Verse. 3568 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

اِنَّ الْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمٰتِ وَالْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنٰتِ وَالْقٰنِتِيْنَ وَالْقٰنِتٰتِ وَالصّٰدِقِيْنَ وَالصّٰدِقٰتِ وَالصّٰبِرِيْنَ وَالصّٰبِرٰتِ وَالْخٰشِعِيْنَ وَالْخٰشِعٰتِ وَالْمُتَصَدِّقِيْنَ وَ الْمُتَصَدِّقٰتِ وَالصَّاۗىِٕـمِيْنَ وَالصّٰۗىِٕمٰتِ وَالْحٰفِظِيْنَ فُرُوْجَہُمْ وَالْحٰفِظٰتِ وَالذّٰكِرِيْنَ اللہَ كَثِيْرًا وَّ الذّٰكِرٰتِ۝۰ۙ اَعَدَّ اللہُ لَہُمْ مَّغْفِرَۃً وَّاَجْرًا عَظِيْمًا۝۳۵
Inna almuslimeena waalmuslimati waalmumineena waalmuminati waalqaniteena waalqanitati waalssadiqeena waalssadiqati waalssabireena waalssabirati waalkhashiAAeena waalkhashiAAati waalmutasaddiqeena waalmutasaddiqati waalssaimeena waalssaimati waalhafitheena furoojahum waalhafithati waalththakireena Allaha katheeran waalththakirati aAAadda Allahu lahum maghfiratan waajran AAatheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات» المطيعات «والصادقين والصادقات» في الإيمان «والصابرين والصابرات» على الطاعات «والخاشعين» المتواضعين «والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات» عن الحرام «والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة» للمعاصي «وأجرا عظيما» على الطاعات.

35

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } لما أمرهن ونهاهن وبين ما يكون لهن وذكر لهن عشر مراتب الأولى: الإسلام والانقياد لأمر الله والثانية: الإيمان بما يرد به أمر الله، فإن المكلف أولاً يقول كل ما يقوله أقبله فهذا إسلام، فإذا قال الله شيئاً وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده فهو إيمان ثم اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة: المذكورة بقوله: {وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ } ثم إذا آمن وعمل صالحاً كمل فيكمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله: {وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ } ثم إن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال تعالى: {وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرٰتِ } ثم إنه إذا كمل وكمل قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله: {وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ } أو نقول لما ذكر هذه الحسنات أشار إلى ما يمنع منها وهو إما حب الجاه أو حب المال من الأمور الخارجية أو الشهوة من الأمور الداخلة، والغضب منهما يكون لأنه يكون بسبب نقص جاه أو فوت مال أو منع من أمر مشتى فقوله: {وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ } أي المتواضعين الذين لا يميلهم الجاه عن العبادة، ثم قال تعالى: {وَٱلْمُتَصَدّقِينَ وَٱلْمُتَصَدّقَـٰتِ } أي الباذلين الأموال الذين لا يكنزونها لشدة محبتهم إياها. ثم قال تعالى: {وٱلصَّـٰئِمِينَ وٱلصَّـٰئِمَـٰتِ } إشارة إلى الذين لا تمنعهم الشهوة البطنية من عبادة الله. ثم قال تعالى: {وَٱلْحَـٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَـٰفِـظَـٰتِ } أي الذين لا تمنعهم الشهوة الفرجية. ثم قال تعالى: {والذاكرين ٱللَّهَ كَثِيراً والذاكرات } يعني هم في جميع هذه الأحوال يذكرون الله ويكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصبرهم وخشوعهم وصدقتهم وصومهم بنية صادقة لله، واعلم أن الله تعالى في أكثر المواضع حيث ذكر الذكر قرنه بالكثرة ههنا، وفي قوله بعد هذا { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } تفسير : [الأحزاب: 41] وقال من قبل: { أية : لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً } تفسير : [الأحزاب: 21] لأن الإكثار من الأفعال البدنية غير ممكن أو عسر فإن الإنسان أكله وشربه وتحصيل مأكوله ومشروبه يمنعه من أن يشتغل دائماً بالصلاة ولكن لا مانع له من أن يذكر الله تعالى وهو آكل ويذكره وهو شارب أو ماش أو بائع أو شار، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 191] ولأن جميع الأعمال صحتها بذكر الله تعالى وهي النية. ثم قال تعالى: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً } تمحو ذنوبهم وقوله: {وَأَجْراً عَظِيماً } ذكرناه فيما تقدم.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: روى الترمذي عن أمّ عُمارة الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء! فنزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} الآية. هذا حديث حسن غريب. و«الْمُسْلِمِينَ» اسم «إنّ». «وَالْمُسْلِمَاتِ» عطف عليه. ويجوز رفعهن عند البصريين، فأما الفرّاء فلا يجوز عنده إلا فيما لا يتبين فيه الإعراب. الثانية: بدأ تعالى في هذه الآية بذكر الإسلام الذي يعمّ الإيمان وعمل الجوارح، ثم ذكر الإيمان تخصيصاً له وتنبيهاً على أنه عُظْم الإسلام ودِعامته. والقانت: العابد المطيع. والصادق: معناه فيما عُوهِدَ عليه أن يفي به. والصابر عن الشهوات وعلى الطاعات في المَكْره والمَنْشَط. والخاشع: الخائف لله. والمتصدّق بالفرض والنفل. وقيل: بالفرض خاصّة؛ والأوّل أمدح. والصائم كذلك. {وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ} أي عما لا يحلّ من الزنى وغيره. وفي قوله: {وَٱلْحَافِـظَاتِ} حذف يدل عليه المتقدّم، تقديره: والحافظاتها، فاكتفى بما تقدّم. وفي {وَٱلذَّاكِرَاتِ} أيضاً مثله، ونظيره قول الشاعر:شعر : وكُمْتاً مُدَمّاة كأن متونها جرى فوقها واستشعرتْ لَوْنُ مُذْهَبِ تفسير : وروى سيبويه: «لَوْنَ مُذْهَبِ» بالنصب. وإنما يجوز الرفع على حذف الهاء، كأنه قال: واستشعرته؛ فيمن رفع لوناً. والذاكر قيل في أدبار الصلوات وغُدُوًّا وعَشِيًّا، وفي المضاجع وعند الانتباه من النوم. وقد تقدّم هذا كله مفصلاً في مواضعه، وما يترتب عليه من الفوائد والأحكام، فأغنى عن الإعادة. والحمد للَّهِ رب العالمين. قال مجاهد: لا يكون ذاكراً للَّهِ تعالى كثيراً حتى يذكره قائماً وجالساً ومضطجعاً. وقال أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه: من أيقظ أهله بالليل وصلّيَا أربع ركعات كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا عفان: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عثمان بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن شيبة قال: سمعت أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم مالنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه ذات يوم إِلا ونداؤه على المنبر، وأنا أسرح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إِلى حجرتي حجرة بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإِذا هو يقول عند المنبر: «حديث : يا أيها الناس إِن الله تعالى يقول: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ}» تفسير : إِلى آخر الآية، وهكذا رواه النسائي وابن جرير من حديث عبد الواحد بن زياد به مثله. (طريق أخرى عنها) قال النسائي أيضاً: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا سويد، أخبرنا عبد الله بن شريك عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يانبي الله مالي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرن؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة: أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أيذكر الرجال في كل شيء ولا نذكر؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} الآية. (طريق أخرى) قال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم سلمة رضي الله عنها: يارسول الله يذكر الرجال ولانذكر، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} الآية. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا سيار بن مظاهر العنزي، حدثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النساء للنبي صلى الله عليه وسلم ماله يذكر المؤمنين ولايذكر المؤمنات؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} الآية، وحدثنا بشر حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقلن: قد ذكركن الله تعالى في القرآن، ولم نذكر بشيء، أما فينا ما يذكر؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} الآية، فقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخص منه؛ لقوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات: 14]. وفي "الصحيحين": «حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» تفسير : فيسلبه الإيمان، ولايلزم من ذلك كفره بإِجماع المسلمين، فدل على أنه أخص منه كما قررناه أولاً في شرح البخاري. وقوله تعالى: {وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ} القنوت: هو الطاعة في سكون؛ {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} تفسير : [الزمر: 9] وقال تعالى: {أية : وَلَهُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } تفسير : [الروم: 26] {أية : يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَٰكِعِينَ} تفسير : [آل عمران: 43] {أية : وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ} تفسير : [البقرة: 238] فالإسلام بعده مرتبة يرتقى إِليها، وهو الإيمان، ثم القنوت ناشىء عنهما، {وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ} هذا في الأقوال، فإِن الصدق خصلة محمودة، ولهذا كان بعض الصحابة رضي الله عنهم لم تجرب عليهم كذبة، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا، «حديث : عليكم بالصدق فإِن الصدق يهدي إِلى البر، وإِن البر يهدي إِلى الجنة، وإِياكم والكذب، فإِن الكذب يهدي إِلى الفجور، وإِن الفجور يهدي إِلى النار، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً».تفسير : والأحاديث فيه كثيرة جداً، {وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ} هذه سجية الأثبات، وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدر كائن لا محالة، وتلقي ذلك بالصبر والثبات وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي: أصعبه في أول وهلة، ثم مابعده أسهل منه، وهو صدق السجية وثباتها، {وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ} الخشوع: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله تعالى ومراقبته؛ كما في الحديث: «حديث : اعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه، فإِنه يراك»تفسير : ، {وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَـٰتِ} الصدقة هي الإحسان إِلى الناس المحاويج الضعفاء الذين لا كسب لهم، ولا كاسب، يعطون من فضول الأموال؛ طاعة لله، وإِحساناً إِلى خلقه. وقد ثبت في "الصحيحين": «حديث : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إِلا ظله ــــ فذكر منهم ــــ ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار»تفسير : . والأحاديث في الحث عليها كثيرة جداً له موضع بذاته، {وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ} وفي الحديث الذي رواه ابن ماجه: «حديث : والصوم زكاة البدن» تفسير : أي: يزكيه ويطهره، وينقيه من الأخلاط الرديئة طبعاً وشرعاً؛ كما قال سعيد بن جبير: من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر، دخل في قوله تعالى: {وٱلصَّـٰئِمِينَ وٱلصَّـٰئِمَـٰتِ} ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإِنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء» تفسير : ناسب أن يذكر بعده: {وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ} أي: عن المحارم والمآثم، إِلا عن المباح؛ كما قال عز وجل: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ } تفسير : [المؤمنون: 5 ــــ 7]. وقوله تعالى: {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا محمد بن جابر عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إِذا أيقظ الرجل امرأته من الليل، فصليا ركعتين، كُتبا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات» تفسير : وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قلت: يارسول الله أي العباد أفضل درجة عند الله تعالى يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : الذاكرون الله كثيراً والذاكرات» تفسير : قال: قلت: يارسول الله ومن الغازي في سبيل الله تعالى؟ قال: «حديث : لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويتخضب دماً، لكان الذاكرون الله تعالى أفضل منه».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إِبراهيم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فأتى على جمدان، فقال: «حديث : هذا جمدان، سيروا، فقد سبق المفردون» تفسير : قالوا: وما المفردون؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : الذاكرون الله كثيراً والذاكرات» تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم اغفر للمحلقين» تفسير : قالوا: والمقصرين؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم اغفر للمحلقين» تفسير : قالوا: والمقصرين؟ قال: «حديث : والمقصرين» تفسير : تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم دون آخره. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: إِنه بلغني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ماعمل آدمي عملاً قط أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله عز وجل» تفسير : وقال معاذ رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غداً فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» تفسير : قالوا: بلى يارسول الله، قال صلى الله عليه وسلم«حديث : ذكر الله عز وجل».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِن رجلاً سأله فقال: أي المجاهدين أعظم أجراً يارسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : أكثرهم لله تعالى ذكراً» تفسير : قال: فأي الصائمين أكثر أجراً؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : أكثرهم لله عزّ وجل ذكراً» تفسير : ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك يقول رسول الله: «حديث : أكثرهم لله ذكراً» تفسير : فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما: ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أجل»تفسير : . وسنذكر إِن شاء الله تعالى بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } تفسير : [الأحزاب: 41 ــــ 42] الآية، إِن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} خبر عن هؤلاء المذكورين كلهم، أي: إن الله تعالى قد أعد لهم، أي: هيأ لهم مغفرة منه لذنوبهم، وأجراً عظيماً، وهو الجنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْقَٰنِتَٰتِ } المطيعات {وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ } في الإِيمان {وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرٰتِ } على الطاعات {وَٱلْخَٰشِعِينَ } المتواضعين {وَٱلْخَٰشِعَٰتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَٰتِ وٱلصَّٰئِمِينَ وٱلصَّٰئِمَٰتِ وَٱلْحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَٰفِظَٰتِ } عن الحرام {وَٱلذٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذٰكِرٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً } للمعاصي {وَأَجْراً عَظِيماً } على الطاعات.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ } بدأ سبحانه بذكر الإسلام الذي هو مجرّد الدخول في الدين والانقياد له مع العمل، كما ثبت في الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإسلام قال: «حديث : هو أن تشهد أن لا إلٰه إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان»تفسير : . ثم عطف على المسلمين {المسلمات} تشريفاً لهنّ بالذكر، وهكذا فيما بعد وإن كنّ داخلات في لفظ المسلمين والمؤمنين ونحو ذلك. والتذكير إنما هو لتغليب الذكور على الإناث كما في جميع ما ورد في الكتاب العزيز من ذلك. ثم ذكر {ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } وهم من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشرّه كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والقانت: العابد المطيع، وكذا القانتة. وقيل: المداومين على العبادة والطاعة. والصادق والصادقة هما من يتكلم بالصدق، ويتجنب الكذب ويفي بما عوهد عليه. والصابر والصابرة هما من يصبر عن الشهوات وعلى مشاق التكليف، والخاشع والخاشعة هما المتواضعان لله الخائفان منه الخاضعان في عباداتهم لله. والمتصدّق والمتصدّقة هما من تصدّق من ماله بما أوجبه الله عليه. وقيل: ذلك أعمّ من صدقة الفرض والنفل، وكذلك الصائم والصائمة، قيل: ذلك مختصّ بالفرض، وقيل: هو أعمّ. والحافظ والحافظة لفرجيهما عن الحرام بالتعفف والتنزّه، والاقتصار على الحلال. والذاكر والذاكرة هما من يذكر الله على أحواله، وفي ذكر الكثرة دليل على مشروعية الاستكثار من ذكر الله سبحانه بالقلب واللسان، واكتفى في الحافظات بما تقدّم في الحافظين من ذكر الفروج، والتقدير: والحافظين فروجهم والحافظات فروجهن، وكذا في الذاكرات، والتقدير: والذاكرين الله كثيراً والذاكرات الله كثيراً، والخبر لجميع ما تقدّم هو قوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } أي مغفرة لذنوبهم التي أذنبوها، وأجراً عظيماً على طاعاتهم التي فعلوها من الإسلام والإيمان، والقنوت، والصدق والصبر والخشوع، والتصدق والصوم والعفاف والذكر. ووصف الأجر بالعظم للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ، ولا شيء أعظم من أجر هو الجنة ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد، اللهم اغفر ذنوبنا وأعظم أجورنا. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } أي ما صحّ ولا استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين، ولفظ ما كان وما ينبغي ونحوهما معناها: المنع والحظر من الشيء والإخبار بأنه لا يحل أن يكون شرعاً، وقد يكون لما يمتنع عقلاً كقوله: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } تفسير : [النمل: 60] ومعنى الآية: أنه لا يحلّ لمن يؤمن بالله إذا قضى الله أمراً أن يختار من أمر نفسه ما شاء، بل يجب عليه أن يذعن للقضاء، ويوقف نفسه تحت ما قضاه الله عليه واختاره له، وجمع الضميرين في قوله: {لهم} و {من أمرهم}: لأن مؤمن ومؤمنة وقعا في سياق النفي فهما يعمان كل مؤمن ومؤمنة. قرأ الكوفيون: {أن يكون} بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد لأنه قد فرّق بين الفعل وفاعله المؤنث بقوله: {لهم} مع كون التأنيث غير حقيقي، وقرأ الباقون بالفوقية لكونه مسنداً إلى الخيرة وهي مؤنثة لفظاً. والخيرة مصدر بمعنى الاختيار. وقرأ ابن السميفع "الخيرة" بسكون التحتية، والباقون بتحريكها. ثم توعد سبحانه من لم يذعن لقضاء الله وقدره، فقال: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في أمر من الأمور، ومن ذلك عدم الرضا بالقضاء {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً مُّبِيناً } أي ضلّ عن طريق الحق ضلالاً ظاهراً واضحاً لا يخفى. وقد أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أمّ سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، مالنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول: "حديث : إن الله يقول: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ }" تفسير : إلى آخر الآية. وروي نحو هذا عنها من طريق أخرى أخرجها الفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، والطبراني وابن مردويه عن أمّ عمارة الأنصارية؛ أنها أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كلّ شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء؟ فنزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ }. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه بإسناد، قال السيوطي: حسن، عن ابن عباس قال: قالت النساء: يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟ فنزلت: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ } الآية. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية، فخطبها، قالت: لست بناكحته، قال: "حديث : بلى فانكحيه"تفسير : ، قالت: يا رسول الله، أؤامر نفسي، فبينما هما يتحدّثان أنزل الله هذه الآية على رسوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ } الآية، قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً؟ قال: "حديث : نعم"تفسير : ، قالت: إذن لا أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحته نفسي. وأخرج نحوه عنه ابن جرير من طريق أخرى. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب: «حديث : إني أريد أن أزوّجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك تفسير : ، قالت: يا رسول الله، لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قومي وبنت عمتك فلم أكن لأفعل، فنزلت هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } يعني: زيداً {وَلاَ مُؤْمِنَةٍ } يعني: زينب {إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً } يعني النكاح في هذا الموضع {أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } يقول: ليس لهم الخيرة من أمرهم خلاف ما أمر الله به {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً مُّبِيناً } قالت: قد أطعتك فاصنع ما شئت، فزوّجها زيداً ودخل عليها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: نزلت في أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أوّل امرأة هاجرت فوهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فزوّجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله فزوّجنا عبده.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} سبب نزول هذه الآية ما رواه يحيى بن عبد الرحمن عن أم سلمة قالت: يا رسول الله ما للرجال يذكرون في القرآن ولا تذكر النساء؛ فنزلت {إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}- الآية وفيها قولان: أحدهما: يعني بالمسلمين والمسلمات المتذللين والمتذللات. وبالمؤمنين والمؤمنات المصدقين والمصدقات. الثاني: أنهما في الدين، فعلى هذا في الإسلام والإيمان قولان: أحدهما: أنهما واحد في المعنى وإن اختلفا في الأسماء. الثاني: أنهما مختلفان على قولين: أحدهما: أن الإسلام الإقرار باللسان، والإيمان التصديق به، قاله الكلبي. الثاني: أن الإسلام هو اسم الدين والإيمان هو التصديق به والعمل عليه. {وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتاتِ} فيه وجهان: أحدهما: المطيعين والمطيعات، قاله ابن جبير. الثاني: الداعين والداعيات. {وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ} فيه وجهان: أحدهما: الصادقين في إيمانهم والصادقات، قاله ابن جبير. الثاني: في عهودهم. {وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ} فيه وجهان: أحدهما: على أمر الله ونهيه، قاله ابن جبير. الثاني: في البأساء والضراء. {والْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: المتواضعين والمتواضعات، قاله ابن جبير. الثاني: الخائفين والخائفات: قاله يحيى بن سلام وقتادة. الثالث: المصلين والمصليات، قاله الكلبي. {وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ} فيه وجهان: أحدهما: المتصدقين والمتصدقات بأنفسهم في طاعة الله. الثاني: بأموالهم. ثم فيه وجهان: أحدهما: المؤدين الزكوات المفروضات. الثاني: المتطوعين بأداء النوافل بعد المفروضات، قاله ابن شجرة. {وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ} فيه وجهان: أحدهما: الإمساك عن المعاصي والقبائح. الثاني: عن الطعام والشراب وهو الصوم الشرعي. وفيه وجهان: أحدهما: صوم الفرض. الثاني: شهر رمضان وثلاثة أيامٍ من كل شهر، قاله ابن جبير. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : صَومُ الشَّهْرِ وَثَلاَثَةُ أَيَّامٍ يُذْهِبْنَ وَغْرَ الصَّدْرِ ". تفسير : {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} فيه وجهان: أحدهما: عن الفواحش. الثاني: أنه أراد منافذ الجسد كلها فيحفظون أسماعهم عن اللغو والخنا، وأفواههم عن قول الزور وأكل الحرام. وفروجهم عن الفواحش. {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ} فيهم ثلاثة أوجه: أحدها: باللسان قاله يحيى بن سلام. الثاني: التالون لكتابه، قاله ابن شجرة. الثالث: المصلين والمصليات، حكاه النقاش. {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجَرْاً عَظِيماً} لعلمهم، قاله ابن جبير، قال قتادة: وكانت هذه الآية أول آية نزلت في النساء فذكرن بخير.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ} قالت أم سلمة للرسول صلى الله عليه وسلم: ما للرجال يُذكَرون في القرآن ولا تذكر النساء فنزلت {الْمُسْلِمِينَ} المتذللين {وَالْمُؤْمِنِينَ} المصدقين، أو المسلمين في أديانهم، والمسلم والمؤمن واحد، أو الإسلام الإقرار باللسان والإيمان التصديق بالقلب، أو الإسلام اسم الدين والإيمان التصديق به والعمل عليه. {وَالْقَانِتِينَ} المطيعين، أو الداعين "ع" {وَالْصَّادِقِينَ} في أيمانهم أو عهودهم {وَالْصَّابِرينَ} على أمر الله ونهيه، أو في البأساء والضراء {وَالْخَاشعِينَ} المتواضعين لله، أو الخائفين منه، أو المصلين {وَالْمُتَصَدِّقِينَ} بأنفسهم في طاعة الله، أو بأموالهم في الزكاة المفروضة أو بإعطاء النوافل بعد الفرض {وَالْصًّآئِمِينَ} عن المعاصي والقبائح أو الصوم الشرعي المفروض، أو رمضان وثلاثة أيام من كل شهر {فُرُوجَهُمْ} عن الحرام والفواحش، أو منافذ الجسد كلها يحفظون السمع عن اللغو والخنا "والأعين عن النظر إلى ما لا يحل" والفروج عن الفواحش والأفواه عن قول الزور وأكل الحرام {وَالْذَّاكِرِينَ اللَّهَ} باللسان أو التالين لكتابه، أو المصلين {مَّغْفِرَةً} لذنوبهم {وَأَجْراً عَظِيماً} لأعمالهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ...} الآية: رُوِي في سَبَبهَا؛ أَنَّ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولُ اللّهِ، يَذْكُرُ اللّهُ تَعَالَى الرِّجَالَ فِي كِتَابِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلاَ يَذْكُرُنَا، فَنَزَلَتْ الآيةُ فِي ذَلِكَ، وألفاظ الآية في غاية البيان. وقوله سبحانه: {وَٱلذٰكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذٰكِرٰتِ...} الآية. وفي الحديث: الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سَبَقَ المُفَرِّدُون قالُوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ، يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللّهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتُ»تفسير : رواه مسلم، واللفظ له والترمذيُّ، وعنده: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَمَا المُفَرِّدُونَ؟ قَالَ: «حديث : المُسْتَهْتِرُونَ فِي ذِكْرِ اللّهِ، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ فَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِفَافاً».تفسير : قال عياض: «والمُفَرِّدون» ضَبَطْنَاهُ على مُتْقِني شيوخِنا ـــ بفتح الفَاء وكَسرِ الراء ـــ. وقال ابن الأعرابي: فَرَّدَ الرجلُ إذا تَفَقَّهَ وَاعْتَزَلَ النَّاسَ، وخلا لمُرَاعاة الأمر والنهي، وقال الأزهريُّ: هم المُتَخَلُّونَ مِنَ النَّاسِ بذكْرِ اللّه تعالى، وقوله المُسْتَهْترون في ذكر اللّه هو ـــ بفتح التاءين المثناتين ـــ يعني: الذين أُولِعُوا بذكْرِ اللّه، يقال: ٱسْتُهْتِرَ فلانٌ بكَذَا، أي: أُولِعَ به، انتهى، من «سلاح المؤمن».

