٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاء } لما ذكر أن عذابهن ضعف عذاب غيرهن وأجرهن مثلاً أجر غيرهن صرن كالحرائر بالنسبة إلى الإماء، فقال: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ } ومعنى قول القائل ليس فلان كآحاد الناس، يعني ليس فيه مجرد كونه إنساناً، بل وصف أخص موجود فيه، وهو كونه عالماً أو عاملاً أو نسيباً أو حسيباً، فإن الوصف الأخص إذا وجد لا يبقى التعريف بالأعم، فإن من عرف رجلاً ولم يعرف منه غير كونه رجلاً يقول رأيت رجلاً فإن عرف علمه يقول رأيت زيداً أو عمراً، فكذلك قوله تعالى: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاء } يعني فيكن غير ذلك أمر لا يوجد في غيركن وهو كونكن أمهات جميع المؤمنين وزوجات خير المرسلين، وكما أن محمداً عليه السلام ليس كأحد من الرجال، كما قال عليه السلام: «حديث : لست كأحدكم» تفسير : كذلك قرائبه اللاتي يشرفن به وبين الزوجين نوع من الكفاءة. ثم قوله تعالى: {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون متعلقاً بما قبله على معنى لستن كأحد إن اتقيتن فإن الأكرم عند الله هو الأتقى وثانيهما: أن يكون متعلقاً بما بعده على معنى إن اتقيتن فلا تخضعن والله تعالى لما منعهن من الفاحشة وهي الفعل القبيح منعهن من مقدماتها وهي المحادثة مع الرجال والانقياد في الكلام للفاسق. ثم قوله تعالى: {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ } أي فسق وقوله تعالى: {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } أي ذكر الله، وما تحتجن إليه من الكلام والله تعالى لما قال: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ } ذكر بعده {وَقُلْنَ } إشارة إلى أن ذلك ليس أمراً بالإيذاء والمنكر بل القول المعروف وعند الحاجة هو المأمور به لا غيره.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} يعني في الفضل والشرف. وقال: «كَأَحَدٍ» ولم يقل كواحدة؛ لأن أحداً نفي من المذكر والمؤنث والواحد والجماعة. وقد يقال على ما ليس بآدميّ؛ يقال: ليس فيها أحد، لا شاة ولا بعير. وإنما خصص النساء بالذكر لأن فيمن تقدم آسية ومريم. وقد أشار إلى هذا قتادة؛ وقد تقدّم في «آل عمران» الاختلاف في التفضيل بينهن، فتأمله هناك. ثم قال: {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} أي خفتن الله. فبيّن أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط التقوى؛ لما منحهن الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه، ونزول القرآن في حقهن. قوله تعالى: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ} في موضع جزم بالنهي؛ إلا أنه مبنيّ كما بني الماضي، هذا مذهب سيبويه؛ أي لا تلنّ القول. أمرهن الله أن يكون قولهن جزلاً وكلامهن فصلاً، ولا يكون على وجه يُظهر في القلب علاقة بما يَظهر عليه من اللين؛ كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه؛ مثل كلام المريبات والمومسات. فنهاهن عن مثل هذا. قوله تعالى: {فَيَطْمَعَ} بالنصب على جواب النهي. {ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي شك ونفاق؛ عن قتادة والسُّدِّي. وقيل: تشوف لفجور، وهو الفسق والغَزَل؛ قاله عكرمة. وهذا أصوب، وليس للنفاق مدخل في هذه الآية. وحكى أبو حاتم أن الأعرج قرأ «فَيَطْمِع» بفتح الياء وكسر الميم. النحاس: أحسب هذا غلطاً، وأن يكون قرأ «فيطمَعِ» بفتح الميم وكسر العين بعطفه على «تَخْضَعْنَ» فهذا وجه جيد حسن. ويجوز «فيُطْمِع» بمعنى فيطمع الخضوع أو القول. قوله تعالى: {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} قال ابن عباس: أمرهن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والمرأة تندب إذا خاطبت الأجانب وكذا المحرّمات عليها بالمصاهرة إلى الغلظة في القول من غير رفع صوت؛ فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام. وعلى الجملة فالقول المعروف: هو الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا النفوس.
ابن كثير
تفسير : هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم ونساءُ الأمة تبع لهن في ذلك، فقال تعالى مخاطباً لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بأنهن إِذا اتقين الله عز وجل كما أمرهن، فإِنه لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال تعالى: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ} قال السدي وغيره: يعني بذلك: ترقيق الكلام إِذا خاطبن الرجال، ولهذا قال تعالى: {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي: دغل، {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} قال ابن زيد: قولاً حسناً جميلاً معروفاً في الخير، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لاتخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها. وقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ} أي: إلزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تمنعوا إِماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تفلات» تفسير : وفي رواية: «حديث : وبيوتهن خير لهن»تفسير : . وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا أبو رجاء الكلبي روح بن المسيب ثقة، حدثنا ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال: جئن النساء إِلى رسول الله، فقلن: يارسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قعدت ــــ أو كلمة نحوها ــــ منكن في بيتها، فإِنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى»تفسير : ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إِلا روح بن المسيب، وهو رجل من أهل البصرة مشهور. وقال البزار أيضاً: حدثنا محمد بن المثنى، حدثني عمرو بن عاصم، حدثنا همام عن قتادة عن مورّق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إِن المرأة عورة، فإِذا خرجت، استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها، وهي في قعر بيتها» تفسير : رواه الترمذي عن بندار عن عمرو بن عاصم به نحوه. وروى البزار بإِسناده المتقدم، وأبو داوود أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها» تفسير : وهذا إِسناد جيد. وقوله تعالى: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية. وقال قتادة: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} يقول: إِذا خرجتن من بيوتكن، وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك. وقال مقاتل بن حيان: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج. وقال ابن جرير: حدثني ابن زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا داود يعني بن أبي الفرات، حدثنا علي بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تلا هذه الآية: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} قال: كانت فيما بين نوح وإِدريس، وكانت ألف سنة، وإِن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صِباحاً، وفي النساء دَمامة. وكان نساء السهل صِباحاً وفي الرجال دَمامة، وإِن إِبليس لعنه الله أتى رجلاً من أهل السهل في صورة غلام، فآجر نفسه منه، فكان يخدمه، فاتخذ إِبليس شيئاً من مثل الذي يزمر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله، فانتابوهم يسمعون إِليه، واتخذوا عيداً يجتمعون إِليه في السنة، فيتبرج النساء للرجال، قال: ويتزين الرجال لهن، وإِن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه، فأخبرهم بذلك، فتحولوا إِليهن، فنزلوا معهن، وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله تعالى: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ}. وقوله تعالى: {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَـوٰةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} نهاهن أولاً عن الشر، ثم أمرهن بالخير؛ من إِقامة الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإِيتاء الزكاة، وهي الإحسان إِلى المخلوقين، {وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} وهذا من باب عطف العام على الخاص. وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} وهذا نص في دخول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في أهل البيت ههنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولاً واحداً، إِما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وهكذا روى ابن أبي حاتم قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا زيد بن الحباب حدثنا حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم فإِن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن، فصحيح، وإِن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففيه نظر، فإِنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك: (الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها ستة أشهر إِذا خرج إِلى صلاة الفجر يقول: «حديث : الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً» تفسير : رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عفان به. وقال: حسن غريب. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس عن أبي إِسحاق، أخبرني أبو داود عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا طلع الفجر، جاء إِلى باب علي وفاطمة رضي الله عنهما، فقال: «حديث : الصلاة الصلاة، إِنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً» تفسير : أبو داود الأعمى هو نفيع بن الحارث كذاب. (حديث آخر) وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، حدثنا شداد أبو عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، وعنده قوم، فذكروا علياً رضي الله عنه فشتموه، فشتمته معهم، فلما قاموا قال لي: شتمت هذا الرجل؟ قلت: قد شتموه فشتمته معهم، ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة رضي الله عنها أسألها عن علي رضي الله عنه، فقالت: توجه إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وحسن وحسين رضي الله عنهم، آخذ كل واحدٍ منهما بيده حتى دخل، فأدنى علياً وفاطمة رضي الله عنهما، وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً رضي الله عنهما كل واحد منها على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه، أو قال: كساءه، ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} وقال: «حديث : اللهم هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق».تفسير : وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن عبد الكريم بن أبي عمير عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه، زاد في آخره: قال واثلة رضي الله عنه: فقلت: وأنا يا رسول الله صلى الله عليك من أهلك؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : وأنت من أهلي» تفسير : قال واثلة رضي الله عنه: وإِنها من أرجى ما أرتجي. ثم رواه أيضاً عن عبد الأعلى بن واصل عن الفضل بن دكين، عن عبد السلام بن حرب عن كلثوم المحاربي عن شداد أبي عمار قال: إِني لجالس عند واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، إِذ ذكروا علياً رضي الله عنه، فشتموه، فلما قاموا، قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه: إِني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم، فألقى صلى الله عليه وسلم عليهم كساء له، ثم قال لهم: «حديث : اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» تفسير : قلت: يارسول الله وأنا؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : وأنت» تفسير : قال: فوالله إِنها لأوثق عمل عندي. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح، حدثني من سمع أم سلمة رضي الله عنها تذكر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها، فأتته فاطمة رضي الله عنها ببرمة فيها خزيرة، فدخلت عليه بها، فقال صلى الله عليه وسلم لها: «حديث : ادعي زوجك وابنيك» تفسير : قالت: فجاء علي وحسن وحسين رضي الله عنهم، فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة له، وكان تحته صلى الله عليه وسلم كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} قالت رضي الله عنها: فأخذ صلى الله عليه وسلم فضل الكساء، فغطاهم به، ثم أخرج يده، فألوى بها إِلى السماء ثم قال: «حديث : اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» تفسير : قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يارسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : إِنك إِلى خير، إِنك إِلى خير» تفسير : في إِسناده من لم يسم، وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات. (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقداد، حدثنا سعيد بن زربي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة رضي الله عنها إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة، تحملها على طبق، فوضعتها بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أين ابن عمك وابناك؟» تفسير : فقالت رضي الله عنها: في البيت، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ادعيهم»تفسير : ، فجاءت إِلى علي رضي الله عنه فقالت: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت وابناك، قالت أم سلمة رضي الله عنها: فلما رآهم مقبلين، مد صلى الله عليه وسلم يده إِلى كساء كان على المنامة، فمده وبسطه، وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رؤوسهم، وأومأ بيده اليمنى إِلى ربه فقال: «حديث : اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».تفسير : (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند أم سلمة رضي الله عنها، فقالت: في بيتي نزلت: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} قالت أم سلمة: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى بيتي، فقال: «حديث : لاتأذني لأحد» تفسير : فجاءت فاطمة رضي الله عنها، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن رضي الله عنه، فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، ثم جاء الحسين، فلم أستطع أن أحجبه عن جده صلى الله عليه وسلم وأمه رضي الله عنها، ثم جاء علي رضي الله عنه، فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا، فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه، ثم قال: «حديث : هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» تفسير : فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يارسول الله وأنا؟ قالت: فوالله ماأنعم، وقال: «حديث : إِنك إِلى خير».تفسير : (طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن أبي المعدل عن عطية الطفاوي عن أبيه قال: إِن أم سلمة رضي الله عنها حدثته قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي يوماً، إِذ قالت الخادم: إِن فاطمة وعلياً رضي الله عنهما بالسدة، قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قومي فتنحي عن أهل بيتي» تفسير : قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريباً، فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين رضي الله عنهم، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق علياً رضي الله عنه بإِحدى يديه، وفاطمة رضي الله عنها باليد الأخرى، وقبل فاطمة، وقبل علياً، وأغدق عليهم خميصة سوداء، وقال: «حديث : اللهم إِليك لا إِلى النار أنا وأهل بيتي» تفسير : قالت: فقلت: وأنا يارسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : وأنت».تفسير : (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: إِن هذه الآية نزلت في بيتي: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: يارسول الله ألست من أهل البيت؟ فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : إِنك إِلى خير، أنت من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم» تفسير : قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم. (طريق أخرى) رواها ابن جرير أيضاً عن أبي كريب عن وكيع عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن أم سلمة رضي الله عنها بنحوه. (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا خالد بن مخلد، حدثني موسى بن يعقوب، حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال: أخبرتني أم سلمة رضي الله عنها قالت: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إِلى الله عز وجل ثم قال: «حديث : هؤلاء أهل بيتي» تفسير : قالت أم سلمة رضي الله عنها: فقلت: يارسول الله أدخلني معهم، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : أنت من أهلي».تفسير : (طريق أخرى) رواه ابن جرير أيضاً عن أحمد بن محمد الطوسي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة عن أمه رضي الله عنها، بنحو ذلك. (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا مصعب بن المقداد، حدثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة، تحملها على طبق، فوضعتها بين يديه فقال: «حديث : أين ابن عمك وابناك؟» تفسير : فقالت: في البيت، فقال: «حديث : ادعيهم»تفسير : ، فجاءت إِلى علي فقالت: أجبْ رسول الله أنت وابناك. قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين، مد يده إِلي كساء كان على المنامة، فَمده، وبسطه، وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رؤوسهم، وأومأ بيده اليمنى إِلى ربه، فقال: «حديث : اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».تفسير : (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب عند أم سلمة، فقالت: في بيتي نزلت: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} قالت أم سلمة: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلي بيتي، فقال: «حديث : لا تأذني لأحد» تفسير : . فجاءت فاطمة، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن، فلم أستطع أن أحجبه عن أمه وجده، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، ثم جاء علي، فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا، فجَلّلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه، ثم قال: «حديث : هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» تفسير : فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يارسول الله، وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم، وقال: "حديث : إِنك إِلى خير".تفسير : (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع محمد بن بشير عن زكريا عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة رضي الله عنها: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة، وعليه مرطٌ مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن رضي الله عنه، فأدخله معه، ثم جاء الحسين، فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة، فأدخلها معه، ثم جاء علي رضي الله عنه، فأدخله معه، ثم قال صلى الله عليه وسلمحديث : {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} تفسير : رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر به. (طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سريج بن يونس أبو الحارث، حدثنا محمد بن يزيد عن العوام، يعني: ابن حوشب رضي الله عنه، عن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة رضي الله عنها، فسألتها عن علي رضي الله عنه، فقالت رضي الله عنها: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تحته ابنته، وأحب الناس إِليه؟ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً رضي الله عنهم، فألقى عليهم ثوباً فقال: «حديث : اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً» تفسير : قالت: فدنوت منهم فقلت: يارسول الله وأنا من أهل بيتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : تنحي فإِنك على خير».تفسير : (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي، حدثنا مندل عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}» تفسير : قد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة رضي الله عنها كما تقدم. وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد العجلي عن عطية عن أبي سعيد رضي الله عنه موقوفاً، والله سبحانه وتعالى أعلم. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد رضي الله عنه قال: قال سعد رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي، فأخذ علياً وابنيه وفاطمة رضي الله عنهم، فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: «حديث : رب هؤلاء أهلي وأهل بيتي».تفسير : (حديث آخر) وقال مسلم في "صحيحه": حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مخلد جميعاً عن ابن علية، قال زهير: حدثنا إِسماعيل بن إِبراهيم، حدثني أبو حيان، حدثني يزيد بن حبان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إِلى زيد بن أرقم رضي الله عنه، فلما جلسنا إِليه، قال له حصين: لقد لقيت يازيد خيراً كثيراً؛ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم فاقبلوا، ومالا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطيباً بماء يدعى خماً، بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «حديث : أما بعد، ألا أيها الناس فإِنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله تعالى، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به» تفسير : فحث على كتاب الله عز وجل، ورغب فيه، ثم قال: «حديث : وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» تفسير : ثلاثاً، فقال له حصين: ومن أهل بيته يازيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس رضي الله عنهم، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم. ثم رواه عن محمد بن بكار بن الريان عن حسان بن إِبراهيم عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، فذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه: فقلت له: من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، وايم الله إِن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إِلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده. هكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى، والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إِنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح؛ جمعاً بينها وبين الرواية التي قبلها، وجمعاً أيضاً بين القرآن والأحاديث المتقدمة إِن صحت، فإِن في بعض أسانيدها نظراً، والله أعلم، ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن: أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم داخلات في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} فإِن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِى بُيُوتِكُـنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْــمَةِ} أي: واعملن بما ينزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قتادة وغير واحد، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإِنه لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه. قال بعض العلماء رحمه الله: لأنه لم يتزوج بكراً سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العليا، ولكن إِذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية؛ كما تقدم في الحديث: «حديث : وأهل بيتي أحق»تفسير : . وهذا مايشبه ماثبت في "صحيح مسلم": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: «حديث : هو مسجدي هذا» تفسير : فهذا من هذا القبيل، فإِن الآية إِنما نزلت في مسجد قباء؛ كما ورد في الأحاديث الأخر، ولكن إِذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بتسميته بذلك، والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي جميلة قال: إِن الحسن بن علي رضي الله عنهما استخلف حين قتل علي رضي الله عنهما، قال: فبينما هو يصلي، إِذ وثب عليه رجل، فطعنه بخنجره، وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد، وحسن رضي الله عنه ساجد. قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه، فمرض منها أشهراً، ثم برأ، فقعد على المنبر فقال: يا أهل العراق اتقوا الله فينا، فإِنا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} قال: فما زال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إِلا وهو يحن بكاءً. وقال السدي عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين رضي الله عنهما لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأحزاب: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}؟ فقال: نعم، ولأنتم هم؟ قال: نعم. وقوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} أي: بلطفه بكن بلغتن هذه المنزلة، وبخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك، وخصكن بذلك. قال ابن جرير رحمه الله: واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله تعالى على ذلك واحمدنه، { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} أي: ذا لطف بكن، إِذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آيات الله والحكمة، وهي السنة. خبيراً بكن، إِذ اختاركن لرسوله أزواجاً. وقال قتادة: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِى بُيُوتِكُـنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْــمَةِ} قال: يمتن عليهن بذلك، رواه ابن جرير. وقال عطية العوفي في قوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} يعني: لطيفاً باستخراجها، خبيراً بموضعها، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وكذا روي عن الربيع بن أنس عن قتادة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ } كجماعة {مِّنَ ٱلنّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ } الله فإنكنّ أعظم {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ } للرجال {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ } نفاق {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } من غير خضوع.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَا نِسَآءَ النَّبِيَّ لَسْتنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النِّسَآءِ} قال قتادة: من نساء هذه الأمة. {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} قال مقاتل: إنكن أحق بالتقوى من سائر النساء. {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} فيه ستة أوجه: أحدها: معناه فلا ترققن بالقول. الثاني: فلا ترخصن بالقول، قاله ابن عباس. الثالث: فلا تُلِن القول، قاله الفراء. الرابع: لا تتكلمن بالرفث، قاله الحسن. قال متمم. شعر : ولستُ إذا ما أحدث الدهر نوبة عليه بزوّار القرائب أخضعا تفسير : الخامس: هو الكلام الذي فيه ما يهوى المريب. السادس: هو ما يدخل من كلام النساء في قلوب الرجال، قاله ابن زيد. {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} فيه قولان: أحدهما: أنه شهوة الزنى والفجور، قاله عكرمة والسدي. الثاني: أنه النفاق، قاله قتادة. وكان أكثر من تصيبه الحدود في زمان النبي صلى الله عليه وسلم المنافقون. {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: صحيحاً، قاله الكلبي. الثاني: عفيفاً، قاله الضحاك. الثالث: جميلاً. قوله عز وجل: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} قرئت على وجهين: أحدهما: بفتح القاف، قرأه نافع وعاصم، وتأويلها اقررن في بيوتكن، من القرار في مكان. الثاني: بكسر القاف: قرأها الباقون، وتأويلها كن أهل وقار وسكينة. {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} وفي خمسة أوجه: أحدها: أنه التبختر، قاله ابن أبي نجيح. الثاني: كانت لهن مشية تكسرٍ وتغنج، فنهاهن عن ذلك، قاله قتادة، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : المَائِلاَتُ المُمِيلاَتُ: اللاَّئِي يَسْتَمِلْنَ قُلُوبَ الرِّجَالِ إلَيهِنَّ ". تفسير : الثالث: أنه كانت المرأة تمشي بين يدي الرجل، فذلك هو التبرج، قاله مجاهد. الرابع: هو أن تلقي الخمار على رأسها ولا تشده ليواري قلائدها وعنقها وقرطها، ويبدو ذلك كله منها، فذلك هو التبرج، قال مقاتل بن حيان. الخامس: أن تبدي من محاسنها ما أوجب الله تعالى عليها ستره، حكاه النقاش وأصله من برج العين وهو السعة فيها. وفي {الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} أربعة أقاويل: أحدها: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام، قاله الشعبي وابن أبي نجيح. الثاني: زمان إبراهيم، قاله مقاتل والكلبي، وكانت المرأة في ذلك الزمان تلبس درعاً مفرجاً ليس عليها غيره وتمشي في الطريق، وكان زمان نمرود. الثالث: أنه ما بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما تكون النساء، ورجالهم حسان، وكانت المرأة تريد الرجل على نفسها، فهو تبرج الجاهلية الأولى: قاله الحسن. الرابع: أنه ما بين نوح وإدريس. روى عكرمة عن ابن عباس أن الجاهلية الأولى كانت ألف سنة. وفيه قولان: أحدهما: أنه كانت المرأة في زمانها تجمع زوجاً وخلما، والخلم الصاحب، فتجعل لزوجها النصف الأسفل ولخلمها نصفها الأعلى، ولذلك يقول بعض الخلوم: شعر : فهل لك في البدال أبا خبيب فأرضى بالأكارع والعجُوز تفسير : الثاني: وهو مبدأ الفاحشة، وهو أن بطنين من بني آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحاً وفي النساء دمامة، وأن إبليس اتخذ لهم عيداً فاختلط أهل السهل بأهل الجبل فظهرت الفاحشة فيهم، فهو تبرج الجاهلية. قوله عز وجل: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} وفي الرجس ها هنا ستة أقاويل: أحدها: الإثم، قاله السدي. الثاني: الشرك، قاله الحسن. الثالث: الشيطان، قاله ابن زيد. الرابع: المعاصي. الخامس: الشك. السادس: الأقذار. وفي قوله تعالى {أَهْلَ الْبَيْتِ}- ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عنى علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، قاله أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم. الثاني: أنه عنى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله ابن عباس وعكرمة. الثالث: أنها في الأهل والأزواج، قاله الضحاك. {وَيُطَهّرَكُمْ تطْهِيراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من الإثم، قاله السدي. الثاني: من السوء، قاله قتادة. الثالث: من الذنوب، قاله الكلبي، ومعانيها متقاربة. وفي تأويل هذه الآية لأصحاب الخواطر ثلاثة أوجه: أحدها: يذهب عنكم رجس الأهواء والتبرج ويطهركم من دنس الدنيا والميل إليها. الثاني: يذهب عنكم رجس الغل والحسد، ويطهركم بالتوفيق والهداية. الثالث: يذهب عنكم رجس البخل والطمع ويطهركم بالسخاء والإيثار، روى أبو ليلى الكندي عن أم سلمة أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيتها على منام له، عليه كساء خيبري. قوله عز وجل: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ} قال قتادة القرآن. {وَالْحِكْمَةِ} فيها وجهان: أحدهما: السنة، قاله قتادة. الثاني: الحلال والحرام والحدود، قاله مقاتل. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} قال عطية العوفي: لطيفاً باستخراجها خبيراً بموضعها.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ} من نساء هذه الأمة {فَلا تَخْضَعْنَ} فلا ترققن بالقول، أو لا ترخصن به "ع" أو تلن القول أو لا تكلمن بالرفث أو بالكلام الذي فيه ما يهوى المريب أو ما يدخل من كلام النساء في قلوب الرجال. {مَرضٌ} شهوة الزنا والفجور، أو النفاق، وكان أكثر من تصيبه الحدود في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقون {مَّعْرُوفاً} صحيحاً، أو عفيفاً، أو جميلاً.
