٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : لما خيرهن النبـي صلى الله عليه وسلم واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهددهن للتوقي عما يسوء النبـي عليه السلام ويقبح بهن من الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته وأوعدهن بتضعيف العذاب وفيه حكمتان إحداهما: أن زوجة الغير تعذب على الزنا بسبب ما في الزنا من المفاسد وزوجة النبـي تعذب إن أتت به لذلك ولإيذاء قلبه والإزراء بمنصبه، وعلى هذا بنات النبـي عليه السلام كذلك ولأن امرأة لو كانت تحت النبـي صلى الله عليه وسلم وأتت بفاحشة تكون قد اختارت غير النبـي عليه السلام، ويكون ذلك الغير خيراً عندها من النبـي وأولى، والنبـي أولى من النفس التي هي أولى من الغير، فقد نزلت منصب النبـي مرتبتين فتعذب من العذاب ضعفين ثانيتهما: أن هذا إشارة إلى شرفهن، لأن الحرة عذابها ضعف عذاب الأمة إظهاراً لشرفها، ونسبة النبـي إلى غيره من الرجال نسبة السادات إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته وقرائبه اللاتي هن أمهات المؤمنين، وأم الشخص امرأة حاكمة عليه واجبة الطاعة، وزوجته مأمورة محكومة له وتحت طاعته، فصارت زوجة الغير بالنسبة إلى زوجة النبـي عليه السلام كالأمة بالنسبة إلى الحرة، واعلم أن قول القائل من يفعل ذلك في قوة قوله: { أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] من حيث إن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر، ولا يقع في بعض الصور جزماً وفي بعض يقع جزماً من مات فقد استراح، وفي البعض يتردد السامع في الأمرين، فقوله تعالى: {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ } عندنا من القبيل الأول، فإن الأنبياء صان الله زوجاتهم عن الفاحشة، وقوله تعالى: {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } أي ليس كونكن تحت النبـي عليه السلام وكونكن شريفات جليلات مما يدفع العذاب عنكن، وليس أمر الله كأمر الخلق حيث يتعذر عليهم تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهم وأعوانهم أو شفعائهم وإخوانهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال العلماء: لما اختار نساءُ النبيّ صلى الله عليه وسلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شكرهنّ الله على ذلك فقال تكرمة لهن: {أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} تفسير : [الأحزاب: 52] الآية. وبين حكمهن عن غيرهن فقال: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً}تفسير : [الأحزاب: 53]. وجعل ثواب طاعتهنّ وعقاب معصيتهنّ أكثر مما لغيرهنّ فقال: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}. فأخبر تعالى أن من جاء من نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم بفاحشة ـ والله عاصم رسوله عليه السلام من ذلك كما مر في حديث الإفك ـ «يضاعف لها العذاب ضعفين»؛ لشرف منزلتهنّ وفضل درجتهنّ، وتقدّمهنّ على سائر النساء أجمع. وكذلك بيّنت الشريعة في غير ما موضع حسبما تقدّم بيانه غير مرة ـ أنه كلما تضاعفت الحُرُمات فهتِكت تضاعفت العقوبات؛ ولذلك ضُوعف حدّ الحرّ على العبد والثّيب على البكر. وقيل: لما كان أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم في مهبط الوحي وفي منزل أوامر الله ونواهيه، قوِي الأمر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن؛ فضوعف لهنّ الأجر والعذاب. وقيل: إنما ذلك لعظم الضرر في جرائمهن بإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكانت العقوبة على قدر عظم الجريمة في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ}تفسير : [الأحزاب: 57]. واختار هذا القول الكِيَا الطبري. الثانية: قال قوم: لو قُدّر الزنى من واحدة منهن ـ وقد أعاذهنّ الله من ذلك ـ لكانت تُحدّ حدّين لعظم قدرها، كما يزاد حدّ الحرة على الأمَة. والعذاب بمعنى الحدّ، قال الله تعالى: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور: 2]. وعلى هذا فمعنى الضعفين معنى المِثلين أو المرتين. وقال أبو عبيدة: ضِعف الشيء شيئان حتى يكون ثلاثة. وقاله أبو عمرو فيما حكى الطبريّ عنه؛ فيضاعف إليه عذابان مثله فيكون ثلاثة أعذبة. وضعّفه الطبري. وكذلك هو غير صحيح وإن كان له باللفظ تعلّق الاحتمال. وكون الأجر مرتين مما يفسد هذا القول؛ لأن العذاب في الفاحشة بإزاء الأجر في الطاعة؛ قاله ابن عطية. وقال النحاس: فرق أبو عمرو بين «يُضَاعف ويضعَّف» قال: «يُضَاعَف» للمرار الكثيرة. و«يضعّف» مرتين. وقرأ «يضعَّف» لهذا. وقال أبو عبيدة: «يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ» يجعل ثلاثة أعذبة. قال النحاس: التفريق الذي جاء به أبو عمرو وأبو عبيدة لا يعرفه أحد من أهل اللغة علِمته، والمعنى في «يضاعف ويضعَّف» واحد؛ أي يجعل ضعفين؛ كما تقول: إن دفعت إليّ درهماً دفعت إليك ضِعْفَيه أي مِثْلَيه؛ يعني درهمين. ويدل على هذا {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} ولا يكون العذاب أكثر من الأجر. وقال في موضع آخر {أية : آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الأحزاب: 68] أي مثلين. وروى معمر عن قتادة «يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ» قال: عذابُ الدنيا وعذاب الآخرة. قال القشيري أبو نصر: الظاهر أنه أراد بالضعفين المثلين؛ لأنه قال: {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ}. فأما في الوصايا، لو أوصى لإنسان بضعفي نصيب ولده فهو وصية بأن يعطَى مِثل نصيبه ثلاث مرات؛ فإن الوصايا تجري على العرف فيما بين الناس، وكلام الله يردُّ تفسيره إلى كَلام العرب، والضعف في كلام العرب المِثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على مثلين. يقال: هذا ضعف هذا؛ أي مثله. وهذا ضعفاه، أي مثلاه؛ فالضعف في الأصل زيادة غير محصورة؛ قال الله تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ}تفسير : [سبأ: 37] ولم يردِ مِثلاً ولا مِثلين. كل هذا قول الأزهري. وقد تقدم في «النور» الاختلاف في حد من قذف واحدة منهن؛ والحمد لله. الثالثة: قال أبو رافع: كان عمر رضي الله عنه كثيراً ما يقرأ سورة يوسف وسورة الأحزاب في الصبح، وكان إذا بلغ «يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ» رفع بها صوته؛ فقيل له في ذلك فقال: «أذكِّرهن العهد». قرأ الجمهور: «مَنْ يَأْتِ» بالياء. وكذلك «مَنْ يَقْنُتْ» حملاً على لفظ «مَن». والقنوت الطاعة؛ وقد تقدم. وقرأ يعقوب: «من تأت» و«تقنت» بالتاء من فوق، حملاً على المعنى. وقال قوم: الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنى واللواط. وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي. وإذا وردت منعوتة فهي عقوق الزوج وفساد عشرته. وقالت فرقة: بل قوله: {بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} تعم جميع المعاصي. وكذلك الفاحشة كيف وردت. وقرأ ابن كثِير «مبيَّنةٍ» بفتح الياء. وقرأ نافع وأبو عمرو بكسرها. وقرأت فرقة: «يُضَاعِفْ» بكسر العين على إسناد الفعل إلى الله تعالى. وقرأ أبو عمرو فيما روى خارجة «نضاعِف» بالنون المضمومة ونصب «العذاب» وهذه قراءة ابن مُحَيْصِن. وهذه مفاعلة من واحد؛ كطارقت النعل وعاقبت اللص. وقرأ نافع وحمزة والكسائيّ «يضاعَف» بالياء وفتح العين، «العذابُ» رفعاً. وهي قراءة الحسن وابن كثير وعيسى. وقرأ ابن كثير وابن عامر «نُضَعِّف» بالنون وكسر العين المشددة؛ «العذابَ» نصباً. قال مقاتل: هذا التضعيف في العذاب إنما هو في الآخرة؛ لأن إيتاء الأجر مرتين أيضاً في الآخرة. وهذا حسن؛ لأن نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يأتين بفاحشة توجب حدًّا. وقد قال ابن عباس: ما بَغَت امرأة نبيّ قط، وإنما خانت في الإيمان والطاعة. وقال بعض المفسرين: العذاب الذي تُوُعِّدْن به «ضعفين» هو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؛ فكذلك الأجر. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، اللهم إلا أن يكون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا ترفع عنهن حدودُ الدنيا عذابَ الآخرة، على ما هي حال الناس عليه؛ بحكم حديث عُبادة بن الصّامت. وهذا أمر لم يُرْوَ في أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا حفظ تقرره. وأهل التفسير على أن الرزق الكريم الجنة؛ ذكره النحاس.