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت‏‏"حديث : ‏قلت للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال‏؟‏ فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول‏: يا أيها الناس إن الله يقول ‏{‏إن المسلمين والمسلمات‏}‏ إلى آخر الآية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم سلمة‏.‏ رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يُذْكَرْنَ‏؟‏ فأنزل الله ‏{إن المسلمين والمسلمات‏.‏‏...‏‏}‏ ‏. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه عن أم عمارة الأنصارية رضي الله عنها‏:‏ أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء‏!‏ فنزلت هذه الآية ‏ {إن المسلمين والمسلمات‏}‏‏ . وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قالت النساء‏:‏ يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنون ولم يذكر المؤمنات‏؟‏‏!‏ فنزل ‏{إن المسلمين والمسلمات‏.‏‏...‏‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قالت النساء‏:‏ يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنون ولم يذكر المؤمنات‏؟‏‏!‏ فنزل ‏{إن المسلمين والمسلمات‏.‏‏...‏‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقلن‏:‏ قد ذكركن الله في القرآن، ولم نذكر بشيء أما فينا ما يذكر‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏إن المسلمين والمسلمات‏...‏‏.‏‏}‏ ‏. وأخرج ابن سعد عن عكرمة ومن وجه آخر عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ لما ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال النساء‏:‏ لو كان فينا خير لذكرن‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏إن المسلمين والمسلمات‏.‏‏.‏‏.‏‏.}‏‏ . وأخرج ابن سعد عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ قال النساء للرجال‏:‏ أسلمنا كما أسلمتم، وفعلنا كما فعلتم، فتذكرون في القرآن ولا نذكر، وكان الناس يسمون المسلمين، فلما هاجروا سموا المؤمنين، فأنزل الله ‏ {‏إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات‏} ‏ يعني المطيعين والمطيعات، ‏ {‏والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات‏} ‏ شهر رمضان {‏والحافظين فروجهم والحافظات‏} ‏ يعني من النساء ‏ {‏والذاكرين الله كثيراً والذاكرات‏}‏ يعني ذكر الله، وذكر نعمه ‏{أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيما‏ً}‏‏ . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {إن المسلمين والمسلمات‏} ‏ يعني المخلصين لله من الرجال، والمخلصات من النساء ‏ {‏والمؤمنين والمؤمنات‏}‏ يعني المصدقين والمصدقات ‏{‏والقانتين والقانتات‏}‏ يعني المطيعين والمطيعات ‏{‏والصادقين والصادقات‏} ‏ يعني الصادقين في ايمانهم ‏{‏والصابرين والصابرات‏} ‏ يعني على أمر الله ‏ {‏والخاشعين‏}‏ يعني المتواضعين لله في الصلاة من لا يعرف عن يمينه ولا من عن يساره، ولا يلتفت من الخضوع لله {‏والخاشعات‏}‏ يعني المتواضعات من النساء ‏ {‏والصائمين والصائمات‏}‏ قال‏:‏ من صام شهر رمضان وثلاثة أيام من كل شهر، فهو من أهل هذه الآية ‏{‏والحافظين فروجهم والحافظات‏}‏ قال‏:‏ يعني فروجهم عن الفواحش، ثم أخبر بثوابهم فقال ‏ {‏أعد الله لهم مغفرة‏}‏ يعني لذنوبهم و ‏ {‏أجراً عظيماً‏} ‏ يعني جزاء وافر في الجنة‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه‏، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ لا يكتب الرجل من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً، وقاعداً، ومضطجعاً‏.

