٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ } من القرار وإسقاط أحد حرفي التضعيف كما قال تعالى: { أية : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } تفسير : [الواقعة:65] وقيل بأنه من الوقار كما يقال وعد يعد عد وقول: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأَولَىٰ } قيل معناه لا تتكسرن ولا تتغنجن، ويحتمل أن يكون المراد لا تظهرن زينتكن وقوله تعالى: {ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأَولَىٰ } فيه وجهان أحدهما: أن المراد من كان في زمن نوح والجاهلية الأخرى من كان بعده وثانيهما: أن هذه ليست أولى تقتضي أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة كقول القائل: أين الأكاسرة الجبابرة الأولى. ثم قال تعالى: {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} يعني ليس التكليف في النهي فقط حتى يحصل بقوله تعالى: {لا تَخْضَعْنَ وَلاَ تَبَرَّجْنَ } بل فيه وفي الأوامر {فأقمن الصلاة} التي هي ترك التشبه بالجبار المتكبر {وآتين الزكاة} التي هي تشبه بالكريم الرحيم {وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ } أي ليس التكليف منحصراً في المذكور بل كل ما أمر الله به فأتين به وكل ما نهى الله عنه فانتهين عنه. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً }. يعني ليس المنتفع بتكليفكن هو الله ولا تنفعن الله فيما تأتين به. وإنما نفعه لكن وأمره تعالى إياكن لمصلحتكن، وقوله تعالى: {لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ } فيه لطيفة وهي أن الرجس قد يزول عيناً ولا يطهر المحل فقوله تعالى: {لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ } أي يزيل عنكم الذنوب ويطهركم أي يلبسكم خلع الكرامة، ثم إن الله تعالى ترك خطاب المؤنثات وخاطب بخطاب المذكرين بقوله: {لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ } ليدخل فيه نساء أهل بيته ورجالهم، واختلفت الأقوال في أهل البيت، والأولى أن يقال هم أولاده وأزواجه والحسن والحسين منهم وعلي منهم لأنه كان من أهل بيته بسبب معاشرته ببنت النبـي عليه السلام وملازمته للنبـي.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَقَرْنَ} قرأ الجمهور «وَقِرن» بكسر القاف. وقرأ عاصم ونافع بفتحها. فأما القراءة الأولى فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من الوقار؛ تقول؛ وقَرَ يَقِر وَقاراً أي سكن، والأمر قِرْ، وللنساء قِرْن، مثل عِدْن وزِنّ. والوجه الثاني: وهو قول المبرد، أن يكون من القرار؛ تقول: قَرَرَت بالمكان (بفتح الراء) أقِرّ، والأصل أقْرِرن، بكسر الراء، فحذفت الراء الأولى تخفيفاً؛ كما قالوا في ظَلَلت: ظِلت، ومَسَسْت: مِسْت، ونقلوا حركتها إلى القاف، واستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف. قال أبو عليّ: بل على أن أبدلت الراء ياء كراهة التضعيف؛ كما أبدلت في قيراط ودينار، ويصير للياء حركة الحرف المبدل منه؛ فالتقدير: إقْيِرْن، ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحرك الياء بالكسر، فتسقط الياء لاجتماع الساكنين، وتسقط همزة الوصل لتحرك ما بعدها فيصير «قِرْن». وأما قراءة أهل المدينة وعاصم، فعلى لغة العرب: قرِرت في المكان إذا أقمت فيه (بكسر الراء) أَقَرّ (بفتح القاف)؛ من باب حمِد يَحْمَد، وهي لغة أهل الحجاز ذكرها أبو عبيد في «الغريب المصنف» عن الكسائي، وهو من أجلّ مشايخه، وذكرها الزجاج وغيره، والأصل «إِقْرَرْن» حذفت الراء الأولى لثقل التضعيف، وألقيت حركتها على القاف فتقول: قَرْن. قال الفراء: هو كما تقول: أَحَسْتَ صاحبك؛ أي هل أَحْسَسْت. وقال أبو عثمان المازني: قَرِرت به عيناً (بالكسر لا غير)، من قُرّة العين. ولا يجوز قَرِرت في المكان (بالكسر) وإنما هو قَرَرت (بفتح الراء)، وما أنكره من هذا لا يقدح في القراءة إذا ثبتت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فيستدلّ بما ثبت عنه من القراءة على صحة اللغة. وذهب أبو حاتم أيضاً أن «قَرْن» لا مذهب له في كلام العرب. قال النحاس: وأمّا قول أبي حاتم: «لا مذهب له» فقد خولف فيه، وفيه مذهبان: أحدهما ما حكاه الكِسائي، والآخر ما سمعت عليّ بن سليمان يقول، قال: وهو من قَرِرْتُ به عَيْناً أَقَر، والمعنى: واقررن به عَيْناً في بيوتكن. وهو وجه حسن؛ إلا أن الحديث يدلّ على أنه من الأول. كما روي أن عماراً قال لعائشة رضي الله عنها: إن الله قد أمرك أن تَقَرِّي في منزلك؛ فقالت: يا أبا اليَقْظان، ما زلتَ قوّالاً بالحق! فقال: الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. وقرأ ابن أبي عَبْلة «واقْرِرن» بألف وصل وراءين، الأولى مكسورة. الثانية: معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى. هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء؛ كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة؛ على ما تقدم في غير موضع. فأمر الله تعالى نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم بملازمة بيوتهنّ، وخاطبهنّ بذلك تشريفاً لهنّ، ونهاهنّ عن التبرج، وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى فقال: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ}. وقد تقدّم معنى التبرج في «النور». وحقيقته إظهار ما ستره أحسن؛ وهو مأخوذ من السَّعة، يقال: في أسنانه بَرَج إذا كانت متفرّقة؛ قاله المبرد. واختلف الناس في «الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى»؛ فقيل: هي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام، كانت المرأة تلبس الدّرع من اللؤلؤ، فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال. وقال الحكم بن عُيينة: ما بين آدم ونوح، وهي ثمانمائة سنة، وحُكيت لهم سِير ذميمة. وقال ابن عباس: ما بين نوح وإدريس. الكلبيّ: ما بين نوح وإبراهيم. قيل: إن المرأة كانت تلبس الدّرع من اللؤلؤ غير مَخِيط الجانبين، وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها. وقالت فرقة: ما بين موسى وعيسى. الشعبي: ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. أبو العالية: هي زمان داود وسليمان؛ كان فيه للمرأة قميص من الدرّ غير مخيط الجانبين. وقال أبو العباس المبرد: والجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء، قال: وكان النساء في الجاهلية الجهلاء يُظهرن ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخِلّها، فينفرد خِلّها بما فوق الإزار إلى الأعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل. وقال مجاهد: كان النساء يتمشّين بين الرجال، فذلك التبرج. قال ابن عطية: والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي لحِقنها، فأمِرْن بالنّقلة عن سيرتهنّ فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غَيْرة عندهم؛ وكان أمر النساء دون حجاب، وجَعْلُهَا أولى بالنسبة إلى ما كنّ عليه؛ وليس المعنى أن ثَمّ جاهلية أخرى. وقد أوقِع اسم الجاهلية على تلك المدّة التي قبل الإسلام، فقالوا: جاهليّ في الشعراء. وقال ابن عباس في البخاريّ: سمعت أبي في الجاهلية يقول؛ إلى غير هذا. قلت: وهذا قول حسن. ويعترض بأن العرب كانت أهل قَشَف وضَنْك في الغالب، وأن التنعم وإظهارَ الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة، وهي المراد بالجاهلية الأولى، وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهنّ من المِشية على تَغْنيج وتكسير وإظهار المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعاً. وذلك يشمل الأقوال كلّها ويعمّها فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكنّ على تبذُّل وتستُّر تام. والله الموفق. الثالثة: ذكر الثعلبيّ وغيره: أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى تَبُلّ خمارها. وذكر أن سَوْدة قيل لها: لم لا تحجّين ولا تَعْتَمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله أن أقرّ في بيتي. قال الراوي: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها. رضوان لله عليها! قال ابن العربي: لقد دخلت نَيِّفاً على ألف قرية، فما رأيت نساء أصْون عيالاً ولا أعفّ نساء من نساء نابلس، التي رُمي بها الخليل صلى الله عليه وسلم بالنار؛ فإن أقمت فيها فما رأيت امرأة في طريق نهاراً إلا يوم الجمعة فإنهنّ يخرجن إليها حتى يمتلىء المسجد منهنَّ، فإذا قُضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهنّ لم تقع عيني على واحدة منهنّ إلى الجمعة الأخرى. وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهنّ حتى استشهدن فيه. الرابعة: قال ابن عطية: بكاء عائشة رضي الله عنها إنما كان بسبب سفرها أيام الجمل، وحينئذٍ قال لها عمّار: إن الله قد أمرك أن تَقرِّي في بيتك. قال ابن العربي: تعلق الرافضة ـ لعنهم الله ـ بهذه الآية على أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ قالوا: إنها خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت تقود الجيوش، وتباشر الحروب، وتقتحم مأزق الطعن والضرب فيما لم يفرض عليها ولا يجوز لها. قالوا: ولقد حُصر عثمان، فلما رأت ذلك أمرت برواحلها فقرّبت لتخرج إلى مكة؛ فقال لها مَرْوان: أقيمي هنا يا أمّ المؤمنين، وردّي هؤلاء الرّعاع؛ فإن الإصلاح بين الناس خير من حَجّك. قال ابن العربي قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن عائشة رضي الله عنها، نذرت الحج قبل الفتنة، فلم تر التخلف عن نذرها؛ ولو خرجت في تلك الثائرة لكان ذلك صواباً لها. وأما خروجها إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب، ولكن تعلق الناس بها، وشكَوْا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة وتهارج الناس، ورجَوْا بركتها، وطمِعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق، وظنّت هي ذلك فخرجت مقتدية بالله في قوله: {أية : لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [النساء: 114]، وقوله: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} تفسير : [الحجرات: 9]. والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر وأنثى؛ حُرّ أو عبد. فلم يرد الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع إصلاح، ولكن جرت مطاعنات وجراحات حتى كاد يفنى الفريقان، فعمَد بعضهم إلى الجمل فعرقبه، فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشة رضي الله تعالى عنها، فاحتملها إلى البصرة، وخرجت في ثلاثين امرأة، قَرَنَهُنّ عليٌّ بها حتى أوصلوها إلى المدينة بَرَّةً تقيّة مجتهدة، مصيبة مثابة فيما تأوّلت، مأجورة فيما فعلت؛ إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب. وقد تقدّم في «النحل» اسم هذا الجمل، وبه يعرف ذلك اليوم. قوله تعالى: {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي فيما أمر ونهى. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} قال الزجاج: قيل يراد به نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: يراد به نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته؛ على ما يأتي بيانه بعدُ. و«أَهْلَ الْبَيْتِ» نصب على المدح. قال: وإن شئت على البدل. قال: ويجوز الرفع والخفض. قال النحاس: إن خفض على أنه بدل من الكاف والميم لم يجز عند أبي العباس محمد بن يزيد، قال لا يبدل من المخاطبة ولا من المخاطب؛ لأنهما لا يحتاجان إلى تبيين. {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيــراً} مصدر فيه معنى التوكيد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَرْنَ } بكسر القاف وفتحها {فِى بُيُوتِكُنَّ } من القرار، وأصله: اقررن، بكسر الراء وفتحها من قررت بفتح الراء وكسرها، نقلت حركة الراء إلى القاف وحذفت مع همزة الوصل {وَلاَ تَبَرَّجْنَ } بترك إحدى التاءين من أصله {تَبَرُّجَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ } أي ما قبل الإسلام من إظهار النساء محاسنهن للرجال، والإِظهار بعد الإِسلام مذكور في آية { أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} تفسير : [24: 31] {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعْنَ ٱللهَ وَرَسُولَهُ إِنِّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ ٱلرِّجْسَ} الإِثم يا {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } أي نساء النبي صلى الله عليه وسلم {وَيُطَهِّرَكُمْ } منه {تَطْهِيراً }.
ابن عطية
تفسير : قرأ الجمهور "وقِرن" بكسر القاف، وقرأ عاصم ونافع "وقَرن" بالفتح، فأما الأولى فيصح أن تكون من الوقار تقول وقر يقر فقرن مثل عدن أصله أو قرن، ويصح أن تكون من القرار وهو قول المبرد تقول قررت بالمكان بفتح القاف والراء أقر فأصله أقررن حذفت الراء الواحدة تخفيفاً، كما قالوا في ظللت ظلت ونقلوا حركتها إلى القاف واستغني عن الألف، وقال أبو علي: بل أعل بأن أبدلت الراء ياء ونقلت حركتها إلى القاف ثم حذفت الياء لسكونها وسكون الراء بعدها، وأما من فتح القاف فعلى لغة العرب قرِرت بكسر الراء أقر بفتح القاف في المكان وهي لغة ذكرها أبو عبيد في الغريب المصنف، وذكرها الزجاج وغيره، وأنكرها قوم، منهم المازني وغيره، قالوا وإنما يقال قررت بكسر الراء من قرت العين، وأما من القرار فإنما هو من قررت بفتح الراء، وقرأ عاصم "في بِيوتكن" بكسر الباء، وقرأ ابن أبي عبلة "واقرِرن" بألف وصل وراءين الأولى مكسورة، فأمر الله تعالى في هذه الآية نساء النبي بملازمة بيوتهن ونهاهن عن التبرج وأعلمهن أنه فعل {الجاهلة الأولى}، وذكر الثعلبي وغيره أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى تبل خمارها، وذكر أن سودة قيل لها لم لا تحجين ولا تعمرين كما يفعل أخواتك، فقالت قد حججت واعتمرت وأمرني الله تعالى أن أقر في بيتي قال الراوي: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى خرجت جنازتها. قال القاضي أبو محمد: وبكاء عائشة رضي الله عنها إنما كان بسبب سفرها أيام الجمل وحينئذ قال لها عمار: إن الله أمرك أن تقري في بيتك، و"التبرج"، إظهار الزينة والتصنع بها ومنه البروج لظهورها وانكشافها للعيون، واختلف الناس في {الجاهلية الأولى} فقال الحكم بن عيينة ما بين آدم ونوح وهي ثمانمائة سنة، وحكيت لهم سير ذميمة، وقال الكلبي وغيره ما بين نوح وإبراهيم، وقال ابن عباس ما بين نوح وإدريس وذكر قصصاً، وقالت فرقة ما بين موسى وعيسى، وقال عامر الشعبي ما بين عيسى ومحمد، وقال أبو العالية هو زمان سليمان وداود كان فيه للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبيين. قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقتها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة لأنهم كانوا لا غيرة عندهم فكان أمر النساء دون حجبة وجعلها أولى بالإضافة إلى حالة الإسلام، وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى، وقد مر اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبيل الإسلام فقالوا جاهلي في الشعراء، وقال ابن عباس في البخاري سمعت أبي في {الجاهلية} يقول إلى غير هذا، و {الرجس} اسم يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسات والنقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن {أهل البيت}، ونصب {أهل البيت} على المدح أو على النداء المضاف، أو بإضمار أعني، واختلف الناس في {أهل البيت} من هم، فقال عكرمة ومقاتل وابن عباس هم زوجاته خاصة لا رجل معهن، وذهبوا إلى أن البيت أريد به مساكن النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة: هي الجمهور {أهل البيت} علي وفاطمة والحسن والحسين، وفي هذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نزلت هذه الآية في خمسة فيّ وفي علي وفاطمة والحسن والحسين" تفسير : رضي الله عنهم، ومن حجة الجمهور قوله {عنكم} و {يطهركم} بالميم، ولو كان النساء خاصة لكان عنكن. قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر إليّ أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فــ {أهل البيت} زوجاته وبنته وبنوها وزوجها، وهذه الآية تقضي أن الزوجات من {أهل البيت} لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن، أما أن أم سلمة قالت نزلت هذه الآية في بيتي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فدخل معهم تحت كساء خيبري وقال "حديث : هؤلاء أهل بيتي"، وقرأ الآية وقال اللهم "أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً"، قالت أم سلمة فقلت: وأنا يا رسول الله، فقال "أنت من أزواج النبي وأنت إلي خير"تفسير : ، وقال الثعلبي قيل هم بنو هاشم فهذا على أن {البيت} يراد به بيت النسب، فيكون العباس وأعمامه وبنو أعمامه منهم وروي نحوه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَقَرْنَ} من القرار في المكان وبالكسر من السكينة والوقار {تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ} التبختر، أو كانت لهن مشية وتكسر وتغنج. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " حديث : المائلات المميلات لا يدخلن الجنة " تفسير : المائلات في مشيهن والمميلات قلوب الرجال إليهن، أو كانت المرأة تمشي بين يدي الرجال، أو أن تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وعنقها وقرطها فيبدو ذلك كله منها، أو تُبدي من محاسنها ما يلزمها ستره، أصله من تبرج العين وهو سعتها. {الْجَاهِليَّةِ الأُولَى} بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، أو زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كانت إحداهن تمشي في الطريق لابسة درعاً مفرجاً ليس عليها غيره، أو ما بين آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام ثمانمائة سنة فكن النساء يردن الرجال على أنفسهن لحسن رجالهن وقبح نسائهن، أو بين نوح وإدريس عليهما الصلاة والسلام ألف سنة كانت إحداهن تجمع زوجاً وخِلماً أي صاحباً فتجعل لزوجها النصف الأسفل ولخِلمها النصف الأعلى، أو كان بطنان من بني آدم يسكن أحدهما الجبل رجالهم صِبَاح وفي نسائهم دمامة "وأهل السهل عكس ذلك" فاتخذ لهم إبليس عيداً اختلط فيه أهل السهل بأهل الجبل فظهرت فيهم الفاحشة فذلك تبرج الجاهلية الأولى. {الرِّجْسَ} الإثم، أو الشرك "ح"، أو الشيطان، أو المعاصي، أو الشك، أو الأقذار {أَهْلَ الْبَيْتِ} علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم أجمعين قاله أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى عنهم أو الأزواج خاصة، أو الأهل والأزواج. {وَيُطَهِّرَكُمْ} من الإثم، أو السوء، أو الذنوب.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وقرن في بيوتكن} أي الزمن بيوتكن وقيل هو أمر من الوقار أي كن أهل وقار وسكون {ولا تبرجن تبرج} قيل: هو التكسر والتغنّج والتبختر وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال {الجاهلية الأولى} قيل الجاهلية الأولى هو ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هو زمن داود وسليمان عليهما السلام كانت المرأة تلبس قميصاً من الدر غير مخيط الجانبين، فيرى خلفها منه وقيل كان في زمن نمرود الجبار كانت المرأة، تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه وتمشي به وسط الطريق ليس عليها شيء غيره وتعرض نفسها على الرجال وقال ابن عباس: الجاهلية الأولى ما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة وقيل: إن بطنين من ولد آدم عليه السلام كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل وكانت رجال الجبل صباحاً وفي النساء دمامة وكان نساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة وإن إبليس أتى رجلاً من أهل السهل وأجره نفسه وكان يخدمه واتخذ شيئاً مثل الذي يرمز به الرعاة فجاء بصوت لم يسمع الناس مثمله فبلغ ذلك من حولهم فأتوهم يستعمون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون إليه في السنة فتتبرج النساء للرجال وتتزين الرجال لهن، وأن رجلاً من أهل الجبل، هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهم فنزلوا معهم وظهرت الفاحشة فيهن فذلك قوله تعالى {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} وقيل الجاهلية الأولى ما قبل الإسلام والجاهلية الأخرى، قوم يفعلون مثل فعلهم آخر الزمان وقيل قد تذكر الأولى وإن لم تكن لها أخرى {وأقمن الصلاة} أي الواجبة {وآتين الزكاة} أي المفروضة {وأطعن الله ورسوله} أي فيما أمر وفيما نهى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} أي الإثم الذي نهى الله النساء عنه. وقال ابن عباس: يعني عمل الشيطان وما ليس الله فيه رضا، وقيل: الرجس الشك وقيل السوء {أهل البيت ويطهركم تطهيراً} هم نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس وتلا قوله تعالى {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} وهو قول عكرمة ومقاتل وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة وغيرهم إلى أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، يدل عليه ما روي عن عائشة أم المؤمنين قالت "خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء الحسن فأدخله فيه، ثم جاء الحسين فأدخله فيه ثم قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} أخرجه مسلم. المرط الكساء والمرحل بالحاء المنقوش عليه صور الرجال، وبالجيم المنقوش عليه صور الرجال، "حديث : عن أم سلمة قالت: "إن هذه الآية نزلت في بيتها، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيراً} قالت وأنا جالسة عند الباب فقلت يا رسول الله ألست من أهل البيت فقال: إنك إلى خير أنت من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين فجللهم بكساء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنه الرجس وطهرهم تطهيراً""تفسير : أخرجه الترمذي. وقال حديث صحيح غريب عن أنس بن مالك حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر، إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيراً"تفسير : أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب وقال زيد بن أرقم أهل البيت من حرم الصدقة بعده آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. قوله تعالى {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله} يعني القرآن {والحكمة} قيل هي السنة السنة وقيل هي أحكام القرآن ومواعظه {إن الله كان لطيفاً} يعني بأوليائه وأهل طاعته {خبيراً} أي بجميع خلقه. قوله عز وجل {إن المسلمين والمسلمات} الآية وذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن، ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير تذكر به إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة فأنزل الله هذه الآية. عن أم عمارة الأنصارية قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت مالي أرى كل شيء إلى الرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت {إن المسلمين والمسلمات} أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب وقيل إن إم سلمة بنت أبي أمية وأنيسة بنت كعب الأنصارية قالتا للنبي صلى الله عليه وسلم ما بال ربنا يذكر الرجال، ولا يذكر النساء في شيء في كتابه ونخشى أن لا يكون فيهن خير فنزلت هذه الآية وروي "حديث : أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فدخلت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت هل نزل فينا شيء من القرآن قلن لا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إن النساء لفي خيبة وخسار قال "ومم ذلك" قالت لأنهن لم يذكرن بخير كما ذكر الرجال فأنزل الله إن المسلمين والمسلمات"تفسير : فذكر لهن عشر مراتب مع الرجال، فمدحهن بها معهم الأولى والإسلام وهو الانقياد لأمر الله تعالى وهو قوله: إن المسلمين والمسلمات، الثانية الإيمان بما يراد به أمر الله تعالى وهو تصحيح الاعتقاد وموافقة الظاهر للباطن، وهو قوله {والمؤمنين والمؤمنات} الثالثة الطاعة وهو قوله {والقانتين والقانتات} الرابعة الصدق في الأقوال والأفعال وهو قوله {والصادقين والصادقات} الخامسة الصبر على ما أمر الله وفيما ساء وسر وهو قوله {والصابرين والصابرات} السادسة الخشوع في الصلاة وهو أن لا يلتفت وقيل: هو التواضع وهو قوله {والخاشعين والخاشعات} السابعة الصدقة مما رزق الله وهو قوله {والمتصدقين والمتصدقات} الثامنة المحافظة على الصوم وهو قوله {والصائمين والصائمات} التاسعة العفة وهو قوله {والحافظين فروجهم} يعني عما لا يحل {والحافظات} العاشرة كثرة الذكر وهو قوله {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} وقيل لا يكون العبد منهم حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً، وروي عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال "حديث : سبق المفردون قالوا: يا رسول الله وما المفردون قال الذاكرون الله كثيراً والذاكرات"تفسير : وقال عطاء بن أبي رباح من فوّض أمره إلى الله، فهو داخل في قوله إن المسلمين والمسلمات ومن أقر بأن الله ربه ومحمداً رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل في قوله والمؤمنين والمؤمنات ومن أطاع الله في الفرض والرسول في السنة، فهو داخل في قوله والقانتين والقانتات، ومن صان قوله عن الكذب، فهو داخل في قوله والصادقين والصادقات، ومن صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزية، فهو داخل في قوله الصابرين والصابرات، ومن صلى، فلم يعرف من عن يمينه وعن شماله، فهو داخل في قوله والخاشعين والخاشعات ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم، فهو داخل في قوله والمتصدقين والمتصدقات ومن صام في كل شهر أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فهو داخل في قوله والصائمين والصائمات، ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل في قوله والحافظين فروجهم والحافظات ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله والذاكرين الله كثيراً والذاكرات {أعد الله لهم مغفرة} أي بمحو ذنوبهم {وأجراً عظيماً} يعني الجنة.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها: ما لك لا تَحُجِّين، ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟! فقالت: قد حججت، واعتمرت، وأمرني الله أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن مسروق رضي الله عنه قال: كانت عائشة رضي الله عنها إذا قرأت {وقرن في بيوتكن} بكت حتى تبل خمارها. وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه عام حجة الوداع هذه، ثم ظهور الحصر قال: فكان كلهن يحجن إلا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة، وكانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أم نائلة رضي الله عنها قالت: جاء أبو برزة فلم يجد أم ولده في البيت، وقالوا ذهبت إلى المسجد، فلما جاءت صاح بها فقال: ان الله نهى النساء أن يخرجن، وأمرهن يقرن في بيوتهن، ولا يتبعن جنازة، ولا يأتين مسجداً، ولا يشهدن جمعة. وأخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنها قال: احبسوا النساء في البيوت، فإن النساء عورة، وإن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وقال لها: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجب بك. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه قال: استعينوا على النساء بالعري، أن أحداهن إذا كثرت ثيابها، وحسنت زينتها أعجبها الخروج. وأخرج البزار عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله، فما لنا عمل ندرك فضل المجاهدين في سبيل الله؟ فقال "من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله" ". تفسير : أما قوله تعالى: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} . أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الجاهلية الأولى فيما بين نوح وادريس عليهما السلام، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبال، فكان رجال الجبال صباحاً وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلاً من أهل السهل في صورة غلام، فأجر نفسه فكان يخدمه، واتخذ إبليس شبابة مثل الذي يزمر فيه الرعاء، فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون إليه في السنة، فتتبرج النساء للرجال، وتتبرج الرجال لهن، وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه، فأخبرهم بذلك، فتحوّلوا إليهن، فنزلوا معهن وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} . وأخرج ابن جرير عن الحكم رضي الله عنه {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} قال: كان بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة، فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان، وكانت المرأة تريد الرجل على نفسه، فأنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأله فقال: أرأيت قول الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} هل كانت الجاهلية غير واحدة؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة. فقال: له عمر رضي الله عنه: فأنبئني من كتاب الله ما يصدق ذلك قال: إن الله يقول {أية : وجاهدوا في الله حق جهاده} تفسير : [الحج: 78] فقال عمر رضي الله عنه: من أمرنا أن نجاهد؟ قال: بني مخزوم، وعبد شمس. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} قال: تكون جاهلية أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها أنها تلت هذه الآية فقالت: الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم عليه السلام. وأخرج ابن سعد عن عكرمة رضي الله عنه قال: {الجاهلية الأولى} التي ولد فيها إبراهيم عليه السلام، والجاهلية الآخرة: التي ولد فيها محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال {الجاهلية الأولى} بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن الشعبيّ رضي الله عنه، مثله. وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانت المرأة تخرج فتمشي بين الرجال، فذلك {تبرج الجاهلية الأولى} . وأخرج البيهقي في سننه عن أبي أذينة الصدفي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : شر النساء المتبرجات وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} يقول: إذا خرجتن من بيوتكن، وكانت لهن مشية فيها تكسير وتغنج، فنهاهن الله عن ذلك. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه في قوله {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} قال: التبختر. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله {ولا تبرجن...} قال: التبرج إنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج. وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء قال"حديث : {لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} قالت امرأة: يا رسول الله أراك تشترط علينا أن لا نتبرج، وأن فلانة قد أسعدتني، وقد مات أخوها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبي فاستعديها ثم تعالي فبايعيني ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس، أهل البيت} قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال عكرمة رضي الله عنه: من شاء بأهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} قال: ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن سعد عن عروة رضي الله عنه {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} قال: يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نزلت في بيت عائشة رضي الله عنها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ببيتها على منامة له عليه كساء خيبري، فجاءت فاطمة رضي الله عنها ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ادعي زوجك، وابنيك، حسناً، وحسيناً، فدعتهم فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلة ازاره، فغشاهم إياها، ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فاذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً، قالها ثلاث مرات. قالت أم سلمة رضي الله عنها: فادخلت رأسي في الستر فقلت: يا رسول الله وأنا معكم فقال: إنك إلى خير مرتين" ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:حديث : جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى أبيها بثريدة لها، تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه. فقال لها "أين ابن عمك؟ قالت: هو في البيت. قال: اذهبي فادعيه وابنيك، فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما في يد وعلي رضي الله عنه يمشي في أثرهما حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسهما في حجره، وجلس علي رضي الله عنه عن يمينه، وجلست فاطمة رضي الله عنها عن يساره، قالت أم سلمة رضي الله عنها: فأخذت من تحتي كساء كان بساطنا على المنامة في البيت" . تفسير : وأخرج الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها"حديث : ائتني بزوجك وابنيه، فجاءت بهم، فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم كساء فدكيا، ثم وضع يده عليهم، ثم قال: اللهم إن هؤلاء أهل محمد - وفي لفظ آل محمد - فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. قالت أم سلمة رضي الله عنها: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي وقال إنك على خير ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت"حديث : نزلت هذه الآية في بيتي {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} وفي البيت سبعة: جبريل، وميكائيل عليهما السلام، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضي الله عنهم، وأنا على باب البيت، قلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حديث : كان يوم أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن، وحسين، وفاطمة، وعلي، فضمهم إليه، ونشر عليهم الثوب. والحجاب على أم سلمة مضروب، ثم قال "اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت أم سلمة رضي الله عنها: فانا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك، وإنك على خير" ". تفسير : وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: حديث : في بيتي نزلت {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} وفي البيت فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين. فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه، ثم قال "هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً" ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ، وفي علي، وفاطمة، وحسن، وحسين، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما، فأدخلهما معه، ثم جاء علي فادخله معه، ثم قال {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} . وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد قال "حديث : نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فادخل علياً، وفاطمة، وابنيهما تحت ثوبه، ثم قال اللهم هؤلاء أهلي، وأهل بيتي ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال "جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة، ومعه حسن، وحسين، وعلي، حتى دخل، فأدنى علياً، وفاطمة. فاجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً، وحسيناً. كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول"حديث : الصلاة يا أهل البيت الصلاة {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} ". تفسير : وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أذكركم الله في أهل بيتي، فقيل: لزيد رضي الله عنه: ومن أهل بيته، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن الله قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً. فذلك قوله {وأصحاب اليمين} [الواقعة: 27] و {أصحاب الشمال} [الواقعة: 41] فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله{وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون} [الواقعة: 8 - 10] فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] وأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر. ثم جعل القبائل بيوتاً، فجعلني في خيرها بيتاً، فذلك قوله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قال: هم أهل بيت طهرهم الله من السوء، واختصهم برحمته قال: وحدث الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول"حديث : نحن أهل بيت طهرهم الله من شجرة النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وبيت الرحمة، ومعدن العلم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما دخل علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها. جاء النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً إلى بابها يقول"حديث : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} انا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال "حديث : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية أشهر بالمدينة. ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى إلى باب علي رضي الله عنه، فوضع يده على جنبتي الباب، ثم قال: الصلاة... الصلاة... {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "حديث : شهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشهر، يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} الصلاة رحمكم الله، كل يوم خمس مرات ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي، وفاطمة ستة أشهر فيقول {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} [الآية: 33]. قال أبو بكر الوراق: {ٱلرِّجْسَ} الأهواء والبدع والضلالات. {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} من دنس الدنيا والميل إليها. قال بعضهم: {ٱلرِّجْسَ} هو الغل والغش والحسد {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} بالهدى والتوفيق. قال على بن عبد الرحمن فى قوله: {لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} قال: البخل والطمع {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} بالسخاء والإيثار. قال ابن عطاء: يذهب عن نفوسكم رجس الفواحش ويطهر قلوبكم بالإيمان والرضا والتسليم.