ابن كثير
تفسير : يقول الله تعالى واعظاً نساء النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم فناسب أن يخبرهن بحكمهن وتخصيصهن دون سائر النساء؛ بأن من يأت منهن بفاحشة مبينة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهي النشوز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] وكقوله عز وجل: {أية : وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنعام: 88] {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } تفسير : [الزخرف: 81] {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ } تفسير : [الزمر: 4] فلما كانت محلتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظاً؛ صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع، ولهذا قال تعالى: {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} قال مالك عن زيد بن أسلم: {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} قال: في الدنيا والآخرة، وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله، {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} أي: سهلاً هيناً، ثم ذكر عدله وفضله في قوله: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: يطع الله ورسوله ويستجب، {نُّؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} أي: في الجنة؛ فإِنهن في منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إِلى العرش.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } بفتح الياء وكسرها: أي بُيِّنَتْ، أو هي بينة {يُضَٰعَفْ } وفي قراءة «يضعَّف» بالتشديد، وفي أخرى «نُضَعِّف» بالنون معه ونصب العذاب {لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } ضعفي عذاب غيرهنّ: أي مثليه {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشةٍ مُّبَيِّنَةٍ} فيها قولان: أحدهما: الزنى، قاله السدي. الثاني: النشوز وسوء الخلق، قاله ابن عباس. {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} فيه قولان: أحدهما: أنه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، قاله قتادة. الثاني: أنهما عذابان في الدنيا لعظم جرمهن بأذية رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال مقاتل: حدّان في الدنيا غير السرقة. وقال أبو عبيدة والأخفش: الضعفان أن يجعل الواحد ثلاثة، فيكون عليهن ثلاثة حدود لأن ضعف الواحد اثنان فكان ضِعْفا الواحد ثلاثة. وقال ابن قتيبة: المراد بالضعف المثل فصار المراد بالضعفين المثلين. وقال آخر: إذا كان ضعف الشيء مثليه وجب بأن يكون ضعفاه أربعة أمثاله. قال سعيد بن جبير: فجعل عذابهن ضعفين، وجعل على من قذفهن الحد ضعفين. {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} أي هيناً. قوله عز وجل: {وَمَن يَقْنُتْ مِنُكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} أي تُطِع الله ورسوله والقنوت الطاعة. {وَتَعْمَلُ صَالِحاً} أي فيما بينها وبين ربها. {نُؤْتِهَا أَجرَهَا مَرَّتِين} أي ضعفين، كما كان عذابها ضعفين. وفيه قولان: أحدهما: أنهما جميعاً في الآخرة. الثاني: أن أحدهما في الدنيا والآخر في الآخرة. {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} فيه وجهان: أحدهما: في الدنيا، لكونه واسعاً حلالاً. الثاني: في الآخرة وهو الجنة. {كَرِيماً} لكرامة صاحبه، قاله قتادة.
ابن عطية
تفسير : قال أبو رافع كان عمر كثيراً ما يقرأ سورة يوسف وسورة الأحزاب في الصبح، فكان إذا بلغ {يا نساء النبي} رفع بها صوته، فقيل له فقال أذكرهن العهد. وقرأ الجمهور "من يأت" بالياء وكذلك "من يقنت" حملاً على لفظ {من}، وقرأ عمرو بن فائد الجحدري ويعقوب "من تأت" و "من تقنت" بالتاء من فوق حملاً على المعنى، وقال قوم: "الفاحشة" إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط، وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي كل ما يستفحش، وإذا وردت موصوفة بالبيان فهي عقوق الزوج وفساد عشرته، ولذلك يصفها بالبيان إذ لا يمكن سترها، والزنا وغيره هو مما يتستر به ولا يكون مبيناً، ولا محالة أن الوعيد واقع على ما خفي منه وما ظهر. وقالت فرقة بل قوله {بفاحشة مبينة} تعم جميع المعاصي، وكذلك الفاحشة كيف وردت. ولما كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط الوحي وفي منزل أوامر الله تعالى ونواهيه قوي الأمر عليهن ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر مما يلزم غيرهن، فضوعف لهن الأجر والعذاب، والإشارة بالفاحشة إلى الزنا وغيره، وقرأ ابن كثير وشبل وعاصم "مبيَّنة" بالفتح في الياء، وقرأ نافع وأبو عمرو وقتادة "مبيَنة" بكسر الياء، وقرأت فرقة "يضعف" بالياء على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه خارجة "نُضاعف" بالنون المضمومة ونصب "العذابَ" وهي قراءة ابن محيصن، وهذه مفاعلة من واحد كطارقت النعل وعاقبت اللص، وقرأ نافع وحمزة والكسائي "يضاعَف" بالياء وفتح العين، "العذابُ" رفعاً، وقرأ أبو عمرو "يضعَّف" على بناء المبالغة بالياء "العذابُ" رفعاً وهي قراءة الحسن وابن كثير وعيسى، وقرأ ابن كثير وابن عامر "نضعِّف" بالنون وكسر العين المشددة "العذابَ" نصباً وهي قراءة الجحدري. وقوله {ضعفين} معناه أن يكون العذاب عذابين، أي يضاف إلى عذاب سائر الناس عذاب آخر مثله، وقال أبو عبيدة وأبو عمرو، وفيما حكى الطبرى عنهما، بل يضاعف إليه عذابان مثله فتكون ثلاثة أعذبة وضعفه الطبري، وكذلك هو غير صحيح وإن كان له باللفظ تعلق احتمال ويكون الأجر مرتين مما يفسد هذا القول لأن العذاب في الفاحشة بإزاء الأجر في