Verse. 3564 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

وَمَنْ يَّقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلہِ وَرَسُوْلِہٖ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّــؤْتِہَاۗ اَجْرَہَا مَرَّتَيْنِ۝۰ۙ وَاَعْتَدْنَا لَہَا رِزْقًا كَرِيْمًا۝۳۱
Waman yaqnut minkunna lillahi warasoolihi wataAAmal salihan nutiha ajraha marratayni waaAAtadna laha rizqan kareeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن يقنت» يطع «منكن الله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين» أي مثلي ثواب غيرهن من النساء، وفي قراءة بالتحتانية في تعمل ونؤتها «وأعتدنا لها رزقا كريما» في الجنة زيادة.

31

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَـٰلِحاً } بياناً لزيادة ثوابهن، كما بين زيادة عقابهن {نُؤْتِهَـا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } في مقابلة قوله تعالى: {يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } مع لطيفة وهي أن عند إيتاء الأجر ذكر المؤتي وهو الله، وعند العذاب لم يصرح بالمعذب فقال: {يُضَـٰعِفُ } إشارة إلى كمال الرحمة والكرم، كما أن الكريم الحي عند النفع يظهر نفسه وفعله، وعند الضر لا يذكر نفسه، وقوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً } وصف رزق الآخرة بكونه كريماً، مع أن الكريم لا يكون إلا وصفاً للرزاق إشارة إلى معنى لطيف، وهو أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس، التاجر يسترزق من السوقة، والمعاملين والصناع من المستعملين، والملوك من الرعية والرعية منهم، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه، وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار. وأما في الآخرة فلا يكون له مرسل وممسك في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه، فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرزاق، وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَن يَقْنُتْ } يطع {مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَٰلِحاً نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } أي مثلَيْ ثواب غيرهنّ من النساء، وفي قراءة بالتحتانية في تعمل ونؤتها {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً } في الجنة زيادة.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَقْنُتْ} تطع {وَتَعْمَلْ صَالِحاً} بينها وبين ربها {مَرَّتَيْنِ} كلاهما في الآخرة، أو أحدهما في الدنيا والثاني في الآخرة {رِزْقاً كَرِيماً} في الجنة، أو في الدنيا واسعاً حلالاً.