البقاعي
تفسير : ولما كان لكل حق حقيقة، ولكل قول صادق بيان، قال مؤذناً بفضلهن: {يا نساء النبي} أي الذي أنتن من أعلم الناس بما بينه وبين الله من الإنباء بدقائق الأمور وخفايا الأسرار وما له من الزلفى لديه {لستن كأحد من النساء} قال البغوي: ولم يقل: كواحدة، لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث - انتهى، فالمعنى كجماعات من جماعات النساء إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد فيهن جماعة تساويكن في الفضل لما خصكن الله به من قربة بقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزول الوحي الذي بينه وبين الله في بيوتكن. ولما كان المعنى: بل أنتن أعلى النساء، ذكر شرط ذلك فقال: {إن اتقيتن} أي جعلتن بينكن وبين غضب الله وغضب رسوله وقاية، ثم سبب عن هذا النفي قوله: {فلا تخضعن} أي إذا تكلمتن بحضرة أجنبي {بالقول} أي بأن يكون لينا عذباً رخماً، والخضوع التطامن والتواضع واللين والدعوة إلى السواء؛ ثم سبب عن الخضوع: قوله: {فيطمع} أي في الخيانة {الذي في قلبه مرض} أي فساد وريبة, والتعبير بالطمع للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في الحقيقة، لأن اللين في كلام النساء خلق لهن لا تكلف فيه، فأريد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم التكلف للإتيان بضده. ولما نهاهن عن الاسترسال مع سجية النساء في رخامة الصوت، أمرهن بضده فقال: {وقلن قولاً معروفاً} أي يعرف أنه بعيد عن محل الطمع. ولما تقدم إليهن في القول وقدمه لعمومه، أتبعه الفعل فقال: {وقرن} أي اسكنّ وامكثن دائماَ {في بيوتكن} فمن كسر القاف وهم غير المدنيين وعاصم جعل الماضي قرر بفتح العين، ومن فتحه فهو عنده قرر بكسرها، وهما لغتان. ولما أمرهن بالقرار، نهاهن عن ضده مبشعاً له، فقال: {ولا تبرجن} أي تظاهرن من البيوت بغير حاجة محوجة، فهو من وادي أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهن بعد حجة الوداع بلزوم ظهور الحصر {تبرج الجاهلية الأولى} أي المتقدمة على الإسلام وعلى ما قبل الأمر بالحجاب، بالخروج من بيت والدخول في آخر، والأولى لا تقتضي أخرى كما ذكره البغوي، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها ما بين نوح وإدريس عليهما السلام، تبرج فيها نساء السهول - وكن صباحاً وفي رجالهن دمامة - لرجال الجبال وكانوا صباحاً وفي نسائهن دمامة، فكثر الفساد، وعلى هذا فلها ثانية. ولما أمرهن بلزوم البيوت للتخلية عن الشوائب، أرشدهن إلى التحلية بالرغائب، فقال: {وأقمن الصلاة} أي فرضاً ونفلاً، صلة لما بينكن وبين الخالق لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر {وآتين الزكاة} إحساناً إلى الخلائق، وفي هذا بشارة بالفتوح وتوسيع الدنيا عليهن، فإن العيش وقت نزولها كان ضيقاً عن القوت فضلاً عن الزكاة. ولما أمرهن بخصوص ما تقدم لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ومن اعتنى بهما حق الاعتناء جرتاه إلى ما وراءهما، عم وجمع في قوله: {وأطعن الله} أي ذاكرات ما له من صفات الكمال {ورسوله} في جميع ما يأمران به فإنه لم يرسل إلا للأمر والنهي تخليصاً للخلائق من أسر الهوى. ولما كانت هذه الآيات قد نهت عن الرذائل, فكانت عنها أشرف الفضائل, قال مبيناً أن ذلك إنما هو لتشريف أهل النبي صلى الله عليه وسلم لتزيد الرغبة في ذلك مؤكداً دفعاً لوهم من يتوهم أن ذلك لهوان أو غير ذلك من نقصان وحرمان: {إنما يريد الله} أي وهو ذو الجلال والجمال بما أمركم به ونهاكم عنه من الإعراض عن الزينة وما تبعها، والإقبال عليه، عزوفكم عن الدنيا وكل ما تكون سبباً له {ليذهب} أي لأجل أن يذهب {عنكم الرجس} أي الأمر الذي يلزمه دائماً الاستقذار والاضطراب من مذام الأخلاق كلها {أهل} يا أهل {البيت} أي من كل من تكون من إلزام النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء من الأزواج والإماء والأقارب، وكلما كان الإنسان منهم أقرب وبالنبي صلى الله عليه وسلم أخص وألزم، كان بالإرادة أحق وأجدر. ولما استعار للمعصية الرجس، استعار للطاعة الطهر، ترغيباً لأصحاب الطباع السليمة والعقول المستقيمة، في الطاعة، وتنفيراً لهم عن المعصية فقال: {ويطهركم} أي يفعل في طهركم بالصيانة عن جميع القاذورات الحسية والمعنوية فعل المبالغ فيه، وزاد ذلك عظماً بالمصدر فقال: {تطهيراً}. ولما ذكر ذلك إلى أن ختم بالتطهير، أتبعه التذكير بما أنعم سبحانه به مما أثره التطهير من التأهيل لمشاهدة ما يتكرر من تردد الملائكة بنزول الوحي الذي هو السبب في كل طهر ظاهر وباطن، فقال مخصصاً من السياق لأجلهن رضي الله عنهن، منبهاً لهن على أن بيوتهن مهابط الوحي ومعادن الأسرار: {واذكرن} أي في أنفسكن ذكراً دائماً، واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ والتعليم. ولما كانت العناية بالمتلو، بينها بإسناد الفعل إليه لبيان أنه عمدة الجملة فقال بانياً للمفعول: {ما يتلى} أي يتابع ويوالي ذكره والتخلق به، وأشار لهن إلى ما خصهن منه من الشرف فقال: {في بيوتكن} أي بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم الذي خيركن {من آيات الله} الذي لا أعظم منه. ولما كان المراد بذلك القرآن، عطف عليه ما هو أعم منه، فقال مبيناً لشدة الاهتمام به بإدخاله في جملة المتلو اعتماداً على أن العامل فيه معروف لأن التلاوة لا يقال في غير الكتاب: {والحكمة} أي ويبث وينشر من العلم المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم، ولا تنسين شيئاً من ذلك. ولما كان السياق للإعراض عن الدنيا، وكانت الحكمة منفرة عنها، أشار بختام الآية إلى أنها مع كونها محصلة لفوز الأخرى جالبة لخير الدنيا، فقال مؤكداً ردعاً لمن يشك في أن الرفعة يوصل إليها بضدها ونحو ذلك مما تضمنه الخبر من جليل العبر: {إن الله} أي والذي له جميع العظمة {كان} أي لم يزل {لطيفاً} أي يوصل إلى المقاصد بوسائل الأضداد {خبيراً} أي يدق علمه عن إدراك الأفكار، فهو يجعل الإعراض عن الدنيا جالباً لها على أجمل الطرائق وأكمل الخلائق وإن رغمت أنوف جميع الخلائق، ويعلم من يصلح لبيت النبي صلى الله عليه وسلم ومن لا يصلح، وما يصلح الناس دنيا وديناً وما لا يصلحهم، والطرق الموصلة إلى كل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس "من انقطع إلى الله كفاه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه الطبراني في الصغير وابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن عمران بن حصين رضي الله عنه "من توكل على الله كفاه، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها" - رواه صاحب الفردوس وأبو الشيخ ابن حيان في كتاب الثواب عن عمران رضي الله عنه أيضاً، ولقد صدق الله سبحانه وعده في لطفه وحقق بره في خبره بأن فتح على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك خيبر، فأفاض بها ما شاء من رزقه الواسع، ثم لما توفي نبيه صلى الله عليه وسلم ليحيمه من زهرة الحياة الدنيا فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن، فعم الفتح جميع الأقطار: الشرق والغرب والجنوب والشمال، ومكن أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من كنوز جميع تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة رضوان الله عليهم يكيلون المال كيلاً، وزاد الأمر حتى دون عمر الدواوين وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء، وكان أولاً لا يفرض للمولود حتى يفطم، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه: لا تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وفاوت بين الناس في العطاء بحسب القرب من النبي صلى الله عليه وسلم والبعد منه, وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة, ونزّل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس حتى قدم عليه خالد بن عرفطة فسأله عما وراءه فقال: تركتهم يسألون الله لك أن يزيد في عمرك من أعمارهم، فقال عمر رضي الله عنه: إنما هو حقهم وأنا أسعد بأدائه إليهم، لو كان من مال الخطاب ما أعطيتموه، ولكن قد علمت أن فيه فضلاً، فلو أنه إذا خرج عطاء أحدهم ابتاع منه غنماً، فجعلها بسوادكم، فإذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها، فإن بقي أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه، فإني لا أدري ما يكون بعدي، وإني لأعم بنصيحتي كل من طوقني الله أمره، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من مات غاشاً لرعيته لم يرح ريح الجنة"تفسير : ، فكان فرضه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفاً لكل واحدة وهي نحو ألف دينار في كل سنة، وأعطى عائشة رضي الله عنها خمسة وعشرين ألفاً لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فأبت أن تأخذ إلا ما يأخذه صواحباتها، وروى عن برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر رضي الله عنه إلى زينب بنت جحش رضي الله عنها بالذي لها فلما أدخل إليها قالت: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي أقوى على قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك يا أم المؤمنين، قالت: سبحان الله! واستترت منه بثوب، ثم قالت: صبوه واطرحوا عليه ثوباً، ثم قالت لي: ادخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها، فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب، قالت برزة بنت رافع: فقلت: غفر الله له يا أم المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذا المال حق، قالت: فلكم ما تحت الثوب، فوجدنا تحته خمسمائة وثمانين درهماً، ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت - ذكر ذلك البلاذري في كتاب فتوح البلاد. ولما حث سبحانه على المكارم والأخلاق الزاكية، وختم بالتذكير بالآيات والحكمة، أتبعه ما لمن تلبس من أهل البيت بما يدعو إليه ذلك من صفات الكمال، ولكنه ذكره على وجه يعم غيرهم من ذكر وأنثى مشاكلة لعموم الدعوة وشمول الرسالة، فقال جواباً لقول النساء: يا رسول الله! ذكر الله الرجال ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا يقبل منا طاعة، بادئاً الوصف الأول الأعم الأشهر من أوصاف أهل هذا الدين مؤكداً لأجل كثرة المنافقين المكذبين بمضمون هذا الخبر وغيرهم من المصارحين: {إن المسلمين} ولما كان اختلاف النوع موجباً للعطف، قال معلماً بالتشريك في الحكم: {والمسلمات}. ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر فقط، أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان، فقال عاطفاً له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على تمكين الجامعين لهذه الأوصاف من كل وصف منها: {والمؤمنين والمؤمنات} ولما كان المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصاً قال: {والقانتين} أي المخلصين في إيمانهم وإسلامهم {والقانتات} ولما كان القنوت كما يطلق على الإخلاص المقتضي للمداولة قد يطلق على مطلق الطاعة قال: {والصادقين} في ذلك كله {والصادقات} أي في إخلاصهم في الطاعة، وذلك يقتضي الدوام. ولما كان الصدق - وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه - قد لا يكون دائماً، قال مسيراً إلى أن ما لا يكون دائماً لا يكون صدقاً في الواقع: {والصابرين والصابرات} ولما كان الصبر قد يكون سجية، دل على صرفه إلى الله بقوله: {والخاشعين والخاشعات} ولما كان الخشوع - وهو الخضوع والإخبات والسكون - لا يصح مع توفير المال فإنه سيكون إليه، قال معلماً أنه إذ ذاك لا يكون على حقيقته: {والمتصدقين} أي المنفقين أموالهم في رضى الله بغاية الجهد من نفوسهم بما أشار إليه إظهار التاء فرضاً وتطوعاً سراً وعلانية بما أرشد إليه الإظهار أيضاً تصديقاً لخشوعهم {والمتصدقات}. ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار، أتبعه ما يعين عليه فقال: {والصائمين} أي تطوعاً للإيثار بالقوت وغير ذلك {والصائمات} ولما كان الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها، قال: {والحافظين فروجهم} أي عما لا يحل لهم بالصوم وما أثاره الصوم {والحافظات} ولما كان حفظ الفروج وسائر الأعمال لا تكاد توجد إلا بالذكر. وهو الذي فيه المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة للمشاهدة المحيية بالفناء قال: {والذاكرين الله} أي مع استحضار ما له من الكمال بصفات الجلال والجمال {كثيراً} بالقلب واللسان في كل حالة {والذاكرات} ومن علامات الإكثار من الذكر اللهج به عند الاستيقاظ من النوم. ولما كان المطيع وإن جاوز الحد في الاجتهاد مقتصراً عن بلوغ ما يحق له، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله مكرراً الاسم الأعظم إشارة إلى ذلك وإلى صغر الذنوب إذا نسبت إلى عفوه: {أعد الله} أي الذي لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره مع أنه لا يتعاظمه شيء {لهم مغفرة} أي لهفواتهم وما أتوه من سيئاتهم بحيث يمحو عينه وأثره، فلا عتاب ولا عقاب، ولا ذكر له سبب من الأسباب. ولما ذكر الفضل بالتجاوز، أتبعه التفضل بالكرم والرحمة فقال: {وأجراً عظيماً *} وإعداد الأجر يدل على أن المراد بهذه الأوصاف اجتماعها لأن مظهر الإسلام نفاقاً كافر، وتارك شيء من الأوصاف متصف بضده, وحينئذ يكون مخلاً بالباقي, وأن المراد بالعطف التمكن والرسوخ في كل وصف منها زيادة على التمكن الذي أفاده التعبير بالوصف دون الفعل، وحينئذ تعدم الكبائر فيتأتى تكفير الصغائر، فتأتي المغفرة والأجر، وأما آية التحريم فلم تعطف لئلا يظن أنهن أنواع كل نوع يتفرد بوصف، وإفادة الرسوخ هنا في الأوصاف من سياق الامتنان والمدح بكونهن خيراً.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا نساء النبى} [اى زنان بيغمبر] {لستن كاحد من النساء} [نيستيد شما جون هيج كس اززنان ديكر]. واصل احد وحد بمعنى الواحد قلبت واوه همزة على خلاف القياس ثم وضع فى النفى العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد والكثير. والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء فى الفضل والشرف بسبب صحبة النبى عليه السلام فان المضاف الى الشريف شريف {ان اتقيتن} مخالفة حكم الله ورضى رسوله وهو استئناف والكلام تام على احد من النساء ويحتمل ان يكون شرطا لخيريتهن وبيانا ان فضيلتهن انما تكون بالتقوى لا باتصالهن بالنبى عليه السلام شعر : زهد وتقوى فضل را محراب شد تفسير : {فلا تخضعن بالقول} عند مخاطبة الناس اى لا تجبن بقولكن خاضعا لينا مثل قول المطمعات: وبالفارسية [بس نرمى وفروتنى مكنيد در سخن كفتن ونياز مكوييد بامردان بيكانه]. والخضوع التطامن والتواضع والسكون والمرأة مندوبة الى الغلظة فى المقالة اذا خاطبت الاجانب لقطع الاطماع فاذا اتى الرجل باب انسان وهو غائب فلا يجوز للمرأة ان تلين بالقول معه وترفق الكلام له فانه يهيج الشهوة ويورث الطمع كما قال {فيطمع الذى فى قلبه مرض} اى محبة فجور {وقلن قولا معروفا} بعيدا من التهمة والاطماع بجد وخشونة لا بتكسر وتغنج كما يفعله المخنث فالزنى من اسباب الهلاك المعنوى كالمرض من اسباب الهلاك الصورى وسببه الملاينة والمطاوعة شعر : هست نرمى آفت جان سمور وزدرشتى ميبردجان خاريشت تفسير : وفى الآية اشارة الى ان احوال ارباب القلوب الذين اسلموا ارحام قلوبهم لتصرفات ولاية المشايخ ليست كاحوال غيرهم من الخلق فالمتقى بالله من غيره لا يخضع لشئ من الدارين فان الخضوع بالقول يجذب الى الخضوع بالقلب والعمل وكثير من الصادقين يخضعون بالقول لارباب الدنيا والاعمال الدنيوية لصلاح الآخرة ومصالح الدين بزعمهم فبالتدريج يقعون فى ورطة الهلاك ويرجعون القهقرى الى الدنيا ويستغرقون فى بحر الفضلات لضعف الخالات فلا بد من ترك المساعدات وترك الشروع فى شئ من احوال الدنيا واعمالها الا بالمعروف والا فيكون مغلوبا بالمنكرات فنعوذ بالله من المخالفات
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا نساء النبي لستُنَّ كأحدٍ من النساء} أي: لستن كجماعة من جماعات النساء، أي: إذا تقصيت أمة النساء، جماعةً جماعةً، لم توجد منهن جماعة واحدة تُساويكن في الفضل، فكما أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ليس كأحد من الرجال، كما قال: "حديث : إني لسْتُ كَأَحَدِكُمْ..." تفسير : . كذلك زوجاته التي شرُفن به. وأصل "أحد": وَحَدٍ، بمعنى: واحد، فوضع في النفي العامّ، مستوياً فيه المذكّر والمؤنّث، والواحد وما وراءه، أي: لستن في الشرف كأحد من النساء، {إنِ اتقيْتنَّ} مخالفةَ الله ورضا رسوله، {فلا تَخْضَعْنَ بالقولِ} أي: إذا كلمتن الرجال من وراء الحجاب، فلا تجئنَ بقولكنّ خاضعاً، أي: ليناً خنثاً مثل قول المُريبات، {فيَطْمَع الذي في قلبه مرضٌ} ريبة، وفجور، وهو جواب النهي، {وقُلْنَ قولاً معروفاً} حسناً مع كونه خشيناً. {وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ} أي: استكِن فيه، والْزَمن بيوتكن من غير خروج. وقرأ نافع وعاصم بالفتح، وهو من: قرَر يَقْرَرُ، لغة في قرّ بالمكان، وأصله: اقرَرن، فحذفت الراء، تخفيفاً، وألقيت فتحتها على ما قبلها. وقيل: من: قار يقار: إذا اجتمع. والباقون بالكسر، من: قرّ بالمكان يقِرّ ـ بالكسر، وأصله: اِقْررْن، فنقلت كسرة الراء إلى القاف، وحذفت الراء. وقيل: من: وَقَر يَقِر وقاراً. {ولا تبرَّجْنَ تبرجَ الجاهليةِ الأُولى} أي: لا تتبخترن في المشي تبختر أهل الجاهلية، فالتبرُّج: التبختر في المشي وإظهار الزينة، أي: ولا تبرجن تبرجاً مثل {تبرج الجاهلية الأولى} أي: القديمة، وهو الزمان الذي وُلد فيه إبراهيم عليه السلام، فكانت المرأة تتخذ فيه الدرع من اللؤلؤ، وتعرض نفسها على الرجال، زمان نمرود الجبار، والناس كلهم كفار. أو: ما بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة. وكان نساؤهم أقبح ما يكون، ورجالهم حِسَان، فتريده المرأة على نفسها. أو: زمن داود وسليمان عليهما السلام، وكان للمرأة قميص من الدرّ، غير مخيط الجانبين، فتظهر صورتها فيه. والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام أو: الجاهلية الأولى: جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى: جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام. {وأقِمْنَ الصلاةَ وآتينَ الزكاة} خصهما بالذكر؛ تفضيلاً لهما؛ لأن مَن واظب عليهما جرتاه إلى غيرهما. {وأَطِعْنَ اللهَ ورسولَه} في سائر ما أمرَكن به، ونهاكن عنه. {إِنما يُريد اللهُ ليُذهبَ عنكم الرجسَ أهلَ البيت} أي: يا أهل البيت، أو: أخص أهل البيت. وفيه دليل على أن نساءه من أهل بيته. قال البيضاوي: وتخصيص أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما، لِما رُوي أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ خرج ذات غدوة عليه مِرْطٌ مُرَحَّل من شعر أسود، فجاءت فاطمة، فأدخلها، ثم جاء عليّ، فأدخله فيه، ثم جاء الحسن والحسين، فأدخلهما فيه، فقال: "حديث : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهلَ البيت..."