الطاعة، والإشارة بذلك إلى تضعيف العذاب. و {يقنت} معناه يطيع ويخضع بالعبودية قال الشعبي وقتادة، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر "يقنت" بالياء، "وتعمل" بالتاء، "نؤتها" بالنون، وهي قراءة الجمهور، قال أبو علي أسند "يقنت" إلى ضمير فلما تبين أنه المؤنث حمل فيما يعمل على المعنى، وقرأ حمزة والكسائي كل الثلاثة المواضع بالياء حملاً في الأولين على لفظ {من} وهي قراءة الأعمش وأبي عبد الرحمن وابن وثاب، وقرأ الأعمش "فسوف يؤتها الله أجرها"، و"الإعتاد" التيسير والإعداد، و"الرزق الكريم" الجنة، ويجوز أن يكون في ذلك وعد دنياوي، أي أن رزقها في الدنيا على الله وهو كريم من حيث ذلك هو حلال وقصد وبرضى من الله في نيله، وقال بعض المفسرين {العذاب} الذي توعد به {ضعفين} هو عذاب الدنيا ثم عذاب الآخرة وكذلك الأجر. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، اللهم إلا أن يكون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا ترفع عنهن حدود الدنيا عذاب الآخرة على ما هي عليه حال الناس بحكم حديث عبادة بن الصامت، وهذا أمر لم يرو في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا حفظ تقرره. ثم خاطبهن الله تعالى بأنهن لسن كأحد من نساء عصرهن فما بعد، بل هن أفضل بشرط التقوى لما منحهن من صحبة الرسول وعظيم المحل منه ونزول القرآن في لحفهن، وإنما خصص لأن فيمن تقدم آسية ومريم فتأمله، وقد أشار إلى هذا قتادة ثم نهاهن الله تعالى عما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال برخيم القول، و {لا تخضعن} معناه ولا تلن، وقد يكون الخضوع في القول في نفس الألفاظ ورخامتها، وإن لم يكن المعنى مريباً، والعرب تستعمل لفظة الخضوع بمعنى الميل في الغزل ومنه قول ليلى الأخيلية حين قال لها الجحاج: هل رأيت قط من توبة شيئاً تكرهينه، قالت: لا والله أيها الأمير إلا أنه أنشدني يوماً شعراً ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر فأنشدته: [الطويل] شعر : وذي حاجة قلنا له لا تبح بها فليس إليها ما حييت سبيل تفسير : الحكاية، وقال ابن زيد: خضوع القول ما يدخل في القلوب الغزل، وقرأ الجمهور "فيطمعَ" بالنصب على أنه نصب بالفاء في جواب النهي، وقرأ الأعرج وأبان بن عثمان "فيطمعِ" بالجزم وكسر للالتقاء وهذه فاء عطف محضة وكأن النهي دون جواب ظاهر، وقراءة الجمهور أبلغ في النهي لأنها تعطي أن الخضوع سبب الطمع، قال أبو عمرو الداني قرأ الأعرج وعيسى بن عمر "فيَطمِع" بفتح الياء وكسر الميم، و"المرض" في هذه الآية قال قتادة هو النفاق، وقال عكرمة الفسق والغزل وهذا أصوب، وليس للنفاق مدخل في هذه الآية، والقول المعروف هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} الزنا، أو النشوز وسوء الخلق "ع" {ضِعْفَيْنِ} عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، أو عذابان في الدنيا، لأذاهن للرسول صلى الله عليه وسلم حدان في الدينا غير السرقة. قال أبو عبيدة الضعفان أن تجعل الواحد ثلاثة فيكون عليهن ثلاثة حدود لأن ضعف الواحد اثنان فكان ضعفي الواحد ثلاثة، أو المراد بالضعف المثل والضعفان المثلان قاله ابن قتيبة قال آخرون إذا كان ضعف الشيء مثليه وجب أن يكون ضعفان أربعة أمثاله. قال ابن جبير: فجعل عذابهن ضعفين وجعل على من قذفهن الحد ضعفين.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة} أي بمعصية ظاهرة قيل: هو كقوله {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك}تفسير : [الزمر: 65] أي لأن منهن من أتت بفاحشة، فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء عن الفاحشة وقال ابن عباس المراد بالفاحشة النشوز وسوء الخلق {يضاعف لها العذاب ضعفين} أي مثلين وسبب تضعيف العقوبة، لهن لشرفهن كتضعيف عقوبة الحرة على الأمة وذلك لأن نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى غيره من الرجال كنسبة الحرة إلى الأمة {وكان ذلك على الله يسيراً} أي عذابها {ومن يقنت منكن لله ورسوله} أي تطع الله ورسوله {وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين} أي مثلي أجر غيرها قيل: الحسنة بعشرين حسنة وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن وفيه إشارة إلى أنهن أشرف نساء العالمين {وأعتدنا لها رزقاً كريماً} أي الجنة. قوله تعالى {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} قال ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي {إن اتقيتن} أي الله فأطعتنه فإن الأكرم عند الله هو الأتقى {فلا تخضعن بالقول} أي لا تلن بالقول للرجال ولا ترققن الكلام {فيطمع الذي في قلبه مرض} أي فجور وشهوة وقيل نفاق والمعنى لا تقلن قولاً يجد المنافق والفاجر به سبيلاً إلى الطمع فيكن والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقال إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع فيهن {وقلن قولاً معروفاً} أي يوجبه الدين والإسلام عند الحاجة إليه، ببيان من غير خضوع وقيل القول المعروف ذكر الله تعالى.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً}. زيادةُ العقوبة على الجـُرْم من أمارات الفضيلة، ولذا فضل حدُّ الأحرار على العبيد وتقليل ذلك من أمارات النقص؛ فلما كانت منزلتُهن في الشرف تزيد على منزلة جميع النساء ضاعَفَ عقوبتهن على أجرامهن، وضاعف ثوابهن على طاعتهن. وقال: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً}. ثم قال: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. نهاهن عن التبذُّل، وأمَرَهُنَّ بمراعاةِ حُرْمَةِ الرسول صلى الله عليه وسلم، والتصاون عن تَطَمُّعِ المنافقين في مُلاينتهن.