النسفي

تفسير : {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ } القنوت الطاعة {وَتَعْمَلْ صَـٰلِحاً نُؤْتِهَـا } وبالياء فيهما: حمزة وعلي {أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } مثلي ثواب غيرها {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً } جليل القدر وهو الجنة {يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاء } أي لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل. وأحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ } إن أردتن التقوى أو إن كنتن متقيات {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ } أي إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب فلا تجئن بقولكن خاضعاً أي ليناً خنثاً مثل كلام المريبات {فَيَطْمَعَ } بالنصب على جواب النهي {ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ } ريبة وفجور {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } حسناً مع كونه خشناً {وَقَرْنَ } مدني وعاصم غير هبيرة وأصله «اقررن» فحذفت الراء تخفيفاً وألقيت فتحتها على ما قبلها، أو من قار يقار إذا اجتمع. والباقون {قَرْنٍ } من وقر يقر وقاراً، أو من قرّ يقر، حذفت الأولى من راء اقررن قراراً من التكرار ونقلت كسرتها إلى القاف {فِى بُيُوتِكُـنَّ } بضم الباء بصري ومدني وحفص {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأولَىٰ } أي القديمة. والتبرج التبختر في المشي وإظهار الزينة والتقدير: ولا تبرجن تبرجاً مثل تبرج النساء في الجاهلية الأولى ـ وهي الزمان الذي ولد فيه إبراهيم أو ما بين آدم ونوح عليهما السلام أو زمن داود وسليمان ـ والجاهلية الأخرى ـ ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. أو الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى ـ ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام. أو الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} خص الصلاة والزكاة بالأمر ثم عم بجميع الطاعات تفضيلاً لهما لأن من واظب عليهما جرتاه إلى ما وراءهما {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } نصب على النداء أو على المدح، وفيه دليل على أن نساءه من أهل بيته. وقال: {عَنْكُمْ }، لأنه أريد الرجال والنساء من آله بدلالة {وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } من نجاسة الآثام. ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن ووعظهن لئلا يقارف أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المآثم وليتصونوا عنها بالتقوى. واستعار الذنوب الرجس وللتقوى الطهر، لأن عرض المقترف للمقبحات يتلوث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات فالعرض منها نقي كالثوب الطاهر وفيه تنفير لأولي الألباب عن المناهي وترغيب لهم في الأوامر {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِى بُيُوتِكُـنَّ مِنْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ } القرآن {وَٱلْحِكْــمَةِ } أي السنة أو بيان معاني القرآن {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً } عالماً بغوامض الأشياء {خَبِيراً } عالماً بحقائقها أي هو عالم بأفعالكن وأقوالكن فاحذرن مخالفة أمره ونهيه ومعصية رسوله. ولما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء، فنزلت: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ } المسلم الداخل في السّلم بعد الحرب المنقاد الذي لا يعاند، أو المفوض أمره إلى الله المتوكل عليه من أسلم وجهه إلى الله {وَٱلْمُؤْمِنِينَ } المصدقين بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به {وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ } القائمين بالطاعة {وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ } في النيات والأقوال والأعمال { وَٱلْمُتَصَدّقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرٰتِ } على الطاعات وعن السيئات {وَٱلْخَـٰشِعِينَ } المتواضعين لله بالقلوب والجوارح أو الخائفين {وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ وَٱلْمُتَصَدّقِينَ وَٱلْمُتَصَدّقَـٰتِ } فرضاً ونفلاً {وٱلصَّـٰئِمِينَ وٱلصَّـٰئِمَـٰتِ } فرضاً ونفلاً. وقيل: من تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين، ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين {وَٱلْحَـٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ } عما لا يحل {وَٱلْحَـٰفِـظَـٰتِ وَٱلذكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً } بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر والمعنى والحافظات فروجهن {والذاكرات} الله فحذف لدلالة ما تقدم عليه. والفرق بين عطف الإناث على الذكور وعطف الزوجين على الزوجين لأن الأول نظير قوله {أية : ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً } تفسير : [التحريم: 5] في أنهما جنسان مختلفان واشتركا في حكم واحد فلم يكن بد من توسط العاطف بينهما، وأما الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع ومعناه أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } على طاعاتهم. خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بنت عمته أميمة على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ } أي وما صح لرجل مؤمن ولا امرأة مؤمنة {إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } أي رسول الله {أمْراً } من الأمور {أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعاً لرأيه واختيارهم تلوا لاختياره فقالا: رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه وساق عنه إليها مهرها. وإنما جمع الضمير في {لَهُمْ } وإن كان من حقه أن يوحد لأن المذكورين وقعا تحت النفي فعما كل مؤمن ومؤمنة فرجع الضمير إلى المعنى لا إلى اللفظ. و{يَكُونَ } بالياء: كوفي، والخيرة ما يتخير ودل ذلك على أن الأمر للوجوب {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً مُّبِيناً } فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال وكفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق. {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ } بالإسلام الذي هو أجل النعم {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } بالإعتاق والتبني فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله وهو زيد بن حارثة {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } زينب بنت جحش، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصرها بعدما أنكحها إياه فوقعت في نفسه فقال:حديث : «سبحان الله مقلب القلوب»تفسير : وذلك أن نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: «حديث : مالك أرابك منها شيء؟»تفسير : قال: حديث : «لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني فقال له: أمسك عليك زوجك»تفسير : {وَٱتَّقِ ٱللَّهَ } فلا تطلقها. وهو نهي تنزيه إذ الأولى أن لا يطلق أو واتق الله فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج {وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ } أي تخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد وهو الذي أبداه الله تعالى. وقيل: الذي أخفى في نفسه تعلق قلبه بها ومودة مفارقة زيد إياها. والواو في {وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ } {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ } أي قالة الناس إنه نكح امرأة ابنه {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ } واو الحال أي تقول لزيد أمسك عليك زوجك مخفياً في نفسك إرادة أن لا يمسكها وتخفي خاشياً قالة الناس وتخشى الناس حقيقاً في ذلك بأن تخشى الله. وعن عائشة رضي الله عنها: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية. {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً } الوطر الحاجة فإذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة. قيل: قضى منه وطره، والمعنى فلما لم يبق لزيد فيها حاجة وتقاصرت عنها همته وطلقها وانقضت عدتها {زَوَّجْنَـٰكَهَا }. روي أنها لما اعتدت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد«:حديث : ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك: أخطب عليّ زينب»تفسير : قال زيد: فانطلقت وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبك ففرحت وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار {لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً } قيل: قضاء الوطر إدراك الحاجة وبلوغ المراد منه {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ } الذي يريد أن يكونه {مَفْعُولاً } مكوناً لا محالة وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً‏}‏ قال‏:‏ يقول من يطع الله منكن، وتعمل صالحاً لله ورسوله بطاعته‏.‏ وأخرج ابن سعد عن عطاء بن يسار رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن يقنت منكن لله ورسوله‏}‏ يعني تطيع الله ورسوله ‏ {‏وتعمل صالحا‏ً} ‏ تصوم وتصلي‏.‏ وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏أربعة يؤتون أجرهم مرتين‏.‏ منهم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد رضي الله عنه يجري أزواجه مجرانا في الثواب والعقاب‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لستن كأحد من النساء‏} ‏ قال‏:‏ كأحد من نساء هذه الأمة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يا نساء النبي لَسْتُنَّ كأحد‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏.‏ يقول‏:‏ أنتن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه تنظرن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى الوحي الذي يأتيه من السماء، وأنتن أحق بالتقوى من سائر النساء، ‏ {‏فلا تخضعن بالقول‏}‏ يعني الرفث من الكلام‏.‏ أمرهن أن لا يَرْفِثْنَ بالكلام ‏{‏فيطمع الذي في قلبه مرض‏} ‏ يعني الزنا‏.