن زوجة الغير تعذب على الزنا بسبب ما في الزنا من المفاسد وزوجة النبي تعذب إن أتت به لذلك لإيذاء قلبه والإزراء بمَنْصِبِه وعلى هذا بنات النبي عليه السلام كذلك ولأن امرأة لو كانت تحت النبي عليه السلام وأتت بفاحشة تكون قد اختارت غير النبي على النبي ويكون ذلك الغير خيراً عندها من النبي وأولى والنبي أولى من النفس التي هي أولى من الغير فقد نزلت منصب النبي مرتبتين فتعذب من العذاب ضعفين. وثانيهما: أن هذا إشارة إلى شرفهن، لأن الحرة عذابها ضعف عذاب الأمة إظهاراً لشرفها ونسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادات إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم فكذلك زوجاته اللائي هن أمهات المؤمنين، وأم الشخص امرأة حاكمة عليه واجبة الطاعة وزوجته مأمورة محكومة له وتحت طاعته فصارت زوجة الغير بالنسبة إلى زوجة النبي عليه السلام كالأَمَةِ بالنسبة إلى الحرة، واعلم أن قول القائل من يفعل ذلك في قوة قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} من حيث إن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر ولا يقع في بعض الصور جزماً وفي بعض (يقعُ) جزماً، وفي البعض يتردد السامع في الأمرين، فقوله تعالى: {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ} من القبيل الأولى فإن الأنبياء صان الله زوجاتهم عن الفاحشة ثم قال: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} أي ليس كونكن تحت النبي عليه السلام وكونكنّ شريفات جليلات مما يدفع العذاب عنكن فليس أمر الله كأمر الخلق حيث يتعذر عليهم تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهم وأعوانهم وشفعائهم وإخوانهم. قوله: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ} أي يطع الله ورسوله وهذا بيان لزيادة ثوابهن كما بين زيادة عقابهن {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} في مقابلة قوله: {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} وفيه لطيفة وهي أن عند إيتاء الأجر ذكر الموفي وهو الله وعند العذاب لم يصرح بالعذاب فقال: "يضاعف" وهذا إشارة إلى كمال الرحمة والكرم. قوله: {وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ} قرأ الأخوان "ويَعْمَلْ ويُؤْتِ" - بالياء من تحت فيهما، والباقون "وتعمل" بالتاء من فوق و "نُؤْتها" بالنون، فأما الياء في "ويعمل" فلأجل الحمل على لفظ "من" وهو الأصل والتاء من فوق على معناها إذا المراد بها مؤنث ويرشح هذا بتقدم لفظ المؤنث وهو "منكنّ" ومثله قوله: شعر : 4085 - وإِنَّ مِنَ النِّسْوَانِ مَنْ هِيَ رَوْضَةٌ ........................... تفسير : لما تقدم قوله "من النِّسْوان" يرجع المعنى فحمل عليه، وأما "يؤتها" بالياء من تحت فالضمير لله تعالى لتقدمه في "لله ورسوله" وبالنون فهي نون العظمة، وفيه انتقال من الغيبة إلى التكلم، وقرأ الجَحْدَريُّ ويعقوبُ وابن عامر - في رواية - وأبو جعفر وشيبة: "تَقْنُتْ" بالتاء من فوق حملاً على المعنى وكذلك "وَتَعْمَلْ". وقال ابو البقاء: إن بعضهم قرأ "وَمَنْ تَقْنُتُ" بالتأنيث حملاً على المعنى وَيَعْمَلْ بالتذكير حملاً على اللفظ قال: فقال بعض النحويين: هذا ضعيف لأن التذكير أصل فلا يجعل تبعاً للتأنيث وما عللوه به قد جاء مثله في القرآن قال تعالى: {أية : خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا}تفسير : [الأنعام: 139]. فصل معنى أجْرَهَا مَرَّتَيْن أي مثل أجر غيرها، قال مقاتل: مكان كل حسنةٍ عشرون حسنةً {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} يعني الجنة، ووصف رزق الآخرة بكونه كريماً مع أن الكرم لا يكون وصفاً إلا للرزاق، وذلك إشارة إلى أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس، التاجر يسترزق من السوقة، والعاملين والصناع من المتعلمين والملوك من الرعية منهم، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه وإنما هو مستمر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، وأما في الآخرة فلا يكون له ممسك ومرسل في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرازق وفي الآخر يوصف بالكريم نفس الرزق. قوله: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} قال الزمخشري: "أحد" في الأصل يعني وَحَد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث، والواحد وما وراءه والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعة النساء (أي) إذا تَقَصَّيْتُ جماعات النساء واحدةً واحدةً لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة. ومنه قوله عز وجل {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}تفسير : [النساء: 152] يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق البين. قال أبو حيان أما قوله: "أحَد" في الأصل بمعنى "وحد" وهو الواحد فصحيح، وأما قوله: وضع إلى قوله وما وراءه. فليس بصحيح، لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد لأن "واحد" ينطلق على شيء اتصف بالوحدة "وأَحَداً" المستعمل في النفي العام مختص بمن يعقل، وذكر النحويون أن مادَّته همزةٌ وحاءٌ ودالٌ ومادة "أحد" بمعنى واحد واو وحاء ودال فقد اختلفا مادة ومدلولاً، وأما قوله: "لَسْتُنَّ كجماعة واحدة" فقد قلنا إن معناه ليست كل واحدة منكن فهو حكم على كل واحدة لا على المجموع من حيث هو مجموع، وأما {أية : وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} تفسير : [النساء: 152] فيحتمل أن يكون الذي يستعمل في النفي العام ولذلك جاء في سياق النفي فعم وصلحت التثنية للعموم، ويحتمل أن يكون "أحدٌ" بمعنى "واحد" وحذفَ معطوفٌ، أي بين أحدٍ وأحدٍ (كما قال:) شعر : 4086 - فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْر لَوْ جَاءَ سَالِماً أبُو حَجَرٍ إِلا لَيَالٍ قَلاَئِلُ تفسير : أي بين الخير وبيني انتهى، قال شهاب الدين "أما قوله فإنهما مختلفان مدلولاً ومادة فمسَلَّم، ولكن الزمخشري لم يجعل أحداً الذي أصله واحد - بمعنى أحد المختص بالنفي، ولا يمنع أن "أحداً" الذي أصله "واحد" أن يقع في سياق النفي، وإنما الفارق بينهما أن الذي همزته أصل لا يستعمل إلا في النفي كأخواته في غريب، وكَيْتَع ودَابِر، وتامر والذي أصله واحد يجوز أن يستعمل إثباتاً ونفياً وأيضاً المختص بالنفي مختص بالعقلاء، وهذا لا يختص، وأما معنى النفي فإنه ظاهر على ما قاله الزمخشري من الحكم على المجموع ولكن المعنى على ما قاله أبو حيان أوضح وإن كان خلاف الظاهر". قوله: "إن اتَّقَيْتُنَّ" في جوابه وجهان: أحدهما: أنه محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي إِن اتَّقَيْتُنَّ اللَّهُ فَلَسْتُنَّ كَأَحدٍ، فالشرط قيد في نفي أن يشبَّهْنَ بأحد من النساء. والثاني: أن جوابه قوله "فَلاَ تَخْضَعْنَ" والتقوى على بابها، وجوز أبو حيان على هذا أن يكون "اتَّقَى" بمعنى اسْتَقْبَلَ أي استقبلتن أحداً فلا تُلِنَّ له القول، واتَّقَى بمعنى استقبل معروف في اللغة، وأنشد: شعر : 4087 - سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِد إِسْقَاطَهُ فَتَنَاوَلَتْهُ واتَّقَتْنَا بِاليَدِ تفسير : أي واستقبلتنا باليد قال: "ويكون على هذا المعنى أبلغ من مدحهن؛ إذ لم يعلق فضيلتهن على التقوى ولا على نهيه عن الخضوع بها إذْ هنّ متقيات لله في أنفسهن، والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى، قال شهاب الدين: هذا خروج عن الظاهر من غير ضرورة وأما البيت فالاتِّقاءُ أيضاً على بابه أي صانت وجهها بيدها عنا. قوله: "فَيَطْمَعَ" العامة على نصبه جواباً للنهي، والأعرج بالجزم فيكسر العين لالتقاء الساكنين وروي عنه وعن أبي السَّمَّال وعيسى بن عمر وابن مُحَيْصِن بفتح الياء وكسر الميم، وهذا شاذ حيث توافق الماضي والمضارع في حركة. وروى عن الأعرج أيضاً أنه قرأ بضم الياء وكسر الميم من "أَطْمَع" وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الفاعل ضميراً مستتراً عائداً على الخضوع المفهوم من الفعل و "الذي" مفعوله أي لا تخضعن فيطمع الخضُوع المريضَ القلبِ، ويحتمل أن يكون "الذي" فاعلاً، ومفعوله محذوف أي فيطمع المريض نفسه. فصل قال ابن عباس: معنى لسْتُنَّ كأحد من النساء يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات أنتن أكرم عليّ، وثوابكن أعظم لَدَيَّ، ولم يقل كواحد لأن الأحد عام يصلح للواحد، والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}تفسير : [البقرة: 285] وقال: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 47] وقوله: "إِنْ اتَّقَيْتُنَّ" الله فأطعتنّه ولما منعهن من الفعل القبيح منعهن من مقدماته وفي المحادثة مع الرجال فقال: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ} أي تُلِنَّ القولَ للرجال، ولا ترفضن الكلام {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي فسق وفجور وشهوة، وقيل: نِفاق أي لا تقولن قولاً يجدُ منافقٌ أو فاجرٌ به سبيلاً إلى المطامع فيكُنَّ والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} أي ذكر الله وما تحتجن إليه من الكلام مما يوجب الدين والإسلام بتصريح أو بيان من غير خضوع. قوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} قرأ نافعٌ وعاصمٌ بفتح القاف والباقون بكسرها، فأما الفتح فمن وجهين: أحدهما: أنه أمر من قَرِرْتُ - بكسر الراء الأولى - في المكان أَقَرُّ به - بالفتح - فاجتمع راءان في: "اقرَرْنَ" فحذفت الثانية تخفيفاً، ونقلت حركة الراء الأولى إلى القاف فحذفت همزة الوصل استغناء عنها فصار "قَرْنَ" على وزن "فَعْنَ" فإن المحذوف هو اللام لأنه حصل به الثقل, وقيل: المحذوف الراء الأولى لأنه لما نقلت حركتها بقيت ساكنة وبعدها أخرى ساكنة فحذفت الأولى لالتقاء الساكنين، ووزنه على هذا "فَلْنَ" فإن المحذوف هو العين، وقال أبو علي: أبدلتِ الراءُ الأولى ياءً ونقلت حركتها إلى القاف، فالتقى ساكنان فحذفت الياء لالتقائهما، فهذه ثلاثة أوجه في توجيه أنها أمر من "قَررتُ بالمكانِ". والوجه الثاني: أنها أمر من "قَارَ - يَقَارُ-" كخَافَ يَخَافُ إذا اجتمع، ومنه "القَارَةُ" لاجتماعها، فحذفت العين لالتقاء الساكنين، فقيل: "قِرْنَ" "كخِفْنَ" ووزنه على هذا أيضاً: فلْنَ، إلا أن بعضهم تكلم في هذه القراءة من وجهين: أحدهما: قال أبو حاتم يقال: قَرَرْتُ بالمَكانِ - بالتفح - أَقِرُّ به - بالكسر - وقِرَّت عَيْنُهُ - بالكسر - تَقَرُّ - بالفتح - فكيف تقرأ وقرن بالفتح؟! والجواب عن هذا أنه قد سمع في كل منهما الفتح والكسر، حكاه أبو عبيد، وتقدم ذلك في سورة مَرْيَمَ. الثاني: سلمنا أنه يقال قَرِرْتُ بالمكان - بالكسر - أَقَرُّ به - بالفتح - وأن الأمر اقْرَرْنَ إلا أنه لا مسوغ للحذف، لأن الفتحة خفيفة، ولا يجوز قياسه على قولهم "ظلت" في "ظللت" قال تعالى: {أية : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}تفسير : [الواقعة: 65] و {أية : ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً}تفسير : [طه: 97] وبابه، لأن هناك شيئين ثقيلين التضعيف والكسرة (فحسن الحذف وأما هنا فالتضعيف فقط)، والجواب أن المقتضي للحذف إنما هو التكرار ويؤيد هذا أنهم لم يحذفوا مع التكرار ووجود الضمة وإن كان أثقل نحو "اغضضن أبْصَارَكُنَّ" وكان أولى بالحذف فيقال: غُضْنَ لكن السماع خلافه قال تعالى: {أية : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}تفسير : [النور: 31] على أن ابن مالك قال: إنه يحذف في هذا بطريق الأولى. أو نقول: إن هذه القراءة إنما هي من "قَارَ - يَقَارُ" بمعنى اجتمع وهو وجه حسن بريء من التكلف فيندفع اعتراض أبي حاتم وغيره لولا أن المعنى على الأمر بالاستقرار لا بالاجتماع. وأما الكسر فمن وجهين أيضاً: أحدهما: أنه أمر من قَرَّ في المكان - بالفتح - في الماضي والكسر في المضارع، وهي اللغة الفصيحة، ويجيء فهيا التوجيهات الثلاث المذكورة أولاً، أما حذف الراء الثانية أو الأولى أو إبدالُها ياءً وحذفها كما قاله الفارسيّ، ولا اعتراض على هذه القراءة لمجيئها على مشهور اللغة، فيندفع اعتراض أبي حاتم، ولأن الكسر ثقيل فيندفع الاعتراض الثاني ومعناها مطابق لما يراد بها من الثبوت والاستقرار. الوجه الثاني: أنها أمر من "وَقَرَ" "يَقِرُ" أي ثبت واستقر ومنه "الوَقَار" وأصله اوْقِرْنَ فحذفت الفاء - وهو الواو - واستغني عن همزة الوصل فبقي "قِرْنَ"، وهذا كالأمر من وعد سواء، ووزنه على هذا "عِلْنَ"، قال البغوي: الأصح أنه أمر من "الوقار" كقولك من الوعد "عِدْنَا"، ومن الوصل "صلْنَا". وهذه الأوجه المذكورة إنما يهتدي إليها من مَرِنَ في علم التصريف وإلا ضاق به ذَرْعاً. قوله: "تَبَرُّجَ الجَاهِلِيةِ" مصدر تشبيهيّ أي مثل تبرج والتبرج الظهور من البُرْجِ لظهوره، وقد تقدم، وقرأ البزِّيُّ: "ولا تبرجن" بإدغام التاء في التاء، والباقون بحذف إحداهما وتقدم تحقيقه في البقرة في: "وَلاَ تَيَمَّمُوا". فصل قال المفسرون وقرن أي الزمْنَ بيوتكنّ من قولهم: قررت بالمكان أقر قراراً يقال: قررت: أقر وقررت: أقر، وهما لغتان، فإن كان من الوقار أي كن أهل وقار وسكون من قولهم: وَقَر فُلان يَقِر وُقُوراً إذا سكن واطمأن، و "لا تبرجن" قال مجاهد وقتادة التبرج هو التكسر والتغنج، وقال ابن أبي نُجَيح: وهو التبختر، وقيل: هو إظهار الزينة، وإبراز المحاسن للرجال {تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} قال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - وقال أبو العالية: هي بين داود وسليمان - عليهما السلام -، وكانت المرأة تلبس قميصاً من الدر غير مخيط الجانبين فيرى حلقها فيه، وقال الكلبي: كان ذلك في زمن نمروذ، وكانت المرأة تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه، وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها على الرجال، وروى عِكْرَمةُ عن ابن عباس أنه قال: الجاهلية الأولى أي فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل وكان رجال الجبل صباحاً وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلاً من أهل السهل وأجر نفسه منه فكان يخدمه واتخذ شيئاً مثل الذي يزمر به الرعاء فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يسمعون إليه واتخذوه عيداً يجتمعون إليه في السنة فتتبرج النساء للرجال وتتزين الرجال لهن، وإن رجلاً من أهل الخيل هجم عليهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فنزلوا معهم فظهرت الفاحشة فذلك قوله: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ}، وقيل: الجاهلية الأولى ما ذكرنا والجاهلية الأخرى قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان، وقيل: قد تذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى كقوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ}تفسير : [النجم: 50] ولم يكن لها أخرى. قوله: {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} يعني ليس التكليف في النهي وحده حتى يحصل بقوله: "وَلاَ تَخْضَعْنَ. وَلاَ تَبَرَّجْنَ" بل في النهي وفي الأوامر فأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله فيما أمر به، ونهى عنه {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ} قال مقاتل: الرجس: الإثم الذي نهى الله النساء عنه، وقال ابن عباس يعني عمل الشياطين وما ليس لله فيه رضا. وقال قتادةُ يعني السوء، وقال مجاهد: الرِّجْس: الشَّكُّ. قوله:"أَهْلَ البَيْتِ" فيه أوجه: النداء والاختصاص، إلا أنه في المخاطب أقل منه في المتكلم وسمع "بِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ"، والأكثر إنما هو في التكلم كقولها: شعر : 4088 - نَحْــنُ بَنَــاتُ طَــارِقْ نَمْشِــي عَلَــى النَّمــارِقْ تفسير : (وقوله:) شعر : 4089 - نَحْـنُ - بَنِي ضَبَّة - أَصْحَابُ الجَمَلْ المَوْتُ أَحْلَى عِنْدَنَا مِنَ العَسَلْ تفسير : (و) "حديث : نَحْنُ العَرَبَ أَقْرَى النَّاسِ لِلضَّيْفِ" تفسير : (و): "حديث : نَحْنَ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورثُ" تفسير : أو على المدح أي أمدحُ أهلَ البيت، واختلف في أهل البيت، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنهم نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهن في بيته، وتلا قوله: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} وهو قول عكرمة ومقاتل. وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة غيرهم إلى أنهم عليّ، وفاطمة، والحسن والحسين، لما روت عائشة قالت: حديث : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات غَداةٍ وعليه مرط مرجَّل من شعر أسود فجلست فأتت فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء حسين فأدخله فيه، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتَ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} . تفسير : وروت أم سلمة قالت: حديث : في بيتي أنزل: إنَّما يريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ قالت: فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فاطمة وعلي والحسين والحسن فقال: هؤلاء أهل بيتي. فقلت: يا رسول الله أما أنا من أهل البيت قال: بلى إن شاء اللهتفسير : وقال زيد بن أرقم: أهل بيته من حرم الصدقة بعده، آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال ابن الخطيب: والأولى أن يقال: هم أولاده وأزواجه والحسن والحسين، وعليّ منهم لأنه كان من أهل بيته لمعاشرته بنت النبي عليه (الصلاة و) السلام وملازمته له. قوله: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} يعني القرآن والحكمة، قال قتادة يعني السنة، وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه، و {مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} بيان للموصول فيتعلق "بأعني" ويجوز أن يكون حالاً إما من الموصول، وإما من عائده المقدر فيتعلق بمحذوف أيضاً {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً} بأوليائه "خَبِيراً" بجميع خلقه. قوله: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} قال مقاتل: قالت أم سلمة بنت أبي أمية، ونسيبة بنت كعب الأنصارية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه نَخْشَى أن لا يكون فيهن خير فنزلت فيهن هذه الآية، ويروى أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن: يا رسول الله ذكر الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة، فأنزل الله هذه الآية، ورُوِيَ أن أسماء بنت عميسٍ رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت على نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن قلن: لا فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسارة، قال وممَّ ذلك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال فأنزل الله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَات وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْقَانِتِينَ} المطيعين "والقَانِتَاتِ والصَّادِقينَ" في إيمانهم، وفيما سرهم وساءهم "والصَّادِقَاتِ والصَّابِرِينَ" على أمر الله "والصَّابِرَاتِ والخَاشِعِينَ" المتواضعين "والخَاشِعَاتِ". وقيل: أراد به الخشوع في الصلاة ومن الخشوع أن لا يلتفت "والمُتَصَدِّقينَ" مما رزقهم الله {وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ} عما لا يحِل "والحَافِظَاتِ". وحذف مفعول الحافظات لتقدم ما يدل عليه والتقدير: والحَافِظَاتِها وكذلك: والذاكرات، وحسن الحذف رُؤُوس الفواصل {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ}، قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حديث : سبق المفردون، قالوا: وما المفردُونَ؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكراتتفسير : . قال عطاء بن أبي رباح من فوض أمره إلى الله عز وجل فهو داخل في قوله: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} ومن أقر بأن الله ربه، ومحمداً رسوله، ولم يخالف قلبُه لسانه فهو داخل في قوله: "والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ" ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة فهو داخل في قوله: "والقَانِتِينَ والقَانِتَاتِ" ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله: "والصَّادِقِينَ والصَّادِقَاتِ" ومن صَبَرَ على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزية فهو داخل في قوله: "والصابرين والصابرات" ومن صلى ولم يعرف من يمينه عن يساره فهو داخل في قوله: "والخَاشِعِينَ والخَاشِعَاتِ" ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله: "والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقَاتِ"، ومن صام في كل شهر أيام البيض الثالثَ عَشَر، والرابعَ عَشَر, والخَامِسَ عَشَر فهو داخل في قوله: "والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ". ومن حفظ فرجه فهو داخل في قوله "والحَافِظِينَ فُرُوجهُمُ والحَافِظَاتِ" ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} وغلب المذكرعلى المؤنث في "لهم" ولم يقل: "لهن" (لشرفهم). قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} نزلت الآية في زينبَ بنت جحش الأسدية، وأخيها عبد الله بن جحش وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى زيداً في الجاهلية بعُكَاظَ، فأعتقه وتبناه، فلما خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت وقال: أنا ابن عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي وكانت بيضاءَ جميلةً فيها حدة وكذلك كره أخوها ذلك فانزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} يعني عبد الله بن جحش وأخته زينت {إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً} (أي أراد الله ورسوله أمراً) وهو نكاح زيدٍ لزينبَ {أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}. والخيرة الاختيار أي يريد غير ما أراد الله ويمتنع مما أمر الله ورسوله. قوله: {أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} "أن يكون" هو اسم كان، والخبر الجار متقدم وقوله: {إِذَا قَضَى ٱللَّهُ} يجوز أن يكون محْض ظرف معموله الاستقرار الذي تعلق به الخبر، أي وما كان مستقراً لمؤمن ولا مؤمنةٍ وقت قضاء الله كَوْنُ خيرة وأن تكون شرطية ويكون جوابها مقدراً مدلولاً عليه بالنفي المتقدم. وقرأ الكوفيون وهِشَامٌ "يكون" - بالياء من أسفل؛ لأن "الخِيرَةَ" مجازيُّ التأنيث، وللفصل أيضاً، والباقون بالتاء من فوق مراعاةً للفظها، وقد تقدم أن "الخِيَرَةَ" مصدر "تَخَيَّرَ" "كالطَّيرِةِ" من "تَطَيَّرَ"، ونقل عيسى بن سُلَيْمَانَ أنه قرىء الخِيرَة - بسكون الياء - و "مِنْ أَمْرِهِمْ" حال من الخيرة، وقيل: "من" بمعنى "في" وجمع الضمير في "أمرهم" وما بعده لأن المراد بالمؤمن والمؤمنة الجنس. وغلب المذكر على المؤنث، وقال الزمخشري: "كان من حق الضمير أن يُوَحَّدَ كما تقول: مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ وَلا امْرَأَةٍ إلاَّ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ كَذَا" قال أبو حيان: "وليس بصحيح؛ لأن العطف بالواو، فلا يجوز ذلك إلا بتأويل الحذف". قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} أخْطَأَ خَطَأً ظَاهِراً. فلما سمعا ذلك رضيا بذلك وسلما وجعلت أمرها بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها عَشْرَةَ دَنَانِيرٍ وستِّينَ دِرْهَماً وخِماراً ودِرْعاً وَإِزَاراً وملْحَفَةً وخَمْسِينَ مُدّاً مِن الطَّعَامِ وثلاثينَ صاعاً من تَمْرٍ.