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا نساء النبى} توجيه الخطاب اليهن لاظهار الاعتناء بنصحهن ونداؤهن ههنا وفيما بعده بالاضافة اليه عليه السلام لانها التى يدور عليها ما يرد عليهن من الاحكام {من يأت منكن بفاحشة} بسيئة بليغة فى القبح وهى الكبيرة: وبالفارسية [هركه بيايد ازشما بكارى نا بسنديده] {مبينة} ظاهرة القبح من بين بمعنى تببن قيل هذا كقوله تعالى {أية : لئن اشركت ليحبطن عملك} تفسير : لا ان منهن من اتت بفاحشة اى معصية ظاهرة. قال ابن عباس رضى الله عنهما يعنى النشوز وسوء الخلق. قال الراغب الفاحشة ما عظم قبحه من الافعال والاقوال انتهى. يقول الفقير لعل وجه قول ابن عباس رضى الله عنهما ان الزلة منهن كسوء الخلق مما يعد فاحشة بالنسبة اليهن لشرفهن وعلو مقامهن خصوصا اذا حصل بها اذية النبى صلى الله عليه وسلم ولذا قال {يضاعف لها العذاب ضعفين} اى يعذبن ضعفى عذاب غيرهن اي مثليه {وكان ذلك} اى تضعيف العذاب {على الله يسيرا} لا يمنعه عنه كونهن نساء النبى بل يدعوه اليه لمراعاة حقه. قال فى الاسئلة المقحمة ما وجه تضعيف العذاب لزوجات النبى عليه السلام الجواب لما كان فنون نعم الله عليهن اكثر وعيون فوائده لديهن اظهر من الاكتحال بميمون غرّة النبى عليه السلام وترداد الوحى الى حجراتهن بانزال الملائكة فلا جرم كانت عقوبتهن عند مخالفة الامر من اعظم الامور وافخمها ولهذا قيل ان عقوبة من عصى الله تعالى عن العلم اكثر من عقوبة من يعصيه عن الجهل وعلى هذا ابدا. وحد الحر اعظم من حد العبد وحد المحصن اعظم من حد غير المحصن لهذه الحقيقة انتهى. وعوتب الانبياء بما لا يعاتب به الامم. والحاصل ان الذنب يعظم بعظم جانيه وزيادة قبحه تابعة لزيادة شرف المذنب والنعمة فلما كانت الازواج المطهرة امهات المؤمنين واشراف نساء العالمين كان الذنب منهن اقبح على تقدير صدوره وعقوبة الاقبح اشد واضعف: وفى المثنوى شعر : آنجه عين لطف باشد برعوام قهر شد برعشق كيشان كرام تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان الثواب والعقاب بقدر نفاسة النفس وخستها يزيد وينقص وان زيادة العقوبة على الجرم من امارات الفضيلة كحد الحر والعبد وتقليل ذلك من امارات النقص. وذلك لان اهل السعادة على صنفين. صنف منهم السعيد والآخر الاسعد فالسعيد من اهل الجنة والاسعد من اهل الله فاذا صدر من السعيد طاعة فاعطى بها اجرا واحد من الجنة وان صدر منه معصية فاعطى بها عذابا واحدا من الجحيم واذا صدر من الاسعد طاعة فاعطى اجره مرتين وذلك بان يزيد له بها درجة فى الجنة ومرتبة فى القرية وان صدر منه معصية يضاعف له العذاب ضعفين بنقص فى درجة من الجنة ونقص فى مرتبته من القربة او عذاب من ألم مس النار وعذاب من ألم مس البعد وذل الحجاب ومن هنا دعاء السرىّ السقطى قدس سره اللهم ان كنت تعذبنى بشئ فلا تعذبنى بذل الحجاب وكان ذلك على الله يسيرا ان يضاعف لهم العذاب ضعفين بخلاف الخلق لان تضعيف العذاب فى حقهم ليس بيسير لانهم يتبعون به ويعسر عليهم ذلك انتهى عصمنا الله واياكم من العذاب وشرفنا بجزيل الثواب. ومن اسباب العذاب والتنزل عدم التوكل وترك القناعة بالواصل والسعى بلا حاصل. قال عبد الواحد بن زيد سألت الله تعالى ثلاث ليال ان يرينى رفيقى فى الجنة فقيل لى يا عبد الواحد رفيقك فى الجنة ميمونة السوداء فقلت واين هى فقيل لى فى بنى فلان بالكوفة فخرجت فاذا هى قائمة تصلى واذا بين يديها عكاز وعليها جبة صوف مكتوب عليها لاتباع ولا تشترى واذا الغنم مع الذئاب ترعى فلا الذئاب تأكل الغنم ولا الغنم تخاف الذئاب فلما رأتنى او جزت فى صلاتها ثم قالت ارجع يا ابن زيد ليس الموعد ههنا انما الموعد ثمة فقلت رحمك الله من اعلمك انى ابن زيد فقالت ان الارواح جنود مجندة فما تعارف منها اختلف فقلت لها عظينى فقالت واعجبا لواعظ يوعظ بلغنى انه ما من عبد اعطى من الدنيا شيئا فابتغى اليه ثانيا الا سلبه الله حب الخلوة معه وبدله بعد القرب بعدا وبعد الانس وحشة ولهذا السر وعظ الله الارواح المطهرة فى القرآن وذلك من فضله: قال الصائب شعر : تازخاك باى درويشى توانى سرمه كرد خاك در جشمت اكر درباد شاهى بنكرى تفسير : يعنى ان جلاء البصر فى الفقر والقناعة وترك زينة الدنيا لا فى الدولة والسلطنة والنعيم الفانى فان الدنيا كدر بما فيها. فعلى العاقل تخفيف الاثقال والاوزار وتكميل التجرد الى آخر جزء من عمره السيار
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا نساءَ النبيّ من يأتِ منكن بفاحشةٍ} بسيئة بليغة في القُبح {مُبَيِّنَة} ظاهرٌ فحشها، من: بيّن، بمعنى: تبيّن. وقرأ المكي وشعبة بفتح الياء، وهي عصيانهنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ونشوزهن. قال في المقدمات: كل فاحشة نُعتت في القرآن بالبينة فهي بالنطق، والتي لم تُنعت بها زنى. هـ. {يُضَاعَفْ لها العذابُ ضِعْفين} أي: ضِعفي عذاب غيرهنّ من النساء؛ لأن الذنب منهن أقبح؛ فإنَّ قُبح الذنب يتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه، ولذلك قيل: ليست المعصية في القُرب كالمعصية في البُعد. وليس لأحد من النساء مثل فضل النساء النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشدّ منه للعاصي الجاهل؛ لأن المعصية من العالِم أقبح، وفي الحديث: "حديث : أشدُّ الناس عذاباً يومَ القيامة عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه"تفسير : ؛ لقوة الجرأة في العالم دون غيره. ولهذا أيضاً فضل حدّ الأحرار على العبيد، ولم يرجح الكافر. {وكان ذلك} أي: تضعيف العذاب عليهن {على الله يسيراً} هيناً. {ومن يَقْنُتْ منكن} أي: يدم على الطاعة {لله ورسوله وتعمل صالحاً