‏ قال‏:‏ مقاربة الرجل في القول حتى ‏{‏يطمع الذي في قلبه مرض‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فلا تخضعن بالقول‏}‏ قال‏:‏ لا ترفثن بالقول‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏فلا تخضعن بالقول‏}‏ يقول‏:‏ لا ترخصن بالقول، ولا تخضعن بالكلام‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فيطمع الذي في قلبه مرض‏}‏ قال‏:‏ شهوة الزنا‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما‏؛ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏{‏فيطمع الذي في قلبه مرض‏}‏ قال‏:‏ الفجور والزنا‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت الأعشى وهو يقول‏: شعر : حافظ للفرج راضٍ بالتقى ليس ممن قلبه فيه مرض تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن علي رضي الله عنه قال‏:‏ المرض مرضان‏.‏ فمرض زنا، ومرض نفاق‏.‏ وأخرج ابن سعد عن عطاء بن يسار رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فيطمع الذي في قلبه مرض‏} ‏ يعني الزنا ‏ {‏وقلن قولاً معروفا‏ً} ‏ يعني كلاماً ظاهراً ليس فيه طمع لأحد‏.‏ وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وقلن قولاً معروفا‏ً} ‏ يعني كلاماً ليس فيه طمع لأحد‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ} وقُرىء بالتَّاءِ أي ومن يدُم على الطَّاعةِ {للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَـٰلِحاً نُؤْتِهَـا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} مرةً على الطَّاعةِ والتَّقوى وأُخرى على طلبهن رضَا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالقناعةِ وحُسنِ المعاشرةِ. وقُرىء يَعملْ بالياءِ حملاً على لفظِ مَنْ ويُؤتها على أنَّ فيه ضميرَ اسمِ الله تعالى {وَأَعْتَدْنَا لَهَا} في الجنَّةِ زيادةً على أجرِها المضاعفِ {رِزْقاً كَرِيماً} مرضيًّا. {يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاء} أصلُ أحدٍ وَحَد بمعنى الواحدِ ثم وُضع في النَّفيِ مستوياً فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ والواحدُ والكثيرُ. والمعنى لستنَّ كجماعةٍ واحدةٍ من جماعاتِ النِّساءِ في الفضلِ والشَّرفِ {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} مخالفةَ حكمِ الله تعالى ورضا رسولِه أو إنِ اتصفتنَّ بالتَّقوى كما هُو اللائقُ بحالِكنَّ {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ} عند مخاطبةِ النَّاسِ أي لا تُجبْن بقولِكن خاضعاً ليِّناً على سَننِ قولِ المريبات والمُومساتِ {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي فجورٌ ورِيبةٌ. وقُرىء بالجزمِ عطفاً على محلِّ فعل النَّهي على أنَّه نهيٌ لمريضِ القلبِ عن الطمعِ عقيب نهيهنَّ عن الإطماعِ بالقولِ الخاضعِ كأنَّه قيل: فلا تخضعْنَ بالقولِ فلا يطمعَ مريضُ القلبِ {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} بعيداً عن الرِّيبةِ والإطماعِ بجدَ وخشُونةٍ من غيرِ تخنيثٍ أو قولاً حسناً مع كونِه خَشِناً {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ} أمرٌ من قرَّ يقَرُّ من بابِ علَم وأصله اقرَرْنَ فحُذفتْ الرَّاءُ الأولى وألقيتْ فتحتُها على ما قبلَها كما في قولُك: ظلْن، أو من قارَّ يقارُّ إذا اجتمعَ، وقُرىء بكسرِ القافِ من وَقِر يَقِر وَقَاراً إذا ثبتَ واستقرَّ وأصلُه أوقرنَ ففعل به ما فُعل بعِدن من وَعد أو من قرَّ يقرُّ حذفت إحدى راءي اقررن ونُقلت كسرتُها إلى القافِ كما تقول: ظلن {وَلاَ تَبَرَّجْنَ} أي لا تتبخترْن في مشيكنَّ {تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} أي تبرجاً مثلَ تبرجِ النساءِ في الجاهليةِ القديمةِ وهي ما بـينَ آدمَ ونوحٍ وقيل: إدريس ونوحٍ عليهما السَّلامُ وقيل: الزَّمانُ الذي وُلد فيه إبراهيمُ عليه السَّلامُ كانتِ المرأةُ تلبسُ دِرْعاً من اللُّؤلؤِ فتمشِي وسطَ الطَّريقِ تعرض نفسَها على الرِّجالِ وقيل: زمنُ داودَ وسليمانَ عليهما السَّلامُ. والجاهليَّةُ الأُخرَى ما بـينَ عيسَى ومحمَّدٍ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيل: الجاهليةُ الأولى الكفرُ والجاهليَّةُ الأُخرى الفسوقُ في الإسلامِ ويُؤيِّدُه قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لأبـي الدَّرداءِ: « حديث : "إنَّ فيكَ جاهليةَ" قال: جاهلية كفرٍ أو جاهليةَ إسلامٍ قال: "بل جاهليةُ كفرٍ" » تفسير : {وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ} أُمرن بهما لإنافتِهما على غيرِهما وكونِهما أصلَ الطَّاعاتِ البدنيةِ والماليةِ {وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي في كلِّ ما تأتن وما تذرنَّ لا سيَّما فيما أُمرتن به ونُهيتنَّ عنه {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ} أي الذَّنبَ المدنس لعرضِكم وهو تعليلٌ لأمرهنَّ ونهيهنَّ على الاستئنافِ ولذلك عمَّم الحكمَ بتعميمِ الخطابِ لغيرهنَّ وصرَّحَ بالمقصودِ حيثُ قيل بطريقِ النِّداءِ أو المدحِ: {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} مُراداً بهم من حَواهم بـيتُ النُّبوة {وَيُطَهّرَكُمْ} من أوضارِ الأوزارِ والمَعاصي {تَطْهِيــراً} بليغاً. واستعارةُ الرِّجسِ للمعصيةِ، والتَّرشيحُ بالتَّطهيرِ لمزيدِ التَّنفيرِ عنها، وهذهِ كما ترى آيةٌ بـينةٌ وحجَّةٌ نيرةٌ على كونِ نساءِ النبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ من أهلِ بـيتِه قاضيةً ببُطلان رأيِ الشِّيعةِ في تخصيصِهم أهليةَ البـيتِ بفاطمةَ وعليَ وابنيهما رضوانُ الله عليهم. وأمَّا ما تمسَّكُوا به من ( حديث : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرجَ ذاتَ غُدوةٍ وعليه مِرطٌ مرحَّلٌ من شَعَرٍ أسودَ، وجلسَ فأتتْ فاطمةُ فأدخلَها فيهِ ثم جاءَ عليٌّ فأدخلَه فيه، ثم جاء الحسنُ والحسينُ فأدخلَهما فيهِ ثمَّ قال: "إنَّما يُريد الله ليُذهبَ عنكم الرِّجسَ أهلَ البـيتِ" ) تفسير : فإنَّما يدلُّ على كونِهم من أهلِ البـيتِ لا على أنَّ من عداهم ليسُوا كذلك ولو فُرضت دلالتُه على ذلك لما اعتدَّ بها لكونِها في مُقابلةِ النَّصِّ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ} [الآية: 31]. قال ابن عطاء: من تختار صحبة الرسول منهن على الدنيا فهى من القانتات وهى التى تخضع للرسول وتذلّ له ولا تخالفه وتعمل صالحًا وتتبع مراد الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يريده.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً} ومن يقنت الله يحب لقائه والرسول لحقوق صحبته فى الايمان به ومتابعته والعمل الصالح ان لا يطلبن الدنيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} الا والى من الأجر حب الرسول لقاءهن واجر الأخرة كشف مشاهدة الله وحسن جواره والرزق الكريم ظهور مشاهدته لهن على الدوام بلا حجاب قال ابن عطا من يختار صحبة الرسول منهن على الدنيا فهى من القانتات وهى التى تخضع للرسول وتذل به ولا تخالفه وتعمل صالحا وتتبع مراد الرسول فيما يريده.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن يقنت منكن} ومن تدم على الطاعة: وبالفارسية [وهركه مداومت كندبر طاعت از شماكه ازواج بيغمبر يد]. قال الراغب القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع {لله ورسوله} [مرخدا ورسول اورا] {وتعمل صالحا} [وبكند كارى بسنديده] {نؤتها اجرها} [بدهيم اورا مزد او] {مرتين} مرة على الطاعة والتقوى واخرى على طلبها رضى رسول الله بالقناعة وحسن المعاشرة. قال مقاتل بحسنة عشرين {واعتدنا لها} فى الجنة زيادة على اجرها المضاعف. والاعتاد التهيئة من العتاد وهو العدة. قال الراغب الاعتاد ادّخار الشئ قبل الحاجة اليه كالاعداد وقيل اصله اعددنا فابدلت تاء {رزقا كريما} اى حسنا مرضيا. قال فى المفردات كل شئ يشرف فى بابه فانه كريم وفيه اشارة الى ان الرزق الكريم فى الحقيقة هو نعيم الجنة فمن اراده يترك التنعم فى الدنيا قال عليه السلام لمعاذ رضى الله عنه "حديث : اياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بمتنعمين" تفسير : يعنى ان عباد الله الخلص لا يرضون نعيم الدنيا بدل نعيم الآخرة فان نعيم الدنيا فان شعر : شنيدم كه جمشيد فرخ شرشت بسر جشمه بربسنكى نبشت برين جشمه جون ما بسى دم زدند برفتند جون جشم برهم زدند تفسير : وفى الآية اشارة الى ان الطاعة والعمل الخالص من غير شوب بطمع الجنة ونحوها يوجب اجرا بمزيد فى القربة وبتبعيتها يوجب اجرا آخر فى درجات الجنة والعمل بالنفس يزيد فى وجودها واما العمل وفق اشارة المرشد ودلالة الانبياء والاولياء فيخلصها من الوجود وعلامة الخلاص من الوجود العمل بالحضور والتوجه التام لا بالانقلاب والاضطراب ألا ترى ان بعض المريدين دخل التنور اتباعا لامر شيخه ابى سليمان الدارانى رحمه الله فلم يحترق منه شئ وكيف يحترق ولم يبق منه سوى الاسم من الوجود وهذا هو الشهود وهو الرزق الكريم فان الكريم هو الله فيرزق المخلص من المشاهدات الربانية والمكاشفات والمكالمات مزيدا على القربة وهذا معنى قوله تعالى {أية : وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا عظيما} تفسير : الا ترى ان ابراهيم الخليل عليه السلام لم يحترق فى نار النمرود بل وجد الرزق الكريم من الله الودود لان كل نعيم ظاهرى لاهل الله فانما ينعكس من نعيم باطنى لهم وحقيقة الاجر انما تعطى فى النشأة الآخرة لان هذه النشأة لا تسعها لضيقها نسأل الله القنوت والعمل ونستعيذ به من الفتور والكسل فان الكسل يورث الغفلة والحجاب كما ان العمل يورث الشهود وارتفاع النقاب فان التجليات الوجودية مظاهر التجليات الشهودية ومنه يعرف سر قوله عليه السلام "حديث : دم على الطهارة يوسع عليك الرزق" تفسير : فكما ان الطهارة الصورية تجلب بخاصيتها الرزق الصورى فكذا الطهارة المعنوية تجذب بمقتضاها الرزق المعنوى فيحصل لكل من الجسم والروح غذاؤه ويظهر سر الحياة الباقية فان اذواق الروح لا نهاية لها لا فى الدنيا ولا فى الآخرة: وفى المثنوى شعر : اين زمين وسختيان بردست وبس اصل روزى از خدا دان هرنفس رزق ازوى جو مجو از زيد وعمرو مستى ازوى جو مجو از بنك وخمر منعمى زوخواه نى از كنج ومال نصرت ازوى خواه نى ازعم وخال تفسير : اللهم اجعلنا من خلص العباد وثبت اقدامنا فى طريق الرشاد بحق النون والصاد