تفسير : والاحتجاج بذلك على عصمتهم، وكون اجتماعهم حجة، ضعيف؛ لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، والحديث يقتضي أنهم من أهل البيت، لا أنه ليس غيرهم. هـ. وإنما قال: {عنكم} لأنه أُريد الرجال والنساء. والرجس: كل ما يدنس، من ذنب، أو عيب، أو غير ذلك، وقيل: الشيطان. {ويُطهركم تطهيراً} من نجاسات الآثام والعيوب، وهو كالتعليل لِمَا قبله، فإنما أَمَرَهن، ونهاهن، ووعظهن؛ لئلا يقارف أهل البيت ما يدنس، من المآثم، وليتصوّنوا عنها بالتقوى. واستعار للذنب الرجس، وللتقوى الطُهر؛ لأن عِرض المقترف للمستقبحات يتلوث بها كما يتلوث بدنه بالأرجاس وأما مَن تحصّن منها فعرضه مصون، نقي كالثوب الطاهر. وفيه تنفير لأُولي الألباب عن كل ما يدنس القلوب من الأكدار، وترغيب لهم في كل ما يطهر القلوب والأسرار، من الطاعات والأذكار. {واذْكُرْنَ ما يُتلى في بيوتِكُنَّ من آياتِ الله} القرآن {والحكمةِ} السُنَّة، أو: بيان معاني القرآن، أو: ما يُتلى عليكن من الكتاب الجامع بين الأمرين. {إِن الله كان لطيفاً} عالماً بغوامض الأشياء، {خبيراً} عالماً بحقائقها، أو: هو عالم بأقوالكن وأفعالكن، فاحذرن مخالفة أمره ونهيه، ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم. الإِشارة: علَّق الحق تعالى شرف نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيلهن على سبعة أمور، ويقاس عليهن غيرهن من سائر النساء، فمَن فعل هذه الأمور حاز شرف الدنيا والآخرة. الأول: تقوى الله في السر والعلانية، وهي أساس الشرف. الثاني: التحصُّن مما يُوجب مَيْل الرجال إليهن؛ من التخنُّث في الكلام وغيره. الثالث: لزوم البيوت والقرار بها. وقد مدح الله نساء الجنة بذلك فقال: {أية : حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ }تفسير : [الرحمن: 72]. الرابع: عدم التبرُّج، وهو إظهار الزينة حيث يحضر الرجال. الخامس: إقامة الصلاة وإتقانها وإيتاء الصدقة. السادس: طاعة الله ورسوله، ويدخل فيه طاعة الزوج. السابع: لزوم ذكر الله، وتلاوة كتابه لمن تُحسن ذلك في بيتها. فمَن فعلت من النساء هذه الأمور؛ أذهب الله عنها دنس المعاصي والعيوب، وطهّرها تطهيراً، وأبدلها بمحاسن الأخلاق والشيم الكريمة. والله تعالى أعلم. ولمَّا نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل، قال نساء المؤمنين ما نزل فينا فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ...}
الجنابذي
تفسير : {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ} تشريف آخر لهنّ بتكرار النّداء والخطاب {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} بسبب قرب النّبىّ (ص) وشرافته {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} ان كنتنّ على سجيّة التّقوى، او اتّقيتنّ سخط الله، او اهوية النّفس والطّرق المختلفة النّفسانيّة {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ} اى لا تظهرن قولكنّ لمخاطبيكنّ بحيث يظهر معها محبّتكنّ لهم {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} فيكنّ {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} اى بعيداً من الرّيبة.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا نِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} ثم استأنف الكلام فقال: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} قال الكلبي: هو الكلام الذي فيه ما يهوى المريب. وقال الحسن: فلا تكلّمن بالرفث. وكان أكثر ما يصيب الحدودَ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم المنافقون. قال: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} قال بعضهم: المرض ها هنا الزنا. وقال بعضهم: النفاق. {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. وهذا تبع الكلام الأول: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}. قال: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} وهي تقرأ على وجهين: وقِرن وقَرن. فمن قرأها: {وَقَرْنَ} بالفتح، فهو من القرار، ومن قرأها {وقِرْنَ} بالكسر فمن قِبَل الوقار. قال: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} أي: قبلكم، في تفسير الحسن. وليس يعني أنها كانت جاهلية قبلها، كقوله: (أية : عَاداً الأُولَى) تفسير : [النجم: 50] أي: قبلكم. وبعضهم يقول: الجاهلية التي ولد فيها إبراهيم من قبل الجاهلية التي ولد فيها محمد صلى الله عليه وسلم. ذكروا عن الحسن أنه قال في تفسيرها: تكون جاهلية أخرى. ذكروا عن محمد ابن سيرين قال: لا تقوم الساعة حتى يُعبَد ذو الخَلَصة، فإنه كان كبير الأوثان في الجاهلية. وذكروا عن عبد الله بن عمر قال: تنفخ النفخة الأولى وما يعبد الله يومئذ في الأرض. قال: {وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ} أي: المفروضة، أي: الصلوات الخمس على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. {وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ} أي: المفروضة. {وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: في كل ما تعبَّدكن به من قول أو عمل. {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} أي: الشيطان الذي يدعوكم إلى المعاصي. وبعضهم يقول: الرجس، يعني الإِثم الذي ذُكر في هذه الآيات. {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} أي: من الذنوب. ذكروا عن أنس بن مالك قال: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب علي وفاطمة ستة أشهر وإذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} تفسير : قال بعضهم: بلغنا أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة.
اطفيش
تفسير : {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} هو احد الذي همزته عن واو الملازم للنفي وشبهه الذي يطلق على الواحد والاثنين والجماعة المختص بالعقلاء وهو هنا بمعنى الجماعة الواحدة من النساء اي لا جماعة منهن تساويكن في الفضل بل جماعتكن افضل من كل جماعة منهن اذا قوبلت جماعتكن بجماعة ما من جماعاتهن او أحد في الآية بمعنى المرأة الواحدة فيحمل لستن على الافراد اي ليست واحدة منكن كواحدة من النساء بل هذا أولى لانه يلزم من تفضيل كل واحدة منهن على واحدة ما من النساء اذا قوبلت بها تفضيل جماعتهن على جماعة ما من جماعات النساء بخلاف العكس. {إن اتقيتن} الله ورسوله اي حذرتن مخالفتهما. وقال قتادة: لستن كأحد من نساء عصركن ان اتقيتن ولم يفضلهن على آسية ومريم. {فلا تخضعن بالقول} للرجال لا تلنه وترققنه لهم ككلام المربيات والزواني. وقال الحسن: لا تكلمن بالرفث. {فيطمع الذي في قلبه مرض} نفاق يطمع في الزنى وكان اكثر من تصيبه الحدود في زمان النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين. وقيل: المرض هنا خصوص الزنى وهو قول عكرمة وتفسيره بالنفاق اعم وهو اولى وهو قول قتادة وقرىء بجزم {يطمع} عطفا على محل يخضع لانه جزم بلا وبني لاتصاله بنون الاناث فالنهي مسلط ايضا على يطمع من نهى الغائب لكن تكسر العين للساكن بعدها اي فلا يطمع الذي الخ. والذي فاعل على القراءتين وعن ابن محيصن: فيطمع بضم الياء وكسر الميم وفتح العين ففاعله ضمير القول والذي مفعوله. {وقلن قولا معروفا} عند الحاجة الى التكلم وهو الكلام من غير خضوع البعيد من الريبة فان المرأة مأمورة بتغليظ المقال عند خطاب الاجانب لقطع الاطماع فيها قال بعض العلماء: اذا احتاجت المرأة الى التكلم لأجنبي غيرت صورتها بأن تجعل مثلا ثوبها في فيها ولا يخلو بها الاجنبي ولو كان يعلمها القرآن واجيز بأن تترك الباب غير متصل بالوصيد ان تحفظا عن الفتنة ولا بأس بالخلق بعجوز ولا مطمع فيها. وقيل: القول المعروف ذكر الله.
اطفيش
تفسير : {يا نساء النَّبي لستُنَّ كأحَدٍ من النِّساء} ليست احداكن كشخص من الناسء غيركن من اهل زمانكن او بعده، لا تساوى امرأة من غيركن امرأة منكن، لشرف الزوجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمومة المؤمنين، والتقدير: ليست احداكن كما قال كأحد، وإنما لم يؤنث لان المراد كشخص احد بتنوين شخص، ونعته بأحد او أحد بمعنى جماعة فيقدر مضاف، اى من جماعات النساء، فالمعنى ليست جماعتكن كجماعة من جماعات النساء، كما استعمل للمتعدد فى قوله تعالى: "أية : لا نفرق بين أحد" تفسير : [البقرة: 136] اذا لم تقدر بين أحد وأحد، ولا يعترض على الوجهين بفاطمة، فإن كل واحدة من نسائه صلى الله عليه وسلم افضل منها فى جهة، وفاطمة افضل فى اخرى، فان كل واحدة افضل من جهة الزوجية والامومة، وفاطمة افضل من جهة انها بضعة من النبى صلى الله عليه وسلم. وذكر الرضى ان همزة أحد عن واو فى كل موضع، وقال الفارسى ان المستعمل فى النفى العام همزته اصل مختص بالعاقل، وإن غيره عن واو. {إن اتَّقيتُنَّ} حذرتن مخالفة حكم الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، والاتقاء موجود منهن فالمراد بالشرط المبالغة فى التحضيض كأن الحاصل غير موجود، او يقدر ان دمتن، او ينزل وجوده كالعدم تيزيلا لميلهن الى الدنيا فى سؤالهن له صلى الله عليه وسلم التوسعة كالملوك، منزلة الخروج من التقوى، لعظم شأنهن، سواء فى هذه الاوجه جعلناه قيدا لليسية المغنية عن جوابه، كما هو الظاهر، ولا تخضعن تفريعا، ام جعلنا جوابه فى قوله: {فلا تَخْضعَن} للاجانب من الرجال {بالقًول} لا تلن به، بل غلظنه حفظا لحرمته، وذلك من محاسن النساء، وهكذا السنة الى الآن {فَيَطمَع} فيكن {الَّذي في قلبه مَرضٌ} حب الزنى {وقُلن قولاً مَعْروفاً} فى الشرع لبعده عن الربية والاطماع، وعن تمريض القلوب بالمبالغة فى التغليظ. وقال الضحاك: قولا عنيفا فيكون تفسيرا للنهى عن الخضوع بالقول، ولكن كيف يكون العنف معروفا فى الشرع، ولم يتقدم قبل ما هنا انه معروف، والتفسير بقول اذن لكن فيه هكذا على الاطلاق، او بذكر الله، وما يحتاج اليه من الكلام خروج عن المقام، بقى ما اذا لم تلن المرأة، ولم تغلظ الجواب، ان نفس الرجل مائلة الى المرأة، فاذا لم تغلظ عده ليناً، فهى تعتاد الغلظة لكل رجل، لئلا توافق من فى قلبه مرض، او من ليس فى قلبه، فإنها تخاف ان يجلب اللين المرض اليه، ولا بأس ان تلين لمن لا اشتهاء له.