نُؤْتِها أجْرَها مرتين} أي: مثل ثوابي غيرها، مرة على الطاعة، ومرة على طلبهن رضا النبي صلى الله عليه وسلم، بالقناعة، وحسن المعاشرة. وقرأ حمزة والكسائي بالغيب على لفظ "من"، {وأعتدنا لها رِزقاً كريماً} جليل القدر، وهو الجنة. الإشارة: من شأن الملِك أن يُعاتب الوزراء بما لا يعاتب غيرهم، ويهددهم بما لا يهدد به غيرهم، ويعطيهم من التقريب والكرامة ما لا يُعطي غيرهم، فإن هفوا وزلُّوا عاتبهم، ثم يردهم إلى مقامهم، وربما سمح وأغضى. والغالب: أن الحق تعالى يعجل عتاب خواصه، في الدنيا قبل الآخرة، بمصائب وأهوال، تصفيةً وتطهيراً، ولا يُبعدهم من حضرته بما اقترفوا. قال القشيري: زيادةُ العقوبة على الجُرْمِ من أمارات الفضيلة، كحدّ الحر والعبد، وتقليل ذلك من أمارات النقص، ولَمَّا كانت منزلتُهن في الشرف تزيد وتربو على منزلة جميع النساء، تضاعفت عقوبتهن على أجْرامهن، وتضاعف ثوابَهن على طاعتِهن، فقال: {ومن يقنت منكن لله...} وقال: {لستن كأحد من النساء...} الآية هـ. والله تعالى أعلم. ثم وصَّاهنَّ بما يليق بجنابهنَّ المعظم فقال: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ...}
الجنابذي
تفسير : {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ} ثمّ قطع مخاطبة النّبىّ (ص) وخاطب ازواجه تفخيماً لشأنهنّ من حيث انّهنّ ازواج النّبىّ (ص) {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} قبحها او ظاهرة على الانظار كالخروج بالسّيف وقد فسّرت فى الاخبار بالخروج بالسّيف وبالخروج على علىّ (ع) تعريضاً بفعلة عائشة {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} يعنى فى الآخرة والاّ فعلىّ (ع) احسن اسرها فى الدّنيا بعد ما قاتل وقتل مقاتليها وقال فى حقّها: ولها حرمتها، {وَكَانَ ذَلِكَ} التّضعيف {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} ولمّا كان المقام للتّهديد اتى بالتّيسير قبل ذكر تضعيف الاجر للمحسنات منهنّ لّئلاّ يتوهّم انّه لتضعيف الاجر.
فرات الكوفي
تفسير : {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب30} [سيأتي في الحديث 464 و536].
الهواري
تفسير : قوله عزّ وجل: {يَا نِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي: الزنا {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً} أي: هيناً. {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: ومن يطع منكن الله ورسوله، فيما ذكر عكرمة عن ابن عباس، وليس فيه اختلاف. قال: {وَتَعْمَلْ صَالِحاً} يعني التي تقنت منهن لله ورسوله {نُّؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ}. قال بعضهم: بلغنا أن رجلاً سأل الحسن: أين يضاعف لها العذاب ضعفين؟ قال: حيث تؤتى أجرها مرتين، يعني في الآخرة. قال: {وَأَعْتَدْنَا لَهَا} أي: وأعددنا لها {رِزْقاً كَرِيماً} أي: الجنة.
اطفيش
تفسير : {يا نساء النبي من يأت} وقرىء تأت بالفوقية مراعاة لمعنى من. {منكن بفاحشة مبينة} اي ظاهرة اسم فاعل بين بمعنى تبين او من بين بالتشديد الذي للتأكيد وقرأ ابن كثير وابوبكر بفتح الياء اي جعلت ظاهرة وهو اسم مفعول من بين المشدد للتعدية والمراد على كل حال ظهور قبحها والفاحشة السيئة البليغة في القبح وهي كل كبيرة. وقيل المراد هنا عصيانهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه او ما يضيق به ذرعه. وقال ابن عباس: النشوز وسوء الخلق. وقيل الزنى وهن معصومات منه كسائر ازواج الأنبياء ولكن كما قال لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : كما يأتي ان شاء الله. {يضاعف لها العذاب ضعفين} مفعول مطلق بين به عدد المضاعفة لان المضاعفة في لغة العرب تطلق على تكرير الشيء مرة فيكون اثنين وعلى تكريره اكثر وان ما يضاعف العذاب لمن اتت بفاحشة منهن مبينة لانهن افضل من غيرهن من النساء فما قبح من سائر النساء كان منهن اقبح فان زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفصل وزيادة النعمة فان الطاعة يزداد وجوبها بزيادة الفضل والنعمة وكذا ترك المعصية ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد حتى ان ابا حنيفة واصحابه لا يرون على الكافر حدا والصحيح وجوبه عليه ولذلك ايضا ترى العقلاء ولو من العامة يستقبحون المعصية من العالم اشد مما يستقبحونها من الجاهل ويستقبحونها من ابن العالم اشد مما يستقبحونها من غيره وعوتب الانبياء بما لم يعاتب به غيرهم وكذا الأولياء الافضل فالأفضل وكانت المعصية في مكة وفي رمضان اشد منها في غيرهما لما فيهما من الفضل للحسنة فيهما على الحسنة في غيرهما فيقبح من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يقبح من غيرهن لان رسول الله زوجهن وفي ديارهن الوحي ومن كثرت عنده موجبات الطاعة وعصى فهو اشد عنادا فيكون العذاب له اشد وكما نحن بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم كالعبيد لكونه اولى بالمؤمنين النساء الى ازواجه كالإماء وقريء. {يضاعف} بكسر العين ونصب العذاب والفاعل ضمير الله جل وعلا وقرأ ابن كثير وابن عامر {تضعف} بالنون واسقاط الالف وكسر العين مشددة ونصب العذاب وقرأ البصريان {يضعف} بالتحتية والبناء للمفعول والتشديد ورفع العذاب وقريء {يضعف} كذلك إلا انه مبني للفاعل وبنصب العذاب. {وكان ذلك} الضعاف او المفهوم من الكلام وهو المضاعفة والعذاب المضاعف. {على الله يسيرا} سهلا لا يمنعه عنه كونكن ازواج رسوله صلى الله عليه وسلم لأن كونكن ازواجه انما هو سبب المضاعفة فكيف يكون سببا لترك العذاب فليعتبر ذلك من يتساهل في المعاصي متعمدا على انه عالم او ابن او ابن ولي او من ذرية نبي فان عصيانه مع ذلك داع لتشديد العذاب.