البقاعي
تفسير : ولما تقرر بهذه الوقائع - التي نصر فيها سبحانه وحده بأسباب باطنه سببها، وأمور خفية رتبها، تعجز عنها الجيوش المتخيرة المستكثرة، والملوك المتجبرة المستكبرة - ما قدم من أنه كافي من توكل عليه، وأقبل بكليته إليه، وختم بصفة القدرة العامة الدائمة، تحرر أنه قادر على كل ما يريده، وأنه لو شاء أجرى مع وليه كنوز الأرض، وأنه لا يجوز لأحد أن يراعي غيره ولا أن يرمق بوجه ما سواه، وعلم أن من أقبل إلى هذا الدين فإنما نفع نفسه والفضل لصاحب الدين عليه، ومن أعرض عنه فإنما وبال إعراضه على نفسه، ولا ضرر على الدين بإعراض هذا المعرض، كما أنه لا نفع له بإقبال ذلك المقبل، وكان قد قضى سبحانه أن من انقطع إليه حماه من الدنيا إكراماً له ورفعاً لمنزلته عن خسيسها إلى نفيس ما عنده، لأن كل أمرها إلى زوال وتلاش واضمحلال، ولا يعلق همته بذلك إلا قاصر ضال، فأخذ سبحانه يأمر أحب الخلق إليه، وأعزهم منزلة لديه، المعلوم امتثالاً للأمر بالتوكل والإعراض عن كل ما سواه سبحانه وأنه لا يختار من الدنيا غير الكفاف، والقناعة والعفاف، بتخيير ألصق الناس به تأديباً لكافة الناس، فقال على طريق الاستنتاج مما تقدم: {يا أيها النبي} ذاكراً صفة رفعته واتصاله به سبحانه والإعلام بأسرار القلوب، وخفايا الغيوب، المقتضية لأن يفرغ فكره لما يتلقاه من المعارف، ولا يعلق عن شيء من ذلك بشيء من أذى: {قل لأزواجك} أي نسائك: {إن كنتن} أي كوناً راسخاً {تردن} أي اختياراً عليّ {الحياة} ووصفها بما يزهد فيها ذوي الهمم ويذكر من له عقل بالآخرة فقال: {الدنيا} أي ما فيها من السعة والرفاهية والنعمة {وزينتها} أي المنافية لما أمرني به ربي من الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه، لأنها قاطعة عنه {فتعالين} أصله أن الأمر يكون أعلى من المأمور، فيدعوه أن يرفع نفسه إليه ثم كثر حتى صار معناه: أقبل، وهو هنا كناية عن الإخبار والإراداة بعلاقة أن المخبر يدنو إلى من يخبره {أمتعكن} أي بما أحسن به إليكن {وأسرحكن} أي من حباله عصمتي {سراحاً جميلاً *} أي ليس فيه مضارة، ولا نوع حقد ولا مقاهرة {وإن كنتن} بما لكن من الجبلة {تردن الله} أي الآمر بالإعراض عن الدنيا للإعلاء إلى ما له من رتب الكمال {ورسوله} المؤتمر بما أمره به من الانسلاخ عنها المبلغ للعباد جميع ما أرسله به من أمر الدنيا والدين لا يدع منه شيئاً، لما له عليكن وعلى سائر الناس من الحق بما يبلغهم عن الله {والدار الآخرة} التي هي الحيوان بما لها من البقاء، والعلو والارتقاء. ولما كان ما كل من أظهر شيئاً كان عالي الرتبة فيه، قال مؤكداً تنبيهاً على أن ما يقوله مما يقطع به وينبغي تأكيده دفعاً لظن من يغلب عليه حال البشر فيظن فيه الظنون من أهل النفاق وغيرهم، أو يعمل عمل من يظن ذلك أو يستبعد وقوعه في الدنيا أو الآخرة: {فإن الله} أي بما له من جميع صفات الكمال {أعد} في الدنيا والآخرة {للمحسنات منكن} أي اللاتي يفعلن ذلك وهن في مقام المشاهدة وهو يعلم المحسن من غيره {أجراً عظيماً *} أي تحتقر له الدنيا وكل ما فيها من زينة ونعمة. ولما أتى سبحانه بهذه العبارة الحكيمة الصالحة مع البيان للتبعيض ترهيباً في ترغيب، أحسن كلهن وحققن بما تخلقن به أن من للبيان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليهن رضي الله عنهن ذلك، وبدأ بعائشة رضي الله عنها رأس المحسنات إذ ذاك رضي الله عنها وعن أبيها وقال لها: "حديث : إني قائل لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أوبويك" تفسير : ، فلما تلاها عليها قالت منكرة لتوقفها في الخبر: أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ثم عرض ذلك على جميع أزواجه فاقتدين كلهن بعائشة رضي الله عنهن فكانت لهن إماماً فنالت إلى أجرها مثل أجورهن - روى ذلك البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها، وسبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم وجد على نسائه رضي الله عنهن فآلى منهن شهراً، فلما انقضى الشهر نزل إليهن من غرفة كان اعتزل فيها وقد أنزل الله عليه الآيات. فخيرهن فاخترنه رضي الله عنهن، وسبب ذلك أن منهن من سأل التوسع في النفقة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب التوسع في الدنيا، روى الشيخان رضي الله عنهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم، من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى الحديث البيهقي ولفظه: قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية ولو شئنا لشبعنا، ولكنه كان يؤثر على نفسه، وروى الطبراني في الأوسط عنها أيضاً رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل عني أو سره أن ينظر إلي فلينظر إليّ أشعث شاحب لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، اليوم المضمار وغداً السباق، والغاية الجنة أو النار ". تفسير : ولما كان الله سبحانه قد أمضى حكمته في هذه الدار في أنه لا يقبل قول إلا ببيان، قال سبحانه متهدداً على ما قد أعاذهن الله منه، فالمراد منه بيان أنه رفع مقاديرهن، ولذلك ذكر الأفعال المسندة إليهن اعتباراً بلفظ "من" والتنبيه على غلط من جعل صحبه الأشراف دافعة للعقاب على الإسراف، ومعلمة بأنها إنما تكون سبباً للإضعاف: {يا نساء النبي} أي المختارات له لما بينه وبين الله مما يظهر شرفه {من يأتِ} قراءة يعقوب على ما نقله البغوي بالمثناة الفوقانية على معنى من دون لفظها, وهي قراءة شاذة نقلها الأهوازي في كتاب الشواذ عن ابن مسلم عنه: وقرأ الجماعة بالتحتانية على اللفظ وكذا "يقنت" {منكن بفاحشة} أي من قول أو فعل كالنشوز وسوء الخلق باختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله ورسوله أو غير ذلك {مبينة} أي واضحة ظاهرة في نفسها تكاد تنادي بذلك من سوء خلق ونشوز أو غير ذلك {يضاعف لها العذاب} أي بسبب ذلك، ولما هول الأمر بالمفاعلة في قراءة نافع المفهمة لأكثر من اثنين كما مضى في البقرة، سهله بقوله: {ضعفين} أي بالنسبة إلى ما لغيرها لأن مقدارها لا يعشره مقدار غيرها كما جعل حد الحر ضعفي ما للعبد، وكما جعل أجرهن مرتين. واشتد العتاب فيما بين الأحباب، وعلى قدر علو المقام يكون الملام، وبقدر النعمة تكون النقمة، وكل من بناء يضاعف للمجهول من باب المفاعلة أو التفعيل لأبي جعفر والبصريين أو للفاعل بالنون عند ابن وكثير وابن عامر يدل على عظمته سبحانه، والبناء للمجهول يدل على العناية بالتهويل بالعذاب بجعله عمدة الكلام وصاحب الجملة بإسناد الفعل إليه، وذلك كله إشارة إلى أن الأمور الكبار صغيرة عنده سبحانه لأنه لا يضره شيء ولا ينفعه، ولا يوجب شيء من الأشياء له حدوث شيء لم يكن، ولذلك قال: {وكان ذلك} أي مع كونه عظيماً عندكم {على الله يسيراً *} فهذا ناظر إلى مقام الجلال والكبرياء والعظمة. ولما قدم درء المفاسد الذي هو من باب التخلي، أتبعه جلب المصالح الذي هو من طراز التحلي فقال: {ومن يقنت} أي يخلص الطاعة، وتقدم توجيه قراءة يعقوب بالفوقانية على ما حكاه البغوي والأهوازي في الشواذ عن ابن مسلم {منكن لله} الذي هو أهل لئلا يلتفت إلى غيره لأنه لا أعظم منه بإدامة الطاعة فلا يخرج عن مراقبته أصلاً {ورسوله} فلا تغاضبه ولا تطلب منه شيئاً، ولا تختار عيشاً غير عيشه، فإنه يجب على كل أحد تصفية فكره، وتهدئه باله وسره، ليتمكن غاية التمكن من إنقاذ أوامرنا والقيام بما أرسلناه بسببه من رحمة العباد، بإنقاذهم مما هم فيه من الأنكاد. ولما كان ذلك قد يفهم الاقتصار على عمل القلب قال: {وتعمل} قرأها حمزة والكسائي بالتحتانية رداً على لفظ "من" حثاً لهن على منازل الرجال، وقراءة الجماعة بالفوقانية على معناها على الأصل مشيرة إلى الرفق بهن في عمل الجوارح والرضى بالمستطاع كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام: "حديث : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"تفسير : . وأما عمل القلب فلا رضى فيه بدون الغاية، فلذا كان "يقنت" مذكراً لا على شذوذ {صالحاً} أي في جميع ما أمر به سبحانه أو نهى عنه {نؤتها} أي بما لنا من العظمة على قراءة الجماعة بالنون، وقراءة حمزة والكسائي بالتحتانية على أن الضمير لله {أجرها مرتين} أي بالنسبة إلى أجر غيرها من نساء بقية الناس {وأعتدنا} أي هيأنا بما لنا من العظمة وأحضرنا {لها} بسبب قناعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم المريد للتخلي من الدنيا التي يبغضها الله مع ما في ذلك من توفير الحظ في الآخرة {رزقاً كريماً *} أي في الدنيا والآخرة، فلا شيء أكرم منه لأن ما في الدنيا منه يوفق لصرفه على وجه يكون فيه أعظم الثواب، ولا يخشى من أجله نوع عتاب فضلاً عن عقاب، وما في الآخرة منه لا يوصف ولا يحد، ولا نكد فيه بوجه أصلاً ولا كد.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر قال: حديث : أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس ببابه جلوس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت فقال عمر رضي الله عنه: لأكلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه، وقال: هن حولي يسألنني النفقة. فقام أبو بكر رضي الله عنه إلى عائشة رضي الله عنها ليضربها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده. فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا، فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده. وأنزل الله الخيار فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال "إني ذاكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك. قالت: ما هو؟ فتلا عليها {يا أيها النبي قل لأزواجك...} . قالت عائشة رضي الله عنها: أفيك استأمر أبوي؟! بل اختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر إلى امرأة من نسائك ما اخترت، فقال: إن الله لم يبعثني متعنتاً، وإنما بعثني معلماً مبشراً، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها" ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة الحضرمي قال "حديث : جلست مع أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهما يتحدثان وقد ذهب بصر جابر رضي الله عنه، فجاء رجل فجلس، ثم قال: يا أبا عبد الله أرسلني إليك عروة بن الزبير، أسألك فيم هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه؟، فقال جابر رضي الله عنه: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة لم يخرج إلى الصلاة، فأخذنا ما تقدم وما تأخر، فاجتمعنا ببابه يسمع كلامنا ويعلم مكاننا، فأطلنا الوقوف، فلم يأذن لنا، ولم يخرج إلينا، فقلنا: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانكم، ولو أراد أن يأذن لكم لأذن فتفرقوا لا تؤذوه، فتفرقوا غير عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتنحنح ويتكلم ويستأذن حتى أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر رضي الله عنه: فدخلت عليه وهو واضع يده على خده أعرف به الكآبة، فقلت له: أي نبي الله - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - ما الذي رابك؟ وما الذي لقي الناس بعدكم من فقدهم لرؤيتك؟ فقال: يا عمر سألتني الاماء ما ليس عندي - يعني نساءه - فذاك الذي بلغ بي ما ترى. فقلت: يا نبي الله قد صككت جميلة بنت ثابت صكة ألصقت خدها منها بالأرض لأنها سألتني ما ليس عندي، وأنت يا رسول الله على موعد من ربك، وهو جاعل بعد العسر يسراً قال: فلم أزل أكلمه حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحلل عنه بعض ذلك، فخرجت، فلقيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فحدثته الحديث، فدخل أبو بكر على عائشة رضي الله عنها، فقال قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر عنكن شيئاً، فلا تسأليه ما لا يجد، انظري حاجتك فاطلبيها إلي، وانطلق عمر رضي الله عنه إلى حفصة، فذكر لها مثل ذلك، ثم اتبعا أمهات المؤمنين، فجعلا يذكران لهن مثل ذلك، فأنزل الله تعالى في ذلك {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً} يعني متعة الطلاق ويعني بتسريحهن: تطليقهن طلاقاً جميلاً {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً} . فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال: إن الله قد أمرني أن أخيركن بين أن تخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وبين أن تخترن الدنيا وزينتها، وقد بدأت بك وأنا أخيرك قالت: وهل بدأت بأحد قبلي منهن؟ قال: لا. قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، فاكتم علي ولا تخبر بذاك نساءك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أخبرهن به، فأخبرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فكان خياره بين الدنيا والآخرة. اتخترن الآخرة أو الدنيا؟ قال {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً} فاخترن أن لا يتزوجن بعده، ثم قال {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة} يعني الزنا {يضاعف لها العذاب ضعفين} يعني في الآخرة {وكان ذلك على الله يسيراً، ومن يقنت منكن لله ورسوله} يعني تطيع الله ورسوله {وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين} مضاعفاً لها في الآخرة {وأعتدنا لها رزقاً كريماً} {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} يقول فجور {وقلن قولاً معروفاً، وقرن في بيوتكن} يقول لا تخرجن من بيوتكن {ولا تبرجن} يعني إلقاء القناع فعل الجاهلية الأولى، ثم قال جابر رضي الله عنه: ألم يكن الحديث هكذا؟ قال: بلى . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه قالت: فبدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك، قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال: إن الله قال {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها} إلى تمام الآيتين. فقلت له: ففي أي هذا استأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وفعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده قال "حديث : لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه بدأ بعائشة رضي الله عنها قال: إن الله خيرك فقالت: اخترت الله ورسوله، ثم خير حفصة رضي الله عنها فقلن جميعاً: اخترنا الله ورسوله، غير العامرية اختارت قومها، فكانت بعد تقول: أنا الشقية، وكانت تلقط البعر وتبيعه، وتستأذن على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: أنا الشقية ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن أبي جعفر رضي الله عنه قال: قال نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نساء أغلى مهوراً منا، فغار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يعتزلهن، فاعتزلهن تسعة وعشرين يوماً، ثم أمره أن يخيرهن فخيرهن. وأخرج ابن سعد عن أبي صالح قال: اخترنه صلى الله عليه وسلم جميعاً غير العامرية، كانت ذاهبة العقل حتى ماتت. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت "حديث : حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليهجرنا شهراً، فدخل عليَّ صبيحة تسعة وعشرين، فقلت: يا رسول الله ألم تكن حلفت لتهجرنا شهراً، قال: إن الشهر هكذا وهكذا وهكذا. وضرب بيده جميعاً، وخنس يقبض أصبعاً في الثالثة ثم قال: يا عائشة إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن تعجلي حتى تستشيري أبويك، وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثة سني قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إني أمرت أن أخيركن، ثم تلا هذه الآية {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها} إلى قوله {أجراً عظيماً} قالت: فيم استشير أبوي يا رسول الله؟ بل اختار الله ورسوله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وسمع نساؤه فتواترن عليه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه بين الدنيا والآخرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن رضي الله عنهما قالا: أمره الله أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة، والجنة والنار، قال الحسن رضي الله عنه: في شيء كن أردنه من الدنيا. وقال قتادة رضي الله عنه: في غيرة كانت غارتها عائشة رضي الله عنها، وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش. عائشة. وحفصة. وأم حبيبة بنت أبي سفيان. وسودة بنت زمعة. وأم سلمة بنت أبي أمية. وكانت تحته صفية بنت حيي الخيبرية. وميمونة بنت الحارث الهلالية. وزينب بنت جحش الأسدية. وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق. وبدأ بعائشة رضي الله عنها، فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة رؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتابعن كلهن على ذلك، فلما خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، شكرهن الله تعالى على ذلك إذ قال {لا تحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن} فقصره الله تعالى عليهن، وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {يا أيها النبي قل لأزواجك...} . قال أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر نساءه في هذه الآية فلم تختر واحدة منهن نفسها غير الحميرية. وأخرج البيهقي في السنن عن مقاتل بن سليمان رضي الله عنه في قوله {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة} يعني العصيان للنبي صلى الله عليه وسلم {يضاعف لها العذاب ضعفين} في الآخرة {وكان ذلك على الله يسيراً} يقول: وكان عذابها عند الله هيناً {ومن يقنت} يعني من يطع منكن الله ورسوله {وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين} في الآخرة بكل صلاة أو صيام أو صدقة أو تكبيرة أو تسبيحة باللسان، مكان كل حسنة تكتب عشرين حسنة {واعتدنا لها رزقاً كريماً} يعني حسناً. وهي الجنة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {يضاعف لها العذاب ضعفين} قال: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {يضاعف لها العذاب ضعفين} قال: يجعل عذابهن ضعفين، ويجعل على من قذفهن الحد ضعفين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله {يا نساء النبي...} . قال: إن الحجة على الأنبياء أشد منها على الأتباع في الخطيئة، وإن الحجة على العلماء أشد منها على غيرهم، فإن الحجة على نساء النبي صلى الله عليه وسلم أشد منها على غيرهن، فقال: إنه من عصى منكن فإنه يكون عليها العذاب الضعف منه على سائر نساء المؤمنين، ومن عمل صالحاً فإن الأجر لها الضعف على سائر نساء المسلمين.