القشيري
تفسير : "الرجس": الأفعالُ الخبيثةُ والأخلاقُ الدنيئة؛ فالأفعال الخبيثة الفواحش ما ظهرَ منها وما بطن، وما قلّ وما جلّ. والأخلاقُ الدنيئةُ الأهواءُ والبِدَعُ كالبخل والشحِّ وقَطْعِ الرَّحِم، ويريد بهم الأخلاقَ الكريمةَ كالجُودِ والإيثار والسخاء وصِلَةِ الرَّحِمِ، ويديم لهم التوفيق والعصمة والتسديد، ويُطهرهم من الذنوب والعيوب.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} الرجس فهاهنا حيث ما دون الله فى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهن مخصوصات بالصديقية من الله سبحانه وهن مقدسات حيث قدس الله ارواحهن واشباحهن بنظر الاصطفائية اليهن فى انشائهن قال ابو بكر الوراق الرجس الاهواء والبدع والضلالات ويطهركم من دنس الدنيا والميل اليها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقرن} [وآرام كيريد] {فى بيوتكن} [درخانهاى خويش]. قرأ نافع وعاصم وابو جعفر بفتح القاف فى المضارع من باب علم واصله اقررن نقلت حركة الراء الاولى الى القاف وحذفت لالتقاء الساكنين ثم حذفت همزة الوصل استغناء عنها فصار قرن ووزنه الحالى فلن والاصل افعلن والباقون بكسرها لما انه امر من وقر يقر وقارا اذا ثبت وسكن واصله او قرن فحذفت الواو تخفيفا ثم الهمزة استغناء عنها فصار قرن ووزنه الحالى علن او من قريقر بكسر القاف فى المضارع فاصله اقررن نقلت كسرة الراء الى القاف ثم حذفت فاستغنى عن همزة الوصل فصار قرن ووزنه الحالى فلن. والمعنى الزمن يا نساء النبى بيوتكن واثبتن فى مساكنكن. والخطاب وان كان لنساء النبى فقد دخل فيه غيرهن ـ روى ـ ان سودة بنت زمعة رضى الله عنها من الازواج المطهرة ما خطت باب حجرتها لصلاة ولا لحج ولا لعمرة حتى اخرجت جنازتها من بيتها فى زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقيل لها لم لا تحجين ولا تعتمرين فقالت قيل لنا {وقرن فى بيوتكن} شعر : زبيكانكان جشم زن كور باد جوبيرون شد ازخانه در كورباد تفسير : وفى الخبر (خير مساجد النساء قعر بيوتهن) {ولا تبرجن}. قال الراغب يقال ثوب متبرج صور عليه بروج واعتبر حسنه فقيل تبرجت المرأة اى تشبهت به فى اظهار الزينة والمحاسن للرجال اى مواضعها الحسنة فيكون المعنى [اظهار بيرايها مكنيد] ويدل عليه قوله فى تهذيب المصادر [التبرج: بزن خويشتن را بيار استن] قال تعالى {ولا تبرجن} واصل التبرج صعود البرج وذلك ان من صعد البرج ظهر لمن نظر اليه قاله ابوعلى انتهى. وقيل تبرجت المرأة ظهرت من برجها اى قصرها ويدل على ذلك قوله ولا تبرجن كما فى المفردات. وقال بعضهم ولا تتبخترن فى مشيكن {تبرج الجاهلية الاولى} اى تبرجا مثل تبرج النساء فى ايام الجاهلية القديمة وهى ما بين آدم ونوح وكان بين موت آدم وطوفان نوح الف ومائتا سنة واثنتان وسبعون سنة كما فى التكملة. والجاهلية الاخرى ما بين محمد وعيسى عليهما السلام. قال ابن الملك الجاهلية الزمان الذى كان قبل بعثته عليه السلام قريبا منها سمى به لكثرة الجهالة انتهى ـ روى ـ ان بطنين من ولد آدم سكن احدهما السهل والآخر الجبل وكان رجال الجبل صباحا وفى نسائهم دمامة والسهل بالعكس فجاء ابليس وآجر نفسه من رجل سهلى وكان يخدمه فاتخذ شيئا مثل ما يزمر الرعاء فجاء بصوت لم يسمع الناس بمثله فبلغ ذلك من فى السهل فجاؤوا يستمعون اليه واتخذوا عيدا يجتمعون اليه فى السنة فتبرج النساء للرجال وتزينوا لهن فهجم رجل من اهل الجبل عليهم فى عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فاخبر اصحابه فتحولوا اليهم فنزلوا معهم وظهرت الفاحشة فيهن فذلك قوله {ولا تبرجن} الخ وذلك بعد زمان ادريس. قال الكاشفى [اصح آنست كه جاهليت اولى درزمان حضرت ابراهيم عليه السلام بودكه زنان لباسها بمرواريد بافته بوشيده خودرا درميان طريق بمردان عرض كردندى]. وقيل الجاهلية الاخرى قوم يفعلون مثل فعلهم فى آخر الزمان. وفى الحديث "حديث : صنفان من اهل النار لم ارهما بعد" تفسير : يعنى فى عصره عليه السلام لطهارة ذلك العصر بل حدثا بعده (قوم معهم سياط) يعنى احدهما قوم فى ايديهم سياط (كأذناب البقر يضربون بها الناس) جمع سوط تسمى تلك السياط فى ديار العرب بالمقارع جمع مقرعة وهى جلد طرفها مشدود عرضه كعرض الاصبع الوسطى يضربون بها السارقين عراة وقيل هم الطوافون على ابواب الظلمة كالكلاب يطردون الناس عنها بالضرب والسباب {ونساء} يعنى ثانيهما نساء (كاسيات) يعنى فى الحقيقة (عاريات) يعنى فى المعنى لانهن يلبسن ثيابا رقاقا تصف ما تحتها او معناه عاريات من لباس التقوى وهن اللاتى يلقين ملاحفهن من ورائهن فتنكشف صدورهن كنساء زماننا. او معناه كاسيات بنعم الله عاريات عن الشكر يعنى نعيم الدنيا لا ينفع فى الآخرة اذا خلا عن العمل الصالح وهذا المعنى غير مختص بالنساء (مميلات) اى قلوب الرجال الى الفساد بهن او مميلات اكنافهن واكفالهن كما تفعل الرقاصات او مميلات مقانعهن عن رؤسهن لتظهر وجوههن (مائلات) اى الى الرجال او معناه متبخترات فى مشيهن (رؤسهن كأسنمة البخت) يعنى يعظمن رؤسهن بالخمر والقلنسوة حتى تشبه اسنمة البخت او معناه ينظرن الى الرجال برفع رؤسهن (المائلة) لان اعلى السنام يميل لكثرة شحمه (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وان ريحها ليوجد مسيرة اربعين عاما) {واقمن الصلاة} التى هى اصل الطاعات البدنية {وآتين الزكاة} التى هى اشرف العبادات المالية اى ان كان لكن مال كما فى تفسير ابى الليث {واطعن الله ورسوله} فى سائر الاوامر والنواهى. وقال بعضهم اطعن الله فى الفرائض ورسوله فى السنن {انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} الرجس الشئ القذر اى الذنب المدنس لعرضكم وعرض الرجل جانبه الذى يصونه وهو تعليل لامرهن ونهيهن على الاستئناف ولذلك عم الحكم بتعميم الخطاب لغيرهن وصرح بالمقصود حيث قيل {اهل البيت} اى يا اهل البيت والمراد به من حواه بيت النبوة رجالا ونساء. قال الراغب اهل الرجل من يجمعه واياهم نسب او دين او ما يجرى مجراهما من صناعة وبيت وبلد وضيعة فاهل الرجل فى الاصل من يجمعه واياهم مسكن واحد ثم تجوّز به فقيل اهل بيت الرجل لمن يجمعه واياهم نسب وتعورف فى اسرة النبى عليه السلام مطلقا اذا قيل اهل البيت يعنى اهل البيت متعارف فى آل النبى عليه السلام من بنى هاشم ونبه عليه السلام بقوله (سلمان منا اهل البيت) على ان مولى القوم يصح نسبته اليهم. والبيت فىالاصل مأوى الانسان بالليل ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه وجمعه ابيات وبيوت لكن البيوت بالمسكن اخص والابيات بالشعر ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر وصوف ووبر وبه شبه بيت الشعر وعبر عن مكان الشئ بانه بيته الكل فى المفردات {ويطهركم} من ادناس المعاصى {تطهيرا} بليغا واستعارة الرجس للمعصية والترشيح بالتطهير لمزيد التنفير عنها وهذه كما ترى آية بينة وحجة نيرة على كون نساء النبى عليه السلام من اهل بيته قاضية ببطلان مذهب الشيعة فى تخصيصهم اهل البيت بفاطمة وعلى وا بينه اى الحسن والحسين رضى الله عنهم واماما تمسكوا به من ان النبى عليه السلام خرج ذات يوم غدوة وعليه مرط مرجل من شعر اسود: يعنى [بروى ميزر معلم بود از موى سياه] فجلس فأتت فاطمة فادخلها فيه ثم جاء على فادخله فيه ثم جاء الحسن والحسين فادخلهما فيه ثم قال انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت فانه يدل على كونهم من اهل البيت لا ان من عداهم ليسوا كذلك ولو فرضت دلالته على ذلك لما اعتد بها لكونها فى مقابلة النص. قال الكاشفى [وازين جهت است كه آل عبا بربنج تن اطلاق ميكنند شعر : آل العباء رسول الله وابنته والمرتضى ثم سبطاه اذا اجتمعوا تفسير : قال فى كشف الاسرار [رجس در افعال خبيثه است واخلاق دنيه افعال خبيثه فواحش است ما ظهر منها وما بطن واخلاق دنيه هوا وبدعت وبخل وحرص وقطع رحم وامتثال آن رب العالمين ايشانرا بجاى بدعت سنت نهاد وبجاى بخل سخاوت وبجاى حرص قناعت وبجاى قطع رحم وصلت وشفقت آنكه كفت {ويطهركم تطهيرا} وشمارا باك ميدارد از آنكه بخود معجب باشيد ياخودرا بر الله دلالى دانيد يا بطاعات واعمال خود نظرى كنيد. بير طريقت كفت نظر دواست نظر انسانى ونظر رحمانى. نظر انسانى آنست كه توبخود نكرى. ونظر رحمانى آنست كه حق بتونكرد وتانظر انسانى ازنهاد تورخت برنيارد نظر رحمانى بدلت نزول نكند اى مسكين جه نكرى توباين طاعت آلوده خويش وآنرا بدركاه بى نيازى جه وزن نهى خبر ندارى كه اعمال همه صديقان زمين وطاعات همه قدوسيان آسمان جمع كنى درميزان جلال ذى الجلال بربشه نسنجند ليكن او جل جلاله بابى نيازئ خود بنده را به بندكى مى بسند دوراه بندكى بوى مى نمايد] قال المولى الجامى شعر : كاهى كه تكيه بر عمل خود كنند خلق اورا مباد جز كرمت هيج تكيه كاه بااو بفضل كاركن اى مفضل كريم كز عدل تو بفضل تو مى آورد بناه تفسير : وفى التأويلات {وقرن فى بيوتكن} يخاطب به القلوب ان يقروا فى وكناتهم من عالم الملكوت والارواح متوجهين الى الحضرة {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى} لا تخرجوا الى عالم الحواس راغبين فى زينة الدنيا وشهواتها كما هو من عادات الجهلة {واقمن الصلاة} بدوام الحضور والمراقبة والعروج الى الله بالسير فان الصلاة معراج المؤمن بان يرفع يديه من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالاعراض عما سواه ويرجع عن مقام التكبر الانسانى الى خضوع الركوع الحيوانى ومنه الى خشوع السجود النباتى ثم الى القعود الجمادى فانه بهذا الطريق اهبط الى اسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق الى ان يصل الى مقام الشهود الذى كان فيه فى البداية الروحانية ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها ويسلم عن شماله على الدنيا وما فيها مستغرق فى بحر الالوهية باقامة الصلاة وادامتها {وآتين الزكاة} فالزكاة هى ما زاد على الوجود الحقيقى من الوجود المجازى فايتاؤها صرفها وافنائها فى الوجود الحقيقى بطريق {واطعن الله ورسوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} وهو لوث الحدوث {اهل البيت} بيت الوصول ومجلس الوحدة ويطهركم عن لوث الحدوث بشراب طهور تجلى صفات جماله وجلاله تطهيرا لا يكون بعده تلوث انتهى. كما قالوا الفانى لا يرد الى اوصافه [بس اولياء كمل را خوف ظهور طبيعت نيست] شعر : تابنده زخود فانئ مطلق نشود توحيد بنزد او محقق نشود توحيد حلول نيست نابودن تست ورنه بكذاف آدمى حق نشود تفسير : حققنا الله واياكم بحقائق التوحيد وايدنا من عنده باشد التأييد ومحا عنا نقوش وجوداتنا وطهرنا من ادناس انا نياتنا انه الكريم الجواد الرؤوف بكل عبد من العباد
الجنابذي
تفسير : {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} قرئ بكسر القاف وحينئذٍ يجوز ان يكون من الوقار ومن الفرار، وقرئ بفتح القاف وحينئذٍ يكون من القرار فانّ قرّ استعمل من باب علم ومن باب ضرب {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} تلويح بعائشة وفعلتها بالنّسبة الى علىٍّ (ع) فانّه كما روى عن النّبىّ (ص) عاش يوشع بن نون بعد موسى ثلاثين سنة وخرجت عليه صفوراء بنت شعيبٍ زوجة موسى (ع) فقالت: انا احقّ منك بالامر فقاتلها فقتل مقاتليها واحسن اسرها، وانّ ابنة ابى بكرٍ ستخرج على علىٍّ (ع) فى كذا وكذا الفاً من امّتى فيقاتلها فيقتل مقاتليها ويأسرها ويحسن اسرها وفيها انزل الله تعالى: وقرن فى بيوتكنّ ولا تبرّجن تبرّج الجاهليّة الاولى يعنى صفوراء بنت شعيب (ع) {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فى سائر ما امركنّ ونهيكنّ {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّ اهل البيت (ع) سألوا، ما يريد بامر نساء النّبىّ (ص) ونهيهنّ والاهتمام بشأنهنّ؟- فقال تعالى فى الجواب: انّما يريد الله بالاهتمام بامر نساء النّبىّ (ص) تطهير اهل بيته الّذين هم اصحاب الكساء، او هم الائمّة وشيعتهم فانّ المقصود من جميع الاوامر والنّواهى الّتى وردت فى الشّريعة المطهّرة تطهير اهل البيت (ع) يعنى الائمّة وشيعتهم فانّ الكلّ مقدّمة للولاية والبيعة الخاصّة الولويّة، وصاحبوا الولاية هم الائمّة (ع) وخلفاؤهم ومن اجازوهم لاخذ البيعة او لتبليغ الاحكام القالبيّة، وقابلوا الولاية شيعتهم الّذين بايعوا معهم البيعة الخاصّة الولويّة، وعن طريق العامّة والخاصّة ورد اخبار كثيرة فى تفسير اهل البيت بأصحاب الكساء الّذين هم علىّ (ع) وفاطمة (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) وقد ورد عن طريق الخاصة انّها جرت بعدهم فى الائمّة (ع) عن الصّادق (ع) انّه قال يعنى الائمّة وولايتهم من دخل فيها دخل فى بيت النّبىّ (ص) ولكنّ الله عزّ وجلّ انزل فى كتابه لنبيّه (ص) انّما يريد الله (الآية) وكان علىّ (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) وفاطمة (ع) فأدخلهم رسول الله (ص) تحت الكساء فى بيت امّ سلمة ثمّ قال: "حديث : اللّهمّ انّ لكلّ نبىّ اهلاً وثقلاً، وهؤلاء اهل بيتى وثقلى، فقالت امّ سلمة: الست من اهلك؟ فقال انّك على خيرٍ ولكن هؤلاء اهلى وثقلى"تفسير : ، وقال فى آخر الحديث: "حديث : الرّجس هو الشّكّ والله لا نشكّ فى ربّنا ابداً"تفسير : ، وقد ذكر فى المفصّلات الاخبار، من اراد فليرجع اليها، وللاشارة الى انّ المقصود اهل البيت (ع) قال: عنكم لا عنكنّ، وللاهتمام بشأن اهل البيت (ع) وانّ المنظور من تأديب نساء النّبىّ (ص) تطهير اهل البيت جاء بهذه الجملة معترضة بين احكام نساء النّبىّ (ص).