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي {ومن يقنت منكن لله ورسوله ويعمل صالحاً} بالياء فيهما على اللفظ، لأن لفظة (من) مذكر. الباقون {ومن يقنت} - بالياء - حملا على اللفظ {وتعمل} بالتاء حملا على المعنى، لأن المعنى من النساء، فكنى بلفظ التأنيث، ولأنه قد ظهر علامة التانيث في قوله {منكن} فكأن الرد عليه أولى من ردّه على اللفظ. وروي في الشواذ {ومن تقنت} بالتاء حملا على المعنى وذلك جائز في العربية غير انه ليس بمعروف، ولا يقرأ به. وقرأ عاصم ونافع {وقرن} بفتح القاف بمعنى أقررن {في بيوتكن} من قررت في المكان أقر قراراً إلا انه نقل حركة العين إلى القاف، فانفتحت وسقطت الراء الأولى لالتقاء الساكنين كقولهم: في ظللت ظلت. وفي أحسست احست، وقالوا في يحططن من الجبل يحطن. وقال الزجاج: فيه لغتان (قررت في المكان واقررت). الباقون بكسر القاف بمعنى كن أهل وقر، أي هدوء وسكينة من وقر فلان في منزله يقر وقوراً إذا هدأ فيه واطمأن. ويجوز أن يكون المراد الاستقرار، على لغة حكاها الزجاج والكسائي. لما تهدد الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وآله بأن من يأت منهن بفاحشة ظاهرة من ارتكاب محظور، وما نهى الله تعالى عنه انه يضاعف لها العذاب ضعفين لوقوع أفعالهن على وجه يستحق به ذلك من حيث كن سواء اسوة يتأسى بهن غيرهن ورغبهن في هذه الآية بأن قال {ومن يقنت منكن} أي من داوم منكن على الطاعة لله ورسوله {وتعمل} مع ذلك الافعال {صالحاً نؤتها} اي يعطيها الله {أجرها مرتين} كما لو عصت عاقبها ضعفين. والقنوت المداومة على العمل فمن داوم على العمل لله فهو مطيع. ومنه القنوت في صلاة الوتر، وهو المداومة على الدعاء المعروف. والعمل الصالح هو المستقيم الذي يحسن أن يحمد عليه ويستحق به الثواب. والاجر الجزاء على العمل، وهو الثواب، آجره يآجره اجراً والأجر مرتين ليس يجب بالوعد بل إنما هو مستحق، لأن أفعالهن تقع على وجه يستحق مثلي ما لو استحق الغير، لانه في مقابلة العذاب ضعفين، ولا يجوز أن يضاعف ضعفين إلا مستحقاً، وكذلك الثواب المقابل له. وقوله {وأعتدنا لها رزقاً كريماً} معنى اعتدنا اعددنا، وابدل من احدى الدالين تاء. والرزق الكريم هو الثواب الذي لا يحسن الابتداء بمثله. ثم قال {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} انما قال كأحد، ولم يقل كواحدة لان احداً نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة أي لا يشبهكن احد من النساء في جلالة القدر وعظم المنزلة ولمكانكن من رسول الله صلى الله عليه وآله بشرط أن تتقين عقاب الله باجتناب معاصيه، وامتثال أوامره. وانما شرط ذلك بالاتقاء لئلا يعولن على ذلك، فيرتكبن المعاصي، ولولا الشرط كان يكون اغراء لهن بالمعاصي، وذلك لا يجوز على الله تعالى. ثم قال لهن {فلا تخضعن بالقول} أي لا تلين كلامكن للرجال، بل يكون جزلا قوياً لئلا يطمع من في قلبه مرض. قال قتادة: ومعناه من في قلبه نفاق. وقال عكرمة: من في قلبه شهوة للزنا. ثم قال لهن {وقلن قولاً معروفاً} مستقيماً جميلاً بريئاً من التهمة بعيداً من الريبة موافقاً للدين والاسلام. ثم امرهن بالاستقرار في بيوتهن وألا يتبرجن تبرج الجاهلية - على قراءة من فتح القاف. ومن كسر أرادكن وقورات عليكن سكينة ووقار {ولا تبرجن} قال قتادة: التبرج التبختر والتكبر، وقال غيره: هو اظهار المحاسن للرجال. وقوله {تبرج الجاهلية الأولى} نصب تبرج على المصدر والمعنى مثل تبرج الجاهلية الأولى، وهو ما كان قبل الاسلام. وقيل ما كان بين آدم ونوح. وقيل ما كان بين موسى وعيسى، وقيل ما كان بين عيسى ومحمد. وقيل ما كان بفعله اهل الجاهلية، لانهم كانوا يجوزون لامرأة واحدة رجلا وخلا فللزوج النصف السفلاني وللخل الفوقاني من القبيل والمعانقة، فنهى الله تعالى عن ذلك ازواج النبي صلى الله عليه وآله واشتقاق التبرج من البرج وهو السعة في العين وطعنة برجاء اي واسعة وفي اسنانه برج إذا تفرق ما بينها. واما الجاهلية الأخرى، فهو ما يعمل بعد الاسلام بعمل اولئك. ثم أمرهن باقامة الصلاة والدوام عليها بشروطها وايتاء الزكاة لمن وجبت عليه، وأمرهن بطاعة الله وطاعة رسوله، في ما يأمرانهن به. ثم قال {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} روى ابو سعيد الخدري وانس بن مالك وعائشة وأم سلمة وواثلة بن الاسقع أن الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام واهل البيت نصب على النداء او على المدح، فروي عن أم سلمة انها قالت إن النبي صلى الله عليه وآله كان في بيتي فاستدعا علياً وفاطمة والحسن والحسين، وجللهم بعباء خيبرية، ثم قال: حديث : اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراًتفسير : ، فأنزل الله تعالى قوله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} فقالت أم مسلمة قلت: يا رسول الله هل انا من اهل بيتك؟ فقال: لا، ولكنك إلى خير. واستدل أصحابنا بهذه الآية على ان في جملة اهل البيت معصوماً لا يجوز عليه الغلط وان اجماعهم لا يكون إلا صواباً بأن قالوا ليس يخلو إرادة الله لاذهاب الرجس عن اهل البيت من ان يكون هو ما اراد منهم من فعل الطاعات واجتناب المعاصي، او يكون عبارة عن انه اذهب عنهم الرجس بأن فعل لهم لطفاً اختاروا عنده الامتناع من القبائح. والأول لا يجوز ان يكون مراداً، لأن هذه الارادة حاصلة مع جميع المكلفين، فلا اختصاص لاهل البيت في ذلك ولا خلاف أن الله تعالى خص بهذه الآية اهل البيت بأمر لم يشركهم فيه غيرهم فكيف يحمل على ما يبطل هذا التخصيص ويخرج الآية من أن يكون لهم فيها فضيلة ومزية على غيرهم؟! على ان لفظة (إنما) تجري مجرى ليس، وقد دللنا على ذلك في ما تقدم وحكيناه عن جماعة من اهل اللغة، كالزجاج وغيره، فيكون تلخيص الكلام: ليس يريد الله إلا إذهاب الرجس على هذا الحد عن أهل البيت، فدل ذلك على ان إذهاب الرجس قد حصل فيهم. وذلك يدل على عصمتهم، وإذا ثبث عصمتهم ثبت ما اردناه. وقال عكرمة هي في ازواج النبي خاصة. وهذا غلط، لأنه لو كانت الآية فيهن خاصة لكنى عنهن بكناية المؤنث، كما فعل في جميع ما تقدم من الآيات نحو قوله {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن، وأطعن الله وأقمن الصلاة وآتين الزكاة} فذكر جميع ذلك بكناية المؤنث، فكان يجب أن يقول إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس اهل البيت ويطهركن، فلما كنا بكناية المذكر دل على ان النساء لا مدخل لهن فيها. وفي الناس من حمل الآية على النساء ومن ذكرناه من اهل البيت هرباً مما قلناه. وقال: إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فكنى عنهم بكناية المذكر. وهذا يبطل بما بيناه من الرواية عن أم سلمة وما يقتضيه من كون من تناولته معصوماً. والنساء خارجات عن ذلك. وقد استوفينا الكلام في ذلك - في هذه الآيات - في كتاب الامامة من أراده وقف عليه هناك. ثم عاد تعالى إلى ذكر النساء فأمرهن بأن يذكرن الله تعالى بصفاته، وبالدعاء والتضرع اليه، وان يفكرن في آيات الله التي تتلى في بيوتهن من القرآن المنزل، ويعملن بها وبما فيها من الحكمة {إن الله كان لطيفاً} في تدبير خلقه، وفي إيصال المنافع الدينية والدنيوية اليهم {خبيراً} اي عالماً بما يكون منهم، وبما يصلحهم وبما يفسدهم، وأمرهم بأن يفعلوا ما فيه صلاحهم واجتناب ما فيه فسادهم. ثم اخبر تعالى بـ {إن المسلمين والمسلمات} وهم الذين استسلموا لأوامر الله وانقادوا له، وأظهروا الشهادتين، وعملوا بموجبه {والمؤمنين والمؤمنات} فالاسلام والايمان واحد، عند اكثر المفسرين، وإنما كرر لاختلاف اللفظين. وفي الناس من قال: المؤمن هو الذي فعل جميع الواجبات، وانتهى عن جميع المقبحات، والمسلم هو الملتزم لشرائط الاسلام المستسلم لها و {القانتين والقانتات} يعني الدائمين على الاعمال الصالحات {والصادقين} في اقوالهم {والصادقات} مثل ذات {والصابرين والصابرات} على طاعة الله وعلى ما يبتليهم لله من المصائب وما يأمرهم به من الجهاد في سبيله {والخاشعين} يعني المتواضعين غير المتكبرين {والخاشعات} مثل ذلك {والمتصدقين} يعني الذين يخرجون الصدقات والزكوات {والمتصدقات} مثل ذلك {والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم} من الزنا وإرتكاب انواع الفجور {والحافظات} فروجهن وحذف من الثاني لدلالة الكلام عليه {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} الله كثيراً، وحذف مثل ما قلناه. ثم قال {أعد الله لهم} يعني من قدم ذكرهم ووصفهم {مغفرة وأجراً عظيماً} يعني ثواباً جزيلا. لا يوازيه شيء. وقيل: إن سبب نزول هذه الآية ان أم سلمة قالت: يا رسول الله ما للرجال يذكرون في القرآن ولا يذكر النساء؟ فنزلت الآية. فلذلك قال {إن المسلمين والمسلمات} وإن كن المسلمات داخلات في قوله {المسلمين} تغليباً للمذكر فذكرهن بلفظ يخصهن إزالة للشبهة.