القشيري
تفسير : لم يُرِدْ أن يكونَ قلبُ أحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شُغل، أو يعود إلى أحد منه أذى أو تعب، فخَيَّرَ - صلى الله عليه وسلم - نساءَه، ووفقَ اللَّهُ سبحانه عائشةَ أمّ المؤمنين - رضي الله عنها - حتى أخبرت عن صِدْقِ قلبها، وكمالِ دينها ويقينها، وبما هو المنتظر. من أصلها وتربيتها، والباقي جرين على منهاجها، ونَسَجْنَ على مِنوالهَا.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها النبى} الرفيع الشان المخبر عن الله الرحمن. قال الكاشفى [ارباب سير برانند كه سال تاسع ازهجرت سيد عالم عليه السلام ازازواج طاهرات عزلت نمود وسوكند خورد كه يك ماه با ايشان مخالطت نكند وسبب آن بود كه ازان حضرت ثياب زينت وزيادت نفقه ميطلبيد ند واورا رنجه داشتند بسبب غيرت جنانكه عادت زنان ضرائر بود فخر عالم ملول وغمناك كشته بغرفه در مسجد كه خزانه وى بود تشريف فرمود بعد ازبيست ونه روز كه آن ماه بدان عدد تمام شده بود جبرائيل عليه السلام آيت تخيير فرود آورد كه] {يا ايها النبى} {قل} امر وجوب فى تخييرهن وهو من خصائصه عليه السلام {لازواجك} نسائك وهن يومئذ تسع نسوة خمس من قريش عائشة بنت ابى بكر وحفصة بنت عمر وام حبيبة واسمها رملة بنت ابى سفيان وام سلمة واسمها هند بنت ابى امية المخزومية وسودة بنت زمعة العامرية واربع من غير قريش زينب بنت جحش الاسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيى بن اخطب الخيبرية الهارونية وجورية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية وكانت هذه بعد وفاة خديجة رضى الله عنها {ان كنتن تردن الحياة الدنيا} اى السعة والتنعم فيها {وزينتها} [وآرايش جون ثياب فاخره وبيرايها بتكلف] {فتعالين} اصل تعالى ان يقوله من فى المكان المرتفع لمن فى المكان المنخفض ثم كثر حتى استوت فى استعماله الامكنة ولم يرد حقيقة الاقبال والمجيئ بل أراد اجبن على ما اعرض عليكن واقبلن بارادتكن واختياركن لاحدى الخصلتين كما يقال اقبل يكلمنى وذهب يخاصمى وقام يهددنى {امتعكن} بالجزم جوابا للامر: والتمتيع بالفارسية [برخوردارى دادن] اى اعطكن المتعة: وبالفارسية [بس بياييد كه بدهم شمارا متعه طلاق جنانجه مطلقه را دهند] سوى المهر واصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعا قليلا غير باق بل ينقضى عن قريب ويسمى التلذذ تمتعا لذلك وهى درع وهو ما يستر البدن وملحفة وهى ما يستر المرأة عند خروجها من البيت وخمار وهو ما يستر الرأس وهى واجبة عند ابى حنيفة رضى الله عنه فى المطلقة التى لم يدخل بها ولم يسم لها مهر عند العقد ومستحبة فيما عداها والحكمة فى ايجاب المتعة جبر لما اوحشها الزوج بالطلاق فيعطيها لتنتفع بها مدة عدتها ويعتبر ذلك بحسب السعة والاقتار الا ان يكون نصف مهرها اقل من ذلك فحينئذ يجب لها الاقل منه ولا ينقص عن خمسة دراهم لان اقل المهر عشرة فلا ينقص عن نصفها {واسرحكن} السرح شجر له ثمرة واصله سرحت الابل ان ترعيها السرح ثم جعل لكل ارسال فى الرعى والتسريح فى الطلاق مستعار من تسريح الابل كالطلاق فى كونه مستعارا من طلاق الابل وصريح اللفظ الذى يقع به الطلاق من غيرنية هو لفظ الطلاق عند ابى حنيفة واحمد والطلاق والفراق والسراح عند الشافعى ومالك والمعنى اطلقكن {سراحا جميلا} طلاقا من غير ضرار وبدعة. واتفق الائمة على ان السنة فى الطلاق ان يطلقها واحدة فى طهر لم يصبها فيه ثم يدعها حتى تنقضى عدتها وان طلق المدخول بها فى حيضها او طهر اصابها فيه وهى ممن تحبل فهو طلاق بدعة محرم ويقع بالاتفاق وجمع الثلاثة بدعة عند ابى حنيفة ومالك وقال احمد هو محرم خلافا للشافعى ويقع بلا خلاف بينهم. واعلم ان الشارع انما كره الطلاق ندبا الى الالفة وانتظام الشمل ولما علم الله ان الافتراق لا بد منه لكل مجموع مولف لحقيقة خفيت عن اكثر الناس شرع الطلاق رحمة لعباده ليكونوا مأجورين فى أفعالهم محمودين غير مذمومين ارغاما للشيطان فانهم فى ذلك تحت اذن الهى وانما كان الطلاق ابغض الحلال الى الله تعالى لانه رجوع الى العدم اذ بائتلاف الطبائع ظهر وجود التركيب وبعد الائتلاف كان العدم فمن اجل هذه الرائحة كرهت الفرقة بين الزوجين لعدم عين الاجتماع كذا فى الفتوحات. وتقديم التمتيع على التسريح من باب الكرم وفيه قطع لمعاذيرهن من اول الامر
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها النبي قلْ لأزواجك} وكن تسعاً؛ خمساً من قريش: عائشة بنت الصدّيق، وحفصة بنت الفاروق، وأم حبيبة بنت سفيان، وسَوْدة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أُمية، وصفية بنت حيي الخيبرية، من بني إسرائيل، من ذرية هارون عليه السلام، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة. أي: فقل لهن {إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدنيا وزينتَها} أي: التوسعة في الدنيا وكثرة الأموال والحُلل، {فتعالين} أي: أَقبلن بإرادتكن واختياركن. وأصل "تعال" أن يقوله مَن في المكان المرتفع لمَن في المكان الأدنى، ثم كثر استعماله في كل أمر مطلوب. {أُمتِّعكُنّ} أي: أُعطِكُن متعة الطلاق. وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا المفوّضة قبل الوطء مع أخواتها، كما في كتب الفقه. {وأسرِّحكُنَّ} أُطلقكن {سَراحاً جميلاً} لا ضرر فيه. وقيل: سبب نزولها: أنهن سألنه زيادة النفقة، وقيل: آذينه بغيرة بعضهن من بعض، فاغتمّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ لذلك. وقيل: هجرهن شهراً، فنزلت، وهي آية التخيير. فبدأ بعائشة رضي الله عنها وكانت أحبهن إليه، فخيّرها، وقرأ عليها القرآن، فاختارت اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرة، فرؤي الفرحُ في وجهه صلى الله عليه وسلم، ثم اختارت جميعهُنّ اختيارها. وروي أنه قال لعائشة: "حديث : إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً، ولاَ عَلَيكِ ألا تَعْجَلِي فيه حَتَّى تَسْتَأْمرِي أَبَوَيْكِ"تفسير : ثُمَّ قرأ عليها الآية، فقالت: أَفي هذا أسْتَأُمِرُ أَبَويّ؟ فَإِني أُريدُ الله ورسوَلهُ والدَّارَ الآخِرَةَ. وحكم التخيير في الطلاق: أنه إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترتُ نفسي، أن تقع تطليقة واحدة بائنة، وإذا اختارت زوجها؛ لم يقع شيء. قاله النسفي. وقال ابن جزي: وإذا اختارت المرأة الطلاق؛ فمذهب مالك: أنه ثلاث، وقيل: طلقة بائنة. وقيل: رجعية. ووصف السراح بالجميل؛ يحتمل أن يريد أنه دون الثلاث، أو: يريد الثلاث، وجماله: حسن المرعى، والثناء، وحفظ العهد. هـ. { وإن كنتنّ تُردنَ اللهَ ورسوله والدارَ الآخرةَ فإِن الله أعدَّ للمحسنات منكنَّ} "من": للبيان، {أجراً عظيماً} فاخترن رضي الله عنهن ما هو مناسب لحاله ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين خُيّر بَيْن أن يكون نبيّاً عبداً، أو نبيًّا مَلِكاً، فاختار أن يكون نبيًّا عبداً، لا مَلِكاً. فاخترن العبودية، التي اختارها عليه الصلاة والسلام. الإشارة: ينبغي لمَن قلّده الله نساء متعددة أن يخيِّرهن، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا يخلو من حال الغيرة، فإذا خَيّرهن فينبغي أن يغيب عن تشغيبهن، ولم يصغ بأُذُنه إلى حديثهن، ولا ينبغي أن يغتم من أجل الغيرة، فإنها طبع لازم للبشر، وليُقدِّر في نفسه: أنه إذا تزوجت زوجته غيره، وهي في عصمته، هل يقْدِر على ذلك أم لا، فالأمر واحد. والله أعلم. قال القشيري: لم يُرِد أن يكون قلبُ واحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شُغل، أو يعود إلى واحد منهم أذى، أو تعب من الدنيا، فَخيَّرَ صلى الله عليه وسلم بأمر ربه نساءَه، ووفق اللهُ عائشةَ، حتى أخبرتُ عن صدق قلبها، وكمال دينها ويقينها، وما هو المنتظر من أصلها ونيتها. والباقيات جرَيْن على منهاجها، ونَسَجْنَ على منوالها. هـ. ثم هددهن وبشرهن فقال: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ...}
الأعقم
تفسير : {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتنّ تردن الحياة الدنيا وزينتها} يعني سعة العيش وزينة الدنيا من الحلي وغيره الآية، قيل: كان بعض أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم) سألت شيئاً من عرض الدنيا والزينة وزيادة في النفقة فهجرها شهراً فنزلت الآية، وقيل: كان تسع نسوة خمس قرشيات عائشة وحفصة ورملة بنت أبي سفيان وسودة وأم سلمة وأربع من سائر العرب صفية بنت حيي اليهودي وزينب بنت جحش من بني أسد وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق فلما نزلت الآية قرأها (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهن، وقوله: {أمتعكن} أعطيكن متعة الطلاق، والمتعة واجبة للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد واجبة عند أبي حنيفة وأصحابه، وأما سائر المطلقات فمتعة مستحبَّة {وأسرّحكن سراحاً جميلاً} على وفق الشرع من غير ضرر، وقيل: خيّرهن بين الدنيا والآخرة وليس بتخيير الطلاق عن الحسن، وقيل: هو تخيير الطلاق {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة} أي معصية ظاهرة {يضاعف لها العذاب ضعفين} يعني في الجزاء ما يكون على غيرهن، وإنما كان كذلك لأن نعم الله تعالى عليهن أكثر لمكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول الوحي في بيوتهن وذكرهن في القرآن، وإذا كانت النعم عليهن أعظم كانت المعصية أفحش {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين}، {واعتدنا لها رزقاً كريماً} قيل: الجنة، وقيل: في الدنيا {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} في الفضل والشرف {إن اتقيتنَّ} الله أي أطعتن الله {فلا تخضعن بالقول} أي لا تلن بالقول للرجال {فيطمع الذي في قلبه مرض} قيل: شهوة الزنا، وقيل: نفاق، وقيل: من كان مائلاً إلى المعاصي {وقلن قولاً معروفاً} أي صحيحاً جميلاَ يقطع الطمع {وقَرْنَ في بيوتكن} قرئ بفتح القاف اسكنَّ، وبكسرها كن أهل وقار {ولا تبرجن} أي لا تظهرن، وقيل: هو إظهار الزينة والمحاسن للرجال، وقيل: مشي المرأة بين الأجانب من التبرج {تبرج الجاهلية الأولى} قيل: هي ما قبل الإِسلام، وقيل: ما بين عيسى ومحمد، وقيل: ما بين آدم ونوح، وقيل: ما بين إدريس ونوح، وقيل: زمن داوود وسليمان {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} فيما يأمر به وينهى عنه {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} الآية نزلت في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) يعني إنما يذهب بأمره ونهيه فيأمركم بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور، والرجس الإِثم الذي نهى الله عنه، قيل: الشيطان والشرك، وقيل: كل قبيح، وقوله: {أهل البيت} وهم أهل بيته (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم من تقدم، وقيل: كل من حرم عليه الصدقة من بني هاشم وأزواجه {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله} القرآن والحكمة يعني السنّة {إن الله كان لطيفاً خبيراً}.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الأَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} يعني الجنة. ذكر مسروق عن عائشة قالت: حديث : خَيَّرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يكن ذلك طلاقاًتفسير : . وقال بعض المفسّرين: إنما خيّرهن بين الدنيا والآخرة ولم يخيّرهن الطلاق. وكان علي بن أبي طالب يجعل الخيار إذا اختارت المرأة نفسَها إذا خيّرها الرجلُ تطليقةً بائنة. وقال بعضهم: أحسبه قال ذلك من هذه الآية في قوله: {أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}. وقال في هذه السورة بعد هذا الموضع: (أية : يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) تفسير : [الأحزاب: 49]. فإذا طلّقها قبل أن يدخل بها تطليقة فإنها تبين منه بها، وهي أملك بنفسها، وهو خاطب، وإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين. وقال في سورة البقرة: {أية : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} تفسير : [البقرة: 231]، وهذا عند انقضاء العدة قبل أن تنقضي ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة إذا كانت ممن تحيض، فإن كانت ممن لا تحيض وليست بحامل فما لم تنقض ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فما لم تضع حملها، فإن كان في بطنها اثنان أو ثلاثة فما لم تضع الآخِر، فهو يراجعها قبل ذلك إن شاء. فإن انقضت العدة ولم يراجعها فهي تطليقة بائنة. قال: (أية : أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) تفسير : [البقرة: 231]. والتسريح في كتاب الله واحدة بائنة. وكان زيد بن ثابت يقول: إن اختارت نفسها فثلاث. وكان ابن عمر وعبد الله بن مسعود يقولان: واحدة، وهو أحقُّ بها. فإن اختارته فلا شيء لها؛ فكأنهما يقولان: إنما الخيار في طلاق السنة على الواحدة، ولا ينبغي أن يطلق ثلاثاً ثلاثاً جميعاً، فإنما خيّرها على وجه ما ينبغي أن يطلقها. وأما إذا قال: أمرك بيدك، ففي قولهما إنها إذا طلقت نفسها ثلاثاً فهي واحدة على هذا الكلام الأول. وكان علي ورجال معه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: القول ما قالت. غير أن ابن عمر قال: إلا أن يقول: إنما ملّكتها في واحدة، فيحلف على ذلك، ويكون قضاؤها في واحدة. وبه نأخذ، وعليه نعتمد.