اطفيش
تفسير : {يا نساء النبي} ناداهن بالنساء لا بالازواج، لانهن يضفن اليه حتى كأنهن مملوكات له، ولو بلا تزوج، وكنساء الجنة هن لأهلها بلا عقد نكاح، والله اعلم وهو الموفق {مَنْ يأت} ذكر الضمير للفظ من {منْكنَّ بفاحشة} ذنب كبير، ودخل فيها عصيان النبى صلى الله عليه وسلم، وان يسأل ما يشق عليه، او ما ليس عنده، فإن تخييرهن تحريم ذلك السؤال، ولا يراد الزنى لانه لا يتصور منهن ولقوله: {مُبيِّنَةٍْ} ظاهرة جداً، كما يدل له التشديد، والزنى لا يظهر كذلك، يستعمل أبان وبين بالشد لازما، كما هنا ومتعديا {يضاعف لها} انث الضمير باعتبار معنى من {العَذابُ} يوم القيامة، او فيه وفى الدنيا {ضعْفيْن} يكون ذنبها كذنبين، فيكون لها حدان على ذنب واحد. وقال ابو عمرو، وأبو عبيدة: الضعفان ان يجعل الواحد ثلاثة، فيكون عليها ثلاثة حدود فيما حد، والصحيح الاول، ووجه ذلك فضلهن وفضل النبى صلى الله عليه وسلم، والنعمة عليهن، كما جعل ارث الرجل وديته وما دونها ضعف ما للمرأة، ودية الوجه ضعف ما للرأس، ودية الرأس ضعف ما لسائر البدن، والعقاب على الذنب الواقع فى الوقت الافضل، او المكان كالجمعة ورمضان، والمسجد اعظم من العقاب على الذنب الموقع فى غيره، وعد ذنبا فى حق الانبياء ما لم يعد فى غيرهم، وقيل لزين العابدين: إنكم اهل بيت مغفور لكم، فغضب فقال: لمسئينا ضعفان من العذاب كنساء النبى، ولمحسننا ضعفان من الاجر مثلهن {وكان ذلك} التضعيف {على الله يَسِيراً} لا يمنعه عنكن كونكن نساء للنبى صلى الله عليه وسلم، بل هو سبب للتضعيف لانه نعمة عظيمة عليكن، ولان فعل الكبيرة خيانة له صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : {يَا نسَاء ٱلنَّبِىّ } تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن. ونداؤهن هٰهنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل {مَن يَأْتِ } بالياء التحتية حملاً على لفظ {مِنْ }، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما. والجحدري. وعمرو بن قائد الأسواري ويعقوب بالتاء الفوقية حملاً على معناها {مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ } بكبيرة {مُّبَيّنَةٍ } ظاهرة القبح من بين بمعنى تبين، وقرأ ابن كثير وأبو بكر (مبينة) بفتح الياء والمراد بها على ما قيل: كل ما يقترف من الكبائر، وأخرج البيهقي في «السنن» عن مقاتل بن سليمان أنها العصيان للنبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل: ذلك وطلبهن ما يشق عليه عليه الصلاة والسلام أو ما يضيق به ذرعه ويغتم صلى الله عليه وسلم لأجله. ومنع في «البحر» أن يراد بها الزنا قال: لأن النبـي صلى الله عليه وسلم معصوم من ارتكاب نسائه ذلك ولأنه وصفت الفاحشة بالتبين والزنا مما يتستر به ومقتضاه منع إرادة الأعم ثم قال: وينبغي أن تحمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته، ولا يخلو كلامه عن بحث والإمام فسرها به، وجعل الشرطية من قبيل {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ }تفسير : [الزمر: 65] من حيث أن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر ولا يقع جزماً فإن الأنبياء صان الله تعالى زوجاتهم عن ذلك، وقد تقدم بعض الكلام في هذه المسألة في سورة النور وسيأتي إن شاء الله تعالى طرف مما يتعلق بهما أيضاً. {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ } يوم القيامة على ما روي عن مقاتل أو فيه وفي الدنيا على ما روي عن قتادة {ضِعْفَيْنِ } أي يعذبن ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه فإن مكث غيرهن ممن أتى بفاحشة مبينة في النار يوماً مثلاً مكثن هن لو أتين بمثل ما أتى يومين، وإن وجب على غيرهن حد لفاحشة وجب عليهن لو أتين بمثلها حدان، وقال أبو عمرو وأبو عبيدة فيما حكى الطبري عنهما الضعفان أن يجعل الواحدة ثلاثة فيكون عليهن ثلاثة حدود أو ثلاثة أمثال عذاب غيرهن، وليس بذاك، وسبب تضعيف العذاب أن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه تابعة لزيادة فضل المذنب والنعمة عليه وتلك ظاهرة فيهن ولذلك جعل حد الحر ضعف حد الرقيق وعوتب الأنبياء عليهم السلام بما لا يعاتب به الأمم وكذا حال العالم بالنسبة إلى الجاهل فليس من يعلم كمن لا يعلم، وروي عن زين العابدين رضي الله تعالى عنه أنه قال له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم فغضب وقال: نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله تعالى في أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم من أن نكون كما تقول إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من العذاب وقرأ هذه الآية والتي تليها. وقرأ الحسن وعيسى وأبو عمرو {يضعف} بالياء التحتية مبنياً للمفعول بلا ألف والجحدري وابن كثير وابن عامر {نضعف} بالنون مبنياً للفاعل بلا ألف أيضاً وزيد بن علي وابن محيصن وخارجة عن أبـي عمرو {نضاعف} بالنون والألف والبناء للفاعل وفرقة {يضـٰعِف} بالياء والألف والبناء للفاعل، وقرأ {ٱلْعَذَاب} بالرفع من قرأ بالبناء للمفعول وبالنصب من قرأ بالبناء للفاعل. {وَكَانَ ذٰلِكَ } أي تضعيف العذاب عليهن {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } أي سهلاً لا يمنعه جل شأنه عنه كونهن نساء النبـي صلى الله عليه وسلم بل هو سبب له.