الجنابذي

تفسير : {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ} من يتواضع او يطع {للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً} ما، او صالحاً عظيماً هو ولاية علىّ بن ابى طالب (ع) {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} كلّ ذلك بشرافة قرب النّبىّ (ص) فانّ عصيان القريب من الرّسول (ص) اعظم قبحاً وطاعته اعظم اجراً.

اطفيش

تفسير : {ومن يقنت} يدم على الطاعة او يزد منها وقيل يطع. وقال قتادة والشعبي: يطع ويخضع بالعبودية وروى عكرمة القول الثاني عن ابن عباس {منكن لله ورسوله} وانما عدى يقنت المفسر بيطع لتضمن الطاعة الخضوع. {وتعمل صالحا} اعاده مع دخوله فيما قبله لان ما قبله يشمل عمل الصالح لله كصلاة وصوم وعمل الصالح لرسوله كحسن خلقهن ورضاهن بما يسر الله له وقد يراد بالقنوت القنوت لرسوله اي طاعته وانما ذكر الله تعظيما وايماء الى ان ما كان طاعة له فهو من طاعة الله سبحانه. {نؤتها أجرها مرتين} مرة على الطاعة ومرة على طلبهن رضى النبي صلى الله عليه وسلم بالقناعة وحسن المعاشرة فالحسنة بعشرين فذلك ايضا مثل اجري عليهن فهن اشرف نساء العالمين وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن وذلك ايضا سبب مضاعفة العذاب كما مر. سأل رجل الحسن كيف يضاعف لها العذاب ضعفين. فقال: حيث يؤتيها اجرها مرتين اي في الآخرة. وقرأ حمزة والكسائي {فيعمل} بالتحتية مراعاة للفظ {من} كما قرأ بها في {يقنت} وقرا الباقون تعمل بالفوقية نظرا لمعنى (من) وقرأ {تقنت} بالفوقية وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية اي الله. {واعتدنا لها رزقا كريما} حسنا وقيل: الجنة وقيل: الرزق فيها وذلك زيادة على أجرها.

اطفيش

تفسير : {ومَنْ يقْنُت} يخضع بالايمان {منكنَّ لله ورسُوله وتعْمَل صالحاً} عملا صالحا كصلاة وصوم وزكاة، وذلك غير القنوت، وان فسرنا القنوت بالطاعة فهى طاعة رسوله بحسن العشرة، والاحسان اليه، فالمعنى من يطع الله بالعمل الصالح، ورسوله بالاحسان اليه، وقيل: القنوت له صلى الله عليه وسلم بالخضوع، وللعمل الصالح له ايضا، وهو القيام بمصالحه، وخدمة البيت، وإنما ذكر الله تعظيماً له صلى الله عليه وسلم، قيل: ان القنوت السكوت عن طلب ما ليس عنده، والعمل الصالح طاعة الله عز وجل. {نُؤتها أجْرها مرتيْن} فما فيه عشر حسنات لغيرها فلها فيه عشرون، وما فيه خمس وعشرون فيه خمسون فذلك فى الآخرة، وذلك لمزيد كرمهن على الله، وسواء ما عملنه فى حياته صلى الله عليه وسلم، وما عملنه بعد موته، وقيل: سبب التضعيف انهن يعملن لرضا الله، ويعملن لرضا رسوله صلى الله عليه وسلم، وفى قلوبهن ان يعملن لرضاه، ولو عاش الى يوم القيامة فلم ينقض عملهن لرضاه بموته، ويضعف ما قيل: ان احد الضعفين فى الدنيا والاخر فى الاخرة واحد الاجرين فى الدنيا، والاخر فى الاخرة. {وأعْتَدنا لَها} فى الاخرة زيادة على الاجرين الشاملين لرزق سائر اهل الجنة الذى تناله {رزْقاً كَريماً} عظيم القدر، وان فسر بمطلق رزق الجنة المشترك فيه أهل الجنة، فإنما ذكره فى مقابلة طلبهن رزق الدنيا، وكرمه انه ليس كرزق الدنيا، وانه لا آفة فيه بزواله، او نقصه او كسبه، او التضرر به فى البطن، وقيل: الرزق الكريم فى الدنيا، وذكره فى مقابلة ان سبب النزول طلب الرزق كذا قيل، ولكن المطلوب مع ما فى الآخرة.

الالوسي

تفسير : {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ } أي ومن تخشع وتخضع {للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ } عملاً {صَـٰلِحاً } كصلاة وصوم وحج وإيتاء زكاة وهذا العمل غير القنوت لله تعالى على ما سمعت من تفسيره فلا تكرار، وفسره بعضهم بالطاعة ودفع التكرار بأن المراد {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ } لرسول الله {وَتَعْمَلْ صَـٰلِحاً } لله تعالى، وذكر الله إنما هو لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بجعل طاعته غير منفكة عن طاعة الله عز وجل، وبعضهم بما ذكر أيضاً إلا أنه دفع التكرار بأن المراد بالعمل الصالح الخدمة الحسنة والقيام بمصالح البيت لا نحو الصلاة والصيام وبالطاعة المفسر بها القنوت امتثالاً الأوامر واجتناب النواهي، وفسره بعضهم بدوام الطاعة فقيل في دفع التكرار نحو ما مر، وقيل: المراد به الدوام على الطاعة السابقة وبالعمل الصالح العبادات التي يكلفن بها بعد. وقيل: القنوت السكوت كما قيل ذلك في قوله تعالى: {أية : وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ }تفسير : [البقرة: 238] والمراد به هٰهنا السكوت عن طلب ما لم يأذن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لهن به من زيادة النفقة وثياب الزينة، وقيل غير ذلك. {نُؤْتِهَـا أَجْرَهَا } الذي تستحقه على ذلك فضلاً وكرماً {مَّرَّتَيْنِ } فيكون أجرها مضاعفاً وهذا في مقابلة {أية : يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} تفسير : [الأحزاب: 30]. أخرج ابن أبـي حاتم عن الربيع بن أنس أنه قال في حاصل معنى الآيتين: إنه من عصى منكن فإنه يكون العذاب عليها الضعف منه على سائر نساء المؤمنين ومن عمل صالحاً فإن الأجر لها الضعف على سائر نساء المسلمين، ويستدعي هذا أنه إذا أثيب نساء المسلمين على الحسنة بعشر أمثالها اثبن هن على الحسنة بعشرين مثلاً لها وإن زيد للنساء على العشر شيء زيد لهن ضعفه، وكأنه والله تعالى أعلم إنما قيل {نُؤْتِهَـا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } دون يضاعف لها الأجر كما قيل في المقابل {أية : يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } تفسير : [الأحزاب: 30] لأن أصل تضعيف الأجر ليس من خواصهن بل كل من عمل صالحاً من النساء والرجال من هذه الأمة يضاعف أجره فأخرج الكلام مغايراً لما تقتضيه المقابلة رمزاً إلى أن تضعيف الأجر على طرز مغاير لطرز تضعيف العذاب مع تضمن الكلام المذكور الإشارة إلى مزيد تكريمهن ووفور الاعتناء بهن فإن الإحسان المكرر أحلى، ومن تأمل في الجملتين ظهر له تغليب جانب الرحمة على جانب الغضب وكفى بالتصريح بفاعل إيتاء الأجر وجعله ضمير العظمة والتعبير عما يؤتون من النعيم بالأجر مع إضافته إلى ضميرهن مع خلو جملة تضعيف العذاب عن مثل ذلك شهداء على ما ذكر. ثم إن تضعيف أجرهن لمزيد كرامتهن رضي الله تعالى عنهن على الله عز وجل مما من به عليهن من النسبة إلى خير البرية عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التحية، والظاهر أن ذلك ليس بالنسبة إلى أعمالهن الصالحة التي عملنها في حياته صلى الله عليه وسلم فقط بل يضاعف أجرهن عليها وعلى الأعمال الصالحة التي يعملنها بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. / وقال بعض الأجلة: إن هاتين المرتين إحداهما على الطاعة والأخرى على طلبهن رضاء النبـي صلى الله عليه وسلم بالقناعة وحسن المعاشرة، وجعل في «البحر» وغيره سبب التضعيف هذا الطلب وتلك الطاعة، ولا يخفى أن ما ذكروه موهم لعدم التضعيف بالنسبة لما فعلوه من العمل الصالح بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وقال بعض المدققين: أراد من جعل سبب مضاعفة أجورهن ما ذكر التطبيق على لفظ الآية حيث جعل القنوت لله ولرسوله مع ما تلاه سبباً ويدمج فيه أن مضاعفة العذاب إنما نشأت من أن النشوز مع الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب ما يشق عليه ليس كالنشوز مع سائر الأزواج ولذلك اقتضى مضاعفة العذاب وكذلك طاعته وحسن التخلق معه والمعاشرة على عكس ذلك فهذا يؤكد ما قالوا من أن سبب تضعيف العذاب زيادة قبح الذنب منهن وفيه أن العكس يوجب العكس فتأمل. وقال بعض المفسرين: العذاب الذي توعد به ضعفين هو عذاب الدنيا ثم عذاب الآخرة وكذلك الأجر فالمرتان إحداهما في الدنيا وثانيتهما في الأخرى، ولا يخفى ضعفه. وقرأ الجحدري والأسواري ويعقوب في رواية وكذا ابن عامر {وَمِنْ تقنت} بتاء التأنيث حملاً على المعنى. وقرأ السلمي وابن وثاب وحمزة والكسائي بياء من تحت في الأفعال الثلاثة على أن في {يؤتها} ضمير اسم الله تعالى، وذكر أبو البقاء أن بعضهم قرأ {وَمِنْ تقنت} بالتاء من فوق حملاً على المعنى {وَيَعْمَلْ } بالياء من تحت حملاً على اللفظ فقال بعض النحويين: هذا ضعيف لأن التذكير أصلاً فلا يجعل تبعاً للتأنيث وما عللوه به قد جاء مثله في القرآن وهو قوله تعالى: {أية : خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا }تفسير : [الأنعام: 139] انتهى فتذكر. {وَأَعْتَدْنَا لَهَا } في الجنة زيادة على أجرها المضاعف {رِزْقاً كَرِيماً } عظيم القدر رفيع الخطر مرضياً لصاحبه، وقيل الرزق الكريم ما يسلم من كل آفة. وجوز ابن عطية أن يكون في ذلك وعد دنياوي أي إن رزقها في الدنيا على الله تعالى وهو كريم من حيث هو حلال وقصد برضا من الله تعالى في نيله، وهو كما ترى.