التستري

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ}[35] قال: الإيمان أفضل من الإسلام، والتقوى في الإيمان أفضل من الإيمان، واليقين في التقوى أفضل من التقوى، والصدق في اليقين أفضل من اليقين، وإنما تمسكتم بالأنا فإياكم أن تنفلت من أيديكم. وقال: الإيمان بالله في القلب ثابت، واليقين بالصدق راسخ، فصدق العين ترك النظر إلى المحظورات، وصدق اللسان في ترك ما لا يعني، وصدق اليد ترك البطش للحرام، وصدق الرجلين ترك المشي إلى الفواحش، وحقيقة الصدق من دوام النظر فيما مضى، وترك النظر فيما بقي، وإن الله تعالى أعطى الصديقين من العلم ما لو نطقوا به لنفذ البحر من نطقهم، وهم مختفون لا يظهرون للناس إلا فيما لا بد لهم منه، حتى يخرج العبد الصالح، فعند ذلك يظهرون، ويعلمون العلماء من علومهم. قوله تعالى: {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ}[35] قال: الذاكر على الحقيقة من يعلم أن الله مشاهده فيراه بقلبه قريباً منه، فيستحي منه، ثم يؤثره على نفسه وعلى كل شيء من جميع أحواله. وسئل سهل مرة أخرى: ما الذكر؟ فقال: الطاعة. قيل: ما الطاعة؟ قال: الإخلاص قيل: ما الإخلاص؟ قال: المشاهدة. قيل: ما المشاهدة؟ قال: العبودية. قيل: ما العبودية؟ قال: الرضا. قيل: ما الرضا؟ قال: الافتقار. قيل: ما الافتقار؟ قال: التضرع والالتجاء سلم سلم إلى الممات. وقال ابن سالم: الذكر ثلاث: ذكر باللسان فذاك الحسنة بعشر، وذكر بالقلب فذاك الحسنة بسبعمائة، وذكر لا يوزن ثوابه وهو الامتلاء من المحبة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ...} [الآية: 35]. قال سهل: الإيمان أفضل من الإسلام والتقوى فى الإيمان أفضل من الإيمان واليقين فى التقوى أفضل من التقوى والصدق فى اليقين أفضل من اليقين وإنما تمسكتم بادئًا بالإسلام فإياكم أن ينفلت من أيديكم. وقال: الإيمان بالله فى القلب راسخ واليقين بالتصديق ثابت. وقال: الإسلام حكم والإيمان أصل والإحسان ثواب. وقال سهل: لا يشم رائحة الصدق من يداهن نفسه أو يداهن غيره وصدق العين ترك النظر إلى المحظورات وصدق اللسان ترك الكلام فيما لا يعنيه وصدق اليد ترك البطش فى الحرام وصدق الرجلين ترك المشى إلى الفواحش وحقيقة الصدق من القلب ودوام النظر فيما مضى وترك التدبير والاختيار فيما بقى. وقال جعفر الصادق: من يصف لك خير الآخرة لا خير الدنيا ويدلك على حسن الأخلاق لا على سيئها ويعطيك قلبه لا جوارحه. قال ابن عطاء: لم يبلغ أحد الى مقام الصدق بالصوم والصلاة ولا شىء من الاجتهاد ولكن وصل إلى مقام الصدق بأن طرح نفسه بين يديه وقال: أنت أنت ولا بد لنا منك. وقال سهل: ليس من ادّعى الذكر فهو ذاكر فالذاكر على الحقيقة من يعلم أن الله مشاهدة فيراه بقلبه قريبًا منه فيستحى منه ثم يؤثره على نفسه وعلى كل شىء من جميع أحواله. وسئل سهل: ما الذكر؟ قال الطاعة: قلت: وما الطاعة؟ قال: الإخلاص. قلت: وما الإخلاص؟ قال المشاهدة. قلت: وما المشاهدة. قال: العبودية. قلت: وما العبودية؟ قال: الرضا. قلت: وما الرضا؟ قال: الافتقار. قلت: وما الافتقار؟ قال التضرع والالتجاء سلم سلم الى الممات. وقال بعضهم: الخشوع استحقار الكبر وجميع الصفات تحت هيبة الحق. قال بعضهم: الصابر هو الحابس نفسه عند أوامره والخاشع هو المتذلل والخاضع له والمتصدق الباذل نفسه وروحه وملكه فى رضا مالكه والصائم الممسك عن كل ما لا يرضاه الله والحافظ فرجه الراعى لحقوق الله عليه فى نفسه وقلبه والذاكر لله الناسى كل ما سواه أوجب الله على نفسه لمن هذه صفته ستر الذنوب عليه ومغفرتها له وأجرًا عظيمًا وثوابًا له وهو رضا الله ورؤيته. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: إن الذين أسلموا وانقادوا وآمنوا وصدقوا وخشعوا ودعوا الله على الإخلاص وصدَّقوا الله فى وعده ووفوا له بما وعدوه من أنفسهم وصبروا فى البأساء والضرّاء وخشعوا وخضعوا وانقادوا وتصدقوا وخرجوا عن جميع ما ملكوا وأمسكوا عن المخالفات وحفظوا فروجهم ورعوا أسرارهم عن نزغات الشيطان وذكروا الله ولم ينسوه فى جميع الأحوال أعدّ الله لهم الرضوان والرضا والتمكين والمشاهدة واللقاء. وقال الحسين: الصادق الظاهر له القدرة يظل عند ربه ويطعمه من نوره ويسقيه شرابًا طهورًا أولئك الأقوياء الذين لا يحتاجون إلى الطعام ولا الشراب ولا يموتون. قال الشبلى: الصادق من يكون مواصلاً للأحزان وقلبه منفرد بالرحمن. قال مطرف القرميسى: الصوم ثلاثة؛ صوام الروح بقصر الأمل وصوم العقل بمخالفة الهوى وصوم الجسد بالإمساك عن الطعام. وقال أبو سعيد الخراز: الصبر اسم لمعانٍ ظاهرة وباطنة فأما الظاهرة فهى ثلاثة: الصبر على أداء الفرائض واجتناب عما نهى الله عنه والصبر على النوافل وعلى قبول الحق. وأما الباطنة فالصبر معه والصبر فيه والصبر منه. وقال أيضًا: الحافظين فروجهم الذين حفظوا أسماعهم عن اللغو والخنا وأصغوا إلى الله بآذان قلوبهم الواعية ولم يغفلوا عن ندائه بحال. وقال بعضهم: الذاكرون خمسة ذاكر ذكره بالثناء وآخر ذكره بالدعاء وآخر ذكره بالتسبيح، والآخر ذكره بالاستغفار وذاكر يذكره بذكره. وقال القاسم: القانت المطيع الذى لا يعصى الله. قال بعضهم: الصابر من أهل الباب والراضى من أهل الدار والمفوّض من أهل البيت. قال بعضهم: الخشوع الطمأنينة عند اختلاف المقادير. وقال ابن سالم: الذاكر ثلاث ذاكر باللسان فذلك الحسنة بعشرة أمثالها وذاكر القلب الحسنة بسبعمائة وذكر لا يوزن ثوابه ولا يعد وهو الامتلاء من المحبة. قال الشبلى: الذكر نسيان الذكر فى مشاهدة المذكور. وقال عمر المكى: الحافظ لفرجه هو الواقف عند أمره ونهيه ولا يتعداها والمتأدب بأدبه الذى من تجاوزه ضل عن سواء السبيل.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ}. الإسلام هو الاستسلام، والإخلاص، والمبالغة في المجاهدة والمكابدة. {وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}. الإيمان هو التصديق وهو مجمع الطاعات، ويقال هو التصديق والتحقيق، ويقال هو انتسامُ الحقيقةِ في القلب. ويقال هو حياة القلب أولاً بالعقل، ولقومٍ بالعلم، ولآخرين، بالفهم عن الله، ولآخرين بالتوحيد، ولآخرين بالمعرفة، ولآخرين إيمانُهم حَياةُ قلوبهم بالله. {وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ}. القنوتُ طولُ العبادة. {وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ}. في عهودهم وعقودهم ورعاية حدودهم. {وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ}. على الخصال الحميدة، وعن الصفات الذميمة، وعند جريان مفاجآت القضية. {وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ}. الخشوعُ إطراقُ السريرة عند بوادِه الحقيقة. {وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ}. بأموالهم وأنفسهم حتى لا يكون لهم مع أحدٍ خصومة فيما نالوا منهم، أو قالوا فيهم. {وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ}. الممسكين عمَّا لا يجوز في الشريعة والطريقة. {وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ}. في الظاهر عن الحرام، وفي الإشارة عن جميع الآثام. {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ}. بألسنتهم وقلوبهم وفي عموم أحوالهم لا يَفْتُرُون، ولا يَتَدَاخَلُهم نسيان. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}. فهؤلاء لهم جميلُ الحُسْنَى، وجزيلُ العُقْبَى.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} المتفادين لامر الله بحسن الارادة {وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} المشاهدين حضرته بنعت الايقان {وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ} القانتي هم المتمكنون فى العبودية الامتحان {وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ} الصادقين فى محبة الله المتصفين لصدقه الازلى الذى لا يتكدر بطربين الامتحان {وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ} الصابرين فى الغيبة تحت اثقال الشوق والصابرين فى الحضرة فى مشاهدة الله تحت جريان سطوات عزته بان لا يبتغوا من الحق سر القدم من حدة السكر كما فعل موسى حيث قال من منى انت يا رب {وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ} المذابين تحت سلطان عظمته وقهر سلطان كبريائه {وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ} المباذلين انفسهم لقربان القدم {وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ} الفاطمين انفسهم عن النظر الى ما دون الله وحب ما سوى الله {وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ} الساترين عورات الحقائق عن نظر الاغيار {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} الذاكرين فى البداية بنور الافعال ثم الذاكرين بالاسماء ثم الذاكرين بالصفات بنعت رؤية انوارها وادراك اسرارها فى النهاية الذاكرين الذات فى الحالين ذاكرين الذات قبل مشاهدة الذات صرفا وعيانا وذلك من ظهور انواره فى قلوبهم الذاكرين ذاته فى عيانه كفاحا لان الذات لا يتناهى فهو فى اول الكشف مرهونون بما بدالهم من جلال ذاته وبفنون فاذا فنوا استغاثوا منه اليه ان يعينهم بالقوة الازلية حتى يدخلها هممهم فى بحار الاولية التى لا ساحل لها فيبقون فى الذكر ابدا لانهم لا يتلقون لا ما يليق باحوالهم من الكشوفات والقربات وهؤلاء المذكورون من ازل المقام الى مقام الذكر ----ام بعضهم اهل البداية فى الاسلام بعضهم اهل الايقان فى الايمان وبعضهم اهل العبودية الجمعة لجميع المعاملات وبعضهم اهل الصدق فى المحبة وترك ما دون الله والوفاء فى الحقيقة وبعضهم اهل مقام الرضا والتوكل وبعضهم اهل التواضع فى المشاهدة وبعضهم اهل السخا والكرم وبعضهم المتصفون بالصمدانية وبعضهم اهل المغيبة فى الغيب الذين لا يكشفون اسرارهم عن الخلق والمنتهى منهم المستغرق فى ذكر الذات والصفات كما وصفنا والجميع مأجورون من الحق بقدر منازلهم فى مقاماتهم بان يغفر قصورهم فى بذل المهج له ويكاشفهم استار الغيرة عن جمال المشاهدة بقوله {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} قال سهل الايمان افضل من الاسلام والتقوى فى الايمان افضل من الايمان واليقين فى التقوى افضل من التقوى والصدق فى اليقين افضل من اليقين وانما تمسكتم بادنى الاسلام فاياكم ان ينقلب من ايديكم وقال الاسلام حكم والايمان اصل والاحسان ثواب وقال ابن عطا لم يبلغ احد الى مقام الصدق بالصوم والصلاة ولا بشئ من الاجتهاد ولكن وصل الى مقام الصدق بان طرح نفسه بين يديه فقال انت انت ولا بد لنا منك وقال ايضا ليس من ادعى الذكر فهو ذاكر والذاكر على الحقيقة من يعلم ان يشاهده فيراه بقلبه قريبا منه فيستحق منه ثم يوثره على نفسه وعلى كل شئ من جميع احواله سئل سهل ما الذكر قال الطاعة قيل ما الطاعة قال الاخلاص قيل ما الاخلاص قال المشاهدة قيل ما المشاهدة قال العبودية قيل ما العبودية قال الرضا قيل ما الرضا قال الافتقار قيل ما الافتقار قال التضرع والالتجاء سْلمَ سلم الى الممات قال بعضهم الخشوع باستحقار الكبر وجميع الصفات تحت هيبة الحق قال بعضهم الصابر هو الحابس نفسه عند اوامر الله والخاضع هو المتذلل والخاضع له والمتصدق هو الباذل نفسه وروحه وملكه فى رضا مالكه والصائم المسك عن ما لا يرضاه الله والحافظ فرجه المراعى لحقوق الله عليه فى نفسه وقلبه والذاكر لله الناسى بذكره كل ما سواه وجب الله على نفسه لمن هذه صفته ستر الذنوب عليه ومغفرتها له واجرا عظيما ثوابا لاحد له وهو رضى الله ورؤيته.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان المسلمين والمسلمات} ـ روى ـ انه لما نزل فى نساء النبى عليه السلام الآيات المذكورة قالت نساء المؤمنين فما نزل فينا ولو كان فينا خير لذكرنا فنزلت والمعنى ان الداخلين فى السلم بعد الحرب المنقادين لحكم الله من الذكور والاناث. وفى التأويلات النجمية المسلم هو المستسلم للاحكام الازلية بالطوع والرغبة مسلما نفسه الى المجاهدة والمكابدة ومخالفة الهوى وقد سلم المسلمون من لسانه ويده {والمؤمنين والمؤمنات} المصدقين بما يجب ان يصدق به من الفريقين. وفى التأويلات المؤمن من امنه الناس وقد احيى الله قلبه اولا بالعقل ثم بالعلم ثم بالفهم عن الله تعالى ثم بنور الله تعالى بالتوحيد ثم بالمعرفة ثم احياه بالله. قال فى بحر العلوم ومراد اصحابنا باتحاد الايمان والاسلام ان الاسلام هو الخضوع والانقياد بمعنى قبول ما جاء به من عند الله والاذعان له وذلك حقيقة التصديق ولذلك لم يصح فى الشرع ان يحكم على احد بانه مسلم وليس بمؤمن او مؤمن وليس بمسلم فلا يمتاز احدهما عن الآخر ولم يريدوا الاتحاد بحسب المفهوم لان الايمان هو تصديق الله فيما اخبر من اوامره ونواهيه ومواعيده والاسلام هو الخضوع والانقياد لالوهيته وهذا لا يحصل الا بقبول الامر والنهى والوعد والوعيد والاذعان لذلك فمن لم يقبل شيئا من هذه الاربعة فقد كفر وليس بمسلم انتهى {والقانتين والقانتات} اى المداومين على الطاعات القائمين بها. وفى التأويلات القنوت استغراق الوجود فى الطاعة والعبودية {والصادقين والصادقات} فى القول والعمل والنية. وفى التأويلات فى عقودهم وعهودهم ورعاية حدودهم والصدق نور اهدى لقلوب الصديقين بحسب قربهم من ربهم {والصابرين والصابرات} على الطاعات وعن المعاصى. وفى التأويلات على الخصال الحميدة وعن الصفات الذميمة وعند جريان القضاء ونزول البلاء {والخاشعين والخاشعات} المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم. وفى التأويلات الخشوع اطراق السريرة عند توارد الحقيقة انتهى. قال بعضهم الخشوع انقياد الباطن للحق والخضوع انقياد الظاهر له. وفى القاموس الخشوع الخضوع او هو فى البدن والخشوع فى الصوت {والمتصدقين والمتصدقات} بما وجب فى مالهم والمعطين للصدقات فرضا او نفلا يقال تصدق على الفقراء اذا اعطاهم الصدقة وهى العطية التى بها تبتغى المثوبة من الله تعالى. وفى المفردات الصدقة ما يخرجه الانسان من ماله على وجه القربة كالزكاة لكن الصدقة فى الاصل تقال للمتطوع به والزكاة للواجب وقيل يسمى الواجب صدقة اذا تحرى صاحبه الصدق فى فعله. وفى التأويلات والمتصدقين والمتصدقات باموالهم واعراضهم حتى لا يكون لهم مع احد خصميه فيما ينال منهم: يعنى [بخشند كانند هم بمال وهم بنفس حق هيج كس برخود نكذاشته وازراه خصومت باخلق برخاسته] وحقيقة الصدقة ما يكون بالاحوال على ارباب الطلب: قال الحافظ شعر : اى صاحب كرامت شكرانة سلامت روزى تفقدى كن درويش بى نوارا تفسير : {والصائمين والصائمات} الصوم المفروض او مطلق الصوم فرضا او نفلا. وفى التأويلات الممسكين عما لا يجوز فى الشريعة والطريقة بالقلب والقالب فيصوم القالب بالامساك عن الشهوات ويصوم القلب بالامساك عن رؤية الدرجات والقربات. وفى المفردات الصوم فى الاصل الامساك عن الفعل مطعما كان او كلاما او مشيا وفى الشرع امساك المكاف بالنية من الخيط الابيض الى الخيط الاسود عن تناول الاطيبين والاستمناء والاستقاءة {والحافظين فروجهم والحافظات} فى الظاهر عن الحرام وفى الحقيقة عن تصرفات المكونات اى والحافظاتها فحذف المفعول لدلالة المذكور عليه. وفى المفردات الفرج والفرجة الشق بين الشيئين كفرجة الحائط والفرج ما بين الرجلين وكنى به عن السوءة وكثر حتى صار كالصريح فيه {والذاكرين الله} ذكرا {كثيرا والذاكرات} اى والذاكراته فترك المفعول كما فى الحافظات اى بقلوبهم وألسنتهم. وفى التأويلات النجمية بجميع اجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية بل بجميع ذرات المكونات بل بالله وجميع صفاته. وقال ابن عباس رضى الله عنهما يريد ادبار الصلوات وغدوا وعشيا وفى المضاجع وكلما استيقظ من نومه وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله انتهى. والاشتغال بالعلم النافع وتلاوة القرآن والدعاء من الذكر وفى الحديث "حديث : من استيقظ من منامه وايقظ امرأته فصليا جميعا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات " تفسير : وعن مجاهد لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا {اعد الله لهم} بسبب ما عملوا من الطاعات العشر المذكورة وجمعوا بينها وهو خبران والعطف بالواو بين الذكور والاناث كالمسلمين والمسلمين كالعطف بين الضدين لاختلاف الجنسين. واما عطف الزوجين على الزوجين كعطف المؤمنين والمؤمنات على المسلمين والمسلمات فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع اى عطفهما لتغاير الوصفين {مغفرة} لما اقترفوا من الصغائر لانهن مكفرات بما عملوا من الاعمال الصالحات. وفى التأويلات هى نور من انوار جماله جعل مغفر الرأس روحهم يعصمهم مما يقطعهم عن الله {واجرا عظيما} على ما صدر عنهم من الطاعات وهو الجنة واليوم سهولة العبادة ودوام المعرفة وغدا تحقيق المسئول ونيل ما فوق المأمول. وفى التأويلات العظيم هو الله يعنى اجرا من واهب الطافه بتجلى ذاته وصفاته. وعن عطاء بن ابى رباح من فوّض امره الى الله فهو داخل فى قوله {ان المسلمين والمسلمات} ومن اقرّ بان الله ربه ومحمدا عليه السلام رسوله ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل فى قوله {والمؤمنين والمؤمنات} ومن اطاع الله فى الفرائض والرسول فى السنة فهو داخل فى قوله {والقانتين والقانتات} ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل فى قوله {والصادقين والصادقات} ومن صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزية فهو داخل فى قوله {والصابرين والصابرات} ومن صلى فلم يعرف من عن يمينه وعن شماله فهو داخل فى قوله {والخاشعين والخاشعات}. قال فى بحر العلوم بنى الامر فى هذا على الاشد وليس هذا بمرضى عنه انتهى. يقول الفقير بل بنى على الاسهل فانه اراد ترك الالتفات يمينا وشمالا وهو اسهل بالنسبة الى الاستغراق فى الشهود. ومن تصدق فى كل اسبوع بدرهم فهو داخل فى قوله {والمتصدقين والمتصدقات} ومن صام من كل شهر ايام البيض فهو داخل فى قوله {والصائمين والصائمات} ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل فى قوله {والحافظين فروجهم والحافظات} ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل فى قوله {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات}. حديث : وعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى العباد افضل درجة عند الله يوم القيامة قال "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" قالوا يا رسول الله ومن الغازى فى سبيل الله قال "لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى تكسر او تخضب دما لكان ذاكر الله كثيرا افضل منه درجة" حديث : وعن ابى هريرة رضى الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير فى طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان كعثمان فقال "سيروا هذا جمدان سبق المفرّدون" قالوا ومن المفردون يا رسول الله قال "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" تفسير : اى كثيرا والمفردون نقله البعض بكسر الراء وتشديدها والبعض الآخر بتخفيفها وانما لم يقولوا من المفردون لان مقصودهم من النبى عليه السلام كان ان يبين لهم ما المراد من الافراد والتفريد لابيان من يقوم به الفعل فبينه عليه السلام بقوله "حديث : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" تفسير : يعنى المراد من الافراد هنا ان يجعل الرجل بان لا يذكر معه غيره والمراد من كثرة ذكره ان لا ينساه على كل حال لا الذكر بكثرة اللغات. قال ابن ملك وفى ذكره عليه السلام هذا الكلام عقيب قوله "حديث : هذا جمدان" تفسير : لطيفة وهى ان جمدان كان منفردا ولم يكن مثله فكذا هؤلاء السادات منفردون ثابتون على السعادات. يقول الفقير اشار عليه السلام بجمدان الى جبل الوجود والسير فيه وقطع طريقه بتفريد التوحيد وهو تقطيع الموحد عن الانفس كما ان تجريد التوحيد تقطيعه عن الآفاق جعلنا الله واياكم من السائرين الطائرين لا من الواقفين الحائرين شعر : سالكا بى كشش دوست بجايى نرسند سالها كرجه درين راه تك وبوى كنند