اطفيش
تفسير : {يا أيها النبي قل لأزواجك} وهن إذ ذاك تسع خمس من قريش عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة بنت ابي أمة وسودة بنت أبي زمعة واربع غير قرشيات زينب بنت جحش الاسدية وميمونة بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حيي بن أخطب اخطت الخيبرية وجويرية بنت الحارث المصطلقية رضي الله عنهن. {إن كنتن تردن الحيٰوة الدنيا وزينتها} تردن السعة والتنعم في الدنيا بسعة النفقة واللبسة وتردن زخارفها كثياب الزينة والحلي وذلك انهن طلبن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآذينه بغيرة بعضهن على بعض. {فتعالين} تعال قيل امر مبني على سكون الياء والنون فاعل، وأصل تعال ان يقوله: من كان في المكان المرتفع لمن في المكان المتسفل اي ارتفع الى وكثر استعماله حتى استوت فيه الامكنة وصار بمعنى ايت والمراد هنا الاتيان بالقلب اي تعالين بارادتكن ولم يرد نهوضهن اليه بأنفسهن. {أمتعكن} أعطكن ما تستنفعن به وذلك متعة الطلاق والمتعة واجبة للتي لم يفرض لها. وقال ابو حنية: انما تجب للتي لم يفرض لها ولم يدخل بها ومتعة ساير الملطقات مستحبة. وقال الزهري: متعة يقضي بها السلطان وهي متعة من طلقت ولم يفرض لها ولم يدخل بها ومنعة حق على المتقين متعة من طلقت بعد الفرض والدخول وخاصمت امرأة الى شرج في المتعة فقال متعها ان كنت من المتقين ولم يجبره. وعن ابن جبير: المتعة حق مفروض. قال الحسن: لكل مطلقة متعة الا المختلعة والملاعة وهي درع وخمار وملحفة على حسب السعة والاقتار الا ان يكون نصف مهرها اقل من ذلك فيجب لها الاقل ولا ينقص من خمسة دراهم لان اقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها. وقيل لا تقيد بشيء من ذلك بل على قدر المال. {وأسرحكن} اطلقكن. {سراحا جميلا} لا ضرر فيه ولا بدعة وقرأ برفع أمتع وأسرح على الاستئناف او الحالية من النون في تعالين وهي مقدرة أي ناويات تمتيعي وتسريحي وانما قدم التمتيع على التسريح مع انه مترتب على التسريح ومسبب عنه اظهار الكرم وحسن الخلق وقل لان الفرقة كانت بارادتهن كاختيار المجيزة نفسها وليس في الآية ما يدل على ان اختيار المرأة نفسها من زوجها اذا جعله لها يكون طلاقا ولا ما يدل على انه غير طلاق لانه ليس في الآية من زوجها اذا جعله لها يكون طلاقا ولا ما يدل على انه غير طلاق لانه ليس في الآية جعل امر الطلاق بيدهن بل فيها اسناد الطلاق الى الزوج صلى الله عليه وسلم فنص الآية إن كنتن او اردتن الدنيا والزنية فلست بأهل لذلك فاتين اطلقكن فتراه علق التطليق الى نفسه كأنه قال ان اردتن الطلاق لقلة مالي اطلقكن هذا ما ظهر لنا والحمد لله ثم رأيناه بعد ذلك قول الحسن وقتادة والجمهور، وقال قوم: ان ذلك تفويض لأمر الطلاق ولو اخترن انفسهن كان طلاق وان قلت فما الحكم اذا جعل الخيار للمرأة في الطلاق فاختارت نفسها قلت طلاق واحد وان شاءا جددا النكاح هذا هو ما ارجح وبه قال عمر بن العزيز: ان شاءت، وقال زيد بن ثابت ومالك قيل والحسن ثلاث تطليقات وان اختارت زوجها فلا طلاق، وزعم علي وزيد بن ثابت انه يقع طلاق واحد رجعي والحق انه لا طلاق وهو قول الجمهور وقول مسروق. قال ما ابالي خيرت امرأتي واحدة او مائة او الفا بعد ان تختارني ولقد سئلت عائشة فقالت خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم افكان طلاقا وفي رواية فاخترناه ولم يعده طلاق وفي اخرى فلم يعد ذلك شيئا وهو قول عن على وروي عن الشافعي: ان اختيار المرأة نفسها طلقة رجعية وقال ابو حنيفة: بائنة وتلك الأقوال في المذهب لكنا نعتبر ان يكون ذلك في المجلس قبل القيام منه او الاشتغال بما يدل على الاعراض كما هو مذهب الحنفية واعتبر الشافعي اختيارها على الفور. وعن الحسن والزهري وقتادة لها امرها في ذلك المجلس او غيره وهو قول بعضنا ولم يقل احد منا ان الطلاق واقع اذا اختارت الزوج واذا طلقت الحامل فوضعت فبقى واحد او اكثر في بطنها فقد انقضت عدتها وقيل لا حتى تضع آخر ما فيه.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها النَّبي قل لأزواجكَ إن كُنتنَّ تردْن الحياة الدنيا} توسيع التنعم فيها {وزينَتها} من الحلى والحلل وسائر الزخارف، عطف خاص على عام {فتعالَيْن} اقبلن الى بقلوبكن، كما تقول: أقبل يخاصمنى، ذهب يكلمنى، قام يأمر وينهى، وجاء يقول، ولم ترد حقيقة القيام، واصل تعال عالج الصعود الى موضع عال او بالغ فيه {أُمَتِّعْكُنَّ} مجزوم فى جواب فعل الامر، وتعالين جواب إن، او امتع جوابها، وفتعالين اعترض مقرون بالفاء كقوله: شعر : واعلم فعل المرء ينفعه أن سوف يأتى كل ما قدره تفسير : وعندى انه لا تثبت، واو الاعتراض ولا فاء الاعتراض لان الاعتراض ليس معنى يوضع له حرف، وما اوهم ثبوتهما فإنه يأول بانهما للعطف، ولو قبل تمام المعطوف عليه، كقولك ان قام ويقعدا اخواك، فان يقعدا ليس معطوفا على قام، بل على قام اخواك، او يأول الواو بواو الحال او بالعطف على محذوف مجرد من عاطف، او تأول الفاء بأنها فى جواب شرط، او بانها عاطفة على محذوف مجرد من واو او فاء او عاطف، وكذلك تثبت واو الاستئناف، لان الاستئناف ليس معنى يوضع له الحرف، وان أبيت الا العناد فقد اطلعت بعد قولى بذلك، على ان ابن هشام قال: ان الاستفتاح ليس معنى، ومعنى ألا الاستفتاحية التأكيد والتنبيه، ومعنى لام الابتداء التأكيد، ومعنى من الابتدائية ان الفعل مبدؤه كذا من زمان او مكان، والتمتيع واجب عندنا وعند ابى حنيفة للتى طلقت قبل المس، ولم يعرض لها، ومستحب للمحسوسة، والتى فرض لها، وعن سعيد بن جبير: المتعة واجبة لكل مطلقة الا المفتدية والملاعنة، وهى درع وملحفة وخمار، والبسط فى الفروع كشرح النيل. {وأسَرحكنَّ سَراحاً} تسريحا {جَميلاً} شرعيا لا ضرر فيه ولا بدعة، وهو الطلاق الذى هو كذلك، وبلا خصام والتسريح سبب للتمتع، فالاصل تقديمه، ولكن قدم التمتيع ايناسا لهن، وجبرا لانكسارهن، وقطعا لعذرهن من اول الامر، لمناسبة ما قبله من الدنيا، ولانه لو قدم التسريح لكان كالانتقام، فلا يخلو الاختيار عن شائبة الاكراه، كما انه وصف التسريح بالجميل للابعاد عن تلك الشائبة، ولا يتبادل ان ارادة الدنيا كالطلاق، فيكون قد قدم الطلاق على التمتيع. ولما فتح الله عز وجل وهو الفاتح العليم قريظة والنضير، ظنت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم انه اختص بنفائس اليهود وذخائرها، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله بنات كسرى وقيصر فى الحلى والحلل والاماء والخول، ونحن ما نراه من الضيق والفاقه، وظنن انه يعاملهن معاملة الملوك، وتألم بذلك وسكت، ودخل الصديق وعمر، فقال: اكلم بما يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله لو رأيت ابنة زوجى سألتنى النفقة آنفا فوجأت عنقها، فضحك النبى صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجده فقال: "حديث : هن حولي يسألني النفقة"تفسير : فقام ليضرب بنته حفصة، وقام الصديق ليضرب بنته عائشة، فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضربهما، وقالا: كيف تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده؟ فحلفن بالله لا يسألنه بعد هذا المجلس ابدأ ما ليس عنده. وبدأ بعائشة وقال: "حديث : إني أذكرك أمراً فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك فقرأ لها الآية" تفسير : فقالت: اختار الله ورسوله، ولا أستأمر احداً، وفرح صلى الله عليه وسلم بذلك، وقد خاف ان لا تفعل وقالت: اكتم على، فقال: "حديث : لا إنما بعثت مبلغاً لا يسألني أحداً إلا بلغته"تفسير : ، فتتابعن على ذلك، فجازلهن الله تعالى بان لا يتزوج عليهن، وهن تسع خمسة من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة بنت أبى سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت امية، وأربع من غيرهن: صفية بنت حيى الخيبرية وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية الا العامرية الحميرية الكلابية فاطمة بنت الضحاك بن سفيان اختارت نفسها وقومها فابتليت بالفقر، وذهاب العقل وصارت كالمجنونة، فكانت تلتقط البعر وتبيعه، وتستأذن على نساء النبى صلى الله عليه وسلم وتقول: أنا الشقية اخترت نفسى. وهذا التخيير بعد ان هجرهن تسعة وعشرين يوما، ولا ينافى هذا ما روى انه اقسم لا يدخل عليهن شهرا، لانه دخل على عائشة بعد تسعة وعشرين يوما، فقالت رضى الله عنها: يا رسول الله اقسمت على شهر وهذه تسعة وعشرون اعدهن، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله: "حديث : الشهر تسعة وعشرون"تفسير : وذلك فى صحيح مسلم، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَٰوةَ } أي السعة والتنعم فيها {وَزِينَتَهَا } أي زخرفها وهو تخصيص بعد تعميم {فَتَعَالَيْنَ } أي أقبلن بإرادتكن واختياركن لإحدى الخصلتين كما يقال أقبل يخاصمني وذهب يكلمني وقام يهددني، وأصل تعال أمر بالصعود لمكان عال ثم غلب في الأمر بالمجىء مطلقاً والمراد به هٰهنا ما سمعت، وقال الراغب: قال بعضهم إن أصله من العلو وهو ارتفاع المنزلة فكأنه دعاء إلى ما فيه رفعة كقولك: افعل كذا غير صاغر تشريفاً للمقول له، وهذا المعنى غير مراد هنا كما لا يخفى {أُمَتّعْكُنَّ } أي أعطكن متعة الطلاق، والمتعة للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد واجبة عند الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأصحابه، ولسائر المطلقات مستحبة، وعن الزهري متعتان إحداهما يقضي بها السلطان ويجبر عليها من طلق قبل أن يفرض ويدخل بها والثانية حق على المتقين من طلق بعدما فرض ودخل. وخاصمت امرأة إلى شريح في المتعة فقال: متعها إن كنت من المتقين ولم يجبره، وعن سعيد بن جبير المتعة حق مفروض، وعن الحسن لكل مطلقة متعة إلا المختلعة والملاعنة، والمتعة درع وحمار وملحفة على حسب السعة والإقتار إلا أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك فيجب لها الأقل منهما ولا / ينقص من خمسة دراهم لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها كذا في «الكشاف»، وتمام الكلام في الفروع، والفعل مجزوم على أنه جواب الأمر وكذا قوله تعالى: {وَأُسَرّحْكُنَّ } وجوز أن يكون الجزم على أنه جواب الشرط ويكون {فَتَعَالَيْنَ } اعتراضاً بين الشرط وجزائه، والجملة الاعتراضية قد تقترن بالفاء كما في قوله:شعر : واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا تفسير : وقرأ حميد الخراز {أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ } بالرفع على الاستئناف، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {أُمَتّعْكُنَّ } بالتخفيف من أمتع، والتسريح في الأصل مطلق الإرسال ثم كني به عن الطلاق أي وأطلقكن {سَرَاحاً } أي طلاقاً {جَمِيلاً } أي ذا حسن كثير بأن يكون سنياً لا ضرار فيه كما في الطلاق البدعي المعروف عند الفقهاء. وفي «مجمع البيان» تفسير السراح الجميل بالطلاق الخالي عن الخصومة والمشاجرة، وكان الظاهر تأخير التمتيع عن التسريح لما أنه مسبب عنه إلا أنه قدم عليه إيناساً لهن وقطعاً لمعاذيرهن من أول الأمر، وهو نظير قوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 43] من وجه ولأنه مناسب لما قبله من الدنيا: وجوز أن يكون في محله بناءً على أن إرادة الدنيا بمنزلة الطلاق والسراح الإخراج من البيوت فكأنه قيل: إن أردتن الدنيا وطلقتن فتعالين أعطكن المتعة وأخرجكن من البيوت إخراجاً جميلاً بلا مشاجرة ولا إيذاء، ولا يخفى بعده. وسبب نزول الآية على ما قيل: إن أزواجه عليه الصلاة والسلام سألنه ثياب الزينة وزيادة النفقة. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن مردويه من طريق أبـي الزبير عن جابر قال: أقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه والناس ببابه جلوس والنبـي صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له ثم أذن لأبـي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فدخلا والنبـي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت فقال عمر: لأكلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك فقال: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد يعني امرأته رضي الله تعالى عنه سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها فضحك النبـي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه وقال: هن حولي سألنني النفقة فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى عائشة ليضربها وقام عمر رضي الله تعالى عنه إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان النبـي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده. وأنزل الله تعالى الخيار فبدأ بعائشة فقال عليه الصلاة والسلام: إني ذاكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك قالت: ما هو؟ فتلا عليها {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } الآية قالت عائشة: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله تعالى لم يبعثني متعنتاً ولكن بعثني معلماً مبشراً لا تسألني امرأة منهن عما أخبرتني إلا أخبرتها. وفي خبر رواه ابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة والحسن أنه لما نزلت آية التخيير كان تحته عليه الصلاة والسلام تسع نسوة خمس من قريش: عائشة وحفصة وأم حبيبة بنت أبـي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبـي أمية وكان تحته صفية بنت حيي الخيبرية وميمونة بنت الحرث الهلالية. وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحرث من بني المصطلق وبدأ بعائشة فلما اختارت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة رؤى الفرح في / وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتتابعن كلهن على ذلك فلما خيرهن واخترن الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام والدار الآخرة شكرهن الله جل شأنه على ذلك إذ قال سبحانه: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنّسَاء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ }تفسير : [الأحزاب: 52] فقصره الله تعالى عليهن وهن التسع اللاتي اخترن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن سعد عن عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده أنه صلى الله عليه وسلم خير نساءه فاخترن جميعاً الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام غير العامرية اختارت قومها فكانت بعد تقول: أنا الشقية وكانت تلقط البعر وتبيعه وتستأذن على أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم فتقول: أنا الشقية. وأخرج أيضاً عن ابن جناح قال: اخترنه جميعاً غير العامرية كانت ذاهبة العقل حتى ماتت. وجاء في بعض الروايات عن ابن جبير غير الحميرية وهي العامرية. وكان هذا التخيير كما روي عن عائشة وأبـي جعفر بعد أن هجرهن عليه الصلاة والسلام شهراً تسعة وعشرين يوماً. وفي «البحر» أنه لما نصر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ورد عنه الأحزاب وفتح عليه النضير وقريظة ظن أزواجه عليه الصلاة والسلام أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل والإماء والخول ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق وآلمن قلبه الشريف عليه الصلاة والسلام بمطالبتهن له بتوسعة الحال وأن يعاملهن بما تعامل به الملوك وأبناء الدنيا أزواجهم فأمره الله تعالى بأن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن. وما أحسن موقع هذه الآيات على هذا بعد انتهاء قصة الأحزاب وبني قريظة كما لا يخفى، ويفهم من كلام الإمام أنها متعلقة بأول السورة؛ وذلك أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلقه عز وجل فبدأ سبحانه بإرشاد حبيبه عليه الصلاة والسلام إلى ما يتعلق بجانب التعظيم له تعالى فقال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ }تفسير : [الأحزاب: 1] الخ ثم أرشده سبحانه إلى ما يتعلق بجانب الشفقة، وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بذلك، وقدم سبحانه الشرطية المذكورة على قوله تعالى: {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...}.