ابن عاشور

تفسير : أعقب الوعيد بالوعد جرياً على سنة القرآن كما تقدم في المقدمة العاشرة. والقنوت: الطاعة، والقنوت للرسول: الدوام على طاعته واجتلاب رضاه لأن في رضاه رضى الله تعالى، قال تعالى: {أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله}تفسير : [النساء: 80]. وقرأ الجمهور: {يقنت} بتحتية في أوله مراعاة لمدلول {مَن} الشرطية كما تقدم في {أية : من يأت منكن}تفسير : [الأحزاب: 30]. وقرأه يعقوب بفوقية في أوله مراعاة لما صْدَق {مَن}، أي إحدى النساء، كما تقدم في قوله تعالى: {من يأت منكن}. وأسند فعل إيتاء أجرهنّ إلى ضمير الجلالة بوجه صريح تشريفاً لإيتائهن الأجر لأنه المأمول بهن، وكذلك فعل {وأعتدنا}. ومعنى {مرتين} توفير الأجر وتضعيفه كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ضعفين}تفسير : [الأحزاب: 30]. وضمير {أجرها} عائد إلى {مَن} باعتبار أنها صادقة على واحدة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم. وفي إضافة الأجر إلى ضميرها إشارة إلى تعظيم ذلك الأجر بأنه يناسب مقامها وإلى تشريفها بأنها مستحقة ذلك الأجر. ومضاعفة الأجر لهن على الطاعات كرامة لقدرهنّ، وهذه المضاعفة في الحالين من خصائص أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لعظم قدرهن، لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة فضل الآتي بها. ودرجة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عظيمة. وقرأ الجمهور: {وتعمل} بالتاء الفوقية على اعتبار معنى {من} الموصولة المراد بها إحدى النساء وحسنه أنه معطوف على فعل {يقنت} بعد أن تعلق به الضمير المجرور وهو ضمير نسوة. وقرأ حمزة والكسائي وخلَف {ويعمل} بالتحتية مراعاة لمدلول {مَن} في أصل الوضع. وقرأ الجمهور {نؤتها} بنون العظمة. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بالتحتية على اعتبار ضمير الغائب عائداً إلى اسم الجلالة من قوله قبله {أية : وكان ذلك على الله يسيراً}تفسير : [الأحزاب: 30]. والقول في {أعتدنا لها} كالقول في {أية : فإن الله أعدّ للمحسنات}تفسير : [الأحزاب: 29]. والتاء في {أعتدنا} بدل عن أحد الدالين من (أعدّ) لقرب مخرجيها وقصد التخفيف. والعدول عن المضارع إلى فعل الماضي في قوله: {أعتدنا} لإفادة تحقيق وقوعه. والرزق الكريم: هو رزق الجنة قال تعالى: {أية : كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً}تفسير : [البقرة: 25] الآية. ووصفه بالكريم لأنه أفضل جنسه. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : إني ألقي إلي كتاب كريم} تفسير : في سورة النمل (29).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ}. ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من قنت من نساء نبيه صلى الله عليه وسلم لله ولرسوله، وعمل عملاً صالحاً: أن الله جل وعلا يؤتيها أجرها مرتين، والقنوت: الطاعة، وما وعد الله به جل وعلا من أطاع منهن بإيتائها أجرها مرتين في هذه الآية الكريمة جاء الوعد بنظيره لغيرهن، في غير هذا الموضع، فمن ذلك وعده لمن آمن من أهل الكتاب بنبيه، ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم بإيتائه أجره مرتين، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} تفسير : [القصص: 51ـ54] الآية. ومن ذلك وعده لجميع المطيعين من أمته صلى الله عليه وسلم بإيتائهم كفلين من رحمته تعالى، وذلك في قوله جل وعلا: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} تفسير : [الحديد: 28]، الآية. واعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة من سورة الحديد الذي لا ينبغي العدول عنه، أن الخطاب بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} تفسير : [الحديد: 28] الآية. عام لجميع هذه الأمة كما ترى، وليس في خصوص مؤمني أهل الكتاب، كما في آية القصص المذكورة آنفاً، وكونه عاماً هو التحقيق إن شاء الله، لظاهر القرآن المتبادر الذي لم يصرف عنه صارف، فما رواه النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما من حمله آية الحديد هذه على خصوص أهل الكتاب كما في آية القصص، خلاف ظاهر القرآن، فلا يصح الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وإن وافق ابن عباس في ذلك الضحاك، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهما. واختاره ابن جرير الطبري. والصواب في ذلك إن شاء الله هو ما ذكرنا، لأن المعروف عند أهل العلم: أن ظاهر القرآن المتبادر منه، لا يجوز العدول عنه، إلا لدليل يجب الرجوع إليه. وقال ابن كثير: وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية في حق هذه الأمة: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} أي ضعفين {مِنْ رَحْمَتِهِ} وزادهم {أية : وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} تفسير : [الحديد: 28] ففضلهم بالنور والمغفرة اهـ نقله عنه ابن جرير، وابن كثير. والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ومن يقنت منكن لله ورسوله: أي ومن يطع منكن الله ورسوله. نؤتها أجرها مرتين: أي نضاعف لها أجر عملها الصالح حتى يكون ضعف عمل امرأة أخرى من غير نساء النبي. وأعتدنا لها رزقا كريما: أي في الجنة. يا نساء النبي لستن كأحد من النساء: أي لستن في الفضل كجماعات النساء. إن اتقيتن: بل أنتن أشرف وأفضل بشرط تقواكنّ لله. فلا تخضعن بالقول: أي نظراً لشرفكن فلا ترققن العبارة. فيطمع الذي في قلبه مرض: أي مرض النفاق أو مرض الشهوة. وقلن قولا معروفا: أي جرت العادة أن يقال بصوت خشن لا رقة فيه. وقرن في بيوتكن: أي أقررن في بيوتكن ولا تخرجن منها إلا لحاجة. ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى: أي ولا تتزين وتخرجن متبخترات متغنجات كفعل نساء الجاهلية الأولى قبل الإسلام. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس: أي إنما أمركُنَّ بما أمركن به من العفة والحجاب ولزوم البيوت ليطهركن من الأدناس والرذائل. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة: أي الكتاب والسنة لتشكرن الله على ذلك بطاعته وطاعة رسوله. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم مع أزواج النبي أمهات المؤمنين فبعد أن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة عن الحياة الدنيا وزينتها أصبحن ذوات رفعة وشأن عند الله تعالى، وعند رسوله والمؤمنين. فأخبرهن الرب تبارك وتعالى بقوله: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ} أي تطع الله بفعل الأوامر وترك النواهي وتطع رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم فلا تعص له أمراً ولا تسيء إليه في عشرة، وتعمل صالحاً من النوافل والخيرات نؤتها أجرها مرتين أي نضاعف لها أجر عملها فيكون ضعف أجر عاملة أخرى من النساء غير أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} أي في الجنة فهذه بشارة بالجنة لنساء النبي أمهات المؤمنين التسع اللاتي نزلت هذه الآيات في شأنهن. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [31] وقوله تعالى: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} أي يا زوجات النبي أمهات المؤمنين إنكن لستن كجماعات النساء إن شرفكن أعظم ومقامكن أسمى وكيف وأنتن أمهات المؤمنين وزوجات خاتم النبيين فاعرفن قدركن بزيادة الطاعة لله ولرسوله، وقوله إن اتقيتن أي إن هذا الشرف حصل لكن بتقواكن لله فلازمن التقوى إنكن بدون تقوى لا شيء يذكر شأنكن شأن سائر النساء. وبناء عليه {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ} أي لا تليِّن الكلمات وترققن الصوت إذا تكلمتن مع الأجانب من الرجال. وقوله تعالى: {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} نفاق أو ضعف إيمان مع شهوة عارمة تجعله يتلذذ بالخطاب وقوله: {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} وهو ما يؤدي المعنى المطلوب بدون زيادة ألفاظ وكلمات لا حاجة إليها. وقوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أي أقررن فيها بمعنى اثبتن فيها ولا تخرجن إلا لحاجة لا بد منها وقوله: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ} أي إذا خرجتن لحاجة {تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} أي قبل الإِسلام إذ كانت المرأة تتجمل وتخرج متبخترة متكسرة متغنجة في مشيتها وصوتها تفتن الرجال. وقوله تعالى: {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ} بآدائها مستوفاة الشروط والأركان والواجبات في أوقاتها مع الخشوع فيها {وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بفعل الأمر واجتناب النهي. أمرهن بقواعد الإِسلام وأهم دعائمه. وقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} أي إنما أمرناكن ونهيناكن إرادة إِذهاب الدنس والإِثم ابقاءً على طهركن يا أهل البيت النبوي. وقوله تعالى: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} أي كاملاً تاماً من كل ما يؤثم ويدسى النفس ويدنسها. وقوله تعالى {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ} من الكتاب والسنة وهذا أمر لهنَّ على جهة الموعظة وتعدد النعمة. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً} أي بكم يا أهل البيت خبيراً بأحوالكم فثقوا فيه وفوضوا الأمر إليه. والمراد من أهل البيت هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة وابْنَاهَا الحسن والحسين وعليٌّ الصهر الكريم رضي الله عن آل بيت رسول الله أجمعين وعن صحابته اكتعين أبتعين أبصعين.. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- لا شرف إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. 2- بيان فضل نساء النبي وشرفهن. 3- حرمة ترقيق المرأة صوتها وتليين عباراتها إذا تكلمت مع أجنبي. 4- وجوب بقاء النساء في منازلهن ولا يخرجن إلا من حاجة لا بد منها. 5- حرمة التبرج وهي أن تتزين المرأة وتخرج بادية المحاسن متبخترة في مشيتها. 6- على المسلم أن يذكر ما شرفه الله به من الإِيمان والإِسلام ليترفع عن الدنايا والرذائل. 7- بيان أن الحكمة هي السنة النبوية الصحيحة. 8- الإِشارة إلى وجود جاهلية ثانية وقد ظهرت منذ نصف قرن وهي تبرج النساء بالكشف عن الرأس والصدور والسيقان وحتى الأفخاذ.