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِن المسلمين والمسلماتِ} أي: الداخلين في الإسلام، المنقادين لأحكام الله قولاً وفعلاً، فالمسلم: هو الداخل في السلم بعد الحرب، المنقاد الذي لا يُعاند، أو: المفوِّض أمره إلى الله، المتوكل عليه، مِن: أسلم وجهه إلى الله، {والمؤمنين والمؤمنات} المصدِّقين بالله ورسوله، وبما يجب أن يصدّق به، {والقانتين والقانتات} المداومين على الطاعة، {والصادقين والصادقات} في النيات، والأقوال، والأفعال، {والصابرين والصابرات} على الطاعات وترك السيئات، {والخاشعين والخاشعات} المتواضعين لله بالقلوب والجوارح، أو: الخائفين: {والمتصدِّقين والمتصدِّقات} فرضاً ونفلاً، {والصائمين والصائمات} فرضاً ونفلاً. وقيل: مَن تصدّق في أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين، ومَن صام البيض من كل شهر، فهو من الصائمين، {والحافظين فروجَهم والحافظاتِ} عما لا يحلّ، {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} بقلوبهم وألسنتهم، بالتسبيح، والتهليل، والتكبير، وتلاوة القرآن، وغير ذلك من الأذكار، والاشتغال بالعلم لله، ومطالعة الكتب من الذكر. وحذف "كثيراً" في حق الذاكرات لدلالة ما تقدم عليه. وقال عطاء: مَن فوّض أمره إلى الله فهو داخل في قوله: {إن المسلمين والمسلمات}، ومَن أقرّ بأن الله ربه، وأن محمداً رسوله، ولم يخالف قلبُه لسانَه، فهو من المؤمنين والمؤمنات، ومَن أطاع الله في الفرض، والرسول في السُنَّة، فهو داخل في قوله: {والصادقين والصادقات}، ومَن صلّى فلم يعرف مَنْ عن يمينه وعن شماله، فهو داخل في قوله: {والخاشعين والخاشعات}، ومَن صبر على الطاعة وعن المعصية، وعلى الذرية، فهو من {الصابرين والصابرات}، ومَن تصدّق في كل أسبوع بدرهم، فهو من المتصدقين والمتصدقات، ومَن صام في كل شهر أيام البيض، الثالث عشر وما بعده، فهو من الصائمين والصائمات، ومَن حفظ فرجه عما لا يحل؛ فهو من الحافظين فروجهم والحافظات، ومَن صلّى الصلوات الخمس بحقوقها؛ فهو من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. قال ابن عباس: (جاء إسرافيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، عدد ما علم، وزنة ما علم، وملءَ ما علم. مَن قالهن كُتبت له ست خصال؛ كتب من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وكان أفضل ممن ذكره في الليل والنهار، وكان له عرش في الجنة، وتحاتت عنه ذنوبه، كما تحات ورق الشجر اليابس، وينظر الله إليه، ومَن نظر إليه لم يعذبه). وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضجعاً. هـ. من الثعلبي. وسُئل ابنُ الصلاح عن القَدْر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً؟ فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة صباحاً ومساءً، وفي الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، كان من الذاكرين كثيراً. هـ. قلت: وقد تتبعت ذلك في تأليف مختصر سميته: "الأنوار السنية في الأذكار النبوية". هذا وعطف الإناث على الذكور لاختلاف الجنسين. وهو ضروري كقوله: {أية : ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً}تفسير : [التحريم: 5]. وعطف الزوجين على الزوجين لتغاير الوصفين، وليس بضروري، ولو قال: "إن المسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات" بغير واو لجاز، كقوله: {مسلمات مؤمنات قانتات...} الخ، وهو مِن عطف الصفة، ومعناه: إن الجامعين والجامعات لهذه الصفات. {أَعَدَّ اللهُ لهم مغفرة} لِما اقترفوا من السيئات، {وأجراً عظيماً} على طاعتهم. قال البيضاوي: والآية وعد لهن، ولأمثالهن، على الطاعة والتدرّعُ بهذه الخصال. رُوي أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: ذكر الرجال في القرآن بخير فما فينا خير، فنزلت. هـ. الإشارة: اعلم أن اصطلاح الصوفية أن ما يتعلق بعمل الجوارح الظاهرة يُسمى إسلاماً، وما يتعلق بعمل القلوب الباطنية يُسمى إيماناً، وما يتعلق بعمل الأرواح والأسرار يُسمى إحساناً. قال في البغية: فالإسلام يشتمل على وظائف الظاهر، وهي الغالبة عليه، ذلك من عالم الشهادة، والإيمان يشتمل على وظائف الظاهر، وهي الغالبة عليه، وذلك من عالم الغيب، وهي الأعمال الغيبية، ولمّا انفتح لها باب من الأعمال الظاهرة للعبادة، وأشرقت عليها من ذلك أنوار، وتعلقت همتها بعالم الغيب، مالت إلى الوفاء بالأعمال الباطنية، ثم لمّا تمكنت في الأعمال الباطنة، واطلعت على عالَمها، وأشرفت على طهارتها، وتعلقت همتها بعالم الملكوت، مالت إلى الوفاء بالأسرار الإحسانية، ومن هناك تدرك غاية طهارتها وتصفيتها، والاطلاع على معارف الحقائق الإلهية. ثم قال: فإذا تبين هذا، فالإسلام له معنى يخصه، وهو انقياد الظاهر بما تكلف به من وظائف الدين، مع ما لا بد منه من التصديق. والإيمان له معنى يخصه، وهو تصديق القلب بجميع ما تضمنه الدين من الأخبار الغيبية، مع ما لا بد منه من شُعبه. والإحسان له معنى يخصه، وهو تحسين جميع وظائف الدين الإسلامية والإيمانية، بالإتيان بها على أكمل شروطها، وأتم وظائفها، خالصة من جميع شوائب عِللها، سالمة من طوارق آفاتها. هـ. قلت: ولا يكفي في مقام الإحسان تحسين الوظائف فقط، بل لا بد فيه من كشف حجاب الكائنات، حتى يُفضي إلى شهود المكوِّن، فيعبد الله على العيان. كما في الحديث: "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه" تفسير : . فإذا تقرّر هذا؛ فالآية مشتملة على تدريج السلوك؛ فأول مقامات المريد: الإسلام، ثم الإيمان، كما في الآية، ثم يكون من القانتين المداومين على الطاعة، ثم يكون من الصادقين في أقواله، وأفعاله، وأحواله، صادقاً في طلب مولاه، غائباً عن كل ما سواه، ثم من الصابرين على مجاهدة النفس، ومقاساة الأحوال، وقطع المقامات والمفاوز. وقال القشيري: من الصابرين على الخصال الحميدة وعن الخصال الذميمة، وعند جريان مفاجآت القضية. هـ. ثم من الخاشعين الخاضعين لهيبة الجلال، مشاهداً لكمال أنوار الجمال. قال القشيري: الخشوعُ: إطراق السريرة عند بوادِه الحقيقة. هـ. ثم يتحقق بأوصاف الكمال؛ كالسخاء والكرم، فيبذل ما عنده في مرضاة ربه، فيكون من المتصدقين بأموالهم وأنفسهم، حتى لا يكون لأحد معهم خصومة فيما أخذوا منهم وقالوا فيهم، ثم يصوم عن شهود السِّوى، ثم يحفظ فرجه عن وِقاع الشهوة والهوى، فلا ينزل إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ، إلا بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين. ثم يكون من المُسْتَهتَرين بذكر الله، أعني ذكر الروح والسر، وهو مقام الإحسان، الذي هو محل العيان، فيكون ذاكراً بالله، مذكوراً في حضرة الله، مشهوراً في ملكوت الله. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. ثم ذكر قصة تزويجه عليه الصلاة والسلام زينب مناسبا للحافظين فروجهم فقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ...}

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} وهذا تعليلٌ لما سبق من قوله ومن يقنت منكنّ (الى آخر الآيات) والمراد بالمسلمين صورةً من بايع على يد محمّد (ص) او خلفائه البيعة العامّة النّبويّة بقبول الدّعوة الظّاهرة والانقياد تحت احكام الشّريعة، وحقيقةً من انقاد باطناً تحت احكام الشّريعة بحيث لا يتأتّى منه خلافها، وبهذا المعنى ورد عن النّبىّ (ص): حديث : المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه تفسير : {وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} المؤمن من صورةً من بايع على يد محمّد (ص) او خلفائه البيعة الخاصّة الولويّة بقبول الدّعوة الباطنة والانقياد تحت احكام الطّريقة وقبول احكام القلب، وحقيقةً من صار متخلّقاً بالاخلاق الحسنة ومتطهّراً من الرّذائل وصار اميناً فى قومه رحيماً كريماً وزيناً حيّياً، الى غير ذلك من الاخلاق، وبهذا المعنى ورد عن النّبىّ (ص): حديث : المؤمن من امن جاره بوائقه، وما آمن بى من بات شبعان وجاره طاوٍتفسير : ، وورد: حديث : المؤمن من ائتمنه المؤمنون على اموالهم وانفسهمتفسير : ، وقد سبق فى اوّل البقرة تفصيل للاسلام والايمان وانّ الايمان يدخل بسبب كيفيّةٍ فى القلب بتلك الكيفيّة يقع نسبة الابوّة والبنوّة بين المؤمن ومن بايع على يده، ويقع الاخوّة بين البايعين والاسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدّماء واشار اليه تعالى بقوله: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات:14] {وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ} اى المتواضعين او القائمين فى الصّلٰوة، او المطيعين والمطيعات {وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ} اى الخارجين فى اقوالهم وافعالهم واحوالهم واخلاقهم من الاعوجاج {وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ} على المصائب او الطّاعات او عن المعاصى {وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ} قد مضى تحقيق معنى الخشوع والفرق بينه وبين الخضوع والتّواضع فى سورة البقرة عند قوله تعالى: وانّها لكبيرةٌ الاّ على الخاشعين {وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ} من الاعراض الدّنيويّة والقوى البدنيّة والحشمة والجاه وكلّ ما ينسبه الانسان الى نفسه ومن انانيّاتهم {وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ} عن الوجود المنسوب اليهم بانتهاء تقويهم عند ابتداء حشرهم الى الرّحمن {وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ} فروجهم بعد حشرهم الى اسم الرّحمن بعودهم الى الكثرات وملاحظة العورات الّتى كانت لهم حين رجوعهم الى الحقّ تعالى وغفلتهم عنها {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} روى انّ اسماء بنت عميس لمّا رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن ابى طالب عليه السّلام دخلت على نساء رسول الله (ص) فقال: هل فينا شيءٌ من القرآن؟ قلن: لا، فأتت رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله انّ النّساء لفى خيبةٍ وخسارٍ فقال: حديث : وممّ ذلكتفسير : ؟- قالت: لانهنّ لا يذكرن بخيرٍ كما يذكر الرّجال فأنزل الله تعالى هذه الآية. اعلم، انّ الآية اشارة الى جميع مراتب السّلوك بعد الايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الولويّة ودخول الايمان فى القلب فانّ الاسلام تنبّهٌ وسببٌ للهداية الى الايمان ولا بدّ من حصوله للانسان حتّى يحصل له الايمان، والايمان الحاصل بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة، ونفس تلك البيعة سبب للتّوجّه الى الله، وبعد التّوجّه الى الله يكون السّلوك الى الطّريق او الى الله، واوّل ما يحصل بعد الايمان للسّالك هو المحبّة لله والاستشعار بعظمته وعظمة مظاهره والاستشعار بالهيبة منه، ويحصل من ذلك الاستشعار التّواضع الّذى هو حالة حاصلة من امتزاج الهيبة والمحبّة مع غلبة الهيبة، ويحصل من تلك الحالة الطّاعة، وليس المراد بالقنوت ههنا الاّ التّواضع او الطّاعة او القيام فى الصّلٰوة، وبالقنوت يحصل الخروج من الاعوجاج وبالصّدق والخروج من الاعوجاج يحصل الصّبر فى موارده، وبالصّبر يحصل الخشوع الّذى هو حالة حاصلة من امتزاج الهيبة والمحبّة مع غلبة المحبّة، وبغلبة المحبّة يحصل التّصدّق وطرح ما يمنع المحبّ عن خدمة المحبوب، وبذلك الطّرح يحصل الصّوم الّذى هو انتهاء التّقوى، وبانتهاء التّقوى يحصل الرّجوع والبقاء بعد الفناء ومراعاة حقوق الكثرات من المنع والاعطاء والبذل والحفظ، وفى مراعاة الكثرات وحقوقها يحصل الذّكر الكثير، فانّ الذّكر الكثير هو الّذى يكون بتذكّر الامر والنّهى الآلهيّين عند كلّ فعلٍ، ولا يكون ذلك الاّ بعد الرّجوع الى الكثرات بالله وهو آخر الاسفار الّتى تكون للسّلاّك.

