Verse. 3569 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَّلَا مُؤْمِنَۃٍ اِذَا قَضَى اللہُ وَرَسُوْلُہٗۗ اَمْرًا اَنْ يَّكُوْنَ لَہُمُ الْخِـيَرَۃُ مِنْ اَمْرِہِمْ۝۰ۭ وَمَنْ يَّعْصِ اللہَ وَرَسُوْلَہٗ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰلًا مُّبِيْنًا۝۳۶ۭ
Wama kana limuminin wala muminatin itha qada Allahu warasooluhu amran an yakoona lahumu alkhiyaratu min amrihim waman yaAAsi Allaha warasoolahu faqad dalla dalalan mubeenan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن تكون) بالتاء والياء (لهم الخيرة) أي الاختيار (من أمرهم) خلاف أمر الله ورسوله، نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب خطبها النبي لزيد بن حارثة فكرها ذلك حين علما لظنهما قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبها لنفسه ثم رضيا للآية (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) بينا فزوجها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد ثم وقع بصره عليها بعد حين فوقع في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم أريد فراقها فقال: "أمسك عليك زوجك" كما قال تعالى:

36

Tafseer

الرازي

تفسير : قيل بأن الآية نزلت في زينب حيث أراد النبـي صلى الله عليه وسلم تزويجها من زيد بن حارثة فكرهت إلا النبـي عليه السلام وكذلك أخوها امتنع فنزلت الآية فرضيا به، والوجه أن يقال إن الله تعالى لما أمر نبيه بأن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبـي صلى الله عليه وسلم لا يريد ضرر الغير فمن كان ميله إلى شيء يمكنه النبـي عليه السلام من ذلك، ويترك النبـي عليه السلام حق نفسه لحظ غيره، فقال في هذه الآية لا ينبغي أن يظن ظان أن هوى نفسه متبعه وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في الزوجات، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله فما أمر الله هو المتبع وما أراد النبـي هو الحق ومن خالفهما في شيء فقد ضل ضلالاً مبيناً، لأن الله هو المقصد والنبـي هو الهادي الموصل، فمن ترك المقصد ولم يسمع قول الهادي فهو ضال قطعاً.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: روى قتادة وابن عباس ومجاهد في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته، فظنّت أن الخطبة لنفسه، فلما تبيّن أنه يريدها لزيد، كرهت وأبت وامتنعت؛ فنزلت الآية. فأذعنت زينب حينئذٍ وتزوّجته. في رواية: فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش، وأن زيداً كان بالأمس عبداً، إلى أن نزلت هذه الآية، فقال له أخوها: مُرْني بما شئت، فزوّجها من زيد. وقيل: إنها نزلت في أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وكانت وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فزوّجها من زيد بن حارثة؛ فكرهت ذلك هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوّجَنا غيره؛ فنزلت الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد؛ قاله ابن زيد. وقال الحسن: ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا أمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بأمر أن يعصياه. الثانية: لفظ «ما كان، وما ينبغي» ونحوهما، معناها الحظر والمنع. فتجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون؛ كما في هذه الآية. وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلاً كقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا}تفسير : [النمل: 60]. وربما كان العلم بامتناعه شرعاً كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} تفسير : [آل عمران: 79]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} تفسير : [الشورى: 51]. وربما كان في المندوبات؛ كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك النوافل، ونحو هذا. الثالثة: في هذه الآية دليل بل نص في أن الكفاءة لا تعتبر في الأحساب وإنما تعتبر في الأديان؛ خلافاً لمالك والشافعيّ والمغيرة وسُحْنون. وذلك أن الموالي تزوّجت في قريش؛ تزوّج زيد زينب بنت جحش. وتزوّج المِقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير. وزوّج أبو حذيفة سالماً من فاطمة بنت الوليد بن عُتبة. وتزوّج بلال أخت عبد الرحمن بن عوف. وقد تقدّم هذا المعنى في غير موضع. الرابعة: قوله تعالى: {أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} قرأ الكوفيون: «أَنْ يَكُونَ» بالياء. وهو اختيار أبي عبيد؛ لأنه قد فرق بين المؤنث وبين فعله. الباقون بالتاء؛ لأن اللفظ مؤنث (فتأنيث) فعله حسن. والتذكير على أن الخِيرة بمعنى التخيير؛ فالخِيرة مصدر بمعنى الاختيار. وقرأ ابن السَّمَيْقعَ «الخِيْرة» بإسكان الياء. وهذه الآية في ضمن قوله تعالى: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}تفسير : [الأحزاب: 6]. ثم توعد تعالى وأخبر أن من يعص الله ورسوله فقد ضل. وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا، وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليين، من أن صيغة «أفعل» للوجوب في أصل وضعها؛ لأن الله تبارك وتعالى نفى خيرة المكلّف عند سماع أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علّق على المعصية بذلك الضلالَ، فلزم حمل الأمر على الوجوب. والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} الآية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة رضي الله عنه، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها، فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بلى فانكحيه» تفسير : قالت: يارسول الله أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدثان، أنزل الله هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً} الآية، قالت: قد رضيته لي يارسول الله منكحاً؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم» تفسير : قالت: إِذاً لا أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحته نفسي. وقال ابن لهيعة عن ابن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة رضي الله عنه، فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسباً، وكانت امرأة فيها حدة، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} الآية كلها، وهكذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان: إنها نزلت في زينب بنت جحش رضي الله عنها حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه، فامتنعت ثم أجابت. وقال عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، وكانت أول من هاجر من النساء، يعني: بعد صلح الحديبية، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قبلت، فزوجها زيد ابن حارثة رضي الله عنه، بعد فراقه زينب، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إِنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده، قال: فنزل القرآن: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً} إِلى آخر الآية، قال: وجاء أمر أجمع من هذا: {أية : ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 6] قال: فذاك خاص، وهذا أجمع. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه، قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم على جليبيب امرأة من الأنصار إِلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فنعم إِذاً» تفسير : قال: فانطلق الرجل إِلى امرأته، فذكر ذلك لها، قالت: لاها الله إذن، ما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلا جليبيباً، وقد منعناها من فلان وفلان؟ قال: والجارية في سترها تسمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، إِن كان قد رضيه لكم، فأنكحوه، قال: فكأنها جلت عن أبويها، وقالا: صدقت، فذهب أبوها إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إِن كنت رضيته، فقد رضيناه، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإِني قد رضيته» تفسير : قال: فزوجها، ثم فزع أهل المدينة، فركب جليبيب، فوجدوه قد قتل وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس رضي الله عنه: فلقد رأيتها وإِنها لمن أنفق بيت بالمدينة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، يعني:: ابن سلمة، عن ثابت عن كنانة بن نعيم العدوي، عن أبي برزة الأسلمي قال: إِن جليبيباً كان امرأ يدخل على النساء، يمر بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا تدخلن اليوم عليكن جليبيباً، فإِنه إِن دخل عليكن، لأفعلن ولأفعلن، قالت: وكانت الأنصار إِذا كان لأحدهم أيم، لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي صلى الله عليه وسلم فيها حاجة أم لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار: «حديث : زوجني ابنتك» تفسير : قال: نعم وكرامة يارسول الله ونعمة عين، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِني لست أريدها لنفسي» تفسير : قال: فلمن يارسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لجليبيب» تفسير : فقال: يارسول الله أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ابنتك؟ فقالت: نعم ونعمة عين، فقال: إِنه ليس يخطبها لنفسه، إِنما يخطبها لجليبيب، قالت: أجليبيب إنيه؟ أجليبيب إنيه؟! لا لعمر الله لا نزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إِليكم؟ فأخبرتها أمها، قالت: أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟ ادفعوني إِليه، فإِنه لن يضيعني، فانطلق أبوها إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: شأنك بها، فزوجها جليبيباً، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة له، فلما أفاء الله عليه، قال لأصحابه رضي الله عنهم: «حديث : هل تفقدون من أحد؟»تفسير : قالوا: نفقد فلاناً، ونفقد فلاناً، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : انظروا هل تفقدون من أحد» تفسير : قالوا: لا. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لكنني أفقد جليبيباً» تفسير : قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فاطلبوه في القتلى» تفسير : فطلبوه، فوجدوه إِلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فقالوا: يارسول الله هاهوذا إِلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عليه فقال: «حديث : قتل سبعة وقتلوه، هذا مني وأنا منه» تفسير : مرتين أو ثلاثاً، ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه، وحفر له، ما له سرير إِلا ساعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم وضعه في قبره، ولم يذكر أنه غسله رضي الله عنه، قال ثابت رضي الله عنه: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. وحديث إِسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتاً: هل تعلم ما دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قال: «حديث : اللهم صب عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشها كداً» تفسير : وكذا كان، فما كان في الأنصار أيم أنفق منها، هكذا أورده الإمام أحمد بطوله، وأخرج منه مسلم والنسائي في الفضائل قصة قتله. وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب": أن الجارية لما قالت في خدرها: أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟ نزلت هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}. وقال ابن جريج: أخبرني عامر بن مصعب عن طاوس قال: إِنه سأل ابن عباس عن ركعتين بعد العصر، فنهاه، وقرأ ابن عباس رضي الله عنه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إِذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هنا، ولا رأي ولا قول؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} تفسير : [النساء: 65] وفي الحديث: «حديث : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» تفسير : ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناًَ} كقوله تعالى: {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [النور: 63].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن * تَكُونُ } بالتاء والياء {لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ } أي الاختيار {مِنْ أَمْرِهِمْ } خلاف أمر الله ورسوله: نزلت في عبد الله ابن جحش وأخته زينب، خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة فكرها ذلك حين علما لظنّهما قبلُ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خطبها لنفسه، ثم رضيا للآية {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلاً مُّبِيناً } بيِّنا، فزوّجها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد، ثم وقع بصره عليها بعد حين فوقع في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أُريد فراقها فقال:( حديث : أمسك عليك زوجك)تفسير : كما قال تعالى.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيرَةُ مِنُ أَمْرِهِمْ} فيها قولان: أحدهما: أنها نزلت في زينب بنت جحش خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله بن جحش وأنهما ولدا عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهما أميمة بنت عبد المطلب وأن زيداً كان بالأمس عبداً فنزلت هذه الآية فقالت: أمري بيدك يا رسول الله فزوجها به، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال مقاتل: ساق إليها عشرة دنانير وستين درهماً وملحفة ودرعاً وخمسين مداً من طعام وعشرة أمداد من تمر. الثاني: أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت أول امرأة هاجرت من النساء فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : قَدْ قَبِلْتُ" تفسير : فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزّوجنا عبده فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد. {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} فيه قولان: أحدهما: فقد جار جوراً مبيناً، قاله ابن شجرة. الثاني: فقد أخطأ خطأ طويلاً، قاله السدي ومقاتل.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {وما كان} لفظه النفي ومعناه الحظر والمنع من فعل هذا، وهذه العبارة "ما كان" و "ما ينبغي" ونحوها تجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلاً كقوله تعالى: {أية : ما كان لكم تنبتوا شجرها} تفسير : [النمل: 60]، وربما كان العلم بامتناعه شرعاً كقوله {أية : وما كان لبشر أن يكلمه الله} تفسير : [الشورى: 51]، وربما كان حظره بحكم شرعي كهذه الآية، وربما كان في المندوبات كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك النوافل ونحو هذا، وسبب هذه الآية فيما قال قتادة وابن عباس ومجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش فظنت أن الخطبة لنفسه فلما بين أنه إنما يريدها لزيد بن حارثة كرهت وأبت فنزلت الآية فأذعنت زينب حينئذ وتزوجته، وقال ابن زيد إنما نزلت بسبب أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. فزوجها من زيد بن حارثة، فكرهت ذلك هي وأخوها، وقالا إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا غيره، فنزلت الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد، و {الخيرة} مصدر بمعنى التخير، وهذه الآية في ضمن قوله تعالى: {أية : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} تفسير : [الأحزاب: 6] وهذه الآية تقوى في قوله تعالى: {أية : وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة} تفسير : [القصص: 68] أن تكون {ما} نافية لا مفعولة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة والأعرج وعيسى "أن تكون" بالتاء على لفظ {الخيرة}، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي والأعمش وأبو عبد الرحمن "أن يكون" على معنى {الخيرة} وأن تأنيثها غير حقيقي، وقوله في الآية الأخرى {أية : ما كان لهم الخيرة} تفسير : [القصص: 68] دون علامة تأنيث يقوي هذه القراءة التي بالياء، ثم توعد عز وجل وأخبر أن {من يعص الله ورسوله فقد ضل}، وهذا العصيان يعم الكفر فما دونه، وكل عاص يأخذ من الضلال بقدر معصيته، ثم عاتب تعالى نبيه بقوله: {وإذ تقول} الآية، واختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم الطبري وغيره إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب وهي في عصمة زيد وكان حريصاً على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيداً لما اخبره بأنه يريد فراقها ويشكو منها غلظة قول وعصيان أمر وأذى باللسان وتعظماً بالشرف قال له: اتق الله فيما تقول عنها و {أمسك عليك زوجك} وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها وهذا هو الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف، وقالوا خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالة الناس في ذلك فعاتبه الله تعالى على جميع هذا، وقرأ ابن أبي عبلة "ما الله مظهره"، وقال الحسن: ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أشد عليه من هذه الآية، وقال هو وعائشة: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية لشدتها عليه، وروى ابن زيد في نحو هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب زيداً في داره فلم يجده ورأى زينب حاسرة فأعجبته فقال سبحان الله مقلب القلوب. قال القاضي أبو محمد: وروي في هذه القصة أشياء يطول ذكرها، وهذا الذي ذكرناه مستوف لمعانيها، وذهب قوم من المتأولين إلى أن الآية لا كبير عتب فيها، ورووا عن علي بن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى الله إليه أن زيداً يطلق زينب وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها له، فلما تشكى زيد للنبي صلى الله عليه وسلم خلق زينب وأنها لا تطيعه وأعلمه بأنه يريد طلاقها قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: "اتق الله" أي في أقوالك و "أمسك عليك زوجك" وهو يعلم أنه سيفارقها وهذا هو الذي أخفى في نفسه ولم يرد أن يأمره بالطلاق لما علم من أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو مولاه وقد أمره بطلاقها فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشي الناس في أمر أباحه الله تعالى له وإن قال {أمسك} مع علمه أنه يطلق وأعلمه أن الله أحق بالخشية أي في كل حال، وقوله: {أنعم الله عليه} يعني بالإسلام وغير ذلك، وقوله: {وأنعمت عليه} يعني بالعتق وهو زيد بن حارثة، وزينب هي بنت جحش وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعلم تعالى أنه زوجها منه لما قضى زيد وطره منها لتكون سنة للمسلمين في أزواج أدعيائهم وليتبين أنا ليست كحرمة النبوة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزيد: ما أجد في نفسي أوثق منك فاخطب زينب عليّ، قال فذهبت ووليتها ظهري توقيراً للنبي صلى الله عليه وسلم وخطبتها ففرحت، وقالت ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ودخل بها، و"الوطر": الحاجة والبغية، والإشارة هنا إلى الجماع، وروى جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم "وطراً زوجتكها". قال الفقيه الإمام القاضي: وذهب بعض النّاس من هذه الآية ومن قول شعيب {أية : إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} تفسير : [القصص: 7] إلى أن ترتيب هذا المعنى في المهور ينبغي أن يكون أنكحه إياها فيقدم ضمير الزوج لما في الآيتين، وهذا عندي غير لازم لأن الزوج في الآية مخاطب فحسن تقديمه، وفي المهور الزوجان غائبان فقدم من شئت فلم يبق ترجيح إلا بدرجة الرجال وأنهم القوامون، وقوله تعالى: {وكان أمر الله مفعولاً} فيه حذف مضاف تقديره وكان حكم أمر الله أو مضمن أمر الله، وإلا فالأمر قديم لا يوصف بأنه مفعول، ويحتمل على بعد أن يكون الأمر واحد الأمور أي التي شأنها أن تفعل، وروي أن عائشة وزينب تفاخرتا، فقالت عائشة: أنا التي سبقت صفتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنة في سرقة حرير، وقالت زينب: أنا التي زوجني الله من فوق سبع سماوات. وقال الشعبي: كانت زينب تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن أن جدي وجدك واحد وأن الله أنكحك إياي من السماء وأن السفير في ذلك جبريل.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ} لما خطب الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة امتنعت هي وأخوها لأنهما ولدا عمة الرسول صلى الله عليه وسلم أُميمة بنت عبد المطلب، وأنهما من قريش وأن زيداً مولى فنزلت فقالت زينت: أمري بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها من زيد "ع" أو نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أول من هاجر من النساء فوهبت نفسها للرسول صلى الله عليه وسلم فقال: قد قبلت فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها عبده {ضَلالاً مُّبِيناً} جار جوراً مبيناً، أو أخطأ خطأ طويلاً.