القطان

تفسير : يقنت: يطع الله ويخضع له. يقال قَنَتَ لله وقنت اللهَ، متعد ولازم. أعتدنا: هيّأنا وأعددنا. كريما: سالما من الآفات والعيوب. لستنّ كأحد من النساء: لا يساويكن احد من النساء في الفضل والمنزلة. فلا تخضعن بالقول: فلا تِجبن احداً بقول لين مريب. في قلبه مرض: في قلبه ريبة وفجور. وقلن قولا معروفا: قولا حسنا لطيفا بعيدا عن الريبة. وقَرن في بيوتكن: إلزمن بيوتكن. التبرج: اظهار الزينة. الجاهلية الاولى: الجاهلية القديمة التي لا تعرف دينا ولا نظاما. ليُذهب عنكم الرجس: الاثم والذنب. آيات الله: القرآن الكريم. والحكمة: ما ينطق به الرسول من السنة والحديث. ومن تطعْ منكنّ يا نساء النبيّ اللهَ ورسولَه وتخضع لأوامرهما، وتعمل صالح الأعمال، يعطِها الله أجرها مرتين (كما هدّد بمضاعفة العذاب)، وزيادةً على مضاعفة الأجر أعدّ الله لكنّ الكرامة في الدنيا والآخرة. ثم بين لهنّ أنهن لسن كغيرِهن من النساء بقوله تعالى: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. ليس هناك جماعة من النساء تساويكن في الفضل والكرامة، لأنكن أَزواج خاتَم النبييّن، وأمهات المؤمنين، وهذه منزلةٌ عظيمة لم يتشرّف بها احدٌ من النساء غيركن. ولذلك نهاهنّ الله عن الهزل في الكلام إذا خاطبهنّ الناس، حتى لا يطمع فيهنَّ منْ في قلبه نِفاق، ثم أمَرَهنّ ان يقُلن قولاً معروفا بعيداً عن الريبة. {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ}. وهذا أمرٌ من الله أن يلزمن بيوتَهن، وان لا يظهِرن زينتهن ومحاسنَهن كما يفعل اهل الجاهلية الاولى. ثم أمرهنّ بأهم اركان الدين وهو إقامة الصلاة وايتاء الزكاة، واطاعة الله ورسوله. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. ليُذهب عنكُم كلَّ دَنَس وإثمٍ يا أهلَ بيت النبي الكريم ويجعلكم طاهرين مطهَّرين. ثم امرهن بتعلُّم القرآن وتعليمه لغيرِهن، وان يستوعبن ما يقول الرسولُ الكريم من الحكمة المبثوثة في سُنَّته، لأن الناس سيهرَعون إليهن ليأَخذوا منهنَّ ما سمعنَه منه. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: ومن يقنت منكن.... ويعمل صالحا، بالياء في الفعلين. وقرأ الباقون: ومن يقنت.... وتعمل بالتاء في الأخير. وقرأ عاصم ونافع: وقَرن بفتح القاف. والباقون: وقِرن بكسر القاف.