ابن عاشور
تفسير : تولى الله خطابهن بعد أن أمر رسوله بتخييرهِنّ فخيرهُنّ فاخترْنَ الله ورسوله والدار الآخرة، فخاطبهن ربُّهُنّ خطاباً لأنهن أصبحْنَ على عهد مع الله تعالى أن يؤتِيَهُنّ أجراً عظيماً. وقد سمّاه عمر عهداً فإنه كان كثيراً ما يقرأ في صلاة الصبح سورة الأحزاب فإذا بلغ هذه الآية رَفَعَ بها صوته فقيلَ له في ذلك، فقال: أُذكِّرهُنّ العهدَ، ولما كان الأجر الموعود منوطاً بالإحسان أُريد تحذيرهن من المعاصي بلوغاً بهن إلى مرتبة الملكية مبالغة في التحذير إذ جعل عذاب المعصية على فرض أن تأتيها إحداهن عذاباً مضاعفاً. ونِدَاؤُهُنّ للاهتمام بما سيُلْقَى إليهن. ونَادَاهُنّ بوصف {نساء النبي} ليعلَمْنَ أن ما سيُلقَى إليهن خبر يناسب علوّ أقدارهِنّ. والنساء هنا مراد به الحلائل، وتقدم في قوله تعالى: {أية : ونساءَنا ونساءَكم} تفسير : في سورة آل عمران (61). وقرأ الجمهور {يَأتِ} بتحتية في أوله مراعاة لمدلول {مَن} الشرطية لأن مدلولها شيء فأصله عدم التأنيث. وقرأه يعقوب {مَن تأت} بفوقية في أوله مراعاة لِمَا صْدَق {مَن} أي: إحدى النساء. وقرأ الجمهور {يضاعَف} بتحتية في أوله للغائب وفتح العين مبنياً للنائب ورفع {العذابُ} على أنه نائب فاعل. وقرأه ابن كثير وابن عامر {نضَعِّف} بنون العظمة وبتشديد العين مكسورة ونصب {العذابَ} على المفعولية؛ فيكون إظهار اسم الجلالة في قوله بعده: {وكان ذلك على الله يسيراً} إظهاراً في مقام الإضمار. وقرأه أبو عمرو ويعقوب {يُضَعَّف} بتحتية للغائب وتشديد العين مفتوحة. ومفاد هذه القراءات متّحِدُ المعنى على التحقيق. وروى الطبري عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي عبيدة مَعمَر ابن المثنَّى: أن بين (ضاعف وضَعَّف) فرقاً، فأما (ضاعف) فيفيد جعْل الشيء مِثْلَيْه فتصير ثلاثة أعْذِبة. وأما (ضَعَّف) المشدّد فيفيد جَعْل الشيء مثله. قال الطبري: وهذا التفريق لا نعلم أحداً من أهل العلم ادعاه غيرهما. وصيغة التثنية في قوله {ضعفين} مستعملة في إرادة الكثرة كقوله تعالى: {أية : ثم ارجع البصر كرَّتيْن ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير}تفسير : [الملك: 4] لظهور أن البصر لا يرجع خاسئاً وحسيراً من تكرّر النظر مرتين، والتثنية ترِدُ في كلام العرب كناية عن التكرير، كقولهم: لَبَّيْك وسَعْديك، وقولهم: دَوَالَيْك، ولذلك لا نشتغل بتحديد المضاعفة المرادة في الآية بأنها تضعيف مرة واحدة بحيث يكون هذا العذاب بمقدار ما هو لأمثال الفاحشة مرتين أو بمقدار ذلك ثلاث مرات وذلك ما لم يشتغل به أحد من المفسرين، وما إعراضهم عنه إلا لأن أفهامهم سبقت إلى الاستعمال المشهور في الكلام، فما روي عن أبي عمرو وأبي عبيدة لا يلتفت إليه. والفاحشة: المعصية، قال تعالى: {أية : قل إنما حرَّم ربيَ الفواحش ما ظهر منها وما بطن}تفسير : [الأعراف: 33] وكلما وردت الفاحشة في القرآن نكرة فهي المعصية وإذا وردت معرفة فهي الزنا ونحوه. والمبيِّنة: بصيغة اسم الفاعل مبالغة في بيان كونها فاحشة ووضوحه حتى كأنها تبيِّن نفسها وكذلك قرأها الجمهور. وقرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء، أي: يبيّنها فاعِلها. والمضاعفة: تكرير شيء ذي مقدار بمثل مقداره. والضعف: مماثل عدد ما. وتقدم في قوله تعالى {أية : فآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً من النار} تفسير : في سورة الأعراف (38). ومعنى مضاعفة العذاب: أنه يكون ضعف عذاب أمثال تلك المعصية إذا صدرت من غيرهنّ، وهو ضعف في القوة وفي المدة، وأريد: عذاب الآخرة. وجملة {وكان ذلك على الله يسيراً} معترضة، وتقدم القول في نظيرها آنفاً. والمعنى: أن الله يحقق وعيده ولا يمنعه من ذلك أنها زوجة نبيء، قال تعالى: {أية : كانتا تحتَ عبدَيْن من عِبادنا صالحيْن}تفسير : [التحريم: 10] إلى قوله: {أية : فلم يُغْنِيَا عنهما من الله شيئاً} تفسير : [التحريم: 10]. والتعريف في {العذاب} تعريف العهد، أي: العذاب الذي جعله الله للفاحشة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} الآية. قد قدمنا الآية الموضحة له في آخر سورة النمل في الكلام، على قوله تعالى: {أية : وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [النمل: 90] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} تفسير : [الإسراء: 75] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰنِسَآءَ} {بِفَاحِشَةٍ} {يُضَاعَفْ} (30) - ثُمَّ وَعَظَ اللهُ تَعَالى نِسَاءَ النَّبِيِّ اللاَّتِي اخْتَرْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَة، فَقَالَ لَهُنَّ: إِنَّ مَنْ تَرْتَكِبْ مِنْهُنَّ خَطَأً كَنُشُوزٍ أَوْ سُوءٍ خُلُقٍ (فَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) فَإِنَّ عِقَابَها عَلَى خَطَئِها سَيَكُونُ مُضَاعَفاً عَنْ عِقابِ سِواها مِنَ النِسَاءِ نَظَراً لِمَنزِلَتِها الرَّفِيعَةِ، وَذَلِكَ سَهْلٌ عَلَى اللهِ تَعَالى. فَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ - بِمَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ ظَاهِرَةِ القُبِحِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - سبحانه وتعالى - بعد أنْ خيَّر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فاخترْنَ الله ورسوله والدارالآخرة أراد سبحانه أنْ يُعطيهن المنهج والمبادىء التي سيسِرْنَ عليها في حياتهن، ونلحظ أن آية التخيير كانت من كلام النبي عن ربه، أما هنا فالكلام من الله مباشرة لنساء النبي. {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ ..} [الأحزاب: 30] فبداية المسألة {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ ..}تفسير : [الأحزاب: 28] فلما اخترْن الله ورسوله والدار الآخرة كأنهن ارتفعْنَ إلى مستوى الخطاب المباشر من الله تعالى، كأنهن حقَّقْنَ المراد من الأمر السابق {أية : فَتَعَالَيْنَ ..} تفسير : [الأحزاب: 28]. كلمة {نِسَآءَ ..