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن جحش، وأمهما أمية بن عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب زينب لمولاه زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى زيداً في الجاهلية بعكاظ وأعتقه، وتبناه، فلما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد بن حارثة أبت وقالت: أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة وفيها حدة وكذلك كره أخوها ذلك فأنزل الله {وما كان لمؤمن} يعني عبد الله بن جحش {ولا مؤمنة} يعني أخته زينب {إذا قضى الله ورسوله أمراً} يعني نكاح زيد لزينب {أن تكون لهم الخيرة من أمرهم} أي الاختيار على ما قضى، والمعنى أن يريد غير ما أراد الله أو يمتنع مما أمر الله ورسوله به {ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً} أي أخطأ خطأ ظاهراً فلما سمعت بذلك زينب وأخوها رضيا وسلما وجعلت أمرها بيد رسول الله صلى الله عليه سلم، فأنكحها زيداً ودخل بها وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما عشرة دنانير وستين درهماً وخماراً، ودرعاً وملحفة وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر. قوله عز وجل {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك} الآية نزلت في زينب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوجها من زيد مكثت عنده حيناً، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيداً ذات يوم لحاجة فأبصر زينب في درع وخمار وكانت بيضاء جميلة، ذات خلق من أتم نساء قريش وقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال "سبحان الله مقلب القلوب" وانصرف فلما جاء زيد ذكرت له ذلك ففطن زيد وألقى في نفسه كراهيتها في الوقت وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي فقال له مالك أرابك منها شيء قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتعظم علي بشرفها وتؤذيني بلسانها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك واتق الله في أمرها ثم إن زيداً طلقها فذلك قوله عز وجل {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} أي بالإسلام {وأنعمت عليه} أي بالإعتاق وهو زيد بن حارثة مولاه {أمسك عليك زوجك} يعني زينب بن جحش {واتق الله} أي فيها ولا تفارقها {وتخفي في نفسك} أي تسر وتضمر في نفسك {ما الله مبديه} أي مظهره قيل كان في قلبه لو فارقها تزوجها قال ابن عباس: حبها وقيل ود أنه طلقها {وتخشى الناس} قال ابن عباس تستحييهم وقيل تخاف لائمتهم أن يقولوا أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها {والله أحق أن تخشاه} قال عمر وابن مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد من هذه الآية، وعن عائشة قالت: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب. فصل فإن قلت: ما ذكروه في تفسير هذه الآية، وسبب نزولها من وقوع محبتها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم عندما رآها وإرادته طلاق زيد لها فيه أعظم الحرج، وما لا يليق بمنصبه صلى الله عليه وسلم من مد عينيه لما نهى عنه من زهرة الحياة الدنيا. قلت: هذا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه وسلم وبفضله وكيف يقال رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت ولا كان النساء يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم وهو زوجها لزيد، فلا يشك في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يأمر زيداً بإمساكها، وهو يحب تطليقه إياها ذكر عن جماعة من المفسرين. وأصح ما في هذا الباب ما روي عن سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: سألني زين العابدين بن علي بن الحسين قال ما يقول الحسن في قوله تعالى {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} قلت: يقول لما جاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني إريد أن أطلق زينب أعجبه ذلك، وقال أمسك عليك زوجك واتق الله فقال علي بن الحسين ليس كذلك فإن الله عز وجل, قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيداً سيطلقها فلما جاء زيد قال: إني أريد أن أطلقها قال له: أمسك عليك زوجك فعاتبه الله تعالى وقال لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه يبيدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال تعالى {زوجناكها} فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه، ولا يظهره فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجته وإنما أخفى ذلك استحياء أن يخبر زيداً أن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي وهذا قول حسن مرضي، وكم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من اطلاع الناس عليه وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق لا مقال فيه ولا عيب عند الله وربما كان الدخول في ذلك المباح سلماً إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين هو إنما جعل الله طلاق زيد لها، وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال الله تعالى {أية : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم}تفسير : [الأّحزاب: 40] وقال {لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم} فإن قلت فما الفائدة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيداً بإمساكها. قتل: هو أن الله تعالى أعلم نبيه أنها زوجته فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، عن طلاقها وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به فلما طلقها زيد خشي قول الناس يتزوج امرأة ابنه فأمره الله تعالى بزواجها ليباح مثل ذلك لأمته، وقيل: كان في أمره بإمساكها قمعاً للشهوة ورداً للنفس عن هواها وهذا إذا جوزنا القول المتقدم الذي ذكره المفسرون وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها زيد، ومثل ذلك لا يقدح في حال الأنبياء، مع أن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء، وأنه رآها فجأة فاستحسنها ومثل هذه لا نكرة فيه لما طبع عليه البشر من استحسان الحسن، ونظرة الفجأة معفو عنها ما لم يقصد مأثماً لأن الود وميل النفس من طبع البشر, والله أعلم. وقوله {أمسك عليك زوجك واتق الله} أمر بالمعروف، وهو حسن لا إثم فيه وقوله {والله أحق أن تخشاه} لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه الصلاة والسلام، قد قال أنا أخشاكم لله وأتقاكم له ولكنه لما ذكر الخشية من الناس، ذكر أن الله أحق بالخشية في عموم الأحوال في جميع الأشياء. قوله عز وجل {فلما قضى زيد منها وطراً} أي حاجته منها، ولم يبق له فيها أرب وتقاصرت همته عنها وطابت عنها نفسه وطلقها، وانقضت عدتها وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجته المتبني تحل بعد الدخول بها {زوجناكها} قال أنس: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن آباؤكن وزوجني الله من فوق سبع سموات، وقال الشعبي: "كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم إني لأدل عليك بثلاث ما من امرأة من نسائك تدل بهن جدي وجدك واحد وإني أنكحنيك الله في السماء وإن السفير جبريل عليه السلام" (م) عن أنس قال لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لزيد: اذهب فاذكرها على قال فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت يا زينب أرسل رسول الله يذكرك قالت ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها بغير إذن قال: فلقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار فخرج الناس، وبقي أناس يتحدثون في البيت بعد الطعام فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن يا رسول الله كيف وجدت أهلك قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أم غيري قال فانطلق حتى دخل البيت، وذهبت لأدخل معه فألقى الستر بيني وبينهم ونزل الحجاب (ق) عن أنس قال ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه، ما أولم على زينب أولم بشاة وفي رواية أكثر وأفضل، ما أولم على زينب قال ثابت: بم أولم قال أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه. قوله عز وجل {لكيلا يكون على المؤمنين حرج} أي إثم {في أزواج أدعيائهم} جمع الدعي وهو المتبني {إذا قضوا منهن وطراً} يقول: يقول زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي كنت تبنيته، ليعلم أن زوجة المتبنى حلال للمتبني وإن كان قد دخل بها المتبني بخلاف امرأة ابن الصلب فإنها لا تحل للأب {وكان أمر الله مفعولاً} أي قضاء الله ماضياً وحكمه نافذاً وقد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه سلم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ...} الآية: قوله: {وَمَا كَانَ} لفظه النفي، ومعناه الحظرُ والمنعُ والخيرةُ مصدرُ بمعنى التَّخَيُّر. قال ابن زيد: نزلت هذه الآية بسبب أن أم كُلثُوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهبت نفسها للنبي، فزوجها من زيد بن حارثة، فكرهت ذلك هي وأخوها، فنزلت الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد، وقيل غير هذا، والعصيانُ هنا يعم الكفرَ فما دون، وفي حديث الترمذيِّ؛ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّه قال: «حديث : مِنْ سَعَادَةِ ٱبْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَاهُ اللّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَاهُ اللّهُ لَهُ» تفسير : انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما كان الله سبحانه قد قدم قوله: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} - الآية، فعلم قطعاً أنه تسبب عنها ما تقديره: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة لأن يكون له ولي غير النبي صلى الله عليه وسلم، فطوى ذلك للعلم به، واستدل على مضمون الآية وما قبلها بقصة الأحزاب، وأتبعها نتيجة ذلك مما ذكر تأديب الأزواج له صلى الله عليه وسلم وتهذبيهن لأجله وتطهير أهل بيته وتكريمهم حتى ختم سبحانه بالصفات العشر التي بدأها بالإسلام الذي ليس معه شيء من الإباء، وختمها بأن ذكر الله يكون ملء القلب والفم وهو داعٍ إلى مثل ذلك لأنه سبب الإسلام، عطف على مسبب آية الولاية ما يقتضيه كثرة الذكر من قوله: {وما كان}. ولما كان الإيمان قد يدعى كذباً لخفاء به، قال: {لمؤمن} أي من عبد الله بن جحش وزيد وغيرهما {ولا مؤمنة} أي من زينب وغيرها، فعلق الأمر بالإيمان إعلاماً بأن من اعترض غير مؤمن وإن أظهر الإيمان بلسانه {إذا قضى الله} أي الملك الأعظم الذي لا ينبغي لعاقل التوقف في أمره {ورسوله} الذي لا يعرف قضاؤه إلا به {أمراً} أي أيّ أمر كان. ولما كان المراد كل مؤمن، والعبارة صالحة له، وكان النفي عن المجموع كله نفياً عما قل عنه من باب الأولى، قال: {أن تكون} أي كوناً راسخاً على قراءة الجماعة بالفوقانية، وفي غاية الرسوخ على قراءة الكوفيين بالتحتانية {لهم} أي خاصة {الخيرة} مصدر من تخير كالطيرة من تطير على غير قياس {من أمرهم} أي الخاص بهم باستخارة لله ولا بغيرها ليفعلوا خلاف ذلك القضاء، فإن المراد بالاستخارة ظن ما اختاره الله، وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم قطعي الدلالة على ما اختاره الله تعالى، وفي هذا عتاب لزينب رضي الله عنها على تعليق الإجابة للنبي صلى الله عليه وسلم عند ما خطبها لنفسه الشريفة على الاستخارة، وعلى كراهتها عند ما خطبها لزيد مولاه، ولكنها لما قدمت بعد نزول الآية خيرته صلى الله عليه وسلم في تزويجها من زيد رضي الله عنهما على خيرتها، عوضها الله أن صيرها لنبيه صلى الله عليه وسلم ومعه في الجنة في أعلى الدرجات، فالخيرة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا ينطق عن الهوى، فمن فعل غير ذلك فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن عصاه عصى الله لأنه لا ينطق إلا عنه {ومن يعص الله} أي الذي لا أمر لأحد معه {ورسوله} أي الذي معصيته معصيته لكونه بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم {فقد ضل} وأكده المصدر فقال: {ضلالاً} وزاده بقوله: {مبيناً} أي لا خفاء به، فالواجب على كل أحد أن يكون معه صلى الله عليه وسلم في كل ما يختاره وإن كان فيه أعظم المشقات عليه تخلفاً بقول الشاعر حيث قال: شعر : وقف الهوى بي حيـث أنت فليـس لي مـتـــأخــر عنـه ولا متقــدم وأهنتنــي فـأهـنــــت نفـســـي عامــداً مـا مـن يهـون عليـك ممـن يكـرم تفسير : ولما كان قد أخبره سبحانه - كما رواه البغوي وغيره عن سفيان بن عيينة عن علي ابن جدعان عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - أن زينب رضي الله عنها ستكون من أزواجه وأن زيداً سيطلقها، وأخفى في نفسه ذلك تكرماً وخشية من قاله الناس أنه يريد نكاح زوجة ابنه، وكان في إظهار ذلك أعلام من أعلام النبوة، وكان مبنى أمر الرسالة على إبلاغ الناس ما أعلم الله به أحبوه أو كرهوه، وأن لا يراعي غيره، ولا يلتفت إلى سواه وإن كان في ذلك خوف ذهاب النفس، فإنه كافٍ من أراد بعزته، ومتقن من أراد بحكمته، كما أخذ الله الميثاق به من النبيين كلهم ومن محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم, فكان من المعلوم أن التقدير: اذكر ما أخذنا منك ومن النبيين من الميثاق على إبلاغ كل شيء أخبرناكم به ولم ننهكم من إفشائه وما أخذنا على الخلق في كل من طاعتك ومعصيتك، عطف عليه قوله: {وإذ تقول} وذلك لأن الأكمل يعاتب على بعض الكمالات لعلو درجته عنها وتحليه بأكمل منها من باب "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، وبين شرفه بقوله: {للذي أنعم الله} أي الملك الذي له كل كمال {عليه} أي بالإسلام وتولى نبيه صلى الله عليه وسلم إياه بعد الإيجاد والتربية، وبين منزلته من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {وأنعمت عليه} أي بالعتق والتبني حين استشارك في فراق زوجه الذي أخبرك الله أنه يفارقها وتصير زوجتك: {أمسك عليك زوجك} أي زينب {واتق الله} أي الذي له جميع العظمة في جميع أمرك لا سيما ما يتعلق بحقوقها ولا تغبنها بقولك: إنها تترفع عليّ - ونحو ذلك {وتخفي} أي والحال أنك تخفي، أي تقول له مخفياً {في نفسك} أي مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عن طلاق زيد {ما الله مبديه} أي بحمل زيد على تطليقها وإن أمرته أنت بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها، وهو دليل على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عن طلاق زيد لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه لأنه لا يبدل القول لديه، روى البخارى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن هذه الآيات نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة رضي الله عنهما. ولما ذكر إخفاءه ذلك، ذكر علته فقال عاطفاً على "تخفي": {وتخشى الناس} أي من أن تخبر بما أخبرك الله به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون لا سيما اليهود والمنافقون {والله} أي والحال أن الذي لا شيء أعظم منه {أحق أن تخشاه} أي وحده ولا تجمع خشية الناس مع خشيته في أن تؤخر شيئاً أخبرك به لشيء يشق عليك حتى يفرق لك فيه أمر، قالت عائشة رضي الله عنها: لو كتم النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً مما أوحي إليه لكتم هذه الآية. ولما علم من هذا أنه سبحانه أخبره بأن زيداً سيطلقها وأنها ستصير زوجاً له من طلاق زيد إياها، سبب عنه قوله عاطفاً عليه: {فلما قضى زيد منها وطراً} أي حاجة من زواجها والدخول بها، وذلك بانقضاء عدتها منه لأنه به يعرف أنه لا حاجة له فيها، وأنه قد تقاصرت عنها همته، وطابت عنها نفسها، وإلا لراجعها {زوجناكها} ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها، تشريفاً لك ولها، بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل من علم به، وسرت به جميع النفوس، ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: اذهب فاذكرها علي، فانطلق زيد رضي الله عنه حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن انظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن, قال: ولقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم حتى امتد النهار, فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون فذكره، سيأتي. وقال البغوي: قال الشعبي: كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، وأني أنكحينك الله في السماء، وأن السفير لجبريل عليه السلام. ولما ذكر سبحانه التزويج على ما له من العظمة، ذكر علته دالاً على أن الأصل مشاركة الأمة للنبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام وأن لا خصوصية إلا بدليل فقال: {لكي لا يكون على المؤمنين} أي الذين أزالت عراقتهم في الإيمان حظوظهم {حرج} أي ضيق {في أزواج أدعيائهم} أي الذين تبنوا بهم وأجروهم في تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين على الحقيقة {إذا قضوا منهن وطراً} أي حاجة بالدخول بهن ثم الطلاق وانقضاء العدة. ولما علم سبحانه أن ناساً يقولون في هذه الواقعة أقوالاً شتى، دل على ما قاله زين العابدين بقوله: {وكان أمر الله} أي من الحكم بتزوجيها وإن كرهت وتركت إظهار ما أخبرك الله به كراهية لسوء القالة واستحياء من ذلك، وكذا كل أمر يريده سبحانه {مفعولاً *} لأنه سبحانه له الأمر كله لا راد لأمره ولا معقب لحكمه. ولما أنتج هذا التسهيل لما كان استصعبه صلى الله عليه وسلم والتأمين مما كان خافه، عبر عن ذلك بقوله مؤكداً رداً على من يظن خلاف ذلك: {ما كان على النبي} أي الذي منزلته من الله الاطلاع على ما لم يطلع عليه غيره من الخلق {من حرج فيما فرض} أي قدر {الله} بما له من صفات الكمال وأوجبه {له} لأنه لم يكن على المؤمنين مطلقاً حرج في ذلك، فكيف برأس المؤمنين، فصار منفياً عنه الحرج مرتين خصوصاً بعد عموم تشريفاً له وتنويهاً بشأنه. ولما كان مما يهون الأمور الصعاب المشاركة فيها فكيف إذا كانت المشاركة من الأكابر، قال واضعاً الأسم موضع مصدره: {سنة الله} أي سن الملك الذي إذا سن شيئاً أتقنه بما له من العزة والحكمة فلم يقدر أحد أن يغير شيئاً منه {في الذين خلوا} وكأنه أراد أن يكون أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام أولى مراد بهذا، تبكيتاً لملبسي أتباعهم, فأدخل الجار فقال: {من قبل} أي من الأنبياء الأقدمين في إباحة التوسيع في النكاح لهم، وهو تكذيب لليهود الذين أنكروا ذلك، وإظهار لتلبيسهم. ولما كان المراد بالنسبة الطريق التي قضاها وشرعها قال معلماً بأن هذا الزواج كان أمراً لا بد من وقوعه لإرادته له في الأزل فلا يعترض فيه معترض ببنت شفة يحل به ما يحل بمن اعترض على أوامر الملك، ولأجل الاهتمام بهذا الإعلام اعترض به بين الصفة الموصوف فقال: {وكان أمر الله} أي قضاء الملك الأعظم في ذلك وغيره من كل ما يستحق أن يأمر به ويهدي إليه ويحث عليه، وعبر عن السنة بالأمر تأكيداً لأنه لا بد منه {قدراً} وأكده بقوله: {مقدوراً} أي لا خلف فيه، ولا بد من وقوعه في حينه الذي حكم بكونه فيه، وهو مؤيد أيضاً لقول زين العابدين وكذا قوله تعالى واصفاً للذين خلوا: {الذين يبلغون} أي إلى أمهم {رسالات الله} أي الملك الأعظم سواء كانت في نكاح أو غيره شقت أو لا {ويخشونه} أي فيخبرون بكل ما أخبرهم به ولم يمنعهم من إفشائه، ولوّح بعد التصريح في قوله {وتخشى الناس}: {ولا يخشون أحداً} قلَّ أو جلَّ {إلا الله} لأنه ذو الجلال والإكرام. ولما كان الخوف من الملك العدل إنما هو من حسابه كان التقدير: فيخافون حسابه، أتبعه قوله: {وكفى بالله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {حسيباً *} أي مجازياً لكل أحد بما عمل وبالغاً في حسابه الغاية القصوى، وكافياً من أراد كفايته كل من أراده بسوء.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاة زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية، فخطبها قالت‏:‏ لست بناكحته قال‏:‏ بلى‏.‏ فانكحيه قالت‏:‏ يا رسول الله أوامر في نفسي‏.‏ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله صلى الله عليه وسلم {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً.‏.‏‏.‏‏.} قالت‏:‏ قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً قال‏:‏ نعم‏.‏ قالت‏:‏ إذن لا أعصي رسول الله، قد أنكحته نفسي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال‏:‏ ‏"‏خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت منه وقالت‏:‏ أنا خير منه حسباً، وكانت امرأة فيها حدة‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏وما كان لمؤمن ولا مؤمنة‏.‏‏.‏‏.‏‏.}‏ ‏"‏‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب وهو يريدها لزيد رضي الله عنه، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، فأنزل الله ‏ {‏وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً.‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ فرضيت وسلمت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏{‏وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً.‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ زينب بنت جحش، وكراهتها زيد بن حارثة حين أمرها به محمد صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب رضي الله عنها‏"حديث : ‏إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة، فإني قد رضيته لك‏. قالت‏:‏ يا رسول الله لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قومي وبنت عمتك، فلم أكن لأفعل‏.‏ فنزلت هذه الآية ‏{‏وما كان لمؤمن‏} يعني زيداً ‏{‏ولا مؤمنة‏}‏ يعني زينب ‏{‏إذا قضى الله ورسوله أمراً‏}‏ يعني النكاح في هذا الموضع ‏{‏أن تكون لهم الخيرة من أمرهم‏}‏ يقول‏:‏ ليس لهم الخيرة من أمرهم خلاف ما أمر الله به ‏{‏ومن يَعْصِ الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا‏ً}‏ قالت‏:‏ قد أطعتك فاصنع ما شئت، فزوجها زيداً ودخل عليها‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال‏:‏ نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول امرأة هاجرت من النساء، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها وقالت‏:‏ إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها عبده، فنزلت‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن طاوس، أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن ركعتين بعد العصر فنهاه‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم‏}‏ ‏.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} أي ما صحَّ وما استقامَ لرجلٍ ولا امرأةٍ من المؤمنينَ والمؤمناتِ {إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً} أيْ إذا قضَى رسولُ الله، وذكرُ الله تعالى لتعظيمِ أمرِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أو للإشعارِ بأنَّ قضاءَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قضاءُ الله عزَّ وجلَّ لأنَّه (نزلَ في زينبَ بنتِ جحشٍ بنتِ عمَّتِه أميمةَ بنتِ عبدِ المُطَّلبِ خطبَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لزيدِ بنِ حارثةَ فأبتْ هيَ وأخُوها عبدُ اللَّه). (وقيلَ: في أمِّ كُلثوم بنتِ عقبةَ بنِ أبـي معيطٍ وهبتْ نفسَها للنبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فزوَّجها من زيدٍ فسخطتْ هي وأخُوها وقالا: إنَّما أردنا رسولَ الله فزوَّجنا عبدَه) {أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} أنْ يختارُوا من أمرِهم ما شاءوا بل يجبُ عليهم أنْ يجعلُوا رأيَهم تبعاً لرأيِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ واختيارَهم تلواً لاختيارِه. وجمعُ الضَّميرينِ لعمومِ مؤمنٍ ومؤمنةٍ لوقوعِهما في سياقِ النَّفيِ. وقيل: الضَّميرُ الثَّانِي للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والجمعُ للتَّعظيمِ. وقُرىء تكونَ بالتَّاءِ {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في أمرٍ من الأمورِ ويعملْ فيهِ برأيِه {فَقَدْ ضَلَّ} طريقَ الحقِّ {ضَلَـٰلاً مُّبِيناً} أي بـيِّنَ الانحرافِ عن سَنَنِ الصَّوابِ. {وَإِذْ تَقُولُ} أي واذكُر وقتَ قولِك {لِلَّذِى أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} بتوفيقِه للإسلامِ وتوفيقِك لحسنِ تربـيتِه ومراعاتِه {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} بالعملِ بما وفَّقك الله له من فنونِ الإحسانِ التي من جُملتها تحريرُه وهو زيد بنُ حارثةَ وإيرادُه بالعنوانِ المذكورِ لبـيانِ منافاةِ حالِه لما صدرَ عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من إظهارِ خلافِ ما في ضميرِه إذ هُو إنَّما يقعُ عند الاستحياءِ أو الاحتشامِ وكلاهما ممَّا لا يُتصور في حقِّ زيدٍ {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} أي زينبَ (وذلك أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أبصرَها بعد ما أنكحَها إيَّاه فوقعتْ في نفسِه ـ حالةٌ جبلِّيةٌ لا يكادُ يسلمُ منها البشرُ ـ فقالَ: « حديث : سبحانَ الله مقلبِ القلوبِ »، تفسير : وسمعتْ زينبُ بالتَّسبـيحةِ فذكرتْها لزيدٍ ففطِن لذلكَ، ووقعَ في نفسِه كراهةُ صُحبتِها فأتَى النبـيَّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقال: أريدُ أنْ أفارقَ صاحبتِي، فقالَ: « حديث : ما لَك أرابَك منها شيءٌ؟ » تفسير : قال: لا والله ما رأيتُ منها إلا خيراً ولكنَّها لشرفِها تتعظمُ عليَّ، فقال له: « حديث : أمسكْ عليكَ زوجَك ») تفسير : {وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} في أمرِها فلا تُطلقها إضراراً وتعللاً بتكبّرها {وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} وهو نكاحُها إنْ طلَّقها أو إرادةُ طلاقِها {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ} تعيـيرَهم إيَّاك به {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ} إنْ كانَ فيه ما يُخشى والواوُ للحالِ، وليستْ المعاتبةُ على الإخفاءِ وحدَه بل على الإخفاءِ مخافةَ قالةِ النَّاسِ وإظهارِ ما يُنافي إضمارَه فإنَّ الأَولى في أمثالِ ذلك أنْ يصمتَ أو يُفوِّضَ الأمرَ إلى ربِّه {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً} بحيثُ لم يبقَ له فيها حاجةٌ وطلَّقها وانقضتِ عدَّتُها وقيل: قضاءُ الوَطَرِ كنايةٌ عن الطَّلاقِ مثلُ لا حاجةَ لي فيكِ {زَوَّجْنَـٰكَهَا} وقُرىء زوَّجتكها والمرادُ الأمرُ بتزويجِها منه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيل: جعَلَها زوجتَه بلا واسطةِ عقدٍ، ويُؤيده أنَّها كانتْ تقولُ لسائرِ نساءِ النبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "إنَّ الله تعالى تولَّى نكاحي وأنتنَّ زوجكنَّ أولياؤكنَّ". وقيل: كان زيدٌ السَّفيرَ في خطبتِها وذلك ابتلاءٌ عظيمٌ وشاهدُ عدلٍ بقوَّةِ إيمانِه {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} ضيقٌ ومشقَّةٌ {فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} أي في حقِّ تزوجهن {إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} فإنَّ لهم في رسولِ الله أسوةً حسنةً وفيه دلالةٌ على أنَّ حكمَه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحكمَ الأمَّة سواءٌ إلا ما خصَّه الدَّليلُ {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي ما يريدُ تكوينَه من الأمورِ أو مأمورُه الحاصلُ بكُنْ {مَفْعُولاً} مكوناً لا محالةَ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقررٌ لما قبلَه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً...} [الآية: 36]. قال سهل: الإيمان أربعة أركان التوكل على الله والتسليم لأمر الله وأمر رسوله والتفويض إلى الله والرضا بقضاء الله. وقال أيضًا السنة كلها وجميعها أن تؤثر الله ورسوله على نفسك وتؤثر أمرهما على مرادك.