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس الثالث في سورة الأحزاب خاص بأزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما عدا الاستطراد الأخير لبيان جزاء المسلمين كافة والمسلمات ـ ولقد سبق في أوائل السورة تسميتهن "أمهات المؤمنين". ولهذه الأمومة تكاليفها. وللمرتبة السامية التي استحققن بها هذه الصفة تكاليفها. ولمكانتهن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تكاليفها. وفي هذا الدرس بيان لشيء من هذه التكاليف؛ وإقرار للقيم التي أراد الله لبيت النبوة الطاهر أن يمثلها، وأن يقوم عليها، وأن يكون فيها منارة يهتدي بها السالكون. {يا أيها النبي، قل لأزواجك: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً}.. لقد اختار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنفسه ولأهل بيته معيشة الكفاف، لا عجزاً عن حياة المتاع، فقد عاش حتى فتحت له الأرض، وكثرت غنائمها، وعم فيؤها، واغتنى من لم يكن له من قبل مال ولا زاد! ومع هذا فقد كان الشهر يمضي ولا توقد في بيوته نار. مع جوده بالصدقات والهبات والهدايا. ولكن ذلك كان اختياراً للاستعلاء على متاع الحياة الدنيا ورغبة خالصة فيما عند الله. رغبة الذي يملك ولكنه يعف ويستعلي ويختار.. ولم يكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكلفاً من عقيدته ولا من شريعته أن يعيش مثل هذه المعيشة التي أخذ بها نفسه وأهل بيته، فلم تكن الطيبات محرمة في عقيدته وشريعته؛ ولم يحرمها على نفسه حين كانت تقدم إليه عفواً بلا تكلف، وتحصل بين يديه مصادفة واتفاقاً، لا جرياً وراءها ولا تشهياً لها، ولا انغماساً فيها ولا انشغالاً بها.. ولم يكلف أمته كذلك أن تعيش عيشته التي اختارها لنفسه، إلا أن يختارها من يريد، استعلاء على اللذائذ والمتاع؛ وانطلاقاً من ثقلتها إلى حيث الحرية التامة من رغبات النفس وميولها. ولكن نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كن نساء، من البشر، لهن مشاعر البشر. وعلى فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة الكريمة، فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة ظلت حية في نفوسهن. فلما أن رأين السعة والرخاء بعدما أفاض الله على رسوله وعلى المؤمنين راجعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمر النفقة. فلم يستقبل هذه المراجعة بالترحيب، إنما استقبلها بالأسى وعدم الرضى؛ إذ كانت نفسه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترغب في أن تعيش فيما اختاره لها من طلاقة وارتفاع ورضى؛ متجردة من الانشغال بمثل ذلك الأمر والاحتفال به أدنى احتفال؛ وأن تظل حياته وحياة من يلوذون به على ذلك الأفق السامي الوضيء المبرأ من كل ظل لهذه الدنيا وأوشابها. لا بوصفه حلالاً وحراماً ـ فقد تبين الحلال والحرام ـ ولكن من ناحية التحرر والانطلاق والفكاك من هواتف هذه الأرض الرخيصة! ولقد بلغ الأسى برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مطالبة نسائه له بالنفقة أن احتجب عن أصحابه. وكان احتجابه عنهم أمراً صعباً عليهم يهون كل شيء دونه. وجاءوا فلم يؤذن لهم. روى الإمام أحمد ـ بإسناده ـ "حديث : عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: أقبل أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يستأذن على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والناس ببابه جلوس، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالس، فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر ـ رضي الله عنه ـ فاستأذن فلم يؤذن له. ثم أذن لأبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ فدخلا، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالس وحوله نساؤه. وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ ساكت. فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ: لأكلمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعله يضحك. فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد ـ امرأة عمر ـ سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها! فضحك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى بدت نواجذه، وقال: "هن حولي يسألنني النفقة"! فقام أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ إلى عائشة ليضربها، وقام عمر ـ رضي الله عنه ـ إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما ليس عنده؟! فنهاهما الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد هذا المجلس ما ليس عنده.. قال: وأنزل الله عز وجل الخيار، فبدأ بعائشة ـ رضي الله عنها ـ فقال: "إني أذكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك" قالت: وما هو؟ قال: فتلا عليها {يا أيها النبي قل لأزواجك}.. الآية. قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: أفيك أستأمر أبويَّ؟ بل أختار الله تعالى ورسوله. وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً. لا تسألني امرأة منهم عما اخترت إلا أخبرتها ". تفسير : وفي رواية البخاري ـ بإسناده ـ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: "حديث : أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبرته أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخبر أزواجه. قالت: فبدأ بي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك" ـ وقد علم أن أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقه ـ قالت: ثم قال: إن الله تعالى قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك} إلى تمام الآيتين. فقلت له: ففي أيّ هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ". تفسير : لقد جاء القرآن الكريم ليحدد القيم الأساسية في تصور الإسلام للحياة. هذه القيم التي ينبغي أن تجد ترجمتها الحية في بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحياته الخاصة؛ وأن تتحقق في أدق صورة وأوضحها في هذا البيت الذي كان ـ وسيبقى ـ منارة للمسلمين وللإسلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ونزلت آيتا التخيير تحددان الطريق. فإما الحياة الدنيا وزينتها، وإما الله ورسوله والدار الآخرة. فالقلب الواحد لا يسع تصورين للحياة. وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. وقد كانت نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قلن: والله لا نسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد هذا المجلس ما ليس عنده. فنزل القرآن ليقرر أصل القضية. فليست المسألة أن يكون عنده أو لا يكون. إنما المسألة هي اختيار الله ورسوله والدار الآخرة كلية، أو اختيار الزينة والمتاع. سواء كانت خزائن الأرض كلها تحت أيديهن أم كانت بيوتهن خاوية من الزاد. وقد اخترن الله ورسوله والدار الآخرة اختياراً مطلقاً بعد هذا التخيير الحاسم. وكن حيث تؤهلهن مكانتهن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي ذلك الأفق العالي الكريم اللائق ببيت الرسول العظيم. وفي بعض الروايات أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرح بهذا الاختيار. ونحب أن نقف لحظات أمام هذا الحادث نتدبره من بعض زواياه. إنه يحدد التصور الإسلامي الواضح القيم؛ ويرسم الطريق الشعوري للإحساس بالدنيا والآخرة. ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة وكل لجلجة بين قيم الدنيا وقيم الآخرة؛ بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء. ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد لله والخلوص له وحده دون سواه. هذا من جانب ومن الجانب الآخر يصور لنا هذا الحادث حقيقة حياة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذين عاشوا معه واتصلوا به. وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان وحياة ناس من البشر؛ لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم وسماتهم الإنسانية. مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها؛ ومع كل هذا الخلوص لله والتجرد مما عداه. فالمشاعر الإنسانية والعواطف البشرية لم تمت في تلك النفوس. ولكنها ارتفعت، وصفت من الأوشاب. ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإنسان. وكثيراً ما نخطئ نحن حين نتصور للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولصحابته ـ رضوان الله عليهم ـ صورة غير حقيقية، أو غير كاملة، نجردهم فيها من كل المشاعر والعواطف البشرية، حاسبين أننا نرفعهم بهذا وننزههم عما نعده نحن نقصاً وضعفاً! وهذا الخطأ يرسم لهم صورة غير واقعية، صورة ملفعة بهالات غامضة لا نتبين من خلالها ملامحهم الإنسانية الأصيلة. ومن ثم تنقطع الصلة البشرية بيننا وبينهم. وتبقى شخوصهم في حِسِّنا بين تلك الهالات أقرب إلى الأطياف التي لا تلمس ولا تتماسك في الأيدي! ونشعر بهم كما لو كانوا خلقا آخر غيرنا.. ملائكة أو خلقاً مثلهم مجرداً من مشاعر البشر وعواطفهم على كل حال! ومع شفافية هذه الصورة الخيالية فإنها تبعدهم عن محيطنا، فلا نعود نتأسى بهم أو نتأثر. يأساً من إمكان التشبه بهم أو الاقتداء العملي في الحياة الواقعية. وتفقد السيرة بذلك أهم عنصر محرك، وهو استجاشة مشاعرنا للأسوة والتقليد. وتحل محلها الروعة والانبهار، اللذان لا ينتجان إلا شعوراً مبهماً غامضاً سحرياً ليس له أثر عملي في حياتنا الواقعية.. ثم نفقد كذلك التجاوب الحي بيننا وبين هذه الشخصيات العظيمة. لأن التجاوب إنما يقع نتيجة لشعورنا بأنهم بشر حقيقيون، عاشوا بعواطف ومشاعر وانفعالات حقيقية من نوع المشاعر والعواطف والانفعالات التي نعانيها نحن. ولكنهم هم ارتقوا بها وصفوها من الشوائب التي تخالج مشاعرنا. وحكمة الله واضحة في أن يختار رسله من البشر، لا من الملائكة ولا من أي خلق آخر غير البشر. كي تبقى الصلة الحقيقية بين حياة الرسل وحياة أتباعهم قائمة؛ وكي يحس أتباعهم أن قلوبهم كانت تعمرها عواطف ومشاعر من جنس مشاعر البشر وعواطفهم، وإن صفت ورفت وارتقت. فيحبوهم حب الإنسان للإنسان؛ ويطمعوا في تقليدهم تقليد الإنسان الصغير للإنسان الكبير. وفي حادث التخيير نقف أمام الرغبة الطبيعية في نفوس نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المتاع؛ كما نقف أمام صورة الحياة البيتية للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونسائه ـ رضي الله عنهن ـ وهن أزواج يراجعن زوجهن في أمر النفقة! فيؤذيه هذا، ولكنه لا يقبل من أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ أن يضربا عائشة وحفصة على هذه المراجعة. فالمسألة مسألة مشاعر وميول بشرية، تُصفى وتُرفع، ولكنها لا تخمد ولا تكبت! ويظل الأمر كذلك حتى يأتيه أمر الله بتخيير نسائه. فيخترن الله ورسوله والدار الآخرة، اختياراً لا إكراه فيه ولا كبت ولا ضغط؛ فيفرح قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بارتفاع قلوب أزواجه إلى هذا الأفق السامي الوضيء. ونقف كذلك أمام تلك العاطفة البشرية الحلوة في قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يحب عائشة حباً ظاهراً؛ ويحب لها أن ترتفع إلى مستوى القيم التي يريدها الله له ولأهل بيته فيبدأ بها في التخيير؛ ويريد أن يساعدها على الارتفاع والتجرد؛ فيطلب إليها ألا تعجل في الأمر حتى تستشير أبويها ـ وقد علم أنهما لم يكونا يأمرانها بفراقه كما قالت ـ وهذه العاطفة الحلوة في قلب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا تخطئ عائشة ـ رضي الله عنها ـ من جانبها في إدراكها؛ فتسرها وتحفل بتسجيلها في حديثها. ومن خلال هذا الحديث يبدو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنسانا يحب زوجه الصغيرة، فيحب لها أن ترتفع إلى أفقه الذي يعيش فيه؛ وتبقى معه على هذا الأفق، تشاركه الشعور بالقيم الأصيلة في حسه، والتي يريدها له ربه ولأهل بيته. كذلك تبدو عائشة ـ رضي الله عنها ـ إنسانة يسرها أن تكون مكينة في قلب زوجها؛ فتسجل بفرح حرصه عليها، وحبه لها، ورغبته في أن تستعين بأبويها على اختيار الأفق الأعلى فتبقى معه على هذا الأفق الوضيء. ثم نلمح مشاعرها الأنثوية كذلك، وهي تطلب إليه ألا يخبر أزواجه الأخريات أنها اختارته حين يخيرهن! وما في هذا الطلب من رغبة في أن يظهر تفردها في هذا الاختيار، وميزتها على بقية نسائه، أو على بعضهن في هذا المقام!.. وهنا نلمح عظمة النبوة من جانب آخر في رد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقول لها: "حديث : إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً. لا تسألني واحدة منهن عما اخترت إلا أخبرتها"تفسير : .. فهو لا يود أن يحجب عن إحدى نسائه ما قد يعينها على الخير؛ ولا يمتحنها امتحان التعمية والتعسير؛ بل يقدم العون لكل من تريد العون. كي ترتفع على نفسها، وتتخلص من جواذب الأرض ومغريات المتاع! هذه الملامح البشرية العزيزة ينبغي لنا ـ ونحن نعرض السيرة ـ ألا نطمسها، وألا نهملها، وألا نقلل من قيمتها. فإدراكها على حقيقتها هو الذي يربط بيننا وبين شخصية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وشخصيات أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ برباط حي، فيه من التعاطف والتجاوب ما يستجيش القلب إلى التأسي العملي والاقتداء الواقعي. ونعود بعد هذا الاستطراد إلى النص القرآني. فنجده ـ بعد تحديد القيم في أمر الدنيا والآخرة؛ وتحقيق قوله تعالى: {أية : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}تفسير : في صورة عملية في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهل بيته.. نجده بعد هذا البيان يأخذ في بيان الجزاء المدخر لأزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفيه خصوصية لهن وعليهن، تناسب مقامهن الكريم، ومكانهن من رسول الله المختار: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيراً. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين، وأعتدنا لها رزقاً كريماً}... إنها تبعة المكان الكريم الذي هن فيه. وهن أزواج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهن أمهات المؤمنين. وهذه الصفة وتلك كلتاهما ترتبان عليهن واجبات ثقيلة، وتعصمانهن كذلك من مقارفة الفاحشة. فإذا فرض وقارفت واحدة منهن فاحشة مبينة واضحة لاخفاء فيها، كانت مستحقة لضعفين من العذاب. وذلك فرض يبين تبعة المكان الكريم الذي هن فيه.. {وكان ذلك على الله يسيراً}.. لا تمنعه ولا تصعبه مكانتهن من رسول الله المختار. كما قد يتبادر إلى الأذهان! {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً}.. والقنوت الطاعة والخضوع. والعمل الصالح هو الترجمة العملية للطاعة والخضوع.. {نؤتها أجرها مرتين}.. كما أن العذاب يضاعف للمقارفة ضعفين. {وأعتدنا لها رزقاً كريماً}.. فهو حاضر مهيأ ينتظرها فوق مضاعفة الأجر. فضلاً من الله ومنة. ثم يبين لأمهات المؤمنين اختصاصهن بما ليس لغيرهن من النساء؛ ويقرر واجباتهن في معاملة الناس، وواجبهن في عبادة الله، وواجبهن في بيوتهن؛ ويحدثهن عن رعاية الله الخاصة لهذا البيت الكريم، وحياطته وصيانته من الرجس؛ ويذكرهن بما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، مما يلقي عليهن تبعات خاصة، ويفردهن بين نساء العالمين: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن. فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض؛ وقلن قولاً معروفاً. وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى؛ وأقمن الصلاة وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ـ أهل البيت ـ ويطهركم تطهيراً. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة. إن الله كان لطيفاً خبيراً}.. لقد جاء الإسلام فوجد المجتمع العربي ـ كغيره من المجتمعات في ذلك الحين ـ ينظر إلى المرأة على أنها أداة للمتاع، وإشباع الغريزة. ومن ثم ينظر إليها من الناحية الإنسانية نظرة هابطة. كذلك وجد في المجتمع نوعاً من الفوضى في العلاقات الجنسية. ووجد نظام الأسرة مخلخلاً على نحو ما سبق بيانه في السورة. هذا وذلك إلى هبوط النظرة إلى الجنس؛ وانحطاط الذوق الجمالي؛ والاحتفال بالجسديات العارمة، وعدم الالتفات إلى الجمال الرفيع الهادئ النظيف.. يبدو هذا في أشعار الجاهليين حول جسد المرأة، والتفاتاتهم إلى أغلظ المواضع فيه، وإلى أغلظ معانيه! فلما أن جاء الإسلام أخذ يرفع من نظرة المجتمع إلى المرأة؛ ويؤكد الجانب الإنساني في علاقات الجنسين؛ فليست هي مجرد إشباع لجوعة الجسد، وإطفاء لفورة اللحم والدم، إنما هي اتصال بين كائنين إنسانيين من نفس واحدة، بينهما مودة ورحمة، وفي اتصالهما سكن وراحة؛ ولهذا الاتصال هدف مرتبط بإرادة الله في خلق الإنسان، وعمارة الأرض، وخلافة هذا الإنسان فيها بسنة الله. كذلك أخذ يعنى بروابط الأسرة؛ ويتخذ منها قاعدة للتنظيم الاجتماعي؛ ويعدها المحضن الذي تنشأ فيه الأجيال وتدرج؛ ويوفر الضمانات لحماية هذا المحضن وصيانته، ولتطهيره كذلك من كل ما يلوث جوه من المشاعر والتصورات. والتشريع للأسرة يشغل جانباً كبيراً من تشريعات الإسلام، وحيزاً ملحوظاً من آيات القرآن. وإلى جوار التشريع كان التوجيه المستمر إلى تقوية هذه القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع؛ وبخاصة فيما يتعلق بالتطهر الروحي، وبالنظافة في علاقات الجنسين، وصيانتها من كل تبذل، وتصفيتها من عرامة الشهوة، حتى في العلاقات الجسدية المحضة. وفي هذه السورة يشغل التنظيم الاجتماعي وشؤون الأسرة حيزاً كبيراً. وفي هذه الآيات التي نحن بصددها حديث إلى نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتوجيه لهن في علاقتهن بالناس، وفي خاصة أنفسهن، وفي علاقتهن بالله. توجيه يقول لهن الله فيه: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ـ أهل البيت ـ ويطهركم تطهيراً}. فلننظر في وسائل إذهاب الرجس، ووسائل التطهر، التي يحدثهن الله ـ سبحانه ـ عنها، ويأخذهن بها. وهن أهل البيت، وزوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأطهر من عرفت الأرض من النساء. ومن عداهن من النساء أحوج إلى هذه الوسائل ممن عشن في كنف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبيته الرفيع. إنه يبدأ بإشعار نفوسهن بعظيم مكانهن، ورفيع مقامهن، وفضلهن على النساء كافة، وتفردهن بذلك المكان بين نساء العالمين. على أن يوفين هذا المكان حقه، ويقمن فيه بما يقتضيه: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن}.. لستن كأحد من النساء إن اتقيتن.. فأنتن في مكان لا يشارككن فيه أحد، ولا تشاركن فيه أحداً. ولكن ذلك إنما يكون بالتقوى. فليست المسألة مجرد قرابة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل لا بد من القيام بحق هذه القرابة في ذات أنفسكن. وذلك هو الحق الصارم الحاسم الذي يقوم عليه هذا الدين؛ والذي يقرره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو ينادي أهله ألا يغرهم مكانهم من قرابته، فإنه لا يملك لهم من الله شيئاً: "حديث : يا فاطمة ابنة محمد. يا صفية ابنة عبد المطلب. يا بني عبد المطلب. لا أملك لكم من الله شيئاً. سلوني من مالي ما شئتم ". تفسير : وفي رواية أخرى:"حديث : يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار. فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً، إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلاها. " تفسير : وبعد أن يبين لهن منزلتهن التي ينلنها بحقها، وهو التقوى، يأخذ في بيان الوسائل التي يريد الله أن يذهب بها الرجس عن أهل البيت ويطهرهم تطهيراً: {فلا تخضعن بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض}.. ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين الذي يثير شهوات الرجال، ويحرك غرائزهم، ويطمع مرضى القلوب ويهيج رغائبهم! ومن هن اللواتي يحذرهن الله هذا التحذير؛ إنهن أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمهات المؤمنين، اللواتي لا يطمع فيهن طامع، ولا يرف عليهن خاطر مريض، فيما يبدو للعقل أول مرة. وفي أي عهد يكون هذا التحذير؟ في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعهد الصفوة المختارة من البشرية في جميع الأعصار.. ولكن الله الذي خلق الرجال والنساء يعلم أن في صوت المرأة حين تخضع بالقول، وتترقق في اللفظ، ما يثير الطمع في قلوب، ويهيج الفتنة في قلوب. وأن القلوب المريضة التي تثار وتطمع موجودة في كل عهد، وفي كل بيئة، وتجاه كل امرأة، ولو كانت هي زوج النبي الكريم، وأم المؤمنين. وأنه لا طهارة من الدنس، ولا تخلص من الرجس، حتى تمتنع الأسباب المثيرة من الأساس. فكيف بهذا المجتمع الذي نعيش اليوم فيه. في عصرنا المريض الدنس الهابط، الذي تهيج فيه الفتن وتثور فيه الشهوات، وترف فيه الأطماع؟ كيف بنا في هذا الجو الذي كل شيء فيه يثير الفتنة، ويهيج الشهوة وينبه الغريزة، ويوقظ السعار الجنسي المحموم؟ كيف بنا في هذا المجتمع، في هذا العصر، في هذا الجو، ونساء يتخنثن في نبراتهن، ويتميعن في أصواتهن، ويجمعن كل فتنة الأنثى، وكل هتاف الجنس، وكل سعار الشهوة؛ ثم يطلقنه في نبرات ونغمات؟! وأين هن من الطهارة؟ وكيف يمكن أن يرف الطهر في هذا الجو الملوث. وهن بذواتهن وحركاتهن وأصواتهن ذلك الرجس الذي يريد الله أن يذهبه عن عباده المختارين؟! {وقلن قولاً معروفاً}.. نهاهن من قبل عن النبرة اللينة واللهجة الخاضعة؛ وأمرهن في هذه أن يكون حديثهن في أمور معروفة غير منكرة؛ فإن موضوع الحديث قد يطمع مثل لهجة الحديث. فلا ينبغي أن يكون بين المرأة والرجل الغريب لحن ولا إيماء، ولا هذر ولا هزل، ولا دعابة ولا مزاح، كي لا يكون مدخلاً إلى شيء آخر وراءه من قريب أو من بعيد. والله سبحانه الخالق العليم بخلقه وطبيعة تكوينهم هو الذي يقول هذا الكلام لأمهات المؤمنين الطاهرات. كي يراعينه في خطاب أهل زمانهن خير الأزمنة على الإطلاق! {وقرن في بيوتكن}.. من وقر. يقر. أي ثقل واستقر. وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقاً. إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن، وهو المقر وما عداه استثناء طارئاً لا يثقلن فيه ولا يستقررن. إنما هي الحاجة تقضى، وبقدرها. والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى. غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة، ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة. "ولكي يهيئ الإسلام للبيت جوه ويهيئ للفراخ الناشئة فيه رعايتها، أوجب على الرجل النفقة، وجعلها فريضة، كي يتاح للأم من الجهد، ومن الوقت، ومن هدوء البال، ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب، وما تهيئ به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها. فالأم المكدودة بالعمل للكسب، المرهقة بمقتضيات العمل، المقيدة بمواعيده، المستغرقة الطاقة فيه.. لا يمكن أن تهب للبيت جوه وعطره، ولا يمكن أن تمنح الطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها. وبيوت الموظفات والعاملات ما تزيد على جو الفنادق والخانات؛ وما يشيع فيها ذلك الأرج الذي يشيع في البيت. فحقيقة البيت لا توجد إلا أن تخلقها امرأة، وأرج البيت لا يفوح إلا أن تطلقه زوجة، وحنان البيت لا يشيع إلا أن تتولاه أم. والمرأة أو الزوجة أو الأم التي تقضي وقتها وجهدها وطاقتها الروحية في العمل لن تطلق في جو البيت إلا الإرهاق والكلال والملال. "وإن خروج المرأة لتعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة. أما أن يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها، فتلك هي اللعنة التي تصيب الأرواح والضمائر والعقول، في عصور الانتكاس والشرور والضلال". فأما خروج المرأة لغير العمل. خروجها للاختلاط ومزاولة الملاهي. والتسكع في النوادي والمجتمعات.. فذلك هو الارتكاس في الحمأة الذي يرد البشر إلى مراتع الحيوان! ولقد كان النساء على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخرجن للصلاة غير ممنوعات شرعاً من هذا. ولكنه كان زمان فيه عفة، وفيه تقوى، وكانت المرأة تخرج إلى الصلاة متلفعة لا يعرفها أحد، ولا يبرز من مفاتنها شيء. ومع هذا فقد كرهت عائشة لهن أن يخرجن بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم! في الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس. وفي الصحيحين أيضاً أنها قالت: لو أدرك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل! فماذا أحدث النساء في حياة عائشة ـ رضي الله عنها ـ؟ وماذا كان يمكن أن يحدثن حتى ترى أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان مانعهن من الصلاة؟! ماذا بالقياس إلى ما نراه في هذه الأيام؟! {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}.. ذلك حين الاضطرار إلى الخروج، بعد الأمر بالقرار في البيوت. ولقد كانت المرأة في الجاهلية تتبرج. ولكن جميع الصور التي تروى عن تبرج الجاهلية الأولى تبدو ساذجة أو محتشمة حين تقاس إلى تبرج أيامنا هذه في جاهليتنا الحاضرة! قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال. فذلك تبرج الجاهلية! وقال قتادة: وكانت لهن مشية تكسر وتغنج. فنهى الله تعالى عن ذلك! وقال مقاتل بن حيان: والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيداري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها. وذلك التبرج! وقال ابن كثير في التفسير: كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء؛ وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها. فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن. هذه هي صور التبرج في الجاهلية التي عالجها القرآن الكريم. ليطهر المجتمع الإسلامي من آثارها ويبعد عنه عوامل الفتنة، ودواعي الغواية؛ ويرفع أدابه وتصوراته ومشاعره وذوقه كذلك! ونقول: ذوقه.. فالذوق الإنساني الذي يعجب بمفاتن الجسد العاري ذوق بدائي غليظ. وهو من غير شك أحط من الذوق الذي يعجب بجمال الحشمة الهادئ، وما يشيء به من جمال الروح، وجمال العفة، وجمال المشاعر. وهذا المقياس لا يخطئ في معرفة ارتفاع المستوى الإنساني وتقدمه. فالحشمة جميلة جمالاً حقيقياً رفيعاً. ولكن هذا الجمال الراقي لا يدركه أصحاب الذوق الجاهلي الغليظ، الذي لا يرى إلا جمال اللحم العاري، ولا يسمع إلا هتاف اللحم الجاهر! ويشير النص القرآني إلى تبرج الجاهلية، فيوحي بأن هذا التبرج من مخلفات الجاهلية. التي يرتفع عنها من تجاوز عصر الجاهلية، وارتفعت تصوراته ومثله ومشاعره عن تصورات الجاهلية ومثلها ومشاعرها. والجاهلية ليست فترة معينة من الزمان. إنما هي حالة اجتماعية معينة، ذات تصورات معينة للحياة. ويمكن أن توجد هذه الحالة، وأن يوجد هذا التصور في أي زمان وفي أي مكان، فيكون دليلاً على الجاهلية حيث كان! وبهذا المقياس نجد أننا نعيش الآن في فترة جاهلية عمياء، غليظة الحس، حيوانية التصور، هابطة في درك البشرية إلى حضيض مهين. وندرك أنه لا طهارة ولا زكاة ولا بركة في مجتمع يحيا هذه الحياة؛ ولا يأخذ بوسائل التطهر والنظافة التي جعلها الله سبيل البشرية إلى التطهر من الرجس، والتخلص من الجاهلية الأولى؛ وأخذ بها، أول من أخذ، أهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على طهارته ووضاءته ونظافته. والقرآن الكريم يوجه نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى تلك الوسائل؛ ثم يربط قلوبهن بالله، ويرفع أبصارهن إلى الأفق الوضيء الذي يستمددن منه النور، والعون على التدرج في مراقي ذلك الأفق الوضيء: {وأقمن الصلاة، وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله}.. وعبادة الله ليست بمعزل عن السلوك الاجتماعي أو الأخلاقي في الحياة؛ إنما هي الطريق للارتفاع إلى ذلك المستوى؛ والزاد الذي يقطع به السالك الطريق. فلا بد من صلة بالله يأتي منها المدد والزاد. ولا بد من صلة بالله تطهر القلب وتزكيه. ولا بد من صلة بالله يرتفع بها الفرد على عرف الناس وتقاليد المجتمع وضغط البيئة؛ ويشعر أنه أهدى وأعلى من الناس والمجتمع والبيئة. وأنه حري أن يقود الآخرين إلى النور الذي يراه؛ لا أن يقوده الآخرون إلى الظلمات وإلى الجاهلية التي تغرق فيها الحياة، كلما انحرفت عن طريق الله. والإسلام وحدة تجمع الشعائر والآداب والأخلاق والتشريعات والنظم.. كلها في نطاق العقيدة. ولكل منها دور تؤديه في تحقيق هذه العقيدة؛ وتتناسق كلها في اتجاه واحد؛ ومن هذا التجمع والتناسق يقوم الكيان العام لهذا الدين. وبدونهما لا يقوم هذا الكيان. ومن ثم كان الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله، هو خاتمة التوجيهات الشعورية والأخلاقية والسلوكية لأهل البيت الكريم. لأنه لا يقوم شيء من تلك التوجيهات بغير العبادة والطاعة.. وكل ذلك لحكمة وقصد وهدف: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}.. وفي التعبير إيحاءات كثيرة، كلها رفاف، رفيق، حنون.. فهو يسميهم {أهل البيت} بدون وصف للبيت ولا إضافة. كأنما هذا البيت هو "البيت" الواحد في هذا العالم، المستحق لهذه الصفة. فإذا قيل: "البيت" فقد عرف وحدد ووصف. ومثل هذا قيل عن الكعبة. بيت الله. فسميت البيت. والبيت الحرام. فالتعبير عن بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذلك تكريم وتشريف واختصاص عظيم. وهو يقول: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ـ أهل البيت ـ ويطهركم تطهيراً}.. وفي العبارة تلطف ببيان علة التكليف وغايته. تلطف يشي بأن الله سبحانه ـ يشعرهم بأنه بذاته العلية ـ يتولى تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم. وهي رعاية علوية مباشرة بأهل هذا البيت. وحين نتصور من هو القائل ـ سبحانه وتعالى ـ رب هذا الكون. الذي قال للكون: كن. فكان. الله ذو الجلال والإكرام. المهيمن العزيز الجبار المتكبر.. حين نتصور من هو القائل ـ جل وعلا ـ ندرك مدى هذا التكريم العظيم. وهو ـ سبحانه ـ يقول هذا في كتابه الذي يتلى في الملأ الأعلى، ويتلى في هذه الأرض، في كل بقعة وفي كل أوان؛ وتتعبد به ملايين القلوب، وتتحرك به ملايين الشفاه. وأخيراً فإنه يجعل تلك الأوامر والتوجيهات وسيلة لإذهاب الرجس وتطهير البيت. فالتطهير من التطهر، وإذهاب الرجس يتم بوسائل يأخذ الناس بها أنفسهم، ويحققونها في واقع الحياة العملي. وهذا هو طريق الإسلام.. شعور وتقوى في الضمير. وسلوك وعمل في الحياة. يتم بهما معاً تمام الإسلام، وتتحقق بهما أهدافه واتجاهاته في الحياة. ويختم هذه التوجيهات لنساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمثل ما بدأها به.. بتذكيرهن بعلو مكانتهن، وامتيازهن على النساء، بمكانهن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبما أنعم الله عليهن فجعل بيوتهن مهبط القرآن ومنزل الحكمة، ومشرق النور والهدى والإيمان: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة. إن الله كان لطيفاً خبيراً}.. وإنه لحظ عظيم يكفي التذكير به، لتحس النفس جلالة قدره، ولطيف صنع الله فيه، وجزالة النعمة التي لا يعدلها نعيم. وهذا التذكير يجيء كذلك في ختام الخطاب الذي بدأ بتخيير نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين متاع الحياة الدنيا وزينتها، وإيثار الله ورسوله والدار الآخرة. فتبدو جزالة النعمة التي ميزهن الله بها؛ وضآلة الحياة الدنيا بمتاعها كله وزينتها.. وفي صدد تطهير الجماعة الإسلامية، وإقامة حياتها على القيم التي جاء بها الإسلام. الرجال والنساء في هذا سواء. لأنهم في هذا المجال سواء.. يذكر الصفات التي تحقق تلك القيم في دقة وإسهاب وتفصيل: {إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيراً والذاكرات.. أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً}.. وهذه الصفات الكثيرة التي جمعت في هذه الآية تتعاون في تكوين النفس المسلمة. فهي الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والصبر، والخشوع، والتصدق، والصوم، وحفظ الفروج، وذكر الله كثيراً.. ولكل منها قيمته في بناء الشخصية المسلمة. والإسلام: الاستسلام، والإيمان التصديق. وبينهما صلة وثيقة أو أن أحدهما هو الوجه الثاني للآخر. فالاستسلام إنما هو مقتضى التصديق. والتصديق الحق ينشأ عنه الاستسلام. والقنوت: الطاعة الناشئة من الإسلام والإيمان، عن رضى داخلي لا عن إكراه خارجي. والصدق: هو الصفة التي يخرج من لا يتصف بها من صفوف الأمة المسلمة لقوله تعالى: {أية : إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله}تفسير : فالكاذب مطرود من الصف. صف هذه الأمة الصادقة. والصبر: هو الصفة التي لا يستطيع المسلم حمل عقيدته والقيام بتكاليفها إلا بها. وهي تحتاج إلى الصبر في كل خطوة من خطواتها. الصبر على شهوات النفس، وعلى مشاق الدعوة، وعلى أذى الناس. وعلى التواء النفوس وضعفها وانحرافها وتلونها. وعلى الابتلاء والامتحان والفتنة. وعلى السراء والضراء، والصبر على كلتيهما شاق عسر. والخشوع: صفة القلب والجوارح، الدالة على تأثر القلب بجلال الله، واستشعار هيبته وتقواه. والتصدق: وهو دلالة التطهر من شح النفس، والشعور بمرحمة الناس، والتكافل في الجماعة المسلمة. والوفاء بحق المال. وشكر المنعم على العطاء. والصوم: والنص يجعله صفة من الصفات إشارة إلى اطراده وانتظامه. وهو استعلاء على الضرورات، وصبر عن الحاجات الأولية للحياة. وتقرير للإرادة، وتوكيد لغلبة الإنسان في هذا الكائن البشري على الحيوان. وحفظ الفرج: وما فيه من تظهر، وضبط لأعنف ميل وأعمقه في تركيب كيان الإنسان، وسيطرة على الدفعة التي لا يسيطر عليها إلا تقي يدركه عون الله. وتنظيم للعلاقات، واستهداف لما هو أرفع من فورة اللحم والدم في التقاء الرجل والمرأة، وإخضاع هذا الالتقاء لشريعة الله، وللحكمة العليا من خلق الجنسين في عمارة الأرض وترقية الحياة. وذكر الله كثيراً: وهو حلقة الاتصال بين نشاط الإنسان كله وعقيدته في الله. واستشعار القلب لله في كل لحظة؛ فلا ينفصل بخاطر ولا حركة عن العروة الوثقى. وإشراق القلب ببشاشة الذكر، الذي يسكب فيه النور والحياة. هؤلاء الذين تتجمع فيهم هذه الصفات، المتعاونة في بناء الشخصية المسلمة الكاملة.. هؤلاء {أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً}.. وهكذا يعمم النص في الحديث عن صفة المسلم والمسلمة ومقومات شخصيتهما، بعدما خصص نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أول هذا الشوط من السورة. وتذكر المرأة في الآية بجانب الرجل كطرف من عمل الإسلام في رفع قيمة المرأة، وترقية النظرة إليها في المجتمع، وإعطائها مكانها إلى جانب الرجل فيما هما فيه سواء من العلاقة بالله؛ ومن تكاليف هذه العقيدة في التطهر والعبادة والسلوك القويم في الحياة..