د. أسعد حومد

تفسير : {صَالِحاً} (31) - أَمَّا التِي تُطِيعُ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَتَسْتَجِيبُ لَهُمَا فَإِنَّ اللهَ يُضَاعِفُ أَجْرَهَا مَرَّتينِ، وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ لَها فِي الجَنَّةِ رِزْقاً كَرِيماً، لأَنَّها تَكُونُ فِي الجَنَّةِ فِي مَنازِلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. يَقْنُتْ مِنْكُنَّ - تُطِعْ أَوْ تَخْضَعْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {يَقْنُتْ ..} [الأحزاب: 31] أي: يخضع لله تعالى الخضوع التام، ويخشع ويتذلَّل لله في دعائه، واختار الحق سبحانه القنوت؛ لأنه سبحانه لا يحب من الطائع أنْ يُدِلَّ على الناس بطاعته؛ لذلك يقول العارفون: رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثتْ عِزَّاً واستكباراً. أو {وَمَن يَقْنُتْ ..} [الأحزاب: 31] أي: بالغ في الصلاح، وبالغ في الورع حتى ذهب إلى القنوت، وهو الخضوع والخشوع. والنتيجة {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ..} [الأحزاب: 31] فالآية السابقة تقرر مضاعفة العذاب لمن تأتي بالفاحشة، وهذه تقرر مضاعفة الأجر لمن تخضع لله وتخشع وتعمل صالحاً. {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} [الأحزاب: 31] أي: أعددناه وجهّزناه لها من الآن، فهو ينتظرها. وحين تتأمل الأسلوب القرآني في هاتين الآيتين تطالعك عظمة الأداء، فحين ذكر الفاحشة ومضاعفة العذاب جاء الفعل {أية : يُضَاعَفْ ..} تفسير : [الأحزاب: 30] مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعله، أما في الكلام عن القنوت لله، فقال {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا ..} [الأحزاب: 31] فجاء الفعل مُسْنداً إلى الحق سبحانه مباشرة، وكأن الحق سبحانه لم يُرِدْ أنْ يواجه بذاته في مقام العذاب، إنما واجه بالعذاب فقط. ومجرد بناء الفعل {أية : يُضَاعَفْ ..} تفسير : [الأحزاب: 30] للمجهول يدل على رحمة الله ولُطْفه في العبارة، فالحق سبحانه يحب خَلْقه جميعاً، ويتحبب ويتودد إليهم، ويرجو من العاصي أنْ يرجع ويفرح سبحانه بتوبة عبده المؤمن أكثر من فرح أحدكم حين يجد راحلته وقد ضلَّتْ منه في فلاة. وجاء في الأثر: "حديث : يا ابن آدم، لا تخافنَّ من ذي سلطان ما دام سلطاني باقياً وسلطاني لا ينفد أبداً، يا ابن آدم، لا تخْشَ من ضيق الرزق وخزائني ملآنة وخزائني لا تنفد أبداً، يا ابن آدم، خلقتُكَ للعبادة فلا تلعب - والمراد باللعب العمل الذي لا جدوى منه - وقسمتُ لك رزقك فلا تتعب ". تفسير : والمراد هنا لا تتعب، ولا تشغل قلبك، فالتعب يكون للجوارح، كلما جاء في الحديث الشريف: "حديث : مَنْ بات كالاً من عمل يده بات مغفوراً له" تفسير : ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يداً خشنة من العمل قال: "حديث : هذه يد يحبها الله ورسوله ". تفسير : فالتعب تعب القلب، فالشيء الذي يطيقه صدرك، وتقدر على تحمُّله لا يُتعِبك؛ لذلك نجد خالي الصدر من الهموم يعمل في الصخر وهو هادىء البال، يغني بحداء جميل ونشيد رائع يُقوِّي عزيمته، ويعينه على المواصلة، فتراه مع هذا المجهود فَرِحاً منشرحَ الصدر. وقد فطن الشاعر العربي لهذه المسألة فقال: شعر : لَيْسَ بحمْلٍ مَا أطَاقَ الظَّهر مَا الحمْلُ إلاَّ مَا وَعَأهُ الصَّدْرُ تفسير : فالمعنى: أتعب جوارحك، لكن لا تُتعِب قلبك، والكَلَل والتعب لا يأتي على الجوارح إنما على القلب، فأتعب جوارحك في العمل الجاد النافع الذي تأخذ من ثمرته على قدر حاجتك، وتفيض بالباقي على غير القادرين. ثم يقول: "حديث : فإنْ أنتَ رضيتَ بما قَسمتْهُ لك أرحْتَ قلبك وبدنك وكنتَ عندي محموداً، وإنْ أنت لم تَرْضَ بما قََسَمْتُه لكَ فوعزتي وجلالي لأسلطنَّ عليك الدنيا تركضُ فيها ركْضَ الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ما قَسَمْتُه لك، وكنت عندي مذموماً، يا ابن آدم، خلقتُ السماوات والأرض ولم أَعْيَ بخلقهن، أَيُعْييني رغيفٌ أسوقه لك .. يا ابن آدم، لا تطالبني برزق غد كما لم أطالبك بعمل غدٍ، يا ابن آدم أنا لم أَنْسَ مَنْ عصاني، فكيف بمَنْ أطاعني؟ " تفسير : وشاهدنا هنا قوله تعالى في آخر الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم، أنا لك محب فبحقي عليك كُنْ لي مُحِباً ". تفسير : فربُّك يظهر لنا بذاته في مقام الخير وجلب النفع لك، أما في الشر فيشير إليك من بعيد، ويلفت نظرك برِفْق. كما نلحظ في أسلوب الآية قوله تعالى - والخطاب لنساء النَّبِي {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ ..} [الأحزاب: 31] ولم يقل تقنت .. ثم أنَّثَ الفعل في {وَتَعْمَلْ صَالِحاً ..} [الأحزاب: 31] فمرة يراعي اللفظ، ومرة يراعي المعنى، وسبق أنْ قُلْنا إن (مَنْ) اسم موصول يأتي للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر وللمؤنث. ونقف أيضاً هنا عند وصف الرزق بأنه كريم {وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} [الأحزاب: 31] قلنا: إن الرزق كل ما يُنتفع به من مأكل، أو مشرب، أو ملبس، أو مسكن، أو مرافق، وقد يأتي في صورة معنوية كالعلم والحلم .. إلخ، وهذا الرزق في الدنيا لا يُوصف بأنه كريم، إنما الكريم هو الرازق سبحانه، فلماذا وصف الرزق بأنه كريم؟ قالوا: فَرْق بين الرزق في الدنيا والرزق في الآخرة، الرزق في الدنيا له أسباب، فالسبب هو الرازق من والد أو وَالٍ أو أجير أو تاجر .. إلخ فالذي يجري لك الرزق على يديه هو الذي يُوصف بالكرم، أما في الآخرة فالرزق يأتيك بلا أسباب، فناسب أنْ يُوصف هو نفسه بأنه كريم، ثم فيها ملحظ آخر: إذا كان الرزق يوصف بالكرم، فما بال الرازق الحقيقي سبحانه؟ ثم يقول الحق سبحانه: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} معناه نُعطِها ثَوَابَها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وقوله: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً} [الأحزاب: 31] أي: تعمل لله خالصاً غير مشرب بطمع الجنة؛ ولهذا قال الله ورسوله: ولم يعمل للدار الآخرة {نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} [الأحزاب: 31] يشير إلى أن الطاعة والعمل الصالح من غير شوب يوجب أجر المزيد في القرب وبتبعيتها يوجب أجراً آخر في درجات الجنة {وَأَعْتَدْنَا لَهَا} [الأحزاب: 31] بمزيد العناية {رِزْقاً كَرِيماً} [الأحزاب: 31] والكريم هو الله أي: يرزقه من المشاهدات الربانية والمكاشفات والمكالمات مزيداً على القربة، وهذا معنى قوله: {أية : وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40]. وقوله: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} [الأحزاب: 32] يشير إلى أرباب قلوب أسرار أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية المشايخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الحق {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} بالله من غيره {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ} لشيء من الدارين على أن تخضع له بالقول لا بالقلب والعمل بزعمك، فإن كثيرا من الصادقين يخضعون لأرباب الدنيا والأعمال الدنيوية لصلاح الآخرة ومصالح الدين بزعمهم، فبالتدريج وقعوا في ورطة الهلاك ورجعوا القهقرى إلى الدنيا واستغرقوا في بحر الغفلات لضعف الحالات، وهذا معنى قوله: {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]. وقوله: {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [الأحزاب: 32] يشير إلى أن لا يشرعوا في شيء من أحوال الدنيا وأعمالها إلا بحسب القوة والقدرة التي يغلبون عليها بالمعروف، ولا يغلب عليكم بالنكرات {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] يخاطب به القلوب أن يقروا في أوطانهم من عالم الملكوت من الأرواح متوجهين إلى الحضرة {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} [الأحزاب: 33] أي: لا تخرجوا إلى عالم الحواس راغبين في زينة الدنيا وشهواتها كما هو من عادات الجهلة. {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ} [الأحزاب: 33] بدوام الحضور والمراقبة والعروج إلى الله بالسير، فإن الصلاة معراج المؤمن بأن يرفع يديه من الدنيا ويكبر عليها، ويقبل على الله بالإعراض عما سواه ويرجع من مقام تكبر الإنساني إلى خضوع ركوع الحيواني، ومنه إلى خضوع سجود النباتي، ثم إلى قعود الجمادي، فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب، فيكون رجوعه يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها ويسلم عن شماله على الدنيا وما فيها مستغرقاً في بحر الألوهية بإقامة الصلاة وإدامتها. {وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ} [الأحزاب: 33] فالزكاة ما زاد على الوجود الحقيقي من الوجود المجازي فإيتاؤها صرفها وإفناؤها في الوجود الحقيقي بطريق {وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ} [الأحزاب: 33] وهو لوث الحدوث بشراب طهر تجلي صفات جماله وجلاله: {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} [الأحزاب: 33] لا يكون عن تلوثاً {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} [الأحزاب: 34] يشير به إلى تذكر عظيم النعمة التي تصل من مواهب الحق، وجليل الحالة التي تجري في بيوت القلوب من الواردات والإشارات والشواهد والكشوف وحقائق القرآن وأسراره وأنواره ومواعظه والحكمة التي فيه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} [الأحزاب: 34] بعباده بأن جعل قلوبهم مرآة صفات لطفه ومظهرها {خَبِيراً} [الأحزاب: 34] فيما صنع ولما صنع.

همام الصنعاني

تفسير : 2336- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ}: [الآية: 31]، قال: كل قنوت في القرآن: طاعة.