القشيري

تفسير : الافتياتُ عليه في أمره والاعتراضُ عليه في حُكْمِه وتَرْكُ الانقيادِ لإشارته. قَرْعٌ لبابِ الشِّرْكِ، فَمَنْ لم يُمْسِكْ عنه سريعاً وَقَعَ في وهدته.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} ـ روى ـ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش بن رباب الاسدى بنت عمته اميمة بنت عبد المطلب لمولاه زيد بن حارثة وكانت زينب بيضاء جميلة وزيد اسود افطس فابت وقالت انا بنت عمتك يا رسول الله وارفع قريش فلا ارضاه لنفسى وكذلك ابى اخوها عبد الله بن جحش فنزلت. والمعنى ما صح وما استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين فدخل فيه عبد الله واخته زينب {اذا قضى الله ورسوله امرا} مثل نكاح زينب اى قضى رسول الله وحكم وذكر الله لتعظيم امره والاشعار بان قضاءه عليه السلام قضاء الله كما ان طاعته طاعة الله تعالى {ان يكون لهم الخيرة} الخيرة بالكسر اسم من الاختيار اى ان يختاروا {من امرهم} ما شاؤا بل يجب عليهم ان يجعلوا آراءهم واختيارهم تبعا لرأية عليه السلام واختياره وجمع الضميرين لعموم مؤمن ومؤمنة لوقوعهما فى سياق النفى. وقال بعضهم الضمير الثانى للرسول اى من امره والجمع للتعظيم {ومن} [وهركه] {يعص الله ورسوله} فى امر من الامور ويعمل برأيه. وفى كشف الاسرار ومن يعص الله فخالف الكتاب ورسوله فخالف السنة {فقد ضل} طريق الحق وعدل عن الصراط المستقيم {ضلالا مبينا} اى بين الانحراف عن سنن الصواب. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان العبد ينبغى ان لا يكون له اختيار بغير ما اختاره الله بل تكون خيرته فيما اختاره الله له ولا يعترض على احكامه الازلية عند ظهورها له بل له الاحتراز عن شرّ ما قضى الله قبل وقوعه فاذا وقع الامر فلا يخلو اما ان يكون موافقا للشرع او يكون مخالفا للشرع فان يكن موافقا للشرع فلا يخلو اما ان يكون موافقا لطبعه او مخالفا لطبعه فان يكن موافقا لطبعه فهو نعمة من الله يجب عليه شكرها وان يكن مخالفا لطبعه فيستقبله بالصبر والتسليم والرضى وان يكن مخالفا للشرع يجب عليه التوبة والاستغفار والانابة الى الله تعالى من غير اعتراض على الله فيما قدّر وقضى وحكم به فانه حيكم يفعل ما يشاء بحكمته ويحكم ما يريد بعزته انتهى. يقول الفقير هذه الآية اصل فى باب التسليم وترك الاختيار والاعتراض فان الخير فيما اختاره الله واختاره رسوله واختاره ورثته الكمل والرسول حق فى مرتبة الفرق كما ان الوارث رسول للخلافة الكاملة فكل من الرسول والوارث لا ينطق عن الهوى لفنائه عن ارادته بل هو وحى يوحى والهام يلهم فيجب على المريد ان يستسلم لامر الشيخ المرشد محبوبا او مكروها ولا يتبع هوى نفسه ومقتضى طبيعته وقد قال تعالى {أية : وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم} تفسير : فيمكن وجدان ماء الحياة فى الظلمات {أية : وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم} تفسير : فقد يجعل فى السكر السم ومن عرف ان فعل الحبيب حبيب وان المبلى ليس لبلائه سواه طبيب لم يتحرك يمينا وشمالا ورضى جمالا وجلالا: قال الحافظ شعر : عاشقانرا كردر آتش مى نشاند قهردوست تنك جشمم كرنظر درجشمه كوثر كنم تفسير : واعلم ان الفناء عن الارادة امر صعب وقد قيل المريد من لا ارادة له يعنى لا ارادة له من جهة نفسه فله اراده من جهة ربه فهو لا يريد الا ما يريد الله ولصعوبة افناء الارادة فى ارادة الله وارادة رسوله وارادة وارث رسوله بقى اكثر السلاك فى حجاب الوجود وغابوا عن الشهود وحرموا من بركة المتابعة ونماء المشايعة. قال بعض الكبار القهر عذاب ومن اراد ان يزول عنه حكم هذا القهر فليصحب الحق تعالى بلا غرض ولا شوق بل ينظر فى كل ما وقع فى العالم وفى نفسه فيجعله كالمراد له فيلتذ به ويتلقاه بالقبول والبشر والرضى فلا يزال من هذه حالته مقيما فى النعيم الدائم لا يتصف بالقهر ولا بالذلة وصاحب هذا المقام يحصل له اللذة بكل واقع منه او فيه او من غيره او فى غيره نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من اهل التسليم وارباب القلب السليم ويحفظنا من الوقوع فى الاعتراض والعناد لما حكم وقضى واراد

ابن عجيبة

تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ...}. يقول الحق جلّ جلاله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنةٍ} أي: ما صحّ لرجل مؤمن، ولا امرأة مؤمنة، {إِذَا قضى اللهُ ورسولُه أمراً} من الأمور {أن يكون لهم الخِيرَةُ من أمرهم} أي: أن يختاروا من أحدهم شيئاً، بل الواجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعاً لرأيه، واختيارهم تلواً لاختياره. نزلت في زينب بنت جحش، وأخيها عبد الله بن جحش. وكانت زينب بنت أميمةَ بنت عبد المطلب، عمة النبي صلى الله عليه وسلم، فخطبها ـ عليه الصلاة والسلام ـ لمولاه زيد بن حارثة، فلما خطبها، ظنت أنه يخطبها لنفسه، فرضيت، فلما علمت أنه خطبها لزيد كرهت وأبت، وقالت: أنا أم نساء قريش، وابنة عمتك، فلم أكن أرضه لنفسي، وكذلك قال أخوها. وكانت بيضاء جميلة، وكان فيها بذاذة، فأنزل الله الآية، فأعلمهم أنه لا اختيار لهم على ما قضى اللهُ ورسولُه. فلما نزلت الآية إلى قوله: {مبيناً} قالت: رضيتُ يا رسول الله، وجعلت أمرها بيد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أخوها، فأنكحها صلى الله عليه وسلم زيداً، فدخل بها، وساق إليها النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دنانير، وستين درهماً، وملحفة، ودرعاً، وإزاراً، وخمسين مدًّا من طعام، وثلاثين صاعاً من تمر. وقيل نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وكانت من أول مَن هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقبلها، وقال: زوجتها من زيد، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت. والأول أصح. وإنما جمع الضمير في "لهم"، وكان من حقه أن يُوحَّد؛ لأن المذكورين وقعا نكرة في سياق النفي، فعمَّا كل مؤمن ومؤمنة، فرجع الضمير إلى المعنى، لا إلى اللفظ. والخيرة: ما يُتخير، وفيه لغتان: سكون الياء، وفتحها، وتؤنث وتذكَّر باعتبار الفعل؛ لمجاز تأنيثها. {ومن يَعْصِ اللهَ ورسولَه} فيما اختار وقضى {فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً} بيِّن الانحراف عن الصواب. فإن كان العصيانُ عصيانَ رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيانَ فعلٍ، مع قبول الأمر، واعتقاد الوجوب، فهو ضلال فسق. ثم إن زينب مكثتْ عند زيد زماناً، فأتى عليه الصلاة والسلام ذات مرة دار زيد، لحاجة، فأبصرها في درع وخمار، فوقعت في نفسه، وذلك لِمَا سبق في علم الله من كونها له. فقال: "حديث : سبحان مقلِّب القلوب"تفسير : ،وكانت نفسه قبل ذلك تنفر منها، لا تُريدها، فانصرف، وسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد، ففَطِنَ، وأُلقي في نفسه كراهيتُهَا والرغبة عنها في الوقت، وقال: يا رسول الله؛ إني أُريد فراق صاحبتي؟ فقال: "حديث : ما لك، أَرَابَكَ منها شيء؟" تفسير : فقال: لا والله، ما رأيت منها إلا خيراً، إلا أنها تتعظم عليَّ، لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمسك عليك زوجك واتقِ الله ". تفسير : وهذا معنى قوله: {وإِذ تقول للذي أنْعَمَ اللهُ عليه} بالإسلام الذي هو من أجلّ النعم {وأنْعَمْتَ عليه} بالإعتاق والتبني، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو زيد بن حارثة: {أمسِكْ عليك زوجك} زينب، {واتقِ اللهَ} فلا تطلقها، وهو نهي تنزيه، أو: اتقِ الله، فلا تذمها بالنسبة إلى الكِبْر وأذى الزوج، {وتخفي في نفسك ما الله مُبْديهِ} أي: تُخفي في نفسك نكاحها إن طلقها زيد، وقد أبداه الله وأظهره، وقيل: الذي أخفاه في نفسه: تعلُّق قلبه بها، ومودة مفارقة زيد إياها. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والصواب أن المعنى: وتُخفي في نفسك ما اطلعت عليه؛ من مفارقة زيد لها، وتزوجك إياها بعده، فإن هذا هو الذي أبداه سبحانه وأظهره بعد ذلك. وأما قوله: {وتخشى الناسَ واللهُ أحقُّ أن تخشاه} فإنما يعني به الحياء من الناس في أن يقابلهم بما يسوؤهم، وهو إخبار زيد بما أطلعه الله عليه من صيرورة زوجته زينب له، بعد مفارقة زيد لها، لأنه لم يؤمر بإفشاء ذلك، وإلا لبلَّغ من غير رَوية ولا حشمة، سالكاً في ذلك سُنَّة مَن خلا قبله من الأنبياء، الذين لا يخشون في التبليغ أحداً إلا الله. وقال القشيري: أي: تخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة في قصة زيد [والفتنة التي يقعون فيها هي ظنهم أنه عليه الصلاة والسلام عشقها، وأمره بطلاقها] وكانت تلك الخشية إشفاقاً منه عليهم، ورحمة لهم ألا يُطيقوا سماع هذه الحالة، بأن يخطر ببالهم ما ليس في وسعهم. وأما قوله: {أمسك عليك...} الآية ـ مع علمه بما يؤول إليه الأمر في العاقبة، بما أطلعه الله عليه من فراقه لها ـ فإقامة الشريعة. هـ. ملخصاً. وفي الوجيز: {وتخشى الناس} أي: تكره مقالة الناس لو قلت طَلِّقْها، فيقال: أمر رجلاً فطلّق امرأته ثم تزوجها. وقد نقل في نوادر الأصول عن عليّ بن الحسين: أن الله أعلم نبيه أنها تكون من أزواجه، فأخفى ذلك. فلما جاء زيد يشكوها؛ قال له: اتقِ الله، وأمسك عليك زوجك، قال: فعليُّ بن حسين جاء بها من خزانة العلم، جوهراً من الجواهر، ودرًّا من الدرر، وأنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه، ثم قال بعد ذلك لزيد: أمسك.. رعاية لِما يقال، وتركاً لتدبير الله، مع كونه أحق بالرعاية، وكيف، وفي ذلك تشريع لئلا يكون على المؤمنين حرج وضيق فيما فرض الله له فيما أعلمه. ثم قال: والحاصل أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يلمّ بخطيئة، بدليل أنه لم يؤمر بتوبة ولا استغفار، وإنما أخبره بما أضمر في نفسك، خشية افتتان الغير، والله أحق أن يخشى، بأن يبتهل إليه؛ ليزيل عنهم ما يخشى فيهم. قال ابن عرفة: الصواب: أن ما أخفاه في نفسه هو: أن الله أخبره أن سيتزوجها. وما قاله ابن عطية لا يحل أن يقال، لأنه تنقيص لم يرد في حديث صحيح. وإنما ذكره المفسرون. هـ. قلت: إنما يكون تنقيصاً إذا كان ذلك الواقع في القلب ثابتاً، وأما إن كان خاطراً مارًّا فلا نقص؛ إذ ليس في طوق البشر؛ لأنه من أوصاف العبودية، بل الكمال في دفعه بعد هجومه. ثم قال ابن عرفة، على قوله: {وتخشى الناس} هو تمهيد لعذره، وإن كان لمجرد أمر الله له بذلك، ولا ينبغي حمله على أنه خاف الناس فقط. بل المراد: عتابه على خلط خوفه من الله بخوفه من الناس، وأَمَرهُ ألا يخاف إلا من الله فقط، خوفاً غير مشوب بشيء. هـ. قلت: إذا فسرنا الخشية بالحياء لا يحتاج إلى هذا التعسُّف، مع أن الخوف من الخَلْق مذموم، وحده أو مع خوف الله، والنبي صلى الله عليه وسلم منزَّه عن ذلك، أي: تستحي من الناس أن يقولوا: نكح امرأة ابنه، وكان ـ عليه الصلاة والسلام ـ أشد الناس حياء من العذراء في خدرها. والحياء ممدوح عند الخاص والعام. وأما قوله تعالى: {والله أحقُّ أن تخشاه} فتنبيه على أن الحياء في بعض المواضع تركه أَولى، فهو ترقية له، وتربية لوقت آخر. أو: وتخشى أن يفتتن الناس بذلك، والله أرحم بهم من غيره، فالله أحق أن تَخشى، فتبتهل إليه في زوال ذلك عنهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية الأولى حث على التفويض وترك الاختيار، مع ما أمر به الواحد القهّار. وفي الحِكَم: "ما ترك من الجهل شيئاً مَن أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهر الله". فالواجب على العبد أن يكون في الباطن مستسلماً لقهره، وفي الظاهر متمثلاً لأمره، تابعاً لسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولِمَا يُوجب رضاه ومحبته. وفي الآية الثانية تنبيه على أن خواص الخواص يُعاتبون على ما لا يُعاتب عليه الخواص. والخواص، يُعاتبون على ما لا يعاتب عليه العوام، فكلما علا المقام، واشتد القرب، اشتدت المطالبة بالأدب، ووقع العتاب على أدنى ما يخل بشيء من الأدب، على عادة الوزراء مع الملك. وذلك أمر معلوم، مذوق عند أهل القلوب. وبالله التوفيق. ثم ذكر تزوجه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لزينب بعد مفارقة زيد، فقال: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً}. يقول الحق جلّ جلاله: {فلما قضى زيدٌ منها وَطَراً} حاجة، بحيث ملَّها ولم تبقَ له فيها حاجة. والوطر: الحاجة، فإذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همّة، يقال: قضى منه وطراً، أي: فلما قضى حاجته منها، وطلقها، وانقضت عدّتها، {زوجناكَها}. رُوي أنها لما اعتدت قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ لزيد:"حديث : ما أجد أحداً أوثقُ في نفسي منكَ، أيت زينبَ فاخطبها لي" تفسير : قال زيدٌ: فأتيتُها وولَّيتُها ظهْرِي، إعظاماً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت: يا زينبُ إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يخطبُك، فَفَرحَتْ، وقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئاً حتى أؤامِرَ ربِّي، فقامت إلى مسجدها، فنزَلَ القرآنُ: {فلما قضى زيد...} الآية، فتزوجها عليه الصلاة والسلام، ودخل بها حينئذ، ومَا أوْلَمَ على امْرأةٍ ما أوْلَمَ عليها، ذبح شاةٍ، وأطعمَ الناسَ الخبزَ واللحمَ حتى امتد النهار. وقيل: زوّجه الله تعالى إياها بلا واسطة عقد، ويؤيده: أنها كانت تقول لسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله زوجني من فوق سبع سماوات، وأنتن زوَّجَكُنَّ أولياؤكُنَّ. وكانت تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدُلّ عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدِل عليك بهنّ: جدّي وجدّك واحد، وإياي أنكحك الله من السماء، وإن السفير لي جبريل. ثم علل تزويجه إياها، فقال: {لكيلا يكون على المؤمنين حرجٌ في أزواج أدعيائهم} الذين يتبنونهم {إِذا قَضَوْا منهنَّ وَطَراً} قال الحسن: ظنت العرب أن حُرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبيّن اللهُ تعالى الفرق بينهما، وأن حلائل الأدعياء غير محرمة. وليست كحلائل أبناء الصلب. قال البيضاوي: وفيه دليل على أن حكمه وحكم الأَمة واحد، إلا ما خصّه الدليل. هـ. {وكان أمرُ اللهِ} الذي يريد أن يكونه {مفعولاً} مكوناً لا محالة، كما كان تزويج زينب. {ما كان على النبيّ من حرجٍ فيما فَرَضَ اللهُ له} أي: حلّ له، أو: قسم له، من قولهم: فرض له في الديوان كذا، وفروض العساكر، لأرزاقهم. أي: لا حرج على النبي فيما حلّ له وأمر به، كتزويج زينب، أو: قسم له من عدد النساء بلا حدّ، {سُنَّة الله} مصدر مؤكد لِما قبله من قوله: {ما كان على النبي من حرج} أي: سُنَّ ذلك سُنَّة في الأنبياء الماضين، وهو: ألا حرج عليهم في الإقدام على ما أحلّ لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره. وكانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة، وثلاثمائة سُرِّية. {في الَّذين خَلَواْ مِن قبلُ} في الأنبياء الذين مضوا من قبله، {وكان أمرُ الله قَدَراً مقدوراً} أي: قضاءً مقضياً، وحكماً مثبوتاً مبرماً، لا مرد له. {الذين يُبلِّغون رسالاتِ الله} هو صفة لـ {الذين خلوا من قبل}، أو: بدل منه، أو: مدح لهم منصوب، أو: مرفوع، أي: هم الذين، أو: أعني الذين يُبلغون رسالات الله، {ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله} ونبينا صلى الله عليه وسلم من جملتهم ومن أشرافهم، {وكفى بالله حسيباً} للمخاوف، أو: محاسباً، فينبغي ألا يُخشى إلا منه تعالى. الإشارة: إذا تمكن العبدُ مع مولاه وتحققت محبته فيه، كانت حوائجه مقضية، وهمته كلها نافذة، إذا اهتم بشيء، أو خطر على قلبه شيء، مكّنه الله منه، وسارع في قضائه، كما فعل مع حبيبه، حين خطر بباله تزوج زينب، أعلمه أنه زوَّجه إياها. وأهل مقام الفناء جُلهم في هذا المقام، إذا اهتموا بشيء كان، إذا ساعدتهم المقادير، وإلا فسوابقُ الهمم لا تخرق أسوارَ الأقدار، ولذلك قال هنا: {وكان أمر الله مفعولاً}، {وكان أمر الله قَدَراً مقدُوراً}. وصفة أهل الهمم القاطعة: أنهم لا يخافون إلا الله، ولا يخشون أحداً سواه، لا يخافون في الله لومة لائم، ذِكْرُهم لله دائم، وقلبُهم في الحضرة هائم. وبالله التوفيق. ثم ردَّ على من قال إنه عليه الصلاة والسلام تزوج امرأة ابنه فقال: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ...}

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة {أن يكون لهم الخيرة} بالياء، لان التأنيث غير حقيقي. الباقون بالتاء لتأنيث الخيرة. والخيرة جمع خير وحكي خيرة بفتح الياء وسكونها وقرأ عاصم {وخاتم} بفتح التاء. الباقون بكسرها. وهو الأقوى، لأنه مشتق من ختم، فهو خاتم. وقال الحسن: خاتم وهو الذي ختم به الانبياء. وقيل: هما لغتان - فتح التاء وكسرها - وفيه لغة ثالثة (خاتام) وقرئ به في الشواذ. وحكي ايضاً (ختام). وروي عن ابن عباس، وذهب اليه مجاهد، وقتادة أنه نزل قوله {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة....} الآية، في زينب بنت جحش، لما خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله لزيد بن حارثة فامتنعت لنسبها من قريش وإن زيداً كان عبداً، فأنزل الله الآية فرضيت به. وقال ابن زيد: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة ابن ابي معيط، وكانت وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وآله فزوجها زيد بن حارثة. بين الله تعالى في هذه الآية انه لم يكن {لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً} بمعنى إلزاماً وحكما {أن يكون لهم الخيرة} اي ليس لهم ان يتخيروا مع امر الله بشيء يترك به ما امر به إلى ما لم يأذن فيه. والخيرة إرادة اختيار الشيء على غيره. وفي ذلك دلالة على فساد مذهب المجبرة في القضاء والقدر، لأنه لو كان الله تعالى قضى المعاصي لم يكن لأحد الخيرة، ولوجب عليه الوفاء به. ومن خالف في ذلك كان عاصياً، وذلك خلاف الاجماع. ثم قال {ومن يعص الله ورسوله} في ما قضيا به وامرا به وخالفهما {فقد ضل} عن الحق وخاب عنه {ضلالاً مبيناً} أي ظاهراً. ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله فقال واذكر يا محمد حين {تقول للذي أنعم الله عليه} يعني بالهداية إلى الايمان {وأنعمت عليه} بالعتق {أمسك عليك زوجك} اي احبسها، ولا تطلقها، لأن زيداً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله مخاصما زوجته زينب بنت جحش على ان يطلقها، فوعظه النبي صلى الله عليه وآله، وقال له: لا تطلقها وامسكها {واتق الله} في مفارقتها {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} فالذي اخفى في نفسه انه إن طلقها زيد تزوجها وخشي من إظهار هذا للناس، وكان الله تعالى امره بتزوجها إذا طلقها زيد، فقال الله تعالى له ان تركت إظهار هذا خشية الناس فترك اضماره خشية الله احق وأولى. وقال الحسن: معناه وتخشى عيب الناس. وروي عن عائشة انها قالت لو كتم رسول الله صلى الله عليه وآله شيئاً من الوحي لكتم {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} وقيل: إن زيداً لما جاء مخاصماً زوجته، فرآها النبي صلى الله عليه وآله استحسنها وتمنى ان يفارقها زيد حتى يتزوجها، فكتم. قال البلخي: وهذا جائز، لأن هذا التمني هو ما طبع الله عليه البشر، فلا شيء على احد إذا تمنى شيئاً استحسنه. ثم قال تعالى {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها} فالوطر الارب والحاجة وقضاء الشهوة يقال: لي في هذا وطر، أي حاجة وشهوة، قال الشاعر: شعر : ودعني قبل ان اودعه لما قضى من شبابنا وطرا تفسير : وقال آخر: شعر : وكيف ثواي بالمدينة بعد ما قضى وطراً منها جميل بن معمر تفسير : وقوله {زوجناكها} يعني لما طلق زيد إمرأته زينب بنت جحش اذن الله تعالى لنبيه في تزويجها، واراد بذلك نسخ ما كان عليه اهل الجاهلية من تحريم زوجة الدعي على ما بيناه، وهو قوله {لكي لا يكون على المؤمنين حرج} اي اثم في أزواج ادعيائهم أن يتزوجوهن {إذا قضوا} الادعياء {منهن وطراً} وفارقوهن، فبين الله تعالى ان الغرض بهذا ان لا يكون المتبنى به إذا طلق المرأة يجري مجرى تحريم إمراة الابن إذا طلقت او مات عنها الابن. وقوله {وكان أمر الله مفعولاً} معناه وكان تزويج النبي صلى الله عليه وآله زينب بنت جحش كائناً لا محالة. واستدل بقوله {وكان أمر الله مفعولاً} على حدوث كلام الله، لأن الله تعالى قص كلامه. وقد بين أنه مفعول، والمفعول والمحدث واحد. ثم قال تعالى {ما كان على النبي من حرج في ما فرض الله له} أي لم يكن عليه إثم في ما قدره الله أن يتزوج زينب بنت جحش التي كانت زوجة زيد، وإن كان دعياً له، وفي جمعه بين التسع. وقال {سنة الله في الذين خلوا من قبل} أي ما أمرنا به محمداً من هذه السنن والعادات مثل سنة من تقدم من الانبياء، وما أمرهم الله تعالى به. لأنه تعالى أباح لكل نبي شيئاً خصه به ورفع به شأنه من بين سائر الامم {وكان أمر الله قدراً مقدوراً} فالقدر المقدور هو ما كان على مقدار ما تقدم من غير زيادة ولا نقصان، قال الشاعر: شعر : واعلم بان ذا الجلال قد قدر في الصحف الاولى التي كان سطر تفسير : وقوله {الذين يبلغون رسالات الله} ولا يكتمونها بل يؤدونها إلى من بعثوا اليهم {ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله} أي لا يخافون سوى الله احداً وقوله {وكفى بالله حسيباً} أي كافياً ومجازياً. ثم قال {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} نزلت في زيد بن حارثة لأنهم كانوا يسمونه: زيد بن محمد، فبين الله تعالى ان النبي ليس بـ (أب احد) منهم من الرجال وإنما هو ابو القاسم والطيب والمطهر وإبراهيم، وكلهم درجوا في الصغر. ذكره قتادة. ثم قال {ولكن} كان {رسول الله} ونصب باضمار {كان} وتقديره ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وآله، وروى عبد الوارث عن ابي عمرو {ولكن} بالتشديد {رسول الله} نصب بـ {لكن} {وخاتم النبيين} أي آخرهم، لأنه لا نبي بعده إلى يوم القيامة {وكان الله بكل شيء عليماً} أي عالماً لا يخفى عليه شيء مما يصلح العباد. وقيل إنما ذكر {وخاتم النبيين} ها هنا، لان المعنى أن من لا يصلح بهذا النبي الذي هو آخر الانبياء، فهو مأيوس من صلاحه من حيث انه ليس بعده نبي يصلح به الخلق. ومن استدل بهذه الآية، وهي قوله {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} على انه لم يكن الحسن والحسين عليهما السلام ابنيه، فقد أبعد، لان الحسن والحسين كانا طفلين، كما انه كان أبا إبراهيم وإنما بقي أن لا يكون أباً للرجال البالغين.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} عطف على مقدّرٍ مستفادٍ من السّابق كأنّه قال: فما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ ان يدعوا تلك المغفرة العظيمة وذلك الاجر العظيم وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ اى ما صحّ وما جاز {إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً} اى حكم الله او حتم او بيّن {أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ} اسم للاختيار ويقع على المختار ايضاً {مِنْ أَمْرِهِمْ} لانّهما اولى بهم وابصر بامرهم وارحم بهم منهم نزلت حين خطب الرّسول زينب بنت جحشٍ لزيدٍ مولاه وغضبت هى واخوها وقالت: بنت عمّتك تنكحها لمولاك؟ فلمّا نزلت قالت: رضيت وجعلت امرها بيده، وقيل: نزلت فى امّ كلثوم بنت عقبة بن ابى معيطٍ وكانت وهبت نفسها للنّبىّ (ص) فقال: قد قبلت وزوّجها زيد بن حارثة فسخطت هى واخوها وقالا: انّما اردنا رسول الله فزوّجنا عبده فنزلت: وقد مضى فى سورة القصص انّ نزول الآية ان كانت فى شيءٍ غير الخلافة فالمنظور منها الخلافة يعنى ما كان لاحدٍ ان يختار الامام من عند نفسه على من اختاره الله ورسوله (ص) للامامة {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فى ما يختار انه لهم يعنى فى الامامة الّتى يختار انها لهم {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً وَإِذْ تَقُولُ} عطف على مقدّرٍ عامٍّ او خاصٍّ والتّقدير ما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ اذا قضى الله ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من امرهم فى اىّ وقتٍ كان او فى وقت نصب علىٍّ (ع) بالخلافة، واذ تقول {لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} بالاسلام والتّوفيق لاطاعتك وخدمتك {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} بالعتق والزّوجة وبذل ما يحتاج اليه {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} مع انّك علمت انّ مختار الله ومختارك ان تصير زينب زوجتك {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} من كون نكاح مختارك ومختار الله {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ} وملامتهم بان يقولوا يتمنّى زوجة الغير {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} ان كان هذا ممّا يخشى، روى عن السّجّاد (ع) انّ الّذى اخفاه فى نفسه هو انّ الله سبحانه اعلمه انّها ستكون من ازواجه وانّ زيداً سيطلّقها فلمّا جاء زيد وقال له: اريد ان اطلّق زينب، قال له: امسك عليك زوجك فقال سبحانه: لم قلت: امسك عليك زوجك؟ وقد اعلمتك انّها ستكون من ازواجك {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} حاجة كانت له اليها وملّها وطلّقها وانقضت عدّتها {زَوَّجْنَاكَهَا} وفى قراءة اهل البيت (ع) زوّجتكها وهذا ادلّ على تعظيمه (ص) فانّه ادلّ على مباشرة التّزويج بنفسه دون سفرائه وخلفائه {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} اى فيما قدّر الله له قدراً حتماً فانّه تعالى قدّر له (ص) قدراً حتماً ان تكون زينب من ازواجه، نسب الى الباقر (ع) انّه قال زوّج رسول الله (ص) زينب زيداً فمكث عند زيدٍ ما شاء الله ثمّ انّهما تشاجرا فى شيءٍ الى رسول الله (ص) فنظر اليها رسول الله فأعجبته فقال زيد: يا رسول الله (ص) اتأذن لى فى طلاقها فانّ فيها كبراً وانّها لتؤذينى بلسانها؟- فقال رسول الله (ص): اتّق الله وامسك عليك زوجك واحسن اليها، ثمّ انّ زيداً طلّقها وانقضت عدّتها فأنزل الله عزّ وجلّ نكاحها على رسوله (ص)، وعن الرّضا (ع) فى حديثٍ انّ الله تعالى عرّف نبيّه (ص) اسماء ازواجه فى دار الدّنيا واسماء ازواجه فى الآخرة وانّهنّ امّهات المؤمنين واحد من سمّى له زينب بنت جحشٍ وهى يومئذٍ تحت زيد بن حارثة فاخفى (ص) اسمها فى نفسه ولم يبده لكى لا يكون احدٌ يقول من المنافقين انّه قال فى امرأةٍ فى بيت رجل انّها احد ازواجه من امّهات المؤمنين وخشى قول المنافقين قال الله عزّ وجلّ: وتخشى النّاس والله احقّ ان تخشاه يعنى فى نفسك وانّ الله عزّ وجلّ ما تولّى تزويج احدٍ من خلقه الاّ تزويج حوّاء من آدم (ع)، وزينب من رسول الله (ص) بقوله عزّ وجلّ: فلمّا قضى زيد منها وطراً زوجناكها، وفاطمة (ع) من علىّ (ع)، وعنه (ع): انّ رسول الله (ص) قصد دار زيد بن حارثة فى امرٍ اراده فرأى امرأته تغتسل فقال لها: سبحان الله الّذى خلقك وانّما اراد بذلك تنزيه الله عن قول من زعم انّ الملائكة بنات الله (الى ان قال) فقال النّبىّ (ص) لمّا رآها تغتسل: سبحان الله الّذى خلقك ان يتّخذ ولداً يحتاج الى هذا التّطهير والاغتسال، فلمّا عاد زيدٌ الى منزله اخبرته امرأته بمجئ الرّسول (ص) وقوله لها: سبحان الله الّذى خلقك فلم يعلم زيدٌ ما اراد بذلك فظنّ انّه قال ذلك لما اعجب من حسنها، فجاء الى النّبىّ (ص) فقال: يا رسول الله (ص) انّ امرأتى فى خلقها سوءٌ وانّى اريد طلاقها، فقال له النّبىّ (ص): امسك عليك زوجك واتّق الله (الآية) وقد كان الله عزّ وجلّ عرّفه عدد ازواجه وانّ تلك المرأة منهنّ فاخفى ذلك فى نفسه ولم يبده لزيدٍ وخشى النّاس ان يقولوا: انّ محمّداً يقول لمولاه انّ امرأتك ستكون لى زوجة، فيعيبونه بذلك فأنزل الله واذ تقول (الآية) ثمّ انّ زيد بن حارثة طلّقها واعتدّت منه فزوّجها الله تعالى من نبيّه وانزل بذلك قرآناً فقال عزّ وجلّ: فلمّا قضى زيد منها وطراً (الآية) ثمّ علم عزّ وجلّ انّ المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل ما كَان على النّبىّ من حرج فيما فرض الله له {سُنَّةَ ٱللَّهِ} سنّ ذلك المذكور من تزويج ازواج الادعياء او من رفع الحرج فيما فرض لهم واباح سنّةً {فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} يعنى فى الانبياء الّذين خلوا من قبلك بقرينة الّذين يبلّغون (الى آخره) {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} يعنى انّ امره قدّر سابقاً فى الالواح بحيث لا يكون فيه تخلّف فما لهم يلومون فى امرٍ يكون قدراً مقدوراً غير متخلّفٍ عنه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يزوّج زينبَ بنتَ جحش زيدَ بن حارثة فأبت وقالت: أزوج نفسي رجلاً كان عبدَك بالأمس؟ وكانت ذاتَ شرَف. فلما نزلت هذه الآية جعلت أمرها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوَّجها إياه، ثم صارت بعدُ سنة في جميع الدين، ليس لأحد خيار على قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه. قال: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: فيما حكما عليه وأمراه به {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} أي: بيّناً.

اطفيش

تفسير : {وما كان لمُؤمن ولا مؤمنة} فاعل كان المصدر من قوله: (أن تكون) ولا خبر لها، لكن لا مانع من ان يكون ذلك المصدر اسمها، ولمؤمن خبرها، وفى تكون الوجهان {إذا قَضَى الله ورسولُه أمراً} اوجبه او حرمه، او كرهه او ندب اليه، او اباحه، وإنما ذكر رسوله لان القضاء يوحى اليه، ولتعظيمه وللاشعار بان ما قاله لكم هو من الله، فصدقوه لأنه لا يكذب، ولا يقول من نفسه، ويجوز ان يكون اصل الكلام اذا قضى رسوله، اى حكم عليكم او لكم فذكر الله تقوية له، كقوله تعالى: "أية : فأن لله خمسه وللرسول"تفسير : [الأنفال: 41] فى تفسير. {أن يكُون لهم الخيرة} ما لهم الا الاتباع، وهو اسم مصدر لتخير كالطيرة لتطير، قيل: ولا ثالث لهما، وضمير الجماعة فى لهم لمؤمن ومؤمنة، لانهما نكرتان بعد السلب، والعطف بالواو لا بأو {من أمْرهِم} متعلق بالخيرة، اى ان يكون لهم الاختيار فى امرهم، او متعلق عائدة الى مؤمن ومؤمنة، والاضافة للجنس اى من امورهم السائقة الى المخالفة، او من بمعنى فى كالوجه الاول، وأمر هو أمر الله المقضى، والهاء لهما ايضا. واضيف امر الله اليهم، لانهم امروا به، وان اعيد الهاء الى الله ورسوله ففيه جمع الله وغيره فى ضمير، ومر انه لا يحسن، وفيه تفكيك الضمائر، ومن الجائز ان ترده الى الله وحده، او لرسوله وحده، على سبيل التعظيم، وهو خلاف الظاهر ولو كان المراد هنالك الله وحده، او رسوله وحده، ولا نسلم ان الاصل افراد الضمير فى لهم، فضلا عن ان يقال انه عدل عنه ليفيد ان الجماعة لا تجد الاختيار، فكيف يجده الواحد، وأن ضمير الجمع فى لهم تابع لذلك. {ومَنْ يعْص الله ورسُولَه} فى الامر والنهى {فَقَد ضلَّ} حاد عن الصواب {ضلالا مُبيناً} ظاهراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لزينب بيت جحش، وهى بنت عمته أميمة بنت عبدالمطلب: "حديث : تزوجي زيد بن حارثة قد رضيته لك" تفسير : فقالت: لكنى لا ارضاه، انى أيم قومى، وبنت عمتك، وحسبى افضل وهو عبد، ووافقها اخوها عبدالله، فنزلت الآية فتزوجته، واصدقها عشرة دنانير وستين درهما، وخمارا او درعا وملحفة، وخمسين صاعا من طعام، اى بر، وثلاثين من تمر، وقيل نزلت فى ام مكتوم بنت عقبة بن معيط، اول امراة هاجرت وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم، فزوجها زيد بن حارثة، فقالت: اردت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجنى عبده، والصحيح فى زينب بنت جحش، اذ زوجها بزيد وهى تكرهه.

الالوسي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ } أي ما صح وما استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين. {إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً } أي قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله تعالى لتعظيم أمره بالإشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام بمنزلة من الله تعالى بحيث تعد أوامره أوامر الله عز وجل أو للإشعار بأن ما يفعله صلى الله عليه وسلم إنما يفعله بأمره لأنه لا ينطق عن الهوى فالنظم إما من قبيل {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } تفسير : [الأنفال: 41] أو من قبيل {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }تفسير : [التوبة: 62]. {أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخَيرَةُ منْ أَمْرهمْ} أي أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا بل يجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعاً لرأيه عليه الصلاة والسلام واختيارهم تلواً لاختياره. والخيرة مصدر من تخير كالطيرة مصدر من تطير، ولم يجيء على ما قيل مصدر بهذه الزنة غيرهما، وقيل: هي صفة مشبهة وفسرت بالمتخير، و {مِنْ أَمْرِهِمْ } متعلق بها أو بمحذوف وقع حالاً منها، وجمع الضمير في {لَهُمْ } رعاية للمعنى لوقوع مؤمن ومؤمنة في سياق النفي والنكرة الواقعة في سياقه تعم، وكان من حقه على ما في «الكشاف» توحيده كما تقول: ما جاءني من امرأة ولا رجل إلا كان من شأنه كذا. وتعقبه أبو حيان بأن هذا عطف بالواو والتوحيد في العطف بأو نحو من جاءك من شريف أو وضيع أكرمه فلا يجوز إفراد الضمير في ذاك إلا بتأويل الحذف. وجمعه في {أَمْرِهِمْ } مع أنه للرسول صلى الله عليه وسلم أو له ولله عز وجل للتعظيم على ما قيل. / وقال بعض الأجلة: لم يظهر عندي امتناع أن يكون عائداً على ما عاد عليه الأول على أن يكون المعنى ناشئة من أمرهم أي دواعيهم السائقة إلى اختيار خلاف ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو يكون المعنى الاختيار في شيء من أمرهم أي أمورهم التي يعنونها. ويرجح عوده على ما ذكر بعدم التفكيك ورد بأن ذاك قليل الجدوى ضرورة أن الخيرة ناشئة من دواعيهم أو واقعة في أمورهم وهو بين مستغن عن البيان بخلاف ما إذا كان المعنى بدل أمره الذي قضاه عليه الصلاة والسلام أو متجاوزين عن أمره لتأكيده وتقريره للنفي وهذا هو المانع من عوده إلى ما عاد عليه الأول، والحق أنه لا مانع من ذلك على أن يكون المعنى ما كان للمؤمنين أن يكون لهم اختيار في شيء من أمورهم إذا قضى الله ورسوله لهم أمراً، ولا نسلم أن ما عد مانعاً مانع فتدبر. ولعل الفائدة في العدول عن الظاهر في الضمير الأول على ما قال الطيبـي الإيذان بأنه كما لا يصح لكل فرد فرد من المؤمنين أن يكون لهم الخيرة كذلك لا يصح أن يجتمعوا ويتفقوا على كلمة واحدة لأن تأثير الجماعة واتفاقهم أقوى من تأثير الواحد، ويستفاد منه فائدة الجمع في الضمير الثاني على تقدير عوده على ما عاد عليه الأول وكذا وجه إفراد الأمر إذا أمعن النظر. وقرأ الحرميان والعربيان وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة والأعرج وعيسى (تكون) بتاء التأنيث والوجه ظاهر ووجه القراءة بالياء وهي قراءة الكوفيين والحسن والأعمش والسلمي أن المرفوع بالفعل مفصول مع كون تأنيثه غير حقيقي، وقرىء كما ذكر عيسى بن سليمان {ٱلْخِيَرَةُ } بسكون الياء. {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في أمر من الأمور ويعمل فيه برأيه {فَقَدْ ضَلَّ } طريق الحق {ضَلَـٰلاً مُّبِيناً } أي بين الانحراف عن سنن الصواب، والظاهر أن هذا في الأمور المقضية على ما يشعر به السوق، والآية على ما روي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم نزلت في زينب بنت جحش بنت عمته صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب وأخيها عبد الله خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة وقال: إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك فأبت وقالت: يا رسول الله لكني لا أرضاه لنفسي وأنا أيم قومي وبنت عمتك فلم أكن لأفعل. وفي رواية أنها قالت: أنا خير منه حسباً ووافقها أخوها عبد الله على ذلك فلما نزلت الآية رضيا وسلما فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً بعد أن جعلت أمرها بيده وساق إليها عشرة دنانير وستين درهماً مهراً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مداً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن زيد أنه قال نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبـي معيط وكانت أول امرأة هاجرت من النساء فوهبت نفسها للنبـي صلى الله عليه وسلم فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالت إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده.