الحبري
تفسير : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّان مَالِكُ بنُ إسْماعِيْلَ، عن فُضَيْل بنِ مَرزُوقٍ، عن عَطِيَّةَ، عن أَبِي سَعِيْدٍ: عَن أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ فِي عَلِيٍّ. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. قَالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ! أَلَسْتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: "حديث : إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، إِنَّكِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ ". تفسير : وَكَانَ فِي الْبَيْتِ رَسُوْلُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. حَدَّثَنَّا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيْدُ بنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَرْيَمٍ، قَالَ: حَدَّثَنا دَاوُدُ بنُ أَبِي عَوْفٍ، قالَ: حَدَّثَنِي شَهْرُ بنُ حَوشَبٍ، قالَ: أَتَيْتُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ، لأُسَلِّمَ عَلَيْها، فَقُلْتُ لَهَا: رَأَيْتِ هذِهِ الآيَةَ، يا اُمَّ المُؤْمِنِيْنَ! {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}؟ قَالَتْ: نَزَلَتْ وَأَنا وَرَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ عَلى مَنَامَةٍ لَنَا تَحْتَنَا كِسَاءٌ خَيْبَرِيٌّ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ وَمَعَهَا حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ، وَفُخَارٌ فِيهِ حَرِيْرَةٌ... وَذَكَرَ الحَدِيْثَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَريُّ، قالَ: حَدَّثَنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ، عن أَبِي إسْرَائِيْلَ ـ يَعْنِي الْمُلاَّئِيَّ ـ، عَن زَبِيْدٍ عَن شَهْر بنِ حَوْشَبٍ، عن: أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَيْتِهَا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْن [في البَيْتِ] فَأَخَذَ عَبَاءً فَجَلَّلَهُمْ بِهَا، ثُمَّ قَالَ "حديث : اَللَّهُمَّ هؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأّذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيْرَاً ". تفسير : فَقُلْتُ ـ وَأَنَا عِنْدَ عَتَبَةِ البَابِ ـ: يا رَسُولَ الله! وَأَنَا مِنْهُمْ؟ أَوْ مَعَهُمْ؟ قَالَ: "حديث : إِنَّكِ لَعَلَى خَيْرٍ ". تفسير : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مالِكُ بنُ إسْماعِيْلَ، عَنْ جَعْفَرٍ الأَحْمَرِ: ـ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، (عن أُمِّ سَلَمَةَ). وَعَبْدِ المَلِكِ، عن عَطَاءٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ: قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِطُعَيِّمٍ لَها اِلَى أَبِيْهَا وَهُوَ عَلَى مَنَامٍ لَهُ، فَقَالَ: آتِيْنِيْ اِبْنَيَّ وَابنُ عَمِّكِ. فَقَالَتْ: جَلَّلَهُمْ ـ أَوْ قَالَتْ: حَوَّلَ عَلَيْهِمْ ـ الكِسَاءَ وقَالَ: "حديث : اَللَّهُمَّ هؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَحَامَّتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيْرَاً ". تفسير : فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا رَسُولَ الله! وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَقَالَ: "حديث : أَنْتِ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ، وَأَنْتِ عَلَى ـ أَوْ اِلَى ـ خَيْرٍ ". تفسير : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ، عن أَبِي شَهَابٍ الخَيَّاطِ، قالَ: أَخْبَرَنِي عَوفٌ الأَ(عرابي) عن أَبِي المُعَدَّل عَطِيَّةِ الطَّفَاوِيّ، عن أَبِيهِ، عن: أُمِّ سَلَمةَ، قَالَتْ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ في الْبَيْتِ، فَقَالَتْ الْخَادِمُ: هذَا عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ مَعَهُما الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ قَائمَيْنِ بِالسُّدَّةِ. فقالَ: "حديث : قُوْمِي تَنَحَّيْ عَنْ أَهْلِ بَيْتِي ". تفسير : فَقُمْتُ، فَجَلَسْتُ في نَاحِيةٍ فَأَذِنُ لَهُمْ، فَدَخَلُوْا، فَقَبَّلَ فَاطِمَةَ وَاعْتَنَقَهَا، وَقَبَّلَ عَلِيَّاً وَاعْتَنَقَهُ، وَضَمَّ اِلَيْهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ صَبِيَّيْنِ صَغِيْرَيْنِ، ثُمَّ أَغْدَفَ عَلَيْهِمْ خَمِيْصَةَ لَهُ سَوْدَاءَ، وَقَالَ: "حديث : اَللَّهُمَّ اِلَيْكَ لاّ اِلَى النَّارِ ". تفسير : فَقُلْتُ: وَأَنَا يا رَسُولَ الله!؟ قَالَ: "حديث : وَأَنْتِ (عَلَى خَيْرٍ) ". تفسير : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا إسْماعِيْلُ بنُ أَبانَ، عَن إسْحَاقَ بنِ إبْرَاهِيْمَ، عَن أَبِي هَارُوْنَ عن: أَبي سَعِيْدٍ، قالَ: نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. في رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ، وَعَلِيٍّ، وَفَاطِمَةَ، وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، عَن الكَلْبيّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن: ابنِ عَبَّاسٍ: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. نَزَلَتْ في رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ، وَعَلِيٍّ، وَفَاطِمَةَ، وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ. وَالرِّجسُ: الشَّكُّ. حَدَّثَنا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الِحبَريُّ، قالَ: حَدَّثَنَا إسْماعِيْلُ بنُ صَبِيْحٍ، عن جَنَابِ بنِ نِسْطَاسٍ عن يُونُسَ بنِ خَباب، عن أَبِي دَاوُدَ، عن: أَبِي الْحَمْراءَ: قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ (نَحْوَاً مِنْ) تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، فَما مِنْ يَوْمٍ يَخْرُجُ اِلى الصَّلاةِ، اِلاَّ جَاءَ عَلَى بابِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، فَأَخَذَ بِعِضَادَتّيْ الْبَابِ ثُمَّ يَقُوْلُ: "حديث : السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، الصَّلاةَ يَرْحَمُكُمُ الله"تفسير : ، {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ قالَ: حَدَّثَنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَن عَلِيٍّ بنِ زَيْدٍ عن أَنَسَ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ كَانَ إذَا خَرَجَ اِلَى مُصَلاَّهُ الْفَجْرَ يُنادِي: "حديث : الصَّلاَةَ أَهْلَ الْبَيْتِ"تفسير : {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا إسْماعِيْلُ بنُ صَبِيْحٍ، قالَ: أَنْبَأَنِي أَبُو الْجَارُودِ، قالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بنُ مُسَاوِرٍ عَن أَبِي الْجَارُودِ: عن أَبِي دَاوُدَ عن أَبِي الْحَمْرَاءِ، قالَ: وَالله لَرَأَيْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وآلِهِ] تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ـ أوْ عَشَرَةَ ـ عِنْدَ كُلِّ صَلاةِ فَجْرٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ بِعِضَادَتَيْ بَابِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُم يَقُولُ: "حديث : السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ ". تفسير : فَيَقٌوْلُ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ يا نَبِيَّ الله وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ. ثُمَّ يَقُولُ: "حديث : الصَّلاةَ يَرْحَمُكُمُ الله"تفسير : {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. قَالَ: ثُمَّ يَنْصَرِفُ اِلَى مُصَلاَّهُ. تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ أَورَدَ الحسكانيُّ في تفسير آية التَطْهير، روايةً بسنده الى مِخْوَل بن إبراهيم عن عَبْد الجبّار بن العباس الشبامي الهمداني، عن عَمّار بن معاوية الدُهْنّي، عن عَمْرة بن أَفعى، عن أُمْ سلمة قالتْ: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في بَيْتِي {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ..} وفي البَيْت سَبْعة: جَبْرئيل وميكائيل وَرَسُولُ الله وعليٌّ وفاطمةُ والحَسَنُ والحُسَيْن، وأَنّا على باب البَيْت، فقلْتُ: يا رَسُولَ الله، أَلَسْتُ مِنْ أَهْل البَيْت؟ فقالَ: "حديث : إِنَّكِ اِلى خَيْرٍ، اِنَّكِ مِنْ أَزْواج النَبيّ"تفسير : ، ما قالَ: "اِنَّكِ مِنْ أَهْل البَيْت". أَقُول: ورواه فراتٌ الكوفيُّ في تفسيره بقوله: حَدَّثَنَا الحُسَيْن ابن الحَكَم معنعنا ـ عن أُمّ سلمة، باختلافٍ يَسير.
فرات الكوفي
تفسير : {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً33} قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي [قال: حدثنا الحسين بن الحكم الحبري قال: حدثنا سعيد بن عثمان قال: حدثني أبو مريم قال: حدثنا داود بن أبي عوف. ح]: حديث : عن شهر بن حوشب قال: أتيت أم سلمة زوجة [ح: زوج] النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] لا سلم عليها فقلت: أما [ح: لها] رأيت هذه الآية يا أم المؤمنين {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجل أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قالت: [كنت] أنا [ح: وأنا] ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على منامة لنا تحتنا كساء خيبري فجاءت فاطمة ومعها الحسن والحسين [ح: حسن وحسين] وفخارٌ فيه حريرة فقال: أين ابن عمك؟ قالت: في البيت. قال: فاذهبي فادعيه. قالت: فدعته فأخذ الكساء من تحتنا فعطفه فأخذ جميعه بيده فقال: [اللهم. ب] هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. وأنا جالسة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأنا؟ قال: إنك على خيرتفسير : . ونزلت هذه الآية {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}. أ، ب] في النبي [ص. ب] وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم [الصلاة و. أ، ر] السلام [والتحية والإكرام. أ، ر. ورحمة الله وبركاته. ر]. فرات قال: حدثنا الحسين [الحبري قال: حدثنا مالك بن إسماعيل عن أبي شهاب الحناط قال أخبرني عوف الأعرابي عن أبي المعدل عطية الطفاوي عن أبيه. ح]: حديث : عن أم سلمة قالت: كنت مع النبي [ح: رسول الله] صلى الله عليه [وآله. ن] وسلم في البيت فقالت [أ، ب: فقال] الخادم: هذا علي وفاطمة [ح: معها] الحسن والحسين [عليهم السلام. ب] قائمين بالسدة. فقال [أ، ب: قال]: قومي تنحي [لي. ن] عن أهل بيتي فقمت فجلست في ناحية، فأذن لهم فدخلوا، فقبل فاطمة واعتنقها وقبل علياً واعتنقه وضم إليه الحسن والحسين صبيين صغيرين ثم أغدف عليهم خميصة [له. ح] سوداء ثم قال: اللهم إليك لا إلى النار. فقلت: [و. ح] أنا يا رسول الله. قال: وأنت [على خير. ن] . تفسير : فرات قال: حدثنا عباد بن سعيد بن عباد الجعفي معنعناً: حديث : عن أم سلمة زوجة النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] قالت: أمرني رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ر] أن أصنع له حريرة فصنعتها ثم دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين [ثم قال: يا أم سلمة هلمي خزيرتك. فقربتها فأكلوا ثم أقام فاطمة إلى جانب علي، والحسن والحسين] إلى جانب [ب: جنب] فاطمة قالت: وكانت ليلة قارة فأدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجليه وساقيه إلى فخذ علي وفاطمة ثم ألبسهم الكساء الفدكي ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي [أ: وخاصتي] فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً - يكررهن ثلاث مرات -. قالت أم سلمة: ألست من أهلك يا رسول الله؟ قال: إنك على [ر: إلى] خير . تفسير : فرات قال: حدثنا [أ: ثني] الحسين بن الحكم [الحبري قال: حدثنا حسن بن حسين قال: حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد. ح]. حديث : عن أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} في سبعة جبرئيل وميكائيل ورسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام [أ، ر: عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام ورحمة الله وبركاته] قالت: وأنا على باب البيت قالت: قلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: إنك من أزواج النبي وما قال إنك من أهل البيت . تفسير : فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: حديث : عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على عائشة فقلت: أين نزلت هذه الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قالت: نزلت في بيت أم سلمة. قالت أم سلمة: لو سألت عائشة لحدثتك أن هذه الآية نزلت في بيتي. قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [في البيت] إذ قال: لو كان أحدٌ يذهب فيدعو لنا علياً وفاطمة وابنيها. [أ، ب: وابنيهما] قالت: فقلت: ما أجد غيري. قال [ب: قالت]: فدفعت وجئت [ر: فجئت] بهم جميعاً فجلس علي بين يديه وجلس الحسن والحسين عن يمينه وشماله وأجلس فاطمة خلفه ثم تجلل بثوب خيبري ثم قال: نحن جميعاً إليك - فأشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات -إليك لا إلى النار ذاتي وعترتي [و. ر، ب] أهل بيتي من لحمي ودمي. قالت أم سلمة: يا رسول الله أدخلني معهم. قال: يا أم سلمة إنك من صالحات أزواجي ولا يدخل الجنة في هذا المكان إلا مني . تفسير : قالت: ونزلت هذه الآية {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}. فرات قال: حدثنا [ب: ثني] علي بن الحسين معنعناً: حديث : عن شهر بن حوشب قال: سمعت أم سلمة زوجة النبي تقول حين قتل الحسين بن علي عليهما السلام لعنت أهل العراق وقالت: قتلوه لعنهم الله غروه وخذلوه رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءته فاطمة غداة ببرمة لها فيها عصيدة تحمله! في طبقٍ لها فوضعته بين يديه فقال لها: أين ابن عمك؟ قالت: هو في البيت. قال: اذهبي فادعيه وائتيني [أ، ب: يأتيني] بابنيك. فأتته به وبابنيها كل واحد منهما يده في يدها وعلي يمشي في آثارهم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقعدهما [أ، ب: وأقعدهما] في حجره و [جلس] علي عن يمينه وجلست فاطمة عن يساره. قالت أم سلمة: فأخذ من تحتي كساءً خيبرياً كان بساطاً لنا على المنامة في المدينة فلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم جميعاً وأخذ بشماله طرفي الكساء وألوا بيده اليمنى إلى السماء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً - ثلاث مرات -." قالت أم سلمة: [قلت. ب]: يا رسول الله ألست من أهلك؟ قال: بلى فأدخلني في الكساء بعد ما مضى دعاؤه لابن عمه وابنيه وابنته فاطمة [عليهم [الصلاة و. ر] السلام. أ، ر] . تفسير : فرات قال: حدثنا الحسن بن حباش بن يحيى الدهقان معنعناً: عن عقرب عن أم سلمة قال: قلت لها: ما تقولين في هذا الذي قد أكثر الناس في شأنه من بين حامد وذام؟ قالت: وأنت ممن يحمده أو يذمه؟ قلت: ممن يحمده. قالت: يكون كذلك فوالله لقد كان على الحق ما غير وما بدل حتى قتل. وسألتها عن هذه الآية [قوله تعالى. ر]: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قالت: نزلت في بيتي وفي البيت سبعة جبرئيل وميكائيل ومحمد وفاطمة والحسن والحسين، جبرئيل يحمل على النبي والنبي يحمل على علي عليهم الصلاة والسلام [أ، ب: صلى الله عليهم أجمعين. ب: جميعاً]. فرات قال: حدثنا الحسن معنعناً: عن عمرة الهمدانية قالت: قالت أم سلمة: أنت عمرة؟ قلت: نعم. قالت عمرة [قلت]: ألاّ تخبريني عن هذا الرجل الذي أصيب بين ظهرانيكم فمحب ومبغض؟! قالت أم سلمة: فتحبيه؟ قالت: لا أحبه ولا أبغضه - تريد علياً - حديث : قالت أم سلمة: أنزل الله تعالى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} وما في البيت إلاّ جبرئيل [وميكائيل. أ، ر] ومحمد [رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أ] وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم [الصلاة و. ر] السلام [والتحية. أ. والاكرام. أ، ر] وأنا فقلت: يا رسول الله [و. أ] أنا من أهل البيت؟ فقال: [أنت. ب] من صالحات [أ، ر: صالحي] نسائي يا عمرة فلو كان قال نعم كان أحب إلي مما تطلع عليه الشمس . تفسير : فرات قال: حدثنا علي بن محمد بن مخلد الجعفي معنعناً: حديث : عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت هذه الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} وذلك أن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب، ر] جللهم في مسجده بكساء ثم رفع يده فنصبها على الكساء وهو يقول: "اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس كما أذهبت عن [آل. ر] إسماعيل وإسحاق ويعقوب وطهرهم من الرجس كما طهرت آل لوط وآل عمران وآل هارون." قلت: يا رسول الله لا [ب: ألا] أدخل معكم؟ قال: إنك على خير [وإلى خير. أ، ب] وإنك من أزواج النبي [أ، ب: رسول الله] والله أمرني بهؤلاء الخمسة خصهم بهذه الدعوة ميراثاً من آل إبراهيم إذ يرفع القواعد من البيت فادخلوا في دعوتنا فدعا لهم بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين أمر أن يجدد دعوة أبيه إبراهيم [عليه [الصلاة و. ر] السلام. ب، ر]. قالت بنته: سميهم يا أمة. قالت: فاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام . تفسير : فرات قال: حدثني الفضل بن يوسف القصباني معنعناً: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أنه قال: أيها الناس ان أهل بيت نبيكم شرفهم الله بكرامته، وأعزهم بهداه واختصهم [أ: خصهم] لدينه، وفضلهم بعلمه، وأستحفظهم وأودعهم علمه [وأطلعهم. خ] على غيبه، عماد لدينه، شهداء عليه، وأوتاد في أرضه، [و. ب] قوام بأمره، [براهم. أ، ر] قبل خلقه أظله عن يمين عرشه، نجباء في علمه، اختارهم وانتجبهم وارتضاهم واصطفاهم، فجعلهم علماً لعباده وأدلاء لهم على صراطه، فهم الأئمة [و. أ، ب] الدعاة، والقادة الهداة، والقضاة الحكام، والنجوم الأعلام، والأسوة [ر: الاسرة] المتخيرة، والعترة المطهرة، والأمة الوسطى، والصراط الأعلم، والسبيل الأقوم، زينة النجباء، وورثة الأنبياء، وهم الرحم الموصولة، والكهف الحصين للمؤمنين، ونور أبصار المهتدين، وعصمة لمن لجأ إليهم، وأمن لمن استجار بهم [ر: إليهم]، ونجاة لمن تبعهم، يغتبط [ص: يغبط] من والاهم، ويهلك من عاداهم، ويفوز من تمسك بهم، والراغب عنهم مارق، واللام بهم لاحق، وهم الباب المبتلى به، من [ر، ب: ومن] أتاه نجا ومن أباه هوى، حطة لمن دخله، وحجة على من تركه، إلى الله يدعون، وبأمره يعملون، وبكتابه يحكمون، وبآياته يرشدون، فيهم نزلت رسالته، وعليهم هبطت ملائكته، وإليهم بعث [ب، ر: نفث] الروح الأمين فضلاً منه ورحمة، وآتاهم مالم يؤت أحداً من العالمين، فعندهم والحمد لله ما يلتمسون ويفتقر إليه ويحتاج [إليه. أ، ب] من العلم الشاق [خ: الشافي] والهدى من الضلالة والنور عند دخول الظلم، فهم الفروع الطيبة، والشجرة المباركة، ومعدن العلم، ومنتهى الحلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، فهم أهل بيت الرحمة والبركة [الذين. أ، ب] أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حديث : كان رسول الله [ر: النبي] صلى الله عليه وآله وسلم يأتي باب علي [عليه السلام. أ] أربعين صباحاً حيث بنى بفاطمة [عليها السلام. ب] فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم . تفسير : فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: حديث : عن أبي الحمراء قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعة أشهر أو عشرة أشهر فأما التسعة فلست أشك فيها [و. ر، ب] رسول الله يخرج من طلوع الفجر فيأتي باب فاطمة وعلي والحسن والحسين فيأخذ بعضادتي الباب فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمكم الله. قال: فيقولون: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا رسول الله فيقول رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب]: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} . تفسير : فرات قال: حدثنا عثمان [ر: علي] بن محمد قراءة عليه معنعناً: عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام [قال. ر. لما. أ] حديث : ابتنى أمير المؤمنين بفاطمة [عليهما السلام. ب، ر] فاختلف رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب، ر] إلى بابها أربعين صباحاً كل غداة يدق الباب ثم يقول: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة الصلاة رحمكم الله {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قال: ثم يدق دقاً أشد من ذلك ويقول: أنا [أ: أنى] سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم . تفسير : فرات قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عثمان بن ذليل معنعناً: عن علي [بن قاسم] عن أبيه قال: سمعت زيد بن علي يقول: إنما المعصومون منا خمسة لا والله ما لهم سادس وهم الذين نزلت فيهم [ر: فيهم نزلت] الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم [الصلاة و. أ، ر] والسلام [والتحية والإكرام ورحمة الله وبركاته.أ] وأما نحن فأهل بيت [ب: البيت] نرجو رحمته ونخاف [من. ر، أ (خ ل)] عذابه، للمحسنين منا أجران و [أخاف. أ، ر] على المسيء منا ضعفي العذاب كما وعد أزواج النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب]. فرات قال: حدثنا إسماعيل بن أحمد بن الوليد الثقفي معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فوالله [ر: والله] {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} فإنا وأهل بيتي مطهرون من الآفات والذنوب. ألا وإن إلهي اختارني في ثلاثة من أهل بيتي على جميع أمتي، أنا سيد الثلاثة وسيد ولد آدم إلى يوم القيامة ولا فخر. فقال أهل السدة: يا رسول الله قد ضمنا أن نبلغ فسمّ لنا الثلاثة نعرفهم؟ فبسط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفه المباركة الطيبة ثم حلق بيده ثم قال: "اختارني وعلي بن أبي طالب وحمزة وجعفر، كنا رقوداً ليس منا إلا مُسَجىً بثوبه علي عن يميني وجعفر عن يساري وحمزة عند رجلي فما نبهني عن رقدتي غير خفيق أجنحة الملائكة وتردد ذراعي تحت خدي، فانتبهت من رقدتي وجبرئيل عليه السلام في ثلاثة أملاك فقال له بعض الثلاثة أملاك: أخبرنا إلى أيهم أرسلت؟ فضربني برجله فقال: إلى هذا وهو سيد ولد آدم ثم قالوا: من هذا يا جبرئيل؟ فقال: محمد بن عبد الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ر، أ] وحمزة سيد الشهداء وجعفر له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهذا علي بن أبي طالب سيد الوصيين . تفسير : فرات قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عثمان بن ذليل معنعناً: عن عمرو بن ميمون قال: إني لجالس عند ابن عباس رضي الله عنه إذ جاءه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عباس إما أن تقوم معنا وإما أن تخلونا بهؤلاء [أ، ر: تخلونا يا هؤلاء] قال: وهو يومئذٍ صحيح البصر قبل أن يذهب بصره قال: بل أقوم معكم فانتبذوا فلا ندري ما قالوا [فجاء. أ، ب] وهو ينفض ثوبه وهو يقول: أف وتف [ب: ولقد. ر، أ (خ ل): وتفه] وقعوا في رجل له عشر [خصال. أ، ب]: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : "لأبعثن رجلاً يحب الله ورسوله [ويحبه الله ورسوله. ب] لا يخزيه الله أبداً قال: فاستشرف لها من استشرف قال: أين علي؟ قالوا: هو في الرحى يطحن. قال: فما كان أحد منكم ليطحن؟" فدعاه وهو أرمد فنفث في عينه وهز الراية ثلاثاً ثم دفعها إليه فجاء بصفية بنت حيي. وبعث أبا بكر بسورة التوبة وأرسل علياً خلفه فأخذها منه فقال أبو بكر: لعل الله ورسوله [سخطا علي] فقال لا ولكن [نبي الله قال]: لا يؤدي عني إلا رجل مني وأنا منه. قال: وقال لبني عمه: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة [فأبوا فقال علي أنا أواليك في الدنيا والآخرة. ب، ر] فقال [له. أ] أنت أخي في الدنيا والآخرة. وجمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة وعلياً والحسن والحسين [أ، ب: وحسناً وحسيناً] فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي [ر، ب: وحامتي] فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً". وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة. وشرى علي نفسه لبس ثوب النبي ثم نام مكانه فجعل المشركون يرمونه كما كانوا يرمون رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] وهو على فراش النبي [ص. ب] فجعل يتضور وجعلوا يستنكرون ذلك منه فجاء أبو بكر فقال: يا نبي الله. وهو يحسب أنه نبي الله فقال علي: إن نبي الله يذهب! نحو بئر ميمون فأدركه فاتبعه ودخل معه الغار، فلما أصبح كشف عن رأسه فقالوا: كنا نرمي صاحبك فلا يتضور وأنت تتضور فقد استنكرنا [أ، ر: استنكروا] ذلك منك. قال: واخرج! الناس في غزوة تبوك فقال علي: أخرج معك؟ قال: لا. قال: فبكا. قال: [ب: فقال] "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي. قال: وسد أبواب المسجد غير باب علي وكان يدخل وهو جنب [و. ر] هو طريقه وليس له طريق غيره. قال: وأخذ بيد علي فقال: من كنت وليه فهذا وليه وقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله" .
اطفيش
تفسير : {وقرن في بيوتكن} أي اثبتن في بيوتكن لا تخرجن منها إلا بإذن رسول الله ولا تطلبنه الخروج في غير حاجة لا بد منها والواو عاطفة وقرر فعل وفاعل من قر يقر كعلم يعلم والأصل اقررن بهمزة وصل مكسورة وفتح الراء الأولى تقلب فتحتها للقاف قبلها فحذفت الراء لسكونها مع سكون الراء بعدها وقيل حذفت الراء الثانية وحذفت همزة الوصل لتحرك ما بعدها وذلك قراءة نافع وعاصم وقرأ غيرهما {وقرن} بكسر القاف من قر يقر كضرب يضرب والمعنى واحد والأصل اقررن بهمزة وصل مكسورة وكسر الراء الأولى نقلت كسرتها للقاف فاجتمعت راءان ساكنتان فحذفت احداهما كما مر وحذفت الهمزة لتحرك ما بعدها كما مر وحذفها سابق على حذف الراء وقيل بالعكس ويجوز على القراءة الاولى ان يكون من قار يقار كخوف يخاف من باب علم يعلم بمعنى الاجتماع فاذا لازمت البيت فقد اجتمعت مع البيت او مع من فيه ان كان فيه غيرها ويجوز على الثانية ان يكون من وقر يقر كوعد يعد بمعنى الوقار وهي العظم اي كن اهل وقار وثبات في البيوت فالمرأة المكثرة الخروج من بيتها يحقر شأنها. {ولا تبرجن} لا تظهرن الزينة ولا تتبخترن في مشيكن ومن ذلك البروج لظهورها وانكشافها للعيون والأصل ولا تتبرجن حذفت احدى التائين الأولى او الثانية قولان. {تبرج الجاهلية الأولى} هي ما بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام وليس وصفها بالأولى لأن ثم جاهلية آخرة بل على ان المعنى الجاهلية التي قبل حالة الاسلام وهذا ما ظهر لي ثم رأيت عياضا اثبته ورجحه ونسب للحسن. وقيل: وصفها بالأولى لأن ثم جاهلية ثانية وهي جاهيلة الاسلام وهو ما يعمل فيه الفساق من كبائر النفاق ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء حديث : "إن فيك جاهلية" قال: جاهلية كفر او اسلام؟ قال: "جاهيلة كفر" تفسير : فلعله صلى الله عليه وسلم اطلع منه على كبيرة شرك اتاها زلة لا عنادا فحذره منها وتاب او اراد ان فيك خصلة يعملها اهل جاهلية الكفر وليست خصلة كفر ولا فسوق مثل لبسة تلبسها الجاهلية لا تنكشف بها العورة او كلام تتكلم به لا كفر ولا فسوق فيه او نحو ذلك. وقيل: تلك الجاهلية التي بين سيدنا محمد وسيدنا عيسى صلى الله وسلم عليهما هي الأولى والثانية يقوم عليها الساعة فانها تقوم على دين ابي جهل ولا تقوم حتى يعبد كثير أوثان الجاهلية الاولى وهو قول عن الحسن وابن سيرين ولا تقوم حتى لا يعبد الله في الأرض. وقيل: الجاهلية الأولى الجاهلية التي ولد فيها ابراهيم عليه السلام كانت المرأة تلبس الذرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال ولا شيء عليها سواه والثانية جاهلية ما بعد عيسى واي ما تبرج تبرجت المرأة ولو لم تنكشف عورتها فقد تبرجت مثل هذا التبرج الذي انكشفت فيه العورة. وقيل: الأولى زمان داود وسليمان. وقيل: ما بين آدم ونوح ومريم قصته في الأعراف. وقيل: ما بين ادريس ونوح والثانية ما بعد عيسى. ذكر الخازن عن ابن عباس رضي الله عنه: انه كان بين ادريس ونوح الف سنة وان بطنين من ولد آدم عليه السلام كان احدهما يسكن الجبل ورجالهم صباح الوجوه ونساءهم ذميمة والآخر يسكن السهل رجالهم ذميمة ونساءهم صباح الوجوه واتى ابليس رجلا من اهل السهل وأجره نفسه للخدمة فاتخذ مزمارا فأتى الناس يسمعونه واتخذوا عيدا يجتمعون اليه في السنة يتبرج الرجال للنساء والنساء للرجال وجاءهم رجل من الجبل في عيدهم فرأى نساءهم فأخبر اصحابه فنزلوا اليهم فظهرت الفاحشة فيهم فذلك الجاهلية الأولى وقد مر مطولا في الاعراف من عرائس القرآن. {وأقمن الصلٰوة} اي صلين بطهر وخشوع الصلاة الواجبة. {وآتين الزكٰوة} المفروضة لم يذكر المفعول الآخر لأن المراد اخراج الزكاة لا ذكر من يخرج اليه. {وأطعن الله ورسوله} فيما أمركن به ونهاكن عنه وذلك من عطف العام على الخاص وانما خص الصلاة والزكاة بالذكر لأنهما طاعتان بدنية ومالية هما اصل سائر الطاعات من اعتنى بهما جرتاه الى سائر الطاعات. {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} مستأنف لتعليل امرهن ونهيهن ولذلك عم في اذهاب الرجس ذكور اهل البيت ونسائهم ومفعول يريد محذوف اي يريد الله ذلك وليذهب تعليل للارادة او مفعوله مصدر يذهب واللام زائدة معناها التأكيد والرجس الذنب مطلقا وأصله ما يتقذر من نجس او وسخ استعير للذنب ورشح بالتطهير المذكور بعد فانه من لوازم النجس والوسخ وذلك تنفير عن الذنب فان عرض من يقترف الذنب والقبائح يتلون بها ويتدنس كما يتلون البدن بالأنجاس والأوساخ وعرض صاحب المستحسنات نقي طاهر وقيل الرجس الشيطان واهل منادى بحرف محذوف هو يا واختاره ابن هشام بل قال: انه الصواب ونداءهم واضافتهم للبيت وهو بيت النبي صلى الله عليه وسلم للتعظيم وفي النداء ايضا ايقاظ عن الغفلة وبيت الرجل اقاربه وقد يطلق كما هنا على اقاربه وعياله ويجوز ان يكون اهل منصوبا على الاختصاص ويضعفه قلته في الخطاب ويجوز كونه مفعولا لا مدح ويجوز كون البيت الكعبة فان النبي صلى الله عليه وسلم وأقاربه وعياله اولى بها. وقيل: لا تعميم في الآية الا من حيث النساء فتشمل ازواجه وفاطمة رضي الله عنها. وقيل: المراد هنا الأزواج له فقط وهن في بيته وعلى القولين فانما ذكر الضمير مراعاة لظاهر قوله {أهل البيت}. وقيل: الرجس مما نهي النساء عنه من الخضوع بالقول وتبرج الجاهلية والخروج من البيوت ومعصية رسول الله. وان قلت اذا كان المراد بيته صلى الله عليه وسلم الذي سكن فيه ازواجه فلم لم يقل البيوت؟ قلت: المراد الجنس فيشمل البيوت التي سكن فيها كلهن. وقال: ابو سعيد الخدري ومجاهد وقتادة: اهل البيت فاطمة رضي الله عنها والحسن والحسين. قالت عائشة رضي الله عنها: حديث : خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرط اي كساء مرحل بالمهملة اي منقوش عليه صورة الرجل ولا بأس بنقش ما لا روح فيه او بالجيم اي منقوش فيه صورة الرجل اما بلا رأس واما قبل تحريم تصوير ما فيه الروح من شعر اسود فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء الحسن فأدخله فيه ثم جاء الحسين فأدخله فيه ثم قال انما يريد الله الي تطهير او ذات غداة نفس الغداة وهي ما بعد الفجر وذات الشيء نفسه او ساعة صاحبة غداة اي هي بعض من ذلك الوقت. وقالت ام سلمة: نزلت الآية في بيتي وانا جالسة في الباب. فقلت يا رسول الله: ألست من اهل البيت؟ فقال: "انك الي خير انت من ازواج النبي". قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين فجللهم بكساء وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا" . تفسير : وفي رواية عنها حديث : نزلت في بيتي فدعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فدخل معهم تحت كساء خيبري وقال: "هؤلاء أهل بيتي" وقرأ الآية وقال: "اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا". فقلت: وانا يا رسول الله؟ فقال: "أنت من أزواج النبي أو انت الي خير" . تفسير : وعن انس بن مالك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بباب فاطمة وعلي ويقوم عليه اذا خرج الى صلاة الفجر ويقول: "الصلاة يا أهل البيت انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا" ستة اشهر. واستدلت الشيعة بتلك الأحاديث والآية على اختصاص اهل البيت بفاطمة وعلي والحسن الحسين وعلى عصمتهم وعلى كون اجماعهم حجة وليس بشيء لأن الاختصاص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها والأحاديث على صحتها تقتضي كونهم اهل البيت لا انه ليس غيرهم ولا يلزم من ارادة اذهاب الرجس والتطهير اذهابه وتطهيرهم لأنها ليست بالارادة التي هي بمعنى القضى بل هي بمعنى ايجاد اسباب الطهارة والتعريض لهم بها وايجاد اسباب ذهاب الرجس فقد يقال تعدت الارادة باللام لتضمنها معنى التعرض فأما فاطمة فماتت ولم تحدث شيئا فرضي الله عنها واما علي فقد احدث ما علمت والمشهور انه لم يتب واما الحسن والحسين فمن والاهما فلست اقطع عذره والحسين احسن حالا وتبرأ بعض أصحابنا من الحسن وتوقف بعضهم ونسب بعضهم القول بأن أهل البيت الأربعة الى الجمهور والقول بأنهم ازواجه صلى الله عليه وسلم الى ابن عباس رضي الله عنه واختار عياض انهم الأربعة والأزواج. وقال زيد بن ارقم: اهل البيت من حرم الصدقة بعده آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل عباس.