الالوسي
تفسير : {يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاء } ذهب جمع من الرجال إلى أن المعنى ليس كل واحدة منكن كشخص واحد من النساء أي من نساء عصركن أي إن كل واحدة منكن أفضل من كل واحدة منهن لما امتازت بشرف الزوجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمومة المؤمنين ـ فأحد ـ باق على كونه وصف مذكر إلا أن موصوفه محذوف ولا بد من اعتبار الحذف في جانب المشبه كما أشير إليه. وقال الزمخشري: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه، والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء أي إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة، وقد استعمل بمعنى المتعدد أيضاً في قوله تعالى: {أية : وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ}تفسير : [النساء: 152] لمكان {بَيْنَ } المقتضية للدخول على متعدد وحمل أحد على الجماعة على ما في «الكشف» ليطابق المشبه، والمعنى على تفضيل نساء النبـي صلى الله عليه وسلم على نساء غيره لا النظر إلى تفضيل واحدة على واحدة من آحاد النساء فإن ذلك ليس مقصوداً من هذا السياق ولا يعطيه ظاهر اللفظ. وكون ذلك أبلغ لما يلزم عليه تفضيل جماعتهن على كل جماعة ولا يلزم ذلك تفضيل كل واحدة على كل واحدة من آحاد النساء لو سلم لكان إذا ساعده اللفظ والمقام، واعترضه أيضاً بعضهم بأنه يلزم عليه أن يكون كل واحدة من نساء النبـي صلى الله عليه وسلم أفضل من فاطمة رضي الله تعالى عنها مع أنه ليس كذلك. / وأجيب عن هذا بأنه لا مانع من التزامه إلا أنه يلتزم كون الأفضلية من حيث أمومة المؤمنين والزوجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا من سائر الحيثيات فلا يضر فيه كون فاطمة رضي الله تعالى عنها أفضل من كل واحدة منهن لبعض الحيثيات الأخر بل هي من بعض الحيثيات كحيثية البضعية أفضل من كل من الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، نعم أورد على ما في «الكشاف» أن أحد الموضوع في النفي العام همزته أصلية غير منقلبة عن الواحد وقد نص على ذلك أبو علي، وخالف فيه الرضي فنقل عنه أن همزة أحد في كل مكان بدل من الواو، والمشهور التفرقة بين الواقع في النفي العام والواقع في الإثبات بأن همزة الأول أصلية وهمزة الثاني منقلبة عن الواو. وفي «العقد المنظوم في ألفاظ العموم» للفاضل القرافي قد أشكل هذا على كثير من الفضلاء لأن اللفظين صورتهما واحدة ومعنى الوحدة يتناولهما والواو فيها أصلية فيلزم قطعاً انقلاب ألف أحد مطلقاً عنها وجعل ألف أحدهما منقلباً دون ألف الآخر تحكم، وقد أطلعني الله تعالى على جوابه وهو أن أحد الذي لا يستعمل إلا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة وأحد الذي يستعمل في الإثبات معناه الفرد من العدد فإذا تغاير مسماهما تغاير اشتقاقهما لأنه لا بد فيه من المناسبة بين اللفظ والمعنى ولا يكفي فيه أحدهما، فإذا كان المقصود به الإنسان فهو الذي لا يستعمل إلا في النفي وهمزته أصلية، وإن قصد به العدد ونصف الإثنين فهو الصالح للإثبات والنفي وألفه منقلبة عن واو اهـ، ولا يخفى أنه إذا سلم الفرق المذكور ينبغي أن تكون الهمزة هنا أصلية. وإلى أن همزة الواقع في النفي أصلية ذهب أبو حيان فقال: إن ما ذكره الزمخشري من قوله: ثم وضع في النفي العام الخ غير صحيح لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد لأن واحداً ينطلق على كل شيء اتصف بالوحدة وأحد المستعمل في النفي العام مخصوص بمن يعقل وذكر النحويون أن مادته همزة وحاء ودال ومادة أحد بمعنى وحد أصله واو وحاء ودال فقد اختلفا مادة ومدلولاً. وذكر أن ما في قوله تعالى: {أية : لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } تفسير : [البقرة: 285] يحتمل أن يكون الذي للنفي العام ويحتمل أن يكون بمعنى واحد، ويكون قد حذف معطوف أي بين واحد وواحد من رسله كما قال الشاعر:شعر : فما كان بين الخير لو جاء سالماً أبو حجر إلا ليال قلائل تفسير : وقال الراغب: أحد يستعمل على ضربين في النفي لاستغراق جنس الناطقين، ويتناول القليل والكثير على الاجتماع والانفراد نحو ما في الدار أحد أي لا واحد ولا إثنان فصاعداً لا مجتمعين ولا مفترقين، وهذا المعنى لا يمكن في الإثبات لأن نفي المتضادين يصح، ولا يصح إثباتهما، فلو قيل في الدار أحد لكان إثبات أحد منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومتفرقين وهو بين الإحالة ولتناوله ما فوق الواحد صح نحو {أية : فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ }تفسير : [الحاقة: 47] وفي الإثبات على ثلاثة أوجه، استعماله في الواحد المضموم إلى العشرات كأحد عشر وأحد وعشرين، واستعماله مضافاً أو مضافاً إليه بمعنى الأول نحو {أية : أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى }تفسير : [يوسف: 41] وقولهم يوم الأحد، واستعماله وصفاً وهذا لا يصح إلا في وصفه تعالى شأنه، أما أصله ـ أعني وحد ـ فقد يستعمل في غيره سبحانه كقول النابغة:شعر : كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد تفسير : انتهى. وهو محتمل لدعوى انقلاب همزته عن واو مطلقاً ولدعوى انقلابها عنها في الاستعمال الأخير. / ولا يخفى على المنصف أن كون المعنى في الآية ما ذكره الزمخشري أظهر، وتفضيل كل واحدة من نسائه صلى الله عليه وسلم على كل واحدة واحدة من سائر النساء لا يلزم أن يكون لهذه الآية بل هو لدليل آخر إما عقلي أو نص مثل قوله تعالى: {أية : وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } تفسير : [الأحزاب: 6] وقيل يجوز أن يكون ذلك لها فإنها تفيد بحسب عرف الاستعمال تفضيل كل منهن على سائر النساء لأن فضل الجماعة على الجماعة يكون غالباً لفضل كل منها. {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ } شرط لنفي المثلية وفضلهن على النساء وجوابه محذوف دل عليه المذكور والاتقاء بمعناه المعروف في لسان الشرع، والمفعول محذوف أي إن اتقيتن مخالفة حكم الله تعالى ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، والمراد إن دمتن على اتقاء ذلك ومثله شائع أو هو على ظاهره والمراد به التهييج بجعل طلب الدنيا والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده من مقامهن بمنزلة الخروج من التقوى أو شرط جوابه قوله تعالى: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ } والاتقاء بمعناه الشرعي أيضاً، وفي «البحر» أنه بمعنى الاستقبال أي إن استقبلتن أحداً فلا تخضعن، وهو بهذا المعنى معروف في اللغة قال النابغة:شعر : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد تفسير : أي استقبلتنا باليد، ويكون هذا المعنى أبلغ في مدحهن إذ لم يعلق فضلهن على التقوى ولا علق نهيهن عن الخضوع بها إذ هن متقيات لله تعالى في أنفسهن، والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى، وفيه إن اتقى بمعنى استقبل وإن كان صحيحاً لغة، وقد ورد في القرآن كثيراً كقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء ٱلْعَذَابِ }تفسير : [الزمر: 24] إلا أنه لا يتأتى هٰهنا لأنه لا يستعمل في ذلك المعنى إلا مع المتعلق الذي تحصل به الوقاية، كقوله سبحانه: {بِوَجْهِهِ } وقول النابغة باليد وما استدل به أمره سهل، وظاهر عبارة «الكشاف» اختيار كون {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ } شرطاً جوابه {فلا تخضعن}، وفسر {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ } بأن أردتن التقوى وإن كنتن متقيات مشيراً بذلك إلى أنه لا بد من تجوز في الكلام لأن الواقع أن المخاطبات متقيات فأما أن يكون المقصود الأولى المبالغة في النهي فيفسر بأن أردتن التقوى، وإما أن يكون المقصود التهييج والإلهاب، فيفسر بأن كنتن متقيات فليس في ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز كما توهم، وقد قرر ذلك في «الكشف\». ومعنى لا تخضعن بالقول لا تجبن بقولكن خاضعاً أي ليناً خنثاً على سنن كلام المريبات والمومسات، وحاصله لا تلن الكلام ولا ترققنه، وهذا على ما قيل في غير مخاطبة الزوج ونحوه كمخاطبة الأجانب وإن كن محرمات عليهم على التأبيد. روي عن بعض أمهات المؤمنين أنها كانت تضع يدها على فمها إذا كلمت أجنبياً تغير صوتها بذلك خوفاً من أن يسمع رخيماً ليناً، وعد إغلاظ القول لغير الزوج من جملة محاسن خصال النساء جاهلية وإسلاماً، كما عد منها بخلهن بالمال وجبنهن، وما وقع في الشعر من مدح العشيقة برخامة الصوت وحسن الحديث ولين الكلام فمن باب السفه كما لا يخفى. وعن الحسن أن المعنى لا تكلمن بالرفث، وهو كما ترى. {فيطمع ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي فجور وزنا، وبذلك فسره ابن عباس وأنشد قول الأعشى:شعر : حافظ للفرج راض بالتقى ليس ممن قلبه فيه مرض تفسير : والمراد نية أو شهوة فجور وزنا، وعن قتادة تفسيره بالنفاق، وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: المرض مرضان فمرض زنا ومرض نفاق، ونصب {يطمع} / في جواب النهي. وقرأ أبان بن عثمان وابن هرمز {فيطمع} بالجزم وكسر العين لالتقاء الساكنين وهو عطف على محل فعل النهي على أنه نهي لمريض القلب عن الطمع عقيب نهيهن عن الخضوع بالقول كأنه قيل؛ فلا تخضعن بالقول فلا يطمع الذي في قلبه مرض، وقال أبو عمرو الداني قرأ الأعرج وعيسى {فيطمع} بفتح الياء وكسر الميم، ونقلها ابن خالويه عن أبـي السمال قال: وقد روي ذلك عن ابن محيصن، وذكر أن الأعرج وهو ابن هرمز قرأ {فيطمع} بضم الياء وفتح العين وكسر الميم أي فيطمع هو أي الخضوع بالقول، و {ٱلَّذِى } مفعول أو الذي فاعل والمفعول محذوف أي فيطمع الذي في قلبه مرض نفسه. {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } حسناً بعيداً عن الريبة غير مطمع لأحد، وقال الكلبـي: أي صحيحاً بلا هجر ولا تمريض، وقال الضحاك: عنيفاً، وقيل: أي قولاً أذن لكم فيه، وقيل: ذكر الله تعالى وما يحتاج إليه من الكلام.