الأعقم

تفسير : {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} الآية، قيل: إن أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قلن: يا رسول الله ذكر الله تعالى الرجال في القرآن دون النساء، فنزلت الآية {والصادقين والصادقات} يعني المخلصين {والصابرين والصابرات} يعني في تحمل المشقة في الدين {والخاشعين والخاشعات} يعني المتوضعين {والمتصدقين والمتصدقات} قيل: أراد صدقة الفرض، وقيل: أراد صدقة الفرض والنفل {والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً} {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} الآية نزلت في زينب بنت جحش خطبها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد بن حارثة، فأتت هي وأخوها عبد الله بن جحش، وهي بنت آمنة بنت عبد المطلب وكان زيداً اشتراه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعتقه فنزلت الآية، قوله: {ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً} فرضيت هي وأخوها وقالا: رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه وساق اليها عنه مهراً ستون درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر، وقيل: هو عام، قال الحاكم: وهو الصحيح {إذا قضى الله ورسوله أمراً} وأوجبه وأمر به {أن تكون لهم الخِيرَةُ من أمرهم} أي أن يختاروا غير ذلك وهو كل شيء أمر الله به وحكم به فليس لأحد مخالفته {ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً} أي ذهب عن الرشد ذهاباً بعيداً.

اطفيش

تفسير : {إنَّ المُسْلمينَ والمسلمات} قالت ام سلمة، كما لأحمد النسائى للنبى صلى الله عليه وسلم: مالنا لا نذكر فى القرآن كما تذكر الرجال؟ ولغير احمد قالت ذلك نساء النبى صلى الله عليه وسلم وعلى آله، ولغيره ايضا قالت ذلك ام سلمة وانيسة بنت كعب الانصارية، وقالت ام عمارة الانصارية، كما لابن جرير والترمذى: يا رسول الله ما ارى كل شئ الا للرجال، ما ارى النساء يذكرن بشئ، ودخلت نساء على نساء النبى صلى الله عليه وسلم، كما لابن جرير فقلن: قد ذكركن الله تعالى فى القرآن، وما يذكرنا بشئ أما فينا ما يذكر، وفى رواية لما ذكر ازواج النبى صلى الله عليه وسلم، قالت النساء: لو كان فينا خير لذكرنا، وفى رواية ان اسماء بنت عميس قال ذلك حين رجعت من الحبشة مع زوجها، جعفر بن ابى طالب، فأجابهن الله عز وجل، وأسماء، وأنيسة، وأم سلمة وأم عمارة بإنزال قوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات} الى {عظيماً}. والمعنى من انقاد من الذكور والاناث لحكم الله تعالى، او من فوض امره الى الله عز وجل، واعلم ان الله عز وجل ذكر النساء اجمالاً فى القرآن، وخص فيها حفصة وعائشة فى قوله عز وجل: "أية : إن تتوبا إلى الله" تفسير : [التحريم: 4] الخ، وذكرن ايضا خصوصا لا اجمالا فى هذه السورة فى آيات مثل قوله تعالى: "أية : يا نساء النبي" تفسير : [الأحزاب: 30، 32] وقوله: "أية : قل لأزواجك" تفسير : [الأحزاب: 28، 59]. {والمؤمنين والمؤمنات} اخره ايذانا بان الانقياد للاحكام لا ينفع الا مع التصديق بكل ما يجب التصديق به {والقانِتين والقانتِات} القنوت المداومة على الطاعة {والصَّادقين والصادقات} فى الاقوال والافعال، وعن سعيد بن جبير فى ايمانهم {والصَّابرين والصَّابرات} على المصائب والمكاره، ومشاق العبادة، وعن الشهوات {والخاشعِين والخاشعات} الخشوع التواضع لله بالقلوب والجوارح، مع اعظام وخوف، ويتفاوت الناس فيه حتى ان منهم من لا يعرف فى صلاته، هل كان احد فى يمينه او شماله، كما روى ان عبدالله بن الزبير، صب على رأسه ماء حار فى سجوده، ولم يشعر حتى فرغ ورأى الأثر. {والمتصدقين والمتصدقات} لوجه الله تعالى فرضا ونفلا بمالهم وأبدانهم بالخدمة، والنفع بالالسنة {والصائمين والصائمات} فرضا ونفلا، وعن عكرمة، الفرض، فيناسبه ان يفسر الصدقة بالفرض كرمضان، ويقال: من تصدق فى كل اسبوع بدرهم، وصام من كل شهر ايام البيض، فهو من المتصدقين الصائمين، او من المتصدقات والصائمات. {والحافظين فروجَهُم والحافظات} عن الانكشاف بها فى غير ما بين الازواج، والسيد والسرية، وعن وصفها ومسها ولو من فوق الثوب، وعن التلذذ بمسها، ولو من فوق الثوب، والتلذذ بالنظر اليها من نفس الانسان، ولذلك ولكون الفرج مركب الشهوات التى لا يكاد احد يغلبها الا من حفظه الله ذكرها بالحفظ لا بالستر. {والذاكرين الله كَثيراً} ذكراً كثيراً او زمانا كثيراً، ويؤيد الاول قوله تعالى: "أية : اذكروا الله ذكراً كثيراً" تفسير : [الأحزاب: 41] فقس على هذا {والَّذاكراتِ} اخره ليكون على وزان ما سبق، وهو فى نية التقديم على قوله: {الله كثيراً} او يقدر له، والذاكرات الله كثيراً، كما اخر الحافظات لذلك، وهو نية التقديم، وضمير الذكور للتغليب، او يقدر والحافظات فروجهن، وختم بالذكر لشرفة، ولذكر الله اكبر، وهو ذكر باللسان والقلب معاً، او بالقلب، وعن مجاهد لا يكتب الرجل من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعداً ومضطجعاً، موراده الاكثار، وليس فى قوة البشر اتصال ذلك. ويقال: مدار الكثرة على العرف، وعن ابى سعيد الخدرى: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ايقظ اهله وصليا ركعتين كتبا فى تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات" تفسير : وعن عكرمة وغيره: ذكر الله شكر نعمه، وهو خلاف الظاهر {أعدَّ اللهُ لَهُم} لأجل تلك الصفات {مغْفرةً} لذنوبهم {وأجراً عَظِيماً} هو الجنة وما فيها لأعمالهم. وعن عطاء: دخل فى المسلمين الخ من فوض امره إلى الله، وفى المؤمنين الخ من اقر بالله ورسوله موقنا، وفى القانتين الخ من ادى الفرض والسنة، وفى الصادقين من لا يكذب، وفى الصابرين الخ من صبر على الطاعة والمصيبة، وعن المعصية، وفى الخاشعين الخ من لا يعرف من بجانبه فى الصلاة، وفى المتصدقين الخ من تصدق فى كل اسبوع بدرهم، وفى الصائمين الخ من صام ايام البيض، وفى الحافظين الخ من حفظ فرجه عما لا يحل، وفى الذاكرين الخ من صلى الخمس.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ } أي الداخلين في السلم المنقادين لحكم الله تعالى أو المفوضين أمرهم لله عز وجل من الذكور والإناث {وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } المصدقين بما يجب أن يصدق به من الفريقين. {وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ } المداومين على الطاعات القائمين بها {وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ } في أقوالهم التي يجب الصدق فيها، وقيل في القول والعمل. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن جبير أنه قال أي في إيمانهم {وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ} على المكاره وعلى العبادات وعن المعاصي {وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ } المتواضعين لله تعالى بقلوبهم وجوارحهم. وقيل: الذين لا يعرفون من عن أيمانهم وشمائلهم إذا كانوا في الصلاة {وَٱلْمُتَصَدّقِينَ وَٱلْمُتَصَدّقَـٰتِ } بما يحسن التصدق به من فرض وغيره {وٱلصَّـٰئِمِينَ وٱلصَّـٰئِمَـٰتِ } الصوم المشروع فرضاً كان أو نفلاً، وعن عكرمة الاقتصار على صوم رمضان، وقيل: من تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين {وَٱلْحَـٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَـٰفِـظَـٰتِ } عما لا يرضى به الله تعالى. {وَٱلذكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذكِرٰتِ } بالألسنة والقلوب ومدار الكثرة العرف عند جمع، وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد قال: لا يكتب الرجل من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً. وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أبـي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات»تفسير : ، وقيل: المراد بذكر الله تعالى ذكر آلائه سبحانه ونعمه وروي ذلك عن عكرمة ومآل هذا إلى الشكر وهو خلاف الظاهر. {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ } بسبب كسبهم ما ذكر من الصفات {مَغْفِرَةٍ } لما اقترفوا من الصغائر لأنهن مكفرات بالأعمال الصالحة كما ورد {وَأَجْراً عَظِيماً } على ما عملوا من الطاعات. والآية وعد للأزواج المطهرات وغيرهن ممن اتصفت بهذه الصفات، أخرج أحمد والنسائي وغيرهما عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: / قلت للنبـي صلى الله عليه وسلم ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعني منه صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلا نداءه على المنبر وهو يقول: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ } إلى آخر الآية، وضمير ما لنا للنساء على العموم ففي رواية أخرى رواها النسائي وجماعة عنها أيضاً أنها قالت: قلت للنبـي عليه الصلاة والسلام ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يذكرون؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ } الآية. وفي بعض الآثار ما يدل على أن القائل غيرها، أخرج الترمذي وحسنه والطبراني وعبد بن حميد وآخرون عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبـي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ } الخ. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبـي صلى الله عليه وسلم فقلن: قد ذكركن الله تعالى في القرآن وما يذكرنا بشيء أما فينا ما يذكر فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ } الآية، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: لما ذكر أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم قال النساء: لو كان فينا خير لذكرنا فأنزل الله تعالى الآية. ولا مانع أن يكون كل ذلك. وعطف الإناث على الذكور كالمسلمات على المسلمين والمؤمنات على المؤمنين ضروري لأن تغاير الذوات المشتركة في الحكم يستلزم العطف ما لم يقصد السرد على طريق التعديد، وعطف الزوجين أعني مجموع كل مذكر ومؤنث كعطف مجموع المؤمنين والمؤمنات على مجموع المسلمين والمسلمات غير لازم وإنما ارتكب هٰهنا للدلالة على أن مدار اعداد ما أعد لهم جمعهم بين هذه النعوت الجميلة. وذكر الفروج متعلقاً للحفظ لكونها مركب الشهوة الغالبة، وذكر الاسم الجليل متعلقاً للذكر لأنه الاسم الأعظم المشعر بجميع الصفات الجليلة، وحذف متعلق كل من الحافظات والذاكرات لدلالة ما تقدم عليه، وجعل الذكر آخر الصفات لعمومه وشرفه {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }تفسير : [العنكبوت: 45] وتذكير الضمير في {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ } لتغليب الذكور على الإناث وإلا فالظاهر لهم ولهن، ولله تعالى در التنزيل أشار في أول الآية وآخرها إلى أفضلية الذكور على الإناث.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافاً بيانياً لأن قوله: {أية : ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين}تفسير : [الأحزاب: 31] بعدَ قوله: {أية : لستن كأحد من النساء}تفسير : [الأحزاب: 32] يثير في نفوس المسلمات أن يسألَنْ: أَهُنَّ مأجورات على ما يعملن من الحسنات، وأهنّ مأمورات بمثل ما أمرت به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أم تلك خصائص لنساء النبي عليه الصلاة والسلام، فكان في هذه الآية ما هو جواب لهذا السؤال على عادة القرآن فيما إذا ذكر مأمورات يُعقبها بالتذكير بحال أمثالها أو بحال أضدادها. ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً ورد بمناسبة ما ذكر من فضائل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. روى ابن جرير والواحدي عن قتادة: أن نساءً دخلْنَ على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقلن: قد ذَكَرَكُنّ الله في القرآن ولم يذكرنا بشيء، ولو كان فينا خير لذكرنا فأنزل الله هذه الآية. وروى النسائي وأحمد: أن أم سلمة قالت للنبيء صلى الله عليه وسلم ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى الترمذي والطبراني: «أن أم عُمارة الأنصارية أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى النساء يُذْكَرن بشيء» فنزلت هذه الآية. وقال الواحدي: «قال مقاتل: بلغني أن أسماء بنت عُميس لما رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر ابن أبي طالب دخلت على نساء النبي فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قيل: لا، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار. قال: ومم ذلِك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بالخير كما يذكر الرجال فأنزل الله هذه الآية». فالمقصود من أصحاب هذه الأوصاف المذكورة النساءُ، وأما ذِكْر الرجال فللإِشارة إلى أن الصنفين في هذه الشرائع سواء ليعلموا أن الشريعة لا تختص بالرجال لا كما كان معظم شريعة التوراة خاصاً بالرجال إلا الأحكام التي لا تتصور في غير النساء، فشريعة الإِسلام بعكس ذلك الأصل في شرائعها أن تعم الرجال والنساء إلا ما نُصّ على تخصيصه بأحد الصنفين، ولعل بهذه الآية وأمثالها تقرر أصل التسوية فأَغنى عن التنبيه عليه في معظم أقوال القرآن والسنة، ولعل هذا هو وجه تعداد الصفات المذكورة في هذه الآية لئلا يتوهم التسوية في خصوص صفة واحدة. وسُلك مسلك الإِطناب في تعداد الأوصاف لأن المقام لزيادة البيان لاختلاف أفهام الناس في ذلك، على أن في هذا التعداد إيماء إلى أصول التشريع كما سنبينه في آخر تفسير هذه الآية. وبهذه الآثار يظهر اتصال هذه الآيات بالتي قبلها. وبه يظهر وجه تأكيد هذا الخبر بحرف {إنَّ} لدفع شك من شك في هذا الحكم من النساء. والمراد بــــ{المسلمين والمسلمات} من اتصف بهذا المعنى المعروف شرعاً. والإِسلام بالمعنى الشرعي هو شهادة أن لا إلٰه إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقامُ الصلاة وإيتاء الزكاة وصومُ رمضان وحج البيت، ولا يعتبر إسلاماً إلا مع الإيمان. وذكرُ {المؤمنين والمؤمنات} بعده للتنبيه على أن الإِيمان هو الأصل، وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} تفسير : في البقرة (132). والمراد {بالمؤمنين والمؤمنات} الذين آمنوا. والإِيمان: أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويؤمن بالقَدر خيرِه وشره. وتقدم الكلام على الإِيمان في أوائل سورة البقرة. {والقانتين والقانتات}: أصحاب القنوت وهو الطاعة لله وعبادته، وتقدم آنفا {أية : ومن يقنت منكن لله ورسوله}تفسير : [الأحزاب: 31] {والصادقين والصادقات} من حصَل منهم صدق القول وهو ضد الكذب، والصدق كله حسن، والكذب لا خير فيه إلا لضرورة. وشمل ذلك الوفاءَ بما يُلتزم به من أمور الديانة كالوفاء بالعهد