اطفيش
تفسير : {وقرن في بُيُوتكن} اثبتن فيها بمعنى لا تخرجن منها الا لضروة او ما لا بد منه، وأما فيها فلهن التحرك، والأصل اقرون بفتح الراء الاولى مضارع قر، الذى اصله قرر بكسرها، نقلت فتحة الراء الى القاف. فسقطت همزة الوصل لتحرك ما بعدها، قال ابن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان المرأة عورة فاذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من رحمة ربها، وهى فى قعر بيتها" تفسير : رواه الترمذى. وعن أنس: جاءت النساء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد فى سبيل الله تعالى، فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين فى سبيل الله تعالى؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : من قعدت منكن فى بيتها فانها تدرك المجاهدين فى سبيل الله تعالى"تفسير : رواه البزار، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الرجال من لا يلقى النساء وخيرهن من لا تلقاهم"تفسير : وظاهر اضافة البيوت لهن انها املاك لهن، ويدل له انها اثبتت لهن بعد موته صلى الله عليه وسلم بلا إرث، والانبياء لا تورث، وان عمر رضى الله عنه استأذن عائشة ان يدفن فى بيتها فأذنت له، ولو كان لبيت المال لم يستأذن ولم تأذن له، ولأنكر الصحابة. {ولا تَبرجْن تبرُّج الجاهلية الأولى} الأصل لا تتبرجن حذفت احدى التاءين، اى لا تظهرن محاسنكن من تبختر وتحسين المشية، واللباس الحسن، وجمع الشعر خلف الرأس متكعباً، وظهور القرط والقلادة والعنق، والزينة فى الوجه كالنقط فيه، وامتداد القامة بقصد، والمراد مثل تبرج الجاهلية، والجاهلية نعت لمحذوف تقديره الأزمنة الجاهلية، او الايام الجاهلية، والجاهلية نسب الى الجاهلين بحذف علامة الجمع، او الى الجهلاء بحذف زنة الجمع، اى الازمنة التى اهلها جهلاء، اى تبرج الازمنة الجاهلية، وهى ما بين نوح وادريس عليهما السلام: كل نساء السهل صباحا يتبرحن، ورجاله قباحا عكس اهل الجبل، فشهد نساءهم فى عيد رجل من اهل الجبل: فأخبر قومه، فاختلطوا فظهر الفحش. وعن الحكم بن عيينة: بين آدم ونوح ثمانمائة سنة، رجالهم حسان ونساؤهم قباح، وكن يراودنهم، وذلك الجاهلية الأولى، وقال الكلبى: ما بين نوح وابراهيم هى الاولى، فعند من اثبت ما قبل فهذه الثانية، وكذا ونقول فيما يأتى، فقد قيل: الاولى زمان نمرود، تلبس ثوبا رقيقا وتبرز فى الطريق، وقيل: زمان ابراهيم، والثانية زمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثه، وقيل: زمن داود وسليمان تلبس ثوبا جانباه مفترقان. وقال المبرد يكون لزوج المرأة نصفها الاسفل، ولخدنها الاعلى، وقيل: ما بين موسى وعيسى، وقيل: ما بين عيسى وسيدنا محمد صلى الله وسلم عليهما، ويجوز ان تكون الاولى ما قبل الاسلام، والثانية اهل الفسق فى الاسلام، وقيل: قوم فى آخر الزمان، وقيل: قد يذكر الاولى وان لم تكن لها اخرى، كأنه قيل: الجاهلية المتقدمة، ولا يلزم من تقدم الشئ وجود مثله بعده. {وأقِمْن الصَّلاة وآتين الزكاة} خصهما بالذكر ترغيبا فيهما، ولأنهما اساس العبادات البدنية والمالية، {وأطِعْن الله ورسُوله} فى كل فعل وترك مما يعم الناس، او النساء، ولا سيما ما امرتن به، او نهيتن عنه، بخصوصكن {إنَّما يُريدُ الله ليذْهب عنْكُم الرجْس أهْل البَيْت ويُطهِّركُم تَطْهيراً} انما اراد الله ذلك لا عكسه، ولا عبثا ولا اضلالا، فجدوا، فان الامر جد، والرجس السوء من الذنب والشرك والشيطان، والشك والبخل، والطمع والهوى والبدعة والعذاب وغير ذلك، وأل للجنس، او للاستغراق، والتطهير التحلية بالتقوى، او تأكيد للاذهاب، او الصون البليغ عن المعصية بعد، واللام للتأكيد، والمصدر مما بعدها مفعول به، إنما يريد الله إذهابه الرجس، وتطهيركم، او للتعليل، والمفعول محذوف. إنما يريد الله امركم ونهيكم ليذهب، او انما يريد الله منكم التوبة، واهل منادى بحرف محذوف، لو مفعول به لأعنى او منصوب على الاختصاص، وأل فى البيت للعهد، او عوض عن المضاف اليه، اى بيت النبى صلى الله عليه وسلم، وهو بيت البناء للسكنى، لا بيت القرابة والنسب، ولا المسجد النبوى كما قيل، فالمراد بأهل البيت نساؤه صلى الله عليه وسلم، ورضى عنهن، لان المراد قبل وبعد فى الآيات هن. اخرج ابن ابى حاتم، ابن عساكر، عن عكرمة، عن ابن عباس: نزلت فى نساء النبى صلى الله عليه وسلم خاصة، قال عكرمة: من شاء باهلته انها فى ازواج النبى صلى الله عليه وسلم، واخرج الطبرى، وابن مرديه، عن عكرمة: ان الآية فى ازواج النبى صلى الله عليه وسلم لا فى قرابته، الذين تذهبون اليهم، وكان عكرمة ينادى فى السوق: إن قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت} إنما نزل فى أزواج النبى صلى الله عليه وسلم. وكذا اخرج سعد عن عروة، وأل فى البيت لجنس بيوت النبى صلى الله عليه وسلم، وهن بيوت ازواجه التى بنى لهن، ولا بيت له سواهن، او كأنهن بيت واحد، باعتبار سكناهن، وقد جمع فى قوله: "أية : لا تدخلوا بيوت النبي)تفسير : [الأحزاب: 53] لئلا يتوهم بيت زينب خاصة، اذ نزل فى شأنه كان الضمير ضمير الذكور نظرا الى لفظ اهل ولتعظيمهن، او لتغليبه صلى الله عليه وسلم لشمول الاهل له، وذلك كما قال ابراهيم لسارة: "أية : أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت انه حميد مجيد" تفسير : [هود: 73] على ان هذا من كلام ابراهيم عليه السلام، وقال موسى لزوجه:"أية : امكثوا إني آنست ناراً" تفسير : [طه: 10، القصص: 29] وقال الله تعالى: "أية : واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة"تفسير : [الأحزاب: 34] كما قال عكرمة ومقاتل. وروى بعض قومنا، عن ابى سعيد الخدرى وقتادة ومجاهد: انهم على وفاطمة والحسن والحسين، وانه صلى الله عليه وسلم ادخل فاطمة تحت ثوب من شعر اسود مرحل، بحاء مهلمة، اى صور فيه صور الرحال، او بالجيم اى صور الرجال، اى بلا رءوس، او قبل تحريم الصور فى الثياب وغيرها، فجاء على فأدخله، فالحسين فأدخله، فقرأ {إنما يريد الله ليذهب}. وعن أنس: ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: يذهب تسعة اشهر الى صلاة الفجر ويمر على باب فاطمة ويقرأ {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} وقال زيد بن ارقم: اهل البيت آل على وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، واحاديث قومنا فى هذا الشأن كثيرة صارفة الى قرابته فى النسب.
الالوسي
تفسير : {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ } من قر يقر من باب علم أصله اقررن فحذفت الراء الأولى وألقيت فتحتها على ما قبلها وحذفت الهمزة للاستغناء عنها بتحرك القاف. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب «التبيان» وجهاً آخر قال: قار يقار إذا اجتمع ومنه القارة لاجتماعها، ألا ترى إلى قول عضل والديش: اجتمعوا فكونوا قارة فالمعنى وأجمعن أنفسكن في البيوت. وقرأ الأكثر {وَقَرْنَ } بكسر القاف من وقر يقر وقاراً إذا سكن وثبت، وأصله أو قرن ففعل به ما فعل بعدن من وعد أو من قر يقر المضاعف من باب ضرب وأصله اقررن حذفت الراء الأولى وألقيت كسرتها إلى القاف وحذفت الهمزة للاستغناء عنها. وقال مكي وأبو علي: أبدلت الراء التي هي عين الفعل ياء كراهة التضعيف ثم نقلت حركتها إلى القاف ثم حذفت لسكونها وسكون الراء بعدها وسقطت الهمزة لتحرك القاف. وهذا غاية في التمحل، وفي «البحر» أن قررت وقررت بالفتح والكسر كلاهما من القرار في المكان بمعنى الثبوت فيه وقد حكى ذلك أبو عبيدة والزجاج وغيرهما، وأنكر قوم منهم المازني مجيء قررت في المكان بالكسر أقر بالفتح وإنما جاء قررت عينه تقر بالكسر في الماضي والفتح في المضارع والمثبت مقدم على النافي. وقرأ ابن أبـي عبلة {واقررن} بألف الوصل وكسر الراء الأولى. والمراد على جميع القراءات أمرهن رضي الله تعالى عنهن بملازمة البيوت وهو أمر مطلوب من سائر النساء. أخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن المرأة عورة فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها»تفسير : . وأخرج البزار عن أنس قال جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى»تفسير : وقد يحرم عليهن الخروج بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته وخروجهن ولو إلى المسجد وقد استعطرن وتزين إذا تحققت الفتنة أما إذا ظنت فهو حرام غير كبيرة، وما يجوز من الخروج كالخروج للحج وزيادة الوالدين وعيادة المرضى، وتعزية الأموات من الأقارب ونحو ذلك، فإنما يجوز بشروط مذكورة في محلها. وظاهر إضافة البيوت إلى ضمير النساء المطهرات أنها كانت ملكهن وقد صرح بذلك الحافظ غلام محمد الأسلمي نور الله تعالى ضريحه في «التحفة الإثني عشرية»، وذكر فيها أن عليه الصلاة والسلام بنى كل حجرة لمن سكن / فيها من الأزواج وكانت كل واحد منهن تتصرف بالحجرة الساكنة هي فيها تصرف المال في ملكه بحضوره صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الفقهاء أن من بنى بيتاً لزوجته وأقبضه إياها كان كمن وهب زوجته بيتاً وسلمه إليها، فيكون البيت ملكاً لها ويشهد لدعوى أن الحجرة التي كانت تسكنها عائشة رضي الله تعالى عنها كانت ملكاً لها غير الإضافة في {بُيُوتِكُـنَّ } الداخل فيه حجرتها استئذان عمر رضي الله تعالى عنه لدفنه فيها منها بمحضر من الصحابة، وعدم إنكار أحد منهم حتى علي كرم الله تعالى وجهه، واستئذان الحسن رضي الله تعالى عنه منها لذلك أيضاً الثابت عند أهل السنة والشيعة، كما ذكر في «الفصول المهمة في معرفة الأئمة» وغيره من كتبهم فإن تلك الحجرة لو كانت لبيت المال لحديث «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث»تفسير : لاستأذن رضي الله تعالى عنه من الوزغ مروان فإنه إذ ذاك كان حاكم المدينة المنورة والمتصرف في بيت المال، ولو كانت للورثة بناء على زعم الشيعة من أنه صلى الله عليه وسلم يورث كغيره لزم الاستئذان من سائر الأزواج أيضاً لتعلق حقهن فيها على زعمهم بل يلزم الاستئذان أيضاً من عصبته عليه الصلاة والسلام المستحقين لما يبقى بعد النصف والثمن إذا قلنا بتوريثهم فحيث لم يستأذن رضي الله تعالى عنه إلا منها علم أنها ملكها وحدها. والقول بأنه علم رضا الجميع سواها رضي الله تعالى عنها فاستأذنها لذلك مما لا يقوم لهم حجة، ولهم في هذا الباب أكاذيب لا يعول عليها ولا يلتفت أريب إليها، منها أن عائشة رضي الله تعالى عنه أذنت للحسن رضي الله تعالى عنه حين استأذنها في الدفن في الحجرة المباركة، ثم ندمت بعد وفاته رضي الله تعالى عنه وركبت على بغلة لها وأتت المسجد ومنعت الدفن ورمت السهام على جنازته الشريفة الطاهرة وادعت الميراث. وأنشأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول:شعر : تجملت تبغلت وإن عشت تفيلت لك التسع من الثمن فكيف الكل ملكت تفسير : وركاكة هذ الشعر تنادي بكذب نسبته إلى ذلك الحبر رضي الله تعالى عنه، وليت شعري أي حاجة لها إلى الركوب ومسكنها كان تلك الحجرة المباركة فلو كانت بصدد المنع لأغلقت بابها ثم إنها رضي الله تعالى عنها كيف يظن بها ولها من العقل الحظ الأوفر بالنسبة إلى سائر أخواتها أمهات المؤمنين تدعي الميراث وهي وأبوها رضي الله تعالى عنهما رويا بمحضر الصحابة الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث» تفسير : . هذا، ويجوز أن تكون إضافة البيوت إلى ضمير النساء المطهرات باعتبار أنهن ساكنات فيها قائمات بمصالحها قيمات عليها، واستعمال الخاصة والعامة شائع بإضافة البيوت إلى الأزواج بهذا الاعتبار. والاستئذان يجوز أن يكون لانتقال كل بيت إلى ملك الساكنة فيه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من جهة الخليفة ولي بيت المال لما رأى من المصلحة في تخصيص كل منهن بمسكنه وتركه لها على نحو الإقطاع من بيت المال، ومما يستأنس به لكون الإضافة إلى ضميرهن بهذا الاعتبار لا لكون البيوت ملكهن إضافة البيت إلى النبـي صلى الله عليه وسلم في غير ما أثر، بل سيأتي إن شاء الله تعالى إضافة البيوت إليه عليه الصلاة والسلام وذلك في قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ }تفسير : [الأحزاب: 53] الآية وهي أحق بأن تكون للملك فليراجع هذا المطلب وليتأمل. {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ } التبرج على ما روي عن مجاهد وقتادة وابن أبـي نجيح المشي بتبختر وتكسر وتغنج، وعن مقاتل أن تلقى المرأة خمارها / على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها، وقال المبرد: أن تبدي من محاسنها ما يجب عليها ستره، قال الليث: ويقال تبرجت المرأة إذا أبدت محاسنها من وجهها وجسدها ويرى مع ذلك من عينها حسن نظر، وقال أبو عبيدة: أن تخرج من محاسنها ما تستدعي به شهوة للرجال، وأصله على ما في «البحر» من البرج وهو سعة العين وحسنها، ويقال طعنة برجاء أي واسعة وفي أسنانه برج إذا تفرق ما بينها وقيل: هو البرج بمعنى القصر، ومعنى تبرجت المرأة ظهرت من برجها أي قصرها، وجعل الراغب إطلاق البرج على سعة العين وحسنها للتشبيه بالبرج في الأمرين، ولا يخفى أنه لو فسر التبرج هنا بالظهور من البرج تكون هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها فالأولى أن لا يفسر به، وتبرج مصدر تشبيهي مثل له صوت صوت حمار أي لا تبرجن مثل تبرج الجاهلية الأولى، وقيل في الكلام إضمار مضافين أي تبرج نساء أيام الجاهلية، وإضافة نساء على معنى في. والمراد بالجاهلية الأولى على ما أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس: الجاهلية ما بين نوح وإدريس عليهما السلام وكانت ألف سنة، قال: وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبال، وكان رجال الجبال صِباحاً وفي النساء دمامة وكان نساء السهل ورجاله على العكس فاتخذ أهل السهل عيداً يجتمعون إليه في السنة، فتبرج النساء للرجال والرجال لهن، وأن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم فرأى النساء وصِباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن فنزلوا معهن فظهرت الفاحشة فيهن، وفي رواية أن المرأة إذ ذاك تجتمع بين زوج وعشيق. وأخرج ابن جرير عن الحكم بن عيينة قال: كان بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان وكانت المرأة تراود الرجل عن نفسه وهي الجاهلية الأولى، وروي مثله عن عكرمة، وقال الكلبـي: هي ما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام، وقال مقاتل: كانت زمن نمروذ وكان فيه بغايا يلبسن أرق الدروع ويمشين في الطرق، وروي عنه أيضاً أن الجاهلية الأولى زمن إبراهيم عليه السلام والثانية زمن محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، وقال أبو العالية: كانت الأولى زمن داود وسليمان عليهما السلام وكان للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين يظهر منه الأعكان والسوأتان. وقال المبرد: كانت المرأة تجمع بين زوجها وخدنها للزوج نصفها الأسفل وللخدن نصفها الأعلى يتمتع به في التقبيل والترشف، وقيل: ما بين موسى وعيسى عليهما السلام، وقال الشعبـي: ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. قال الزجاج: وهو الأشبه لأنهم هم الجاهلية المعروفة كانوا يتخذون البغايا، وإنما قيل: {ٱلأُولَىٰ } لأنه يقال لكل متقدم ومتقدمة أول وأولى، وتأويله أنهم تقدموا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وروي عن ابن عباس ما هو نص في أن الأولى هنا مقابل الأخرى، وقال الزمخشري: يجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام فكأن المعنى ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر. وقال ابن عطية: الذي يظهر عندي أن الجاهلية الأولى إشارة إلى الجاهلية التي تخصهن فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفر وقلة الغيرة ونحو ذلك. وفي حديث أخرجه الشيخان / وأبو داود والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبـي ذر وكان قد عير رجلاً أمه أعجمية فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، وفسرها ابن الأثير بالحالة التي عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك والله تعالى أعلم. وتمسك الرافضة في طعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها - وحاشاها من كل طعن بخروجها من المدينة إلى مكة ومنها إلى البصرة وهناك وقعت وقعة الجمل - بهذه الآية قالوا: إن الله تعالى أمر نساء النبـي صلى الله عليه وسلم وهي منهن بالسكون في البيوت ونهاهن عن الخروج وهي بذلك قد خالفت أمر الله تعالى ونهيه عز وجل. وأجيب بأن الأمر بالاستقرار في البيوت والنهي عن الخروج ليس مطلقاً وإلا لما أخرجهن صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية للحج والعمرة ولما ذهب بهن في الغزوات ولما رخصهن لزيارة الوالدين وعيادة المرضى وتعزية الأقارب وقد وقع كل ذلك كما تشهد به الأخبار، وقد صح أنهن كلهن كن يحججن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سودة بنت زمعة، وفي رواية عن أحمد عن أبـي هريرة إلا زينب بنت جحش وسودة ولم ينكر عليهن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم الأمير كرم الله تعالى وجهه وغيره، وقد جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال لهن بعد نزول الآية: "حديث : أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن"تفسير : فعلم أن المراد الأمر بالاستقرار الذي يحصل به وقارهن وامتيازهن على سائر النساء بأن يلازمن البيوت في أغلب أوقاتهن ولا يكن خراجات ولاجات طوافات في الطرق والأسواق وبيوت الناس، وهذا لا ينافي خروجهن للحج أو لما فيه مصلحة دينية مع التستر وعدم الابتذال، وعائشة رضي الله تعالى عنها، إنما خرجت من بيتها إلى مكة للحج - وخرجت معها لذلك أيضاً أم سلمة رضي الله تعالى عنها وهي وكذا صفية مقبولة عند الشيعة - لكنها لما سمعت بقتل عثمان رضي الله تعالى عنه وانحياز قتلته إلى علي كرم الله تعالى وجهه حزنت حزناً شديداً واستشعرت اختلال أمر المسلمين وحصول الفساد والفتنة فيما بينهم، وبينما هي كذلك جاءها طلحة والزبير ونعمان بن بشير وكعب بن عجرة في آخرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم هاربين من المدينة خائفين من قتلة عثمان رضي الله تعالى عنهم لما أنهم أظهروا المباهاة بفعلهم القبيح، وأعلنوا بسب عثمان فضاقت قلوب أولئك الكرام وجعلوا يستقبحون ما وقع ويشنعون على أولئك السفلة ويلومونهم على ذلك الفعل الأشنع فصح عندهم عزمهم على إلحاقهم بعثمان رضي الله تعالى عنه، وعلموا أن لا قدرة لهم على منعهم إذا هموا بذلك فخرجوا إلى مكة ولاذوا بأم المؤمنين وأخبروها الخبر فقالت لهم: أرى الصلاح أن لا ترجعوا إلى المدينة ما دام أولئك السفلة فيها محيطين بمجلس الأمير علي كرم الله تعالى وجهه غير قادر على القصاص منهم أو طردهم فأقيموا ببلد تأمنون فيه وانتظروا انتظام أمور أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه وقوة شوكته واسعوا في تفرقهم عنه وإعانته على الانتقام منهم ليكونوا عبرة لمن بعدهم فارتضوا ذلك واستحسنوه فاختاروا البصرة لما أنها كانت إذ ذاك مجمعاً لجنود المسلمين ورجحوها على غيرها وألحوا على أمهم رضي الله تعالى عنها أن تكون معهم إلى أن ترتفع الفتنة ويحصل الأمن وتنتظم أمور الخلافة وأرادوا بذلك زيادة احترامهم وقوة أمنيتهم لما أنها أم المؤمنين والزوج المحترمة غاية الاحترام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها كانت أحب / أزواجه إليه وأكثرهن قبولاً عنده وبنت خليفته الأول رضي الله تعالى عنه فسارت معهم بقصد الإصلاح وانتظام الأمور وحفظ عدة نفوس من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم وكان معها ابن أختها عبد الله بن الزبير وغيره من أبناء أخواتها أم كلثوم زوج طلحة وأسماء زوج الزبير بل كل من معها بمنزلة الأبناء في المحرمية وكانت في هودج من حديد. فبلغ الأمير كرم الله تعالى وجهه خبر التوجه إلى البصرة أولئك القتلة السفلة على غير وجهه وحملوه على أن يخرج إليهم ويعاقبهم، وأشار عليه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم بعدم الخروج واللبث إلى أن يتضح الحال فأبـى رضي الله تعالى عنه ليقضي الله أمراً كان مفعولاً فخرج كرم الله تعالى وجهه ومعه أولئك الأشرار أهل الفتنة فلما وصلوا قريباً من البصرة أرسلوا القعقاع إلى أم المؤمنين وطلحة والزبير ليتعرف مقاصدهم ويعرضها على الأمير رضي الله تعالى عنهم وكرم الله وجهه فجاء القعقاع إلى أم المؤمنين فقال: يا أماه ما أشخصك وأقدمك هذه البلدة؟ فقالت: أي بني الإصلاح بين الناس ثم بعثت إلى طلحة والزبير فقال القعقاع: أخبراني بوجه الصلاح قالا: إقامة الحد على قتلة عثمان وتطييب قلوب أوليائه فيكون ذلك سبباً لأمننا وعبرة لمن بعدهم فقال القعقاع: هذا لا يكون إلا بعد اتفاق كلمة المسلمين وسكون الفتنة فعليكما بالمسالمة في هذه الساعة فقالا: أصبت وأحسنت فرجع إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه فأخبره بذلك فسر به واستبشر وأشرف القوم على الرجوع ولبثوا ثلاثة أيام لا يشكون في الصلح فلما غشيتهم ليلة اليوم الرابع وقررت الرسل والوسائط في البين أن يظهروا المصالحة صبيحة هذه الليلة ويلاقي الأمير كرم الله تعالى وجهه طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما وأولئك القتلة ليسوا حاضرين معه وتحققوا ذلك [أي أولئك القتلة] ثقل عليهم واضطربوا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت فتشاوروا فيما بينهم أن يغيروا على من كان مع عائشة من المسلمين ليظنوا الغدر من الأمير كرم الله تعالى وجهه فيهجموا على عسكره فيظنوا بهم أنهم هم الذين غدروا فينشب القتال ففعلوا ذلك فهجم من كان مع عائشة على عسكر الأمير وصرخ أولئك القتلة بالغدر فالتحم القتال وركب الأمير متعجباً فرأى الوطيس قد حمي والرجال قد سبحت بالدماء فلم يسعه رضي الله تعالى عنه إلا الاشتغال بالحرب والطعن والضرب، وقد نقل الواقعة كما سمعت الطبري وجماهير ثقات المؤرخين ورووها كذلك من طرق متعددة عن الحسن وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس، وما وراء ذلك مما رواه الشيعة عن أسلافهم قتلة عثمان مما لا يلتفت له، ويدل على تغلب القتلة وقوة شوكتهم ما في «نهج البلاغة» المقبول عند الشيعة من أنه قال للأمير كرم الله تعالى وجهه بعض أصحابه: لو عاقبت قوماً أجلبوا على عثمان فقال: يا أخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكن كيف لي بهم والمجلبون على شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم وها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم والتفت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا. فحيث كان الخروج أولاً للحج ومعها من محارمها من معها ولم يكن الأمر بالاستقرار في البيوت يتضمن النهي عن مثله لم يتوجه الطعن به أصلاً، وكذا المسير إلى البصرة لذلك القصد فإنه ليس أدون من سفر حج النفل؛ وما ترتب عليه لم يكن في حسابها ولم يمر ببالها ترتبه عليه، ولهذا لما وقع ما وقع وترتب ما ترتب ندمت غاية الندم، فقد روي أنها كلما كانت تذكر يوم الجمل تبكي حتى يبتل معجرها، بل أخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» وابن المنذر وابن أبـي شيبة وابن سعد عن مسروق قال: كانت عائشة رضي الله تعالى عنها إذا قرأت / { وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ } بكت حتى تبل خمارها وما ذاك إلا لأن قراءتها تذكرها الواقعة التي قتل فيها كثير من المسلمين، وهذا كما أن الأمير كرم الله تعالى وجهه أحزنه ذلك، فقد صح أنه رضي الله تعالى عنه لما وقع الانهزام على من مع أم المؤمنين وقتل من قتل من الجمعين طاف في مقتل القتلى فكان يضرب على فخذيه ويقول:{أية : يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً}تفسير : [مريم: 23]، وليس بكاؤها عند قراءة الآية لعلمها بأنها أخطأت في فهم معناها أو أنها نسيتها يوم خرجت كما توهم، وقال في ذلك مستهزئاً كاظم الأُزْدي البغدادي من متأخري شعراء الرافضة من قصيدة طويلة كفر بعدة مواضع فيها:شعر : حفظت أربعين ألف حديث ومن الذكر آية تنساها تفسير : نعم قد ينضم لما ذكرناه في سبب البكاء أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأزواجه المطهرات وفيهن عائشة: «كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب» وفي بعض الروايات الغير المعتبرة عند أهل السنة بزيادة «فإياك أن تكوني يا حميراء» ولم تكن سألت قبل المسير عن الحوأب هل هو واقع في طريقها أم لا حتى نبحتها في أثناء المسير كلاب عند ماء فقالت لمحمد بن طلحة: ما اسم هذا الماء؟ فقال: يقولون له حوأب فقالت: ارجعوني وذكرت الحديث وامتنعت عن المسير وقصدت الرجوع فلم يوافقها أكثر من معها ووقع التشاجر حتى شهد مروان بن الحكم مع نحو من ثمانين رجلاً من دهاقين تلك الناحية بأن هذا الماء ماء آخر وليس هو حوأباً فمضت لشأنها بسبب ذلك وتعذر الرجوع ووقوع الأمر، فكأنها رضي الله تعالى عنها رأت سكوتها عن السؤال وتحقيق الحال قبل المسير تقصيراً منها وذنباً بالنسبة إلى مقامها فبكت له ولما تقدم. وما زعمته الشيعة من أنها رضي الله تعالى عنها كانت هي التي تحرض الناس على قتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلاً فقد فجر تُشَبِّهه بيهودي يدعى نعثلاً حتى إذا قتل وبايع الناس علياً قالت: ما أبالي أن تقع السماء على الأرض قتل والله مظلوماً وأنا طالبة بدمه فذكرها عبيد بما كانت تقول فقالت: قد والله قلت وقال الناس فأنشد:شعر : فمنك البداء ومنك الغير ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الإمام وقلت لنا إنه قد فجر تفسير : كذب لا أصل له وهو من مفتريات ابن قتيبة وابن أعثم الكوفي والسمساطي، وكانوا مشهورين بالكذب والافتراء، ومثل ذلك في الكذب زعمهم أنها رضي الله تعالى عنها ما خرجت وسارت إلى البصرة إلا لبغض علي كرم الله تعالى وجهه فإنها لم تزل تروي مناقبه وفضائله؛ ومن ذلك ما رواه الديلمي أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : حب عليّ عبادة»تفسير : وقالت بعد وقوع ما وقع: والله لم يكن بيني وبين علي إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها. وقد أكرمها علي كرم الله تعالى وجهه وأحسن مثواها وبالغ في احترامها وردها إلى المدينة ومعها جماعة من نساء أعيان البصرة عزيزة كريمة، وهذا مما يرد به على الرافضة الزاعمين كفرها وحاشاها بما فعلت، وما روي عن الأحنف بن قيس من أن علياً كرم الله تعالى وجهه لما ظهر على أهل الجمل أرسل إلى عائشة أن ارجعي إلى المدينة فأبت فأعاد إليها الرسول وأمره أن يقول لها: والله لترجعن أو لأبعثن إليك نسوة من بكر بن وائل معهن شفار حداد يأخذنك بها فلما رأت ذلك خرجت لا يعول عليه وإن قيل: إنه رواه أبو بكر بن أبـي شيبة في «المصنف» لمخالفته لما رواه الأوثق حتى كاد يبلغ مبلغ التواتر. هذا ولا يعكر على القول بجواز الخروج للحج ونحوه ما أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال: ثبت أنه قيل لسودة رضي الله تعالى عنها زوج النبـي صلى الله عليه وسلم: / ما لك لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت وأمرني الله تعالى أن أقر في بيتي فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها لأن ذلك مبني على اجتهادها كما أن خروج الأخوات مبني على اجتهادهن، نعم أخرج أحمد عن أبـي هريرة «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه عام حجة الوداع: هذه ثم لزوم الحُصُر» تفسير : قال: فكان كلهن يحججن إلا زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة وكانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: هذه الخ أنكن لا تعدن تخرجن بعد هذه الحجة من بيوتكن وتلزمن الحصر وهو جمع حصير الذي يبسط في البيوت من القصب وتضم الصاد وتسكن تخفيفاً وهو في معنى النهي عن الخروج للحج فلا يتم ما ذكر أولاً ويشكل خروج سائر الأزواج لذلك. وأجيب بأن الخبر ليس نصاً في النهي عن الخروج للحج بعد تلك الحجة وإلا لما خرج له سائر الأزواج الطاهرات من غير نكير أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم عليهن بل جاء أن عمر رضي الله تعالى عنه أرسلهن للحج في عهده وجعل معهن عثمان وعبد الرحمن بن عوف وقال لهما: إنكما ولدان باران لهن فليكن أحدكما قدام مراكبهن والآخر خلفها ولم ينكر أحد فكان إجماعاً سكوتياً على الجواز فكأن زينب وسودة فهما من الخبر قضيت هذه الحجة أو أبيحت لكن هذه الحجة بخصوصهما ثم الواجب بعدها عليكن لزوم البيوت فلم يحجا بعد لذلك، وغيرهما فهم منه المناسب لكن أو اللائق بكن هذه الحجة أي جنسها أو هذه الحالة من السفر للحج أو لأمر ديني مهم ثم بعد الفراغ المناسب أو اللائق لزوم البيوت فيكون مفاده إباحة الخروج لذلك، ومن أنصف لا يكاد يقول بإفادة الخبر الأمر بلزوم البيوت والنهي عن الخروج منها مطلقاً بعد تلك الحجة بخصوصها فإن النبـي صلى الله عليه وسلم مرض في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها وبقي مريضاً فيه حتى توفي عليه الصلاة والسلام ولا يكاد يشك أحد في خروج سائرهن لعيادته أو يتصور استقرارهن في بيوتهن غير بالين شوقهن برؤية طلعته الشريفة حتى توفي صلى الله عليه وسلم فإن مثل ذلك لا يفعله أقل النساء حباً لأزواجهن الذين لا قدر لهم فكيف يفعله الأزواج الطاهرات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو هو وحبهن له حبهن. ثم إن الجواب المذكور إنما يحتاج إليه بعد تسليم صحة الخبر ويحتاج الجزم بصحته إلى تنقير ومراجعة فلينقر وليراجع والله تعالى أعلم. {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ} أمرن بهما لإنافتهما على غيرهما وكونهما أساس العبادات البدنية والمالية. {وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي في كل ما تأتين وتذرن لا سيما فيما أمرتن به ونهيتن عنه. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } استئناف بياني مفيد تعليل أمرهن ونهيهن، والرجس في الأصل الشيء القذر وأريد به هنا عند كثير الذنب مجازاً، وقال السدي: الإثم، وقال الزجاج: الفسق وقال ابن زيد: الشيطان، وقال الحسن: الشرك، وقيل: الشك، وقيل: البخل والطمع، وقيل: الأهواء والبدع، وقيل: إن الرجس يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسة وعلى النقائص، والمراد به هنا ما يعم كل ذلك، ولا يخفى عليك ما في بعض هذه الأقوال من الضعف، وأل فيه للجنس أو للاستغراق، والمراد بالتطهير قيل التحلية بالتقوى، والمعنى على ما قيل إنما يريد الله ليذهب عنكم الذنوب والمعاصي فيما نهاكم ويحليكم بالتقوى تحلية بليغة فيما أمركم، وجوز أن يراد به الصون، والمعنى إنما يريد سبحانه ليذهب عنكم الرجس ويصونكم من المعاصي صوناً بليغاً فيما أمر ونهى جل شأنه. واختلف في لام {لِيُذْهِبَ } فقيل زائدة وما بعدها في موضع المفعول به / ليريد فكأنه قيل: يريد الله إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم، وقيل: للتعليل ثم اختلف هؤلاء فقيل المفعول محذوف أي إنما يريد الله أمركم ونهيكم ليذهب أو إنما يريد منكم ما يريد ليذهب أو نحو ذلك، وقال الخليل وسيبويه ومن تابعهما: الفعل في ذلك مقدر بمصدر مرفوع بالابتداء واللام وما بعدها خبر أي إنما إرادة الله تعالى للإذهاب على حد ما قيل في ـ تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ـ فلا مفعول للفعل، وقال الطبرسي: اللام متعلق بمحذوف تقديره وإرادته ليذهب وهو كما ترى، وهذا الذي ذكروه جار في قوله تعالى: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ }تفسير : [النساء: 26] و{أية : أَمْرُنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الأنعام: 71] وقول الشاعر:شعر : أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل مكان تفسير : ونصب {أَهْلُ } على النداء، وجوز أن يكون على المدح فيقدر أمدح أو أعني، وأن يكون على الاختصاص وهو قليل في المخاطب ومنه بك الله نرجو الفضل، وأكثر ما يكون في المتكلم كقوله:شعر : نحن بنات طارق نمشي على النمارق تفسير : وأل في البيت للعهد، وقيل: عوض عن المضاف إليه أي بيت النبـي صلى الله عليه وسلم والظاهر أن المراد به بيت الطين والخشب لا بيت القرابة والنسب وهو بيت السكنى لا المسجد النبوي كما قيل، وحينئذٍ فالمراد بأهله نساؤه صلى الله عليه وسلم المطهرات للقرائن الدالة على ذلك من الآيات السابقة واللاحقة مع أنه عليه الصلاة والسلام ليس له بيت يسكنه سوى سكناهن، وروى ذلك غير واحد، أخرج ابن أبـي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ } الخ في نساء النبـي صلى الله عليه وسلم خاصة، وأخرج ابن مردويه من طريق ابن جبير عنه ذلك بدون لفظ خاصة، وقال عكرمة من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة أنه قال في الآية: ليس بالذي تذهبون إليه إنما هو نساء النبـي صلى الله عليه وسلم. وروى ابن جرير أيضاً أن عكرمة كان ينادي في السوق أن قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } نزل في نساء النبـي عليه الصلاة والسلام، وأخرج ابن سعد عن عروة {لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } قال: يعني أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم. وتوحيد البيت لأن بيوت الأزواج المطهرات باعتبار الإضافة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم بيت واحد وجمعه فيما سبق ولحق باعتبار الإضافة إلى الأزواج المطهرات اللاتي كن متعددات وجمعه في قوله سبحانه الآتي إن شاء الله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِىّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } تفسير : [الأحزاب: 53] دفعاً لتوهم إرادة بيت زينب لو أفرد من حيث إن سبب النزول أمر وقع فيه كما ستطلع عليه إن شاء الله تعالى. وأورد ضمير جمع المذكر في {عَنْكُمْ } و {يطهركم} رعاية للفظ الأهل، والعرب كثيراً ما يستعملون صيغ المذكر في مثل ذلك رعاية للفظ وهذا كقوله تعالى خطاباً لسارة امرأة الخليل عليهما السلام {أية : أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجيدٌ}تفسير : [هود: 73] ومنه على ما قيل قوله سبحانه: {أية : قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً} تفسير : [القصص: 29] خطاباً من موسى عليه السلام لامرأته. ولعل اعتبار التذكير هنا أدخل في التعظيم، وقيل: المراد هو صلى الله عليه وسلم ونساؤه المطهرات رضي الله تعالى عنهن وضمير جمع المذكر لتغليبه عليه الصلاة والسلام عليهن. وقيل: المراد بالبيت بيت النسب ولذا أفرد ولم يجمع كما في السابق واللاحق. فقد أخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً »تفسير : فذلك قوله تعالى: {أية : وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ }تفسير : [الواقعة: 27] {أية : وَأَصْحَـٰبُ ٱلشّمَالِ }تفسير : [الواقعة: 41] فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين ثم جعل القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً فذلك قوله تعالى: {أية : وَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ مَا أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـئَمَةِ * وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ }تفسير : [الواقعة: 9ـ10] فأنا من السابقين وأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة وذلك قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَـٰرَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ }تفسير : [الحجرات: 13] وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً فذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً } أنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب» فإن المتبادر من البيت الذي هو قسم من القبيلة البيت النسبـي. واختلف في المراد بأهله فذهب الثعلبـي إلى أن المراد بهم جميع بني هاشم ذكورهم وإناثهم، والظاهر أنه أراد مؤمني بني هاشم وهذا هو المراد بالآل عند الحنفية، وقال بعض الشافعية: المراد بهم آله صلى الله عليه وسلم الذين هم مؤمنو بني هاشم والمطلب، وذكر الراغب أن أهل البيت تعورف في أسرة النبـي صلى الله عليه وسلم مطلقاً وأسرة الرجل على ما في «القاموس» رهطه أي قومه وقبيلته الأدنون، وقال في موضع آخر: صار أهل البيت متعارفاً في آله عليه الصلاة والسلام، وصح عن زيد ابن أرقم في حديث أخرجه مسلم أنه قيل له: من أهل بيته نساؤه صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا أيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده صلى الله عليه وسلم، وفي آخر أخرجه هو أيضاً مبين هؤلاء الذي حرموا الصدقة أنه قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. وقال بعض الشيعة: أهل البيت سواء أريد به البيت المدر والخشب أم بيت القرابة والنسب عام، أما عمومه على الثاني فظاهر، وأما على الأول فلأنه يشمل الإماء والخدم فإن البيت المدري يسكنه هؤلاء أيضاً وقد صح ما يدل على أن العموم غير مراد. أخرج الترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في «سننه» من طرق حديث : عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت في بيتي نزلت {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً تفسير : . وجاء في بعض الروايات حديث : أنه عليه الصلاة والسلام أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ثلاث مرات تفسير : . وفي بعض آخر حديث : أنه عليه الصلاة والسلام ألقى عليهم كساء فدكياً ثم وضع يده عليهم ثم قال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي وفي لفظ آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد تفسير : . وجاء في رواية أخرجها الطبراني حديث : عن أم سلمة أنها قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه صلى الله عليه وسلم من يدي وقال: إنك على خير، وفي أخرى رواها ابن مردويه عنها أنها قالت ألست من أهل البيت؟ فقال صلى الله عليه وسلم إنك إلى خير إنك من أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم تفسير : وفي آخرها رواها الترمذي وجماعة حديث : عن عمر بن أبـي سلمة ربيب النبـي عليه الصلاة والسلام قال: قالت أم سلمة وأنا معهم: يا نبـي الله قال: أنت على مكانك وإنك على خير، وأخبار إدخاله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وابنيهما رضي الله تعالى عنهم تحت الكساءتفسير : ، وقوله عليه الصلاة والسلام حديث : اللهم هؤلاء أهل بيتي تفسير : ودعائه لهم وعدم إدخال أم سلمة أكثر من أن تحصى، وهي مخصصة لعموم أهل البيت بأي معنى كان البيت فالمراد بهم من شملهم الكساء ولا يدخل فيهم أزواجه صلى الله عليه وسلم، وقد صرح بعدم دخولهن من الشيعة عبد الله المشهدي وقال المراد من البيت بيت النبوة ولا شك أن أهل البيت لغة شامل للأزواج بل للخدام من الإماء اللائي يسكن في البيت أيضاً: وليس المراد هذا المعنى اللغوي بهذه السعة بالاتفاق فالمراد به آل العباء الذين خصصهم حديث الكساء وقال أيضاً: إن كون البيوت جمعاً في {بُيُوتِكُـنَّ } وإفراد البيت في {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } يدل على أن بيوتهن غير بيت النبـي صلى الله عليه وسلم اهـ، وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى. وقيل المراد بالبيت بيت السكنى وبيت النسب وأهل ذلك أهل كل من البيتين وقد سمعت ما قيل فيه وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز. وقال بعض المحققين: المراد بالبيت بيت السكنى وأهله على ما يقتضيه سياق الآية وسباقها والأخبار التي لا تحصى كثرة ويشهد له العرف من له مزيد اختصاص به إما بالسكنى فيه مع القيام بمصالحه وتدبير شأنه والاهتمام بأمره وعدم كون الساكن في معرض التبدل والتحول بحكم العادة الجارية من بيع وهبة كالأزواج أو بالسكنى فيه كذلك بدون ملاحظة القيام بالمصالح كالأولاد أو بقرابة من صاحبه تقضي بحسب العادة بالتردد إليه والجلوس فيه من غير طلب من صاحبه لذلك أو بعدم المنع من ذلك فالأولاد الذين لا يسكنونه وكأولادهم وإن نزلوا وكالأعمام وأولاد الأعمام وعلى هذا يحصل الجمع بين الأخبار وقد سمعت بعضها كحديث الكساء ولا دلالة فيه على الحصر، وكالحديث الحسن أنه صلى الله عليه وسلم اشتمل على العباس وبنيه بملاءة ثم قال: يا رب هذا عمي وصنو أبـي وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت آمين ثلاثاً. وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام ضم إلى أهل الكساء علي وفاطمة والحسنين رضي الله تعالى عنهم بقية بناته وأقاربه وأزواجه وصح عن أم سلمة في بعض آخر أنها قالت، فقلت يا رسول الله أما أنا من أهل البيت؟ فقال: بلى إن شاء الله تعالى، وفي بعض آخر أيضاً أنها قالت له صلى الله عليه وسلم ألست من أهلك؟ قال: بلى وأنه عليه الصلاة والسلام أدخلها الكساء بعد ما قضى دعاءه لهم، وقد تكرر كما أشار إليه المحب الطبري منه صلى الله عليه وسلم الجمع وقول هؤلاء أهل بيتي والدعاء في بيت أم سلمة وبيت فاطمة رضي الله تعالى عنهما وغيرهما وبه جمع بين اختلاف الروايات في هيئة الاجتماع وما جلل صلى الله عليه وسلم به المجتمعين وما دعا به لهم، وما أجاب به أم سلمة وعدم إدخالها في بعض المرات تحت الكساء ليس لأنها ليست من أهل البيت أصلاً بل لظهور أنها منهم حيث كانت من الأزواج اللاتي يقتضي سياق الآية وسباقها دخولهن فيهم بخلاف من أدخلوا تحته رضي الله تعالى عنهم فإنه عليه الصلاة والسلام لو لم يدخلهم ويقل ما قال لتوهم عدم دخولهم في الآية لعدم اقتضاء سياقها وسباقها ذلك. وذكر ابن حجر على تقدير صحة بعض الروايات المختلفة الحمل على أن النزول كان مرتين، وقد أدخل صلى الله عليه وسلم بعض من لم يكن بينه وبينه قرابة سببية ولا نسبية في أهل البيت توسعاً وتشبيهاً كسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه حيث قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : سلمان منا أهل البيت»تفسير : وجاء في رواية صحيحة حديث : أن واثلة قال: وأنا من أهلك يا رسول الله؟ فقال: عليه الصلاة والسلام وأنت من أهلي فكان واثلة يقول: إنها لمن أرجى ما أرجوتفسير : ، والخبر الدال بظاهره على أن المراد بالبيت البيت النسبـي أعني خبر الحكيم الترمذي ومن معه عن ابن عباس يجوز حمل البيت فيه على بيت المدر؛ والحيوان ينقسم إلى رومي وزنجي مثلاً كما ينقسم الإنسان إليهما على أن في رواته من وثقه ابن معين وضعفه غيره والجرح مقدم / على التعديل، وما روي عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه من نفي كون أزواجه صلى الله عليه وسلم أهل بيته وكون أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده عليه الصلاة والسلام فالمراد بأهل البيت فيه أهل البيت الذين جعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني الثقلين لا أهل البيت بالمعنى الأعم المراد في الآية، ويشهد لهذا ما في «صحيح مسلم» «حديث : عن يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً حدثنا يا زيد بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خُمَّاً بين مكة والمدينة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: «أما بعد ألا يا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربـي فأجيب وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثاً ـ فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده ـ قال: ومن هم؟ قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس» تفسير : الحديث فإن الاستدراك بعد جعله النساء من أهل بيته صلى الله عليه وسلم ظاهر في أن الغرض بيان المراد بأهل البيت في الحديث الذي حدث به عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وهم فيه ثاني الثقلين فلأهل البيت إطلاقان يدخل في أحدهما النساء ولا يدخلن في الآخر وبهذا يحصل الجمع بين هذا الخبر والخبر السابق المتضمن نفيه رضي الله تعالى عنه كون النساء من أهل البيت. وقال بعضهم: إن ظاهر تعليله نفي كون النساء أهل البيت بقوله: أيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها يقتضي أن لا يكن من أهل البيت مطلقاً فلعله أراد بقوله في الخبر السابق نساؤه من أهل بيته أنساؤه الخ بهمزة الاستفهام الإنكاري فيكون بمعنى ليس نساؤه من أهل بيته كما في معظم الروايات في غير «صحيح مسلم» ويكون رضي الله تعالى عنه ممن يرى أن نساءه عليه الصلاة والسلام لسن من أهل البيت أصلاً ولا يلزمنا أن ندين الله تعالى برأيه لا سيما وظاهر الآية معنا وكذا العرف وحينئذٍ يجوز أن يكون أهل البيت الذين هم أحد الثقلين بالمعنى الشامل للأزواج وغيرهن من أصله وعصبته صلى الله عليه وسلم الذين حرموا الصدقة بعده ولا يضر في ذلك عدم استمرار بقاء الأزواج كما استمر بقاء الآخرين مع الكتاب كما لا يخفى اهـ. وأنت تعلم أن ظاهر ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني تارك فيكم خليفتين ـ وفي رواية ـ ثقلين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» تفسير : يقتضي أن النساء المطهرات غير داخلات في أهل البيت الذين هم أحد الثقلين لأن عترة الرجل كما في «الصحاح» نسله ورهطه الأدنون، وأهل بيتي في الحديث الظاهر أنه بيان له أو بدل منه بدل كل من كل وعلى التقديرين يكون متحداً معه فحيث لم تدخل النساء في الأول لم تدخل في الثاني. وفي «النهاية» أن عترة النبـي صلى الله عليه وسلم بنو عبد المطلب، وقيل أهل بيته الأقربون وهم أولاده وعلي وأولاده رضي الله تعالى عنهم، وقيل: عترته الأقربون والأبعدون منهم اهـ. والذي رجحه / القرطبي أنهم من حرمت عليهم الزكاة، وفي كون الأزواج المطهرات كذلك خلاف قال ابن حجر: والقول بتحريم الزكاة عليهن ضعيف وإن حكى ابن عبد البر الإجماع عليه فتأمل. ولا يرد على حمل أهل البيت في الآية على المعنى الأعم ما أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم والطبراني عن أبـي سعيد الخدري قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت هذه الآية في خمسة فيَّ وفي علي وفاطمة وحسن وحسين {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}»تفسير : إذ لا دليل فيه على الحصر والعدد لا مفهوم له، ولعل الاقتصار على من ذكر صلوات الله تعالى وسلامه عليهم لأنهم أفضل من دخل في العموم وهذا على تقدير صحة الحديث والذي يغلب على ظني أنه غير صحيح إذ لم أعهد نحو هذا في الآيات منه صلى الله عليه وسلم في شيء من الأحاديث الصحيحة التي وقفت عليها في أسباب النزول. وبتفسير أهل البيت بمن له مزيد اختصاص به على الوجه الذي سمعت يندفع ما ذكره المشهدي من شموله للخدام والإماء والعبيد الذين يسكنون البيت فإنهم في معرض التبدل والتحول بانتقالهم من ملك إلى ملك بنحو الهبة والبيع وليس لهم قيام بمصالحه واهتمام بأمره وتدبير لشأنه إلا حيث يؤمرون بذلك، ونظمهم في سلك الأزواج ودعوى أن نسبة الجميع إلى البيت على حد واحد مما لا يرتضيه منصف ولا يقول به إلا متعسف. وقال بعض المتأخرين: إن دخولهم في العموم مما لا بأس به عند أهل السنة لأن الآية عندهم لا تدل على العصمة ولا حجر على رحمة الله عز وجل ولأجل عين ألف عين تكرم، وأما أمر الجمع والافراد فقد سمعت ما يتعلق به، والظاهر على هذا القول أن التعبير بضمير جمع المذكر في {عَنْكُمْ } للتغليب، وذكر أن في {عَنْكُمْ } عليه تغليبين أحدهما تغليب المذكر على المؤنث، وثانيهما تغليب المخاطب على الغائب إذ غير الأزواج المطهرات من أهل البيت لم يجر لهم ذكر فيما قبل ولم يخاطبوا بأمر أو نهي أو غيرهما فيه، وأمر التعليل عليه ظاهر وإن لم يكن كظهوره على القول بأن المراد بأهل البيت الأزواج المطهرات فقط. واعتذر المشهدي عن وقوع جملة {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ } الخ في البين بأن مثله واقع في القرآن الكريم فقد قال تعالى شأنه: {أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ } تفسير : [النور: 54] ثم قال سبحانه بعد تمام الآية: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ} تفسير : [النور: 56] فعطف (أقيموا) على (أطيعوا) مع وقوع الفصل الكثير بينهما، وفيه أنه وقع بعد {أَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ} الخ {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } فلو كان العطف على ما ذكر لزم عطف (أطيعوا) على (أطيعوا) وهو كما ترى. سلمنا أن لا فساد في ذلك إلا أن مثل هذا الفصل ليس في محل النزاع فإنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبـي من حيث الإعراب وهو لا ينافي البلاغة وما نحن فيه على ما ذهبوا إليه فصل بأجنبـي باعتبار موارد الآيات اللاحقة والسابقة، وإنكار منافاته للبلاغة القرآنية مكابرة لا تخفى. ومما يضحك منه الصبيان أنه قال بعد: إن بين الآيات مغايرة إنشائية وخبرية لأن آية التطهير جملة ندائية وخبرية وما قبلها وما بعدها من الأمر والنهي جمل إنشائية وعطف الإنشائية على الخبرية لا يجوز، ولعمري أنه أشبه كلام من حيث الغلط بقول بعض عوام الأعجام: خسن وخسين دختران مغاوية {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ }تفسير : [النور: 40]. ثم أن الشيعة استدلوا بالآية بعد قولهم: بتخصيص أهل البيت فيها بمن سمعت وجعل {لِيُذْهِبَ } مفعولاً به {ليريد} / وتفسير الرجس بالذنوب على العصمة فذهبوا إلى أن علياً وفاطمة والحسنين رضي الله تعالى عنهم معصومون من الذنوب عصمته صلى الله عليه وسلم منها، وتعقبه بعض أجلة المتأخرين بأنه لو فرض تعين كل ما ذهبوا إليه لا تسلم دلالتها على العصمة بل لها دلالة على عدمها إذ لا يقال في حق من هو طاهر: إني أريد أن أطهره ضرورة امتناع تحصيل الحاصل، وغاية ما في الباب أن كون أولئك الأشخاص رضي الله تعالى عنهم محفوظين من الرجس والذنوب بعد تعلق الإرادة بإذهاب رجسهم يثبت بالآية ولكن هذا أيضاً على أصول أهل السنة لا على أصول الشيعة لأن وقوع مراده تعالى غير لازم عندهم لإرادته عز وجل مطلقاً وبالجملة لو كانت إفادة معنى العصمة مقصودة لقيل هكذا إن الله أذهب عنكم الرجس أهل البيت وطهركم تطهيراً وأيضاً لو كانت مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لقوله تعالى فيهم: {أية : وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تفسير : [المائدة: 6] بل لعل هذا أفيد لما فيه من قوله سبحانه: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } فإن وقوع هذا الإتمام لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان اهـ. وقرر الطبرسي وجه الاستدلال بها على العصمة بأن {إِنَّمَا } لفظة محققة لما أثبت بعدها نافية لما لم يثبت فإذا قيل: إنما لك عندي درهم أفاد أنه ليس للمخاطب عنده سوى درهم فتفيد الآية تحقق الإرادة ونفي غيرها، والإرادة لا تخلو من أن تكون هي الإرادة المحضة أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس لا يجوز أن تكون الإرادة المحضة لأنه سبحانه وتعالى قد أراد من كل مكلف ذلك بالإرادة المحضة فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر المكلفين ولأن هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بلا ريب ولا مدح في الإرادة المجردة فتعين إرادة الإرادة بالمعنى الثاني، وقد علم أن من عدا أهل الكساء غير مراد فتختص العصمة بهم اهـ. وهو كما ترى. على أنه قد ورد في كتب الشيعة ما يدل على عدم عصمة الأمير كرم الله تعالى وجهه وهو أفضل من ضمه الكساء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي «نهج البلاغة» أنه كرم الله تعالى وجهه قال لأصحابه: لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست بفوق أن أخطىء ولا آمن من ذلك في فعلى إلا أن يلقي الله تعالى في نفسي ما هو أملك به مني. وفيه أيضاً كان كرم الله تعالى وجهه يقول في دعائه: اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك وخالفه قلبـي، وقصد التعليم كما في بعض الأدعية النبوية بعيد كذا قيل فتدبر ولا تغفل. وفسر بعض أهل السنة الإرادة هٰهنا بالمحبة قالوا: لأنه لو أريد بها الإرادة التي يتحقق عندها الفعل لكان كل من أهل البيت إلى يوم القيامة محفوظاً من كل ذنب والمشاهد خلافه، والتخصيص بأهل الكساء وسائر الأئمة الأثني عشر كما ذهب إليه الإمامية المدعون عصمتهم مما لا يقوم عليه دليل عندنا، والمدح جاء من جهة الاعتناء بشأنهم وإفادتهم محبة الله تعالى لهم هذا الأمر الجليل الشأن ومخاطبته سبحانه إياهم بذلك وجعله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. وقد يستدل على كون الإرادة هٰهنا بالمعنى المذكور دون المعنى المشهور الذي يتحقق عنده الفعل بأنه صلى الله عليه وسلم قال حين أدخل علياً وفاطمة والحسنين رضي الله تعالى عنهم تحت الكساء «حديث : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»تفسير : فإنه أي حاجة للدعاء لو كان ذلك مراداً بالإرادة بالمعنى المشهور وهل هو إلا دعاء بحصول واجب الحصول؟ واستدل بهذا بعضهم على عدم نزول الآية في حقهم وإنما أدخلهم صلى الله عليه وسلم في أهل البيت / المذكور في الآية بدعائه الشريف عليه الصلاة والسلام ولا يخلو جميع ما ذكر عن بحث. والذي يظهر لي أن المراد بأهل البيت من لهم مزيد علاقة به صلى الله عليه وسلم ونسبة قوية قريبة إليه عليه الصلاة والسلام بحيث لا يقبح عرفاً اجتماعهم وسكناهم معه صلى الله عليه وسلم في بيت واحد ويدخل في ذلك أزواجه والأربعة أهل الكساء وعلي كرم الله تعالى وجهه مع ما له من القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نشأ في بيته وحجره عليه الصلاة والسلام فلم يفارقه وعامله كولده صغيراً وصاهره وآخاه كبيراً، والإرادة على معناها الحقيقي المستتبع للفعل، والآية لا تقوم دليلاً على عصمة أهل بيته صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلم الموجودين حين نزولها وغيرهم ولا على حفظهم من الذنوب على ما يقوله أهل السنة لا لاحتمال أن يكون المراد توجيه الأمر والنهي أو نحوه لإذهاب الرجس والتطهير بأن يجعل المفعول به {ليريد} محذوفاً ويجعل {لِيُذْهِبَ } و {يَطَهَرْ} في موضع المفعول له وإن لم يكن فيه بأس وذهب إليه من ذهب بل لأن المعنى حسبما ينساق إليه الذهن ويقتضيه وقوع الجملة موقع التعليل للنهي والأمر نهاكم الله تعالى وأمركم لأنه عز وجل يريد بنهيكم وأمركم إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم وفي ذلك غاية المصلحة لكم ولا يريد بذلك امتحانكم وتكليفكم بلا منفعة تعود إليكم وهو على معنى الشرط أي يريد بنهيكم وأمركم ليذهب عنكم الرجس ويطهركم إن انتهيتم وائتمرتم ضرورة أن أسلوب الآية نحو أسلوب قول القائل لجماعة علم أنهم إذا شربوا الماء أذهب عنهم عطشهم لا محالة يريد الله سبحانه بالماء ليذهب عنكم العطش فإنه على معنى يريد سبحانه بالماء اذهاب العطش عنكم إن شربتوه فيكون المراد إذهاب العطش بشرط شرب المخاطبين الماء لا الإذهاب مطلقاً. فمفاد التركيب في المثال تحقق إذهاب العطش بعد الشرب وفيما نحن فيه إذهاب الرجس والتطهير بعد الانتهاء والائتمار لأن المراد الإذهاب المذكور بشرطهما فهو متحقق الوقوع بعد تحقق الشرط وتحققه غير معلوم إذ هو أمر اختياري وليس متعلق الإرادة، والمراد بالرجس الذنب وبإذهابه إزالة مباديه بتهذيب النفس وجعل قواها كالقوة الشهوانية والقوة الغضبية بحيث لا ينشأ عنها ما ينشأ من الذنوب كالزنا وقتل النفس التي حرم الله تعالى وغيرهما لا إزالة نفس الذنب بعد تحققه في الخارج وصدوره من الشخص إذ هو غير معقول إلا على معنى محوه من صحائف الأعمال وعدم المؤاخذة عليه وإرادة ذلك كما ترى. وكأن مآل الإذهاب التخلية ومآل التطهير التحلية بالحاء المهملة. والآية متضمنة الوعد منه عز وجل لأهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم بأنهم ان ينتهوا عما ينهى عنه ويأتمروا بما يأمرهم به يذهب عنهم لا محال مبادي ما يستهجن ويحليهم أجل تحلية بما يستحسن، وفيه إيماء إلى قبول أعمالهم وترتب الآثار الجملية عليها قطعاً ويكون هذا خصوصية لهم ومزية على من عداهم من حيث أن أولئك الأغيار إذا انتهوا وائتمروا لا يقطع لهم بحصول ذلك. ولذا نجد عباد أهل البيت أتم حالاً من سائر العباد المشاركين لهم في العبادة الظاهرة وأحسن أخلاقاً وأزكى نفساً وإليهم تنتهي سلاسل الطرائق التي مبناها كما لا يخفى على سالكيها التخلية والتحلية اللتان هما جناحان للطيران إلى حظائر القدس والوقوف على أوكار الأنس حتى ذهب قوم إلى أن القطب في كل عصر لا يكون إلا منهم خلافاً للأستاذ أبـي العباس المرسي حيث ذهب كما نقل عنه تلميذه التاج بن عطاء الله إلى أنه قد يكون من غيرهم، ورأيت في «مكتوبات الإمام الفاروقي الرباني» مجدد الألف الثاني قدس سره ما حاصله أن القطبية لم تكن على سبيل الأصالة إلا لأئمة أهل البيت المشهورين ثم إنها صارت بعدهم لغيرهم على سبيل النيابة عنهم حتى انتهت النوبة إلى السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره النوراني فنال مرتبة القطبية / على سبيل الأصالة فلما عرج بروحه القدسية إلى أعلى عليين نال من نال بعده تلك الرتبة على سبيل النيابة عنه فإذا جاء المهدي ينالها أصالة كما نالها غيره من الأئمة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين اهـ، وهذا مما لا سبيل إلى معرفته والوقوف على حقيته إلا بالكشف وأنى لي به. والذي يغلب على ظني أن القطب قد يكون من غيرهم لكن قطب الأقطاب لا يكون إلا منهم لأنهم أزكى الناس أصلاً وأوفرهم فضلاً وأن من ينال هذه الرتبة منهم لا ينالها إلا على سبيل الأصالة دون النيابة والوكالة وأنا لا أعقل النيابة في ذلك المقام وإن عقلت قلت: كل قطب في كل عصر نائب عن نبينا عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل السلام ولا بدع في نيابة الأقطاب بعده عنه صلى الله عليه وسلم كما نابت عنه الأنبياء قلبه فهو عليه الصلاة والسلام الكامل المكمل للخليقة والواسطة في الإفاضة عليهم على الحقيقة وكل من تقدمه عصراً من الأنبياء وتأخر عنه من الأقطاب والأولياء نواب عنه ومستمدون منه، وأقول: إن السيد الشيخ عبد القادر قدس سره وغمرنا بره قد نال منا نال من القطبية بواسطة جده عليه الصلاة والسلام على أتم وجه وأكمل حال فقد كان رضي الله تعالى عنه من أجلة أهل البيت حسنياً من جهة الأب حسينياً من جهة الأم لم يصبه نقص لو أن وعسى وليت ولا ينكر ذلك إلا زنديق أو رافضي ينكر صحبة الصديق وأرى أن قوله رضي الله تعالى عنه:شعر : أفلت شموس الأولين وشمسنا أبداً على فلك العلا لا تغرب تفسير : لا يدل على أن من ينال القطبية بعده من أهل البيت الذين عنصرهم وعنصره واحد نائب عنه ليس له فيض إلا منه بل غاية ما يدل عليه ويومىء إليه استمرار ظهور أمره وانتشار صيته وشهرة طريقته وعموم فيضه لمن استفاض على الوجه المعروف عند أهله من وذلك مما لا يكاد ينكر وأظهر من الشمس والقمر، هذا ما عندي في الكلام على الآية الكريمة المتضمنة لفضيلة لأهل البيت عظيمة، ويعلم منه وجه التعبير بيريد على صيغة المضارع ووجه تقديم إذهاب الرجس على التطهير ووجه دعائه صلى الله عليه وسلم لأهل الكساء بإذهاب الرجس من غير حاجة إلى القول بأن ذلك طلب للدوام كما قيل في قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ءامِنُواْ}تفسير : [النساء: 136] ونحوه ولا يورد عليه كثير مما يورد على غيره ومع هذا لمسلك الذهن اتساع ولا حجر على فضل الله عز وجل فلا مانع من أن يوفق أحداً لما هو أحسن من هذا وأجل فتدبر ذاك والله سبحانه يتولى هداك.
ابن عاشور
تفسير : {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ}. هذا أمر خُصِّصْنَ به وهو وجوب ملازمتهن بيوتهن توقيراً لهن، وتقوية في حرمتهن، فقرارهن في بيوتهن عبادة، وأن نزول الوحي فيها وتردد النبي صلى الله عليه وسلم في خلالها يكسبها حرمة. وقد كان المسلمون لما ضاق عليهم المسجد النبوي يصلُّون الجمعة في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث «الموطأ». وهذا الحكم وجوب على أمهات المؤمنين وهو كمال لسائر النساء. وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر بفتح القاف. ووجهها أبو عبيدة عن الكسائي والفراء والزجاج بأنها لغة أهل الحجاز في قَرّ بمعنى: أقام واستقرّ، يقولون: قَرِرت في المكان بكسر الراء من باب عَلم فيجيء مضارعه بفتح الراء فأصل قَرْن اقْرَرْن فحذفت الراء الأولى للتخفيف من التضعيف وألقيت حركتها على القاف نظير قولهم: أحَسْنَ بمعنى أَحْسَسْنَ في قول أبي زُبيد:شعر : سوى أن الجياد من المطايا أحَسْن به فهُن إليه شُوس تفسير : وأنكر المازني وأبو حاتم أن تكون هذه لغة، وزعم أن قرِرت بكسر الراء في الماضي لا يرد إلا في معنى قُرّة العين، والقراءة حجة عليهما. والتزم النحاس قولهما وزعم أن تفسير الآية على هذه القراءة أنها من قرّة العين وأن المعنى: واقررن عيوناً في بيوتكن، أي لَكُنّ في بيوتكن قُرّة عين فلا تتطلعن إلى ما جاوز ذلك، أي فيكون كناية عن ملازمة بيوتهن. وقرأ بقية العشرة {وقرن} بكسر القاف. قال المبرد: هو من القرار، أصله: اقرِرن بكسر الراء الأولى فحذفت تخفيفاً، وألقيت حركتها على القاف كما قالوا: ظَلْت ومَسْت. وقال ابن عطية: يصح أن يكون قِرْن، أي بكسر القاف أمراً من الوقار، يقال: وَقر فلان يقِر، والأمر منه قِر للواحد، وللنساء قِرن مثل عِدن، أي فيكون كناية عن ملازمة بيوتهن مع الإِيماء إلى علة ذلك بأنه وقار لهن. وقرأ الجمهور {بيوتكن} بكسر الباء. وقرأه ورش عن نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء. وإضافة البيوت إليهن لأنهن ساكنات بها أسكَنهُنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يميَّز بعضها عن بعض بالإِضافة إلى ساكنة البيت، يقولون: حُجرة عائشة، وبيت حفصة، فهذه الإِضافة كالإِضافة إلى ضمير المطلقات في قوله تعالى: {أية : لا تخرجوهن من بيوتهن}تفسير : [الطلاق: 1]. وذلك أن زوج الرجل هي ربة بيته، والعرب تدعو الزوجة البيت ولا يقتضي ذلك أنها ملك لهُنّ لأن البيوت بناها النبي صلى الله عليه وسلم تباعاً تبعاً لبناء المسجد، ولذلك لما تُوفِّيت الأزواج كلهن أدخلت ساحة بيوتهن إلى المسجد في التوسعة التي وسعها الخليفة الوليد بن عبد الملك في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة ولم يُعطِ عوضاً لورثتهن. وهذه الآية تقتضي وجوب مكث أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتهن وأن لا يخرجن إلا لضرورة، وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله أَذِنَ لكُنَّ أن تخرجن لحوائجكن» تفسير : يريد حاجات الإِنسان. ومحمل هذا الأمر على ملازمة بيوتهن فيما عدا ما يضطر فيه الخروج مثل موت الأبوين. وقد خرجت عائشة إلى بيت أبيها أبي بكر في مرضه الذي مات فيه كما دل عليه حديثه معها في عطيته التي كان أعطاها من ثمرة نخلة وقوله لها: «وإنما هو اليومَ مالُ وارث» رواه في «الموطأ». وكُنّ يخرُجْن للحج وفي بعض الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن مقر النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره قائم مقام بيوته في الحَضَر، وأبت سودة أن تخرج إلى الحجّ والعمرة بعد ذلك. وكل ذلك مما يفيد إطلاق الأمر في قوله: {وقرن في بيوتكن}. ولذلك لما مات سعد ابن أبي وقاص أمرت عائشة أن يُمَرّ عليها بجنازته في المسجد لتدعو له، أي لتصلي عليه. رواه في «الموطأ». وقد أشكل على الناس خروج عائشة إلى البصرة في الفتنة التي تدعى: وقْعةَ الجَمَل، فلم يغير عليها ذلك كثير من جِلّة الصحابة منهم طلحة والزبير. وأنكر ذلك عليها بعضهم مثل: عَمار بن ياسر، وعلي بن أبي طالب، ولكل نظَر في الاجتهاد. والذي عليه المحققون مثل أبي بكر بن العربي أن ذلك كان منها عن اجتهاد فإنها رأت أن في خروجها إلى البصرة مصلحة للمسلمين لتسعى بين فريقي الفتنة بالصلح فإن الناس تعلّقوا بها وشكَوْا إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة ورجَوْا بركتها أن تخرج فتصلح بين الفريقين، وظنّوا أن الناس يستحيون منها فتأولت لخروجها مصلحة تفيد إطلاق القَرار المأمور به في قوله تعالى: {وقرن في بيوتكن} يكافىء الخروج للحج. وأخذت بقوله تعالى: {أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}تفسير : [الحجرات: 9] ورأت أن الأمر بالإصلاح يشملها وأمثالها ممن يرجون سماع الكلمة، فكان ذلك منها عن اجتهاد. وقد أشار عليها جمع من الصحابة بذلك وخرجوا معها مثل طلحة والزبير وناهيك بهما. وهذا من مواقع اجتهاد الصحابة التي يجب علينا حملها على أحسن المخارج ونظن بها أحسن المذاهب، كقولنا في تقاتلهم في صِفِّين وكاد أن يصلح الأمر ولكن أفسده دعاة الفتنة ولم تشعر عائشة إلا والمقاتَلة قد جرت بين فريقين من الصحابة يوم الجمل. ولا ينبغي تقلد كلام المؤرخين على علاّته فإن فيهم من أهل الأهواء ومن تلقّفوا الغثّ والسمين. وما يذكر عنها رضي الله عنها: أنها كانت إذا قَرأت هذه الآية تبكي حتى يبتلّ خمارها، فلا ثقة بصحة سنده، ولو صحّ لكان محمله أنها أسفت لتلك الحوادث التي ألجأتها إلى الاجتهاد في تأويل الآية. {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}. التبرج: إظهار المرأة محاسن ذاتها وثيابها وحليها بمرأى الرجال. وتقدم في قوله تعالى: {أية : غير متبرجات بزينة} تفسير : في سورة النور (60). وانتصب {تبرج الجاهلية الأولى} على المفعول المطلق، وهو في معنى الوصف الكاشف أريد به التنفير من التبرّج. والمقصود من النهي الدوام على الانكفاف عن التبرج وأنهن منهياتٌ عنه. وفيه تعريض بنهي غيرهن من المسلمات عن التبرج، فإن المدينة أيامئذٍ قد بقي فيها نساء المنافقين وربما كُنَّ على بقية من سيرتهن في الجاهلية فأريد النداء على إبطال ذلك في سيرة المسلمات، ويظهر أن أمهات المؤمنين منهيات عن التبرج مطلقاً حتى في الأحوال التي رُخّص للنساء التبرج فيها (في سورة النور) في بيوتهن لأن ترك التبرج كمال وتنزه عن الاشتغال بالسفاسف. فنسب إلى أهل الجاهلية إذ كان قد تقرر بين المسلمين تحقير ما كان عليه أمر الجاهلية إلا مَا أقرّه الإسلام. و{الجاهلية}: المدة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، وتأنيثها لتأويلها بالمُدة. والجاهلية نسبة إلى الجاهل لأن الناس الذين عاشوا فيها كانوا جاهلين بالله وبالشرائع، وقد تقدم عند قوله تعالى:{أية : يظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية} تفسير : في سورة آل عمران (154). ووصفُها {بالأولى} وصف كاشف لأنها أولى قبل الإسلام، وجاء الإِسلام بعدها فهو كقوله تعالى: {أية : وأنه أهلك عاداً الأولى}تفسير : [النجم: 50]، وكقولهم: العشاء الآخرة، وليس ثمة جاهليتان أولى وثانية. ومن المفسرين من جعلوه وصفاً مقيِّداً وجعلوا الجاهلية جاهليتين، فمنهم من قال: الأولى هي ما قبل الإسلام وستكون جاهلية أخرى بعد الإسلام يعني حين ترتفع أحكام الإسلام والعياذ بالله. ومنهم من قال: الجاهلية الأولى هي القديمة من عهد ما قبل إبراهيم ولم يكن للنساء وازع ولا للرجال، ووضعوا حكايات في ذلك مختلفة أو مبالغاً فيها أو في عمومها، وكل ذلك تكلف دعاهم إليه حمل الوصف على قصد التقييد. {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلَـٰوةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَـٰوةَ وَأَطِعْنَ اللهَ ورَسُوله}. أريد بهذه الأوامر الدوام عليها لأنهن متلبسات بمضمونها من قبل، وليعلم الناس أن المقربين والصالحين لا ترتفع درجاتهم عند الله تعالى عن حق توجه التكليف عليهم. وفي هذا مقمع لبعض المتصوفين الزاعمين أن الأولياء إذا بلغوا المراتب العليا من الولاية سقطت عنهم التكاليف الشرعية. وخصّ الصلاة والزكاة بالأمر ثم جاء الأمر عاماً بالطاعة لأن هاتين الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات فمن اعتنى بهما حق العناية جرّتاه إلى ما وراءهما، قال تعالى: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تفسير : وقد بيناه في سورة العنكبوت (45). {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّركم تَطْهِيراً}. متصل بما قبله إذ هو تعليل لما تضمنته الآيات السابقة من أمر ونهي ابتداء من قوله تعالى: {أية : يا نساء النبي من يأت منكن}تفسير : [الأحزاب: 30] الآية. فإن موقع {إنما} يفيد ربط ما بعدها بما قبلها لأن حرف (إنَّ) جزء من {إنما} وحرف (إن) من شأنه أن يغني غناء فاء التسبب كما بينه الشيخ عبد القاهر، فالمعنى أمَركن الله بما أمر ونَهاكُنّ عما نهى لأنه أراد لكُنّ تخلية عن النقائص والتحْلية بالكمالات. وهذا التعليل وقع معترضاً بين الأوامر والنواهي المتعاطفة. والتعريف في {البيت} تعريف العهد وهو بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبيوت النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة فالمراد بالبيت هنا بيت كل واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكل بيت من تلك البيوت أهله النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه صاحبة ذلك، ولذلك جاء بعده قوله: {أية : واذكرن ما يتلى في بيوتكن}تفسير : [الأحزاب: 34]، وضميرَا الخطاب موجهان إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم على سَنن الضمائر التي تقدمت. وإنما جيء بالضميرين بصيغة جمع المذكر على طريقة التغليب لاعتبار النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب لأنه رب كل بيت من بيوتهن وهو حاضر هذا الخطاب إذ هو مبلغه. وفي هذا التغليب إيماء إلى أن هذا التطهير لهنّ لأجل مقام النبي صلى الله عليه وسلم لتكون قريناته مشابهات له في الزكاء والكمال، كما قال الله تعالى: {أية : والطيبات للطيبين}تفسير : [النور: 26] يعني أزواج النبي للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو نظير قوله في قصة إبراهيم: {أية : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت}تفسير : [هود: 73] والمخاطب زوج إبراهيم وهو معها. و{الرجس} في الأصل: القذر الذي يلوّث الأبدان، واستعير هنا للذنوب والنقائص الدينية لأنها تجعل عِرض الإنسان في الدنيا والآخرة مرذولاً مكروهاً كالجسم الملوّث بالقذر. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : رجس من عمل الشيطان} تفسير : في سورة العقود (90). واستعير التطهير لضد ذلك وهو تجنيب الذنوب والنقائص كما يكون الجسم أو الثوب طاهراً. واستعير الإِذهاب للإِنجاء والإِبعاد. وفي التعبير بالفعل المضارع دلالة على تجدد الإرادة واستمرارها، وإذا أراد الله أمراً قدّره إذ لا رادّ لإِرادته. والمعنى: ما يريد الله لكُنّ مما أمركن ونهاكن إلا عصمتَكُنّ من النقائص وتحليتكن بالكمالات ودوامَ ذلك، أي لا يريد من ذلك مقتاً لكنّ ولا نكاية. فالقصر قصر قلب كما قال تعالى: {أية : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم}تفسير : [المائدة: 6]. وهذا وجه مجيء صيغة القصر بــــ{إنما}. والآية تقتضي أن الله عصم أزواج نبيئه صلى الله عليه وسلم من ارتكاب الكبائر وزكى نفوسهن. و{أهل البيت}: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والخطاب موجه إليهن وكذلك ما قبله وما بعده لا يخالط أحداً شك في ذلك، ولم يفهم منها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون إلا أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام هن المراد بذلك وأن النزول في شأنهنّ. وأما ما رواه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح عن عُمر بن أبي سلمة قال: حديث : لما نزلت على النبي: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} في بيت أم سلمة دعا فاطمةَ وحسناً وحسيناً فجَلَّلهم بكساء وعليٌّ خلْف ظهره ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً» تفسير : . وقال: هو حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة ولم يَسِمْه الترمذي بصحة ولا حُسن، ووسمه بالغرابَة. وفي «صحيح مسلم» عن عائشة:حديث : خرج رسول الله غداةً وعليه مرط مرحَّل فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}تفسير : . وهذا أصرح من حديث الترمذي. فمَحمله أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية وجعلهم أهلَ بيته كما ألحق المدينةَ بمكة في حكم الحَرَمية بقوله: «حديث : إن إبراهيم حرّم مكة وإني أحرّم ما بينَ لابتيها»تفسير : . وتَأوُّل البيت على معنييه الحقيقي والمجازي يصدق ببيت النسب كما يقولون: فيهم البيتُ والعَدد، ويكون هذا من حَمل القرآن على جميع محامله غير المتعارضة كما أشرنا إليه في المقدمة التاسعة. وكأنَّ حكمة تجليلهم معه بالكساء تقويةُ استعارة البيت بالنسبة إليهم تقريباً لصورة البيت بقدر الإمكان في ذلك الوقت ليكون الكساء بمنزلة البيت ووجود النبي صلى الله عليه وسلم معهم في الكساء كما هو في حديث مسلم تحقيق لكون ذلك الكساء منسوباً إليه، وبهذا يتضح أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هن آل بيته بصريح الآية، وأن فاطمة وابنيْها وزوجها مجعولون أهل بيته بدعائه أو بتأويل الآية على محاملها. ولذلك هُمْ أهل بيته بدليل السنة، وكل أولئك قد أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، بعضه بالجعل الإلهي، وبعضه بالجعل النبوي، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : سَلْمان منّا أهلَ البيت»تفسير : . وقد استوعب ابن كثير روايات كثيرة من هذا الخبر مقتضية أن أهل البيت يشمل فاطمة وعليّاً وحسناً وحسيناً. وليس فيها أن هذه الآية نزلت فيهم إلا حديثاً واحداً نسبه ابن كثير إلى الطبري ولم يوجد في تفسيره عن أم سلمة أنها ذكر عندها علي بن أبي طالب فقالت: فيه نزلت: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} وذكرتْ خبر تجليله مع فاطمة وابنيه بكساء (وذكر مصحّح طبعة «تفسير ابن كثير» أن في متن ذلك الحديث اختلافاً في جميع النسخ ولم يفصله المصحّح). وقد تلقّف الشيعة حديث الكساء فغصبوا وصف أهل البيت وقصروه على فاطمة وزوجها وابنيهما عليهم الرضوان، وزعموا أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لسن من أهل البيت. وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشواً بين ما خوطب به أزواج النبي. وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قصر هذا الوصف على أهل الكساء إذ ليس في قوله: «هؤلاء أهل بيتي» صيغة قصر وهو كقوله تعالى: {أية : إن هؤلاء ضيفي}تفسير : [الحجر: 68] ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم، وهو يقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها. ويظهر أن هذا التوهم من زمن عصر التابعين، وأن منشأه قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ما قبلها وما بعدها. ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه قال: من شاء بأهلية أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال أيضاً: ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يصرخ بذلك في السوق. وحديث عمر بن أبي سلمة صريح في أن الآية نزلت قبل أن يدعو النبي الدعوة لأهل الكساء وأنها نزلت في بيت أم سلمة. وأما ما وقع من قول عُمر بن أبي سلمة: أن أم سلمة قالت: وأنا معهم يا رسول الله؟... فقال: «حديث : أنت على مكانك وأنتِ على خير». تفسير : فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنه منعها من أن تكون من أهل بيته، وهذه جهالة لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن ما سألته من الحاصل، لأن الآية نزلت فيها وفي ضرائرها، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم، فالدعاء لها بأن يذهب الله عنها الرجس ويطهرها دعاء بتحصيل أمر حصل وهو مناف بآداب الدعاء كما حرره شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم تعليماً لها. وقد وقع في بعض الروايات حديث : أنه قال لأم سلمة: «إنككِ من أزواج النبي»تفسير : . وهذا أوضح في المراد بقوله: «إنك على خير». ولما استجاب الله دعاءه كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلق أهل البيت على فاطمة وعلي وابنيهما، فقد روى الترمذي عن أنس بن مالكحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}»تفسير : ، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. واللام في قوله: {ليذهب} لام جرّ تزاد للتأكيد غالباً بعد مادتي الإرادة والأمر، وينتصب الفعل المضارع بعدها بــــ (أنْ) مضمرة إضماراً واجباً، ومنه قوله تعالى: {أية : وأمرنا لنسلم لرب العالمين}تفسير : [الأنعام: 71]، وقول كثير:شعر : أُريد لأنسَى حبها فكأنما تمثَّلُ لي ليلى بكل مكان تفسير : وعن النحاس أن بعض القراء سماها (لام أَنْ) وتقدم قوله تعالى: {أية : يريد الله ليبين لكم} تفسير : في سورة النساء (26). وقوله: {أهل البيت} نداء للمخاطبين من نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد شمل كلَّ من ألحق النبي صلى الله عليه وسلم بهن بأنه من أهل البيت وهم: فاطمة وابناها وزوجها وسلمان لا يعدُو هؤلاء.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في الترجمة، وفي مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك. ومما ذكرنا من أمثلة ذلك في الترجمة قولنا فيها. ومن أمثلته قول بعض أهل العلم: إن أزواجه صلى الله عليه وسلم لا يدخلن في أهل بيته في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} [الأحزاب: 33] فإن قرينه السياق صريحة في دخولهن، لأن الله تعالى قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 28] ثم قال في نفس خطابه لهن: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} [الأحزاب: 33] ثم قال بعده: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ} تفسير : [الأحزاب: 34] الآية. وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، فلا يصح إخراجها بمخصص، وروي عن مالك أنها ظنية الدخول، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: شعر : واجزم بإدخال ذوات السبب وارو عن الإمام ظناً تصب تفسير : فالحق أنهن داخلات في الآية اهـ من ترجمة هذا الكتاب المبارك. والتحقيق إن شاء الله: أنهن داخلات في الآية، وإن كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت. أما الدليل على دخولهن في الآية، فهو ما ذكرناه آنفاً من أن سياق الآية صريح في أنها نازلة فيهن. والتحقيق: أن صورة سبب النزول قطعية الدخول كما هو مقرر في الأصول. ونظير ذلك من دخول الزوجات في اسم أهل البيت. قوله تعالى في زوجة إبراهيم: {أية : قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [هود: 73]. وأما الدليل على دخول غيرهن في الآية، فهو أحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم: "حديث : إنهم أهل البيت ودعا لهم الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً" تفسير : وقد روى ذلك جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأبو سعيد، وأنس، وواثلة بن الأسقع، وأم المؤمنين عائشة، وغيرهم رضي الله عنهم. وبما ذكرنا من دلالة القرآن والسنة: تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم كلهم. تنبيه فإن قيل: إن الضمير في قوله: {لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْس} وفي قوله: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} ضمير الذكور، فلو كان المراد نساء النبي صلى الله عليه وسلم لقيل: ليذهب عنكن ويطهركن. فالجواب من وجهين: الأول: هو ما ذكرنا من أن الآية الكريمة شاملة لهن ولعلي والحسن والحسين وفاطمة، وقد أجمع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجموع ونحوها، كما هو معلوم في محله. الوجه الثاني: هو أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر، ومنه قوله تعالى في موسى: {أية : فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ} تفسير : [طه: 10]. وقوله: {أية : سَآتِيكُمْ} تفسير : [النمل: 7]. وقوله: {أية : لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ} تفسير : [طه: 10]. والمخاطب امرأته كما قاله غير واحد، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر: شعر : فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا تفسير : وبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لسن داخلات في الآية، يرد عليه صريح سياق القرآن، وأن من قال: إن فاطمة وعلياً والحسن والحسين ليسوا داخلين فيها، ترد عليه الأحاديث المشار إليها. وقال بعض أهل العلم: إن أهل البيت في الآية هم من تحرم عليهم الصدقة والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِب عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ}، الآية، يعني أنه يذهب الرجس عنهم، ويطهرهم بما يأمر به من طاعة الله، وينهى عنه من معصيته، لأن من أطاع الله أذهب عنه الرجس، وطهره من الذنوب تطهيراً. وقال الزمخشري في الكشاف: ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن ووعظهن لئلا يقارف أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المآثم، وليتصونوا عنها بالتقوى. واستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر، لأن عرض المقترف للمقبحات يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما الحسنات فالعرض منها نقي مصون كالثوب الطاهر، وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده، ونهاهم عنه، ويرغبهم فيما يرضاه لهم، وأمرهم به. وأهل البيت نصب على النداء أو على المدح. وفي هذا دليل بين على أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته. تنبيه اعلم أنه يكثر في القرآن العظيم، وفي اللغة إتيان اللام المكسورة منصوباً بعدها المضارع بعد فعل الإرادة كقوله هنا: { إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِب عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ} [الأحزاب: 33] الآية. وقوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ} تفسير : [النساء: 26]. وقوله: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} تفسير : [الصف: 8] الآية. وقوله تعالى: {أية : مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } تفسير : [المائدة: 6] إلى غير ذلك من الآيات. وكقول الشاعر: شعر : أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل تفسير : وللعلماء في اللام المذكورة أقوال: منها أنها مصدرية بمعنى أن، وهو قول غريب. ومنها: أنها لام كي، ومفعول الإرادة محذوف والتقدير: إنما يريد الله أن يأمركم وينهاكم، لأجل أن يذهب عنكم الرجس: والرجس كل مستقذر تعافه النفوس، ومن أقذر المستقذرات معصية الله تعالى. قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ}. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها بيان الإجمال الواقع بسبب الإبهام في صلة موصول، وذكرنا أن من أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ}، لأن جملة: الله مبديه صلة الموصول الذي هو ما. وقد قلنا في الترجمة المذكورة: فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم في نفسه وأبداه الله، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها، حيث أوحى إليه ذلك، وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة، لأن زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} تفسير : [الأحزاب: 37] وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن، وهو اللائق بجنابه صلى الله عليه وسلم. وبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه في نفسه صلى الله عليه وسلم وأبداه الله وقوع زينب في قلبه ومحبته لها، وهي تحت زيد، وأنها سمعته، قال سبحان مقلب القلوب إلى آخر القصة، كله لا صحة له، والدليل عليه أن الله لم يبد من ذلك شيئاً، مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى محل الغرض من كلامنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك. وقال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية: واختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة، وابن زيد، وجماعة من المفسرين منهم: الطبري: وغيره: إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش وهي في عصمة زيد، وكان حريصاً على أن يطلقها زيد، فيتزوجها هوإلى أن قال: وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف يعني قوله: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} تفسير : [الأحزاب: 37] اهـ. ولا شك أن هذا القول غير صحيح، وأنه غير لائق به صلى الله عليه وسلم. ونقل القرطبي نحوه عن مقاتل، وابن عباس أيضاً. وذكر القرطبي عن علي بن الحسين أن الله أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيداً سيطلق زينب، وأن الله يزوجها رسوله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن علم هذا بالوحي قال لزيد: أمسك عليك زوجك. وأن الذي أخفاه في نفسه: هو أن الله سيزوجه زينب رضي الله عنها، ثم قال القرطبي، بعد أن ذكر هذا القول: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية. وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين. كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم، إلى أن قال: فأما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم هوى زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض المجان لفظ عشق، فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا أو مستخف بحرمته. قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهراً من الجواهر ودراً من الدرر أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه، أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَك} تفسير : [الأحزاب: 37]، وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، والله أحق أن تخشاه. انتهى محل الغرض منه. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ها هنا آثاراً عن بعض السلف رضي الله عنهم، أحببنا أن نضرب عنها صفحاً لعدم صحتها، فلا نوردها إلى آخر كلامه. وفيه كلام علي بن الحسين الذي ذكرنا آنفاً. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: هو ما ذكرنا أن القرآن دل عليه، وهو أن الله أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بأن زيداً يطلق زينب، وأنه يزوجها إياه صلى الله عليه وسلم، وهي في ذلك الوقت تحت زيد، فلما شكاها زيد إليه صلى الله عليه وسلم قال له: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَك} تفسير : [الأحزاب: 37] فعاتبه الله على قوله: أمسك عليك زوجك بعد علمه أنها ستصير زوجته هو صلى الله عليه وسلم وخشي مقالة الناس أن يقولوا: لو أظهر ما علم من تزويجه إياها أنه يريد تزويج زوجة ابنه في الوقت الذي هي فيه في عصمة زيد. والدليل على هذا أمران: الأول: هو ما قدمنا من أن الله جل وعلا قال: {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ}، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا، هو زواجه إياها في قوله: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} ولم يبد جل وعلا شيئاً مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى كما ترى. الأمر الثاني: أن الله جل وعلا صرح بأنه هو الذي زوجه إياها، وأن الحكمة الإلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِم} تفسير : [الأحزاب: 37] الآية فقوله تعالى: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَج} تعليل صريح لتزويجه إياها لما ذكرنا، وكون الله هو الذي زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه إياها ليس هو محبته لها التي كانت سبباً في طلاق زيد لها كما زعموا، ويوضحه قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} الآية، لأنه يدل على أن زيد قضى وطره منها، ولم تبق له بها حاجة، فطلقها باختياره. والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْجَاهِلِيَّةِ} {ٱلصَّلاَةَ} {آتِينَ} {ٱلزَّكَـاةَ} (33) - وَالزَمْنَ بُيُوتَكُنَّ فَلاَ تَخْرُجْنَ لِغيرِ حَاجَةٍ. (وَفِي الحَدِيث: حديث : إِن المَرأَةَ عَوْرَةٌ، فَإِذا خَرَجَت استَشْرَفَها الشَّيْطَانُ، وَأَقْربُ مَا تَكُونُ مِنْ وَجْهِ رَبِّها وهيَ فِي قَعْرِ بَيْتِها تفسير : . (أَخْرَجَهُ التِرْمِذِيُّ والبَزَّارُ). وَلاَ تُبدِيَنَّ زِينَتَكُنَّ وَمَحَاسِنَكُنَّ لِلرِّجَالِ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ نِسَاءُ الجَاهِلِيَّةِ، وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ عَلَى الوَجهِ الأَكْمَلِ، وأَدِّينَ الزَّكَاةَ عَنْ أَموَالِكُنَّ كَمَا أَمَرَ اللهُ، فَاللهُ تَعالى يُريدُ أَنْ يُطَهِّرَ أَهلَ بَيْتِ رَسُولِهِ تَطهيراً لا تُخَالِطُهُ شُبْهَةٌ مِنْ دَنَسِ الفِسْقِ والفُجُورِ، وَأَنْ يُذْهِبَ عَنْهُم السُّوءَ والفَحْشَاءَ. قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ - الزَمْنَ بُيُوتَكُنَّ. لاَ تَبَرِّجْنَ - لاَ تُبْدِيَن الزِّينَةَ الوَاجِبَ سَتْرُها. الجَاهِليةِ الأُولَى -مَا قبلَ الإِسْلاَمِ. الرِّجْسَ - الذَّنْبَ أَوِ الإِثْمَ.
الثعلبي
تفسير : {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم بفتح القاف. غيرهم بالكسر، فَمَن فتح القاف فمعناه واقررن، أي الْزَمن بيوتكنّ، من قولك قررتُ في المكان، أقرّ قراراً. وقررتُ أقرُّ لغتان فحذفت الراء الأُولى التي هي عين الفعل ونقلت حركتها إلى القاف فانفتحت كقولهم في ظللت وظلْت. قال الله تعالى: {أية : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}تفسير : [الواقعة: 65] {أية : ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً}تفسير : [طه: 97] والأصل ظللت فحذفت إحدى اللاّمين، ودليل هذا التأويل قراءة ابن أبي عبلة واقررن بفتح الراء على الأصل في لغة من يقول: قررت أقرّ قراراً. وقال أبو عبيدة: وكان أشياخنا من أهل العربية ينكرون هذه القراءة وهي جائزة عندنا مثل قوله:{أية : فَظَلْتُمْ}تفسير : [الواقعة: 65] ومن كسر القاف فهو أمر من الوقار كقولك من الوعد: عِدن ومن الوصل صِلن، أي كنَّ أهل وقار أي هدوء وسكون وتؤدة من قولهم: وقر فلان يقر وقوراً إذا سكن واطمأن. أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري قال: أخبرني أبو بكر بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدّثني أبي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش عن أبي الضحى قال: حدّثني من سمع عائشة تقرأ {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} فتبكي حتّى تبلّ خمارها. أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن خالد، عن داود بن سليمان، عن عبد الله بن حميد، عن يزيد بن هارون، عن هشام، عن محمد قال: نُبئت أنَّه قيل لسودة زوج النبي (عليه السلام): مالكِ لا تحجّين ولا تعتمرين كما يفعلنَّ أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله تعالى أنْ أقرَّ في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتّى أموت. قال: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أُخرجت جنازتها. قوله: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ} قال مجاهد وقتادة: التبرّج التبختر التكبّر والتغنّج وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال {تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} واختلفوا فيها. قال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمّد (عليهما السلام). أبو العالية: هي زمن داود وسليمان وكانت المرأة تلبس قميصاً من الدرّ غير مخيط الجانبين فيرى خلفها فيه. الكلبي: الجاهلية التي هي الزمان الذي فيه ولد إبراهيم (عليه السلام)، وكانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتّخذ الدّرع من اللؤلؤ فتلبسه ثمّ تمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها على الرجال، وكان ذلك في زمان نمرود الجبّار، والناس حينئذ كلّهم كفّار. الحكم: هي ما بين آدم ونوح ثمانمائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان. فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها. وروى عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قرأ هذه الآية فقال: إنّ الجاهلية الأُولى فيما بين نوح وإدريس (عليهما السلام)، وكانت ألف سنة، وإنّ بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صِباحاً وفي النساء دمامة وكان نساء السهل صِباحاً وفي الرجال دمامة، وإنّ إبليس أتى رجلاً من أهل السهل في صورة غلام، فآجَرَ نفسه منه، فكان يخدمه، واتّخذ إبليس شيئاً مثل الذي يزمر فيه الرّعاء، فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله فبلغ ذلك مَن حولهم، فانتابوه يستمعون إليه، واتّخذوا عيداً يجتمعون إليه في السنة، فتتبرّج النساء للرجال وتتزيّن الرجال لهنّ، وإنّ رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحوّلوا إليهم فنزلوا معهم، فظهرت الفاحشة فيهنّ. فهو قول الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّة}. وقال قتادة: هي ما قبل الإسلام {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ} الإثم الذي نهى الله النساء عنه. قاله مقاتل. وقال قتادة: يعني السوء. وقال ابن زيد: يعني الشيطان. {أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} يعني يا أهل بيت محمّد {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} من نجاسات الجاهلية. وقال مجاهد (الرِّجْسَ) الشكّ (وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً) من الشرك. واختلفوا في المعنيّ بقوله سبحانه {أَهْلَ الْبَيْتِ} فقال قوم: عنى به أزواج النبي (عليه السلام) خاصّة، وإنّما ذَكّرَ الخطاب لأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان فيهم وإذا اجتمع المذكّر والمؤنّث غُلبَ المذكّر. أخبرنا عبد الله بن حامد، عن محمّد بن جعفر، عن الحسن بن علي بن عفّان قال: أخبرني أبو يحيى، عن صالح بن موسى عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: أُنزلت هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} الآية في نساء النبيّ صلّى الله عليه. قال: وتلا عبدالله: {وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ} [الأحزاب: 34]. وأخبرنا عبد الله بن حامد، عن أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، عن أحمد بن نجدة عن الحماني عن ابن المبارك عن الأصبغ بن علقمة. وأنبأني عقيل بن محمد قال: أخبرني المعافى ابن زكريا عن محمّد بن جرير قال: أخبرني [ابن] حميد عن يحيى بن واضح عن الأصبغ بن علقمة، عن عكرمة في قول الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} قال: ليس الذي تذهبون إليه، إنّما هو في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصّة. قال: وكان عكرمة ينادي بهذا في السوق. وإلى هذا ذهب مقاتل قال: يعني نساء النبي صلّى الله عليه كلّهن ليس معهنّ رجل. أقوال المفسِّرين والعلماء باختصاصها بأصحاب الكساء * قال أبو بكر النقّاش في تفسيره: أجمع أكثر أهل التّفسير أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم (جواهر العقدين: الباب الأول، وتفسير آية المودّة: 112). * وقال سيدي محمّد بن أحمد بنيس في شرح همزيّة البوصيري: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} أكثر المفسِّرين أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين رضي الله عنهم (لوامع أنوار الكوكب الدرّي: 2/ 86). * وقال العلاّمة سيدي محمّد جسوس في شرح الشمائل: "... ثمّ جاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معهم، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله ثمّ قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} وفي ذلك إشارة إلى أنّهم المراد بأهل البيت في الآية" (شرح الشمائل المحمدية: 1 / 107 ذيل باب ما جاء في لباس رسول الله). * وقال السمهودي: وقالت فرقة، منهم الكلبيّ: هم عليّ وفاطمة والحسن الحسين خاصّة، للأحاديث المتقدمة (جواهر العقدين: 198 الباب الأول). * وقال الطّحاوي في مشكل الآثار بعد ذكر أحاديث الكساء: فدلّ ما روينا في هذه الآثار ممّا كان من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أمّ سلمة ممّا ذكرنا فيها، لم يرد أنّها كانت ممّا اريد به ممّا في الآية المتلوّة في هذا الباب، وأنّ المراد بما فيها هم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين دون ما سواهم (مشكل الآثار: 1 / 230ح 782 باب 106 ما روي عن النبيّ في الآية). وقال بعد ذكر أحاديث تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم الآية على باب فاطمة: في هذا أيضاً دليل على أنّ هذه فيهم (مشكل الآثار: 1 231ح 785 باب 106 ما روي عن النبيّ في الآية). * وقال الفخر الرازي: وأنا أقول: آل محمّد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم بالنّقل المتواتر ؛ فوجب أن يكونوا هم الآل. أيضاً اختلف النّاس في الآل، فقيل: هم الأقارب، وقيل: هم امّته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمّة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل؛ فثبت أنّ على جميع التقديرات هم الآل، وأمّا غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟ فمختلف فيه، وروى صاحب الكشاف أنّه لمّا نزلت هذه الآية [المودّة] قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : عليّ وفاطمة وابناهما"تفسير : ، فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التّعظيم ويدلّ عليه وجوه..) الخ (تفسير الفخر الرازي:27 / 166 مورد آية المودّة (23) من سورة الشورى). * وقال في موضع آخر: واختلفت الأقوال في أهل البيت، والأولى أن يقال: هم أولاده وأزواجه والحسن والحسين منهم وعليّ منهم ؛ لأنّه كان من أهل بيته بسبب معاشرته بنت النبيّ وملازمته للنبيّ صلى الله عليه وسلم (تفسير الفخر الرازي:25 / 209 ). * وقال أبو بكر الحضرمي في رشفة الصادي: (والذي قال به الجماهير من العلماء، وقطع به أكابر الأئمّة، وقامت به البراهين وتظافرت به الأدلّة أنّ أهل البيت المرادين في الآية هم سيّدنا عليّ وفاطمة وابناهما... وما كان تخصيصهم بذلك منه صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ عن أمر إلهيّ ووحي سماويّ... والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وبما أوردته منها يعلم قطعاً أنّ المراد بأهل البيت في الآية هم عليّ وفاطمة وابناهما رضوان الله عليهم، ولا التفات إلى ما ذكره صاحب روح البيان من أنّ تخصيص الخمسة المذكورين عليهم السلام بكونهم أهل البيت من أقوال الشيعة، لأنّ ذلك محض تهوّر يقتضي بالعجب، وبما سبق من الأحاديث وما في كتب أهل السنّة السنيّة يسفر الصبح لذي عينين إلى أن يقول وقد أجمعت الأُمّة على ذلك فلا حاجة لإطالة الاستدلال له) (رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبيّ الهادي: 13 - 14 - 16 ط. مصر و23 و40 ط. بيروت - الباب الأول - ذكر تفضيلهم بما أنزل الله في حقّهم من الآيات). * وقال ابن حجر: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} [الأحزاب: 33] أكثر المفسّرين على أنها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين (الصواعق المحرقة: 143 ط. مصر، وط. بيروت: 220 الباب الحادي عشر، في الآيات الواردة فيهم، الآية الاولى). * وقال في موضع آخر بعد تصحيح الصلاة على الآل:.. فالمراد بأهل البيت فيها وفي كلّ ما جاء في فضلهم أو فضل الآل أو ذوي القربى جميع آله صلى الله عليه وسلم وهم مؤمنو بني هاشم والمطّلب، وبه يعلم أنّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك كلّه (مراده الروايات التي حذفت الآل كما في الصحيحين، والروايات التي اثبتت الآل) فحفظ بعض الرواة مالم يحفظه الآخر، ثمّ عَطْف الأزواج والذرّيّة على الآل في كثير من الروايات يقتضي أنّهما ليسا من الآل، وهو واضح في الأزواج بناءً على الأصحّ في الآل أنّهم مؤمنو بني هاشم والمطّلب، وأمّا الذرّيّة فمن الآل على سائر الأقوال، فذكرهم بعد الآل للإشارة إلى عظيم شرفهم (الصواعق المحرقة: 146 ط. مصر و224 - 225 ط. بيروت، باب 11، الآيات النازلة فيهم - الآية الثانية). * وقال النووي في شرح صحيح مسلم: وأمّا قوله في الرواية الاخرى: " نساؤه مِن أهل البيت ولكن أهل بيته من حرم الصدقة ". قال: وفي الرواية الاخرى: "فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه ؟ قال: لا". فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض، والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنّه قال: "نساؤه لسن من أهل بيته"، فَتُتَأول الرواية الاولى على أنّ المراد أنهنّ من أهل بيته الذين يسكنونه ويعولهم... ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة (صحيح مسلم بشرح النووي: 15 / 175ح 6175 كتاب الفضائل فضائل عليّ). * وقال السمهودي: وحكى النووي في شرح المهذّب وجهاً آخر لأصحابنا: أنّهم عترته الذين ينسبون إليه صلى الله عليه وسلم قال: وهم أولاد فاطمة ونسلهم أبداً، حكاه الأزهري وآخرون عنه. انتهى. وحكاه بعضهم بزيادة أدخل الأزواج (جواهر العقدين: 211 الباب الأول، وبهامشه: شرح المهذب: 3 / 448). * وقال الإمام مجد الدين الفيروز آبادي: المسألة العاشرة: هل يدخل في مثل هذا الخطاب (الصلاة على النبيّ) النّساء ؟ ذهب جمهور الأُصوليين أنّهنّ لا يدخلن، ونصّ عليه الشافعي، انتُقد عليه، وخطىء المنتقد (الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر: 32 الباب الأول). * وقال الملاّ عليّ القاري: الأصحّ أنّ فضل أبنائهم على ترتيب فضل آبائهم إلاّ أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها فإنّهم يفضّلون على أولاد أبي بكر وعمر وعثمان؛ لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فهم العترة الطاهرة والذرّيّة الطيّبة الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا (شرح كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة: 210 مسألة في تفضيل أولاد الصحابة). * وقال السمهودي بعد ذكر الأحاديث في إقامة النبيّ آله مقام نفسه وذكر آية المباهلة وأنّها فيهم: وهؤلاء هم أهل الكساء، فهم المراد من الآيتين (المباهلة والتطهير) (جواهر العقدين: 204 الباب الأول). * وقال الحمزاوي: واستدلّ القائل على عدم العموم بما روي من طرق صحيحة: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين.." وذكر أحاديث الكساء، إلى أن قال: ويحتمل أنّ التّخصيص بالكساء لهؤلاء الأربع لأمر إلهيّ يدلّ له حديث أمّ سلمة، قالت: "فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي" (مشارق الأنوار للحمزاوي: 113 الفصل الخامس من الباب الثالث - فضل أهل البيت). وقال القسطلاني: ان الراجح أنّهم من حرمت عليهم الصدقة، كما نص عليه الشافعي واختاره الجمهور ويؤيده قوله صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن عليّ: إنّا آل محمّد لا تحل لنا الصدقة، وقيل المراد بآل محمّد أزواجه وذرّيّته. ثمّ ذكر بعد ذلك كلام ابن عطيّة فقال: الجمهور على أنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين وحجتهم (عنكم ويطهِّركم) بالميم (المواهب اللدنية: 2 / 517 - 529 الفصل الثاني من المقصد السابع). * وقال أبو منصور ابن عساكر الشافعي: بعد ذكر قول أُمّ سلمة: "وأهل البيت رسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين" هذا حديث صحيح... والآية نزلت خاصّة في هؤلاء المذكورين (كتاب الأربعين في مناقب أمّهات المؤمنين: 106 ح 36 ذكر ما ورد في فضلهنّ جميعاً). * وقال ابن بلبان (المتوفى 739 هـ ) في ترتيب صحيح ابن حبّان: ذكر الخبر المصرّح بأنّ هؤلاء الأربع الذين تقدّم ذكرنا لهم هم أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم ثمّ ذكر حديث نزول الآية فيهم عن واثلة (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان: 9 / 61 ح 6937 كتاب المناقب، ويأتي الحديث بتمامه). * وقال ابن الصبّاغ من فصوله: أهل البيت على ما ذكر المفسِّرون في تفسير آية المباهلة، وعلى ما روي عن أُمّ سلمة: هم النبيّ صلى الله عليه وسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (مقدّمة المؤلف: 22). * وقال الحاكم النيسابوري بعد حديث الكساء والصلاة على الآل وأنّه فيهم: إنّما خرّجته ليعلم المستفيد أنّ أهل البيت والآل جميعاً هم (المستدرك: 3 / 148 كتاب المعرفة - ذكر مناقب أهل البيت (عليهم السلام)). وقال الحافظ الكنجي: الصحيح أنّ أهل البيت عليّ وفاطمة والحسنان (كفاية الطالب:54 الباب الأول). وقال القندوزي في ينابيعه: أكثر المفسِّرين على أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين لتذكير ضمير عنكم ويطهِّركم (ينابيع المودّة: 1 / 294 ط. اسلامبول 1301 هـ و352 ط. النجف، باب 59 الفصل الرابع). * وقال محبّ الدّين الطبري: باب في بيان أنّ فاطمة والحسن والحسين هم أهل البيت المشار إليهم في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} وتجليله صلى الله عليه وسلم إيّاهم بكساء ودعائه لهم (ذخائر العقبى: 21). * وقال السخاوي في القول البديع في بيان صيغة الصلاة في التشهّد: فالمرجع أنّهم من حرمت عليهم الصدقة، وذكر أنّه اختيار الجمهور ونصّ الشافعي، وأنّ مذهب أحمد أنّهم أهل البيت، وقيل: المراد أزواجه وذرّيّته... (عن هامش الصواعق المحرقة لعبد الوهاب عبد اللطيف: 146 ط. مصر 1385 هـ ). * وقال القاسمي: ولكن هل أزواجه من أهل بيته ؟ على قولين هما روايتان عن أحمد: أحدهما أنّهنّ لسن من أهل البيت، ويروى هذا عن زيد بن أرقم (تفسير القاسمي المسمّى محاسن التأويل: 13 / 4854 مورد الآية ط. مصر = عيسى الحلبي). * وقال الآلوسي: وأنت تعلم أنّ ظاهر ما صحّ من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّي تارك فيكم خليفتين وفي رواية ثقلين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ".تفسير : يقتضي أنّ النّساء المطهَّرات غير داخلات في أهل البيت الذين هم أحد الثّقلين (تفسير روح المعاني: 12 / 24 مورد الآية). * وقال الشاعر الحسن بن عليّ بن جابر الهبل في ديوانه: آل النّبيّ همُ أتباع ملّته من مؤمني رهطه الأدنون في النّسبِهذا مقال ابن إدريس الذي روت ال أعلام عنه فمِل عن منهج الكذبِوعندنا أنّهم أبناء فاطمة وهو الصحيح بلا شكّ ولا ريب.( جناية الأكوع: 28) وقال الحافظ البدخشاني: وآل العباء عبارة عن هؤلاء لأنّه صحّ عن عائشة وأُمّ سلمة وغيرهما بروايات كثيرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جلّل هؤلاء الأربعة بكساء كان عليه، ثمّ قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. * وقال توفيق أبو علم: فالرأي عندي أنّ أهل البيت هم أهل الكساء: عليّ وفاطمة والحسن والحسين ومن خرج من سلالة الزهراء وأبي الحسنين رضي الله عنهم أجمعين (أهل البيت: 92 ذيل الباب الأول، و: 8 - المقدّمة). وقال في موضع الردّ على عبد العزيز البخاري: أمّا قوله: إنّ آية التطهير المقصود منها الأزواج، فقد أوضحنا بما لا مزيد عليه أنّ المقصود من أهل البيت هم العترة الطاهرة لا الأزواج (أهل البيت: 35 الباب الأول). * وقال: وأمّا ما يتمسك به الفريق الاعم والاكبر من المفسّرين فيتجلى فيما روي عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : نزلت هذه الآية في خمسة فيّ وفي عليّ وحسن وحسين وفاطمة "تفسير : (أهل البيت: 13 - الباب الأول). * وقال الشوكاني في إرشاد الفحول في الردّ على من قال أنّها مختصة بالنّساء: ويجاب عن هذا بأنّه قد ورد بالدليل الصحيح أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الاصول: 83 البحث الثامن من المقصد الثالث، وأهل البيت لتوفيق أبو علم: 36 - الباب الأول). * وقال أحمد بن محمّد الشامي: وقد أجمعت امّهات كتب السنّة وجميع كتب الشيعة على أنّ المراد بأهل البيت في آية التطهير النبيّ صلى الله عليه وسلم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ؛ لأنّهم الذين فسرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المراد بأهل البيت في الآية، وكلّ قول يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعيد أو قريب مضروبٌ به عرض الحائط، وتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من تفسير غيره ؛ إذ لا أحد أعرف منه بمراد ربّه (جناية الأكوع: 125الفصل السادس). * وقال الشيخ الشبلنجي: هذا ويشهد للقول بأنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين ما وقع منه صلى الله عليه وسلم حين أراد المباهلة، هو ووفد نجران كما ذكره المفسِّرون (نور الأبصار: 122 ط. الهند و 223 ط. قم، الباب الثاني - مناقب الحسن والحسين). * وقال الشيخ السندي في كتابه (دراسات اللبيب في الاسوة الحسنة بالحبيب): وهذا التحقيق في تفسير (أهل البيت) يعيّن المراد منهم في آية التطهير ؛ مع نصوص كثيرة من الأحاديث الصحاح المنادية على أنّ المراد منهم الخمسة الطاهرة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ؛ ولنا وريقات في تحقيق ذلك مجلّد في دفترنا يجب على طالب الحقّ الرجوع إليه (عنه عبقات الأنوار: 1 / 350ط. قم، و911 ط. إصبهان قسم حديث الثّقلين). * وقال الرفاعي: وقيل عليّ وفاطمة وابناهما، وهو المعتمد الذي عليه جمهور العلماء (المشرع الروي: 1 / 17). وقال الدكتور عبّاس العقاد: واختلف المفسرون فيمن هم أهل البيت: أمّا الفخر الرازي في تفسيره ( 6 / 783)، والزمخشري في كشافه، والقرطبي في تفسيره، وفتح القدير للشوكاني، والطبري في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور ( 5 / 169)، وابن حجر العسقلاني في الاصابة ( 4 / 407)، والحاكم في المستدرك،والذّهبي في تلخيصه ( 3 / 146)، والإمام أحمد في الجزء الثالث صفحة: ؛ فقد قالوا جميعاً: إنّ أهل البيت هم عليّ والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين رضي الله عنهم. وأخذ بذكر الأدلة. (فاطمة الزهراء للعقاد: 70 ط. مصر دار المعارف الطبعة الثالثة.). وقال آخرون: عنى به رسول الله صلّى الله عليه وسلم علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم. وأخبرني عقيل بن محمّد الجرجاني عن المعافى بن زكريا البغدادي، عن محمّد بن جرير، حدّثني بن المثنى عن بكر بن يحيى بن ريان الغبري، عن مسدل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نزلت هذه الآية فيَّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} ". تفسير : وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن أبي عبد الله بن نمير، عن عبد الملك يعني ابن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، حدّثني من سمع أُمّ سلمة تذكر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي زوجكِ وابنَيْكِ، قالت: فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أُصلّي فأنزل الله تعالى هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. قالت: فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنّك إلى خير، إنَّكِ إلى خير. وأخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله الثقفي، عن عمر بن الخطّاب، عن عبد الله بن الفضل، عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون، عن العوّام بن حوشب، "حديث : حدّثني ابن عمّ لي من بني الحرث بن تيم الله يقال له: (مجمع)، قال: دخلت مع أُمّي على عائشة، فسألَتها أُمّي، فقالت: أرأيت خروجك يوم الجمل؟ قالت: إنّه كان قدراً من الله سبحانه، فسألتها عن علي، فقالت: تسأليني عن أحبّ النّاس كان إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وزوج أحبّ الناس كان إلى رسول الله، لقد رأيت عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم بثوب عليهم ثمّ قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. قالت: فقلت: يا رسول الله أنا مِن أهلك؟ قال: تنحّي فإنّكِ إلى خير ". تفسير : وأخبرني الحسين بن محمّد عن أبي حبيش المقرئ قال: أخبرني أبو القاسم المقرئ قال: أخبرني أبو زرعة، حدّثني عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، أخبرني ابن أبي فديك حدّثني ابن أبي مليكة عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر الطيّار عن أبيه، قال: لمّا نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة هابطة من السماء قال: من يدعو؟ مرّتين، فقالت زينب: أنا يارسول الله، فقال: أُدعي لي عليّاً وفاطمة والحسن والحسين. قال: فجعل حسناً عن يمناه وحسيناً عن يسراه وعليّاً وفاطمة وجاهه ثمّ غشاهم كساءً خيبريّاً. ثمّ قال: اللّهم لكلّ نبيّ أهل، وهؤلاء أهلي، فأنزل الله عزّ وجلّ:{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} الآية. فقالت زينب: يا رسول الله ألا أدخل معكم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه: "حديث : مكانكِ فإنّكِ إلى خير إن شاء الله ". تفسير : وأخبرني الحسين بن محمد عن عمر بن الخطّاب عن عبد الله بن الفضل قال: أخبرني أبو بكر بن أبي شيبة عن محمّد بن مصعب عن الأوزاعي، عن عبد الله بن أبي عمّار قال: دخلت على وائلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليّاً فشتموه فشتمته، فلمّا قاموا قال لي: أشتمت هذا الرجل؟ قلت: قد رأيت القوم قد شتموه فشتمته معهم. فقال: ألا أخبرك ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة أسألها عن علي فقالت: توجّه إلى رسول الله صلّى الله عليه فجلست فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي والحسن والحسين كلّ واحد منهما آخذ بيده حتى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفَّ عليهم ثوبه أو قال كساءه، ثمّ تلا هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} ثمّ قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحقّ. وقيل: هم بنو هاشم. أخبرني ابن فنجويه عن ابن حبيش المقرئ عن محمّد بن عمران قال: حدّثنا أبو كريب قال: أخبرني وكيع عن أبيه عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أُنشدكم الله في أهل بيتي مرّتين، قلنا لزيد بن أرقم ومَنْ أهل بيته؟ قال: الذين يحرمون الصدقة آل علي وآل عبّاس وآل عقيل وآل جعفر. وأخبرني أبو عبد الله، قال: أخبرني أبو سعيد أحمد بن علي بن عمر بن حبيش الرازي عن أحمد بن عبد الرحمن الشبلي أبو عبد الرحمن قال: أخبرني أبو كريب عن معاوية بن هشام عن يونس بن أبي إسحاق عن نفيع أبي داود عن أبي الحمراء قال: أقمت بالمدينة تسعة أشهر كيوم واحد، وكان رسول الله صلّى الله عليه يجيء كلّ غداة فيقوم على باب علي وفاطمة فيقول الصلاة {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}. وأخبرني أبو عبدالله، حدّثني عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، عن محمّد بن إبراهيم ابن زياد الرازي، عن الحرث بن عبد الله الخازن، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن عباية ابن الربعي، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قسّم الله الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ} [الواقعة: 27] فأنا خير أصحاب اليمين ". تفسير : ثمّ جعل القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله: {أية : فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ}تفسير : [الواقعة: 8 - 10] [فأنا من السابقين وأنا من خير السابقين] ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة فذلك قوله: {أية : وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ}تفسير : [الحجرات: 13] الآية، وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر. ثمّ جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً فذلك قوله:{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ..} [الأحزاب: 33] الزمنها ولا تُكثِرْن الخروج منها، وهذا أدب للنساء عامة؛ لأن المرأة إذا شغلتْ نفسها بعمل المطلوب منها في بيتها وفي خدمة زوجها وأولادها ومصالحهم لما اتسع الوقت للخروج؛ لذلك كثيراً ما يعود الزوج، فيجد زوجته مُنهمِكة في أعمال البيت، وربما ضاق هو نفسه بذلك؛ لأنه لا يجدها متفرغة له. إذن: المرأة المفلسة في بيتها هي التي تُكثِر الخروج، وتقضي مصالح بيتها من خارج البيت، ولو أنها تعلمتْ الصناعات البسيطة لَقضَتْ مصالح بيتها، ووفَّرتْ على زوجها، وقد حكوا لنا عن النساء في دمياط مثلاً، كيف أن المرأة هناك تعمل كل شيء وتساعد زوجها، حتى أن البنت تتعلم حرفة، ولا ترهق أباها عند زواجها، بل وتوفر من المال ما يساعد زوجها بعد أن تتزوج. وقوله تعالى: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ ..} [الأحزاب: 33] كلمة التبرج من البُرْج، وهو الحصن، ومعنى تبرَّج أي: خرج من البرج وبرز منه، والمعنى: لا تخرجن من حصن التستر، ولا تبدين الزينة والمحاسن الواجب سَتْرُها. وقال {تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ ..} [الأحزاب: 33] أي: ما كان من التبرج قبل الإسلام، وكانت المرأة - ونعني بها الأَمَة لا الحرة - تبدي مفاتن جسمها، بل وتظهر شبه عارية، وكُنَّ لا يجدْنَ غضاضة في ذلك، وقد رأينا مثل هذا مثلاً في إفريقيا. أما الحرائر في الجاهلية، فكانت لهُنَّ كرامة وعِفّة، في حين كانت تُقام للإماء أماكن خاصة للدعارة والعياذ بالله؛ لذلك لما أخذ رسول الله العهد على النساء المؤمنات ألاَّ يَزْنين قالت امرأة أبي سفيان: أو تزني الحرة يا رسول الله؟ يعني: هذا شيء مستنكف من الحرة، حتى في الجاهلية. ومن معاني البرج: الاتساع، فيكون المعنى: لا تُوسِّعْنَ دائرة التبرج التي حددها الشرع، وهي الوجه والكفان. وفي موضع آخر، قال تعالى: {أية : وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ..} تفسير : [النور: 60]. وتعجب من المرأة تبلغ الخمسين والستين، ثم تراها تضع الأحمر والأبيض، ولا تخجل من تجاعيد وجهها، ولا تحترم السنَّ التي بلغتْها. ثم يقول سبحانه: {وَأَقِمْنَ ٱلصَّلاَةَ وَآتِينَ ٱلزَّكَـاةَ ..} [الأحزاب: 33] كثيراً ما قرن القرآن بين الصلاة والزكاة، وبدأ بالصلاة؛ لأنها عمدة التكاليف كلها، وإنْ كنتَ في الزكاة تنفق بعض المال، والمال فرع العمل، والعمل فرع الزمن، فأنت في الصلاة تنفق الزمن نفسه وتضحي به، فكأنك في الصلاة تنفق نسبة سبعة وتسعين ونصف بالمائة، فضلاً عن الاثنين ونصف نسبة الزكاة. كما يُفهم من إيتاء الزكاة هنا أن للمرأة ذمتها المالية الخاصة المستقلة عن ذمة الغير من أب أو زوج أو غيره، بدليل أن الله كلفها بإيتاء الزكاة، لكن الحضارة الحديثة جعلتْ مال المرأة قبل الزواج للأب، وبعد الزواج للزوج، ثم سلبتْ المرأة نسبتها إلى أبيها، ونسبتها بعد الزواج لزوجها. وهذه المسألة أشدُّ على المرأة من سَلْبها المال؛ لأن نسبتها لزوجها طمْسٌ وتَعَدٍّ على هُويتها، وانظر مثلاً إلى السيدة عائشة، فما زلنا حتى الآن نقول "عائشة بنت أبي بكر" ولم يقل أحد انها عائشة امرأة محمد. ثم يقول تعالى: {وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ..} [الأحزاب: 33] لأن المسألة لا تقتصر على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إنما هناك أمور أخرى كثيرة تحتاج طاعة الله وطاعة رسول الله. ونلحظ هنا أن الآية عطفت رسول الله على ربه تعالى، وجاء الأمر واحداً {وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ..} [الأحزاب: 33] وحين نستقرىء هذا الأمر في القرآن الكريم نجده مرة يُكرِّر الفعل، فيقول: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..} تفسير : [التغابن: 12]. ومرة: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ..} تفسير : [آل عمران: 132]. ومرة يقول تعالى: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ ..} تفسير : [النساء: 59]. وهذه الصيغ، لكلٍّ منها مدلول ومعنى، فساعةَ يقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، كأن لله في الأمر طاعةً في الإجمال، وللرسول طاعة في التفصيل، فالحق سبحانه أمر بالصلاة وأمر بالزكاة أَمْرَ إجمال، ثم بيَّن الرسول ذلك وفصَّل هذا الإجمال، فقال: "حديث : صَلُّوا كما رأيتموني أصلي" تفسير : وقال: "حديث : خُذُوا عنِّي مناسككم ". تفسير : إذن: تكرر الفعل هنا؛ لأن لله طاعةً في إجمال الحكم، وللرسول طاعة في تفصيله، فإنْ جعل الفعل واحداً {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ..} تفسير : [آل عمران: 132] فهذا يعني توارد أمر الله تعالى مع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالطاعة إذن واحدة، وهَبْ أن الله تعالى له فِعْل، ورسوله له فِعْل، فلا يفصل أحدهما عن الآخر، بدليل قوله تعالى: {أية : وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ..} تفسير : [التوبة: 74]. فلم يَقُلْ: وأغناهم رسوله حتى يقول قائل: كل منهما يُغْنى بقدرة، انما جاء الفعل واحداً {أية : أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ ..} تفسير : [التوبة: 74]. واقرأ أيضاً قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة: 62] ولم يقل: يرضوهما. أما قوله تعالى: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ ..} تفسير : [النساء: 59] فلم يُكرِّر الأمر بالطاعة مع أولي الأمر؛ لأنه لا طاعة لوليِّ الأمر إلا من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله. ثم يقول سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} [الأحزاب: 33] الرجس بالسِّين هو الرِّجز بالزاي، وهو القذارة، سواء أكانت حسية كالميتة مثلاً، وكالخمر، أو معنوية كالآثام والذنوب، وقد جمعتْها الآية: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [المائدة: 90] وقد يُراد بالرجس: النفاق والمرض. وكلمة (أهل) تُقال: لعشيرة الرجل، لكنها تُطلَق في عُرْف الاستعمال على امرأته، ومن بقية الاصطلاحات لهذا المعنى ما نقوله الآن حين نذهب لزيارة صديق مثلاً فنقول: معي الأهل أو الجماعة، والبعض يقول: معي الأولاد، ونقصد بذلك الزوجة، لماذا؟ قالوا: لأن أمر المرأة مبنيٌّ على الستر، فإذا كان اسمها مبنياً على الستر، فكذلك معظم تكليفاتها مبنية على الستر في الرجل، ونادراً ما يأتي الحكم خاصاً بها. لذلك، السيدة أسماء بنت عميس زوجة سيدنا جعفر بن أبي طالب، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة، فلما عادت سألتْ: أنزلَ شيء من أمر المرأة في غَيْبَتي؟ فقالوا لها: لم ينزل شيء، فذهبت إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، ما أعظم خيبتنا وخسارتنا، فليس لنا في الأحكام شيء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكن مستورات في الرجال". ومع ذلك نزل القرآن الكريم بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} تفسير : [الأحزاب: 35]. وتلحظ في هذه الآية أيضاً {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} [الأحزاب: 33] أنها تتحدث عن النساء، لكنها تراعي مسألة سَتْر المرأة فتعود إلى ضمير الذكور {لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ..} [الأحزاب: 33] ولم تقُلْ عنكُنَّ، كذلك في {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} [الأحزاب: 33] ويصحّ أنه يريد أهلَ البيت جميعاً رجالاً ونساءً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} يعني إِلزمنَّ بِيوتَكُنَّ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} التَّبرجُ: إِظهارُ الزِّينةِ والمَحاسنِ، وإبرازُهَا. والجَاهليةُ الأَولى: ما بينَ إِدريس ونوح عليهما السَّلامُ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 777 : 4 : 5 - {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} بكيت حتى أبل خماري. [الآية 33].
همام الصنعاني
تفسير : 2340- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن أبي نجيجٍ، عن مجاهد، في قوله: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ}: [الآية: 33]، قال: كانت المرأة تتمشَّى بين الرجال، فذلك تبرج الجاهلية. 2341- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: أنَّ العالية بنت ظبيان التي طَلَّق النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت، وكان يُقالُ لها: أُمّ المساكين، فتزوجت قَبْلَ أنْ يحرم عَلَى النَّاسِ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):