ابن عاشور
تفسير : {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} أعيد خطابهن من جانب ربهنّ وأعيد نداؤهن للاهتمام بهذا الخبر اهتماماً يخصُّه. وأحد: اسم بمعنى واحد مثل: {أية : قل هو الله أحد}تفسير : [الإخلاص: 1] وهمزته بدل من الواو. وأصلهُ: وَحَد بوزن فَعَل، أي متوحِّد، كما قالوا: فَرَد بمعنى منفرد. قال النابغة يذكر ركوبه راحلته:شعر : كان رحلي وقد زال النهار بنا يوم الجليل على مستأنس وَحد تفسير : يُريد على ثور وحشي منفرد. فلما ثقل الابتداء بالواو شاع أن يقولوا: أَحد، وأكثر ما يستعمل في سياق النفي، قال تعالى: {أية : فما منكم من أحد عنه حاجزين} تفسير : [الحاقة: 47] فإذا وقع في سياق النفي دل على نفي كل واحد من الجنس. ونفي المشابهة هُنا يراد به نفي المساواة مكنَّى به عن الأفضلية على غيرهنّ مثل نفي المساواة في قوله تعالى: {أية : لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله}تفسير : [النساء: 95]، فلولا قصد التفضيل ما كان لزيادة {أية : غير أولي الضرر} تفسير : وجد ولا لسبب نزولها داع كما تقدم في سورة النساء (95). فالمعنى: أنتُنَّ أفضل النساء، وظاهره تفضيل لجملتهن على نساء هذه الأمة، وسبب ذلك أنهن اتصَلْنَ بالنبي عليه الصلاة والسلام اتصالاً أقرب من كل اتصال وصرن أنيساته ملازمات شؤونه فيختصصن باطلاع ما لم يطلع عليه غيرُهن من أحواله وخلقه في المنشط والمكره، ويتخلقن بخلقه أكثر مما يقتبس منه غيرهن، ولأن إقباله عليهن إقبالٌ خاص، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حُبِّب إليكم من دنياكم النساء والطيب"تفسير : ، وقال تعالى: {أية : والطيبات للطيبين}تفسير : [النور: 26]. ثم إن نساء النبي عليه الصلاة والسلام يتفاضلن بينهن. والتقييد بقوله: {إن اتقيتن} ليس لقصد الاحتراز عن ضد ذلك وإنما هو إلْهاب وتحريض على الازدياد من التقوى، وقريب من هذا المعنىحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: «إن عبد الله (يعني أخاها) رجل صالح لو كان يَقوم من الليل»، فلما أبلغت حفصة ذلك عبد اللَّه بن عمر لم يترك قيام الليل تفسير : بعد ذلك لأنه علم أن المقصود التحريض على القيام. وفعل الشرط مستعمل في الدلالة على الدوام، أي إن دمتنّ على التقوى فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم مُتَّقِيات من قبلُ، وجواب الشرط دل عليه ما قبله. واعلم أن ظاهر هذه الآية تفضيل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على جميع نساء هذه الأمة. وقد اختُلِف في التفاضل بين الزوجات وبين بنات النبي صلى الله عليه وسلم وعن الأشعري الوقف في ذلك، ولعل ذلك لتعارض الأدلة السمعية ولاختلاف جهات أصول التفضيل الدينية والروحية بحيث يعسر ضبطها بضوابط. أشار إلى جملة منها أبو بكر بن العربي في «شرح الترمذي» في حديث رؤيا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ميزاناً نزل من السماء فوُزن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فرجح النبي صلى الله عليه وسلم ووُزن أبو بكر وعُمر فرجح أبو بكر، ووُزن عمر وعثمان فرجح عُمر، ثم رُفع الميزان. والجهات التي بنى عليها أبو بكر بن العربي أكثرها من شؤون الرجال. وليس يلزم أن تكون بنات النبي ولا نساؤه سواء في الفضل. ومن العلماء مَن جزموا بتفضيل بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم على أزواجه وبخاصة فاطمة رضي الله عنها وهو ظاهر كلام التفتزاني في كتاب «المقاصد». وهي مسألة لا يترتب على تدقيقها عمل فلا ينبغي تطويل البحث فيها. والأحسن أن يكون الوقف على {إن اتقيتن}، وقوله {فلا تخضعن} ابتداء تفريع وليس هو جواب الشرط. {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} فُرع على تفضيلهن وترفيع قدرهن إرشادُهُنّ إلى دقائق من الأخلاق قد تقع الغفلة عن مراعاتها لخفاء الشعور بآثارها، ولأنها ذرائع خفية نادرة تفضي إلى ما لا يليق بحرمتهن في نفوس بعض ممن اشتملت عليه الأمة، وفيها منافقوها. وابتدىء من ذلك بالتحذير من هيئة الكلام فإن الناس متفاوتون في لينه، والنساءُ في كلامهن رقّة طبيعية وقد يكون لبعضهن من اللطافة ولِين النفس ما إذا انضمّ إلى لينها الجبليّ قرُبت هيئته من هيئة التَدلّل لقلة اعتياد مثله إلا في تلك الحالة. فإذا بدا ذلك على بعض النساء ظَنّ بعض من يُشافِهُها من الرجال أنها تتحبّب إليه، فربما اجترأت نفسُه على الطمع في المغازلة فبدرت منه بادرة تكون منافية لحرمة المرأة، بله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي هنّ أمهات المؤمنين. والخضوع: حقيقته التذلّل، وأطلق هنا على الرقة لمشابهتها التذلل. والباء في قوله: {بالقول} يجوز أن تكون للتعدية بمنزلة همزة التعدية، أي لا تُخضعن القول، أي تَجعَلْنَه خاضعاً ذليلاً، أي رقيقاً متفكّكا. وموقع الباء هنا أحسن من موقع همزة التعدية لأن باء التعدية جاءت من باء المصاحبة على ما بيّنه المحققون من النحاة أن أصل قولك: ذهبت بزيد، أنك ذهبتَ مصاحباً له فأنت أذهبته معك، ثم تنوسي معنى المصاحبة في نحو: {أية : ذهب الله بنورهم}تفسير : [البقرة: 17]، فلما كان التفكك والتزيين للقول يتبع تفكك القائل أسند الخضوع إليهن في صورة، وأفيدت التعدية بالباء. ويجوز أن تكون الباء بمعنى (في)، أي لا يكن منكُن لِين في القول. والنهي عن الخضوع بالقول إشارة إلى التحذير مما هو زائد على المعتاد في كلام النساء من الرقة وذلك ترخيم الصوت، أي ليكن كلامكن جزلاً. والمرض: حقيقته اختلال نظام المزاج البدني من ضعف القوة، وهو هنا مستعار لاختلال الوازع الديني مثل المنافقين ومن كان في أول الإيمان من الأَعراب ممن لم ترسخ فيه أخلاق الإسلام، وكذلك من تخلّقوا بسوء الظن فيرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، وقضية إفك المنافقين على عائشة رضي الله عنها شاهد لذلك. وتقدم في قوله تعالى: {أية : في قلوبهم مرض} تفسير : في سورة البقرة (10). وانتصب {يطمَع} في جواب النهي بعد الفاء لأن المنهي عنه سبب في هذا الطمع. وحذف متعلِق {فيطمع} تنزهاً وتعظيماً لشأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع قيام القرينة. وعَطْفُ {وقلن قولاً معروفاً} على {لا تَخْضَعْنَ بالقول} بمنزلة الاحتراس لئلا يحسبن أن الله كلفهن بخفض أصواتهن كحديث السرار. والقول: الكلام. والمعروف: هو الذي يألفه الناس بحسب العُرفِ العام، ويشمل القول المعروف هيئة الكلام وهي التي سيق لها المقام، ويشمل مدلولاته أن لا ينتهرن من يكلمهن أو يسمعنه قولاً بذيئاً من باب: فليقل خيراً أو ليصمت. وبذلك تكون هذه الجملة بمنزلة التذييل.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰنِسَآءَ} (32) - يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لاَ يُشْبِهُكُنَّ أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ، وَلاَ تَلْحَقٌ وَاحِدةٌ مِنْهُنَّ بِكُنَّ فِي الفَضِيلَةِ وَالمَنْزِلَةِ، فَإِنِ اتَّقَيتُنَّ اللهَ كَمَا أَمَرَكُنَّ فَلا تُخَاطِبْنَ الرِّجَالَ بِرِقَّةٍ تُطْمِعُ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَفَسَادٌ، وَرِيبَةٌ وفِسْقٌ، وَقُلْنَ قَوْلاً بَعِيداً عَنِ الرِّيبَةِ، لاَ يَتْرُكُ لأَحَدٍ مَطْعَماً فِيكُنَّ. فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ - لاَ تُلِنَّ القَوْلَ وَلاَ تُرَقِّقنَهُ لِلرِّجَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة (أحد) تُستخدم في اللغة عدة استخدامات، فنقول مثلاً في العدد: أحد عشر إنْ كان المعدودُ مذكراً، وإحدى عشرة إن كان المعدود مؤنثاً، أما في حالة النفي فلا تُستعمل إلا بصيغة واحدة (أحد)، وتدل على المفرد والمثنى والجمع، وعلى المذكر والمؤنث، فتقول: ما عندي أحد، لا رجلٌ ولا امرأة ولا رجلان ولا امرأتان، ولا رجال ولا نساء، لذلك جاء قوله تعالى: {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 4]. وقوله سبحانه: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ..} [الأحزاب: 32] هذه خصوصية لهن؛ لأن الأشياء تمثل أجناساً وتحت الجنس النوع، فالإنسان مثلاً جنس، منه ذكر ومنه أنثى، وكل نوع منهما تحته أفراد، والذكر والأنثى لم يفترقا إلى نوعين بعد أنْ كانا جنساً واحداً، إلا لاختلاف نشأ عنهما بعد اتفاق في الجنس فالجنس حَدٌّ مُشترك: حيٌّ ناطق مفكر، فلما افترقا إلى نوعين صار لكل منهما خصوصيته التي تُميِّزه عن الآخر. كما قلنا في الزمن مثلاً، فهو ظرف للأحداث، فإنْ كانت أحداثَ حركة فهي النهار، وإنْ كانت أحداثَ سُكُون فهي الليل، فالليل والنهار نوعان تحت جنس واحد هو الزمن، ولكل منهما خصوصيته، وعلينا أن نراعي هذه الخصوصية، فلا نخلط بينهما. وتأمل قول الله تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-4]. فالليل والنهار متقابلان متكاملان لا متضادان، كذلك الذكر والأنثى، ولكلٍّ دوره ومهمته الخاصة، فإنْ حاولتَ أنْ تجعلَ الليل نهاراً، أو الذكر أنثى أو العكس، فقد خالفتَ هذه الطبيعة التي اختارها الخالق سبحانه. وحكينا قصة الرجل الذي مرَّ على عمدة القرية، فوجده يضرب غفيراً عنده، فدافع عن الغفير وقال للعمدة: لماذا تضربه يا عم إبراهيم؟ قال: مررتُ عليه ووجدتُه نائماً، فقال الرجل: نام؛ لأنه قضى النهار يروي لك أرضك، ومَنْ يحرث لا يحرس. إذن: تحت الجنس النوع، وهذا النوع غير متكافىء؛ لأنه لو تساوى لكان مكرراً لا فائدة منه، إنما يختلف الأفراد ويتميزون؛ لذلك لا تظن أنك تمتاز عن الآخرين؛ لأن الله تعالى وزَّع المواهب بين خَلْقه، فأنت تمتاز في شيء، وغيرك يمتاز في شيء آخر، ذلك ليرتبط الناس في حركة الحياة ارتباطَ حاجةٍ، لا ارتباطَ تفضُّل كما قُلْنا. لذلك، فالرجل الذي يكنس لك الشارع مُميَّزٌ عنك؛ لأنه يؤدي عملاً تستنكف أنت عن أدائه، وإذا أدَّى لك هذا العامل عملاً لا بُدَّ أنْ تعطيه أجره، في حين إذا سألك مثلاً سؤالاً وأنت العالم أو صاحب المنصب .. إلخ فإنك تجيبه، لكن دون أنْ تأخذ منه أجراً على هذا الجواب، وقد مكثتَ أنت السنوات الطوالَ تجمع العلم وتقرأ وتسمع، إلى أنْ وصلتَ إلى هذه الدرجة، وصارت لك خصوصية، إذن: لكل منا، ذكر أو أنثى، فردية شخصية تُميِّزه. هنا يقول الحق سبحانه لنساء النبي {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ..} [الأحزاب: 32] هذه هي الخصوصية التي تُميِّزهن عن غيرهن من مطلق النساء، فمطلق النساء لَسْنَ قدوة، إنما نساء النبي خاصة قدوة لغيرهن من النساء وأُسْوة تُقتدى. والشرط بعد هذا النفي {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ ..} [الأحزاب: 32] يعني: أن زوجيتهن لرسول الله ليست هذه ميزة، إنما الميزة والخصوصية في تقواهن لله، وإلا فهناك من زوجات الأنبياء مَنْ كانت غير تقية. وقوله تعالى: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ..} [الأحزاب: 32] أي: اقْطَعْنَ طريق الفاحشة من بدايته، ولا تقربن أسبابها، واتركْنَ الأمور المشتبهة فيها. ومعنى الخضوع بالقول أنْ يكون في قول المرأة حين تخاطب الرجال ليونة، أو تكسُّر، أو ميوعة، أو أن يكون مع القول نظرات أو اقتراب. فإذا اضطررتُنَّ لمحادثة الرجال فاحذرْنَ هذه الصفات {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ..} [الأحزاب: 32] والمعنى: أنا لا أتهمكُنَّ، إنما الواحدة منكُنَّ لا تضمن الرجل الذي تُحدِّثه، فربما كان في قلبه مرض، فلا تعطيه الفرصة. وليس معنى عدم الخضوع بالقول أنْ تُكلِّمْنَ الناسَ بغلظة وخشونة، إنما المراد أن تكون الأمور عند حدودها؛ لذلك يقول سبحانه بعدها {وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [الأحزاب: 32] فلما نهى القرآن عن التصرف غير المناسب عرض البديل المناسب، وهو القول المعروف، وهو من المرأة القول المعتدل والسماع بالأذن دون أنْ تمتد عينها إلى مُحدِّثها؛ لأن ذلك ربما أطمعه فيها، وجرَّأه عليها، وهذا ما يريد الحق سبحانه أنْ يمنعه. لذلك حُكِي أن رجلاً رأى خادمته على الباب تُحدِّث شاباً وسيماً، وكان يسألهَا عن شيء، إلا أنها أطالتْ معه الحديث، فضربها ربُّ البيت ونهرها على هذا التصرف، وفي اليوم التالي جاء شاب آخر يسألها عن نفس الشيء الذي سأل عنه صاحبه بالأمس، فبادرته بالشتائم والسُّباب بعد أنْ ظهر لها ما في قلب هذا، وأمثاله من مرض. وفي موضع آخر من هذه السورة سيأتي: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 59]؛ لأن الرجل حين يجد المرأة محتشمة تستر مفاتن جسمها لا يتجزأ عليها، ويعلم أنها ليستْ من هذا الصنف الرخيص، فيقف عند حدوده. وقد قال الحكماء: أما إذا رأيتَ امرأةً تُظهر محاسنها لغير محارمها وتُلِحُّ في عرض نفسها على الرجال، فكأنها تقول للرجل (فتح يا بجم) تقول للغافل تنبه. فتستثير فيه شهوته، فَيَتَجَرَأْ عليها. فالحق سبحانه يريد لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم أولاً أنْ يُكلِّمْنَ الناس من وراء حجاب، وأنْ يُكلِّمْنَ الناس بالمعروف كلاماً لا لينَ فيه، ولا ميوعة حتى لا يَتعرَّضْنَ لسوء، ولا يتجزأ عليهن بذيء أو مستهتر. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ..}.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ ناداهن سبحانه تعظيماً لهن، وتنبيهاً عليهن فقال: {يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ} الأفضل الأكمل من بين الأنبياء والرسل، كما أن صلى الله عليه وسلم ليس في الكرمة والنجابة كآحاد الناس، بل ليس كآحاد الأنبياء والرسل، كذلك {لَسْتُنَّ} أيضاً؛ لنسبتكنَّ إليه صلى الله عليه وسلم {كَأَحَدٍ} أ ي: كواحدة {مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} لأن فضيلته صلى الله عليه وسلم تسري إليكن، فعليكن ألاَّ تغفلن عنها، ولا تذهلن عن مقتضاها ورعاية حقوقها، بل من شأنكن التحصن والتقوى، والتحرز من ملهيات الهوى مطلقاً، فلكن {إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} يعني: إن أردتن أن تتصفن بالتقوى عن محارم الله {فَلاَ تَخْضَعْنَ} أي: لا تُلن وتلطفن {بِٱلْقَوْلِ} وقت احتياجكن إلى التكلم مع آحاد الرجال من الأجانب، ولا تجبن عن سؤالهم هينات لينات مريبات، مثل تكلم النساء المريدات لأنواع الفسادات مع المفسدين من الرجال {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} وميل إلى الفجور إليكن بعدما سمع منكن تليينكن في قولكن {وَ} بالجملة: {قُلْنَ} بعدما تحتجن إلى التكلم معهم ضرورة {قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [الأحزاب: 32] مستحسناً عقلاً وشرعاً، بعيداً عن الريبة المثيرة للطمع، خالياً عن وصمة الملاينة المحركة للشهوات. {وَقَرْنَ} أي: اسكن {فِي بُيُوتِكُنَّ} يعني: يا نساء النبي من شأنكن التقرر والتخلي في البيوت بلا تبرز إلى الملأ بلا ضرورة رعايةً لمرتبتكن التي هي أعلى مرتبة عموم النساء {وَ} إناحتجتن إلى التبرز والخروج أحياناً {لاَ تَبَرَّجْنَ} ولا تبخترن في مشيتكن مظهرات زينتكن، مهيجات لشهوات الناظرين {تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} أي: كتبختر النساء المثيرات لشهوات الرجال في الجاهلية القديمة التي هي جاهلية الكفر، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في الإسلام. خصَّ سبحانه الأولى بالذكر، وإن كانت كلتاهما مذمومتان محظورتان شرعاً؛ لأنها أفحش وأقبح وأظهر فساداً؛ لأن النساء فيها يتزينَّ بأنواع الزينة، ويظهرن على الرجال بلا تستر واستحياء، بل بملاينة تامة وملاطفة كاملة على سبيل الغنج والدلال، وأنوع الحركات المطمعة للرجال {وَ} من حقكن يا نساء النبي الاجتناب عن مطلق المنكرات، والاشتغال بالطاعات والأعمال الصالحات، سيما المواظبة على الصلوات النوافل والمفروضات {أَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ} المقربة لكُنَّ إلى الله على الوجه الذي علمتن من النبي صلى الله عليه وسلم {وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ} المطهرة لنفوسكن عن الشح، وأنواع المرض المتولدة من حب الدنيا وأمانيها إن بلغ أموالكن النصاب المقدر في الشرع. {وَ} بالجملة: {أَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} إطاعة مقارنة بكمال الخشوع والخضوع، والتذلل التام بالعزيمة الصحيحة الخالصة، الخالية عن شوب الرياء والرعونات مطلقاً في جميع ما أُمرتن بها، ونهيتن عنها {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ} المصلح لأحوال عباده الخلَّص بإتيان هذه المواعيظ والتذكيرات البليغة، والتنبيهات العجيبة البديعة {لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ} أي: يزيل القذر المستقبح المستهجن عقلاً وشرعاً بالمرة يا {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} المجبولين على الكرامة والنجابة {وَيُطَهِّرَكُمْ} عن أدناس الطبيعة، وأكدار الهيولي المانعة عن الصفاء الجبلي الذاتي {تَطْهِيـراً} [الأحزاب: 33] بليغاً، بحيث لا تبقى فيكم شائبة شين، ووصمة عيب أصلاً، ذكر الضمير؛ لأن النبي وعلياً وابنيه صلى الله عليه وسلم فيهم فغلب هؤلاء الذكور له على فاطمة وأزواج النبي، رضوان الله عليهم. {وَ} بعدما سمعتن يا نساء النبي ما يليق وينبغي بشأنكن {ٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ} لإصلاح أحوالكن وتكميلكن في الدين {فِي بُيُوتِكُـنَّ} غير مخرجات لطلبه؛ إذ بيوتكن مهبط الوحي الإلهي، ومحل نزول الآيات المنزلة، فلكُنذَ أن تلازمن خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، وتشاهدن عليه من برحاء الوحي الموجب لقوة الإيمان وكمال اليقين والعرفان، فليس لكُنَّ أن تخرجن من بيوتكن، وتتعبن أنفسكن في طلب ما يُتلى {مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على توحيد ذاته، وكمال أسمائه وصفاته {وَٱلْحِكْـمَةِ} المتقنة الدالة على متانة فعله ووثاقة تبديره {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع للسرائر والخفايا {كَانَ لَطِيفاً} يعلم دقائق ما في ضمائر عباده ورقائقه {خَبِيراً} [الأحزاب: 34] ذو خبرة كاملة على سوانح صدورهمه، وخواطر قلوبهم، فعليهم أن يخلصوا الله في جميع ما أتوا به، واجتنبوا من الأوامر والنواهي وانقادوا له، ويسلموا إليه مفوضين أمورهم كلها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ } خطاب لهن كلهن { لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ } اللّه، فإنكن بذلك، تفقن النساء، ولا يلحقكن أحد من النساء، فكملن التقوى بجميع وسائلها ومقاصدها. فلهذا أرشدهن إلى قطع وسائل المحرم، فقال: { فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ } أي: في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فَتَلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع { الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } أي: مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه، لأن قلبه غير صحيح [فإن القلب الصحيح] ليس فيه شهوة لما حرم اللّه، فإن ذلك لا تكاد تُمِيلُه ولا تحركه الأسباب، لصحة قلبه، وسلامته من المرض. بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد، يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن الوسائل، لها أحكام المقاصد. فإن الخضوع بالقول، واللين فيه، في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم، منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال، أن لا تلِينَ لهم القول. ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: { وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا } أي: غير غليظ، ولا جاف كما أنه ليس بِلَيِّنٍ خاضع. وتأمل كيف قال: { فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ } ولم يقل: { فلا تَلِنَّ بالقول } وذلك لأن المنهي عنه، القول اللين، الذي فيه خضوع المرأة للرجل، وانكسارها عنده، والخاضع، هو الذي يطمع فيه، بخلاف من تكلم كلامًا لينًا، ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم، فإن هذا، لا يطمع فيه خصمه، ولهذا مدح اللّه رسوله باللين، فقال: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } تفسير : وقال لموسى وهارون: {أية : اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى }. تفسير : ودل قوله: { فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم، والحافظات، ونهيه عن قربان الزنا، أنه ينبغي للعبد، إذا رأى من نفسه هذه الحالة، وأنه يهش لفعل المحرم عندما يرى أو يسمع كلام من يهواه، ويجد دواعي طمعه قد انصرفت إلى الحرام، فَلْيَعْرِفْ أن ذلك مرض. فَلْيَجْتَهِدْ في إضعاف هذا المرض وحسم الخواطر الردية، ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر، وسؤال اللّه العصمة والتوفيق، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به. { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } أي: اقررن فيها، لأنه أسلم وأحفظ لَكُنَّ، { وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى } أي: لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى، الذين لا علم عندهم ولا دين، فكل هذا دفع للشر وأسبابه. ولما أمرهن بالتقوى عمومًا، وبجزئيات من التقوى، نص عليها [لحاجة] النساء إليها، كذلك أمرهن بالطاعة، خصوصًا الصلاة والزكاة، اللتان يحتاجهما، ويضطر إليهما كل أحد، وهما أكبر العبادات، وأجل الطاعات، وفي الصلاة، الإخلاص للمعبود، وفي الزكاة، الإحسان إلى العبيد. ثم أمرهن بالطاعة عمومًا، فقال: { وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } يدخل في طاعة اللّه ورسوله، كل أمر، أمرَا به أمر إيجاب أو استحباب. { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ } بأمركن بما أَمَرَكُنَّ به، ونهيكن بما نهاكُنَّ عنه، { لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ } أي: الأذى، والشر، والخبث، يا { أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } حتى تكونوا طاهرين مطهرين. أي: فاحمدوا ربكم، واشكروه على هذه الأوامر والنواهي، التي أخبركم بمصلحتها، وأنها محض مصلحتكم، لم يرد اللّه أن يجعل عليكم بذلك حرجًا ولا مشقة، بل لتتزكى نفوسكم، ولتتطهر أخلاقكم، وتحسن أعمالكم، ويعظم بذلك أجركم. ولما أمرهن بالعمل، الذي هو فعل وترك، أمرهن بالعلم، وبين لهن طريقه، فقال: { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } والمراد بآيات اللّه، القرآن. والحكمة، أسراره. وسنة رسوله. وأمرهن بذكره، يشمل ذكر لفظه، بتلاوته، وذكر معناه، بتدبره والتفكر فيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وذكر العمل به وتأويله. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } يدرك أسرار الأمور، وخفايا الصدور، وخبايا السماوات والأرض، والأعمال التي تبين وتسر. فلطفه وخبرته، يقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال، ومجازاة اللّه على تلك الأعمال. ومن معاني { اللطيف } الذي يسوق عبده إلى الخير، ويعصمه من الشر، بطرق خفية لا يشعر بها، ويسوق إليه من الرزق، ما لا يدريه، ويريه من الأسباب، التي تكرهها النفوس ما يكون ذلك طريقا [له] إلى أعلى الدرجات، وأرفع المنازل.
همام الصنعاني
تفسير : 2337- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {فَيَطْمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}: [الآية: 32]، قال: نفاق. 2338- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن شروس أنَّه سَمِع عِكْرِمة قال: شهوةٌ الزِّنَا. 2339- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}: [الآية: 32]، قال: كأحد من نساء هذه الأُمَّةِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):