سيد قطب

تفسير : هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملاً، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادراً على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيباً طويلاً لربط النفوس بالله ولبيان علاقة المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمر الله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم. ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة. {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً}.. روي أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ حينما أراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحطم الفوارق الطبقية الموروثة في الجماعة المسلمة؛ فيرد الناس سواسية كأسنان المشط. لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. وكان الموالي ـ وهم الرقيق المحرر ـ طبقة أدنى من طبقة السادة. ومن هؤلاء كان زيد بن حارثة مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي تبناه. فأراد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحقق المساواة الكاملة بتزويجه من شريفة من بني هاشم، قريبته ـ صلى الله عليه وسلم ـ زينب بنت جحش؛ ليسقط تلك الفوارق الطبقية بنفسه، في أسرته. وكانت هذه الفوارق من العمق والعنف بحيث لا يحطمها إلا فعل واقعي من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تتخذ منه الجماعة المسلمة أسوة، وتسير البشرية كلها على هداه في هذا الطريق. روى ابن كثير في التفسير قال: قال العوفي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة}. الآية. وذلك "حديث : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة ـ رضي الله عنه ـ فدخل على زينب بنت جحش الأسدية ـ رضي الله عنها ـ فخطبها، فقالت: لست بناكحته! فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "بلى فانكحيه".قالت: يا رسول الله. أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً}.. الآية قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً؟ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "نعم"! قالت: إذن لا أعصي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أنكحته نفسي! " تفسير : وقال ابن لهيعة عن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: خطب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ـ رضي الله عنه ـ فاستنكفت منه، وقالت: أنا خير منه حسباً ـ وكانت امرأة فيها حدة ـ فأنزل الله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة..} الآية كلها. وهكذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان أنها نزلت في زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ حين خطبها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مولاه زيد بن حارثة ـ رضي الله عنه ـ فامتنعت ثم أجابت. وروى ابن كثير في التفسير كذلك رواية أخرى قال: وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ـ رضي الله عنها ـ وكانت أول من هاجر من النساء ـ يعني بعد صلح الحديبية ـ فوهبت نفسها للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "حديث : قد قبلت"تفسير : . فزوجها زيد بن حارثة ـ رضي الله عنه ـ (يعني والله أعلم بعد فراقه زينب) فسخطت هي وأخوها، وقال: إنما أردنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فزوجنا عبده! قال: فنزل القرآن: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً} إلى آخر الآية. قال: وجاء أمر أجمع من هذا: {أية : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} تفسير : قال: فذاك خاص وهذا أجمع. وفي رواية ثالثة: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت البناني، عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: "حديث : خطب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جليبيب امراة من الأنصار إلى أبيها. فقال: حتى أستأمر أمها. فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "فنعم إذن". قال: فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: لاها الله! إذن ما وجد رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ إلا جليبيباً، وقد منعناها من فلان وفلان؟ قال: والجارية في سترها تسمع. قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك. فقالت الجارية: أتريدون أن تردوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره؟ إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. قال: فكأنها جلت عن أبويها. وقالا: صدقت. فذهب أبوها إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إن كنت قد رضيته فقد رضيناه. قال: صلى الله عليه وسلم ـ: فإني قد رضيته. قال: فزوجها.."تفسير : ثم فزع أهل المدينة، فركب جليبيب، فوجدوه قد قتل، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم. قال أنس ـ رضي الله عنه ـ فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق بيت بالمدينة.. فهذه الروايات ـ إن صحت ـ تعلق هذه الآية بحادث زواج زينب من زيد ـ رضي الله عنهما ـ أو زواجه من أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. وقد أثبتنا الرواية الثالثة عن جليبيب لأنها تدل على منطق البيئة الذي توكل الإسلام بتحطيمه، وتولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تغييره بفعله وسنته. وهو جزء من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس منطق الإسلام الجديد، وتصوره للقيم في هذه الأرض، وانطلاق النزعة التحررية القائمة على منهج الإسلام، المستمدة من روحه العظيم. ولكن نص الآية أعم من أي حادث خاص. وقد تكون له علاقة كذلك بإبطال آثار التبني، وإحلال مطلقات الأدعياء، وحادث زواج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من زينب ـ رضي الله عنها ـ بعد طلاقها من زيد. الأمر الذي كانت له ضجة عظيمة في حينه. والذي ما يزال يتخذه بعض أعداء الإسلام تكأة للطعن على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى اليوم، ويلفقون حوله الأساطير! وسواء كان سبب نزول الآية ما جاء في تلك الروايات، أو كانت بصدد زواج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من زينب ـ رضي الله عنها ـ فإن القاعدة التي تقررها الآية أعم وأشمل، وأعمق جداً في نفوس المسلمين وحياتهم وتصورهم الأصيل. فهذا المقوّم من مقومات العقيدة هو الذي استقر في قلوب تلك الجماعة الأولى من المسلمين استقراراً حقيقياً؛ واستيقنته أنفسهم، وتكيفت به مشاعرهم. هذا المقوم يتلخص في أنه ليس لهم في أنفسهم شيء؛ وليس لهم من أمرهم شيء. إنما هم وما ملكت أيديهم لله. يصرفهم كيف يشاء، ويختار لهم ما يريد. وإن هم إلا بعض هذا الوجود الذي يسير وفق الناموس العام. وخالق هذا الوجود ومدبره يحركهم مع حركة الوجود العام؛ ويقسم لهم دورهم في رواية الوجود الكبيرة؛ ويقرر حركاتهم على مسرح الوجود العظيم. وليس لهم أن يختاروا الدور الذي يقومون به، لأنهم لا يعرفون الرواية كاملة؛ وليس لهم أن يختاروا الحركة التي يحبونها لأن ما يحبونه قد لا يستقيم مع الدور الذي خصص لهم! وهم ليسوا أصحاب الرواية ولا المسرح؛ وإن هم إلا أجراء، لهم أجرهم على العمل، وليس لهم ولا عليهم في النتيجة! عندئذ أسلموا أنفسهم حقيقة لله. أسلموها بكل ما فيها؛ فلم يعد لهم منها شيء. وعندئذ استقامت نفوسهم مع فطرة الكون كله؛ واستقامت حركاتهم مع دورته العامة؛ وساروا في فلكهم كما تسير تلك الكواكب والنجوم في أفلاكها، لا تحاول أن تخرج عنها، ولا أن تسرع أو تبطئ في دورتها المتناسقة مع حركة الوجود كله. وعندئذ رضيت نفوسهم بكل ما يأتي به قدر الله، لشعورهم الباطن الواصل بأن قدر الله هو الذي يصرف كل شيء، وكل أحد، وكل حادث، وكل حالة. واستقبلوا قدر الله فيهم بالمعرفة المدركة المريحة الواثقة المطمئنة. وشيئاً فشيئاً لم يعودوا يحسون بالمفاجأة لقدر الله حين يصيبهم، ولا بالجزع الذي يعالج بالتجمل؛ أو بالألم الذي يعالج بالصبر. إنما عادوا يستقبلون قدر الله استقبال العارف المنتظر المرتقب لأمر مألوف في حسه، معروف في ضميره، ولا يثير مفاجأة ولا رجفة ولا غرابة! ومن ثم لم يعودوا يستعجلون دورة الفلك ليقضوا أمراً هم يريدون قضاءه، ولم يعودوا يستبطئون الأحداث لأن لهم أرباً يستعجلون تحقيقه، ولو كان هذا الأرب هو نصر دعوتهم وتمكينها! إنما ساروا في طريقهم مع قدر الله، ينتهي بهم إلى حيث ينتهي، وهم راضون مستروحون، يبذلون ما يملكون من أرواح وجهود وأموال في غير عجلة ولا ضيق، وفي غير من ولا غرور، وفي غير حسرة ولا أسف. وهم على يقين أنهم يفعلون ما قدر الله لهم أن يفعلوه؛ وأن ما يريده الله هو الذي يكون، وأن كل أمر مرهون بوقته وأجله المرسوم. إنه الاستسلام المطلق ليد الله تقود خطاهم، وتصرف حركاتهم؛ وهم مطمئنون لليد التي تقودهم، شاعرون معها بالأمن والثقة واليقين، سائرون معها في بساطة ويسر ولين. وهم ـ مع هذا ـ يعملون ما يقدرون عليه ـ ويبذلون ما يملكون كله، ولا يضيعون وقتاً ولا جهداً، ولا يتركون حيلة ولا وسيلة. ثم لا يتكلفون ما لا يطيقون، ولا يحاولون الخروج عن بشريتهم وما فيها من خصائص، ومن ضعف وقوة؛ ولا يدعون ما لا يجدونه في أنفسهم من مشاعر وطاقات، ولا يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ولا أن يقولوا غير ما يفعلون. وهذا التوازن بين الاستسلام المطلق لقدر الله، والعمل الجاهد بكل ما في الطاقة، والوقوف المطمئن عند ما يستطيعون.. هذا التوازن هو السمة التي طبعت حياة تلك المجموعة الأولى وميزتها؛ وهي التي أهلتها لحمل أمانة هذه العقيدة الضخمة التي تنوء بها الجبال! واستقرار ذلك المقوم الأول في أعماق الضمائر هو الذي كفل لتلك الجماعة الأولى تحقيق تلك الخوارق التي حققتها في حياتها الخاصة، وفي حياة المجتمع الإنساني إذ ذاك. وهو الذي جعل خطواتها وحركاتها تتناسق مع دورة الأفلاك، وخطوات الزمان، ولا تحتك بها أو تصطدم، فتتعوق أو تبطئ نتيجة الاحتكاك والاصطدام. وهو الذي بارك تلك الجهود، فإذا هي تثمر ذلك الثمر الحلو الكثير العظيم في فترة قصيرة من الزمان. ولقد كان ذلك التحول في نفوسهم بحيث تستقيم حركتها مع حركة الوجود، وفق قدر الله المصرف لهذا الوجود.. كان هذا التحول في تلك النفوس هو المعجزة الكبرى التي لا يقدر عليها بشر؛ إنما تتم بإرادة الله المباشرة التي أنشأت الأرض والسماوات، والكواكب والأفلاك؛ ونسقت بين خطاها ودوراتها ذلك التنسيق الإلهي الخاص. وإلى هذه الحقيقة تشير هذه الآيات الكثيرة في القرآن.. حيث يقول الله تبارك وتعالى: {أية : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}..تفسير : أو يقول: {أية : ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء}.. تفسير : أو يقول: {أية : إن الهدى هدى الله}.. تفسير : فذلك هو الهدى بحقيقته الكبيرة ومعناه الواسع. هدى الإنسان إلى مكانه في هيكل هذا الوجود؛ وتنسيق خطاه مع حركة هذا الوجود. ولن يؤتي الجهد كامل ثماره إلا حين يستقيم القلب على هدى الله بمعناه؛ وتستقيم حركة الفرد مع دورة الوجود؛ ويطمئن الضمير إلى قدر الله الشامل الذي لا يكون في الوجود أمر إلا وفق مقتضاه. ومن هذا البيان ينجلي أن هذا النص القرآني: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}.. أشمل وأوسع وأبعد مدى من أي حادث خاص يكون قد نزل فيه. وأنه يقرر كلية أساسية، أو الكلية الأساسية، في منهج الإسلام! ثم يجيء الحديث عن حادث زواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من زينب بنت جحش، وما سبقه وما تلاه من أحكام وتوجيهات: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه؛ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً. وكان أمر الله مفعولاً. ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له. سنة الله في الذين خلوا من قبل. وكان أمر الله قدراً مقدرواً. الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله. وكفى بالله حسيباً. ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين، وكان الله بكل شيء عليماً}.. مضى في أول السورة إبطال تقليد التبني؛ ورد الأدعياء إلى آبائهم، وإقامة العلاقات العائلية على أساسها الطبيعي: {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم. ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله. فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم، وكان الله غفوراً رحيماً... }. تفسير : ولكن نظام التبني كانت له آثار واقعية في حياة الجماعة العربية؛ ولم يكن إبطال هذه الآثار الواقعية في حياة المجتمع ليمضي بالسهولة التي يمضي بها إبطال تقليد التبني ذاته. فالتقاليد الاجتماعية أعمق أثراً في النفوس. ولا بد من سوابق عملية مضادة. ولا بد أن تستقبل هذه السوابق أول أمرها بالاستنكار؛ وأن تكون شديدة الوقع على الكثيرين. وقد مضى أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زوج زيد بن حارثة ـ الذي كان متبناه، وكان يدعى زيد ابن محمد ثم دعي إلى أبيه ـ من زينب بنت جحش، ابنة عمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليحطم بهذا الزواج فوارق الطبقات الموروثة، ويحقق معنى قوله تعالى: {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم}تفسير : ويقرر هذه القيمة الإسلامية الجديدة بفعل عملي واقعي. ثم شاء الله أن يحمل نبيه بعد ذلك ـ فيما يحمل من أعباء الرسالة ـ مؤنة إزالة آثار نظام التبني؛ فيتزوج من مطلقة متبناه زيد بن حارثة. ويواجه المجتمع بهذا العمل، الذي لا يستطيع أحد أن يواجه المجتمع به، على الرغم من إبطال عادة التبني في ذاتها! وألهم الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن زيداً سيطلق زينب؛ وأنه هو سيتزوجها، للحكمة التي قضى الله بها. وكانت العلاقات بين زيد وزينب قد اضطربت، وعادت توحي بأن حياتهما لن تستقيم طويلاً. وجاء زيد مرة بعد مرة يشكو إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اضطراب حياته مع زينب؛ وعدم استطاعته المضي معها. والرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ على شجاعته في مواجهة قومه في أمر العقيدة دون لجلجة ولا خشية ـ يحس ثقل التبعة فيما ألهمه الله من أمر زينب؛ ويتردد في مواجهة القوم بتحطيم ذلك التقليد العميق؛ فيقول لزيد (الذي أنعم الله عليه بالإسلام وبالقرب من رسوله وبحب الرسول له، ذلك الحب الذي يتقدم به في قلبه على كل أحد بلا استثناء. والذي أنعم عليه الرسول بالعتق والتربية والحب).. يقول له: {أمسك عليك زوجك واتق الله}.. ويؤخر بهذا مواجهة الأمر العظيم الذي يتردد في الخروج به على الناس. كما قال الله تعالى: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه!}.. وهذا الذي أخفاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفسه، وهو يعلم أن الله مبديه، هو ما ألهمه الله أن سيفعله. ولم يكن أمراً صريحاً من الله. وإلا ما تردد فيه ولا أخره ولا حاول تأجيله. ولجهر به في حينه مهما كانت العواقب التي يتوقعها من إعلانه. ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أمام إلهام يجده في نفسه، ويتوجس في الوقت ذاته من مواجهته، ومواجهة الناس به. حتى أذن الله بكونه. فطلق زيد زوجه في النهاية. وهو لا يفكر لا هو ولا زينب، فيما سيكون بعد. لأن العرف السائد كان يعد زينب مطلقة ابن لمحمد لا تحل له. حتى بعد إبطال عادة التبني في ذاتها. ولم يكن قد نزل بعد إحلال مطلقات الأدعياء. إنما كان حادث زواج النبي بها فيما بعد هو الذي قرر هذه القاعدة. بعدما قوبل هذا القرار بالدهشة والمفاجأة والاستنكار. وفي هذا ما يهدم كل الروايات التي رويت عن هذا الحادث؛ والتي تشبث بها أعداء الإسلام قديماً وحديثاً، وصاغوا حولها الأساطير والمفتريات! إنما كان الأمر كما قال الله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً}.. وكانت هذه إحدى ضرائب الرسالة الباهظة حملها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما حمل؛ وواجه بها المجتمع الكاره لها كل الكراهية. حتى ليتردد في مواجهته بها وهو الذي لم يتردد في مواجهته بعقيدة التوحيد، وذم الآلهة والشركاء؛ وتخطئة الآباء والأجداد! {وكان أمر الله مفعولاً}.. لا مرد له، ولا مفر منه. واقعاً محققاً لا سبيل إلى تخلفه ولا إلى الحيدة عنه. وكان زواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من زينب ـ رضي الله عنها ـ بعد انقضاء عدتها. أرسل إليها زيداً زوجها السابق. وأحب خلق الله إليه. أرسله إليها ليخطبها عليه. عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: "حديث : لما انقضت عدة زينب ـ رضي الله عنها ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لزيد بن حارثة. "اذهب فاذكرها عليّ" فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها. قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، وأقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكرها! فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب. أبشري. أرسلني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي عز وجل. فقامت إلى مسجدها. ونزل القرآن. وجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فدخل عليها بغير إذن... " تفسير : وقد روى البخاري ـ رحمه الله ـ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: إن زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ كانت تفخر على أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله ـ تعالى ـ من فوق سبع سماوات. ولم تمر المسألة سهلة، فلقد فوجئ بها المجتمع الإسلامي كله؛ كما انطلقت ألسنة المنافقين تقول: تزوج حليلة ابنه! ولما كانت المسألة مسألة تقرير مبدأ جديد فقد مضى القرآن يؤكدها؛ ويزيل عنصر الغرابة فيها، ويردها إلى أصولها البسيطة المنطقية التاريخية: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله}.. فقد فرض له أن يتزوج زينب، وأن يبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء. وإذن فلا حرج في هذا الأمر، وليس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيه بدعاً من الرسل. {سنة الله في الذين خلوا من قبل}.. فهو أمر يمضي وفق سنة الله التي لا تتبدل. والتي تتعلق بحقائق الأشياء، لا بما يحوطها من تصورات وتقاليد مصطنعة لا تقوم على أساس. {وكان أمر الله قدراً مقدورا}.. فهو نافذ مفعول، لا يقف في وجهه شيء ولا أحد. وهو مقدر بحكمة وخبرة ووزن، منظور فيه إلى الغاية التي يريدها الله منه. ويعلم ضرورتها وقدرها وزمانها ومكانها. وقد أمر الله رسوله أن يبطل تلك العادة ويمحو آثارها عملياً، ويقرر بنفسه السابقة الواقعية. ولم يكن بد من نفاذ أمر الله. وسنة الله هذه قد مضت في الذين خلوا من قبل من الرسل: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله}.. فلا يحسبون للخلق حساباً فيما يكلفهم الله به من أمور الرسالة، ولا يخشون أحداً إلا الله الذي أرسلهم للتبليغ والعمل والتنفيذ. {وكفى بالله حسيباً}.. فهو وحده الذي يحاسبهم، وليس للناس عليهم من حساب. {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} فزينب ليست حليلة ابنه، وزيد ليس ابن محمد. إنما هو ابن حارثة. ولا حرج إذن في الأمر حين ينظر إليه بعين الحقيقة الواقعة. والعلاقة بين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين جميع المسلمين ـ ومنهم زيد بن حارثة ـ هي علاقة النبي بقومه، وليس هو أباً لأحد منهم: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين}.. ومن ثم فهو يشرع الشرائع الباقية، لتسير عليها البشرية؛ وفق آخر رسالة السماء إلى الأرض، التي لا تبديل فيها بعد ذلك ولا تغيير. {وكان الله بكل شيء عليماً}.. فهو الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية، وما يصلحها؛ وهو الذي فرض على النبي ما فرض، واختار له ما اختار. ليحل للناس أزواج أدعيائهم، إذا ما قضوا منهن وطراً، وانتهت حاجتهم منهن، وأطلقوا سراحهن.. قضى الله هذا وفق علمه بكل شيء. ومعرفته بالأصلح والأوفق من النظم والشرائع والقوانين؛ ووفق رحمته وتخيره للمؤمنين. ثم يمضي السياق القرآني في ربط القلوب بهذا المعنى الأخير، ووصلهم بالله الذي فرض على رسوله ما فرض، واختار للأمة المسلمة ما اختار؛ يريد بها الخير، والخروج من الظلمات إلى النور: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيماً. تحيتهم يوم يلقونه سلام. وأعد لهم أجراً كريماً}.. وذكر الله اتصال القلب به، والاشتغال بمراقبته؛ وليس هو مجرد تحريك اللسان. وإقامة الصلاة ذكر لله. بل إنه وردت آثار تكاد تخصص الذكر بالصلاة: روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش عن الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة "حديث : عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين، كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات ".. تفسير : وإن كان ذكر الله أشمل من الصلاة. فهو يشمل كل صورة يتذكر فيها العبد ربه، ويتصل به قلبه. سواء جهر بلسانه بهذا الذكر أم لم يجهر. والمقصود هو الاتصال المحرك الموحي على أية حال. وإن القلب ليظل فارغاً أو لاهياً أو حائراً حتى يتصل بالله ويذكره ويأنس به. فإذا هو مليء جاد، قار، يعرف طريقه، ويعرف منهجه، ويعرف من أين وإلى أين ينقل خطاه! ومن هنا يحض القرآن كثيراً، وتحض السنة كثيراً، على ذكرا لله. ويربط القرآن بين هذا الذكر وبين الأوقات والأحوال التي يمر بها الإنسان، لتكون الأوقات والأحوال مذكرة بذكر الله ومنبهة إلى الاتصال به حتى لا يغفل القلب ولا ينسى: {وسبحوه بكرة وأصيلاً}.. وفي البكرة والأصيل خاصة ما يستجيش القلوب إلى الاتصال بالله، مغير الأحوال، ومبدل الظلال؛ وهو باق لا يتغير ولا يتبدل، ولا يحول ولا يزول. وكل شيء سواه يتغير ويتبدل، ويدركه التحول والزوال. وإلى جانب الأمر بذكر الله وتسبيحه، إشعار القلوب برحمة الله ورعايته، وعنايته بأمر الخلق وإرادة الخير لهم؛ وهو الغني عنهم، وهم الفقراء المحاويج، لرعايته وفضله: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته، ليخرجكم من الظلمات إلى النور. وكان بالمؤمنين رحيماً}.. وتعالى الله، وجلت نعمته، وعظم فضله، وتضاعفت منته؛ وهو يذكر هؤلاء العباد الضعاف المحاويج الفانين، الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا بقاء لهم ولا قرار. يذكرهم، ويعنى بهم، ويصلي عليهم هو وملائكته، ويذكرهم بالخير في الملأ الأعلى فيتجاوب الوجود كله بذكرهم، "حديث : كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ".. تفسير : ألا إنها لعظيمة لا يكاد الإدراك يتصورها. وهو يعلم أن هذه الأرض ومن عليها وما عليها إن هي إلا ذرة صغيرة زهيدة بالقياس إلى تلك الأفلاك الهائلة. وما الأفلاك وما فيها ومن فيها إلا بعض ملك الله الذي قال له: كن. فكان! {وهو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور}.. ونور الله واحد متصل شامل؛ وما عداه ظلمات تتعدد وتختلف. وما يخرج الناس من نور الله إلا ليعيشوا في ظلمة من الظلمات، أو في الظلمات مجتمعة؛ وما ينقذهم من الظلام إلا نور الله الذي يشرق في قلوبهم، ويغمر أرواحهم، ويهديهم إلى فطرتهم. وهي فطرة هذا الوجود. ورحمة الله بهم وصلاة الملائكة ودعاؤها لهم، هي التي تخرجهم من الظلمات إلى النور حين تتفتح قلوبهم للإيمان: {وكان بالمؤمنين رحيماً}.. ذلك أمرهم في الدنيا دار العمل. فأما أمرهم في الآخرة دار الجزاء، فإن فضل الله لا يتخلى عنهم، ورحمته لا تتركهم؛ ولهم فيها الكرامة والحفاوة والأجر الكريم: {تحيتهم يوم يلقونه سلام، وأعد لهم أجراً كريماً}.. سلام من كل خوف، ومن كل تعب، ومن كل كد.. سلام يتلقونه من الله تحمله إليهم الملائكة. وهم يدخلون عليهم من كل باب، يبلغونهم التحية العلوية. إلى جانب ما أعد لهم من أجر كريم.. فيا له من تكريم! فهذا هو ربهم الذي يشرع لهم ويختار. فمن ذا الذي يكره هذا الاختيار؟! فأما النبي الذي يبلغهم اختيار الله لهم؛ ويحقق بسنته العملية ما اختاره الله وشرعه للعباد، فيلتفت السياق التفاتة كذلك إلى بيان وظيفته وفضله على المؤمنين في هذا المقام: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً. ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً}.. فوظيفة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيهم أن يكون {شاهداً} عليهم؛ فليعلموا بما يحسن هذه الشهادة التي لا تكذب ولا تزور، ولا تبدل، ولا تغير. وأن يكون {مبشراً} لهم بما ينتظر العاملين من رحمة وغفران، ومن فضل وتكريم. وأن يكون {نذيراً} للغافلين بما ينتظر المسيئين من عذاب ونكال، فلا يؤخذوا على غرة، ولا يعذبوا إلا بعد إنذار. {وداعياً إلى الله}.. لا إلى دنيا، ولا إلى مجد، ولا إلى عزة قومية، ولا إلى عصبية جاهلية، ولا إلى مغنم، ولا إلى سلطان أو جاه. ولكن داعياً إلى الله. في طريق واحد يصل إلى الله {بإذنه}.. فما هو بمبتدع، ولا بمتطوع، ولا بقائل من عنده شيئاً. إنما هو إذن الله له وأمره لا يتعداه. {وسراجاً منيراً}.. يجلو الظلمات، ويكشف الشبهات، وينير الطريق، نوراً هادئاً هادياً كالسراج المنير في الظلمات. وهكذا كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما جاء به من النور. جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود، ولعلاقة الوجود بالخالق، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله، ويقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه؛ وللمنشأ والمصير، والهدف والغاية، والطريق والوسيلة. في قول فصل لا شبهة فيه ولا غموض. وفي أسلوب يخاطب الفطرة خطاباً مباشراً وينفذ إليها من أقرب السبل وأوسع الأبواب وأعمق المسالك والدروب! ويكرر ويفصل في وظيفة الرسول مسألة تبشير المؤمنين: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيرا}.. بعدما أجملها في قوله: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً}.. زيادة في بيان فضل الله ومنته على المؤمنين، الذين يشرع لهم على يدي هذا النبي، ما يؤول بهم إلى البشرى والفضل الكبير. وينهي هذا الخطاب للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بألا يطيع الكافرين والمنافقين، وألا يحفل أذاهم له وللمؤمنين، وأن يتوكل على الله وحده وهو بنصره كفيل: {ولا تطع الكافرين والمنافقين، ودع أذاهم، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً}.. وهو ذات الخطاب الوارد في أول السورة، قبل ابتداء التشريع والتوجيه، والتنظيم الاجتماعي الجديد. بزيادة توجيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألا يحفل أذى الكافرين والمنافقين؛ وألا يتقيه بطاعتهم في شيء أو الاعتماد عليهم في شيء. فالله وحده هو الوكيل {وكفى بالله وكيلاً}.. وهكذا يطول التقديم والتعقيب على حادث زينب وزيد، وإحلال أزواج الأدعياء، والمثل الواقعي الذي كلفه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما يشي بصعوبة هذا الأمر، وحاجة النفوس فيه إلى تثبيت الله وبيانه، وإلى الصلة بالله والشعور بما في توجيهه من رحمة ورعاية. كي تتلقى ذلك الأمر بالرضى والقبول والتسليم..