والوفاء بالنذر، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : أولئك الذين صدقوا} تفسير : في سورة البقرة (177). وبـ{الصابرين والصابرات}: أهل الصبر. والصبر محمود في ذاته لدلالته على قوة العزيمة، ولكن المقصود هنا هو تحمل المشاق في أمور الدين، وتحمُّل المكاره في الذبّ عن الحوزة الإسلامية، وتقدم مستوفى عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا}تفسير : آخر سورة آل عمران (200). وبـ{الخاشعين والخاشعات}: أهلُ الخشوع، وهو الخضوع للَّه والخوفُ منه، وهو يرجع إلى معنى الإِخلاص بالقلب فيما يعمله المكلف، ومطابقة ذلك لما يَظهر من آثاره على صاحبه. والمراد: الخشوع للَّه بالقلب والجوارح، وتقدم في قوله تعالى:{أية : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} تفسير : في سورة البقرة (45). وبـ{المتصدقين والمتصدقات}: من يبذل الصدقة من ماله للفقراء، وتقدم في قوله تعالى: {أية : إلا من أمر بصدقة} تفسير : في سورة النساء (114). وفائدة ذلك للأمة عظيمة. وأما (الصائمون والصائمات) فظاهرٌ ما في الصيام من تخلق برياضة النفس لطاعة الله، إذ يترك المرء ما هو جبلي من الشهوة تقرباً إلى الله، أي برهاناً على أن رضى الله عنه ألذُّ عنده من أشد اللذات ملازمة له. وأما حفظ الفروج فلأن شهوة الفرج شهوة جبلية، وهي في الرجل أشد، وقد أثنى الله على الأنبياء بذلك فقال في يحيى {أية : وحَصوراً}تفسير : [آل عمران: 39] وقال في مريم {أية : والتي أحصنت فرجها}تفسير : [الأنبياء: 91]، وهذا الحفظ له حدود سنتها الشريعة، فالمراد: حفظ الفروج عن أن تستعمل فيما نهي عنه شرعاً، وليس المراد: حفظها عن الاستعمال أصلاً وهو الرهبنة، فإن الرهبنة مدحوضة في الإسلام بأدلة متواترة المعنى. وأما (الذاكرون والذاكرات) فهو وصف صالح لأن يَكون من الذِّكر بكسر الذال وهو ذكر اللسان كالذي في قوله: {أية : فاذكروني أذكُرْكُم}تفسير : [البقرة: 152] وقوله في الحديث:«حديث : ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي»، تفسير : ومن الذُّكر بضمها كما تقدم آنفاً في قوله: {أية : واذكرن ما يتلى في بيوتكن}تفسير : [الأحزاب: 34]، والذي في قوله: {أية : ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}تفسير : [آل عمران: 135]. ومفعول و{الحافظات} محذوف دل عليه ما قبله من قوله: {والحافظين فروجهم}، وكذلك مفعول و{الذاكرات}. وقد اشتملت هذه الخصال العشر على جوامع فصول الشريعة كلها. فالإِسلام: يجمع قواعد الدين الخمس المفروضةَ التي هي أعمال، والإِيمان يجمع الاعتقادات القلبية المفروضة وهو شرط أعمال الإِسلام كلها، قال تعالى: {أية : ثم كان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 17]. والقنوت: يجمع الطاعات كلّها مفروضَها ومسنُونها، وتركَ المنهيات والإقلاع عنها ممن هو مرتكبها، وهو معنى التوبة، فالقنوت هو تمام الطاعة، فهو مساوٍ للتقوى. فهذه جوامع شرائع المكلفين في أنفسهم. والصدق: يجمع كلّ عمل هو من موافقة القول والفعل للواقع في القضاء والشهادة والعقود والالتزامات وفي المعاملات بالوفاء بها وترك الخيانة، ومطابقة الظاهر للباطن في المراتب كلّها. ومن الصدق صدق الأفعال. والصبر: جامع لما يختص بتحمل المشاقّ من الأعمال كالجهاد والحسبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناصحة المسلمين وتحمل الأذى في الله، وهو خلق عظيم هو مفتاح أبواب محامد الأخلاق والآداب والإِنصاف من النفس. والخشوع: الإخلاص بالقلب والظاهر، وهو الانقياد وتجنب المعاصي، ويدخل فيه الإِحسان وهو المفسر في حديث جبريل «حديث : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : . ويدخل تحت ذلك جميع القُرَب النوافل فإنها من آثار الخشوع، ويدخل فيه التوبة مما اقترفه المرء من الكبائر إذ لا يتحقق الخشوع بدونها. والتصدق: يحتوي جميع أنواع الصدقات والعطيات وبذل المعروف والإِرفاق. والصوم: عبادة عظيمة، فلذلك خُصصت بالذكر مع أن الفرض منه مشمول للإِسلام في قوله: {إن المسلمين والمسلمات} ويفي صوم النافلة، فالتصريح بذكر الصوم تنويه به. وفي الحديث «حديث : قال الله تعالى: الصوم لي وأنا أجزي به»تفسير : . وحفظ الفروج: أريد به حفظها عما ورد الشرع بحفظها عنه، وقد اندرج في هذا جميع أحكام النكاح وما يتفرع عنها وما هو وسيلة لها. وذكرُ اللَّه كما علمت له محملان: أحدهما: ذكرهُ اللساني فيدخل فيه قراءة القرآن وطلب العلم ودراسته. قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيَتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده»،تفسير : ففي قوله: «وذكرهم اللَّه» إيماء إلى أن الجزاء من جنس عملهم فدل على أنهم كانوا في شيء من ذِكر الله وقد قال تعالى: {أية : فاذكروني أذكرْكُم}تفسير : [البقرة: 152] وقال فيما أخبر عنه رسولُه صلى الله عليه وسلم «حديث : وإن ذكرني في مَلأَ ذكرته في ملأ خير منهم»تفسير : . وشمل ما يذكر عقب الصلوات ونحو ذلك من الأذكار. والمحمل الثاني: الذكر القلبي وهو ذكر الله عند أمره ونهيه كما قال عمر بن الخطاب: أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه، وهو الذي في قوله تعالى: {أية : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}تفسير : [آل عمران: 135] فدخل فيه التوبة ودخل فيها الارتداع عن المظالم كلها من القتل وأخذ أموال الناس والحِرابة والإِضرار بالناس في المعاملات. ومما يوضح شموله لهذه الشرائع كلها تقييده بــــ{كثيراً} لأن المرء إذا ذَكَر الله كثيراً فقد استغرق ذكره على المحملين جميعَ ما يُذكر الله عنده. ويراعى في الاتصاف بهذه الصفات أن تكون جارية على ما حدده الشرع في تفاصيلها. والمغفرة: عدم المؤاخذة بما فَرَط من الذنوب، وقد تقدمت في قوله تعالى: {أية : وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} تفسير : في سورة الأعراف (23). واعلم أن عطف الصفات بالواو المفيد مجرد التشريك في الحكم دون حرفي الترتيب: الفاءِ وثم، شأنه أن يكون الحكم المذكور معه ثابتاً لكل واحد اتصف بوصف من الأوصاف المشتق منها موصوفُه لأن أصل العطف بالواو أن يدل على مغايرة المعطوفات في الذات، فإذا قلت: وجدت فيهم الكريم والشجاع والشاعر كان المعنى: أنك وجدتَ فيهم ثلاثة أُناس كل واحد منهم موصوف بصفة من المذكورات. وفي الحديث: "فإن منهم المريض والضعيف وذا الحاجة أي أصحاب المرض والضعف والحاجة"، بخلاف العطف بالفاء كقوله تعالى: {أية : والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكراً}تفسير : [الصافات: 1 ـــ 3] فإن الأوصاف المذكورة في تلك الآية ثابتة لموصوف واحد. ولهذا فحقّ جملة {أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً} أن تكون خبراً في المعنى عن كل واحد من المتعاطفات فكأنه قيل: إن المسلمين أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً، إن المسلمات أعدّ الله لهن مغفرة وأجراً عظيماً، وهكذا. والفعل الواقع في جملة الخبر وهو فعل {أعد} قد تعدى إلى مفعول ومعطوف على المفعول فصحة الإِخبار به عن كل واحد من الموصوفات المتعاطفات باعتبار المعطوف على مفعوله واضحة لأن الأجر العظيم يصلح لأن يُعطى لكل واحد ويقبل التفاوت فيكون لكل من أصحاب تلك الأوصاف أجره على اتصافه به ويكون أجر بعضهم أوفر من أجر بعض آخر. وأما صحة الإِخبار بفعل {أعد} عن كل واحد من المتعاطفات باعتبار المفعول وهو {مغفرة} فيمنع منه ما جاء من دلائل الكتاب والسنة الدالة على أن الذنوب الكبيرة التي فرطت لا يضمن غفرانها للمذنبين إلا بشرط التوبة من المُذنِب وعداً من الله بقوله: {أية : كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم}تفسير : [الأنعام: 54]. وألحَقَت السنة بموجبات المغفرة الحجّ المبرور والجهاد في سبيل الله وأشياء أخرى. والوجه في تفسير ذلك عندي: أن تُحمل كل صفة من هذه الصفات على عدم ما يعارضها مما يوجب التبعة، أي سلامته من التلبس بالكبائر حملاً أُراعي فيه الجري على سَنَن القرآن في مثل مقام الثناء والتنويه بالمسلمين من اعتبار حال كمال الإِسلام كقوله:{أية : أولئك هم المؤمنون حقاً}تفسير : [الأنفال: 4] فإنا لا نجد التفصيل بين أحوال المسلمين إلا في مقام التحذير من الذنوب. والمرجع في هذا المحمل إلى بيان الإِجمال بالجمع بين أدلة الشريعة. وقد سكت جمهور المفسرين عن التصدّي لبيان مفاد هذا الوعد ولم يعرّج عليه فيما رأيت سوى صاحب «الكشاف» فجعل معنى قوله: {أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً}: أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً، وجعل واو العطف بمعنى المعية، وجعل العطف على اعتبار المغايرة بين المتعاطفات في الأوصاف لا المغايرة بالذوات، وهذا تكلّف وصنع باليد، وتبعه البيضاوي وكثير. ويعكّر عليه أن جمع تلك الصفات لا يوجب المغفرة لأن الكبائر لا تسقطها عن صاحبها إلا التوبة، إلا أن يضم إلى كلامه ضميمة وهي حمل {والذاكرين الله والذاكرات} على معنى المتصفين بالذكر اللساني والقلبي، فيكون الذكر القلبي شاملاً للتوبة كما في قوله تعالى: {أية : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبهم}تفسير : [آل عمران: 135] فيكون الذين جمعوا هذه الخصال العشر قد حصلت لهم التوبة، غير أن هذا الاعتذار عن الزمخشري لا يتجاوز هذه الآية، فإن في القرآن آيات كثيرة مثلها يضيق عنها نطاق هذا الاعتذار، منها قوله تعالى: {أية : وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هوناً} تفسير : إلى قوله: {أية : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} تفسير : الآية في سورة الفرقان [63 - 75].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 35- إن المنقادين من الرجال والنساء، والمصدقين بالله ورسوله والمصدقات، والقائمين بالطاعة والقائمات، والصادقين فى أقوالهم وأعمالهم ونياتهم والصادقات، والصابرين على تحمل المشاق فى سبيل الله والصابرات، والمتواضعين لله والمتواضعات، والمتصدقين من مالهم على المحتاجين والمتصدقات، والصائمين الفرض والنفل والصائمات، والحافظين فروجهم عما لا يحل والحافظات، والذاكرين الله كثيرا بقلوبهم وألسنتهم والذاكرات. أعد الله لهم غفراناً لذنوبهم وثوابا عظيما على أعمالهم. 36- وما ساغ لمؤمن ولا لمؤمنة إذا حكم الله ورسوله فى أمر من الأمور أن يكون له خيار فيه بعد أن حكم الله ورسوله، ومن يخالف ما حكم به الله ورسوله فقد بَعُد عن طريق الصواب بُعْداً ظاهراً. 37- واذكر إذ تقول لزيد بن حارثة الذى أنعم الله عليه بهداية الإسلام، وأنعمت عليه بالتربية والعتق، أمسك عليك زوجك - زينب بنت جحش - واتق الله فيها، واصبر على معاشرتها، وتخفى فى نفسك ما الله مظهره من أنه سيطلقها وأنك ستتزوجها، وتخاف أن يُعيِّرك الناس، والله هو الجدير بأن تخافه، ولو كان فى ذلك مشقة عليك. فلما قضى زيد منها حاجته وطلقها تخلصاً من ضيق الحياة معها زوجناكها. لتكون قدوة فى إبطال هذه العادة المرذولة، ولا يتحرج المسلمين بعد ذلك من التزوج بزوجات من كانوا يتبنونهم بعد طلاقهن. وكان أمر الله الذى يريده واقعاً لا محالة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن المسلمين والمسلمات: إن الذين أسلموا لله وجوههم فانقادوا لله ظاهراً وباطناً والمسلمات أيضاً. والمؤمنين والمؤمنات: أي المصدقين بالله رباً وإلهاً والنبي محمد نبياً ورسولاً والإِسلام دينا وشرعاً والمصدقات. والقانتين والقانتات: أي المطيعين لله ورسوله من الرجال والمطيعات من النساء. والصادقين والصادقات: أي الصادقين في أقوالهم وأفعالهم والصادقات. والصابرين والصابرات: أي الحابسين نفوسهم على الطاعات فلا يتركوها وعن المعاصي فلا يقربوها وعلى البلاء فلا يسخطوه ولا يشتكوا الله إلى عباده والحابسات. والخاشعين والخاشعات: أي المتذللين لله المخبتين له والخاشعات من النساء كذلك. والمتصدقين والمتصدقات: أي المؤدين الزكاة والفضل من أموالهم عند الحاجة إليه والمؤديات كذلك. والحافظين فروجهم: أي عن الحرام والحافظات كذلك إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم بالنسبة للرجال أما النساء فالحافظات فروجهن إلا على أزواجهن فقط. والذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أي بالألسن والقلوب فعلى أقل تقدير يذكرن الله ثلاثمائة مرة في اليوم والليلة زيادة على ذكر الله في الصلوات الخمس. أعد الله لهم مغفرة: أي لذنوبهم وذنوبهن. وأجراً عظيماً: أي الجنة دار الأبرار. معنى الآيات: هذه الآية وإن نزلت جواباً عن تساؤل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إذ قلن للنبي صلى الله عليه وسلم: ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال فأنزل الله تعالى هذه الآية المباركة إن المسلمين والمسلمات، فإن مناسبتها لما قبلها ظاهرة وهي أنه لما أثنى على آل البيت بخير فإن نفوس المسلمين والمسلمات تتشوق لخير لهم كالذي حصل لآل البيت الطاهرين فذكر تعالى أن المسلمين والمسلمات الذين انقادوا لأمر الله ورسوله وأسلموا وجوههم لله فلا يلتفتون إلى غيره، كالمؤمنين والمؤمنات بالله رباً وإلهاً ومحمداً نبياً ورسولاً والإِسلام ديناً وشرعا، كالقانتين أي المطيعين لله ورسوله والمطيعات في السراء والضراء والمنشط والمكره في حدود الطاقة البشرية، كالصادقين في أقوالهم وأفعالهم والصادقات كالصابرين أي الحابسين نفوسهم على الطاعات فعلا، وعن المحرمات تركا، وعلى البلاء رضاً وتسليماً والصابرات كالخاشعين في صلاتهم وسائر طاعاتهم والخاشعات لله تعالى كالمتصدقين بأداء زكاة أموالهم وبفضولها عند الحاجة إليها والمتصدقات كالصائمين رمضان والنوافل كعاشوراء والصائمات، كالحافظين فروجهم عما حرم الله عليهم من المناكح وعن كشفها لغير الأزواج والحافظات، كالذاكرين الله كثيراً بالليل والنهار ذكر القلب واللسان والذاكرات الكل الجميع أعد الله تعالى لهم مغفرة لذنوبهم إذ كانت لهم ذنوب، وأجراً عظيماً أي جزاء عظيماً على طاعاتهم بعد إِيمانهم وهو الجنة دار السلام جعلنا الله منهم ومن أهل الجنة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بشرى المسلمين والمسلمات بمغفرة ذنوبهم ودخول الجنة إن اتصفوا بتلك الصفات المذكورة في هذه الآية وهي عشر صفات أولها الإِسلام وآخرها ذكر الله تعالى. 2- فضل الصفات المذكورة إذ كانت سبباً في دخول الجنة بعد مغفرة الذنوب. 3- تقرير مبدأ التساوي بين الرجال والنساء في العمل والجزاء في العمل الذي كلف الله تعالى به النساء والرجال معاً وأما ما خص به الرجال أو النساء فهو على خصوصيته للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن والله يقول الحق ويهدي السبيل.