ابن عاشور
تفسير : يستخلص مما ذكره ابن عطية رواية عن ابن الزبير ومما ذكره أبو حيان في «البحر المحيط» وغير ذلك: أن وجه اتصال هذه الآيات بما قبلها أنه لما فُتحت على المسلمين أرض قريظة وغنموا أموالهم وكانت أرض النضير قُبيل ذلك فَيْئاً للنبي صلى الله عليه وسلم حسب أزواج رسول الله أن مثَلَه مَثَل أحد من الرجال إذا وُسّع عليهم الرزق توسَّعوا فيه هم وعيالهم فلم يكن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام يسألنَه توسعة قبل أن يفيء الله عليه من أهل النضير وقبل أن يكون له الخمس من الغنائم، فلما رأين النبي صلى الله عليه وسلم جعل لنفسه ولأزواجه أقواتهم من مال الله ورأين وفرة ما أفاءَ الله عليه من المال حسبْنَ أنه يوسِّع في الإنفاق فصار بعضهُنّ يستكثرنه من النفقة كما دل عليه قول عمر لحفصة ابنته أمّ المؤمنين: «لا تستكثري النبي ولا تُراجعيه في شيء وسَلِيني ما بَدا لكِ». ولكن الله أقام رسوله صلى الله عليه وسلم مقاماً عظيماً فلا يتعلق قلبه بمتاع الدنيا إلا بما يقتضيه قوام الحياة وقد كان يقول: «حديث : ما لي وللدنيا» تفسير : وقال: «حديث : حُبِّبَ إليّ من دنياكم النساء والطيب». تفسير : وقد بينتُ وجه استثناء هذين في رسالة كتبتُها في الحكمة الإلهية من رياضة الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه بتقليل الطعام. وقال عمر: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجِف المسلمون عليه من خَيْل ولا رِكاب فكانت لرسول الله خالصة ينفق منها على أهله نفقة سنتهم ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عُدة للمسلمين». وقد علمتَ أن أرض قريظة قسمت على المهاجرين بحُكْم سعد بن معاذ، فلعل المهاجرين لما اتسعت أرزاقهم على أزواجهم أمّل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يكنَّ كالمهاجرين فأراد الله أن يعلمهُنّ سِيرة الصالحات في العيش وغيره. وقد روي أن بعضهن سألْنَه أشياء من زينة الدنيا فأوحى إلى رسوله بهذه الآيات المتتابعات. وهذا مما يؤذن به وقعُ هذه الآيات عقب ذكر وقعة قريظة وذكر الأرض التي لم يَطؤوها وهي أرض بني النضير. وإذ قد كان شأن هذه السيرة أن يشق على غالب الناس وخاصة النساء أمَر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينبىء أزواجه بها ويخيّرهُنّ عن السّيْر عليها تبعاً لحاله وبين أن يفارقَهُنّ. لذا فافتتاحُ هذه الأحكام بنداء النبي صلى الله عليه وسلم بــــ: {يا أيها النبي} تنبيه على أن ما سيذكر بعد النداء له مزيد اختصاص به وهو غرض تحديد سيرة أزواجه معه سيرة تناسب مرتبة النبوءة، وتحديد تزوجه وهو الغرض الثاني من الأغراض التي تقدم ذكرها في قوله {أية : يا أيها النبي اتق الله}تفسير : [الأحزاب: 1]. والأزواج المعنيات في هذه الآية هن أزواجه التسع اللاتي تُوفّي عليهن. وهن: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سَلَمة بنت أمية المخزومية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، وميمونة بنت الحارث الهلالية من بني عامر بن صعصعة، وسَوْدة بنت زَمعة العامرية القرشية، وزينبُ بنت جَحْش الأسدية، وصفية بنت حُيَيّ النضيرية. وأما زينب بنت خزيمة الهلالية الملقبة أمّ المساكين فكانت متوفاة وقت نزول هذه الآية. ومعنى {إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها}: إن كنتن تُؤثرن ما في الحياة من الترف على الاشتغال بالطاعات والزهد، فالكلام على حذف مضاف يقدر صالحاً للعموم إذ لا دليل على إرادة شأن خاص من شؤون الدنيا. وهذه نكتة تعدية فعل {تُرِدْنَ} إلى اسم ذات {الحياة} دون حال من شؤونها. وعطفُ {زينتَها} عطف خاص على عام، وفي عطفه زيادة تنبيه على أن المضاف المحذوف عام، وأيضاً ففعل {تردْنَ} يؤذن باختيار شيء على غيره فالمعنى: إن كنتن ترِدْنَ الانغماس في شؤون الدنيا، وقد دلت على هذا مقابلته بقوله: {وإن كنتُنّ ترِدْنَ الله ورسوله} كما سيأتي. و{تعالين:} اسم فعل أمْر بمعنى: أقبِلْنَ، وهو هنا مستعمل تمثيلاً لحال تَهَيُّؤ الأزواج لأخذ التمتيع وسماع التسريح بحال من يُحضر إلى مكان المتكلم. وقد مضى القول على (تعال) عند قوله تعالى: {أية : فقل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءكم} تفسير : في سورة آل عمران (61) والتمتيع: أن يُعطي الزوج امرأته حين يطلقها عطيةً جبْراً لخاطرها لما يعرض لها من الانكسار. وتقدم الكلام عليها مفصلاً عند قوله تعالى: {أية : ومَتِّعُوهُنّ على المُوسِع قَدْرهُ وعلى المُقْتِرِ قدْرُه متاعاً بالمَعْروف} تفسير : في سورة البقرة (236). وجزم {أمتعْكُنَّ} في جواب {تعالَيْن} وهو اسم فعل أمر وليس أمْراً صريحاً فجَزْمُ جوابه غير واجب فجيء به مجزوماً ليكون فيه معنى الجزاء فيفيد حصول التمتيع بمجرد إرادة إحداهن الحياة الدنيا. والسراح: الطلاق، وهو من أسمائه وصيغه، قال تعالى: {أية : فأمسكوهن بمعروف أو سَرِّحُوهُنَّ بمعروف}تفسير : [البقرة: 231]. والجميل: الحَسَن حُسناً بمعنى القبول عند النفس، وهو الطلاق دون غضب ولا كراهية لأنه طلاق مراعىً فيه اجتناب تكليف الزوجة ما يشقّ عليها. وليس المذكور في الآية من قبيل التخيير والتمليك اللذين هما من تفويض الطلاق إلى الزوجة، وإنما هذا تخيير المرأة بين شيئين يكون اختيارها أحدهما داعياً زوجها لأن يطلقها إن أراد ذلك. ومعنى {وإن كنتن تردن الله ورسوله}إن كنتن تُؤْثِرْنَ الله على الحياة الدنيا، أي: تؤثرن رضى الله لما يريده لرسوله، فالكلام على حذف مضاف. وإرضاء الله: فعل ما يحبه الله ويقرب إليه، فتعدية فعل {تردن} إلى اسم ذات الله تعالى على تقدير تقتضيه صحة تعلق الإرادة باسم ذات لأن الذات لا تراد حقيقة فوجب تقدير مضاف ولزم أن يقدر عاماً كما تقدم. وإرادة رضى الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك على تقدير، أي: كل ما يرضي الرسول عليه الصلاة والسلام، وأول ذلك أن يَبْقَيْنَ في عشرته طيّبات الأنفس. وإرادة الدار الآخرة: إرادة فَوْزها، فالكلام على حذف مضاف يقتضيه المقام أيضاً، فأسلوب الكلام جرى على إناطة الحكم بالأعيان وهو أسلوب يقتضي تقديراً في الكلام من قبيل دلالة الاقتضاء. وفي حذف المضافات وتعليق الإرادة بأسماء الأعيان الثلاثة مقصدُ أن تكون الإرادة متعلقة بشؤون المضاف إليه التي تتنزل منزلة ذاتِه مع قضاء حق الإيجاز بعد قضاء حق الإعجاز. فالمعنى: إن كنتُنّ تؤثرْن ما يُرضي الله ويحبه رسوله وخير الدار الآخرة فتخْتَرْن ذلك على ما يشغل عن ذلك كما دلت عليه مقابلة إرادة الله ورسوله والدار الآخرة بإرادة الحياة الدنيا وزينتها، فإن المقابلة تقتضي إرادتين يجمع بين إحداهما وبين الأخرى، فإن التعلق بالدنيا يستدعي الاشتغال بأشياء كثيرة من شؤون الدنيا لا محيصَ من أن تُلهيَ صاحبها عن الاشتغال بأشياء عظيمة من شؤون ما يرضي الله وما يرضي رسوله عليه الصلاة والسلام وعن التملي من أعمال كثيرة مما يكسب الفوز في الآخرة فإن الله يحب أن ترتقي النفس الإنسانية إلى مراتب الملكية والرسول صلى الله عليه وسلم يبتغي أن يكون أقرب الناس إليه وأعلقهم به سائراً على طريقته لأن طريقته هي التي اختارها الله له. وبمقدار الاستكثار من ذلك يكثر الفوز بنعيم الآخرة، فالناس متسابقون في هذا المضمار وأوْلاهم بقصب السبق فيه أشدهم تعلُّقاً بالرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك كانت همم أفاضل السلف، وأولى الناس بذلك أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام وقد ذكّرهن الله تذكيراً بديعاً بقوله: {أية : واذكُرْنَ ما يُتْلَى في بيوتكنّ من ءايات الله والحكمة}تفسير : [الأحزاب: 34] كما سيأتي. ولما كانت إرادتهن الله ورسوله والدارَ الآخرة مقتضية عملَهُنّ الصالحات وكان ذلك العمل متفاوتاً، وجعل الجزاء على ذلك بالإحسان فقال: {فإن الله أعدّ للمحسنات منكُنّ أجراً عظيماً} ليعلمْنَ أن هذا الأجر حاصل لهن على قدر إحسانهن؛ فهذا وجه ذكر وصف المحسِنات وليس هو للاحتراز. وفي ذكر الإعداد إفادة العناية بهذا الأجر والتنويه به زيادة على وصفه بالعظيم. وتوكيد جملة الجزاء بحرف {إنّ} الذي ليس هو لإزالة التردد إظهار للاهتمام بهذا الأجر. وقد جاء في كتب السنة: أنه لما نزلت هذه الآية ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة فقال لها: «حديث : إني ذاكر لكِ أمراً فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويْككِ، ثم تلا هذه الآية، فقالت عائشة: أفي هذا أستأمر أبوَيّ؟ فإنّي أريد الله ورسوله والدارَ الآخرة، وقال لسائر أزواجه مثل ذلك، فقلْنَ مثل ما قالت عائشة».تفسير : ولا طائل تحت الاشتغال بأن هذا التخيير هل كان واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم أو مندوباً، فإنه أمر قد انقضى ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يخالف أمر الله تعالى بالوجوب أو الندب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قل لأزواجك: أي اللائي هن تحته يومئذ وهن تسع طلبن منه التوسعة في النفقة عليهن ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوسع به عليهن. فتعالين: أي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يومئذ قد اعتزلهن شهرا. أمتعكن: أي متعة الطلاق المشروعة على قدر حال المطلق سعة وضيقاً. أسرحكن سراحاً جميلا: أي أطلقكن طلاقاً من غير إضرار بكن. تردن الله ورسوله والدار الآخرة: أي تردن رضا الله ورسوله والجنة. فإِن الله أعدّ للمحسنات: أي عشرة النبي صلى الله عليه وسلم زيادة على الإِحسان العام. بفاحشة مبيّنة: أي بنشوز خلق يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. يضاعف لها العذاب ضعفين: أي مرَّتين على عذاب غيرهن ممن آذين أزواجهن. وكان ذلك على الله يسيرا: أي مضاعفة العذاب يسيرة هيّنة على الله تعالى. معنى الآيات: شاء الله تعالى أن يجتمع نساء الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأين نساء الأنصار والمهاجرين قد وُسّع عليهن في النفقة لوجود يسر وسعة رزق بين أهل المدينة، أن يطالبن بالتوسعة في النفقة عليهن أسوة بغيرهن وكن يومئذ تسعا وهن عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أميّة، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وصفيّة بنت حيي بن أخطب النضريّة فأبلغت عائشة ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأثر لذلك، لعدم القدرة على ما طُلب منه وقعد في مشربة له واعتزلهن شهراً كاملا حتى أنزل الله تعالى آية التخيير وهي هذه {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} من لذيذ الطعام والشراب وجميل الثياب وحلي الزينة ووافر ذلك كله فتعالين إلى مقام الرسول الرفيع {أُمَتِّعْكُنَّ} المتعة المشروعة في الطلاق {وَأُسَرِّحْكُنَّ} أي أُطلقكن {سَرَاحاً جَمِيلاً} أي لا إضرار معه، {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي رضاهما {وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} أي الجنة {فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ} أي هيأ وأحضر {لِلْمُحْسِنَاتِ} طاعة الله ورسوله {مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} وهو المقامات العالية في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في دار السلام. وخيّرهن صلى الله عليه وسلم امتثالا لأمر الله في قوله {قُل لأَزْوَاجِكَ} وبدأ بعائشة فقال لها: إني أريد أن أذكر لك أمراً فلا تقضي فيه شيئاً حتى تستأمري أبويك أي تطلبين أمرهما في ذلك وقرأ عليها الآية فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، وتتابعن على ذلك فما اختارت منهنّ امرأة غير الله ورسوله والدار الآخرة فأكرمهن الله لذلك وأنزل على رسوله: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً} تفسير : [الأحزاب: 52]. وقوله تعالى {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي بخصلة قبيحة ظاهرة كسوء عشرة النبي صلى الله عليه وسلم فإِن الله تعالى {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ} يوم القيامة لأنّ أذيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبواب الكفر والعياذ بالله تعالى. {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} أي وكان تضعيف العذاب على من أتت بفاحشة مبيّنة شيئا يسيراً على الله لا يعجزه حتى لا يفعله وهذا لأمرين الأول لأن أذيّة الرسول من أبواب الكفر والثاني لعلو مقامهن وشرفهن فإِن ذا الشرف والمنزلة العالية يُستقبحُ منه القبيح أكثر مما يستقبح من غيره. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) مشروعية تخيير الزوجات فإِن اخترن الطلاق تَطَلّقن وإن لم يخترنه فلا يقع الطلاق. 2) كمال أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حيث اخترن الله ورسوله والدار الآخرة عن الدنيا وزينتها. 3) مشروعية المتعة بعد الطلاق وهي أن تعطى المرأة شيئا من المال بحسب غنى المطلّق وفقره لقوله تعالى {أية : عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} تفسير : [البقرة: 236]. 4) وجوب الإِحسان العام والخاص، الخاص بالزوج والزوجة والعام في طاعة الله ورسوله. 5) بيان أن سيئة العالم الشريف أسوأ من سيئة الجاهل الوضيع. ولذا قالوا حسنات الأبرار سيّئات المقربين كمثل من الأمثال السائرة للعظة والاعتبار.
القطان
تفسير : زينة الدنيا: كل ما فيها من متاع ونعيم. أمتعكن: اعطيكن المتعة من مال ولباس بحسب ما أستطيع. وأسرّحكن: اطلقكنّ. سَراحا جميلا: طلاقا من غير ضرر ولا مخاصمة ولا مشاجرة. الفاحشة: المعصية. مبيّنة: ظاهرة واضحة. ضِعفين: ضعفي عذاب غيرهن من النساء. يسيرا: هيّنا. بعد ان نصر الله رسوله والمؤمنين وفتح عليهم بني قريظة واموالهم، طلب نساء النبي ان يوسع عليهن بالنفقة، وقلن له: يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحَلْي والحلل، والاماء والخدم والحشَم، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق! فأنزل الله تعالى في شأنهن قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا...} الآيات. فبدأ بعائشة، فقال لها: إني أذكر لك أمراً ما أحبُّ ان تعجَلي حتى تستأمري أبويك. قالت: وما هو؟ فتلا عليها: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ....} الآية قالت عائشة: أفيكَ أَستأمر ابويَّ! بل اختارُ الله تعالى ورسولَه. ثم تابعها بقيةُ نسائه. وكنّ تسعاً: سِتّاً من قريش، وهن عائشة وحفصة وام حبيبة وسودة وام سلمة وزينب بنت جحش الاسدية، وثلاثاً من غير قريش وهن: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حُيي بن أخطب يهودية الأصل، وجويرية بنت الحارث المصطَلَقية. وبعد ان خيّرهن واخترن الله ورسولَه وعَظَهن بقوله تعالى: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}. وفي هذا تهديد شديد، لأنهن لسن كغيرهن من النساء.... والذنبُ من العظيم عظيم، فمن تفعل منهن ذنباً يضاعَف لها العذاب من الله. قراءات: قرأ ابن كثير وابن عامر نُضَعِّف العذابَ: بضم النون وتشديد العين المكسورة ونصب العذاب. وقرأ ابو عمرو: يُضَعَّف بضم الياء وتشديد العين المفتوحة على البناء للمفعول، والعذاب مرفوع. وقرأ الباقون: يُضاعَف لها العذاب بألف بعد الضاد، للمجهول. هكذا كانت آيتا التخيير تحدّدان الطريقَ الواضح: فإما الحياةَ الدنيا وزينتها، واما اللهَ ورسوله والدارَ الآخرة. وقال نساء الرسول الكريم بعد ذلك: واللهِ لا نسألُ رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده، وفرح الرسولُ بذلك صلى الله عليه وسلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {لأَزْوَاجِكَ} {ٱلْحَيَاةَ} (28) - بَعْدَ أَنْ نَصَرَ اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى الأَحْزَابِ، وَعَلَى بَني قُرَيْظَةَ، ظَنَّ أَزْوَاجُهُ أَنَّهُ اخْتَصَّ بِنَفَائِسِ اليَهُودِ، وَذَخَائِرِهِمْ، فَجِئْنَهُ يُطَالِبْنَهُ بالتَّوْسِعَةِ عَلَيهِنَّ، وَبِمُعَامَلَتِهِنَّ مُعَامَلَةَ نِسَاءِ المُلُوكِ، فآلَمْنَ قَلْبَهُ الشَّرِيفَ بِمَطَالِبِهِنَّ، فَأَمَرهُ اللهُ تَعَالى بِأَنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِنَّ مَا أَنْزَلَ عَليهِ بِشَأْنِهِنَّ. وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَسْتَأْذِنَانِ عَليهِ فَلَمْ يَأذَنْ لَهُما، ثَمَّ أَذِنَ لَهُما، فَدَخَلا فَوَجَدا الرَّسُولَ جَالِساً وَحَولَهُ نِسَاؤُهُ وَهُمْ سُكُوتٌ. فَتَكَلَّمَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ رَأَيتَ ابْنَةَ زَيدٍ (يَعِني زَوْجَةَ عُمَرَ) سَأَلَتني النَّفَقَةَ فَوَجَأْتُ عُنُقَها (أَيْ قَطَعْتُهُ)، فَضَحِكَ الرَّسُولُ. وَقَالَ: هُنَّ حَولي يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ. فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلى عَائِشَةَ لِيَضْرِبَهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلى ابنَتِهِ حَفْصَةَ لِيَضْرِبَها، وَكُلَ مِنْهُما يقولُ: تَسْأَلانِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَيْسَ عِنْدَه! فَنَهَاهُمَا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَتَا: وَاللهِ لا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ هذا المَجْلِسِ مَا لَيسَ عِنْدَهُ. وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى الخِيَارَ، فَبَدأَ رَسُولُ اللهِ بِعَائِشَةَ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيها، فَقَالَ لَها: إِنِّي أَذْكُرُ لَكِ أَمْراً مَا أُحِبُّ أَنْ تَعْجَلِي فيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. قَالَتْ وَمَا هُوَ؟ فَتَلا عَليها الآيَةَ: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ...} قَالَتْ عَائِشَةُ: أَفِيكَ أَسْتأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ، وأَسْأَلُكَ أَلاَّ تَذْكُرَ لامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِكَ مَا اخْتَرْتُ. فَقَالَ لَهَا الرَّسُولُ: إِن اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّفاً، وَلكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّماً وَمُيَسِّراً، لاَ تَسَأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَمَّا اخْتَرْتِهِ إِلاَّ أَخْبَرتُها. ثُمَّ وَعَظَهُنَّ اللهُ بَعْدَ أَنْ اخْتَرْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ، وخَصَّهُنَّ بِأَحْكَامٍ. وَمَعنَى الآيةِ الكَريمةِ: يَا أَيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ اخْتَرْنَ لأَِنْفُسِكُنَّ إِحْدَى خَلَّتَيْنِ: - الأُولى: إِنْ كُنْتُنَّ تُحَبِبْنَ الحَيَاةَ الدُّنيا، وَزِينَتها، وَزُخْرُفَهَا، فَلَيْسَ لَكُنَّ مُقَامٌ عِندِي، إِذْ ليسَ عِندِي شَيءٌ مِنها، فَأَقْبِلَنَ إِلَيِّ أُعطِكُنَّ مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَى الرِّجَالِ لِلنِّساءِ مِنَ المُتْعَةِ عِنْدَ مُفَارَقَتِهِمْ إِيَّاهُنَّ بِالطَّلاقِ. - أَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَدْ جَاءَتْ فِي الآيةِ التَّالِيَةِ. أُمتّعْكُنَّ - أُعْطِكُنّ مُتْعَةَ الطَّلاقِ. أَسَرِّحْكُنَّ - أُطَلِّقْكُنَّ. سَرَاحاً جميلاً - طَلاقاً حَسَناً لا ضِرَارَ فيهِ.
الثعلبي
تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} متعة الطلاق {وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} فأطعتنهما {فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} قال المفسِّرون: كان أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم سألنه شيئاً من عرض الدنيا وآذينه بزيادة النفقة والغيرة، فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى أنْ لا يقربهن شهراً، ولم يخرج إلى أصحابه صلوات، فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إنْ شئتم لأعلمن لكم ما شأنه فأتى النبي (عليه السلام) فجعل يتكلّم ويرفع صوته حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أيّ شيء أُكلِّم به رسول الله صلّى الله عليه وسلم لعلّه ينبسط؟ فقلت: يا رسول الله لو رأيت فلانة وسألتني النفقة، فصككتها صكّة فقال: ذلك أجلسني عنكم. فأتى عمر حفصة فقال: لا تسألي رسول الله شيئاً ما كانت لكِ من حاجة فإليّ، قال: ثمّ تتبّع نساء النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يكلِّمهنّ، فقال لعائشة: أيعزّك أنّكِ امرأة حسناء وأنّ زوجك يحبّكِ لتنتهن أو لينزلن فيكنّ القرآن، قال: فقالت له أُمّ سلمة: يابن الخطّاب أوما بقي لك إلاّ أنْ تدخل بين رسول الله وبين نسائه؟ مَن يسأل المرأة إلاّ زوجها؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآيات. وكانت تحت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي أمية، وصفية بنت حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحرث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحرث المصطلقية، فلمّا نزلت آية التخيير بدأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعائشة، وكانت أحبّهنّ إليه، فخيّرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فَرؤيَ الفرح في وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلم وتابعنها على ذلك. قال قتادة: فلمّا اخترن الله ورسوله، شكرهنّ الله على ذلك، وقصره عليهن وقال: (لا يحلّ لك النساء من بعد) الآية. أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن الحسين عن أحمد بن يوسف عن عبدالرزّاق عن معمر، "حديث : أخبرني الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لمّا مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً وإنّك قد دخلت عليَّ من تسع وعشرين أعدّهن، فقال: إنّ الشهر تسع وعشرون، ثمّ قال: يا عائشة إنّي ذاكر لك أمراً فلا عليكِ أنْ لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك"تفسير : ، قالت: ثمّ قرأ عليَّ هذه الآية: {قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} حتى بلغ {أَجْراً عَظِيماً}. قالت عائشة: قد علم والله إنّ أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: في هذا أستامر أبويّ؟ فإنّي أُريد الله ورسوله والدار الآخرة. "حديث : قال معمر: فحدّثني أيّوب أنّ عائشة قالت: لا تخبر أزواجك انّي اخترتك، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: إنّما بعثني الله مبلِّغاً ولم يبعثني متعنّتاً ". تفسير : وأخبرنا محمّد بن عبد الله بن حمدون عن [أحمد بن محمّد بن الحسن] عن محمد بن يحيى عن عثمان بن عمر عن يونس عن الزهري عن [أبي] سلمة أنّ عائشة قالت: لمّا أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: إنّي مخبركِ خبراً فلا عليك أنْ لا تعجلي حتّى تستأمري أبويكِ، ثمّ قال: إنّ الله عزّ وجلّ قال: {إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} حتّى بلغ {أَجْراً عَظِيماً}. فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإنّي أُريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثمّ فعل أزواج النبيّ صلّى الله عليه مثل ما فعلتُ. قوله: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ} قرأ الجحدري بالتاء. غيره بالياء. {بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} بمعصية ظاهرة {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ} في الآخرة {ضِعْفَيْنِ} وقرأ ابن عامر وابن كثير: بالنون وكسر العين مشدّداً من غير ألف [العذاب] نصباً. وقرأ أبو عمرو ويعقوب {يُضَاعَفْ} بالياء وفتح العين مشدّداً {ٱلْعَذَابُ} رفعاً. قال أبو عمرو: إنّما قرأت هذه وحدها بالتشديد لقوله: {ضِعْفَيْنِ} وقرأ الباقون نضاعف بالألف ورفع الباء من {ٱلْعَذَابُ} وهما لغتان مثل باعد وبعد. وقال أبو عمرو وأبو عبيدة: ضعفت الشيء إذا جعلته مثله، مضاعفته جعلته أمثاله. {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} قوله: {وَمَن يَقْنُتْ} يطع. قال قتادة: كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة [وقراءة العامة (تقنت)بالتاء] وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف (تَعمَل) (نِؤْتِها) بالياء. غيرهم بالتاء. قال الفراء: إنّما قال (يأتِ) (ويقنت) لاِنّ مَنْ أداة تقوم مقام الاسم يعبّر به عن الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. قال الله تعالى:{أية : وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ}تفسير : [يونس: 43]. وقال: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}تفسير : [يونس: 42]، وقال: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ} [الأحزاب: 31]. وقال الفرزدق في الاثنين: شعر : تعال فإنْ عاهدتني لا تخونني تكن مثل من يا ذئب يصطحبانِ تفسير : {مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} أي مثلَي غيرهن من النساء. {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} يعني الجنّة. أخبرني أبو عبدالله بن فنجويه، عن عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، عن محمد بن عمران بن هارون، عن أحمد بن منيع، عن يزيد، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت عن أبي رافع قال: كان عمر يقرأ في صلاة الغداة بسورة يوسف والأحزاب، فإذا بلغ: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ} رفع بها صوته، فقيل له، فقال: أُذكّرهنّ العهد. واختلف العلماء في حكم التخيير، فقال عمر وابن مسعود: إذا خيّر الرجل امرأته فاختارت زوجها فلا شيء عليه، وإنْ اختارت نفسها [طُلّقت] وإلى هذا ذهب مالك. وقال الشافعي: إنْ نوى الطلاق في التخيير كان طلاقاً وإلاّ فلا. واحتجّ مَنْ لم يجعل التخيير بنفسه طلاقاً، بقوله: {وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}، وبقول عائشة: خيّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم نعدّهُ طلاقاً. قوله: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} الله فأطعتنه. قال الفرّاء: لم يقل كواحدة، لأنّ الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنث. قال الله تعالى: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}تفسير : [البقرة: 285] وقال: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 47]. {فَلاَ تَخْضَعْنَ} تلنَّ {بِٱلْقَوْلِ} للرجال {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي فجور وضعف إيمان {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} صحيحاً جميلاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لسائل أنْ يسأل: ما سِرُّ هذه النقلة الكبيرة من الكلام عن حرب الأحزاب وحرب بني قريظة إلى هذا التوجيه لزوجاته صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: لأن مسألة الأحزاب انتهتْ بقوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 27] فربما طلبت زوجات الرسول أنْ يُمتِّعهن وينفق عليهن، مما يفتح الله عليه من خيرات هذه البلاد، فجاءتْ هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ ..} [الأحزاب: 28] لتقرر أن الإسلام ما جاء ليحقق مزيَّة لرسول الله، ولا لآل رسول الله، حتى الزكاة لا تصح لأحد من فقراء بني هاشم. لكن مجيء الآية هكذا بصيغة الأمر: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ..} [الأحزاب: 28] دليل على حدوث شيء منهن يدلّ على تطلعهن إلى زينة الحياة ومُتَعها. وقد رُوِي عن عمر - رضي الله عنه أنهن اجتمعْنَ يسألْنَ رسول الله النفقة، وأنْ يُوسِّع عليهن بعد أنْ قال صلى الله عليه وسلم عن الكفار: لن يغزونا، بل نغزوهم وبعد أنْ بشَّرتهم الآيات بما سيُفتح من أرض جديدة. وقوله تعالى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28] يعني: ليس عندي ما تتطلَّعْن إليه من زينة الدنيا وزخرفها، ومعنى {فَتَعَالَيْنَ ..} [الأحزاب: 28] نقول: تعاليْن يعني: أقبلْنَ، لكنها هنا بمعنى ارتفعْنَ من العلو، ارتفعْنَ عن مناهج البشر والأرض، وارتقينَ إلى مناهج خالق البشر، وخالق الأرض؛ لأن السيادة في منهج الله، لا في مُتَع الحياة وزخرفها. وقد ورد هذا المعنى أيضاً في قوله تعالى: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151] فتعالوْا أي: ارتفعوا عن قوانين البشر وقوانين الأرض إلى قوانين السماء؛ لأنه يُشترط فيمَنْ يضع القانون ألاَّ يفيد من هذا القانون، وأن يكون مُلِماً بكل الجزئيات التي يتعرض لها القانون والبشر مهما بلغتْ قدرتهم، فإنهم يعلمون شيئاً ويجهلون آخر؛ لذلك لا ينبغي أَنْ يُقنِّن لهم إلا خالقهم عز وجل. ومعنى {أُمَتِّعْكُنَّ ..} [الأحزاب: 28] أي: أعطيكُنَّ المتعة الشرعية التي تُفْرض للزوجة عند مفارقة زوجها، والتي قال الله فيها: {أية : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 241]. وقوله {وَأُسَرِّحْكُنَّ ..} [الأحزاب: 28] التسريح هنا يعني الطلاق {سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28] ذلك يدلُّ على أن المفارقة بين الزوجين إنْ تمتْ إنما تتم بالجمال أي: اللطف والرقة والرحمة بدون بشاعة وبدون عنف؛ لأن التسريح في ذاته مفارقة مؤلمة، فلا يجمع الله عليها شدتين: شدة الطلاق، وشدة العنف والقسوة. ولك أنْ تلحظ أن لفظ الجمال يأتي في القرآن مع الأمور الصعبة التي تحتاج شدة، واقرأ قوله تعالى: {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ..} تفسير : [يوسف: 83] والصبر يكون جميلاً حين لا يصاحبه ضَجَر، أو شكوى، أو خروج عن حَدِّ الاعتدال. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض على زوجاته التسريح الجميل الذي لا مشاحنةَ فيه ولا خصومةَ إنْ اخترْنَهُ بأنفسهن، وما كان رسول الله ليمسك زوجة اختارتْ عليه أمراً آخر مهما كان. وللعلماء كلام طويل في هذه المسألة: هل يقع الطلاق بهذا التخيير؟ قالوا: التخيير لَوْنٌ من حب المفارقة الذي يعطي للمرأة - كما نقول مثلاً: العِصْمَة في يدها - فهي إذن تختار لنفسها، فإنْ قَبِلت الخيار الأول وقع الطلاق، وإن اختارت الآخر فَبِها ونعمتْ، وانتهتْ المسألة. وأمرُ الله لرسوله أن يقول لزوجاته هذا الكلام لا بُدَّ أنْ يكون له رصيد من خواطر خطرتْ على زوجاته صلى الله عليه وسلم لَمَّا رأيْنَ الإسلام تُفْتح له البلاد، وتُجبى إليه الخيرات، فتطلَّعْن إلى شيء من النفقة. وكلمة الأزواج: جمع زوج، وتُقال للرجل وللمرأة، والزوج لا يعني اثنين معاً كما يظن البعض، إنما الزوج يعني الفرد الذي معه مثله من جنسه، ومثله تماماً كلمة التوأم، فهي تعني (واحد) لكن معه مثله، والدليل على ذلك قوله تعالى: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ..} تفسير : [الذاريات: 49] يعني: ذكر وأنثى، فالذكر وحده زوج، والأنثى وحدها زوج، وهذه القسمة موجودة في كل المخلوقات. وتُجمع زوج أيضاً على زوجات. ونلحظ في الأسلوب هنا أن الحق سبحانه حين يعرض على رسوله أنْ يُخيِّر زوجاته بين زينة الدنيا ونعيم الآخرة يستخدم (إنْ) الدالة على الشكِّ، ولا يستخدم مثلاً (إذَا) الدالة على التحقيق، وفي هذا إشارة إلى عدم المبالغة في اتهامهن، فالأمر لا يعدو أنْ يكون خواطر جالتْ في أذهان بعض زوجاته. وتعلمون أن سيدنا رسول الله جمع من النساء تسعاً معاً، منهن خمسٌ من قريش، وهُنَّ: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة ابنة أبي أمية، ومن غير قريش: صفية بنت حيي بن أخطب الذي ذكرنا قصته في الأحزاب، ثم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية - ومَنْ ذهب عند التنعيم وجد هناك بئر ميمونة، ثم زينب بنت جحش من بني أسد، هؤلاء هُنَّ أمهات المؤمنين التسعة اللائي جمعهنَّ رسولُ الله معاً. فلما سألْنَ رسول الله النفقة كانت أجرأهُنَّ في ذلك السيدة حفصة بنت عمر، وقد حدث بينها وبين رسول الله مُشَادّة في الكلام، فقال لها: "ألا تحبين أنْ أستدعي رجلاً بيننا؟" فوافقتْ، فأرسل إلى عمر، فلما جاء قال لها رسول الله: تكلَّمي أنت - يعني: اعرضي حاجتك - فقالت: بل تكلم أنت، ولا تقل إلا حقاً. أثارت هذه الكلمة حفيظة سيدنا عمر، فهاج وقام إلى ابنته فوجأها، فحجزه رسول الله فتناولها ثانية فوجأها، ثم قال لها: إن رسول الله لا يقول إلا حقاً، ووالله لولا أنَّا في مجلسه ما تركتُك حتى تموتي، فقام رسول الله من المجلس ليفضَّ هذا النزاع، وذهب إلى حجرته، واعتكف بها، وقاطع الأمر كله مدة شهر. وتأمل قول الله تعالى: {إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ..} [الأحزاب: 28] فأيُّ وَصْف أحقر، وأقلّ لهذه الحياة من أنها دُنْيا؟ وما فيها من مُتَع إنما هي زينة، يعني: ترف في المظهر، لا في الجوهر، كما قال سبحانه في موضع آخر: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ ..} تفسير : [الحديد: 20]. ثم يعرض رسول الله على زوجاته الخيار الثاني المقابل للحياة الدنيا: {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ لمَّا اشتكت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من العسرة في المأكل والمشرب والملبس، وسألن منه ثياب الزينة والزيادة في النفقة، واسعة في المعيشة، وليس معه صلى الله عليه وسلم من حطام الدنيا ما يكفي مؤنتهن على هذا الوجه اغتم رسول الله صلى الله عليه سلم، وتحزن حزناً شدياً، فقال تعالى منادياً له: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المباهي بالفقرة والعسرة {قُل لأَزْوَاجِكَ} حين يسألن عنك أسباب التنعم والترفه، وسعة العيش على سبيل التخيير: {إِن كُنتُنَّ} أيتها الحرائر العفائق {تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} يعني: مطاعمها الشهية، وملابسها البهية {فَتَعَالَيْنَ} وتراضين {أُمَتِّعْكُنَّ} أي: أعطيكن المتعة حسب ما ترضين {وَأُسَرِّحْكُنَّ} أي: أطلقن بعد إعطائها {سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 28] طلاقاً بيِّناً لا بدعياً بلا ضرر ولا إضرار. {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: رضاء الله ورضاء رسوله {وَ} تطلبن {ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ} أي: المثوبات المعدة يها، الجنان الموعدة عليها فعليكن أن تصبرن على ملاذ الدنيا ومشتهياتها، وسعة مطعوماتها ولين ملبوساتها؛ حتى تكنَّ من زمرة المحسنات اللاتي تحسنَّ في توجههن نحو الحق واللذة الأخروية، مائلات من أمتعة الدنيا ولذاتها وشهواتها، منصرفات عنها وعن أمتعتها وألبستها، سوى سدّ جوعة وستر عورة {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده {أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ} المرجحات جانب الله وجانب رسوله على مقتضى نفوسهن، واللذات الأخروية على الدنيا وما فيها {مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 29] يُستحقر دونها الدنيا ما فيها من اللذات الفانية، والشهوات الغير باقية. ثمَّ لمَّا نبه سبحانه عليهن طريق الأحسان، وعلمهن سبيل الفوز إلى درجات الجنان أراد أن يجنبهن ويبعدهن عن دركات النيران، فقال منادياً عليهن؛ ليقبلن إلى قبول ما يبتلى عليهن: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ} - أضافهن سبحانه إياه صلى الله عليه وسلم؛ للتعظيم والتوقير - من شأنكن التحصن والتحفظ عن الفحشاء، والتحرز عن المكروهات مطلقاً {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ} وفعلة قبيحة، وخصلة ذميمة عقلاً وشرعاً {مُّبَيِّنَةٍ} أي: بينة ظاهرة فحشها بنفسها، أو ظاهرة واضحة قبحها شرعاً وعرفاً - على كلتا القراءتين - {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} يعني: عذابكن ضعف عذاب سائر الحرائر لا أزيد منها؛ حتى لا يؤدي إلى الظلم المنافي للعدالة الإلهية، كما يضاعف عذاب سائر الحرائر بالنسبة إلى الإماء {وَكَانَ ذَلِكَ} التضعيف {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} [الأحزاب: 30] يعذبكن أن تأتي إحداكنن بها. {وَمَن يَقْنُتْ} ويطع على سبيل الخضوع {مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ} ويداوم على إطاعتهما وانقيادهما بإتيان الواجبات، وترك المحظورات والمكروهات {وَتَعْمَلْ صَالِحاً} من النوافل والمندوبات {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا} أي: جزاء أعمالها وطاعاتها في يوم الجزاء {مَرَّتَيْنِ} مرة على مقابلة الأعمال المأتية ومقتضى الطاعات المرضية، ومرة على ترجيحها رضا الله ورضا رسوله على مشتهيات نفسها {وَأَعْتَدْنَا} تفضلاً {لَهَا} وامتناناً عليها وراء ما استحقت بالأعمال والطاعات {رِزْقاً كَرِيماً} [الأحزاب: 31] صورياً في الجنة مما تشتهي نفسها وتلذ عينها، ومعنوياً من الحالات الطارئة عليها عند اسغراقها بمطالعة جمال الله وجلاله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما اجتمع نساء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الغيرة، وطلبن منه النفقة والكسوة، طلبن منه أمرًا لا يقدر عليه في كل وقت، ولم يزلن في طلبهن متفقات، في مرادهن متعنتات، شَقَّ ذلك على الرسول، حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهرًا. فأراد اللّه أن يسهل الأمر على رسوله، وأن يرفع درجة زوجاته، ويُذْهِبَ عنهن كل أمر ينقص أجرهن، فأمر رسوله أن يخيرهن فقال: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: ليس لكن في غيرها مطلب، وصرتن ترضين لوجودها، وتغضبن لفقدها، فليس لي فيكن أرب وحاجة، وأنتن بهذه الحال. { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ } شيئا مما عندي، من الدنيا { وَأُسَرِّحْكُنَّ } أي: أفارقكن { سَرَاحًا جَمِيلا } من دون مغاضبة ولا مشاتمة، بل بسعة صدر، وانشراح بال، قبل أن تبلغ الحال إلى ما لا ينبغي. { وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ } أي: هذه الأشياء مرادكن، وغاية مقصودكن، وإذا حصل لَكُنَّ اللّه ورسوله والجنة، لم تبالين بسعة الدنيا وضيقها، ويسرها وعسرها، وقنعتن من رسول اللّه بما تيسر، ولم تطلبن منه ما يشق عليه، { فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } رتب الأجر على وصفهن بالإحسان، لأنه السبب الموجب لذلك، لا لكونهن زوجات للرسول فإن مجرد ذلك، لا يكفي، بل لا يفيد شيئًا، مع عدم الإحسان، فخيَّرهن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك، فاخترن اللّه ورسوله، والدار الآخرة، كلهن، ولم يتخلف منهن واحدة، رضي اللّه عنهن. وفي هذا التخيير فوائد عديدة: منها: الاعتناء برسوله، وغيرته عليه، أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية. ومنها: سلامته صلى اللّه عليه وسلم، بهذا التخيير من تبعة حقوق الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه، إن شاء أعطى، وإن شاء منع {أية : مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ }. تفسير : ومنها: تنزيهه عما لو كان فيهن، من تؤثر الدنيا على اللّه ورسوله، والدار الآخرة، وعن مقارنتها. ومنها: سلامة زوجاته، رضي اللّه عنهن، عن الإثم، والتعرض لسخط اللّه ورسوله. فحسم اللّه بهذا التخيير عنهن، التسخط على الرسول، الموجب لسخطه، المسخط لربه، الموجب لعقابه. ومنها: إظهار رفعتهن، وعلو درجتهن، وبيان علو هممهن، أن كان اللّه ورسوله والدار الآخرة، مرادهن ومقصودهن، دون الدنيا وحطامها. ومنها: استعدادهن بهذا الاختيار، للأمر الخيار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يَكُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة. ومنها: ظهور المناسبة بينه وبينهن، فإنه أكمل الخلق، وأراد اللّه أن تكون نساؤه كاملات مكملات، طيبات مطيبات {أية : وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ }. تفسير : ومنها: أن هذا التخيير داع، وموجب للقناعة، التي يطمئن لها القلب، وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص، وعدم الرضا الموجب لقلق القلب واضطرابه، وهمه وغمه. ومنها: أن يكون اختيارهن هذا، سببًا لزيادة أجرهن ومضاعفته، وأن يَكُنَّ بمرتبة، ليس فيها أحد من النساء، ولهذا قال: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 2334- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: لما نزلت: {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ...}: [الآية: 29]، دخل عَلَيَّ النبي صلى الله عليه وسلم بَدَأَنِي، فقال: يا عائشة، إني ذاكرٌ لَكِ أمراً، فَلاَ عليكِ أنْ لا تعجلي فيه حتى تستأمِرِي أبويك، قالت: قد علم والله أن أبوي لم يكونا ليأمر بفراقه، قالت: فقرأ عليَّ: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ...}: [الآية: 28]، فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):