ابن عاشور

تفسير : معظم الروايات على أن هذه الآية نزلت في شأن خِطبة زينب بنت جحش على زيد بن حارثة. قال ابن عباس:حديث : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على فتاهُ زيدٍ بن حارثة زينبَ بنتَ جحش فاستنكفت وأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش فأنزل الله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} الآيةتفسير : ، فتابعتْه ورضِيتَ لأن تزويج زينب بزيد بن حارثة كان قبل الهجرة فتكون هذه الآية نزلت بمكة ويَكون موقعها في هذه السورة التي هي مدنية إلحاقاً لها بها لمناسبة أن تكون مقدمة لذكر تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينبَ الذي يظهر أنه وقع بعد وقعة الأحزاب وقد علم الله ذلك من قبلُ فقدر له الأحوال التي حصلت من بعد. ووجود واو العطف في أول الجملة يقتضي أنها معطوفة على كلام نزل قبلها من سورة أخرى لم نقف على تعيينه ولا تعيين السورة التي كانت الآية فيها، وهو عطف جملة على جملة لمناسبة بينهما. وروي عن جابر بن زيد أن سبب نزول هذه الآية: أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيْط وكانت أول من هاجَرن من النساء وأنها وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فزوجها من زيد بن حارثة، بعد أن طلق زيْدٌ زينَب بنتَ جحش كما سيأتي قريباً، فكرهت هي وأخوها ذلك وقالت: إنما أردت رسولَ الله فزوجني عبده ثم رضيت هي وأخوها بعد نزول الآية. والمناسبة تعقيب الثناء على أهل خصال هي من طاعة الله، بإيجاب طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم فلما أُعقب ذلك بما في الاتصاف بما هو من أمر الله مما يكسب موعوده من المغفرة والأجر، وسوّى في ذلك بين الرجال والنساء، أعقبه ببيان أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به ويعتزم الأمرَ هي طاعة واجبة وأنها ملحقة بطاعة الله وأن صنفي الناس الذكور والنساء في ذلك سواء كما كانا سواء في الأحكام الماضية. وإقحام {كان} في النفي أقوى دلالة على انتفاء الحكم لأن فعل {كان} لدلالته على الكون، أي الوجود يقتضي نفيُه انتفاء الكون الخاص برمته كما تقدم غير مرة. والمصدر المستفاد من {أن تكون لهم الخيرة} في محل رفع اسم {كان} المنفية وهي {كان} التامة. وقضاء الأمر تبيينه والإِعلام به، قال تعالى: {أية : وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين}تفسير : [الحجر: 66]. ومعنى {إذا قضى الله ورسوله} إذا عزم أمره ولم يجعل للمأمور خياراً في الامتثال، فهذا الأمر هو الذي يجب على المؤمنين امتثاله احترازاً من نحو قوله للذين وجدهم يأبِرون نخلهم: «لو تركتموها لصلحت ثم قالوا تركناها فلم تصلح فقال: أنتم أعلم بأمور دنياكم». ومن نحو ما تقدم في أول هذه السورة من همه بمصالحة الأحزاب على نصف ثمر المدينة ثم رجوعه عن ذلك لما استشار السعدْين، ومن نحو أمرِه يوم بدر، بالنزول بأدنى ماء من بدر فقال له الحباب بن المنذر: أهذا منزل أنزلكَه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرْب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة». قال: فإنَّ هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزِلَه ثم نُغَوِّرَ ما وراءه من القُلُب ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء فنشرب ولا يشربوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : «لقد أشرت بالرأي»، فنهض بالناستفسير : . وفي الحديث حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر وكان صائماً، فلما غَربت الشمس قال لبلال: «انْزلْ فاجدَحْ لنا»، فقال: يا رسول الله لو أمسيتَ. ثم قال: «انزِل فاجدَح لنا»، فقال: يا رسول الله لو أمسيتَ إن عليك نهاراً ثم قال: «انزل فاجدَح»، فنزل فجدح له في الثالثة فشربتفسير : . فمراجعة بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه علم أن الأمر غير عزم. وذكر اسم الجلالة هنا للإِيماء إلى أن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام طاعة للَّه، قال تعالى: {أية : من يطع الرسول فقد أطاع اللَّه} تفسير : [النساء: 80]. فالمقصود إذا قضى رسول الله أمراً كما تقدم في قوله تعالى: {أية : فإن لله خمسه وللرسول} تفسير : في سورة الأنفال (41) إذ المقصود: فإن للرسول خُمُسَه. و{الخيرة}: اسم مصدر تخير، كالطِيرة اسم مصدر تَطَيَّر. قيل ولم يسمع في هذا الوزن غيرهما، وتقدم في قوله تعالى: {أية : ما كان لهم الخِيرة} تفسير : في سورة القصص (68). و{مَن} تبعيضية و{أمرهم} بمعنى شأنهم وهو جنس، أي أمورهم. والمعنى: ما كان اختيار بعض شؤونهم مِلْكاً يملكونه بل يتعين عليهم اتباع ما قضى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا خيرة لهم. و(مؤمن ومؤمنة) لمّا وقعا في حيز النفي يعُمّان جميع المؤمنين والمؤمنات فلذلك جاء ضميرها ضمير جمع لأن المعنى: ما كان لجمعهم ولا لكل واحد منهم الخِيرَة كما هو شأن العموم. وقرأ الجمهور {أن تكون} بمثناة فوقية لأن فاعله مؤنث لفظاً. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف وهشام وابن عامر بتحتية لأن الفاعل المؤنث غيرَ الحقيقي يجوز في فعله التذكير ولا سيما إذا وقع الفصل بين الفعل وفاعله. وقوله: {ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً} تذييل تعميم للتحذير من مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام سواء فيما هو فيه الخيرة أم كان عن عمد للهوى في المخالفة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ما كان لمؤمن ولا مؤمنة: أي لا ينبغي ولا يصلح لمؤمن ولا مؤمنة. أن يكون لهم الخيرة من أمرهم: أي حق الاختيار فيما حكم الله ورسوله فيه بالجواز أو المنع. فقد ضل ضلالاً مبيناً: أي أخطأ طريق النجاة والفلاح خطأً واضحاً. أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أي أنعم الله عليه بالإِسلام، وأنعمت عليه بالعتق وهو زيد بن حارثة. واتق الله: أي في أمر زوجتك فلا تحاول طلاقها. وتخفي في نفسك: أي وتخفي في نفسك وهو علمك بأنك إذا طلق زيد زينب زوجكها الله إبطالاً لما عليه الناس من حرمة الزواج من امرأة المتبنَّى. ما الله مبديه: أي مظهرهُ حتماً وهو زواج الرسول من زينب بعد طلاقها. وتخشى الناس: أي يقولوا تزوج محمد مطلقة مولاه زيد. والله أحق أن تخشاه: وهو الذي أراد لك ذلك الزواج. فلما قضى زيدٌ منها وطراً: أي حاجته منها لم يبق له رغبة فيها لتعاليها عليه بشرف نسبها ومحتد آبائها. زوجناكها: إذ تولى الله عقد نكاحها فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بدون إذن من أحدٍ وذلك سنة خمس وأُشبع الناس لحماً وخبزاً في وليمة عرسها. كيلا يكون على المؤمنين حرج: أي إثم في تزوجهم من مطلقات أدعيائهم. وكان أمر الله مفعولا: أي وما قدره الله في اللوح المحفوظ لا بد كائن. ولا يخشون أحداً إلا الله: أي يفعلون ما أذن لهم فيه ربهم ولا يبالون بقول الناس. وكفى بالله حسيباً: أي حافظاً لأعمال عباده ومحاسباً لهم عليها يوم الحساب. ما كان محمدٌ ابا أحد من رجالكم: أي لم يكن أباً لزيد ولا لغيره من الرجال إذ مات أطفاله الذكور وهم صغار. وخاتم النبيين: أي لم يجيء نبي بعده إذ لو جاء نبي بعده لكان ولده أهلا للنبوة كما كان أولاد إبراهيم ويعقوب، وداود مثلا. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} الآيات هذا شروع في قصة زواج زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بنت عمة النبي أميمة بنت عبد المطلب إنه لما أبطل الله التبني وحرمه بقوله: {أية : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 4] وقوله: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 5] تبع ذلك أن لا يرث الدعي ممن ادعاه، وأن لا تحرم مطلقته على من تبنَّاه وادعاه وهكذا بطلت الأحكام التي كانت لازمة للتَّبنِّي، وكون هذا نزل به القرآن ليس من السهل على النفوس التي اعتادت هذه الأحكام في الجاهلية وصدر الإِسلام أن تتقبلها وتذعن لها بسهولة فأراد الله تعالى أن يخرج ذلك لحيز الوجود فألهم رسوله أن يخطب زينب لمولاه زيد، واستجابت زينب للخطبة فهماً منها أنها مخطوبة لرسول الله لتكون أُماً للمؤمنين ولمن تبين لها بعد ليال أنها مخطوبة لزيد بن حارثة مولى رسول الله وليست كما فهمت وهنا أخذتها الحمية وقالت لن يكون هذا لن تتزوَّج شريفة مولى من موالي الناس ونصرها أخوها على ذلك وهو عبد الله بن جحش. فنزلت هذه الآية وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم الاية فما كان منها إلا أن قبلت عن رضى الزواج من زيد وتزوجها زيد وبحكم الطباع البشرية فإن زينب لم تخف شرفها على زيد وأصبحت تترفع عليه الأمر الذي شعر معه زيد بعدم الفائدة من هذا الزواج فأخذ يستشير رسول الله مولاه ويستأذنه في طلاقها والرسول يأبى عليه ذلك علماً منه أنه إذا طلقها سيزوجه الله بها إنهاءً لقضية جعل أحكام الدَّعى كأحكام الولد من الصُّلب فكان يقول له: اتق الله يا زيد لا تطلق بغير ضرورة ولا حاجة إلى الطلاق واصبر على ما تجده من امرأتك، وهنا عاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ربُّه عز وجل إذ قال له: {وَإِذْ تَقُولُ} اي اذكر إذ تقول {لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} أي بنعمة الإِسلام، {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} بأن عتقته {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ} وهو أمر زواجك منها، {مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} أي مظهره لا محالة من ذلك {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ} أن يقولوا محمد تزوج امرأة ابنه زيد، {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}. وقد أراد منك الزواج من زينب بعد طلاقها وانقضاء عدتها هدماً وقضاء على الأحكام التي جعلت الدَّعى كابن الصُّلب. وقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} أي حاجته منها بالزواج بها وطلقها {زَوَّجْنَاكَهَا} إذ تولينا عقد نكاحها منك دون حاجة إلى وليّ ولا إلى شهود ولا إلى مهر أو صداق وذلك من أجل أن لا يكون على المؤمنين حرج أي إثم في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً، وقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} أي وما قضى به الله واقعٌ لا محالة وقوله تعالى: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} أي من إثم أو تضييق في قول أو فعل شيء افترضه الله تعالى عليه وألزمه به سنة الله في الذين خلوا من قبل من الأنبياء، وكان أمر الله أي مقضيه قدراً مقدوراً أي واقعاً نافذاً لا محالة. وقوله: {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ} أي هؤلاء الأنبياء السابقون طريقتهم التي سنها الله لهم هي أنهم ينفذون أمر الله ولا يتلفتون إلى الناس يقولون ما يقولون، ويخشون ربهم فيما فرض عليهم ولا يخشون غيره، وكفى بالله حسيباً أي حافظاً لأعمال عباده ومحاسباً عليها ومُجازٍ بها، وقوله تعالى في ختام السياق {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} لا زيد ولا غيره إذ لم يكن له ولد ذكر قد بلغ الحلم إذ مات الجميع صغاراً وهم أربعة ثلاثة من خديجة وهم القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم وهو من مارية القبطية، فلذا لا يحرم عليه أن يتزوج مطلقة زيد لأنه ليس بابنه وإن كان يدعى زيد بن محمد قبل إنهاء التبني وأحكامه ولكن رسول الله وخاتم النبيين فلا نبى بعده فلو كان له ولد ذكر رجلاً لكان يكون نبياً ورسولاً كما كان أولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود، ولما أراد الله أن يختم الرسالات برسالته لم يأذن ببقاء أحد من أولاد نبيِّه بل توفاهم صغاراً، أما البنات فكبرن وتزوجن وأنجبن ومتن حال حياته إلا فاطمة فقد ماتت بعده بستة أشهر وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} فما أخبر به هو الحق وما حكم به هو العدل وما شرعه هو الخير فسلموا لله في قضائه وحكمه فإن ذلك خير وأنفع. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن المؤمن الحق لا خِيرة عنده في أمر قضى فيه الله ورسوله بالجواز أو المنع. 2- بيان أن من يعص الله ورسوله يخرج عن طريق الهداية إلى طريق الضلالة. 3- جواز عتاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم. 4- بيان شدة حياء الرسول صلى الله عليه وسلم. 5- بيان إِكرام الله لزيد بأن جعل اسمه يقرأ على ألْسِنَة المؤمنين إلى يوم الدين. 6- بيان إِفضال الله على زينب لما سلمت أمرها لله وتركت ما اختارته لما اختاره الله ورسوله فجعلها زوجة لرسول الله وتولى عقد نكاحها في السماء فكانت تفاخر نساءها بذلك. 7- تقرير حديث ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه. 8- إِبطال أحكام التَّبني التي كانت في الجاهلية. 9- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وكونه خاتم الأنبياء فلا نبيّ بعده.