القطان

تفسير : الاسلام: الانقياد والخضوع لأمر الله، والايمان: التصديق بما جاء عن الله من أمرٍ ونهي. القنوت: الطاعة في سكون. الصبر: تحمل المشاق والمكاره والعبادات والبعد عن المعاصي. الخشوع: السكون والطمأنينة. اعدّ الله لهم مغفرة: هيأ لهم الرحمة والغفران واحسن الجزاء. ذكر الله تعالى في هذه الآية عشر صفات من صفات المؤمن المخلص الصادِق الإيمان. وهي الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والصبر، والخشوع، والتصدُّق، والصوم، وحفظ الفرْج، وذِكر الله كثيرا. فهذه الصفات تجعلُ من يتحلّى بها من المؤمنين رجلا مثاليا او امرأة مثالية. ويلاحَظ ان الله تعالى لم يفرّق بين المرأة والرجل، فالكل سواء في العمل والايمان والأجر والكرامة. وأيّ منزلة أرفعُ من هذه المنزلة للمرأة، فهي تُذكر في الآية بجنب الرجل، مع رفع قيمتها، وترقية النظرة اليها في المجتمع واعطائها مكانها اللائق في التطهر والعبادة والسلوك القويم في الحياة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمُسْلِمَاتِ} {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} {ٱلْقَانِتِينَ} {ٱلْقَانِتَاتِ} {ٱلصَّادِقِينَ} {ٱلصَّادِقَاتِ} {َٱلصَّابِرِينَ} {ٱلصَّابِرَاتِ} {َٱلْخَاشِعِينَ} {َٱلْخَاشِعَاتِ} {ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} {َٱلْمُتَصَدِّقَاتِ} {ٱلصَّائِمِينَ} {ٱلصَّائِمَاتِ} {َٱلْحَافِظِينَ} {ٱلْحَافِـظَاتِ} {َٱلذَّاكِـرِينَ} {ٱلذَّاكِرَاتِ} (35) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا لَهُ يَذْكُرُ المُؤْمِنينَ وَلا يَذْكُرُ المُؤْمِنَاتِ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعالى هذِهِ الآيةَ. وَقَدْ مَيَّزَ اللهُ تَعَالى بينَ الإِسلامِ وَالإِيمَانِ وَجَعَلَ الإِيمَانَ أَخَصَّ مِنَ الإِسْلامِ. وَقَالَ تَعَالى: أية : قَالتِ الأعرابُ آمَنَّا. قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِيْ قُلُوبِكُمْ. تفسير : وَجَاءَ فِي الصَّحِيحَين: حديث : لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌتفسير : فَالزَّانِي حِينَ يَزْنِي تُنْتَزَعُ عَنْهُ صِفَةُ الإِيمَانِ، وَلِكنَّهُ لا يُعْتَبَرُ كَافِراً، وَلا تُنْتَزَعُ عَنْهُ صِفَةُ الإِسلامِ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمينَ. وَفِي هذهِ الآيةِ يَذْكُرُ اللهُ تَعَالى الصِّفَاتِ التِي يَسْتَحِقُّ بِها عِبَادَهُ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، وَأَنْ يَمْحُوَ عَنْهُمْ زَلاَّتِهِمْ، وَيُثِيبَهُمْ بِالنّعِيمِ المُقِيمِ، وَهَذِهِ الأَوْصَافُ هِيََ: - إِسْلاَمُ الظَّاهِرِ بالانْقِيَادِ لأَحْكَامِ الدِّينِ بِالقَوْلِ وَالعَمَلِ. - إِسْلاَمُ البَاطِِنِ (الإِيمَانُ) بِالتَّصْدِيقِ التَّامِ والإِذْعَانِ لِمَا فَرَضَ الدِّينُ مِنْ أَحْكَامٍ. - القُنُوتُ وَهُوَ دَوَامُ العَمَلِ فِي هُدُوءٍ وَطُمَأْنِينَةٍ. - الصِّدْقُ فِي الأَقْوَالِ والأَعْمَالِ وَهُوَ عَلاَمَةٌ عَلى الإِيمانِ كَمَا أَنَّ الكَذِبَ عَلاَمَةٌ عَلَى النِّفَاقِ. - الصَّبْرُ عَلَى المَكَارِهِ وَتَحَمُّلِ المَشَاقِّ في أَدَاءِ العِبَادَاتِ وَتَرْكِ الشَّهَوَاتِ. - الخُشُوعُ والتَّواضُعُ للهِ تَعَالى بِالقَلْبِ والجَوَارِحِ، ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللهِ، وَخَوْفَ عِقَابِهِ. - التَّصَدُّقُ بِالمَالِ والإِحْسَانُ إِلى المُحْتَاجِينَ الذِينَ لاَ كَسْبَ لَهُمْ. - الصَّوْمُ فإِنَّهُ مُعِينٌ عَلَى كَسْرِ حِدَّةِ الشَّهْوَةِ. (وفي الحَدِيثِ: حديث : الصَّوْمُ زَكَاةُ الدِّينِتفسير : ) (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قلنا: إن هذه الآية نزلت تطييباً لخاطر السيدة أسماء بنت عميس زوجة سيدنا جعفر بن أبي طالب، لما حدَّثَتْ سيدنا رسول الله في أمر الأحكام، وأنها تنزل وتتوجَّه في الغالب إلى الرجال، ويبدو أنها حدَّثَتْ رسول الله في أمر النساء، وأن منهن مثل الرجال مسلمات ومؤمنات .. إلخ. ونلحظ أن الآية بدأت بذكر الإسلام، ثم الإيمان، فأيّهما يسبق الآخر؟ ونجد إجابة هذا السؤال في قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..} تفسير : [الحجرات: 14]. فالإسلام أنْ تؤدي أعمال الإسلام بصرف النظر، أكان أداؤك لها عن إيمان أو عن غير إيمان؟ لأن الإسلام تلقِّي حكم، أما الإيمان فأنْ تؤمن بمَنْ حكم، وتُصدِّق مَنْ بلَّغك هذا الحكم، وعليه فالإيمان سابق للإسلام. لذلك جاءت هذه الآية لتفضح هؤلاء الأعراب الذين تستروا وراء الأعمال الظاهرة للإسلام، وهم غير مؤمنين بها، وقد يأتي الإيمان بعد الإسلام حين تؤدي أعمال الإسلام فتحلُو لك، وتجذبك إلى الإيمان والتصديق. لذلك، فرح هؤلاء الأعراب لقوله تعالى: {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..} تفسير : [الحجرات: 14] وقالوا الحمد لله؛ لأن (لَمَّا) لا تدخل إلا على ما يمكن أنْ يجيء، كأن تقول: لَمَّا يثمر بستاننا، وثد أثمرتْ البساتين، والمعنى: أنه سيثمر فيما بعد. قالوا: لأن هناك كثيراً من الأحكام أنت لا تؤمن بالذي حكم بها إلا إذا أدركتَ حلاوتها، فالرجل الذي جاء سيدنا إبراهيم عليه السلام، وطلب منه أنْ يبيت عنده، أو: أنْ يضيفه، فسأله إبراهيم عليه السلام عن دينه فقال: إنه مجوسي، فردَّ الباب في وجهه، فعاتبه ربه في ذلك، وقال له: يا إبراهيم تريده أنْ يغير دينه لضيافة ليلة، وأنا أَسَعُه طوال عمره وهو كافر بي؟ فأسرع إبراهيم في إثر الرجل حتى لحق به ودعاه إلى بيته، فقال الرجل: ألم تنهرني منذ قليل، فماذا حدث؟ فقال: لقد عاتبني ربي فيك، فقال الرجل: نِعْم الربّ ربٌّ يعاتب أحبابه في أعدائه، أشهد ألاَّ إله إلا الله. وقد اشتملتْ هذه الآية على عشر صفات، بدأت بالمسلمين والمسلمات، وانتهت بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وكأن الله تعالى أوجد مراد السيدة أسماء بنت عُميس في هذه الصفات العَشْر التي جمعتْ الرجال والنساء، واشتملت على كل أنواع التكليف، وهي برقية تدلُّ على أن حكم المرأة التكليفي مطمور في باطن الرجل، وهذه هي الأصول. ومعنى {وَٱلْقَانِتِينَ ..} [الأحزاب: 35] المداومون على عبادة الله وطاعته في خشوع وتضرُّع كما نفهم من قوله تعالى {وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ ..} [الأحزاب: 35] أن للمرأة ذمتها المالية المستقلة وحرية التصرُّف في مالها بغير إذن زوجها إذا كانت تملك إرثاً أو هبة من زوجها أو من غيره، فلا ولايةَ عليها من أحد. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة في كلامنا عن الزكاة، وهذه من مَيْزات المرأة في الإسلام، حيث كانت قبل الإسلام، وحتى في الحضارات الحديثة تابعة لأبيها أو لزوجها، والصدقة تشمل الزكاة؛ لأن الله قال فيها: {أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ..} تفسير : [التوبة: 60]. فالصدقة هي العنوان الأعم، ومعناها أنك صدَّقْتَ الحق سبحانه حين استأمنك على خير، فاستنبط بمجهودك وسعيك في أرض الله التي خلقها، فكأنك تُحقِّق ما كان من سيدنا أبي بكر حين سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا صنع بماله الذي كسبه في الغنيمة؟ قال تصدَّقْتُ به كله، فقال له: "وماذا أبقيتَ لأهلك؟" قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فلما سأل عمر - رضي الله عنه - قال: تصدَّقْتُ بنصفه، ولله عندي نصفه. فكلٌّ منهما تصرَّف في ماله تصرُّفاً منطقياً يناسبه. وإنْ كانت الزكاة يُراد بها نماء المال وطهارته، فالصدقة عطاء لا يُرَاد به إلا وجه الله وثوابه في الآخرة، فكأن المتصدِّق يريد أنْ يبرَّ، وأنْ يعترف لله المعطي بالفضل؛ لأن الله مكَّنه من مال لم يُمكِّن منه الضعيف، ولا غير القادر. ثم ذكر الحق سبحانه تكليف الصوم {وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ ..} [الأحزاب: 35] والصوم أخذ حُكْماً فريداً من بين أحكام التكاليف كلها، والحق سبحانه جعل لكل تكليف من التكاليف (كادر خاص) في الجزاء إلا الصوم، فليس له (كادر) محدد، لذلك قال عنه الحق سبحانه: "إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به" يعني: قرار عالٍ فوق الجميع، فلماذا أخذ الصوم هذه المنزلة؟ قالوا: لأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يعبد بها بشرٌ بشراً أبداً، فمن الممكن مثلاً في شهادة أنْ لا إله إلا الله أنْ يأتي مَنْ يمدح آخر، فيقول له: ليس في الكون إلا أنت، أنت النافع وأنت الضار، وهناك من قال عن نفسه: أنا الزعيم الأوحيد، كذلك في الصلاة نرى مَنْ يخضع ويسجد لغير الله كما نخضع ونسجد نحن في الصلاة، وكذلك في الزكاة نتقرب إلى العظيم أو الكبير بالهدايا له أو لمن حوله. لكن، هل قال بشر لبشر: أنا أصوم شهراً، أو يوماً تقرُّباً إليك؟ لا .. لأن الصيام للغير المماثل تذنيب للمصوم له لا للصائم؛ لأنه سيُضطرّ لأنْ يظل طوال اليوم يراقبك، أكلتَ أم لم تأكل؟ ولأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يتقرب بها بشر لبشر قال الله عنها في الحديث القدسي: "حديث : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به" تفسير : يعني: جزاؤه خارج المقرر كما قلنا. ومن عظمة تكليف الصوم أيضاً أن الله تعالى أحلَّ لنا أشياء، وحرَّم علينا أشياء أخرى تحريماً أبدياً، فالذي تحمَّل التكليف أَلِفَ الحلال ولم يألف ما حُرِّم عليه، ورسختْ هذه العقيدة في نفسه، حتى أن الحرام لا يخطر بباله أبداً، فلم يأْتِ على باله مرة مثلاً أنْ يشرب الخمر، أو يأكل الميتة، فهذه مسألة منتهية بالنسبة له، فأراد الله تعالى أنْ يديم لذَّة التكليف على البشر، ففرضَ الصومَ الذي يُحرِّم عليك اليوم ما كان مُحلَّلاً لك بالأمس ومألوفاً حتى صار عادة. إذن: هناك فَرْق بين دوام العادة ولذة العبادة، وتأمل مثلاً يوم الفطر، والفطر عادة لك في غير هذا اليوم، وأنت حر تفطر أو لا تفطر، فإذا ما جاء يوم عيد الفطر أخرجك ربك من العادة إلى العبادة، وجعله تكليفاً أنْ تفطر قبل الخروج للصلاة. ثم يقول تعالى: {وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ ..} [الأحزاب: 35] جاءتْ مسألة حِفْظ الفروج بعد ذكر الصيام؛ لأن الصيام امتناعٌ عن شهوتَيْ البطن والفرج، شهوة البطن جعلها الله تعالى لحفظ الحياة بالطعام والشراب، وشهوة الفرج جعلها الله تعالى لحفظ النوع بالنكاح والتناسل. قُلْنا: إن الله تعالى أرضى السيدة أسماء رضي الله عنها الممثِّلة لجنس النساء، فذكر أنواع التكاليف مرة للمذكَّر، ومرة للمؤنث، لكنه راعى في ذلك سَتْر المرأة، وهنا أيضاً يُراعي هذه المسألة، فيقول: {وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ ..} [الأحزاب: 35] حينما تكلم عن المذكَّر قال {وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ ..} [الأحزاب: 35] ولم يقُلْ: والحافظات فروجهن؛ لأن أمر النساء ينبغي أنْ يُسْتر وأنْ يُصَان. ثم يقول سبحانه {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ ..} [الأحزاب: 35] ويعود إلى مسألة السَّتْر مرة أخرى في قوله: {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 35] فقال (لهم) على سبيل التغليب، وسَتْر المرأة في الرجل، وهذه مسألة مقصودة يُراد بها شرف للمرأة، وصيانة لها، لا إهمالها كما يدَّعي البعض، ومن هذه الصيانة ما نقوله نحن عن المرأة: معي أهلي أو الأولاد أو الجماعة، ونقصد بذلك سَتْرها وصيانتها لا إهمالها، أو التقليل من شأنها. فكأن الحق سبحانه حينما أرضى السيدة أسماء نيابةً عن المرأة المسلمة، فذكر ما ذكر من جمع المؤنث الذي يقابل جمع المذكر، أراد أنْ يبني حول المرأة سياجاً من الستر في كل شيء حتى في التكاليف. ونلحظ على سياق الآية هنا أيضاً أنه قدَّم المغفرة على الأجر؛ لأن القاعدة كما قُلْنا: إن دَرْء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة، والحق سبحانه يُعد لعباده الأجر على الحسنة التي فعلوها، مع أنه سبحانه لا ينتفع منها بشيء إنما يعود نَفْعها على المكلَّف نفسه، فهو يستفيد بالطاعة وينال عليها الأجر في الآخرة. أما الحق سبحانه فغنيٌّ عنَّا، وعن طاعتنا، واقرأ الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ". تفسير : إذن: نحن المستفيدون من التكاليف، ففيها صلاحُنَا في الدنيا، ثم نأخذ عليها الأجر يوم القيامة. لذلك نجد الكثير من الرسل يقولون لأقوامهم: {أية : وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ..} تفسير : [الشعراء: 109] كأنه يقول: الذي أؤديه لكم من تبليغ دعوة الله في عرف الاقتصاد والتبادل يقتضي أنْ آخذَ عليه أجراً؛ لأنني أؤدي لكم خدمة، لكن ماذا سآخذ منكم أيها العرايا وأجري عالٍ لا يقدر عليه المكلَّف {أية : إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ..}تفسير : [يونس: 72] فهو وحده القادر على أنْ يجازيني بما أستحق. ووَصْف الأجر بأنه عظيم يدلُّ على كِبَر في الحجم، ونَفَاسة في الصفات، وامتداد في الزمن، وهذه هي عناصر العظمة في الشيء، وأيُّ أجر أعظم من أجر الله لعباده في الآخرة؟ ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ...}.