} [الأحزاب: 30] نعلم أنها جمع، لكن لا نجد لها مفرداً من لفظها، إنما مفردها من لفظ آخر هو امرأة، وفي اللغة جموع تُنُوسِي مفردها بشهرة مفرد آخر أرقّ أو أسهل في الاستعمال، وامرأة أو (مَرة) يصح أيضاً من (امرؤ)، وهذه اللفظة تختلف عن ألفاظ اللغة كلها، بأن حركة الإعراب فيها لا تقتصر على الحرف الأخير إنما تمتد أيضاً إلى الحرف قبل الأخير، فنقول: قال امْرُؤُ القيس، وسمعت امْرَأَ القيس، وقرأت لامْرِيء القيس. وبعض الباحثين في اللغة قال: إن (نساء) من النَّسْأ والتأخير، على اعتبار أن خَلْقها جاء متأخراً عن خَلْق الرجل، ومفردها إذن (نَسْءٌ) وإنْ كان هذا تكلفاً لا داعيَ له. وبعد هذا النداء {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ} [الأحزاب: 30] يأتي الحكم الأول من المنهج الموجَّه إليهن: {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ..} [الأحزاب: 30] نلحظ أن الحق سبحانه لم يبدأ الكلام مع نساء النبي بقوله مثلاً: مَنْ يتق الله منكن، إنما بدأ بالتحذير من إتيان الفاحشة؛ لأن القاعدة الشرعية في التقنين والإصلاح تقوم على أن "درء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة" كما أننا قبل أنْ نتوضأ للصلاة نبرىء أنفسنا من النجاسة. ومثَّلْنَا لذلك وقُلْنا: هَبْ أن واحداً رماك بتفاحة، وآخر رماك بحجر، فأيهما أَوْلَى باهتمامك؟ لا شكَّ أنك تحرص أولاً على ردِّ الحجر والنجاة من أذاه، وكذلك لو أردتَ أنْ تكوي ثوبك مثلاً وهو مُتسخ، لا بُدَّ أن تغسله أولاً. لذلك بدأ الحق سبحانه التوجيه لنساء النبي بقوله {مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ..} [الأحزاب: 30] لكن الفاحشة أمر مستبعد، فكيف يتوقع منتهى الذنوب من نساء رسول الله؟ قالوا: ولم لا، وقد خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ..} تفسير : [الزمر: 65]. ومعلوم أن رسول الله ليس مظنة الوقوع في الشرك، إذن: فالمعنى، يا محمد ليس اصطفاؤك يعني أنك فوق المحاسبة، كذلك الحال بالنسبة لنسائه: إنْ فعلَتْ إحداكن فاحشة، فسوف نضاعف لها العذاب، ولن نستر عليها لمكانتها من رسول الله، فإياكُنَّ أنْ تظننَّ أن هذه المكانة ستشفع لكُنَّ، وإلا دخلتْ المسألة في نطاق إذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد، وإذا سرق الشريف تركوه. إذن: منزلة الواحدة منكُنَّ ليست في كونها مجرد زوجة لرسول الله، إنما منزلتها بمدى التزامها بأوامر الله، وإلا فهناك زوجات للرسل خُنَّ أزواجهن واقرأ: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ} تفسير : [التحريم: 10]. ولك أن تسأل: هذا حكم الفاحشة المبيِّنة، أنْ يُضاعَف لها العذاب، فما بال الفاحشة منهن إنْ كانت غير مُبيِّنة؟ قالوا: هذا الحكم خاصٌّ بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فإن حدث من إحداهن ذنب بينها وبين نفسها فهو ذنب واحد مقصور عليها، فإنْ كان علانيةً فهو مُضَاعف؛ لأنهن أسوة وقدوة تتطلع العيون إلى سلوكهن، فإنْ ظهرت منهن فاحشة كان تشجيعاً للأخريات، ولم لا وقد جاءت الفاحشة من زوجة النبي. فمضاعفة العذاب - إذن - لأن الفساد تعدَّى الذات إلى الآخرين، وأحدث قدوة سوء في بيت النبي، فاستحقتْ مضاعفة العذاب، لأنها آذتْ شعور رسول الله، ولم تُقدِّر منزلته وفضَّلَت عليه غيره لتأتي معه الفاحشة، وهذا يستوجب أضعاف العذاب، فإنْ ضاعف لها اللهُ العذابَ ضعفين فحسب، فهو رِفْق بها، ومراعاة لماضيها في زوجية رسول الله. كذلك إنْ فعلتْ إحداهن حسنة، فلها أجرها أيضاً مُضَاعفاً؛ لأنها فعلتْ صالحاً في ذاتها كأيِّ إنسانه أخرى، ثم أعطتْ قدوة حسنة، وأُسْوة طيبة لغيرها. فإنْ أخذْنا في الاعتبار حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ سَنَّ سنة حسنة، فَلَهُ أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة، ومَنْ سَنَّ سنة سيئة فعليه وِزْرها، ووِزْر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة ". تفسير : علمنا أن أجر الحسنة لا يُضاعف فقط مرتين، إنما بعدد ما أثَّرت فيه الأسوة، وفَرْق بين الضِّعْف والضُّعْف. الضِّعْف: ضِعْف الشيء أي مثله، أما الضُّعف فهو فَقْد هذا المثل، فهو أقلُّ. ثم يقول سبحانه: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} [الأحزاب: 30] يعني: مسألة مضاعفة العذاب أمر يسير، ولن تغني عنكُنَّ منزلتكُنَّ من رسول الله شيئاً، فهذا أمر لا يسألني فيه أحد، ولا أحابي فيه أحداً، ولا بُدَّ أن أُسَيِّر الأمور كما يجب أن تكون، ولا يعارضني فيها أحد، لذلك كثيراً ما تُذيَّل أحكام الحق سبحانه بقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [البقرة: 220] فالعزة تقتضي أن يكون الحكم ماضياً لا يُعدِّله أحد، ولا يعترض عليه أحد. وهذا المعنى واضح في قوله تعالى لسيدنا عيسى عليه السلام: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 116-118]. فقوله: {أية : وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ..} تفسير : [المائدة: 118] يقتضي أن يقول: فإنك غفور رحيم، لكن الحق سبحانه عدل إلى {أية : فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [المائدة: 118] لأن الذنب الذي وقع فيه القوم ذنب في القمة، في الألوهية التي أخذوها من الله وجعلوها لعيسى عليه السلام، وهذا بمقتضى العقل يستوجب العذاب الشديد، لكن الحق سبحانه لا يُسأل عما يفعل، يُعذِّب مَنْ يشاء، ويغفر لمَنْ يشاء، فإنْ غفر لهم فبصفة العزة التي لا يعارضها أحد، فكأن المنطق أن يُسأل الله: لماذا لم تُعذِّب هؤلاء على ما ارتكبوه؟ لذلك دخل هنا من ناحية العزة، التي لا تُعارَض، والحكمة التي لا تخطىء. وبعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة الفاحشة، وما يترتب عليها من عقاب ذكر سبحانه المقابل، فقال تعالى: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما اخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة، ذكر مضاعفة أجرهن، ومضاعفة وزرهن وإثمهن، لو جرى منهن، ليزداد حذرهن، وشكرهن اللّه تعالى، فجعل من أتى منهن بفاحشة ظاهرة، لها العذاب ضعفين. { وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ } أي: تطيع { لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا } قليلا أو كثيرًا، { نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } أي: مثل ما نعطي غيرها مرتين، { وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا } وهي الجنة، فقنتن للّه ورسوله، وعملن صالحًا، فعلم بذلك أجرهن.
همام الصنعاني
تفسير : 2335- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}: [الآية: 30] قال: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):