القطان

تفسير : ما كان لمؤمن....: لا ينبغي لمؤمن ان يختار غير ما يختار الله. الخيرة: الاختيار. مبينا: ظاهرا. الذي انعم الله عليه. هو زيد بن حارثة انعم الله عليه بالاسلام. وأنعمتَ عليه: بالعتق والحرية. الوطر: الحاجة. الحرج: المشقة. فرض الله له: قدر الله له. خلَوا: مضوا. قَدَرا مقدورا: قضاء مقضيا. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً.... } ليس الاختيار بيد الانسان في كل شيء، بل هناك أمور لا اختيار لمؤمنٍ ولا لمؤمنة فيها، وهي ما حَكَمَ اللهُ فيه، فما أمر به فهو المتّبع، وما أرادَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فهو الحقّ، ومن يخالفْ ما حكم به الله ورسوله {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً}. نزلت هذه الآية في زينبَ بنتِ جحش، ابنة عمةِ النبي عليه الصلاة والسلام، فقد خطَبها الرسول الكريم ليزوّجها من زيدٍ بن حارثة مولاه، فلم يقبل أخوها عبدُ الله ان تكون أختُه، وهي قرشية هاشمية، تحت عبدٍ اشترته خديجةُ ثم أعتقه الرسول الكريم. وقد اصر الرسول عليه الصلاة والسلام على تزويجها من زيدٍ لإزالة تلك الاعتبارات القائمة في النفوس على العصبيّات، ولهدْم تقاليد العرب القديمة. حديث : فلما نزلت هذه الآية أذعَن عبدُ الله وأختُه زينب وقبلت ان تتزوج زيدا. ولم ينجح هذا الزواج. فقد تطاولت زينب على زوجها وجعلت تتكبر عليه، وتعيّره بأنه عبد رقيق، وهي قرشية. وآذتْه بفخرها عليه، واشتكى الى النّبي ذلك مرارا، وطلب اليه ان يأذَن له بتطليقها فكان النبي يقول له: "أمسِك عليك زوجَك". لكن زيدا لم يُطِقْ معاشرةَ زينب فطلّقها. وبعد ذلك تزوّجها الرسول الكريم،تفسير : وهي ابنةُ عمته، ولأنه يريد ان يُبطِل عادة التبنّي الذي كان معمولاً به في الجاهلية. وكل ذلك بأمرٍ من الله كما جاء في قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}. فالذي أنعم الله عليه هو زيد، أنعم عليه بالاسلام، والذي انعمتَ يا محمد عليه هو زيدٌ أيضا، أنعمتَ عليه بالعتق من الرق وجعلته حراً. وتخفي يا محمد في نفسِك ما سيُظهره الله من ان زيدا سوف يطلق زينب وانك ستتزوجها بأمر الله. هل تخاف ان يعيّرك الناس أنك تزوّجت امرأة ابنِك (وكان يقال له زيد بن محمد)؟ ان الله وحده هو الذي يجب ان تخشاه، فانك انت القدوة في كل ما امر الله به، وما ألقى عليك ان تبلّغه للناس، فلتكن أيضا القدوةَ فيما أبطلَ الشارعُ الحكيم من الحقوق المقررة للتبني والادعاء. وفي ذلك نزل قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً}. وقد قامت قيامة المبشّرين والمستشرقين لهذا الحادث وكتبوا فيه وأوّلوا وأطلقوا لخيالهم العِنان، وهم يعلمون حقَّ العلم أن الرسول الكريم كان مبشّرا ونذيراً ومعلّماً وداعياً الى الله بإذنه ومشرعاً يريد ان يهدِم عاداتِ الجاهلية، ولذلك يقول تعالى: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}. ما كان على النبي من إثمٍ في عملٍ أمره الله به، فلا حرجَ في هذا الأمر، وليس النبي فيه بِدعاً بين الرسل، فهو أمرٌ يمضي وَفقَ سنّة الله التي لا تتبدل في الانبياء الذي مضوا. ثم وصف الذين خَلوا بصفاتِ الكمال والتقوى وإخلاص العبادة له وتبليغ رسالته فقال: {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً}. كفى ان يكون الله الرقيبَ المحاسب، فهو وحده يحاسبهم. {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} وفي هذه الآية قطعٌ لألسنة المنافقين وشياطينهم من اليهود الذين قالوا إن محمداً تزوج حليلة ابنة زيد. ان محمداً ليس اباً لأحد من رجالكم حتى يحرُم عليه التزوج من مطلقته ولكنّه أبٌ للمؤمنين جميعا، ولذلك فهو يشرّع الشرائع الباقية، لتسير عليها البشرية، وفق آخر رسالة السماء الى الأرض، {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} يعلم ما يصلح لهذه البشرية، فقضى الله هذا وفق علمه بكل شيء. قراءات: قرأ اهل الكوفة: ان يكون لهم الخيرة بالياء. والباقون: ان تكون بالتاء. وقرأ عاصم وحده: خاتَم بفتح التاء. والباقون: خاتم بكسر التاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {ضَلاَلاً} (36) - رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ ابْنَةَ عَمَّتِهِ (زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ) لِمَولاَهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَأَبَتْ، وَقَالَتْ أَنا خَيْرٌ مِنْهُ حَسَباً، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هذِهِ الآيةَ. فَقَبِلَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ مِنْهُ، وَقَالَتْ سَمْعاً وَطَاعَةً. (وَفِي الحَدِيثِ: حديث : وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِتفسير : ) وَكَانَ زَوَاجُ زَيْنَبَ مِنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ لِحِكْمَةٍ إِذْ تَبِعَهُ رَدُّ الأُمُورِ إِلى نِصَابِها فِي أَمْرِ التَّبَنِّي. فَقَدْ كَانَتِ العَرَبُ تُعْطِي الوَلَدَ المُتَبَنَّى (الدَّعِيَّ) حُقُوقَ الابْنِ مِنَ النَّسَبِ، حَتَّى المِيراثَ، وَحُرْمَةَ النَّسَبِ. فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى مَحْوَ ذَلِكَ بِالإِسْلاَمِ، حَتَّى لا يُعْرَفَ إِلا النَّسبُ الصَّرِيحُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالى: {أية : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} تفسير : وَمَعْنَى الآيَةِ: لَيْسَ لِمُؤِمِنٍ وَلا لِمُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ قَضَاءً، أَنْ يَتَخَيَّروا مِنْ أَمْرِهِمْ غيرَ مَا قَضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ لَهُمْ، وَلاَ أَنْ يُخَالِفُوا أَمْرَ اللهِ وَأَمرَ رَسُولِهِ وَقَضَاءَهُما. وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَا بِهِ، وَنَهَيَا عَنْهُ، فَقَدْ جَارَ عَنِ السَّبِيلِ القَوِيمِ، وَسَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ الهُدَى وَالرَّشَادِ. الخِيَرَةُ - الاخْتِيَارُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : جمعتْ هذه الآية أيضاً بين المذكر والمؤنث في {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ..} [الأحزاب: 36] فهي امتداد للآية السابقة، فهي تخدم ما قبلها، وتخدم أيضاً ما بعدها، وما به أصل السبب؛ لأنها نزلتْ في عبد الله بن جحش وأخته زينب، حين رفضا زواج زينب من زيد بن حارثة، فالمؤمن عبد الله بن جحش، والمؤمنة أخته زينب من حيث هما سبب لنزول الآية، وإلا فهي لجميع المؤمنين وجميع المؤمنات. وسبق أنْ ذكرنا قصة زيد بن حارثة، وملخصها أنه سُرِق من أهله، وبِيع في سوق العبيد على أنه عبد، فاشتراه حكيم بن حزام، ثم وهبه للسيدة خديجة أم المؤمنين، فوهبته خديجة رضي الله عنها لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار مَوْلىً لرسول الله. وبينما هو ذات يوم بالسوق، إذ رآه جماعة من قومه فعرفوه، وأخبروا أباه أنه بالمدينة، فجاءه أبوه وأعمامه، وحكَوْا لرسول الله قصته، وطلبوا عودته معهم، فقال رسول الله: خيِّروه، فإن اختاركم فهنيئاً لكم، وإنِ اختارني، فَمَا كان لي أنْ أُسْلِمه، فردَّ زيد وقال: والله ما كنت لأختار على رسول الله أحداً. فأراد سيدنا رسول الله أنْ يكافىء زيداً على هذا التصرف، فنسبه إليه على عادة العرب في هذا الوقت، فسمَّاه زيد بن محمد. فلما أراد الحق سبحانه أن ينهي هذه العادة، ومثلها عادة الظهار، نزل قوله سبحانه: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 4]. فكما أن الرجل لا يكون له إلا قلب واحد، كذلك لا يكون له إلا أب واحد، وشاء الله أنْ يبدأ بمُتَبنَّى رسول الله؛ ليكون نموذجاً تطبيقياً عملياً أمام الناس، وكانت هذه الظاهرة يترتب عليها أنْ يرث المتبنَّى من المتبنِّي بعد موته، وأنْ تُحرم زوجة المتبنَّى أنْ يتزوجها المتبنِّي. صحيح أن القضاء على هذه العادة قضاءٌ على نظام اجتماعي فاسد موجود في الجزيرة العربية، لكنه في الوقت نفسه دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنَّى كما يتبنَّى العرب، وأن الله تعالى أبطل من رسول الله هذا التصرّف؛ وهذا سيفتح الباب أمام معاندي رسول الله أنْ يَشْمتوا فيه، وأن تتناوله ألسنتهم؛ لذلك عالج الحق سبحانه هذه القضية علاج ربٍّ بإنفاذ الأمر في نُصْرة حبيب له، فلم يُشوِّه عمل الرسول، إنما جعل فِعْله عَدْلاً، وحكمه سبحانه أعدل، فقال: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 5]. والمعنى: إنْ كُنتم جعلتم من العدل والمحبة أنْ تكفلوا هؤلاء الأولاد، وأنْ تنسبوهم إليكم، فهذا عَدْل بشريٌّ، لكن حكم الله أعدل وأقْسَط، وشرفٌ لرسول الله أنْ يردَّ اللهُ حكمه إلى حكم ربه، وشرفٌ لرسول الله أن يكون له الأصل في المسألة، وأنه يحكُم، فيردّ الله حكمه إلى حكمه، فهذا تكريم لرسول الله. فقوله تعالى {أية : هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 5] يعني: أن فِعْل محمد كان قسْطاً وعَدْلاً بقانون البشر، وقد جاء محمد ليُغيِّر قوانين البشر بقوانين ربِّ البشر، وبهذا خرج سيدنا رسول الله من هذا المأزق. أما زيد فقد عوَّضه الله عما لحقه من ضرر بسبب انتهاء نسبه إلى رسول الله، فصار زيد بن حارثة بعد أنْ كان زيد بن محمد، عوَّضه الله وأنصفه بأنْ جعله العَلَم الوحيد من صحابة رسول الله الذي ذُكر اسمه في القرآن الكريم بنصِّه وفصِّه، فقال سبحانه: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 37] فَخُلَد زيد في كتاب يُتْلى، ويُتعبد بتلاوته إلى يوم القيامة. وعلاقة زيد بن حارثة بما نحن بصدده من قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ..} [الأحزاب: 36] أنه تزوج من السيدة زينب بنت جحش، زوَّجه إياها رسول الله، وقد نزلتْ هذه الآية في زينب، وفي أخيها عبد الله. ومعنى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ..} [الأحزاب: 36] معنى (ما كان) أي: أنه شيء بعيد، لا يمكن أنْ يَرِد على العقل، أي: أنه أمر مُسْتبعد غير مُتصوَّر، وكان المنفية تدل على جَحْد هذه المسألة، فالمؤمن والمؤمنة، ما دام أن الإيمان باشر قلبيهما لا يمكن أنْ يتركا أمر الله وحكمه، أو أمر رسوله إلى اختيارهما. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ..} [الأحزاب: 36] وإلا فلا إيمانَ لا بالله، ولا برسول الله. فإنْ قُلْتَ: كيف وقد أثبتَ الله الاختيار؟ نقول: هناك فرق بين اختيارٍ داخلٍ في التكليف، إنْ شئْتَ فعلْته أو لم تفعله، وشيء في إيجاد التكليف بداية، فليس للعباد دخْل في إيجاد الشيء المكلَّف به، إنما إذا كلَّفتهم أنا، فأنا صاحب التكليف، وكونهم يطيعونه أو لا يطيعونه، فهذا أمر آخر، ليس للعباد أن يقترحوا التكليف على هواهم؛ لأن التكليف لي، ولهم الاختيار في طاعته وفي قبوله، وما دام قد ثبت أنهم آمنوا بالله وآمنوا برسول الله فكان من الواجب عليهم أنْ يرتضوا الأمر، وألاَّ يُعرِضوا عنه إلى غيره. وقصة طلاق زيد وزينب، ثم زواج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قصة خاضَ فيها المستشرقون والمغرضون كثيراً، وتجرأوا على سيدنا رسول الله بكلام لا ينبغي في حقه صلى الله عليه وسلم، ومن قولهم أن محمداً أحبَّ زينب وأرادها لنفسه، فأمرها أن تشاغب زيداً حتى يطلقها فيتزوجها. ونقول لهؤلاء الأغبياء: أولاً زينب بنت جحش الأسدية هي بنت عمة رسول الله، وكان صلى الله عليه وسلم مُكلَّفاً بإدارة أموالها ورعاية شئونها، وقد نشأتْ تحت عينه، ولو أرادها لنفسه لتزوَّجها بداية، وهذا بنصِّ القرآن: {أية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 37]. فإن أردتَ أن تعرف ما أخفاه رسول الله فخُذْه مما أبداه الله، والذي أبداه الله قوله تعالى: {أية : لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 37] وهذا يهدم كلَّ ادعاءاتكم على رسول الله. أما قولهم بانشغال قلب رسول الله بزينب، فنقول: ولماذا تجعلون انشغالَ قلب محمد انشغالاً جنسياً؟ ولو تتبِعتُم القصة من أولها لظهر لكم غير ذلك، فحينما أرسل رسول الله مَنْ يخطب زينب ظنَّ أخوها عبد الله وأختها حَمْنة أنه جاء ليخطبها لرسول الله، فلما علموا أنه يخطبها لمولاه زيد غضبوا جميعاً، فكيف تتزوج السيدة القرشية وبنت عمة رسول الله من عبد، لكن لما علموا أن الأمر من الله أذعنُوا له ووافقوا. ثم بعد أنْ تزوجتْ زينب من زيد تعالتْ عليه، بل وشعر أنها تحتقره لهذا الفارق بينهما، فكان زيد يشتكي لرسول الله سوءَ معاملة زوجته له، وأنها كما نقول (منكدة عليه عيشته)، وأنها تعيش معه في بيت الزوجية بالقالب لا بالقلب، لكن حبه لرسول الله كان يمنعه من طلاقها، وهو أيضاً لا يريد أن يخسر هذا الشرف الذي ناله بالزواج من ابنة عمة رسول الله. وكان سيدنا رسول الله في كل مرة يشتكي فيها زيدٌ من زينب يقول له {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} تفسير : [الأحزاب: 37] ولو أرادها الرسول لنفسه لقال له طلِّقها، ولوجد الفرصة أمامه سانحة. ويجب أن نبحث هنا علاقة المرأة بالرجل، فالخالق سبحانه خلق الرجل للمرأة، والمرأة للرجل؛ لذلك نجد المرأة العربية أم إياس، وهي تُوصي ابنتها لما خطبها الحارث، تقول: "أيْ بُنية، إنك لو تُركْتِ بلا نصيحة لكنت أغنى الناس عنها، ولو أن امرأة استغنتْ عن الزوج لِغِنى أبويها وشَدَّة حاجتهما إليها لكنتِ أغنى الناس، ولكن الرجال للنساء خُلِقْن، ولهُنّ خُلِق الرجال، وأن النصيحة لو تركتْ لفضل أدبٍ لتركت لذلك منك، ولكنها تذكرةٌ للغافل ومعونة للعاقل". وقلنا: إن الإنسان يستطيع أنْ يعيش أفضل ما يكون من مأكل ومَشْرب وملبس ومسكن، لكنه مع ذلك لا يستغني بحال عن الزوجة والمرأة كذلك؛ لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرتُ الزوجة أن تسجد لزوجها ". تفسير : لماذا؟ لأن الزوج يعطيها ما يعطيه الأب والأم والإخوة، ويزيد على ذلك مما يقدرون ولا يستطيعون. الشاهد أن المرأة للرجل، والرجل للمرأة، مهما وضعوا من أسوار من عِزٍّ أو من جبروت، أو غيره. إن المسألة بالنسبة لزيد كانت صعبة؛ لأن الله تعالى جعل للزواج ثلاث مراحل، وردتْ في قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ..} تفسير : [الروم: 21]. فالأولى أنْ يسكن الزوج إلى زوجته، وأنْ يطمئن إليها، ويرتاح بجوارها حين تمسح عنه عرقه، وتحتويه بعد تعب اليوم ومشاق الحياة، فإن امتنع السَّكَن بسبب مُنغِّصات الحياة، فليكُنْ بينهما مودة تجمعهما، ولِمَ لا، وأنت حين تصاحب صديقاً مثلاً مدة طويلة تجد له مودة في قلبك، وتجد أن لهذه المودة ثمناً، فتتحمله إنْ أخطأ، وتسامحه إنْ أساء، فما بالك بالزوجة، أليست أحق بهذه المودة؟ فإذا ما فُقِدَت المودة أيضاً، فليبْقَ بين الزوجين التراحم، فليرحم كل منهما الآخر إنْ أصابه الكِبَر أو المرض، أو غير ذلك. وقد وصل زيد مع زينب إلى مرحلة فقد فيها السَّكَن والمودة والرحمة بسبب ما بينهما من فارق. أمر آخر، إنْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فكَّر في أمر زينب، فلماذا تعدلون به إلى التفكير في الغريزة؟ ولماذا لا تعدلون به إلى مرتبة الإنصاف، وهو الذي أرغم زينب على الزواج من زيد، وهي الشريفة القرشية، وهو العبد المملوك، فلما وضعها في هذا المأزق أراد أنْ يُطيِّب خاطرها، ويصلح ما كان منه بأنْ يضمها إليه، فتصير إحدى أمهات المؤمنين. ثم مَنِ الذي منع رسولاً قال الله عنه أنه بشر من أن تكون له هذه الرغبة، وكل الرسل السابقين كان لهم هذه - هذا على فرض رغبة رسول الله في زينب - لكن الناس لم يُحسِنُوا الظن. والذي يدلُّنا على أن هذه المسألة كانت ترتيباً ربانياً صِرْفاً ما نجده من الرياضية الإيمانية بين كل من سيدنا رسول الله، ومولاه زيد، وابنة عمته زينب، فقد جمعهم الثلاثة رياضة إيمانية كما نقول نحن الآن: فلان عنده روح رياضية. يعني: يتقبل الهزيمة بروح عالية بدون عداوات أو أحقاد، فلقد انصاع الجميع لأمر الله بهذه الروح الإيمانية. أما الذين يأخذون من قوله تعالى في حق رسوله {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ..} تفسير : [الأحزاب: 37] يأخذونها سُبَّة في حقِّ الرسول، فعليهم أنْ يعلموا أنَّ الخشية نوعان: خشية من شيء تخاف أنْ يضرك، وخشية استحياء، فالخشية في {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ ..} تفسير : [الأحزاب: 37] خشية استحياء، ويكفي أن الحق سبحانه قال في حق رسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ ..} تفسير : [الأحزاب: 53]. فالخشية هنا تعني خَوْف رسول الله من ألسنة الكفار التي ستخوض في حقه، والتي ستقول إن محمداً تزوَّج من امرأة مُتبنَّاه، لكن غاب عن هؤلاء أن الله تعالى ألغى مسألة التبني، فليس لهم حجة، وطبيعي أن يخاف رسول الله من ألسنة الكفار؛ لأنه جاء لنقض عادات وتقاليد جاهلية، وكان هو صلى الله عليه وسلم أول مَنْ تحمَّل تبعة هذا التغيير؛ لأنه جاء على يديه وفي شخصه صلى الله عليه وسلم. وسيدنا رسول الله حين يستحي من زواجه من زينب أو من كلام الناس، فإنما يريد أنْ يبرىء عِرْضه وساحته، مما يشين، وقد كان صلى الله عليه وسلم يدفع الشبهة عن نفسه دائماً، لذلك حديث : لما رآه بعض أصحابه مع امرأة، فمالوا عنه صلى الله عليه وسلم خشيةَ أنْ يتسببوا له في حرج، فناداهما رسول الله: "على رِسْلكما إنها صفية" فقالوا: نحن لا نشك فيك يا رسول الله، فقال: "إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم" . تفسير : فرسول الله يريد أن ينفض عن نفسه أيَّ شبهة، يريد ألا يجعل لأحد جميلاً عليه، بأنه ستر على رسول الله. ولا أدلَّ على حيائه صلى الله عليه وسلم من قصته مع عبد الله بن سعد بن أبي السرح، فلما دخل صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً ومنتصراً كان قد أهدر دم عبد الله بن سعد بن أبي السرح؛ لأنه نال كثيراً من رسول الله، فجاء عثمان بن عفان رضي الله عنه يستأمن لعبد الله من رسول الله - يعني: يطلب له الأمان - فما ردَّ عليه رسول الله، وكان ينتظر أن يقوم رجل من القوم فيقتل عبد الله، لكن عثمان أعادها مراراً على رسول الله حتى أنه استحى من عثمان فأمِّن عبد الله، فلما أمَّنه أخذه عثمان وانصرف من مجلس رسول الله. فقال رسول الله لصحابته: حديث : ألم يكن فيكم رجل رشيد يقوم إليه فيقتله؟ تفسير : يعني: قبل أن يُكلِّمه عثمان فيكون قد سبق السيف العذل كما يقولون، فقام عبد الله بن بشر وقال: يا رسول الله، لقد كانت عيني في عينك، أنتظر إشارة منك لأقتله، لكنك لم تفعل، فقال سيدنا رسول الله - انظر إلى العظمة "حديث : ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين ". تفسير : أذكر أنه كان لنا أستاذ، هو سيدنا الشيخ موسى شريف رحمه الله ورضي الله عنه، وكان رجلاً له مدد من الله، وقد فسر لنا هذه الآية، وكنا نذاكر دروسنا قبل أن نحضر درسه، وكان يصطفيني من بين إخواني الموجودين أمثال الشيخ حسن جاد، والدكتور خفاجة وأبي العينين وغيرهم، ليسألني عن مذاكرتنا وما وقف أمامنا من قضايا، فناداني وكان قد علم من أبي اسم أمي، فناداني بها فتقدَّمت إليه، فضربني على قفاي ضربة انحلَّتْ معها القضية التي كانت تقف أمامنا، تماماً كما تضرب الذي يعاني من (الزغطة) ضربة على ظهره فتذهب. ولما حدَّثنا الشيخ عن قصة سيدنا عثمان هذه جاء في اليوم التالي وقال: يا أولاد، رأينا الليلة سيدنا عثمان بحيائه، فقلت له: كيف تستأمن لرجل قال في رسول الله كذا وكذا؟ فقال لي: ألاَ تعلم أن الله يحب مَنْ تاب، فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم - ولم يقل: "أنا رأيت رسول الله - ما الذي جعلك تقبل شفاعة عثمان؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم بطبيعته كان شديد الحياء. ثم يقول تعالى: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} [الأحزاب: 36] وهنا ثلاثة توكيدات: قد الدالة على التحقيق وبعدها الفعل الماضي، ثم المفعول المطَلق ضلالاً، ثم وصف هذا الضلال بأنه مبين. والضلال هو عدم الاهتداء إلى الطريق المؤدِّي إلى الغاية، لكن قد يضلّ إنسانٌ طريقه، ثم يأتي مَنْ يفتح عليه ويدلُّه، أما هذا الذي يعصي الله ورسوله، فضلاله ضلال مبين لا يجد مَنْ يدلُّه، ولا مَنْ يهديه أبداً؛ لأن هذا الطريق الذي يسير فيه مُوصِّل إلى الآخرة، وليس هناك شيء من ذلك. كانت هذه (لقطة) لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عثمان وعباد بن بشر أوضحتْ صفة الحياء في رسول الله، نعود بعدها إلى ما كنا بصدده من الحديث عن الرياضة الإيمانية التي جمعتْ بين رسول الله وكل من زيد وزينب. وكان سيدنا رسول الله إذا غاب زيد يذهب فيسأل عنه، فذهب مرة، فرأى زينب منشغلة في أمور بيتها، وكانت زينب على حالة طيبة، فقال صلى الله عليه وسلم: "تبارك الله أحسن الخالقين" كما ترى مثلاً ابنتك في مظهر حسن، فتقول: ما شاء الله. وكأن رسول الله أراد أنْ يُطيِّب خاطرها، أو يرفع من روحها نظير ما أجبرها عليه من الزواج بزيد، ونظير أنها تعيش معه على مضض، فلما جاء زيد قالت له: لقد جاء رسول الله وسأل عنك وقال لي: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال لها: يا زينب أرى أنْ تكوني لرسول الله؛ لأنك وقعت في قلبه، وأرى أنْ أُطلِّقك ليتزوجك رسول الله، فبدا عليها الارتياح، وتعجبتْ كأنها لم تصدق: إذا طلَّقْتني أتزوج برسول الله، كان هذا الحوار مجرد كلام. وبالله لو قيل هذا الكلام في غير هذا الموقف، ولواحد غير زيد لغلى الدم في عروقه، وفعل ما أفعل، إنما تأمل الرياضة الإيمانية التي تحلَّى بها زيد. يقول تعالى في هذه المسألة: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى صفات المؤمنين وما نالوه من الدرجات الرفيعة، أعقبها ببيان أن طاعة الرسول من طاعة الله، وأمر الرسول من أمر الله، ثم ذكّرهم تعالى بالنعمة العظمى وهي بعثة السراج المنير، المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم. اللغَة: {ٱلْخِيَرَةُ} مصدر بمعنى الاختيار من تخيَّر على غير قياس مثل الطيرة من تطيَّر {مُبْدِيهِ} أبدى الشيء: أظهره {وَطَراً} الوطر: الحاجة التي هي في النفس قال الزجاج: الوطر الحاجةُ التي لك فيها هِمَّة فإِذا بلغها الإِنسان يقال: قضى وطره، وقال المبرّد: الوطرُ: الشهوةُ يقال: ما قضيتُ من لقائك وَطَراً أي ما استمتعتُ بك كما تشتهي نفسي وأنشد: شعر : وكيفَ ثَوابي بالمدينةِ بعدما قَضَى وطراً منها جميل بن معمر تفسير : {حَرَجٍ} ضيق وإِثم {خَلَوْاْ} مضو وذهبوا {قَدَراً مَّقْدُوراً} قضاءً مقضياً في الأزل {بُكْرَةً} البُكرة: هي أول النهار {أَصِيلاً} الأصيل: آخر النهار {تُرْجِي} تؤخر يقال أرجيتُ الأمر وأرجأته إذا أخرته {تُؤْوِيۤ} تضم ومنه {أية : آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ}تفسير : [يوسف: 69]. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لمولاه "زيد بن حارثة" فاستنكفت منه وكرهت وأبت فنزلت الآية {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..} الآية فأذعنت زينب حينئذٍ وتزوجته.. وفي رواية فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش فلما نزلت الآية جاء أخوها فقال يا رسول الله مرني بما شئت قال: فزوِّجها من زيد، فرضي وزوَّجها. التفسِير: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} أي لا ينبغي ولا يصح ولا يليق بأي واحدٍ من المؤمنين والمؤمنات {إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً} أي إذا أمر الله عز وجل وأمر رسوله بشيءٍ من الأشياء قال الصاوي: ذكرُ اسم الله للتعظيم وللإِشارة إلى أن قضاء رسول الله هو قضاء الله لكونه لا ينطق عن الهوى {أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} أي أن يكون لهم رأيٌ أو اختيار، بل عليهم الانقياد والتسليم، قال ابن كثير: وهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسولُه بشيءٍ فليس لأحدٍ مخالفته، ولا اختيار لأحدٍ ولا رأي ولا قول، ولهذا شدَّد النكير فقال: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} أي ومن يخالف أمر الله وأمر رسوله فقد حاد عن الطريق السوي، وأخطأ طريق الصواب، وضلَّ ضلالاً بيّناً واضحاً {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} أي اذكر أيها الرسول وقت قولك للذي أنعم الله عليه بالهداية للإِسلام {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} بالتحرير من العبودية والإِعتاق، قال المفسرون: هو "زيد بن حارثة" كان من سبي الجاهلية اشترته "خديجة" ووهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان مملوكاً عنده ثم أعتقه وتبنَّاه، وزوَّجه ابنة عمته "زينب بنت جحش" رضي الله عنها {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} أي أمسكْ زوجتك زينب في عصمتك ولا تطلّقها، واتّقِ الله في أمرها {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} أي وتضمر يا محمد في نفسك ما سيظهره الله وهو إرادة الزواج بها قال في التسهيل: الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر جائز مباح لا إثم فيه ولا عتب، ولكنه خاف أن يقول الناس تزوج امرأة ابنه إذ كان قد تبناه، فأخفاه حياءً وحشمة وصيانة لعرضه من ألسنتهم، فالذي أخفاه صلى الله عليه وسلم هو إرادة تزوجها ليبطل حكم التبني فأبدى الله ذلك بأن قضى له بتزوجها {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} أي تهاب أن يقول الناسُ تزوج محمد حليلة ابنه، واللهُ أحقُّ أن تخشاه وحده، وأن تجهر بما أوحاه إليك من أنك ستتزوج بها بعد أن يطلقها زيدٌ، قال ابن عباس: خشي أن يقول المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} أي فلما قضى زيدٌ حاجته من نكاحها وطلَّقها زوجناك إياها يا محمد، وهذا نصٌ قاطع صريح على أن الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو إرادة الزواج بها بعد تطليق زيدٍ لها تنفيذاً لأمر الوحي، لا حبُّه لها كما زعم الأفَّاكون، ومعنى {زَوَّجْنَاكَهَا} جعلناها زوجةً لك، قال المفسرون: إنَّ الذي تولَّى تزويجها هو الله جل وعلا، فلما انقضت عدتها دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا إذنٍ ولا عقدٍ ولا مهرٍ ولا شهود، وكان ذلك خصوصية للرسول صلى لله عليه وسلم روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "حديث : كانت زينبُ تفخَر على أزواج النبي صلى لله عليه وسلم وتقول: زوَّجكُنَّ أهاليكُنَّ، وزوَّجني ربي من فوقِ سبع سموات"تفسير : ثم ذكر تعالى الحكمة من هذا الزواج فقال: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} أي لئلا يكون في تشريع الله على المؤمنين ضيق ومشقة وتأثم في حق تزوج مطلقات الأبناء من التبني، إذا لم يبق لأزواجهن حاجة فيهن، قال ابن الجوزي: المعنى زوجناك زينب ـ وهي امرأة زيد الذي تبنَّيته ـ لكيلا يُظنَّ أن امرأة المتبنَّى لا يحل نكاحها {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} أي وكان أمر الله لك، ووحيه إليك بتزوج زينب مقدَّراً محتماً كائناً لا محالة، ولما نفى الحرج عن المؤمنين، نفى الحرج عن سيد المرسلين بخصوصه على سبيل التكريم والتشريف فقال: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} أي لا حرج ولا إثم ولا عتاب على النبي فيما أباح الله له وقسم من الزوجات، قال الضحاك: كان اليهود عابوه بكثرة النكاح، فردَّ الله عليهم بقوله: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} أي هذه سنة الله في جميع الأنبياء السابقين حيث وسَّع عليهم فيما أباح لهم، قال القرطبي: أي سنَّ لمحمد صلى الله عليه وسلم في التوسعة عليه في النكاح، سنة الأنبياء الماضية كداود وسليمان، فكان لداود مائة امرأة ولسليمان ثلاثمائة امرأة، عدا السُّريات {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} أي قضاءً مقضياً، وحكماً مقطوعاً به من الأزل، لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، ثم أثنى تعالى على جميع الأنبياء والمرسلين بقوله: {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ} أي هؤلاء الذين أخبرتك عنهم يا محمد وجعلتُ لك قدوة بهم، هم الذين يبلّغون رسالاتِ الله إلى من أُرسلوا إليه { وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ} أي يخافون الله وحده ولا يخافون أحداً سواه، فاقتد يا محمد بهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} أي يكفي أن يكون الله محاسباً على جميع الأعمال والأفعال، فينبغي أن لا يُخْشى غيره، ثم أبطل تعالى حكم التبني الذي كان شائعاً في الجاهلية فقال: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} قال المفسرون: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب قال الناس: إن محمداً قد تزوج امرأة ابنه فنزلت هذه الآية قال الزمخشري: أي لم يكن أبا رجلٍ منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} أي ولكنّه عليه السلام آخر الأنبياء والمرسلين، ختم الله به الرسالات السماوية، فلا نبيَّ بعده قال ابن عباس: يريد: لو لم أختم به النبيّين لجعلتُ له ولداً يكون بعده نبياً {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} أي هو العالم بأقوالكم وأفعالكم، لا تخفى عليه خافية من أحوالكم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} أي اذكروا الله بالتهليل والتحميد، والتمجيد والتقديس ذكراً كثيراً، بالليل والنهار، والسفر والحضر {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي وسبحوا ربكم في الصباح والمساء قال العلماء: خصهما بالذكر لأنهما أفضل الأوقات بسبب تنزل الملائكة فيهما {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ} أي هو جل وعلا يرحمكم على الدوام، ويعتني بأمركم، وبكل ما فيه صلاحكم وفلاحكم {وَمَلاَئِكَتُهُ} أي وملائكتُه يصلون عليكم أيضاً بالدعاء والاستغفار وطلب الرحمة قال ابن كثير: والصلاةُ من الله سبحانه ثناؤه على العبد عند الملائكة، وقيل: الصلاة من الله الرحمةُ، ومن الملائكة: الدعاءُ والاستغفار {لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي لينقذكم من الضلالة إلى الهدى، ومن ظلمات العصيان إلى نور الطاعة والإِيمان {وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} أي واسع الرحمة بالمؤمنين، حيث يقبل القليل من أعمالهم، ويعفوا عن الكثير من ذنوبهم، لإِخلاصهم في إيمانهم {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} أي تحية هؤلاء المؤمنين يوم يلقون ربهم السلامُ والإِكرام في الجنة من الملك العلاّم كقوله تعالى {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}تفسير : [يس: 58] {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً} أي وهيأ لهم أجراً حسناً وهو الجنة وما فيها من النعيم المقيم، قال ابن كثير: والمراد بالأجر الكريم الجنةُ وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والملاذّ والمناظر، مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، ثم لما بيَّن تعالى أنه أخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال إلى أنوار الهداية والإِيمان، عقَّبه بذكر أوصاف السراج المنير الذي أضاء الله به الأكوان فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} أي شاهداً على أمتك وعلى جميع الأمم بأن أنبيائهم قد بلغوهم رسالة ربهم {وَمُبَشِّراً} أي مبشراً للمؤمنين بجنات النعيم {وَنَذِيراً} أي ومنذراً للكافرين من عذاب الجحيم {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ} أي وداعياً للخلق إلى توحيد الله وطاعته وعبادته، بأمره جل وعلا لا من تلقاء نفسك {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} أي وأنت يا محمد كالسراح الوهَّاج المضيء للناس، يُهْتدى بك في الدهماء، كما يُهْتدى بالشهاب في الظلماء، قال ابن كثير: أي أنت يا محمد كالشمس في إشراقها وإِضاءتها لا يجحدها إلا معاند وقال الزمخشري: شبَّهه بالسراج المنير لأن الله جلى به ظلمات الشركِ، واهتدى به الضالون، كما يُجلى ظلامُ الليل بالسراج المنير ويُهْتدى به، وصفه تعالى بخسمة أوصاف كلُّها كمالٌ وجمال، وثناءٌ وجلال، وختمها بأنه صلوات الله عليه هو السراج الوضاء الذي بدَّد الله به ظلمات الضلال، فصلواتُ ربي وسلامه عليه في كل حين وآن {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} أي وبشر يا محمد المؤمنين خاصة بأنَّ لهم من الله العطاء الواسع الكبير في جنات النعيم {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} أي لا تطعهم فيما يطلبونه منك من المساهلة والملاينة في أمر الدين، بل اثبت على ما أُوحي إليك {وَدَعْ أَذَاهُمْ} أي ولا تكترث بإِذايتهم لك، وصدّهم الناسَ عنك {وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي واعتمد في جميع أمورك وأحوالك على الله {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً} أي إن الله يكفي من توكل عليه في أمور الدنيا والآخرة قال الصاوي: وفي الآية إشارة إلى أن التوكل أمره عظيم، فمن توكل على الله كفاه ما أهمَّه من أمور الدنيا والدين، ولما كان الحديث عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقصة زيد وتطليقه لزينب، جاء الحديث عن نساء المؤمنين والطريقة المثلى في تطليقهن فقال تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي يا أيها المؤمنون الذين صدَّقوا بالله ورسوله إذا عقدتم عقد الزواج على المؤمنات وتزوجتموهن {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} أي ثم طلقتموهنَّ من قبل أن تجامعوهنَّ، وإنما خصَّ المؤمنات بالذكر مع أن الكتابيات يدخلن في الحكم، للتنبيه على أن الأليق بالمسلم أن يتخيَّر لنطفته، وألاّ ينكح إلا مؤمنة عفيفة {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} أي فليس لكم عليهم حق في العدة تستوفون عددها عليهن، لأنكم لم تعاشروهن فليس هناك احتمال للحمل حتى تحتسبوا المرأة من أجل صيانة نسبكم {فَمَتِّعُوهُنَّ} أي فالواجب عليكم إكرامهن بدفع المتعة بما تطيب نفوسكم به من مالٍ أو كسوةٍ، تطييباً لخاطرهن، وتخفيفاً لشدة وقع الطلاق عليهن {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} أي وخلّوا سبيلهنَّ تخليةً بالمعروف، من غير إضرار ولا إيذاء، ولا هضمٍ لحقوقهن، قال أبو حيان: والسراحُ الجميلُ هو كلمة طيبة دون أذى ولا منع واجب، ثم ذكر تعالى ما يتعلق بأحوال زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} أي إنا قد أبحنا لك يا محمد أنواعاً من النساء، توسعة عليك وتيسيراً لك في تبليغ الدعوة، فمن ذلك أننا أبحنا لك زوجاتك اللاتي تزوجتهن بصداقٍ مُسمَّى، وهُنَّ في عصمتك {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ} أي وأبحنا لك أيضاً النساء اللاتي تملكهن في الحرب بطريق الانتصار على الكفار، وإِنما قيَّدهن بطريق الغنائم لأنهن أفضلُ من اللائي يُمْلكن بالشراء، فقد بذل في إحرازهنَّ جهدٌ ومشقة لم يكن في الصف الثاني {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} أي وأبحنا لك قريباتك من بنات الأعمام والعمات، والأخوال والخالات بشرط الهجرة معك {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} أي وأحللنا لك النساء المؤمناتِ الصالحات اللواتي وهبن أنفسهن لك، حباً في الله ورسوله وتقرباً لك {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا} أي إن أردت يا محمد أن تتزوج من شئت منهم بدون مهر {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي خاصة لك يا محمد من دون سائر المؤمنين، فإِنه لا يحل لهم التزوج بدون مهر، ولا تصح الهبة، بل يجب مهر المثل {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أي قد علمنا ما أوجبنا على المؤمنين من نفقةٍ، ومهر، وشهود في العقد، وعدم تجاوز أربع من النساء، وما أبحنا لهم من ملك اليمين عدا الحرائر، وأما أنت فقد خصصناك بخصائص تيسيراً لك {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} أي لئلا يكون عليك مشقة أو ضيق {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي عظيم المغفرة واسع الرحمة {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} أي ولك ـ أيها النبي ـ الخيار في أن تطلق من تشاء من زوجاتك، وتُمسك من تشاء منهن {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} أي وإِذا أحببتَ أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتَ من القسمة فلا إثم عليك ولا عتب {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} أي ذلك التخيير الذي خيرناك في أمرهنَّ أقرب أن ترتاح قلوبهن فلا يحزنَّ، ويرضين بصنيعك، لأنهن إذا علمن أن هذا أمرٌ من الله، كان أطيب لأنفسهن فلا يشعرن بالحزن والألم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ} خطابٌ للنبي على جهة التعظيم أي يعلم ما في قلبك يا محمد وما في قلب كل إنسان، من عدل أو ميل، ومن حب أو كراهية، وإِنما خيرناك فيهن تيسيراً عليك فيما أردت {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً} أي واسع العلم يعلم جميع ما تظهرون وما تخفون، حليماً يضع الأمور في نصابها ولا يعاجل بالعقوبة، بل يُؤخر ويمهل لكنه لا يُهْمل، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "حديث : كنتُ أغار من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم وأقول: اتهبُ المرأة نفسها؟ فلما نزلت {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} قلت: ما أرى ربك إلاّ يسارع في هواك"تفسير : ثم قال تعالى {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي لا يحل لك أيها النبي النساء من بعد هؤلاء التسع اللاتي في عصمتك {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} أي ولا يحل لك أن تطلّق واحدة منهن وتنكح مكانها أُخرى {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} أي ولو أعجبك جمال غيرهن من النساء {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} أي إلا ما كان من الجواري والإِماء فلا بأس في ذلك لأنهن لسن زوجات {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً} أي مطلعاً على أعمالكم شاهداً عليها، وفيه تحذير من مجاوزة حدوده، وتخطي حلاله وحرامه. قال المفسرون: أباح الله لرسوله أصنافاً أربعة "الممهورات، المملوكات، المهاجرات، الواهبات أنفسهن" توسعة عليه صلى الله عليه وسلم وتيسيراً له في نشر الرسالة وتبليغ الدعوة، ولما نزلت آية التخيير {أية : قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا..}تفسير : [الأحزاب: 28] الآية، وخيَّرهن عليه السلام، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، أكرمهن الله تعالى بأن قصره عليهن، وحرَّم عليه أن يتزوج بغيرهن. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التنكير لإِفادة العموم {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ} لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي ليس لواحدٍ منهم أن يريد غير ما أراده الله ورسوله. 2- الطباق بين {تُخْفِي .. مُبْدِيهِ} وبين {ٱلظُّلُمَاتِ ..و.. ٱلنُّورِ} وبين {مُبَشِّراً ..و.. نَذِيراً} وهو من المحسنات البديعية. 3- جناس الاشتقاق {قَدَراً مَّقْدُوراً}. 4- طباق السلب {وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً}. 5- التشبيه البليغ {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} أصل التشبيه: أنت يا محمد كالسراج الوضاء في الهداية والإرشاد، حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً على حد قولهم: علي أسدٌ، ومحمدٌ قمر. 6- الكناية {مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} كنَّى عن الجماع بالمسِّ وهي من الكنايات المشهورة، ومن الآداب القرآنية الحميدة لأن القرآن يتحاشى الألفاظ البذيئة. 7- الطباق بين {بُكْرَةً ..و.. أَصِيلاً} وبين {تُرْجِي ..و.. َتُؤْوِيۤ} وبين {ٱبْتَغَيْتَ ..و.. عَزَلْتَ}. 8- توافق الفواصل ممّا يزيد في الجمال والإِيقاع على السمع مثل {وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً .. وَسِرَاجاً مُّنِيراً} ومثل {سَرَاحاً جَمِيلاً .. عَلِيماً حَلِيماً.. غَفُوراً رَّحِيماً} وهذا من خصائق القرآن العظيم، وهو من المحسنات البديعية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لا ينبغي ولا يليق، ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة اللّه ورسوله، والهرب من سخط اللّه ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة { إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا } من الأمور، وحتَّما به وألزما به { أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر اللّه ورسوله. { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا } أي: بَيِّنًا، لأنه ترك الصراط المستقيم الموصلة إلى كرامة اللّه، إلى غيرها، من الطرق الموصلة للعذاب الأليم، فذكر أولا السبب الموجب لعدم معارضته أمر اللّه ورسوله، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ذلك، وهو التخويف بالضلال، الدال على العقوبة والنكال.

همام الصنعاني

تفسير : 2345- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب وهي ابنة عمته، وَهُوَ يُريدها لزيد، فظنت أنه يُرِيدها لنفسه، فلما عَلِمَتْ أنَّهُ يُريدُهَا لزيد أبت فأنزل الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}: [الآية: 36]، فَرَضِيَتْ وسَلَّمَتْ.