الجيلاني

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ} المسلّمين المخصلين، المفوضين أمورهم كلها إليه سبحانه {وَٱلْمُسْلِمَاتِ} المفوضات المخلصات {وَٱلْمُؤْمِنِينَ} الموقنين الموحدين {وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} الموقنات الموحدات {وَٱلْقَانِتِينَ} الخاضعين، المتذللين مع الله في جميع الطاعات والعبادات، بل في جميع الحالات {وَٱلْقَانِتَاتِ} الخاضعات الخاشعات {وَٱلصَّادِقِينَ} في جميع الأقوال، المخلصين في جميع الأحوال والأعمال {وَٱلصَّادِقَاتِ} أيضاً كذلك {وَٱلصَّابِرِينَ} فلي البأساء والضراء لجميع ما جرى عليهم من القضاء {وَٱلصَّابِرَاتِ} أيضاً كذلك {وَٱلْخَاشِعِينَ} المتواضعين، المتضرعين نحو الحق بجوائجهم وجوارحهم {وَٱلْخَاشِعَاتِ} أيضاً كذلك {وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ} بما عندهم من فواضل الصدقات طلباً لمرضات الله، وهرباً من سخطه {وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ} أيضاً كذلك. {وٱلصَّائِمِينَ} الممسكين نفوسهم مطلقاً عما لا يرضى عنه سبحانه {وٱلصَّائِمَاتِ} الممسكات أنفسهم كذلك {وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ} عن أمارات الزنا، ومقدما السفاح مطلقاً {وَٱلْحَافِـظَاتِ} أيضاً {وَٱلذَّاكِـرِينَ} المشتغلين بذكر الله باللسان والجنان والأركان {ٱللَّهَ} باسمه الجامع الشامل لجميع الأسماء والصفات لا على سبيل التعديد والإحصاء، ولا في جين دون حين، بل {كَثِيراً} مستوعباً لجميع الأعيان والأزمان، والأوقات والحالات {وَٱلذَّاكِرَاتِ} أيضاً كذلك {أَعَدَّ ٱللَّهُ} المصلح لأحوالهم، المطلع لما جرى في ظهورهم وبواطنهم ن الإخلاص على وجه التذلل والانكسار {لَهُم} أي: لهؤلاء المتصفين بالصفات المرضية، والأخلاق المحمودة المقبولة عند الله {مَّغْفِرَةً} ستراً وعفواً لما صدر عنهم من الصغائر هفوةً، ومن الكبائر أيضاً بعدما تابوا عنها، وأخلصوا في التوبة والإنابة على وجه الندامة {وَأَجْراً} جزيلاً جميلاً لصالحات أعمالهم {عَظِيماً} [الأحزاب: 35] بأضعاف ما استحقوا بحسناتهم تفضلاً عليهم وامتناناً. ثمَّ لمَّا أراد رسول الله أن يزوج بنت عمته التي هي أميمة بنت عبد المطلب، المسماة زينب بنت جحش لزيد بن الحارثة الذي هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعتيقه، فأبت هي وأمها أميمة، وأخوها عبد الله بن جحش، فأعرضوا عن تزويجها إليه، ولم يختاروا؛ لئلا يلحق العار عليهم من تزويج الشريفة بالمولى، فنزلت: {وَمَا كَانَ} يعني: ما صحَّ وجاز {لِمُؤْمِنٍ} أي: لواحد من المؤمنين {وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} واحدة من المؤمنات بعدما أخلصوا الإيمان بالله ورسوله أن يتخلفوا عن حكمهما أصلاً، سيما {إِذَا قَضَى ٱللَّهُ} الحكيم المتقن في أفعاله. {وَ} نفذ {رَسُولُهُ أَمْراً} من الأمور المقضية، وحكماً من الأحكام المبرمة {أَن يَكُونَ} ويبقى {لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} أي: الاختيار والترجيح بأن يختاروا {مِنْ أَمْرِهِمْ} المحكوم به، المقضي عليه شيئاً يخالف الحكم الواقع منهما أو يوافقه، بل لهم؛ أي: يطيعوا وينقادوا لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو حكم الله حقيقة {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بتغيير ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعاء الاختيار في المأمور به {فَقَدْ ضَلَّ} عن طريق الهداية {ضَلاَلاً مُّبِيناً} [الأحزاب: 36] وانحرف عن منهج الصواب والرشاد انحرافاً عظيماً، وبعدما نزلت الآية رضيت زينب وأمها وأخوها، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكحها على زيد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن المسلمين والمسلمات من أهل البدايات والنهايات بقوله: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] المسلم هو المستسلم للأحكام الأزلية بالطوع والرغبة مسلما نفسه إلى المجاهدة والمكابدة ومخالفة الهوى، وقد سلم المسلمون من لسانه ويده {وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 35] والمؤمن من آمنه الناس وقد أحيا الله قلبه أولا بالفعل، ثم بالعلم ثم بالفهم ثم بنور الله ثم بالتوحيد ثم بالمعرفة ثم أحياه بالله {وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ} [الأحزاب: 35] القنوت استغراق الوجود في الطاعة والعبودية {وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ} [الأحزاب: 35] في عقودهم وعهودهم ورعاية حدودهم والصدق نور الهوى لقلوب الصديقين بحسب قربهم من ربهم {وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ} [الأحزاب: 35] على الخصال الحميدة وعن الصفات الذميمة، وعند جريان مفاجأة القضية في الابتداء ونزول البلاء {وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ} [الأحزاب: 35] الخشوع إطراق السريرة عند توارد الحقيقة {وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ} [الأحزاب: 35] بأموالهم وأعراضهم حتى لا يكون لهم مع أحد خصمه، فيما نالوا منهم وحقيقة الصدقة ما يكون بالأحوال على أرباب الطلب {وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ} [الأحزاب: 35] الممسكين عما لا يجوز في الشريعة والطريقة بالقلب والقالب فصوم القالب بالإمساك عن الشهوات وصوم القلب بالإمساك عن رؤية الدرجات والقربات {وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ} [الأحزاب: 35] في الظاهر عن الحرام وفي الحقيقة عن تصورات المكونات {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب: 35] بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية بجميع ذرات المكونات بل بالله وجميع صفاته {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم} [الأحزاب: 35] في الأزل وهم في العدم {مَّغْفِرَةً} [الأحزاب: 35] وهي نور من أنوار جماله، فلما خرجوا من العدم جعل نور المغفرة مغفراً لرأس روحهم يغطيهم عما يقطعه عن الله {وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 35] والعظيم هو الله يعني أجراً من مواهب ألطافه بتجلي ذاته وصفاته. ثم أخبر عن نفي الخيرة عن البرية بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} [الأحزاب: 36] يشير إلى أن العبد ينبغي أن لا يكون له اختيار ما بغير ما اختاره الله له بل تكون خيرته فيما اختاره الله له، ولا يعترض على أحكامه الأزلية عند ظهورها بل له الاحتراز عن شيء شر ما قضى الله قبل وقوعه، فإذا وقع الأمر فلا يخلو، إما أن يكون موافقاً للشرع أو مخالفاً للشرع، فإن يكن موافقاً للشرع فلا يخلو إما أن يكون موافقاً لطبعه أو مخالفاً لطبعه، فإن يكن موافقاً لطبعه فهو نعمة من الله يجب عليه شكرها، وإن يكن مخالفاً لطبعه فيستقبله بالصبر والتسليم والرضا، وإن يكن مخالفاً للشرع يجب عليه التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله تعالى من غير اعتراض على الله فيما قدر وقضى وحكم به، فإنه حكيم يفعل ما يشاء بحكمته ويحكم ما يريد لعزته {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ} [الأحزاب: 36] عن الصراط المستقيم {ضَلاَلاً مُّبِيناً} [الأحزاب: 36] بيان للشرع {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37] بأن أوقعه في معرض هذه الفتنة العظيمة والبلية الجسيمة وقواه على احتمالها وأعانه على التسليم والرضا، فيما يجري الله عليه وفيما يحكم به عليه من مفارقة الزوجة وتسليمها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأن ذكر اسمه في القرآن من بين الصحابة وأفرده به وأنعمت عليه بقبول زينب بعد أن أنعمت عليه بإيثارها عليه بقولك {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37] وبإقبالك عليه وبتثبيتك له، وأما بقوله تعالى: {وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} [الأحزاب: 37] يشير إلى أنني أتقي الله في طلبها فأنت اتق الله في طلاقها وإمساكها وبقوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب: 37] يشير إلى أنك تعلم ما أعلمك أنها ستكون زوجك وأنت تخفي في نفسك هذا المعنى والله يريد أن ينجز لك وعده ويبدي أنها زوجك بقوله {زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب: 37] {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ} أي: تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة أن يخطر ببالهم نوع إنكار أو اعتراض عليه أو شك في نبوته، فإن النبي من تنزه عن مثل هذا الميل ويتبع الهوى فيخرجهم من الإيمان إلى الكفر، فكانت تلك الخشية إشفاقاً عليهم ورحمة بهم أنهم لا يطيقون سماع هذه الحالة ولا يقدرون على تحمله وبقوله: {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37] يشير إلى أن رعاية جانب الحق أحق من رعاية جانب الخلق؛ لأن لله تعالى في إبداء هذا الأمر وإجراء هذا القضاء حكماً كثيرة فأقصى ما يكون في رعاية جانب الخلق أن لا يضل بعض الضعفاء، فلعل الحكمة في إجراء هذا الحكم فتنة لبعض الناس المستحقين للضلالة والإنكار؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وهذا كما قال تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [الإسراء: 60] قالوا: وجب على النبي صلى الله عليه وسلم إذا عرض له أمران في أحدهما رعاية جانب الحق وفي الآخر رعاية جانب الخلق أن يختار رعاية جانب الحق على الخلق، فإن للحق تعالى في إجراء حكم من أحكامه وإمضاء أمر من أوامره حكما كثيرة، كما قال تعالى في إجراء تزويج النبي صلى الله عليه وسلم لزينب قوله: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ} أي: فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضى منهن وطرا، أما وطر زيد في الصورة استيفاء حظه منها بالنكاح ووطره في المعنى شهرته في الخلق إلى قيام الساعة بأن الله ذكره في القرآن باسمه دون جميع الصحابة، وبأنه آثر النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه بإيثار زينب {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي: ما قدر {مَفْعُولاً} لا يمكن لأحد دفعه ولو كان نبياً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى ثواب زوجات الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وعقابهن [لو قدر عدم الامتثال] وأنه ليس مثلهن أحد من النساء، ذكر بقية النساء غيرهن. ولما كان حكمهن والرجال واحدًا، جعل الحكم مشتركًا، فقال: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } وهذا في الشرائع الظاهرة، إذا كانوا قائمين بها. { وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } وهذا في الأمور الباطنة، من عقائد القلب وأعماله. { وَالْقَانِتِينَ } أي: المطيعين للّه ولرسوله { وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ } في مقالهم وفعالهم { وَالصَّادِقَاتِ } { وَالصَّابِرِينَ } على الشدائد والمصائب { وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ } في جميع أحوالهم،خصوصًا في عباداتهم، خصوصًا في صلواتهم، { وَالْخَاشِعَاتِ } { وَالْمُتَصَدِّقِينَ } فرضًا ونفلا { وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ } شمل ذلك، الفرض والنفل. { وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ } عن الزنا ومقدماته، { وَالْحَافِظَاتِ } { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ [كَثِيرًا } أي:] في أكثر الأوقات، خصوصًا أوقات الأوراد المقيدة، كالصباح والمساء، وأدبار الصلوات المكتوبات { وَالذَّاكِرَاتِ }. { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ } أي: لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي، ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعد وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان. فجازاهم على عملهم " بِالْمَغْفِرَةِ " لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات. { وَأَجْرًا عَظِيمًا } لا يقدر قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل اللّه أن يجعلنا منهم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 778 : 5 : 2 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال، قالت أم سلمة: "يا رسول الله، يذكر الرجال ولا تذكر النساء". فنزلت {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} إلى آخر الآية. [الآية 35].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ} [35] 424 - أنا مُحَمَّدُ بنُ حاتمٍ، نا سُويدٌ، أنا عبد الله، عن شريكٍ، عن مُحمدِ بنِ عمرو، عن أبي سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبيَّ اللهِ، مالي أسمعُ الرجال يُذكرون في القُرآنِ، والنساءَ لا يُذكرنَ، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}. 425 - أنا محمدُ بن معمرٍ، نا المُغيرةُ بن سلمةَ أبو هشامٍ المخزوميُّ، نا عبد الواحدِ بن زيادٍ، نا عُثمانُ بن حكيمٍ، نا عبدُ الرحمن بنُ شيبةَ، قال: حديث : سمعتُ أُمَّ سلمةَ زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تقولُ: قُلتُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: مالنا لا نُذكرُ في القرآنِ كما يُذكرُ الرِّجالُ، قالت: فلم يَرُعْنِي ذات يومٍ ظُهراً إلاَّ نِدَاؤُهُ على المنبرِ، قالت: وأنا أُسرحُ رأسي، فلففتُ شعري، ثم خرجتُ إلى حُجرةِ بيتي، فجعلتُ سمعي عند الجريدِ، فإذا هو يقولُ على المنبرِ: "يا أيُّها الناسُ، إن الله يقولُ في كتابهِ" {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ...} إلى آخرِ الآيةِ - {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} . تفسير : قوله تعالى: {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} [35] 426 -/ أنا القاسمُ بن زكريا، حدَّثنا عُبيدُ اللهِ، عن شيبانَ، عن الأعمشِ، عن عليِّ بن الأقمرِ، عن الأغرِّ، عن أبي سعيدٍ، وأبي هُريرة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استيقظ من اللَّيلِ، وأيقظَ امرأتَهُ، فصلَّيَا ركعتينِ جميعاً، كُتِبَا لَيْلَتَهُمَا من الذَّاكرينَ الله كثيراً والذَّاكراتِ".

همام الصنعاني

تفسير : 2343- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: لَمَّا ذَكَرَ اللهُ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، دخل نساء من المسلمات عَلَيْهِنَّ فقُلْنَ: ذُكِرْتن ولمْ نُذْكَر، ولو كان فينا خَيْر ذُكِرْنا، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}: [الآية: 35]. 2344- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: لا يكون الرجل من {وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً}: [الآية: 35]، حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومُضْطجعاً.