٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : وهو زيد أنعم الله عليه بالإسلام {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } بالتحرير والإعتاق {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } همَّ زيد بطلاق زينب فقال له النبـي أمسك أي لا تطلقها {وَٱتَّقِ ٱللَّهَ } قيل في الطلاق، وقيل في الشكوى من زينب، فإن زيداً قال فيها إنها تتكبر علي بسبب النسب وعدم الكفاءة {وَتُخْفِي فِى نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ } من أنك تريد التزوج بزينب {وتخشى ٱلنَّاسِ } من أن يقولوا أخذ زوجة الغير أو الإبن {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ } ليس إشارة إلى أن النبـي خشي الناس ولم يخش الله بل المعنى الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخش أحداً معه وأنت تخشاه وتخشى الناس أيضاً، فاجعل الخشية له وحده كما قال تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالـٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 39]. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَـٰكَهَا } أي لما طلقها زيد وانقضت عدتها وذلك لأن الزوجة ما دامت في نكاح الزوج فهي تدفع حاجته وهو محتاج إليها، فلم يقض منها الوطر بالكلية ولم يستغن وكذلك إذا كان في العدة له بها تعلق لإمكان شغل الرحم فلم يقض منها بعد وطره، وأما إذا طلق وانقضت عدتها استغنى عنها ولم يبق له معها تعلق فيقضي منها الوطر وهذا موافق لما في الشرع لأن التزوج بزوجة الغير أو بمعتدته لا يجوز فلهذا قال: {فَلَمَّا قَضَىٰ } وكذلك قوله: {لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً } أي إذا طلقوهن وانقضت عدتهن، وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبـي عليه السلام لم يكن لقضاء شهوة النبـي عليه السلام بل لبيان الشريعة بفعله فإن الشرع يستفاد من فعل النبـي وقوله: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } أي مقضياً ما قضاه كائن. ثم بين أن تزوجه عليه السلام بها مع أنه كان مبيناً لشرع مشتمل على فائدة كان خالياً من المفاسد.
القرطبي
تفسير : فيه تسع مسائل: الأولى: روى الترمذيّ قال: حدّثنا عليّ بن حجر قال: حدثنا داود بن الزِّبْرقان عن داود بن أبي هند عن الشعبيّ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} يعني بالإسلام {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} بالعتق فأعتقته. {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ـ إلى قوله ـ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوّجها قالوا: تزوّج حلِيلة ابنه، فأنزل الله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ}. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنَّاه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلاً يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله تبارك وتعالى {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} فلان مولى فلان، وفلان أخو فلان، هو أقسط عند الله يعني أعدل. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب قد روي عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها. قالت: لو كان النبيّ صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} هذا الحرف لم يُرْوَ بطوله. قلت: هذا القدر الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وهو الذي صححه الترمذي في جامعه. وفي البخاريّ عن أنس بن مالك: أن هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة وقال عمر وابن مسعود وعائشة والحسن: ما أنزل الله على رسوله آية أشدّ عليه من هذه الآية. وقال الحسن وعائشة: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية لشدّتها عليه. وروي في الخبر أنه: أمسى زيد فأوى إلى فراشه، قالت زينب: ولم يستطعني زيد، وما أمتنع منه غير ما منعه الله مني، فلا يقدر عليّ. هذه رواية أبي عِصْمة نوح بن أبي مريم، رفع الحديث إلى زينب أنها قالت ذلك. وفي بعض الروايات: حديث : أن زيداً تورّم ذلك منه حين أراد أن يقربها؛ فهذا قريب من ذلك. وجاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن زينب تؤذيني بلسانها وتفعل وتفعل! وإني أريد أن أطلقها، فقال له: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} الآية. فطلّقها زيد فنزلت: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} الآية.تفسير : واختلف الناس في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين، منهم الطبري وغيره ـ إلى حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش، وهي في عِصْمة زيد، وكان حريصاً على أن يطلّقها زيد فيتزوّجها هو؛ ثم إن زيداً لما أخبره بأنه يريد فراقها، ويشكو منها غِلظةَ قولٍ وعصيان أمرٍ، وأذًى باللسان وتعظُّماً بالشرف، قال له: «اتق الله ـ أي فيما تقول عنها ـ وأمسك عليك زوجك» تفسير : وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إيّاها. وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف. وقال مقاتل: حديث : زوّج النبيّ صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من زيد فمكثت عنده حيناً، ثم إنه عليه السلام أتى زيداً يوماً يطلبه، فأبصر زينب قائمة، كانت بيضاء جميلة جسيمة من أتمّ نساء قريش، فهوِيَها وقال: «سبحان الله مقلّبِ القلوب»! فسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطِن زيد فقال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبراً، تعظُم عليّ وتؤذيني بلسانها، فقال عليه السلام: «أمسك عليك زوجك واتقِ الله». وقيل: إن الله بعث ريحاً فرفعت الستر وزينب مُتَفَضِّلة في منزلها، فرأى زينب فوقعت في نفسه، ووقع في نفس زينب أنها وقعت في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لما جاء يطلب زيداً، فجاء زيد فأخبرته بذلك، فوقع في نفس زيد أن يطلقهاتفسير : . وقال ابن عباس: {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ} الحبَّ لها. {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ} أي تستحييهم. وقيل: تخاف وتكره لائمة المسلمين لو قلتَ طلِّقها، ويقولون أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها. {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} في كل الأحوال. وقيل: والله أحق أن تستحيي منه، ولا تأمر زيداً بإمساك زوجته بعد أن أعلمك الله أنها ستكون زوجتك، فعاتبه الله على جميع هذا. وروي عن عليّ بن الحسين: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيداً يطلق زينب، وأنه يتزوّجها بتزويج الله إياها، فلما تشكّى زيد للنبيّ صلى الله عليه وسلم خُلُقَ زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: «اتق الله في قولك وأمسك عليك زوجك» تفسير : وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوّجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يرد أن يأمره بالطلاق لِما علم أنه سيتزوّجها؛ وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوّج زينب بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشِي الناس في شيء قد أباحه الله له؛ بأن قال: «حديث : أَمْسِكْ»تفسير : مع علمه بأنه يطلّق. وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين؛ كالزهريّ والقاضي بكر بن العلاء القشيريّ، والقاضي أبي بكر بن العربيّ وغيرهم. والمراد بقوله تعالى: {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ} إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نَهَى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه. فأما ما روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم هَوِي زينب امرأة زيد ـ وربما أطلق بعض المُجّان لفظ عَشِق ـ فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبيّ صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا، أو مستخِفّ بحرمته. قال الترمذيّ الحكيم في نوادر الأصول، وأسند إلى عليّ ابن الحسين قولَه: فعليّ بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهراً من الجواهر، ودُرًّا من الدّرَر، أنه إنما عَتَبَ الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: «حديث : أمسك عليك زوجك» تفسير : وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوّج امرأة ابنه؛ والله أحق أن تخشاه. وقال النحاس: قال بعض العلماء: ليس هذا من النبيّ صلى الله عليه وسلم خطيئة؛ ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالاستغفار منه. وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتتن الناس. الثانية: قال ابن العربيّ: فإن قيل لأيّ معنى قال له: «حديث : أمسِك عليك زوجك» تفسير : وقد أخبره الله أنها زوجه. قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يعلمه الله من رغبته فيها أو رغبته عنها؛ فأبدى له زيد من النُّفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها. فإن قيل: كيف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بدّ منه؟ وهذا تناقض. قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة؛ لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة؛ ألا ترى أن الله تعالى يأمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة متعلَّق الأمر لمتعلّق العلم ما يمنع من الأمر به عقلاً وحكماً. وهذا من نفيس العلم فتيقنوه وتقبلوه وقوله: «حديث : وَاتَّقِ اللَّهَ» تفسير : أي في طلاقها، فلا تطلّقها. وأراد نهي تنزيه لا نهي تحريم، لأن الأولى ألا يطلق. وقيل: «حديث : اتَّقِ اللَّهَ»تفسير : فلا تذمّها بالنسبة إلى الكِبْر وأذى الزوج. {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ} قيل تعلّق قلبه. وقيل: مفارقة زيد إياها. وقيل: علمه بأن زيداً سيطلقها؛ لأن الله قد أعلمه بذلك. الثالثة: روي حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لزيد: «ما أجد في نفسي أوثق منك فاخطب زينب عليّ» قال: فذهبت وولّيتها ظهري توقيراً للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وخطبتها ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامِرَ ربيّ، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، فتزوّجها النبيّ صلى الله عليه وسلم ودخل بها.تفسير : قلت: معنى هذا الحديث ثابت في الصحيح. وترجم له النسائي (صلاة المرأة إذا خُطبت واستخارتها ربّها) روى الأئمة ـ واللفظ لمسلم ـ عن أنس قال: حديث : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: «فاذكرها عليّ» قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تُخَمّر عجينها. قال: فلما رأيتها عَظُمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فولّيتها ظهري، ونَكَصْتُ على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك؛ قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامِر ربّي؛ فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن. قال: فقال ولقد رأيتُنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم حين امتدّ النهار... تفسير : الحديث. في رواية «حتى تركوه». وفي رواية حديث : عن أنس أيضاً قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أَوْلَم على امرأة من نسائه ما أوْلَمَ على زينب؛ فإنه ذبح شاةتفسير : . قال علماؤنا: فقوله عليه السلام لزيد: «حديث : فاذكرها عليّ» تفسير : أي اخطبها؛ كما بيَّنه الحديث الأول. وهذا امتحان لزيد واختبار له، حتى يظهر صبره وانقياده وطوعه. قلت: وقد يستنبط من هذا أن يقول الإنسان لصاحبه: اخطب عليّ فلانة، لزوجه المطلقة منه، ولا حرج في ذلك. والله أعلم. الرابعة: لمّا وكَلَت أمرها إلى الله وصحّ تفويضها إليه تولّى الله إنكاحها؛ ولذلك قال: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا}. وروى الإمام جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : وَطَراً زَوَّجْتُكَها»تفسير : . ولما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن، ولا تجديد عقد ولا تقرير صداق، ولا شيء مما يكون شرطاً في حقوقنا ومشروعاً لنا. وهذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم، التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع من المسلمين. ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكنّ آباؤكنّ وزوّجني الله تعالى. أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تَفْخَر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقول: إن الله عز وجل أنكحني من السماء. وفيها نزلت آية الحجاب؛ وسيأتي. الخامسة: المُنْعَم عليه في هذه الآية هو زيد بن حارثة، كما بيناه؛ وقد تقدّم خبره في أوّل السورة. حديث : وروي أن عمّه لقيَه يوماً وكان قد ورد مكة في شغل له، فقال: ما اسمك يا غلام؟ قال: زيد؛ قال: ابن من؟ قال: ابن حارثة. قال ابن من؟ قال: ابن شراحيل الكلبي. قال: فما اسم أمّك؟ قال: سُعْدَى، وكنت في أخوالي طيّ؛ فضمّه إلى صدره. وأرسل إلى أخيه وقومه فحضروا، وأرادوا منه أن يقيم معهم؛ فقالوا: لمن أنت؟ قال: لمحمد بن عبد الله؛ فأتَوْه وقالوا: هذا ابننا فردّه علينا. فقال: «أعْرِضُ عليه فإن اختاركم فخذوا بيده» فبعث إلى زيد وقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم! هذا أبي، وهذا أخي، وهذا عمي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فأيّ صاحب كنتُ لك؟» فبكى وقال: لِمَ سألتني عن ذلك؟ قال: «أخيّرك فإن أحببت أن تلحق بهم فالحق وإن أردت أن تقيم فأنَا من قد عرفتَ» فقال: ما أختار عليك أحداً. فجذَبه عمّه وقال: يا زيد، اخترت العبوديّة على أبيك وعمك! فقال: أيْ واللَّهِ العبودية عند محمد أحبّ إليّ من أن أكون عندكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا أني وارث وموروث»تفسير : . فلم يزل يقال: زيد بن محمد إلى أن نزل قوله تعالى: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} ونزل {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ}. السادسة: قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السُّهَيْلي رضي الله عنه: كان يقال زيد بن محمد حتى نزل: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} فقال: أنا زيد بن حارثة. وحرم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد. فلما نُزِع عنه هذا الشرف وهذا الفخر، وعلِم الله وحشته من ذلك شّرفه بخِصِّيصة لم يكن يَخُصّ بها أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أنه سماه في القرآن؛ فقال تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} يعني من زينب. ومَن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار اسمه قرآناً يُتْلَى في المحاريب، نوّه به غاية التنويه؛ فكان في هذا تأنيس له وعِوض من الفخر بأبوّة محمد صلى الله عليه وسلم له. ألا ترى إلى قول أُبَيّ بن كعب حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا» تفسير : فبكى وقال: أوَذُكِرتُ هنالك؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر أن الله تعالى ذكره؛ فكيف بمن صار اسمه قرآناً يُتلى مخلَّداً لا يبيد، يتلوه أهل الدنيا إذا قرؤوا القرآن، وأهل الجنة كذلك أبداً، لا يزال على ألسنة المؤمنين، كما لم يزل مذكوراً على الخصوص عند رب العالمين؛ إذ القرآن كلام الله القديم، وهو باق لا يبيد؛ فاسم زَيْد هذا في الصحف المكرّمة المرفوعة المطهرة، تذكره في التلاوة السّفَرةُ الكرام البَرَرَة. وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبيّ من الأنبياء، ولزيد بن حارثة تعويضاً من الله تعالى له مما نُزع عنه. وزاد في الآية أن قال: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} أي بالإيمان؛ فدلّ على أنه من أهل الجنة، علِم ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة أخرى. السابعة: قوله تعالى: {وَطَراً} الوَطَر كل حاجة للمرء له فيها همّة؛ والجمع الأوطار. قال ابن عباس: أي بلغ ما أراد من حاجته؛ يعني الجماع. وفيه إضمار؛ أي لما قضى وطره منها وطلّقها «زَوّجْناكَها» وقراءة أهل البيت «زوّجْتُكها». وقيل: الوطر عبارة عن الطلاق؛ قاله قتادة. الثامنة: ذهب بعض الناس من هذه الآية، ومن قول شعيب: {أية : إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ} تفسير : [القصص: 27] إلى أن ترتيب هذا المعنى في المهور ينبغي أن يكون: «أنكحه إياها» فتقدّم ضمير الزوج كما في الآيتين. وكذلكحديث : قوله عليه السلام لصاحب الرداء: «اذهب فقد أَنْكَحتُكها بما معك من القرآن»تفسير : . قال ابن عطية: وهذا غير لازم؛ لأن الزوج في الآية مخاطب فحسن تقديمه، وفي المهور الزوجان (سواء)، فقدّم من شئت، ولم يبق ترجيح إلا بدرجة الرجال، وأنهم القوّامون. التاسعة: قوله تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَا} دليل على ثبوت الوليّ في النكاح؛ وقد تقدّم الخلاف في ذلك. روي أن عائشة وزينب تفاخرتا، فقالت عائشة: أنا التي جاء بي المَلَك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في سَرَقة من حرير فيقول: «هذه امرأتك» خرّجه الصحيح. وقالت زينب: أنا التي زوّجني الله من فوق سبع سموات. وقال الشعبي: كانت زينب تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأَدِلّ عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تَدِلّ بهنّ ـ إن جَدّي وجدَّك واحد، وإن الله أنكحك إيّاي من السماء، وإن السّفير في ذلك جبريل. وروي عن زينب أنها قالت: لما وقعت في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستطعني زيد، وما أمتنع منه غير ما يمنعه الله تعالى منّي فلا يقدر عليّ.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال لمولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه، وهو الذي أنعم الله عليه، أي: بالإسلام ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} أي: بالعتق من الرق، وكان سيداً كبير الشأن، جليل القدر، حبيباً إِلى النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: الحب، ويقال لابنه أسامة: الحب بن الحب، قالت عائشة رضي الله عنها: ما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية إِلا أمره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه، رواه الإمام أحمد عن سعيد بن محمد الوراق ومحمد ابن عبيد عن وائل بن داود عن عبد الله البهي عنها. وقال البزار: حدثنا خالد بن يوسف، حدثنا أبو عوانة، "ح" وحدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو عوانة، أخبرني عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: حدثني أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: كنت في المسجد، فأتاني العباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فقالا: ياأسامة استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقلت: علي والعباس يستأذنان، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتدري ما حاجتهما؟» تفسير : قلت: لا يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لكني أدري» تفسير : قال: فأذن لهما، قالا: يارسول الله جئناك لتخبرنا: أي أهلك أحب إِليك؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أحب أهلي إِلي فاطمة بنت محمد» تفسير : قالا: يا رسول الله ما نسألك عن فاطمة، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فأسامة بن زيد بن حارثة الذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه» تفسير : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهماً، وخماراً وملحفة ودرعاً، وخمسين مداً من طعام، وعشرة أمداد من تمر، قاله مقاتل بن حيان، فمكثتُ عنده قريباً من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: «حديث : أمسك عليك زوجك، واتق الله» تفسير : قال الله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا آثاراً عن بعض السلف رضي الله عنهم، أحببنا أن نضرب عنها صفحاً؛ لعدم صحتها، فلا نوردها. وقد روى الإمام أحمد ههنا أيضاً حديثاً من رواية حماد بن زيد عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه فيه غرابة تركنا سياقه أيضاً. وقد روى البخاري أيضاً بعضه مختصراً فقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا معلى بن منصور عن حماد بن زيد، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إِن هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} نزلت في زيد، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن هذه الآية: {وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا} نزلت في شأن زينب بنت حجش وزيد بن حارثة رضي الله عنهما. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين رضي الله عنهما ما يقول الحسن في قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} فذكرت له، فقال: لا، ولكن الله تعالى أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد رضي الله عنه ليشكوها إِليه، قال: «حديث : اتق الله وأمسك عليك زوجك» تفسير : فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه. وهكذا روي عن السدي أنه قال نحو ذلك. وقال ابن جرير: حدثنا إِسحاق بن شاهين، حدثني خالد عن داود عن عامر عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: لو كتم محمد صلى الله عليه وسلم شيئاً مما أوحي إِليه من كتاب الله تعالى، لكتم: {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} وقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فرغ منها وفارقها، زوجناكها، وكان الذي ولي تزويجها منه هو الله عز وجل، بمعنى أنه أوحى إِليه أن يدخل عليها بلا ولي ولا عقد ولامهر ولا شهود من البشر. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، يعني: ابن القاسم، أبو النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب رضي الله عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: «حديث : اذهب فاذكرها علي» تفسير : فانطلق حتى أتاها، وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها، عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إِليها وأقول: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يازينب أبشري، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي عز وجل، فقامت إِلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إِذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل صلى الله عليه وسلم يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يارسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا، أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووعظ القوم بما وعظوا به: {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ}تفسير : [الأحزاب: 53] الآية كلها، ورواه مسلم والنسائي من طرق عن سليمان بن المغيرة به. وقد روى البخاري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إِن زينب بنت جحش رضي الله عنها كانت تفخر على أزواج النبي، فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سمٰوات، وقد قدمنا في سورة النور عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة رضي الله عنهما، فقالت زينب رضي الله عنها: أنا الذي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة رضي الله عنها: أنا التي نزل عذري من السماء، فاعترفت لها زينب رضي الله عنها. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن المغيرة عن الشعبي قال: كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم إِني لأدل عليك بثلاث، وما من نسائك امرأة تدل بهن: إِن جدي وجدك واحد، وإِني أنكحنيك الله عز وجل من السماء، وإِن السفير جبريل عليه الصلاة والسلام. وقوله تعالى: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} أي: إِنما أبحنا لك تزويجها، وفعلنا ذلك؛ لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة رضي الله عنه، فكان يقال له: زيد بن محمد، فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمَْ} ــــ إِلى قوله تعالى ــــ {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ} ثم زاد ذلك بياناً وتأكيداً بوقوع تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها، لما طلقها زيد بن حارثة رضي الله عنه، ولهذا قال تعالى في آية التحريم: {أية : وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} تفسير : [النساء: 23] ليحترز من الابن الدعي، فإِن ذلك كان كثيراً فيهم. وقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه، وهو كائن لامحالة، كانت زينب رضي الله عنها في علم الله ستصير من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذْ } منصوب بـ«اذكر» {تَقُولُ لِلَّذِى أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ } بالإِسلام {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } بالإِعتاق: وهو زيد بن حارثة، كان من سبي الجاهلية، اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وأعتقه وتبناه {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ } في أمر طلاقها {وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ } مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوّجتها {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ } أن يقولوا تَزَوَّج زوجة ابنه {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَٰهُ } في كل شيء وتزوّجها ولا عليك من قول الناس، ثم طلقها زيد وانقضت عدّتها. قال تعالى:{فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً } حاجة {زَوَّجْنَٰكَهَا } فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذن وأشبع المسلمين خبزاً ولحماً {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ } مقضيُّه {مَفْعُولاً }.
الشوكاني
تفسير : لما زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بزينب بنت جحش كما مرّ في تفسير الآية التي قبل هذه أنزل الله سبحانه: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } أي واذكر إذ تقول للذي أنعم الله عليه وهو زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أعتقه من الرق، وكان من سبي الجاهلية اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وأعتقه وتبناه، وسيأتي في بيان سبب نزول الآية في آخر البحث ما يوضح المراد منها. قال القرطبي: وقد اختلف في تأويل هذه الآية، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم ابن جرير الطبري وغيره إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش وهي في عصمة زيد، وكان حريصاً على أن يطلقها زيد فيتزوّجها هو، ثم إن زيداً لما أخبره بأنه يريد فراقها ويشكو منها غلظة قول وعصيان أمر وأذى باللسان وتعظماً بالشرف قال له: "حديث : اتق الله فيما تقول عنها وأمسك عليك زوجك"تفسير : ، وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفي في نفسه ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف. انتهى. {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } يعني زينب {وَٱتَّقِ ٱللَّهَ } في أمرها، ولا تعجل بطلاقها {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ } وهو نكاحها إن طلقها زيد. وقيل: حبها {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ } أي تستحييهم، أو تخاف من تعبيرهم بأن يقولوا أمر مولاه بطلاق امرأته ثم تزوّجها {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ } في كل حال وتخاف منه وتستحييه والواو للحال، أي تخفي في نفسك ذلك الأمر مخافة من الناس. {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً } قضاء الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، يقال: قضى وطرا منه: إذا بلغ ما أراد من حاجته فيه، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:شعر : أيها الرائح المجدّ ابتكارا قد قضى من تهامة الأوطارا تفسير : أي فرغ من أعمال الحج وبلغ ما أراد منه. والمراد هنا: أنه قضى وطره منها بنكاحها والدخول بها بحيث لم يبق له فيها حاجة. وقيل: المراد به: الطلاق؛ لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. وقال المبرد: الوطر: الشهوة والمحبة، وأنشد:شعر : وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما قضى وطراً منها جميل بن معمر تفسير : وقال أبو عبيدة: الوطر: الأرب والحاجة، وأنشد قول الفزاري:شعر : ودّعنا قبل أن نودّعه لما قضى من شبابنا وطرا تفسير : قرأ الجمهور: {زَوَّجْنَـٰكَهَا } وقرأ عليّ وابناه الحسن والحسين زوّجتكها فلما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شيء مما هو معتبر في النكاح في حق أمته. وقيل: المراد به. الأمر له بأن يتزوّجها. والأوّل أولى، وبه جاءت الأخبار الصحيحة. ثم علل سبحانه ذلك بقوله: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ } أي ضيق ومشقة {فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ } أي في التزوّج بأزواج من يجعلونه ابناً كما كانت تفعله العرب فإنهم كانوا يتبنون من يريدون، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة، فكان يقال: زيد بن محمد، حتى نزل قوله سبحانه {ٱدْعُوهُمْ لاِبَائِهِمْ } وكانت العرب تعتقد أنه يحرم عليه نساء من تبنوه، كما تحرم عليه نساء أبنائهم حقيقة. والأدعياء جمع دعيّ، وهو الذي يدعي ابناً من غير أن يكون ابناً على الحقيقة، فأخبرهم الله أن نساء الأدعياء حلال لهم {إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً } بخلاف ابن الصلب، فإن امرأته تحرّم على أبيه بنفس العقد عليها {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } أي كان قضاء الله في زينب أن يتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء ماضياً مفعولاً لا محالة. ثم بيّن سبحانه: أنه لم يكن على رسول الله صلى الله عليه وسلم حرج في هذا النكاح، فقال: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ } أي فيما أحلّ الله له وقدّره وقضاه، يقال فرض له كذا، أي قدّر له {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } أي إن هذا هو السنن الأقدم في الأنبياء والأمم الماضية أن ينالوا ما أحله الله لهم من أمر النكاح وغيره {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } أي قضاء مقضياً. قال مقاتل: أخبر الله أن أمر زينب كان من حكم الله وقدره، وانتصاب {سنة} على المصدر، أي سنّ الله سنة الله، أو اسم وضع موضع المصدر أو منصوب بجعل أو بالإغراء. وردّه أبو حيان بأن عامل الإغراء لا يحذف. ثم ذكر سبحانه الأنبياء الماضين وأثنى عليهم فقال: {ٱلَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالـٰتِ ٱللَّهِ } والموصول في محلّ جر صفة {للذين خلوا} أو منصوب على المدح، مدحهم سبحانه بتبليغ ما أرسلهم به إلى عباده وخشيته في كل فعل وقول، ولا يخشون سواه، ولا يبالون بقول الناس ولا بتعييرهم، بل خشيتهم مقصورة على الله سبحانه {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } حاضراً في كل مكان يكفي عباده كل ما يخافونه، أو محاسباً لهم في كل شيء. ولما تزوّج صلى الله عليه وسلم زينب قال الناس: تزوّج امرأة ابنه، فأنزل الله {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } أي ليس بأب لزيد ابن حارثة على الحقيقة حتى تحرم عليه زوجته، ولا هو أب لأحد لم يلده. قال الواحدي: قال المفسرون: لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له من الذكور إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر. قال القرطبي: ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلاً. قال: وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ولم يكونا رجلين معاصرين له {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ } قال الأخفش والفراء: ولكن كان رسول الله، وأجازا الرفع. وكذا قرأ ابن أبي عبلة بالرفع في رسول وفي خاتم على معنى: ولكن هو رسول الله وخاتم النبيين، وقرأ الجمهور بتخفيف {لكن}، ونصب {رسول} و {خاتم}، ووجه النصب على خبرية كان المقدرة كما تقدّم، ويجوز أن يكون بالعطف على {أبا أحد}. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بتشديد "لكن" ونصب {رسول} على أنه اسمها وخبرها محذوف، أي ولكن رسول الله هو. وقرأ الجمهور: "خاتم" بكسر التاء. وقرأ عاصم بفتحها. ومعنى القراءة الأولى: أنه ختمهم، أي جاء آخرهم. ومعنى القراءة الثانية: أنه صار كالخاتم لهم الذي يتختمون به ويتزينون بكونه منهم. وقيل: كسر التاء وفتحها لغتان. قال أبو عبيد: الوجه الكسر؛ لأن التأويل: أنه ختمهم فهو: خاتمهم، وأنه قال: «حديث : أنا خاتم النبيين»تفسير : ، وخاتم الشيء آخره، ومنه قولهم: خاتمة المسك. وقال الحسن: الخاتم هو الذي ختم به {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيماً } قد أحاط علمه بكل شيء، ومن جملة معلوماته هذه الأحكام المذكورة هنا. وقد أخرج أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اتق الله وأمسك عليك زوجك»تفسير : ، فنزلت: {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ } قال أنس: فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً لكتم هذه الآية، فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَـٰكَهَا } فكانت تفخر على أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم تقول: زوّجكنّ أهاليكنّ وزوّجني الله من فوق سبع سماوات. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أنس قال: لما انقضت عدّة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: «حديث : اذهب فاذكرها عليّ» تفسير : ، فانطلق، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، فقلت: يا زينب، أبشري أرسلني رسول الله يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدّثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهنّ ويقولون: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به {أية : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } تفسير : [الأحزاب: 53] الآية. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة قالت: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ } يعني بالإسلام {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } يعني بالعتق {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } إلى قوله: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوّجها قالوا: تزوّج حليلة ابنه، فأنزل الله {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيّينَ }، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلاً يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله {ٱدْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ } يعني: أعدل عند الله. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي في قوله: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } قال: يعني يتزوّج من النساء ما شاء هذا فريضة، وكان من قبل من الأنبياء هذا سنتهم، قد كان لسليمان بن داود ألف امرأة، وكان لداود مائة امرأة. وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن جريج في قوله: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } قال: داود: والمرأة التي نكح وزوجها واسمها اليسية، فذلك سنة في محمد وزينب {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } كذلك من سنته في داود والمرأة والنبي وزينب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } قال: نزلت في زيد بن حارثة. وأخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى داراً، فانتهى إلاّ لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة» تفسير : . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى داراً فأكملها وأحسنها إلاّ موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلاّ موضع اللبنة، فأنا موضع اللبنة حتى ختم بي الأنبياء»تفسير : . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة نحوه. وأخرج أحمد، والترمذي وصححه من حديث أبيّ بن كعب نحوه أيضاً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِيّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} قال قتادة والسدي وسفيان هو زيد بن حارثة وفيه وجهان: أحدهما: أنعم الله عليه لمحبة رسوله وأنعم الرسول عليه بالتبني. الثاني: أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بالعتق. {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} يعني زينب بنت جحش، قاله الكلبي، أتى النبي صلى الله عليه وسلم منزل زيد زائراً فأبصرها قائمة فأعجبته فقال: "حديث : سُبْحَانَ مُقَلّبَ القُلُوبِ" تفسير : فلما سمعت زينب منه ذلك جلست قال أبو بكر بن زياد: وجاء زيد إلى قوله فذكرت له ذلك فعرف أنها وقعت في نفسه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ائذن لي في طلاقها فإن فيها كِبْراً وإنها لتؤذيني بلسانها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ" تفسير : وفي قلبه صلى الله عليه وسلم غير ذلك. {وَتُخْفي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الذي أخفاه في نفسه ميله إليها. الثاني: إشارة لطلاقها، قاله ابن جريج. الثالث: أخفى في نفسه إن طلقها زيد تزوجها. الرابع: أن الذي أخفاه في نفسه أن الله أعلمه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، قاله الحسن. {وَتَخْشى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} فيه وجهان: أحدهما: أن نبي الله خشي قالة الناس، قاله قتادة. الثاني: أنه خشي أن يبديه للناس فأيّد الله سره، قاله مقاتل بن حيان. قال الحسن: ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية أشد عليه منها. وقال عمر بن الخطاب: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن لكتم هذه الآية التي أظهرت غيبه. {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} الوطر الأرب المنتهي وفيه هنا قولان: أحدهما: أنه الحاجة، قاله مقاتل. الثاني: أنه الطلاق، قاله قتادة. قال يحيى بن سلام: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد فقال له "حديث : ائْتِ زَينبَ فَأَخْبِرْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ زَوَّجْنِيهَا" تفسير : فانطلق زيد فاستفتح الباب فقالت من هذا؟ فقال: زيد قالت: وما حاجة زيد إليّ وقد طلقني؟ فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليك فقالت: مرحباً برسول الله صلى الله عليه وسلم ففتحت له فدخل عليها وهي تبكي فقال زيد: لا أبْكَى الله لَكِ عيناً قد كنت نعمت المرأة إن كنت لتبرين قسمي وتطيعين أمر الله وتشبعين مسرتي فقد أبدلك الله خيراً مني فقالت: من لا أبا لك؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرت ساجدة لله تعالى قال الضحاك: فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يومئذ في عسرة فأصدقها قِرْبَةً وعَبَاءَةً ورحى اليد ووسادة حَشْوُهَا ليف وكانت الوليمة تمراً وسُوَيقاً. قال أنس فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل عليها بغير إذن. قال قتادة: فكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقول أنتن زوجكن آباؤكن وأما أنا فزوجني ربُّ العرش تبارك وتعالى. {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} حكى ابن سلام أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم زعمت أن حليلة الابن لا تحل للأب وقد تزوجت حليلة ابنك زيد فقال الله تعالى: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجلٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} أي أن زيداً دعيٌّ وليس بابن من الصلب فلم يحرم نكاح زوجته. {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفعُولاً} أي كان تزويج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش حكماً لازماً وقضاء واجباً، ومنه قول الشاعر: شعر : حتى إذا نزلت عجاجة فتنة عمياء كان كتابها مفعولاً
ابن عبد السلام
تفسير : {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} بمحبة رسوله صلى الله عليه وسلم {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} بالتبني، أو بالإسلام وأنعمت عليه بالعتق وهو زيد بن حارثة أتى الرسول صلى الله عليه وسلم منزله فرأى زوجته زينب بنت جحش فأعجبته فقال: سبحان مقلب القلوب، فسمعت ذلك فجلست فجاء زيد فذكرت له ذلك فعرف أنها وقعت في نفسه فأتاه فقال: يا رسول الله إئذن لي في طلاقها فإن فيها كِبراً إنها لتؤذيني بلسانها، فقال: اتق الله تعالى وأمسك عليك زوجك وفي نفسه صلى الله عليه وسلم غير ذلك {وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ} إيثار طلاقها، أو الميل إليها، أو أنه إن طلقها تزوجتها، أو أعلمه الله بغيب أنها تكون من زوجاته قبل أن يتزوجها "ح" {وَتَخْشَى} مقالة الناس، أو أن تبديه لهم {وَطَراً} حاجة، أو طلاقاً والوَطَر الأرب المشتهى {زَوَّجْنَاكَهَا} فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم زيداً، وأمره أن يخبرها أن الله تعالى زوجه إياها فجاءها فاستفتح فقالت: من هذا قال: زيد فقالت: وما حاجة زيد إليَّ وقد طلقني فقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسلني فقالت: مرحباً برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتحت فدخل وهي تبكي فقال: لا يبكي الله عينيك قد كنت نعمت المرأة إن كنت لتبري قسمي وتطيعي أمري وتشبعي مسرتي فقد أبدلك الله تعالى خيراً مني قالت: من لا أباً لك قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرت ساجدة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في عُسرة فأصدقها قربة وعباءة ورحى يد ووسادة أُدم حشوها ليف وأُؤلِمَ عليها تمر وسويق ودخل عليها بغير إذن وكانت تفخر على نسائه وتقول زوجكن أولياؤكن وآباؤكن وأما أنا فزوجني رب العرش {لِكَىْ لا يَكُونَ} قال المشركون للرسول صلى الله عليه وسلم: زعمت أن زوجة الابن لا تحل وقد تزوجت حليلة ابنك زيد. فقال الله تعالى {لِكَىْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} الآية أي لا تحرم زوجة ابن الدعي {أَمْرُ اللَّهِ} تزويج الرسول صلى الله عليه وسلم زينب رضي الله تعالى عنها. {مَفْعُولاً} حكماً لازماً وقضاء واجباً.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ...} الآية. ذهَب جماعة من المتأوِّلينَ إلى أن الآيةَ لا كَبيرَ عَتْبٍ فيها على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فَرُوِي عن علي بن الحسين: أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان قد أُوحِيَ إليه أنَّ زيداً يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج اللّه إياها له، فلما تشكى زيد للنبي صلى الله عليه وسلم خُلُقَ زينبَ، وأنَّها لا تطيعه، وأعلمَه بأنه يريد طلاقها، قال له النَّبِي صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصيةِ: «حديث : اتَّقِ اللّهَ - أي: فِي قَوْلِكَ - وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ»تفسير : ـــ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُفَارِقُهَا ـــ وَهَذَا هو الذي أخفى صلى الله عليه وسلم فِي نفسهِ ولم يردْ أن يأمره بالطلاق لِمَا عَلِمَ مِنْ أَنَّه سيتزوجها وخَشِي صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قولٌ من النَّاس، في أن يتزوجَ زينب بعدَ زيد، وهو مولاه وقد أمره بطلاقها، فعاتبه اللّه على هذا، القدر من أن خَشِي الناس في شيء؛ قد أباحه اللّه تعالى له. قال عياض: وتأويل علي بن الحسين أحسن التأويلات وأصحها، وهو قول ابن عطاء، وصححه واستحسنه، انتهى. وقوله: {أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} يعني بالإسلام وغير ذلك {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} يعني بالعِتْقِ، وهو زيد بن حارثة وزينب هي بنت جحش بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ ثم أعلم ـــ تعالى ـــ نبيه أنه زَوَّجَها منه لما قَضَى زيدُ وطرَه منها؛ لتكون سنةً للمسلمينَ في أزواج أدعيائهم وليُبَيِّنَن أنها ليست كحرمة البنوة، والوطرُ: الحاجَةُ والبُغْيَةُ. وقوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً}: فيه حذفُ مضافٍ تقديرُه وكانَ حكمُ أمرِ اللّه أو مُضَمّنْ أمْرِ اللّه وإلاّ فالأمر قديمٌ لا يوصف بأنه مفعول، ويحتمل أن يكون الأمر واحد الأمور التي شأنها أن تفعل وعبارة الواحديِّ: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} أي: كائناً لا محالةَ، وكان قَد قَضَىٰ فِي زينبَ أن يتزوجها رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم. انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} وهو زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإِسلام "وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ" بالتحرير والإِعتاق. قوله: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ" نص بعض النحويين على أن "على" في مثل هذا التركيب اسم قال: لئلا يتعدى فعل المضمر المتصل إلى ضمير المتصل في غير باب "ظَنَّ" وفي لفظتي: فَقَدَ وعَدِمَ وجعل من ذلك: شعر : 4090 - هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّ الأُمُــ ــورَ بِكَفِّ الإِلَهِ مَقَادِيرُهَا تفسير : وكذلك حكم على "عن" في قوله: شعر : 4091 - [فــ] دَعْ عَنْـكَ نَهبْـاً صِيـحَ فـي حجَـرَاتِـهِ تفسير : وقد تقدم ذلك مُشْبَعاً في النَّحل في قوله: {أية : وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} تفسير : [النحل: 57]، وفي قوله: {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ}تفسير : [مريم: 25] (وقوله): {أية : وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ}تفسير : [القصص: 32]. قوله: "وَتُخْفِي" فيه أوجه: أحدها: أنه معطوف على "تقول" أي وإِذْ تَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِكَ كَذَا وإِخْفَاءِ كَذَا وخَشْيَةِ الناس قاله الزمخشري. الثاني: أنها واو الحال أي تقول كذا في هذه الحالة، قاله الزمخشري أيضاً، وفيه نظر حيث إنه مضارع مثبت فكيف تباشره الواو؟ وتخريجه كتخريج "قُمْتُ وَأَصُكُّ عَيْنَهُ" أعني على إضمار مبتدأ. الثالث: أنه مستأنف قاله الحوفي، وقوله: {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} تقدم مثله في بَرَاءَةَ. فصل قال المفسرون إن الآية نزلت في زَيْنَبَ بنتِ جَحْش، وذلك حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما زوج "زينب" من "زَيْد" مكثَتْ عنده حيناً ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى زيداً ذات يوم لحاجة فأبصر زينب قائمة في دِرْع وخِمَار، وكانت بيضاء وجميلة ذات خُلُق من أتمِّ نساء قريش فوقعت في نفسه، وأعجبه حسنها فقال: سبحان الله مقلِّبَ القلوب وانصرف فلما جاء زيد ذكرت ذلك له، ففطن زيد فألقي في نفس زيد كراهتها في الوقت فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أريدُ أن أفارق صاحبتي قال: ما لك أَرَابَكَ منها شيء قال: لاَ واللَّهِ يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيراً، ولكنها تتعظم عَلَيَّ لشرفها وتؤذيني بلسانها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوجَكَ يعني زينب بنت جحش واتَّقِ اللَّهِ في أمرها ثم طلَّقَها زيدٌتفسير : فذلك قوله عز وجل: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} بالإسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} فيها ولا تفارقها {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} أي تُسرُّ في نفسك ما الله مظهره أي كان في قلبه لو فارقها تزوجها. وقال ابن عباس: حبها، وقال قتادة: وَدَّ أنه لو طلقها "وَتَخْشَى النَّاسَ" قال ابنُ عباس والحسن: تستحييهم، وقيل: تخاف لائمةَ الناس أن يقولوا أمرَ رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها، "واللَّهُ أَحَقُّ أَن يَخْشَاهُ". قال عمر وابن مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية هي أشد عليه من هذه (الآية). وروي عن مسروق قال: قالت عائشة: لو كتم النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً مِمَّا أوحي إليه لكتم هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} وروي عن سفيانَ بْن عُيَيْنَةَ عن عليِّ بن جُدْعَانَ قالك سألني عليّ بن الحُسَيْنِ زَيْنُ العابدين ما يقول الحَسَنُ في قوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} قال: قلت: (تقول): لَمَّا جاء زيد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا نبي إني أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك قال: أمسك عليك زوجك واتق الله فقال علي بن الحسين ليس كذلك كان الله قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيداً سيطلقها فلما جاء زيد قال: أريد أن أطلقها قال له: أمْسِكْ عليك زوجك فعاتبه الله وقال: لِمَ قُلْتَ: أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال: "زَوَّجْنَاكَهَا" فلو كان الذي أضمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أنه يخبر أنه يُظْهِرُه ثم يكتمه فلا يظهره فدل على أنه لا يجوز أن يخبر أنه يُظْهِرُهُ ثم يكتمه فلا يظهره فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجة له، وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: إن الذي تحتك في نِكَاحِكَ ستكون امرأتي وهذا حسن وإن كان الآخرَ وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء؛ لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم؛ لأن الوُدَّ ومَيْلَ النفس من طبع البشر، وقوله: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} أمر بالمعروف وهو خشية الإثم فيه وقوله: {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه (الصلاة و) السلام قد قال: "حديث : أَنَّا أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ"تفسير : ولكن المعنى الله أحَقُّ أنْ تَخْشَاهُ وَحْدَهُ، ولا تخشى أحداً معه وأنت تخشاه وتخشى الناس أيضاً، فلما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله أحق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء. قوله: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا}، "وطراً" مفعول "قضى"، والوَطَرُ الشهوة والمحبة قاله المبرد وأنشد: شعر : 4092 - وَكَيْفَ ثَوَائِي بالمَدِينَةِ بَعْدمَا قَضَى وَطَراً مِنْهَا جَمِيلُ بْنُ معْمَرِ تفسير : وقال أبو عبيدة: الوَطَرُ: الأَرَبُ والحَاجَةُ، وأنشد الربيعُ بن ضبع الفزَارِيُّ. شعر : 4093 - وَدَّعَنَا قَبْلَ أن نُوَدِّعَــهُ لَمَّا قَضَى مِنْ شَبَابِنَا وَطَــرَا تفسير : وقرأ العامة: "زَوَّجْنَاكَهَا"، وقرأ علي وابناه الحَسَنَان - رضي الله عنهم، وأرضاهم - "زَوَّجْتُكَهَا"، بتاء المتكلم و "لِكَيْلاَ" متعلق "بزوجناكها". وهي هنا ناصبة فقط لدخول الجار عليها، واتصل الضميران بالفعل، لاختلافهما رتبةً. فصل المعنى فلما قضى زيد منها حاجة من نكاحها زوجناكها، وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبنَّى تَحِلُّ بعد الدخول بها إذا طلقت وانقضت عدتها؛ لأن الزوجة ما دامت في نكاح الزوج فهي تدفع حاجته وهو محتاج إليها فلم يقض منها الوطر بالكلية ولم يستغن عنها، وكذلك إذا كانت في العدة له بها تعلق لأجل شُغْلٍ الرحم فلم يقض منها بعد وطر، فإذا طلقت وانقضت عدتها استغنى عنها ولم يبق له معها تعلق فقضى منها الوطر. قال أنس: كانت زينب تَفْتَخِرُ على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْق سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وقال الشعبيُّ: كانت زينب تقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - إِني لأُدِلُّ عَلَيْك بثلاث ما من نسائك امرأة تُدِلُّ بهن، جَدِّي وَجدُّك واحد، وإني أَنْكَحنِيكَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وإنَّ السفيرَ لِجِبْرِيل. قوله: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} إثم {فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} فالأدعياء جمع أَدعَى وهو المتبنَّى بخلاف امرأة ابن الصلب لا تحِل للأب {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} أي قضاء الله ماضياً وحكمه نافذاً، وقد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قوله: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} أي فيما أحل الله له. قوله: "سُنَّةَ اللَّهِ" منصوب على المصدر كـ {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ}تفسير : [النمل: 88] و {أية : وَعْدَ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 20] أو اسم وضع موضع المصدر أو منصوب "بِجَعَلَ" أبو بالإِغراء أي فعليه سنة الله، قاله ابن عطية ورده أبو حيان بأن عامل الإغراء لا يحذف، وبأن فيه إغراء الغائب وما ورد منه مؤول على نُدُوره نحو: "عَلَيْهِ رَجُلاً لَيْسَني". قال شهاب الدين: وقد ورد قوله عليه السلام: "حديث : وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ" تفسير : فقيل: هو إغراء، وقيل: ليس به وإنما هو مبتدأ وخبر، والباء زائدة في المبتدأ وهو تخريج فاسد المعنى، لأن الصوم ليس واجباً على ذلك. وقال البغوي: نصب بنزع الخافض أي كَسُنَّةِ اللَّهِ. فصل المراد بسنة الله في الذين خلوا من قبل أي في الأنبياء الماضين أن لا يؤاخذهم بما أحل لهم, قال الكلبي ومقاتل: أراد داود حين جمع بينه وبين المرأة التي هَوِيَهَا فكذلك جمع بين محمد وبين زينب، وقيل أراد بالسنة النكاح، فإنه من سنة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}، مَقْضِيّاً كائناً ماضياً. واعلم أن في قوله أولاً: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} وقوله ثانياً: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} لطيفة وهي أن الله تعالى لما قال: "زَوَّجْنَاكَهَا" قال: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً}، أي تزويجنا زينت إياك كان مقصوداً مَقْضِيّاً مُرَاعىً، ولما قال: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} أشار إلى قصة داود حين افتتن بامرأة "أوريا" قال: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} أي كان ذلك حكماً تبعياً. قوله: "الذين يبلّغون" يجوز أن يكون تابعاً "لِلَّذِينَ خَلَوا" وأن يكون مقطوعاً عنه رفعاً ونصباً على إضمار: "هم" أو أعْنِي، أو أمْدَحُ. فصل المعنى إنَّ الذين يبلغون رسالات الله كانوا أيضاً رُسُلاً مِثْلَكَ، ثم ذكر حالهم بأنهم جرّبوا الخشية ووجدوها فيخشون الله ولا يخشون أحداً سواه فصار كقوله: "فَبِهُدَاهُم اقْتَدِه" ولا يخشى قَالة الناس فإنهم ليسوا بمهتمين فيما أحل الله لهم وفرض عليهم، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبتهم فلا يُخْشَى غَيْرُهُ. قوله: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} لما تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب قال الناس: إن محمداً تزوج امرأة ابنه فأنزل الله - عز وجل - {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} يعني زيد بن حارثة أي ليس أبا أحد من رجالكم الذين لم يلده فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها. فإن قيل: أليس أنه كان له أبناء القاسمُ والمطهرُ، وإبراهيم، والطَّيِّبُ، وكذلك الحَسَنُ، الحُسَيْنُ، قال - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : إن ابني هذا سيد؟ ". تفسير : فالجواب: هؤلاء كانوا صغاراً ولم يكونوا رجالاً، والصحيح أنه أراد أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُم الذي لم يلده. قوله: {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ} العامة على تخفيف "لكن" ونصب "رسول"، ونصبه إما على إضمار "كَانَ" لدلالة "كان" السابقة عليها، أي ولكن كَانَ، وإما بالعطف على "أَبَا أَحَدٍ": والأول أليق؛ لأن "لكن" ليست عاطفة لأجل الواو، فالأليق بها أن تدخل على الجمل "كبل" التي ليست عاطفة. وقرأ أَبُو عَمْروٍ - في رواية - بتشديدها، على أن "رسول الله" اسمها وخبرها محذوف للدلالة، أي ولكن رسول الله هُوَ أي محمد، وحذف خبرها سائغ وأنشد: شعر : 4094 - فَلَوْ كُنْتَ ضبّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي وَلَكِنَّ زِنْجِيًّا عَظِيمَ المَشَافِرِ تفسير : أي أنت، وهذا البيت يروونه أيضاً "ولكن زِنْجِيٌّ" بالرفع، شاهداً على حذف اسمها، أي "ولكنك". وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة بتخفيفها ورفع "رسول" على الابتداء، والخبر مقدر أي هو، أو بالعكس أي ولكن هُوَ رَسُولُ كقوله: شعر : 4095 - وَلَسْت الشَّاعِرَ السِّفْسَافَ فِيهِمْ وَلَكن مِدْرَهَ الحَرْبِ العَوَانِ تفسير : أي ولكن أنا مدره. قوله: "وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ" قرأ عاصم بفتح التاء والباقون بكسرها, فالفتح اسم للآلة التي يختم بها كالطَّابَع والقَالَب، لما يطبع به، ويقلب فيه هذا هو المشهور، وذكر أبو البقاء فيه أَوْجُهاً أُخَرَ منها أنه في معنى المصدر قال: كذا ذكر في بعض الأعاريب، قال شهاب الدين: وهو لغط محض كيف وهو مُحْوِجٌ إلى تَجَوُّزٍ أو إضْمار، ولو حكى هذا في خَاتِم - بالكسر - لكان أقرب، لأن قد يجيء المصدر على فاعل وفاعلة وسيأتي ذلك قريباً، ومنها أنه اسم بمعنى "آخَرَ" ومنها أنه فعل ماض مثل "قَاتَل" فيكون "النَّبِيِّينَ" مفعولاً به، قال شهاب الدين: ويؤيد هذا قراءة عبد الله المتقدمة. وقال بعضهم هو بمعنى المفتوح يعني بمعنى آخرهم لأنه قد ختم النبيين فهو خَاتم. فصل قال ابن عباس: يريد لو لم أَختم به النبيين لجعلت له ابناً يكون من بعده نبيّاً، وروى عطاء عن ابن عباس: أن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي بعده لم يُعْطِهِ ولداً ذكراً يصير رَجُلاً، وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} أي علمه بكل شيء دخل فيه أن لا نبي بعده، فعلم أن من الحكمة إكمال شرع محمد عليه (الصلاة و) السلام أن زوجه بزوجة دعيِّه تكميلاً للشرع، وذلك من حيث إنَّ قول النبي - عليه الصلاة والسلام - يفيد شرعاً لكن إذا امتنع هو عنه يفيد في بعض النفوس نُفْرة، ألا ترى أنه ذكر بقوله ما فهم منه حِلّ أكل الضَّبِّ، ثم لما لم يأكله بَقِيَ في النفوس شيء، ولما أكل لحم الجمل طاب أكله، مع أنه في بعض الملل لا يؤكل وكذلك الأرنب، روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : مَثَلِي ومَثَلُ الأنبياء كَمَثَلِ قَصْرِ أُحْكِمَ بُنْيَانُهُ تُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بِنَائِهِ إِلاَّ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ لاَ يُجِيبُونَ سِوَاهَا فَكُنْت أنَا مَوْضِع تِلْكَ اللَّبِنَةِ خُتِمَ بِهِ البُنْيَانُ، وَخُتِمَ بِي الرُّشْدُ"تفسير : وقال - عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : إنَّ لِي أسْمَاءَ أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الماحِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى قَدَمِيَ وأَنَا العَاقِبُ"تفسير : والعاقِبُ الذَّي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج البزار وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: جاء العباس، وعلي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا"حديث : يا رسول الله جئناك لتخبرنا أي أهلك أحب إليك؟ قال: أحب أهلي إليَّ فاطمة. قالا: ما نسألك عن فاطمة قال: فاسامة بن زيد الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه. قال علي رضي الله عنه: ثم من يا رسول الله؟ قال: ثم أنت، ثم العباس. فقال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله جعلت عمك آخراً قال: إن علياً سبقك بالهجرة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ابي حاتم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه. أن هذه الآية {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال"حديث : جاء زيد بن حارثة رضي الله عنه يشكو زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اتق الله وامسك عليك زوجك فنزلت {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} قال: أنس رضي الله عنه فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً لكتم هذه الآية. فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها. ذبح شاة {فلما قضى زيد منها وطرا زوّجناكها} فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوّجكن أهاليكن، وزوّجني الله من فوق سبع سموات ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد"حديث : اذهب فاذكرها عليَّ فانطلق قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، فقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته، فجعل يتبع حُجَرَ نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت ادخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، فنزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم...} ". تفسير : وأخرج ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيى بن حيان رضي الله عنه قال "حديث : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت زيد بن حارثة يطلبه، وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد، فربما فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجيء لبيت زيد بن حارثة يطلبه فلم يجده، وتقوم إليه زينب بنت جحش زوجته، فاعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقالت: ليس هو ههنا يا رسول الله فادخل، فأبى أن يدخل، فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه إلا ربما أعلن، سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد رضي الله عنه إلى منزله، فأخبرته امرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله فقال زيد رضي الله عنه: إلا قلت له أن يدخل قالت: قد عرضت ذلك عليه فأبى قال: فسمعت شيئاً قالت: سمعته حين ولى تكلم بكلام ولا أفهمه، وسمعته يقول: سبحان الله، سبحان مصرف القلوب، فجاء زيد رضي الله عنه حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم {أمسك عليك زوجك} فما استطاع زيد إليها سبيلاً بعد ذلك اليوم، فيأتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره، فيقول: {أمسك عليك زوجك} ففارقها زيد واعتزلها، وانقضت عدتها، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة رضي الله عنها إذ أخذته غشية، فسرى عنه وهو يتبسم ويقول: من يذهب إلى زينب، فيبشرها أن الله زوجنيها من السماء، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك} القصة كلها قالت عائشة رضي الله عنها: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها. وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها زوجها الله من السماء وقلت: هي تفخر علينا بهذه ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} يعني بالإِسلام {وأنعمت عليه} بالعتق {أمسك عليك زوجك} إلى قوله {وكان أمر الله مفعولاً} وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوّجها قالوا: تزوج حليلة ابنه. فأنزل الله تعالى {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلاً يقال له: زيد بن محمد. فأنزل الله {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} يعني أعدل عند الله. وأخرج الحاكم عن الشعبي رضي الله عنه قال: كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا أعظم نسائك عليك حقاً، أنا خيرهن منكحاً، وأكرمهن ستراً، وأقربهن رحماً، وزوّجنيك الرحمن من فوق عرشه، وكان جبريل عليه السلام هو السفير بذلك، وأنا بنت عمتك، ليس لك من نسائك قريبة غيري. وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه قال: كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن. إن جدي وجدك واحد. وإني أنكحنيك الله من السماء. وان السفير لجبريل عليه السلام. وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أم سلمة رضي الله عنها عن زينب رضي الله عنها قالت: إني والله ما أنا كأحد من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهن زوّجن بالمهور، وزوّجهن الأولياء، وزوّجني الله ورسوله، وأنزل في الكتاب يقرأه المسلمون، لا يغير ولا يبدل {وإذ تقول للذين أنعم الله عليه....}.. وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شريف. ان الله زوجها نبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ونطق به القرآن. وأخرج ابن سعد عن عاصم الأحول أن رجلاً من بني أسد فاخر رجلاً فقال الأسدي: هل منكم امرأة زوجها الله من فوق سبع سموات؟ يعني زينب بنت جحش. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن قتادة رضي الله عنه في قوله {إذ تقول للذي أنعم الله عليه} قال:حديث : زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإِسلام {وأنعمت عليه} أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم {أمسك عليك زوجك واتق الله} يا زيد بن حارثة قال: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إن زينب قد اشتد عليّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اتق الله وامسك عليك زوجك قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يطلقها، ويخشى قالة الناس إن أمره بطلاقها. فأنزل الله {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} قال: كان يخفي في نفسه وذاته طلاقها قال: قال الحسن رضي الله عنه: ما أنزلت عليه آية كانت أشد عليه منها، ولو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها {وتخشى الناس} قال: خشي النبي صلى الله عليه وسلم قالة الناس {فلما قضى زيد منها وطراً} قال: طلقها زيد {زوّجناكها} فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: أما أنتن زوّجكن آباؤكن، وأما أنا فزوّجني ذو العرش {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهن إذا قضوا منهن وطراً} قال: إذا طلقوهن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى زيد بن حارثة رضي الله عنه {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل} يقول: كما هوى داود النبي عليه السلام المرأة التي نظر إليها فهواها فتزوّجها، فكذلك قضى الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فتزوّج زينب، كما كان سنة الله في داود أن يزوّجه تلك المرأة {وكان أمر الله قدراً مقدوراً} في أمر زينب . تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن علي بن زيد بن جدعان قال: قال لي علي بن الحسين: ما يقول الحسن رضي الله عنه في قوله {وتخفي في نفسك ما الله مبديه}؟ فقلت له.... فقال: لا. ولكن الله أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن زينب رضي الله عنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوّجها، فلما أتاه زيد يشكو إليه قال: اتق الله وامسك عليك زوجك فقال: قد أخبرتك أني مزوّجكها {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} . وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في قوله {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلو من قبل} قال: يتزوّج من النساء ما شاء هذا فريضة وكان من الأنبياء عليهم السلام هذا سنتهم، قد كان لسليمان عليه السلام ألف امرأة، وكان لداود عليه السلام مائة امرأة. وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {سنة الله في الذين خلوا من قبل} قال: داود والمرأة التي نكحها، واسمها اليسعية فذلك سنة الله في محمد وزينب {وكان أمر الله قدراً مقدوراً} كذلك في سنته في داود والمرأة، والنبي صلى الله عليه وسلم وزينب. وأخرج البيهقي في سننه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: لا نكاح إلا بوليّ، وشهود، ومهر، إلا ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج الطبراني في سننه وابن عساكر من طريق الكميت بن يزيد الأسدي قال: حدثني مذكور مولى زينب بنت جحش قالت "حديث : خطبني عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه أخي يشاوره في ذلك قال: فأين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها! قالت: من؟ قال زيد بن حارثة. فغضبت وقالت: تزوّج بنت عمتك مولاك؛ ثم أتتني فأخبرتني بذلك فقلت: أشد من قولها، وغضبت أشد من غضبها، فأنزل الله تعالى {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم} فأرسلت إليه زوجني من شئت، فزوّجني منه، فأخذته بلساني، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: اذن طلقها، فطلقني فبت طلاقي، فلما انقضت عدتي لم أشعر إلا والنبي صلى الله عليه وسلم وأنا مكشوفة الشعر فقلت: هذا أمر من السماء دخلت يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة قال: الله المزوّج، وجبريل الشاهد ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت....} قال: بلغنا أن هذه الآية أنزلت في زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكانت امها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يزوّجها زيد بن حارثة رضي الله عنه، فكرهت ذلك ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوّجها إياه، ثم أعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر زيد بن حارثة بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب بعض ما يكون بين الناس، فيأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه، أن يقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيداً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى زيد بن حارثة في الجاهلية من عكاظ بحلى امرأته خديجة ولداً، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم أراد أن يزوّجه زينب بنت جحش، فكرهت ذلك فأنزل الله {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم...} فقيل لها: إن شئت الله ورسوله، وإن شئت ضلالاً مبيناً فقالت: بل الله ورسوله. فزوّجه رسول الله إياها، فمكثت ما شاء الله أن تمكث، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوماً بيت زيد فرآها وهي بنت عمته، فكأنها وقعت في نفسه قال عكرمة: رضي الله عنه فأنزل الله {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} يعني زيداً بالإِسلام {وأنعمت عليه} يا محمد بالعتق {أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} قال: عكرمة رضي الله عنه فكان النساء يقولون: من شدة ما يرون من حب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد رضي الله عنه أنه ابنه، فأراد الله أمراً قال الله {فلما قضى زيد منها وطراً زوَّجناكها} يا محمد {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم} وأنزل الله {ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} فلما طلقها زيد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم فعذرها قالوا: لو كان زيد بن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تزوّج امرأة ابنه. وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة رضي الله عنهما فقالت زينب رضي الله عنها: أنا الذي نزل تزويجي من السماء. وقالت عائشة رضي الله عنها: أنا نزل عذري من السماء في كتابه حين حملني ابن المعطل على الراحلة. فقالت لها زينب رضي الله عنها: ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: قلت حسبي الله ونعم الوكيل قال: قلت كلمة المؤمنين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} قال: نزلت في زيد بن حارثة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن علي بن الحسين رضي الله عنه في قوله {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله} قال: نزلت في زيد بن حارثة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} قال: نزلت في زيد رضي الله عنه، أي أنه لم يكن بابنه ولعمري لقد ولد له ذكور، وإنه لأبو القاسم وإبراهيم والطيب والمطهر. وأخرج الترمذي عن الشعبي في قوله {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} قال: ما كان ليعيش له فيكم ولد ذكر. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} قال: آخر نبي. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله {وخاتم النبيين} قال: ختم الله النبيين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان آخر من بعث. وأخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى داراً فأتمها إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها! إلا موضع اللبنة، فأنا موضع اللبنة فختم بي الأنبياء ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى داراً بناء فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وصححه عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً فأحسنها وأكملها وأجملها وترك فيها موضع هذه اللبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ". تفسير : وأخرج أحمد عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "قولوا خاتم النبيين، ولا تقولوا لا نبي بعده". وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه قال: قال رجل عند المغيرة بن أبي شعبة صلى الله على محمد خاتم الأنبياء لا نبي بعده فقال المغيرة: حسبك إذا قلت خاتم الأنبياء، فإنا كنا نحدث أن عيسى عليه السلام خارج، فإن هو خرج فقد كان قبله وبعده. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كنت اقرىء الحسن والحسين، فمر بي علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنا اقرئهما فقال لي: اقرئهما وخاتم النبيين بفتح التاء. والله الموفق.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} [الآية: 37]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: أنعم الله عليه بمحبتك وأنعمت عليه بالتبنى. وقال بعضهم: وإذ تقول للذى أنعم الله عليه بالمعرفة وأنعمت عليه بالعتق. قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} [الآية: 37]. تخفى فى نفسك ما أظهر الله لك من آية تزوجها منك وتخشى أن يظهر للناس ذلك فيفتنوا. وقال الجنيد: فى قوله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه معناه ما الله مبد حكمه ومظهر فيه سنته الباقى نفعها على الأمة والمبين معناها للخليقة من تحليل نكاح نساء أولاد التبنى دون أولاد الصلب. قوله عز وعلا: {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [الآية: 37]. قال ابن عطاء: تخشى الناس أن يهلكوا فى شأن زيد فذلك من تمام شفقته على الأمة والله أحق أن تخشاه أن تبتهل إليه ليزيل عنهم ما تخشى منهم. قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} [الآية: 37]. قال قرئ عند ذى النون رحمة الله عليه هذه الآية فتأوّه تأوّهًا ثم قال: ذهب بها والله زيد وما على زيد لو فارق الكون بعد أن ذكره الله من بين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم باسمه بقوله: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا}. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سئل ذون النون رحمة الله عليه وعليهم وأنا حاضر عند قوله: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} أترى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتشم زيدًا إذا رآه؟ فقال ذو النون: كيف لا تقول أترى كان زيد يحتشم النبى صلى الله عليه وسلم إذا رآه أو أقيم لالتماس شىء كانت العاقبة قد حكمت لرسول صلى الله عليه وسلم عاجلاً وإنما كانت عارية عند زيد.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً}. أنعم الله عليه بأن ذَكَرَه وأفرده من بين الصحابة باسمه. ويقال: أنعم اللَّهُ عليه بإقبالِكَ عليه وتَبَنِّيكَ له. ويقال: بأن أَعْتَقْتَه، ويقال: بالإيمان والمعرفة. وأنْعَمْتَ عليه بالعتق وبأن تـَبَنَّيْتَه. {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} إقامةُ للشريعة مع عِلْمِكَ بأن الأمر في العاقبة إلى ماذا يؤول، فإنَّ اللَّهَ أطْلَعَكَ عليه، وقلت له: "اتق". قوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ}: أي لم تُظهِرْ لهم أنَّ الله عَرَّفَكَ ما يكون من الأمر في المستأنف. {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ} مِنْ مَيْلِكَ ومحبتك لها لا على وجهٍ لا يَحِلُّ. {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ} أي وتخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة من قصة زيد، وكانت تلك الخشية إشفاقاً منكَ عليهم، ورحمةً بهم. ويقال: وتستحي من الناسِ - واللَّهُ أحقُ أن تَسْتَحِيَ منه. ويقال: تخشى الناسَ ألا يطيقوا سماعَ هذه الحالة ولا يَقْوَوا على تـَحَمُّلِها. فربما يخطر ببالهم ما يَنْفى عنهم وُسْعَهم. {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} لكي لا يكون عليك حَرَجٌ، ولكي لا يكونَ على المؤمنين حرج في الزواج بزوجات أدعيائهم، فإنما ذلك يُحرِّمُ في الابن إذا كان من الصُّلْبِ. قوله جلّ ذكره: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}. لا يُعَارَضُ ولا يُنَاقَضُ، ولا يُرَدُّ ولا يُجْحَد. وما كان على النبيِّ من حـَرَجٍ بوجهٍ لكونه معصوماً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} انعم الله عليه بمعرفته وانعمت عليه بصحبتك ونظرك اليه بالمحبة قال ابن عطا انعم الله عليه بمحبتك وانعمت عليه بالثنى قال بعضهم انعم الله عليه بالمعرفة وانعمت عليه بالعتق قوله تعالى {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ} ان الله سبحانه ابتلى نبيه صلى الله عليه وسلم بالعشق الانسانى وذلك انه انفرد بالحق مما دون الحق وخاص فى بحر الوحدانية على شريطة الفناء وكان يفنى عن الفناء ويغيب من غلبات سطوت العظمة عليه فاراه جمال جلاله صرفا فلم يحتمل ايضا حقيقة ذوق المشاهدة والجمال عيانا فسهل الله عليه بان تجلى له بنور المحبة ونور الجمال من ---- فطاب سره بذلك واحتمل روحه لطائف تلك المحبة واستانس بشقيقة شقائق ورد مشاهدة القدس فى محل الانس لكن خاف على الخلق ان يظهر لهم احواله لا يعرفون سر العشق فيهلكون فرفع الله عنه وحشة ذلك وامره بان يظهر ذلك ولا يلتفت الى غير الله فى العشق فان العشق باق فى العشق ويسقط عنه ---- اللائمين وخوف النبى صلى الله عليه وسلم من الخلق رحمة وشفقة على امنه بقوله وتخفى فى نفسك ما الله ---- كان عليه الصلاة والسّلام اخفى ذلك السر فى نفسه من حيث التمكين والله مبديه بانه يقهر على ----- العشق القديم وكيف يوازى الحدث القدم وقد ذكرت معنى قوله وتخشى الناس {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} اى لا نزاع الخلق فى مقام المحبة وراع الحق فانه احق ان تراعيه بان الحدث ينفى يبقى القدم قال ابن عطا تخفى فى نفسك ما اظهر الله لك من ان يزوجها منك وتخشى ان تظهر للناس ذلك فيقتنوا قال ايضا تخشى الناس ان يهلكوا فى شان زيد فذلك من تمام شفقته على الامة والله احق ان تخشه ان تبتهل اليه ليزيل عنهم ما تخشى فيهم قوله تعالى {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} حكم الله فى ذلك ان غيرة الازل سابقة على عشق النبى صلى الله عليه وسلم المتفرد عما دون الله حتى تزيله بنعت الغيرة وسر الجبروت من كل ما سوى الله وذلك ان زيد قضى وطره منها ليذكره النبى صلى الله عليه وسلم ذلك فى حال معاشرة معها فيضيق صدره بذلك ويضطرب حاله وينقبض سره ويرجع الى الله الكلية لان هناك له طيب العشق هنيا سرمدا ومقصود الحق من ذلك عذر العاشقين من امته حتى لا يقدح الناس فى احوالهم قال الله {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} فان العشق المحمود العفيف المطهر من غبار الوسوسة وهو اجس النفسانية والشيطانية مقرب العاشقين الى عشق الالوهية ومشاهدة الازلية قيل قرء عند ذى النون هذه الأية فتاوَّة تاوَّها ثم قال ذهب بها والله زيد وما على زيد لو فارق الكونين بعد ان ذكره الله من بين اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم باسمه بقوله فلما قضى زيد قال يوسف بن الحسين سئل ذوا النون وانا حاضر عن قوله فلما قضى زيدا ترى كان النبى صلى الله عليه وسلم يحتشم زيدا اذا رأه فقال ذو النون كيف لا يقول فترى كان زيد يحتشم النبى صلى الله عليه وأله وسلم اذا رأه اذا قيم لالتماس شئ كان العافية قد حكمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أجلا وانما كانت عارية عند زيد قوله تعالى {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} رضى الحق فى الازل من حالة عشق النبى صلى الله عليه وسلم كان سنة الانبياء قيل بقوله {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} قال سهل اى معلوما قبل وقومه عنكم وهل يقدر احد ان يجاوز المقدور.
اسماعيل حقي
تفسير : واذ تقول} ـ روى ـ انه لما نزلت الآية المتقدمة قالت زينب واخوها عبد الله رضينا يا رسول الله اى بنكاح زيد فانكحها عليه السلام اياه وساق اليها مهرها عشرة دنانير وستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وازارا وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر وبقيت بالنكاح معه مدة فجاء النبى عليه السلام يوما الى بيت زيد لحاجة فابصر زينب فاعجبه حسنها فوقع فى قلبه محبتها بلا اختيار منه والعبد غير ملوم على مثله ما لم يقصد المأثم ونظرة المفاجأة التى هى النظرة الاولى مباحة فقال عليه السلام عند ذلك "حديث : سبحان الله يا مقلب القلوب ثبت قلبي" تفسير : انصرف وذلك ان نفسه كانت تمتنع عنها قبل ذلك لا يريدها ولو ارادها لخطبها وسمعت زينب التسبيحة فذكرتها لزيد بعد مجيئه وكان غائبا ففطن: يعنى [بدانست كه جيزى دردل رسول افتاد وبآنكه در حكم ازلى زينب زن رسول باشد الله تعالى محبت زينب دردل رسول افكند ونفرت وكراهت دردل زيد] فاتى رسول الله تلك الساعة فقال يا رسول الله انى اريد ان افارق صاحبتى فقال حديث : مالك أرأيت منها شيئا تفسير : قال لا والله ما رأيت منها الا خيرا ولكنها تتعظم على لشرفها وتؤذينى بلسانها فمنعه عليه السلام من الفرقة وذلك قوله تعالى {واذ تقول} اى واذكر وقت قولك يا محمد {للذى انعم الله عليه} بالتوفيق للاسلام الذى هو اجل النعم وللخدمة والصحبة. وفى التأويلات النجمية بان اوقعه فى معرض هذه الفتنة العظيمة والبلية الجسيمة وقواه على احتمالها واعانه على التسليم والرضى فيما يجرى الله عليه وفيما يحكم به عليه من مفارقة الزوجة وتسليمها الى رسول الله وبان ذكر اسمه فى القرآن من بين الصحابة وافرد به {وانعمت عليه} بحسن التربية والاعتاق والتبنى. وفى التأويلات بقبول زينب بعد ان انعمت عليه بايثارها عليه بقولك امسك الخ وهو زيد بن حارثة رضى الله عنه مولاه عليه السلام وهو اول من اسلم من الموالى وكان عليه السلام يحبه ويحب ابنه اسامة شهد بدرا والخندق والحديبية واستخلفه النبى عليه السلام على المدينة حين خرج الى بنى المصطلق وخرج اميرا فى سبع سرايا وقتل يوم مؤتة بضم الميم وبالهمزة ساكنة موضع معروف عند الكرك وقد سبق فى ترجمته عند قوله تعالى {أية : ادعوهم لآبائهم} تفسير : فى اوائل هذه السورة. قال فى الارشاد وايراده بالعنوان المذكور لبيان منافاة حاله لما صدر منه عليه السلام على زيد لا ينافى استحياءه منه فى بعض الامور خصوصا اذا قارن تعيير الناس ونحوه كما سيجيئ {امسك عليك زوجك} [نكاه دار براى خود زن خودرا يعنى زينب] وامساك الشئ التعلق به وحفظه {واتق الله} فى امرها ولا تطلقها ضرارا: يعنى [ازوى ضرر طلاقش مده] او تعللا بتكبرها {وتخفى فى نفسك ما الله مبديه} الموصول مفعول تخفى والابداء الاظهار. يعنى [ونكاه داشتى جيزى دردل كه الله آنرا بيدا خواست كر] وهو علم بان زيدا سيطلقها وسينكحها يعنى انك تعلم بما اعلمتك انها ستكون زوجتك وانت تخفى فى نفسك هذا المعنى والله يريد ان ينجز لك وعده ويبدى انها زوجتك بقوله {زوجناكها} وكان من علامات انها زوجته القاء محبتها فى قلبه وذلك بتحبيب الله تعالى لا بمحبته بطبعه وذلك ممدوح جدا ومنه قوله عليه السلام "حديث : حبب الىّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عينى فى الصلاة" تفسير : وانه لم يقل احببت ودواعى الانبياء والاولياء من قبيل الاذن الآلهى اذ ليس للشيطان عليهم سبيل. قال فى الاسئلة المقحمة قد اوحى اليه ان زيدا يطلقها وانت تزوج بها فاخفى عن زيد سرما اوحى اليه لان ذلك السر يتعلق بالمشيئة والارادة ولا يجب على الرسل الاخبار عن المشيئة والارادة وانما يجب عليهم الاخبار والاعلام عن الاوامر والنواهى لا عن المشيئة كما انه كان يقول لا بى لهب آمن بالله وقد علم ان الله اراد ان لا يؤمن ابو لهب كما قال تعالى {أية : سيصلى نارا ذات لهب} تفسير : لان ذلك الذى يتعلق بعذاب ابى لهب انما هو من المشيئة والارادة فلا يجب على النبى اظهاره ولا الاخبار عنه {وتخشى الناس} تخاف لومهم وتعييرهم اياك به: يعنى [مى ترسى از سرزنش مردم كه كويند زن بسررا بخواست]. وفى التأويلات النجمية اى تخشى عليهم ان يقعوا فى الفتنة بان يخطر ببالهم نوع انكار او اعتراض عليه او شك فى نبوته بان النبى من تنزه عن مثل هذا الميل وتتبع الهوى فيخرجهم من الايمان الى الكفر فكانت تلك الخشية اشفاقا منه عليهم ورحمة بهم انهم لا يطيقون سماع هذه الحالة ولا يقدرون على تحملها {والله احق ان تخشيه} وان كان فيه ما يخشى. قال الكاشفى [مقرراست كه حضرت رسالت عليه السلام ترسكار ترين خلق بوده زيرا كه خوف وخشيت نتيجه علمست {أية : انما يخشى الله من عباده العلماء} تفسير : بس بحكم (انا اعلمكم بالله واخشاكم ازهمه عالميان اخشى بود ودر حديث آمده (الخوف رفيقى)] شعر : خوف وخشيت نتيجه علمست هر كرا علم بيش خشيت بيش هركرا خوف شد رفيق رهش باشد از جمله رهروان دربيش تفسير : وفى كشف الاسرار انما عوتب عليه السلام على اخفاء ما اعلمه الله انها ستكون زوجة له قالت عائشة رضى الله عنها لو كتم النبى عليه السلام شيئا من الوحى لكتم هذه الآية اذ تقول الخ وما نزل على رسول الله آية هى اشد عليه من هذه الآية. وفى التأويلات يشير الى ان رعاية جانب الحق احق من رعاية جانب الخلق لان لله تعالى فى ابداء هذا الامر واجراء هذا القضاء حكما كثيرة فاقصى ما يكون فى رعاية جانب الخلق ان لا يضل به بعض الضعفاء فلعل الحكمة فى اجراء هذه الحكم فتنة لبعض الناس المستحقين الضلالة والانكار ليهلك من هلك عن بينة ويحى من حىّ عن بينه وهذا كما قال {أية : وما جعلنا الرؤيا التى اريناك الا فتنة للناس} تفسير : فالواجب على النبى اذا عرض له امران فى احدهما رعاية جانب الحق وفى الآخر رعاية جانب الخلق ان يختار رعاية جانب الحق على الخلق فان للحق تعالى فى اجراء حكم من احكامه واصفاء امر من اوامره حكما كثيرة كما قال تعالى فى اجراء تزويج النبى عليه السلام بزينب قوله {لكيلا يكون على المؤمنين} {فلما قضى زيد منها} اى من زوجه وهى زينب {وطرا}. قال فى القاموس الوطر محركة الحاجة او حاجة لك فيها همّ وعناية فاذا بلغتها فقد قضيت وطرك. وفى الوسيط معنى قضاء الوطر فى اللغة بلوغ منتهى ما فى النفس من الشئ يقال قضى منها وطرا اذا بلغ ما اراد من حاجة فيها ثم صار عبارة عن الطلاق لان الرجل انما يطلق امرأته اذا لم يبق له فيها حاجة والمعنى فلما لم يبق لزيد فيها حاجة وتقاصرت عنها همته وطلقها وانقضت عدتها. وفى التأويلات اما وطر زيد منها فى الصورة استيفاء حظه منها بالنكاح ووطره منها فى المعنى شهرته بين الخلق الى قيام الساعة بان الله تعالى ذكره فى القرآن باسمه دون جميع الصحابة وبانه اثر النبى عليه السلام على نفسه بايثار زينب. وفى الاسئلة المقحمة كيف طلق زيد زوجته بعد ان امر الله ورسوله بامساكه اياها والجواب ما هذا اللوجوب واللزوم وانما هو امر للاستحباب {زوجناكها} هلال ذى القعدة سنة اربع من الهجرة على الصحيح وهى بنت خمس وثلاثين سنة والمراد الامر بتزوجها او جعلها زوجته بلا واسطة عقد ويؤيده ما روى انس رضى الله عنه انها كانت تفخر على سائر ازواج النبى عليه السلام وتقول زوجكن اهاليكن وزوجنى الله من فوق سبع سموات: يعنى [سيد عالم از نزول آيت بخانه زينب آمدبى دستورى وزينب كفت يا رسول الله بى خطبه وبى كواه حضرت فرموده كه] (الله المزوج وجبريل الشاهد) وهو من خصائصه عليه السلام واجاز الامام محمد انعقاد النكاح بغير شهود خلافا لهما قاس الامام محمد ذلك بالبيع فان النكاح بيع البضع والثمن المهر فكما ان نفس العقد فى البيع لا يحتاج الى الشهود فكذا فى باب النكاح ونظر الامامان الى المآل فانه اذا لم يكن عند الشهود بدون الاعلان فقد يحمل على الزنى فالنبى عليه السلام شرط ذلك حفظا عن الفسخ وصونا للمؤمنين عن شبهة الزنى حديث : ـ وروى ـ انها لما اعتدت قال رسول الله لزيد "ما اجد احدا اوثق فى نفسى منك اخطب علىّ زينب" قال زيد فانطلقت فاذا هى تخمر عجينها فقلت يا زينب ابشرى فان رسول الله يخطبك ففرحت وقالت ما انا بصانعة شيئا حتى اومر من ربى فقامت الى مسجدها ونزل القرآن زوجناكها فتزوجها رسول الله ودخل بها وما اولم على امرأة من نسائه ما اولم عليها ذبح شاة واطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار تفسير : وجعل زيد سفيرا فى خطبتها ابتلاء عظيم له وشاهد بين على قوة ايمانه ورسوخه فيه شعر : اعتقاد من جو بيخ سرو دارد محكمى بيش باشد ازهواى عشق وسود انه كمى تفسير : {لكيلا يكون على المؤمنين حرج} اى ضيق ومشقة. قال فى المفردات اصل الحرج مجتمع الشجر وتصور منه ضيق بينها فقيل للضيق حرج وللاثم حرج واللام فى لكى هى لام كى دخلت على كى للتوكيد. وقال بعضهم اللام جارة لتعليل التزويج وكى حرف مصدرى كأن {فى ازواج ادعيائهم} فى حق تزوج زوجات الذين دعوهم ابناء والادعياء جمع دعىّ وهو الذى يدعى ابنا من غير ولادة {اذا قضوا منهن وطرا} اى اذا لم يبق لهم فيهن حاجة وطلقوهن وانقضت عدتهن فان لهم فى رسول الله اسوة حسنة. وفيه دليل على ان حكمه عليه السلام وحكم الامة سواء الا ما خصه الدليل. قال الحسن كانت العرب تظن ان حرمة المتبنى كحرمة الابن فبين الله ان حلائل الادعياء غير محرمة على المتبنى وان اصابوهن اى وطئوهن بخلاف ابن الصلب فان امرأته تحرم بنفس العقد {وكان امر الله} اى ما يريد تكوينه من الامور {مفعولا} مكوّنا لا محالة لا يمكن دفعه ولو كان نبيا كما كان تزويج زينب وكانت كالعارية عند زيد. ولذا قال حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره فى اعتقادنا ان زينب بكر كعائشة رضى الله عنها لان زيدا كان يعرف انها حق النبى عليه السلام فلم يمسها وذلك مثل آسية وزليخا ولكن عرفان عائشة لا يوصف ويكفينا ان ميلة عليه السلام اليها كان اكثر من غيرها ولم تلد ايضا لانها فوق جميع التعينات وكانت عائشة رضى الله عنها تقول فى حق زينب هى التى كانت تساوينى فى المنزلة عند رسول الله ما رأيت امرأة قط خيرا فى الدين واتقى لله واصدق فى حديث واوصل للرحم واعظم صدقة من زينب [وازبس درويش نواز ومهما ندار وبخشنده بود اورام ام المساكين ميكفتند واول زنى كه بعد ازرسول خدا ازدنيا بيرون شد زينب بود] ماتت بالمدينة سنة عشرين وصلى عليها عمر بن الخطاب رضى الله عنه ودفنت بالبقيع ولها من العمر ثلاث وخمسون سنة وابدل الله منها لزيد جارية فى الجنة كما قال عليه السلام "حديث : استقبلتنى جارية لعساء وقد اعجبتنى فقلت لها يا جارية انت لمن قالت لزيد بن حارثة" تفسير : قوله استقبلتنى اى خرجت من الجنة واستقبلته عليه السلام بعد مجاوزة السماء السابعة ليلة المعراج. واللعس لون الشفة اذا كانت تضرب الى السواد قليلا وذلك مستملح قاله فى الصحاح. وابدى السهيلى حكمة لذكر زيد باسمه فى القرآن وهى انه لما نزل قوله تعالى {ادعوهم لآبائهم} وصار يقال له زيد بن حارثة ولا يقال له زيد بن محمد ونزع عنه هذا التشريف وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بذكر اسمه فى القرآن دون غيره من الصحابة فصار اسمه يتلى فى المحاريب. وزاد فى الاية ان قال واذ تقول للذى انعم الله عليه اى بالايمان فدل على انه من اهل الجنة علم بذلك قبل ان يموت وهذه فضيلة اخرى. ثم ان هذا الايثار الذى نقل عن زيد انما يتحقق به السالك القوى الاعتقاد الثابت فى طريق الرشاد فانظر الى حال الاصحاب يفتح الله لك الحجاب ـ روى ـ انه عليه السلام آخى بعد الهجرة بين عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين وبين سعد بن الربيع من الانصار وعند ذلك قال سعد لعبد الرحمن يا عبد الرحمن انى من اكثر الانصار مالا فانا مقاسمك وعندى امرأتان فانا مطلق احداهما فاذا انقضت عدتها فتزوجها فقال له بارك الله لك فى اهلك ومالك كما فى انسان العيون ثم دار الزمان فصار كل امر معكوسا فرحم الله امرأ نصب نفسه لرفع البدع والهوى وجانب جر الذيل الى جانب الردى
الأعقم
تفسير : {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} الآية نزلت في زيد بن حارثة وامرأته زينب بنت جحش مكثت عنده أياماً ثم أراد فراقها فقال له الرسول (عليه السلام): "اتق الله وأمسك عليك زوجك" فأبى وقال: تؤذيني بلسانها، فطلقها فخطبها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتزوجها، وقيل: أن رسول الله أبصرها بعدما أنكحها زيداً فوقعت في نفسه فقال: "سبحان مقلب القلوب" وذلك أن نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا يريدها ولو أرادها لخطبها، وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لرسول الله: إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: "ما لك أرأيت منها شيئاً" فقال: لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني، فقال له: "امسك عليك زوجك واتق الله" ثم طلقها، فلما اعتدت قال له رسول الله: "ما أحد أوثق مني بنفسي منك أخطب علي زينب" قال زيد: فانطلقت فإذا تخمر عجينتها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أنظر إليها حين علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكرها، فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري ان رسول الله يخطبك، ففرحت وفات إلى مسجدها {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} بالعتق {امسك عليك زوجك} يعني زينب {واتق الله} في مضارتها فلا تضارها يا زيد {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} أي مظهره، قيل: أخفى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نفسه ان طلقها زيد أنه يتزوجها لأنها ابنة عمته وأحب ضمّها إلى عنده بعد فراق زيد لئلا يصيبها ضيعة وخشي إظهار ذلك خشية القالة {والله أحق أن تخشاه} أي تخافه {فلما قضى زيد منها وطراً} أي قضى حاجته من نكاحها {زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج} أي ضيق {في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنَّ وطراً} بالنكاح {وكان أمر الله مفعولا} في تزويج الله من رسول الله {ما كان على النبي من حرج} إثم وضيق {فيما فرض الله له} في أمره وأباح له من تزويج زينب {سنة الله} أي طريقة وشريعته {في الذين خلوا من قبل} أراد سنته في الأنبياء أنه كلفهم الإبلاغ والصبر على الشدائد، وقيل: سنة الله في تحليل نكاح الادعاء، وقيل: النكاح من سنة الأنبياء، وقيل: كثرة الأزواج كما فعله داوود وسليمان، فكان لداوود مائة امرأة ولسليمان ثلاثمائة امرأة وسبع مائة سريَّة {وكان أمر الله قدراً مقدوراً} أي أمراً جارياً على وجه الحكمة والصواب، ثم وصف الأنبياء فقال: {الذين يبلغون رسالات الله} الى أممهم {ويخشونه} أي يخافون عقابه {ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً} وهذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين {ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم} قيل: رجال ذلك الوقت ولم يكن أحدٌ من أبنائه، وقيل: أراد برجالكم زيداً، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا الطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم، وقد أخرجوا من حكم النفي بقوله من رجالكم من وجهين: أحدهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، والثاني أنه قد أضاف الرجال اليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم، قال جار الله: فإن قلتَ: أما كان أباً للحسن والحسين؟ قلتُ: بلى ولكنهما لم يكونا رجلين حينئذٍ وهما أيضاً من رجاله لا من رجالهم {وخاتم النبيين} فلا نبي بعده {وكان الله بكل شيء عليماً}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} يعني زيداً {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ} قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ} أي: مظهره {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يطلّقها زيد من غير أن يأمره بطلاقها، فيتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيداً فأبصر قائمة فأعجبته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله مقلِّب القلوب. فرأى زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هَوِيَها، فقال: يا رسول الله، ائذن لِي في طلاقها، فإن فيها كبراً، وإنها لتؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتَّق الله وأمسك عليك زوجك. فأمسكها زيد ما شاء الله، ثم طلّقها. فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحَها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من السماء، فقال: {وَإِذْ تَقُولُ لِّلذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ...} إلى قوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا}. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك زيداً فقال: ائتِ زينبَ وأخبرها أن الله زوَجنيها. فانطلق زيد فاستفتح الباب، فقيل: من هذا؟ قال: زيد. فقالت: وما حاجة زيد إليّ وقد طلّقني. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني. فقالت: مرحباً برسول رسول الله، ففُتِح له، فدخل عليها وهي تبكي. فقال زيد: لا تبكي، لا يُبك الله عينيك، قد كنتِ نعمت المرأة، أو قال: نعمت الزوجة، إن كنت لَتَبَرِّينَ قَسَمي، وتطيعين أمري، وتبتغين مسرّتي، فقد أبدلكِ الله خيراً منّي. فقالت: من؟ لا أبالك. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرّت ساجدةً . تفسير : قوله: {وَتَخْشَى النَّاسَ} أي: وتخشى عيب الناس، أي: يعيبوا ما صنعت. قوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} والوطر: الحاجة {زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} أي: إثم {فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً}. فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، زعمت أن حليلة الابن لا تحلّ للأب، وقد تزوّجت حليلة ابنك زيد. فقال الله: {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} أي: إثم، في أزواج أدعيائهم، أي: إن زيداً كان دعياً، ولم يكن بابن محمد. قال الله: (أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ) تفسير : [الأحزاب: 40]. قال: {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً}.
اطفيش
تفسير : {وإذ تقول} اي واذكر اذ تقول. {للذي أنعم الله عليه} بالاسلام وتوفيقك لعتقه واختصاصه بالتبني وتوفيقك لان خطبت له المرأة الجميلة وزوجتها له. {وأنعمت عليه} بما وفقتك اليه وهو زيد بن حارثة. {أمسك عليك} عمل الواحد وهو امسك في ضميرين لواحد وهما الضمير المستتر والكاف لان الكاف توصل اليه ذلك العامل بعلى أو لتقدير مضاف اي على نفسك. {زوجك} زينب او ام كلثوم على ما مر وذلك حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوجها من زيد ومكثت عنده حينا اتى زيدا يوما لحاجة فأبصرها في درع وخمار وهي بيضاء جميلة من اتم نساء قريش فوقعت في نفسه واعجبه حسنها فقال: "سبحان الله مقلب القلوب القى الله سبحانه في قلبه حبها بعد ان كان لا يحبها" فلما جاء زيد ذكرت له ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ففطن لذلك والقى الله كراهتها في قلبه في الوقت فذهب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اني اريد ان افارق صاحبتي فقال له "مالك ارابك منها شيء" قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها الا خيرا ولكنها تتعظم علي بشرفها وتؤذيني بلسانها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمسك عليك زوجك" . تفسير : {واتق الله} فيها ولا تفارقها اولا تنسبها الى التعظيم بشرفها والاذاء بلسانها فانها مؤمنة لا يليق بها ذلك. وقال الكلبي:حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى زيدا زائرا فأبصرها قائمة فأعجبته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله مقلب القلوب" فرأى زيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مر بها وقال: يا رسول الله ائذن لي في طلاقها فان فيها كبر وانها لتؤذيني بلسانها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "امسك عليك زوجك واتق الله في أمر طلاقها فلا تطلقها ضرارا او تعللا بتكبرها" فأمسكها ما شاء الله ثم طلقها فلما انقضت عدتها انزل الله نكاح رسول الله سبحانه اياها {واذ تقول للذي أنعم الله عليه} الى قوله {فلما قضى زيد منها وطرا} . تفسير : وان قلت: كيف رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اعجبته؟ قلت: هي رؤية فجأة لم يتعمدها لسوء حاشاه وبتلك الرؤية الفجائية حصل في قلبه استحسانها واعجبته او رأى وجهها لا لشهوة بل كانت النساء لا تحتجبين منه فحصل له ذلك. وروي عن علي بن الحسن: ان الله سبحانه وتعالى اوحى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان زيدا يطلق زينب واني ازوجكها فلما يشكي زيد للنبي صلى الله عليه وسلم خلق زينب وانها لا تطيعه واعلمه انه يريد طلاقها قال له النبي صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية "اتق الله في قولك وامسك عليك زوجك" وهو يعلم انه سيفارقها ولم يرد ان يأمره بالطلاق لعلمه انه سيتزوجها وأمره قيل: بإمساكها قمعا للشهوة وردا للنفس عما تهوى ووجهه مع علمه انه سيتزوجها ان الله لم يأمره بتزوجه في ذلك الوقت فجاز له التأخير للقمع والرد المذكورين. وقيل أمره بإمساكها لصعوبة تزوجها لها اذ فيه قول الناس انه تزوج امرأة ابنة بل قد يكذبون ويقولون امره بطلاقها فلما طلقها تزوجها فما كان تزوجه لها كالشيء الذي تعلم انه حلال لك وانك لا بد فاعله لكنك تؤخره لصعوبة حاله ومع امره بالامساك قد كان في قلبه حب طلاق زيد لها وحب تزوجها كما قال. {وتخفي في نفسك} أي تضمر. {ما الله مبديه} مظهره من قضاء الله بتزوجك لها ومن حبك لها وحب طلاق زيد لها والواو للعطف على تقول او للحال على تقدير المبتدأ وقد اجيز كونها للحال ولو بلا تقدير مع انها داخلة على مضارع مثبت. {وتخشى الناس} تستحيهم ان يقولوا تزوج امرأة ابنه او امره بطلاقها فتزوجها مع انه صلى الله عليه وسلم لم يأمره. {والله أحق أن تخشاه} ان كان فيهما تخشى وان لم تكن فيه ما تخشى الله فيه فكيف تخشى الناس. وعن عائشة رضي الله عنها: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الوحي لكتم هذه الآية. وقالت هي وعمرو وابن مسعود رضي الله عنهم: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أشد من هذه ولم يعاتب الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم على الاخفاء وحده بل على الاخفاء مخافة من الناس وعلى اظهار ما ينافي ضماره فان مضمره حبها وحب تزوجها وطلاق زيد ومظهره امر زيد بامساكها. وان قلت فما إذاً ينبغي ان يقوله لزيد اذ قال له اريد طلاقها لتعظمها واذائها؟ قلت: الأولى أن يصمت أو يفوض الأمر الى زيد فاذا لم يفعل ذلك عاتبه الله اذ خالف ظاهر لفظه علانيته فان الله سبحانه يريد من الانبياء تساوي الظاهر والباطن والتصلب في الأمر والاستمرار على طريقه كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما ينبغي لنبي أَن تكون له خائنة الأعين" تفسير : وفي رواية "حديث : إِن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تومض ظاهرهم وباطنهم واحد" تفسير : وذلك حين اراد قتل عبدالله بن ابي سرح واعترض عثمان بشفاعته فلما ذهب قال "هلا قام احدكم فقتله" فقال عمر: هل رمزت الينا لقد كان عيني الى عينك هل تشير الي فاقتله؟ فقال له صلى الله عليه وسلم ما ذكر ويجوز ذلك لغيره صلى الله عليه وسلم ذكره في المواهب اعني الاشارة لمباح كقتل من حل قتله. ولما كان اظهار النبي صلى الله عليه وسلم ما في قلبه من جهة تلك المرأة جائزا لا ذنب فيه كان الأولى ان يظهره او لا ينطق بما يدل على خلافه ولا سيما ان اظهاره سلم الى حصول امر ديني يترتب عليه وهو النص على تحليل زوجة المتبني للمتبني فكيف يستحي من امر ان يجر امرا دينيا وهو ان الله جعل طلاق زيد وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ازالة لحرمة زوجة المتبنى مع ان تناول المباح بطريق شرعي لا عيب فيه ولا قبح وهو تزوجه صلى الله عليه وسلم بها من غير استنزال زيد عنها وهو أقرب اليه من زر قميصه مع قوة علمه بأن زيدا متجاف عنها قلبه ولو لم يكن متجافيا فانه لا يستنكر ان يطلق الرجل امرأته ليتزوجها صديقه كما فعلت الأنصار للمهاجرين وليس قوله سبحانه {والله أحق أن تخشاه} يقتضي انه صلى الله عليه وسلم لم يكن خاشيا لله عز وجل فقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أخشاكم لله وأتقاكم له ". تفسير : {فلما قضى زيد منها وطرا} حاجة ولم يبق فيها ارب وطابت عنها نفسه فطلقها وانما عبر بقضاء الوطر ليعلم ان زوجة المتبني تحل لمتبنيه ولو بعد دخوله بها وقيل قضاء الوطر كنيابة عن الطلاق فكأنه قيل ولما طلقها ولما قال لها لا حاجة لي فيك وأراد الطلاق. {زوجناكها} وقرىء {زوجتكها} وهي قراءة أهل البيت. قيل لجعفر بن محمد: اليس تقري على غيرك؟ فقال: لا والذي لا اله الا هو ما قرأته على ابي الا كذلك ولا قرأها علي بن أبي طالب الا كذلك على النبي صلى الله عليه وسلم زوجه الله عز وجل اياها بلا عقد ولي ولا شهود وذلك من خصوصيته لأن الأمر لله وقد فعل له ذلك فكانت تقول لسائر نسائه: ان الله سبحانه وتعالى تولى نكاحي وانتن زوجكن اولياءكن. وروى انها لما انقضت عدتها قال صلى الله عليه وسلم لزيد: ما اجد اوثق في نفسي منك اخطب علي زينب. قال زيد: فانطلقت فاذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى لا استطيع ان انظر اليها حين علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري وقلت لها: يا زينب ابشري فان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبك ففرحت وقالت ما انا بصانعه شيئا حتى أوامر ربي فقامت الى مسجدها ونزل القرآن ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا اذن وذلك ابتلاء عظيم وشاهد بيّن على قوة ايمانه. وروي انها قالت: لي ثلاث لم تكن لواحدة من نسائك جدي وجدك واحد وانكحنيك الله في السماء والسفير جبريل وما أولم على واحدة من نسائه ما أولم عليها ذبح شاة واطعم الناس الخبز واللحم حتى اشتد النهار وتركوه ولما اكل الناس الى نصف النهار وخرجوا قال انس: بقي اناس يتحدثون بعد الطعام - وفي رواية - بقي ثلاثة رجال فخرج صلى الله عليه وسلم وكان يتهيأ للقيام فلا يقومون فخرج لذلك واتبعته وجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت اهلك فانطلق ليدخل فاذا القوم جلوس فخرجوا فأخبرته فجاء فدخل البيت وذهبت لأدخل معه فالقى الستر بيني وبينه. وروي انه لما نزل {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} الى {زوجناك} دعا زيد فقرأ عليه ذلك وقال: اخبرها فانطلق الى زينب فاستفتح الباب فقالت: من هذا؟ قال: زيد. قالت: وما حاجة زيد لي وقد طلقني؟ فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ارسلني. فقالت: مرحبا برسول رسول الله ففتح له فدخل عليها وهي تبكي فقال زيد: لا تبكي لا ابكى الله عينك قد كنت نعمت المرأة - أو قال - نعمت الزوجة ان كنت لتبرين قسمي وتطيعين امري وتبتغين مسرتي وقد ابدلك الله خيرا مني. فقالت: من لا ابا لك؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرت ساجدة. وكان تزوجه بها صلى الله عليه وسلم سنة خمس وقيل ثلاث وهي اول من مات من ازواجه بعده. قالت عائشة: لم تكن امرأة خيرا منها في الدين وأتقى لله وأصدق حديثا واوصل للرحم واعظم صدقة واشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي يتصدق به ويتقرب به الى الله وماتت بالمدينة سنة عشرين وقيل احدى وعشرين ولها ثلاث وخمسون سنة وصلى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي اول من جعل على جنازتها نعش واما زيد فمات في غزوة مؤته ومات ابنه اسامة الذي ولده من مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ام ايمن واسمها بركة زوجها له حين اعتقه بالمدينة وقيل بوادي القرى سنة اربع وخمسين. {لكيلا يكون} متعلق بزوجناكها. {على المؤمنين حرج} اثم وتضييق. {في أزواج أدعيائهم} جمع دعي. {إذا قضوا} أي الأدعياء. {منهن وطرا} وانما الحرج في زوجة الابن الحقيقي فانها لا تحل للاب. {وكان أمر الله} ما يريده من تزويجك بها ونفي الحرج في ازواج الادعياء وغير ذلك. {مفعولا} لا محالة قال جار الله ويجوز ان يراد بأمر الله المكون لانه مفعول يكن وهو امر وفي ذلك كله رد على المشركين اذ قالوا يا محمد زعمت ان حليلة الابن لا تحل للاب وقد تزوجت حليلة ابنك.
اطفيش
تفسير : {وإذْ تقُولُ} اذكر اذ تقول {للَّذي أنْعَم الله عَليه} بالاسلام زيد بن حارثة {وأنْعَمت عليْه} بالاعتاق وحسن التربية، والتبنى والتعليم، رضى الله عنه، وذكره بهذه الاوصاف لبيان منافاة حاله، لإظهاره صلى الله عليه وسلم خلاف ما اضمر، لكن على وجه جائز، وذلك أنه لإنعامه على زيد لا يستحى من تزوج زوجه زينب، ولا سيما وقد كرهها زيد بعد تزوجه بها للسانها، او كرهها ليتمتع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس فى غيظ منه، اذ تزوج زوج متبناه. {أمْسِك عَليْك زَوْجَك} عداه بعلى لتضمن معنى احبس، اى احبس على نفسك، وهذا مما عمل فيه عامل فى ضميرين لمسمى واحد، وهو جائز فى كل فعل، لان احدهما بحرف جر وهو كثير فى القرآن لكون احدهما بحرف جر، وغلط من قال بخلاف ذلك، وتأول زوجه زينب بنت جحش تستعلى عليه بنسبها، وتضره بلسانها، فقال: يا رسول الله اشتد علىَّ لسان زينب، واستعلائها علىّ بشرفها، وأردت طلاقها، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمسك عليك زوجك" تفسير : {واتق الله} فى حقها، واصبر لها {وتُخْفي في نفْسِك ما الله مُبديه} مظهره، والعطف على تقول، والذى يخفيه والله يبديه، انه اوحى الله تعالى اليه ان زيداً سيطلقها وتتزوجها. وقال قتادة: انه صلى الله عليه وسلم يخفى ارادة طلاقها، وقيل: ارادة نكاحها، وقيل: اخفى نكاحها لو طلقها زيد، وحبه مجرد خطور بباله صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك رغبة فى زهرة الدنيا، بل من الامر الذى طبع عليه البشر، ولا سيما ان ذلك بعد العلم بان زيدا يريد فراقها، وقيل: أتى صلى الله عليه وسلم بيتها فرآها تسحق طيباً بفهر، فقال: "حديث : سبحان الله خالق النور تبارك الله احسن الخالقين" تفسير : وقيل: اتى زيدا لحاجة، فأبصر زينب فى درع وخمار، وكانت بيضاء جميلة، ذات خلق من أتم نساء قريش، فاعجبته، فقال: "حديث : سبحان الله مقلب القلوب"تفسير : وسمعته فأخبرت زيدا حين جاء، ولا بأس بنظر الفجأة، وقيل: جاء الى زيد فلم يجده فى بيته، فعرضت عليه الدخول فلم يدخل، وسمعته يقول: "حديث : سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب"تفسير : فأخبرته بما قال صلى الله عليه وسلم، فجاءه فقال: هلا دخلت يا رسول الله، لعلها اعجبتك فأطلقها لتتزوجها، فقال "حديث : أمسك" تفسير : وقال لها: أطلقك ليتزوجك؟ فقالت اخشى ان تطلقنى ولا يتزوجنى، وانكر العلماء القولين جداً ولا ارى فيهما بأسا، لان ذلك بأمر الله تعالى ولان الانصار يطلقون بعض نسائهم ليتزوجهن المهاجرون، ويجوز الان مثل ما فعلوا، وانما المحرم ان يطلب الرجل ذات زوج فترضى. {وتَخْشى النَّاس} مطلقا المنافقين وغيرهم لأكل فرد خاف ان يقولوا تزوج امرأة ابنه، او يقولوا امره بطلاقها ليزوجها، عاتبه الله على قوله: {أمسك} الخ مع علمه بقوله تعالى: ستكون من ازواجك، فكان الاولى ان يسكت، او يقول له: نعم ان شئت فطلقها، وكان الواجب المبادرة عند بعض، والامر كذلك على الوجه الجائز، ولا سيما ان لم يبادر بعد طلاقها وعدتها، ففيه عتاب، اذ اراد الله ان يتزوجها لينسخ تحريم زوج المتبنى بناء على انه قد كان تزوجها حراما، وقيل: لم يكن حراما، والعطف على تقول {والله} وحده {أحق أن تخشاه} حال من ضمير تخشى، قال عمرو بن مسعود، وعائشة: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتم شيئاً من الوحى لكتم هذه الآية، وكانت النساء لا يحتجبن، ولم يزل صلى الله عليه وسلم يراها لا رؤية تشه. {فلمَّا قَضَى زيدٌ منْها وطراً} حاجة مهمة، وهى ما قضى من صحبتها وجماعها، ولم يبق له ميل اليها، وفى الكلام حذف هكذا: وطراً وطلقها، واعتدت وقيل: قضاء الوطر التطايق، وكان التطليق حاجة قصدها واحبها لشدة لسانها، فيقدر، واعتدت بعد قوله: {زوجناكها} اى زوجناكها بعد العدة، وقد قيل: بعد مرور النبى بها لم يستطع زيد من نفسه سبيلاً اليها، وقالت: ما كنت امتنع منه، ولكن الله منعنى منه، وروى انه لم يتمكن من الاستمتاع منها ويريد القرب، فيتعطل من نفسه. {زوّجناكها} من عندنا بلا ولى ولا شهود ولا عقد ولا صداق، وكانت تفتخر على سائر ازواجه صلى الله عليه وسلم بأنكن زوجكن أولياؤكن، وأنا زوجنى ربى، وان جدى وجده واحد، والسفير جبريل بين الله عز وجل وبينه صلى الله عليه وسلم، وأما من الناس فقيل: لما انقضت عدتها امر أنساً ان يذكره عندها انه صلى الله عليه وسلم يذكرك، فقالت: أو أمر فقامت لمسجدها، ونزل القرآن فدخل عليها بلا اذن وهى منكشفة الرأس فقالت: هذا من الله بلا خطبة ولا شهادة، فقال: (الله تعالى المزوج وجبريل الشاهد) وهذا نفس ما تقدم، فانه ارسل أنساً تمهيداً لتزويج الله الموحى اليه بالوعد، وبعد ارساله أنساً انجز الله الوعد، وذلك هو الصحيح، وقيل: معنى زوجناك بمعنى أمرناك بتزوجها، فتزوجها بلا ولى ولا شهود ولا صداق. وقيل: لما انقضت عدتها امر زوجها زيداً ان يقول لها قد ذكرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ففعل، وما كاد ينظر اليها اجلالاً له صلى الله عليه وسلم اذ خطبها، ولما قال لها ذلك قالت: او امر ربى على حد ما مر آنفا، ولما تزوجها أولم بشاة وخبز واكل الناس وافضلوا. {لكيْلا يَكُون على المُؤمنين حرجٌ} ضيق بتحريم زوج المتبنى، او إثم او كلاهما بناء على جواز استعمال الكلمة فى معنييها مطلقا او فى السلب والبسط فى اصول الفقه {في أزْوَاج} فى تزوج أزواج {أدْعيائهم إذا قَضَوا منهنَّ وطراً} تمت حاجتهم منهن وطلقوهن، او قضاء الوطر الطلاق {وكان أمْر الله} ما أراده عن وقوع او عدم {مفْعولا} لا محالة.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ تَقُولُ } خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم أي اذكر وقت قولك {لِلَّذِى أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ } بتوفيقه للإسلام وتوفيقك لحسن تربيته وعتقه ومراعاته وتخصيصه بالنبـي ومزيد القرب {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } بالعمل بما وفقك الله تعالى له من فنون الإحسان التي من جملتها تحريره وهو زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه، وإيراده بالعنوان المذكور كما قال شيخ الإسلام: «لبيان منافاة حاله لما / صدر عنه عليه الصلاة والسلام من إظهار خلاف ما في ضميره الشريف إذ هو إنما يقع عند الاستحياء أو الاحتشام وكلاهما مما لا يتصور في حق زيد رضي الله تعالى عنه» وجوز أن يكون بياناً لحكمة إخفائه صلى الله عليه وسلم ما أخفاه لأن مثل ذلك مع مثله مما يطعن به الناس كما قيل:شعر : وأظلم خلق الله من بات حاسداً لمن كان في نعمائه يتقلب تفسير : {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} أي زينب بنت جحش وذلك أنها كانت ذا حدة ولا زالت تفخر على زيد بشرفها ويسمع منها ما يكره فجاء رضي الله تعالى عنه يوماً إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن زينب قد اشتد عليَّ لسانها وأنا أريد أن أطلقها فقال له عليه الصلاة والسلام: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } {وَٱتَّقِ ٱللَّهَ } في أمرها ولا تطلقها ضراراً وتعللا بتكبرها واشتداد لسانها عليك، وتعدية {أَمْسِكْ } بعلى لتضمينه معنى الحبس. {وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ } عطف على {تَقُولَ } وجوزت الحالية بتقدير وأنت تخفى أو بدونه كما هو ظاهر كلام الزمخشري في مواضع من «كشافه»، والمراد بالموصول على ما أخرج الحكيم الترمذي وغيره عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما ما أوحى الله تعالى به إليه أن زينب سيطلقها زيد ويتزوجها بعد عليه الصلاة والسلام وإلى هذا ذهب أهل التحقيق من المفسرين كالزهري وبكر بن العلاء والقشيري والقاضي أبـي بكر بن العربـي وغيرهم. {وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ } تخاف من اعتراضهم وقيل: أي تستحي من قولهم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم تزوج زوجة ابنه، والمراد بالناس الجنس والمنافقون وهذا عطف على ما تقدم أو حال. وقوله: {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَٰهُ} في موضع الحال لا غير، والمعنى والله تعالى وحده أحق أن تخشاه في كل أمر فتفعل ما أباحه سبحانه لك وأذن لك فيه، والعتاب عند من سمعت على قوله عليه الصلاة والسلام ذلك مع {أَمْسِكْ } مع علمه بأنه سيطلقها ويتزوجها هو صلى الله عليه وسلم بعده وهو عتاب على ترك الأولى. وكان الأولى في مثل ذلك أن يصمت عليه الصلاة والسلام أو يفوض الأمر إلى رأي زيد رضي الله تعالى عنه. وأخرج جماعة عن قتادة أنه صلى الله عليه وسلم كان يخفي إرادة طلاقها ويخشى قالة الناس إن أمره بطلاقها وأنه عليه الصلاة والسلام قال له: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ } وهو يحب طلاقها، والعتاب عليه على إظهار ما ينافي الإضمار، وقد رد ذلك القاضي عياض في «الشفاء» وقال: لا تَسْتَرِب في تنزيه النبـي صلى الله عليه وسلم عن هذا الظاهر وأنه يأمر زيداً بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها كما ذكره جماعة من المفسرين إلى آخر ما قال. وذكر بعضهم أن إرادته صلى الله عليه وسلم طلاقها وحبه إياه كان مجرد خطوره بباله الشريف بعد العلم بأنه يريد مفارقتها، وليس هناك حسد منه عليه الصلاة والسلام وحاشاه له عليها فلا محذور، والأسلم ما ذكرناه عن زيد العابدين رضي الله تعالى عنه والجمهور، وحاصل العتاب لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه مبدي ما أخفاه عليه الصلاة والسلام ولم يظهر غير تزويجها منه فقال سبحانه: {زَوَّجْنَـٰكَهَا } فلو كان المضمر محبتها وإرادة طلاقها ونحو ذلك لأظهره جل وعلا. وللقصاص في هذه القصة كلام لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول. منه ما أخرجه ابن سعد والحاكم عن محمد بن يحيـى بن حبان أنه صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت زيد فلم يجده وعرضت / زينب عليه دخول البيت فأبى أن يدخل وانصرف راجعاً يتكلم بكلام لم تفهم منه سوى سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب فجاء زيد فأخبرته بما كان فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: بلغني يا رسول الله أنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها فقال عليه الصلاة والسلام: أمسك عليك زوجك واتق الله فما استطاع زيد إليها سبيلاً بعد ففارقها؛ وفي «تفسير علي بن إبراهيم» [الحوفي] أنه صلى الله عليه وسلم أتى بيت زيد فرأى زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيباً بفهر لها فلما نظر إليها قال: سبحان خالق النور تبارك الله أحسن الخالقين فرجع فجاء زيد فأخبرته الخبر فقال لها: لعلك وقعت في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل لك أن أطلقك حتى يتزوجك رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أريد أن أطلق زينب فأجابه بما قص الله تعالى إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع. وفي «شرح المواقف» أن هذه القصة مما يجب صيانة النبـي صلى الله عليه وسلم عن مثله فإن صحت فميل القلب غير مقدور مع ما فيه من الابتلاء لهما، والظاهر أن الله تعالى لما أراد نسخ تحريم زوجة المتبنى أوحى إليه عليه الصلاة والسلام أن يتزوج زينب إذا طلقها زيد فلم يبادر له صلى الله عليه وسلم مخافة طعن الأعداء فعوتب عليه، وهو توجيه وجيه قاله الخفاجي عليه الرحمة ثم قال: إن القصة شبيهة بقصة داود عليه السلام لا سيما وقد كان النزول عن الزوجة في صدر الهجرة جارياً بينهم من غير حرج فيه انتهى، وأبعد بعضهم فزعم أن {وَتُخْفِي} الخ خطاب كسابقه من الله عز وجل أو من أن النبـي صلى الله عليه وسلم لزيد فإنه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة عنها لما وقع في قلبه أن النبـي صلى الله عليه وسلم يود أن تكون من نسائه. هذا وفي قوله تعالى: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } وصول الفعل الرافع الضمير المتصل إلى الضمير المجرور وهما لشخص واحد فهو كقوله: شعر : هون عليك ودع عنك نهياً صيح في حجراتهتفسير : وذكروا في مثل هذا التركيب أن على وعن اسمان ولا يجوز أن يكونا حرفين لامتناع فكر فيك وأعين بك بل هذا مما تكون فيه النفس أي فكر في نفسك وأعين بنفسك، والحق عندي جواز ذلك التركيب مع حرفية على وعن. {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً } أي طلقها كما روي عن قتادة وهو كناية عن ذلك مثل لا حاجة لي فيك، ومعنى الوطر الحاجة وقيدها الراغب بالمهمة، وقال أبو عبيدة: هو كالأدب وأنشد للربيع بن ضبع:شعر : ودعنا قبل أن نودعه لما قضى من شبابنا وطراً تفسير : ويفسر الأدب بالحاجة الشديدة المقتضية للاحتيال في دفعها ويستعمل تارة في الحاجة المفردة وأخرى في الاحتيال وإن لم تكن حاجة، وقال المبرد: هو الشهوة والمحبة يقال: ما قضيت من لقائك وطراً أي ما استمتعت منك حتى تنتهي نفسي وأنشد:شعر : وكيف ثوائي بالمدينة بعدما قضى وطراً منها جميل بن معمر تفسير : وعن ابن عباس تفسير الوطر هنا بالجماع، والمراد لم يبق له بها حاجة الجماع وطلقها، وفي «البحر» نقلاً عن بعضهم أنه رضي الله تعالى عنه أنه لم يتمكن من الاستمتاع بها، وروى أبو عصمة نوح بن أبـي مريم بإسناد رفعه إليها أنها قالت: ما كنت أمتنع منه غير أن الله عز وجل منعني منه، وروي أنه كان يتورم ذلك منه حين يريد أن يقربها فيمتنع. قيل: ولا يخفى أنه على هذا يحسن جداً جعل قضاء الوطر كناية عن الطلاق فتأمل، وفي الكلام تقدير / أي فلما قضى زيد منها وطراً وانقضت عدتها، وقيل: إن قضاء الوطر يشعر بانقضاء العدة لأن القضاء الفراغ من الشيء على التمام فكأنه قيل: فلما قضى زيد حاجته من نكاحها فطلقا وانقضت عدتها فلم يكن في قلبه ميل إليها ولا وحشة من فراقها. {زَوَّجْنَـٰكَهَا } أي جعلناها زوجة لك بلا واسطة عقد أصالة أو وكالة، فقد صح من حديث البخاري والترمذي أنها رضي الله تعالى عنها كانت تفخر على أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات، وأخرج ابن جرير عن الشعبـي قال: كانت تقول للنبـي عليه الصلاة والسلام إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن إن جدي وجدك واحد وإني أنكحك الله إياي من السماء وإن السفير لجبريل عليه السلام، ولعلها أرادت سفارته عليه السلام بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم وإلا فالسفير بينه عليه الصلاة والسلام وبينها كان زيداً. أخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: اذهب فاذكرها علي فانطلق قال: فلما رأيتها عظمت في صدري فقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربـي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن. ومن حديث أخرجه الطبراني والبيهقي في «سننه» وابن عساكر من طريق ابن زيد الأسدي عن مذكور مولى زينب قالت طلقني زيد فبت طلاقي فلما انقضت عدتي لم أشعر إلا والنبـي عليه الصلاة والسلام قد دخل علي وأنا مكشوفة الشعر فقلت: هذا من السماء دخلت يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة فقال: الله تعالى المزوج وجبريل الشاهد، ولا يخفى أن هذا بظاهره يخالف ما تقدم من الحديث والمعول على ذاك، وقيل: المراد بزوجناكها أمرناك بتزوجها. وقرأ علي وابناه ريحانتا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين وابنه محمد بن الحنفية وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهم أجمعين {زوجتكها} بتاء الضمير للمتكلم وحده. {لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ } أي ضيق وقيل إثم، وفسره بهما بعضهم كالطبرسي بناء على جواز استعمال المشترك في معنيه مطلقاً كما ذهب إليه الشافعية أو في النفي كما ذهب إليه العلامة ابن الهمام من الحنفية {فِى أَزْوَاجِ } أي في حق تزوج أزواج {أَدْعِيَائِهِمْ } الذين تبنوهم {إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً } أي إذا طلقهن الأدعياء وانقضت عدتهن فإن لهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، واستدل بهذا على أن ما ثبت له صلى الله عليه وسلم من الأحكام ثابت لأمته إلا ما علم أنه من خصوصياته عليه الصلاة والسلام بدليل، وتمام الكلام في المسألة مذكور في الأصول، والمراد بالحكم هٰهنا على ما سمعت أولاً مطلق تزوج زوجات الأدعياء وهو على ما قيل ظاهر. {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ } أي ما يريد تكوينه من الأمور أو مأموره الحاصل بكن {مَفْعُولاً } مكوناً لا محالة، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من تزويج زينب رضي الله تعالى عنها.
ابن عاشور
تفسير : {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أن تَخْشَاهُ}. و{إذ} اسم زمان مفعول لفعل محذوف تقديره: اذْكُر، وله نظائر كثيرة. وهو من الذكر بضم الذال الذي هو بمعنى التذكُّر فلم يأمره الله بأن يذكر ذلك للناس إذ لا جدوى في ذلك ولكنه ذَكَّر رسوله صلى الله عليه وسلم ليُرتب عليه قوله: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه}. والمقصود بهذا الاعتبارُ بتقدير الله تعالى الأسبابَ لمسبباتها لتحقيق مراده سبحانه، ولذلك قال عقبه: {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها} إلى قوله: {وكان أمر اللَّه مفعولاً} وقوله: {أية : وكان أمر الله قدراً مقدوراً}تفسير : [الأحزاب: 38]. وهذا مبدأ المقصود من الانتقال إلى حكم إبطال التبنّي ودحض ما بناه المنافقون على أساسِه الباطِل بناءً على كفر المنافقين الذين غَمزوا مغامز في قضية تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينبَ بنت جحش بعد أن طلّقها زيد بن حارثة فقالوا: تزوج حليلة ابنه وقد نهَى عن تزوج حلائل الأبناء. ولذلك ختمت هذه القصة وتوابعها بالثناء على المؤمنين بقوله: {أية : هو الذي يصلي عليكم} تفسير : [الأحزاب: 43] الآية. وبالإِعراض عن المشركين والمنافقين وعن أذاهم. وزيد هو المعنيُّ من قوله تعالى: {للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه}، فالله أنعم عليه بالإِيمان والخلاص من أيدي المشركين بأن يسَّر دخولَه في ملك رسوله صلى الله عليه وسلم والرسول عليه الصلاة والسلام أنعم عليه بالعتق والتبنّي والمحبة، ويأتي التصريح باسمه العلم إثر هذه الآية في قوله: {فلما قضى زيد منها وطراً} وهو زيد بن حارثة بن شُراحيل الكلبي من كَلْب بن وَبَرة وبنو كلب من تغلب. كانت خيل من بني القين بن جَسْر أغاروا على أبيات من بني مَعن من طيء، وكانت أم زيد وهي سعدى بنت ثعلبة من بني مَعْن خرجت به إلى قومها تَزورهم فسبقته الخيل المُغيرة وباعوه في سوق حُباشة (بضم الحاء المهملة) بناحية مكة فاشتراه حكيم بن حِزام لعمته خديجةَ بنت خويلد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم (وزيد يومئذٍ ابن ثمان سنين) وذلك قبل البعثة، فحج ناس من كلب فرأوا زيداً بمكة فعرفوه وعرفهم فأعلموا أباه ووصفوا موضعه وعند مَن هو، فخرج أبوه حارثة وعمه كعب لفدائه فدخلا مكة وكَلَّمَا النبي صلى الله عليه وسلم في فدائه، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم إليهما فعرفهما، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «حديث : اخترني أو اخترهما»تفسير : . قال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، فانصرف أبوه وعمّه وطابت أنفسهما ببقائه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك أخرجه إلى الحِجر وقال: «حديث : يا من حضَرَ اشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه»تفسير : ، فصار ابناً للنبي صلى الله عليه وسلم على حكم التبني في الجاهلية وكان يُدعى: زيد بنَ محمد. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم زوَّجه أمَّ أيمن مولاته فولدت له أسامة بن زيد وطلقها. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوّجه زينب بنت جَحش الأسدي حليف آل عبد شمس وهي ابنة عمته أُميمة بنت عبد المطلب، وهو يومئذٍ بمكة. ثم بعد الهجرة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة بن عبد المطلب ولما بطل حكم التبنّي بقوله تعالى: {أية : وما جعل أدعياءَكم أبناءَكم}تفسير : [الأحزاب: 4] صار يُدْعى: حِبَّ رسول الله. وفي سنة خمس قبل الهجرة بعد غزوة الخندق طلق زيد ابن حارثة زينب بنت جحش فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأمها البيضاء بنت عبد المطلب وولدت له زيد بن زيد ورقية ثم طلّقها، وتزوج دُرَّة بنت أبي لهب، ثم طلّقها وتزوج هند بنت العوام أخت الزبير. وشهد زيد بدراً والمغازي كلّها. وقُتل في غزوة مُؤتة سنة ثمان وهو أمير على الجيش وهو ابن خمس وخمسين سنة. وزوجُ زيد المذكورة في الآية هي زينبُ بنت جَحْش الأسدية وكان اسمها بَرَّة فلما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سمّاها زَينب، وأبوها جحش من بني أسد بن خزيمة وكان أبوها حليفاً لآل عبد شمس بمكة وأمها أُميمة بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم تزّوجها زيد بن حارثة في الجاهلية ثم طلّقها بالمدينة، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة خمس، وتوفيت سنة عشرين من الهجرة وعمرها ثلاث وخمسون سنة، فتكون مولودة سنة ثلاث وثلاثين قبل الهجرة، أي سنة عشرين قبل البعثة. والإِتيان بفعل القول بصيغة المضارع لاستحضار صورة القول وتكريره مثل قوله تعالى: {أية : يجادلنا في قوم لوط}تفسير : [هود: 74] وقوله: {أية : ويصنع الفلك}تفسير : [هود: 38]، وفي ذلك تصوير لحثِّ النبي صلى الله عليه وسلم زيداً على إمساك زوجه وأن لا يطلقها، ومعاودته عليه. والتعبير عن زيد بن حارثة هنا بالموصول دون اسمه العَلم الذي يأتي في قوله: {فلما قضى زيد} لما تشعر به الصلة المعطوفة وهي {وأنعمت عليه} من تنزه النبي صلى الله عليه وسلم عن استعمال ولائه لحمله على تطليق زوجه، فالمقصود هو الصلة الثانية وهي {وأنعمت عليه} لأن المقصود منها أن زيداً أخص الناس به، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام أحرص على صلاحه وأنه أشار عليه بإمساك زوجه لصلاحها به، وأما صلة {أنعم الله عليه} فهي توطئة للثانية. واعلم أن المأثور الصحيح في هذه الحادثة: أن زيد بن حارثة بقيت عنده زينب سنين فلم تلد له، فكان إذا جرى بينه وبينها ما يجري بين الزوجين تارة من خلاف أدلّت عليه بسؤددها وغضّت منه بولايته فلما تكرّر ذلك عزم على أن يطلقها وجاء يُعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعزمه على ذلك لأنه تزوجها من عنده. وروي عن علي زين العابدين: أن الله أوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه سينكح زينب بنت جحش. وعن الزهري: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم يُعلمه أن الله زوّجه زينب بنت جحش وذلك هو ما في نفسه. وذكر القرطبي أنه مختار بكر بن العلاء القشيري وأبي بكر بن العربي. والظاهر عندي: أن ذلك كان في الرؤيا كما أُري حديث : أنه قال لعائشة: «أتاني بكِ الملك في المنام في سَرَقَة من حرير يقول لي: هذه امرأتك فأكْشِفُ فإذا هي أنتِ فأقول: إن يكن هذا من عند الله يُمضه»تفسير : . فقول النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: «حديث : أمسك عليك زوجك» تفسير : توفية بحقّ النصيحة وهو أمر نصح وإشارة بخير لا أمر تشريع لأن الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا المقام متصرف بحق الولاء والصحبة لا بصفة التشريع والرسالة، وأداء هذه الأمانة لا يتأكد أنه كان يعلم أن زينب صائرة زوجاً له لأن علم النبي بما سيكون لا يقتضي إجراءَه إرشادَه أو تشريعه بخلاف علمه أو ظنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن أبا جهل مثلاً لا يؤمن ولم يمنعه ذلك من أن يبلغه الرسالة ويعاوده الدعوة، ولأن رغبته في حصول شيء لا تقتضي إجراء أمره على حسب رغبته إن كانت رغبته تخالف ما يحمِل الناسَ عليه، كما كان يرغب أن يقوم أَحد بقتل عبدَ الله بنَ سعد ابن أبي سرح قبل أن يسمع منه إعلانه بالتوبة من ارتداده حين جاء به عثمان بن عفان يوم الفتح تائباً. ولذلك كله لا يعد تصميم زيد على طلاق زينب عصياناً للنبي صلى الله عليه وسلم لأن أمره في ذلك كان على وجه التوفيق بينه وبين زوجه. ولا يلزم أحداً المصير إلى إشارة المشير كما اقتضاه حديث بريرة مع زوجها مغيث إذ قال لها: «لو راجعته؟ فقالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: لا إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه». وقوله: {أمسك عليك زوجك} يؤذن بأنه جواب عن كلام صدر من زيد بأن جاء زيد مستشيراً في فراق زوجه، أو معلماً بعزمه على فراقها. و{أمسك عليك} معناه: لازِم عشرتها، فالإِمساك مستعار لبقاء الصحبة تشبيهاً للصاحب بالشيء الممسَك باليد. وزيادة {عليك} لدلالة (على) على الملازمة والتمكن مثل {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] أو لتضمن {أمسك} معنى احبس، أي ابق في بيتك زوجك، وأمرُه بتقوى الله تابع للإِشارة بإمساكها، أي اتق الله في عشرتها كما أمر الله ولا تحِدْ عن واجب حسن المعاشرة، أي اتق الله بملاحظة قوله تعالى: {أية : فإمساك بمعروف}تفسير : [البقرة: 229]. وجملة {وتخفى في نفسك ما الله مبديه} عطف على جملة {تقول}. والإِتيان بالفعل المضارع في قوله: {وتخفي} للدلالة على تكرر إخفاء ذلك وعدم ذكره والذي في نفسه علمه بأنه سيتزوج زينب وأن زيداً يُطَلّقها وذلك سرّ بينه وبين ربّه ليس مما يجب عليه تبليغه ولا مما للناس فائدة في علمه حتى يبلَّغوه؛ ألا ترى أنه لم يُعلم عائشة ولا أباهَا برؤيا إتياننِ الملَك بها في سَرَقةٍ من حرير إلا بعد أن تزوجها. فما صْدَقُ «ما في نفسك» هو التزوج بزينب وهو الشيء الذي سيبديه الله لأن الله أبدى ذلك في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها ولم يكن أحد يعلم أنه سيتزوجها ولم يُبْدِ الله شيئاً غير ذلك، فلزم أن يكون ما أخفاه في نفسه أمراً يصلح للإظهار في الخارج، أي أن يكون من الصور المحسوسة. وليست جملة {وتخفي في نفسك} حالاً من الضمير في {تقول} كما جعله في «الكشاف» لأن ذلك مبني على توهم أن الكلام مسوق مساق العتاب على أن يقول كلاماً يخالف ما هو مخفيّ في نفسه ولا يستقيم له معنى، إذ يفضي إلى أن يكون اللائق به أن يقول له غير ذلك وهو ينافي مقتضى الاستشارة، ويفضي إلى الطعن في صلاحية زينب للبقاء في عصمة زيد، وقد استشعر هذا صاحب «الكشاف» فقال: «فإن قلت فماذا أراد الله منه أن يقوله حين قال له زيد: أُريدُ مفارقتها، وكان من الهُجنة أن يقول له: افعَلْ فإني أريد نكاحَها. قلت: كأنَّ الذي أراد منه عز وجل أن يصمُت عند ذلك أو يقول: أنتَ أعلم بشأنك حتى لا يخالف سِرّه في ذلك علانيته» ا هــــ وهو بناء على أساس كونه عتاباً وفيه وهَن. وجملة {وتخشى الناس} عطف على جملة {وتخفي في نفسك}، أي تخفي ما سيبديه الله وتخشى الناس من إبدائه. والخشية هنا كراهية ما يرجف به المنافقون، والكراهةُ من ضروب الخشية إذ الخشية جنس مقول على أفراده بالتشكيك فليست هي خشية خوف، إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخاف أحداً من ظهور تزوجه بزينب، ولم تكن قد ظهرت أراجيف المنافقين بعدُ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوسم من خبثهم وسوء طويتهم ما يبعثهم على القالة في الناس لفتنة الأمة، فكان يعلم ما سيقولونه ويمتعض منه، كما كان منهم في قضية الإِفك، ولم تكن خشيةً تبلغ به مبلغَ صرفه عما يرغبه بدليل أنه لم يتردد في تزوج زينب بعد طلاق زيد، ولكنها استشعار في النفس وتقدير لما سيرجفه المنافقون. والتعريف في {الناس} للعهد، أي تخشى المنافقين، أي يؤذوك بأقوالهم. وجملة {والله أحق أن تخشاه} معترضة لمناسبة جريان ذكر خشية الناس، والواو اعتراضية وليست واو الحال، فمعنى الآية معنى قوله تعالى: {أية : فلا تخشوا الناس واخشون}تفسير : [المائدة: 44]. وحملها على معنى الحال هو الذي حمل كثيراً من المفسرين على جعل الكلام عتاباً للنبي صلى الله عليه وسلم. و{أحق} اسم تفضيل مسلوب المفاضَلَة فهو بمعنى حقيق، إذ ليس في الكلام السابق ما يفيد وقوع إيثار خشية الناس على خشية الله، ولا ما يفيد تعارضاً بين الخشيتين حتى يحتاج إلى ترجيح خشية الله على خشية الناس، والمعنى: والله حقيق بأن تخشاه. وليس في هذا التركيب ما يفيد أنه قدم خشية الناس على خشية الله، لأن الله لم يكلفه شيئاً فعمل بخلافه. وبهذا تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل إلا ما يرضي الله، وقد قام بعمل الصاحب الناصح حين أمر زيداً بإمساك زوجه وانطوى على علم صالح حين خشي ما سيفترصه المنافقون من القالة إذا تزوج زينب خفية أن يكون قولهم فتنة لضعفاء الإِيمان كـحديث : قوله للرجلين اللذين رأياه في الليل مع زينبَ فأسرعا خُطاهما فقال: «على رسلكما إنما هي زينب». فكبر ذلك عليهما وقالا: سبحان الله يا رسول اللَّه. فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما»تفسير : . فمقام النبي صلى الله عليه وسلم في الأمة مقام الطبيب الناصح في بيمارستانَ يحوي أصنافاً من المرضى إذا رأى طعاماً يجلب لما لا يصلح ببعض مرضاه أن ينهى عن إدخاله خشية أن يتناوله من المرضى من لا يصلح ذلك بمرضه ويزيد في علته أو يفضي إلى انتكاسه. وليس في قوله: {وتخشى الناس} عتاب ولا لوم، ولكنه تذكير بما حصل له من توقيه قالة المنافقين. وحمله كثير من المفسرين على معنى العتاب وليس من سياق الكلام ما يقتضيه فأحسبهم مخطئين فيه، ولكنه تشجيع له وتحقير لأعداء الدين وتعليم له بأن يمضي في سبيله ويتناول ما أباح الله له ولرسله من تناول ما هو مباح من مرغوباتهم ومحباتهم إذا لم يصدهم شيء من ذلك عن طاعة ربهم كما قال تعالى: {أية : ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله}تفسير : [الأحزاب: 38، 39]، وأن عليه أن يعرض عن قول المنافقين، وعلى نحو قوله: {أية : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين}تفسير : [الشعراء: 3]، فهذا جوهر ما أشارت إليه الآية، وليس فيها ما يشير إلى غير ذلك. وقد رويت في هذه القصة أخبار مخلوطة، فإياك أن تتسرب إلى نفسك منها أغلوطة، فلا تصْغِ ذهنك إلى ما ألصقه أهل القصص بهذه الآية من تبسيط في حال النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر زيداً بإمساك زوجه، فإن ذلك من مختلقات القصاصين؛ فإما أن يكون ذلك اختلاقاً من القصاص لتزيين القصة، وإما أن يكون كله أو بعضه من أراجيف المنافقين وبهتانهم فتلقفه القصاص وهو الذي نجزم به. ومما يدل لذلك أنك لا تجد فيما يؤثر من أقوال السلف في تفسير هذه الآية أثراً مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى زيد أو إلى زينب أو إلى أحد من الصحابة رجالهم ونسائهم، ولكنها كلها قصص وأخبار وقيل وقال. ولسوء فهم الآية كبر أمرها على بعض المسلمين واستفزّت كثيراً من الملاحدة وأعداء الإسلام من أهل الكتاب. وقد تصدى أبو بكر بن العربي في «الأحكام» لوهن أسانيدها وكذلك عياض في «الشفاء». والآن نريد أن ننقل مجرى الكلام إلى التسليم بوقوع ما روي من الأخبار الواهية السند لكي لا نترك في هذه الآية مهواة لأحد. ومجموع القصة من ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بيت زيد يسأل عنه فرأى زينب متفضلة، وقيل رفعتْ الريحُ ستار البيت فرأى النبي عليه الصلاة والسلام زينب فجأة على غير قصد فأعجبه حسنها وسبَّح للَّه، وأن زينب علمت أنه وقعت منه موقع الاستحسان وأن زيداً علم ذلك وأنه أحب أن يطلقها ليؤثر بها مولاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال له: {أمسك عليك زوجك} (وهو يودّ طلاقها في قلبه ويعلم أنها صائرة زوجاً له). وعلى تفاوت أسانيده في الوهن أُلقي إلى الناس في القصة فانتُقل غَثه وسمينه، وتُحُمِّل خِفه ورزينه، فأخذ منه كلٌّ ما وسعه فهمُه ودينه، ولو كان كله واقعاً لما كان فيه مغمز في مقام النبوة. فأما رؤيته زينب في بيت زيد إن كانت عن عمد فذلك أنه استأذن في بيت زيد، فإن الاستئذان واجب فلا شك أنه رأى وجهها وأعجبته ولا أحسب ذلك لأن النساء لم يكُنَّ يستْرنَ وجوههن قال تعالى: {أية : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}تفسير : [النور: 31] (أي الوجه والكفين) وزيد كان من أشد الناس اتصالاً بالنبي، وزينبُ كانت ابنةَ عمته وزوجَ مولاه ومتبنّاه، فكانت مختلطة بأهله، وهو الذي زوجها زيداً، فلا يصح أن يكون ما رآها إلا حين جاء بيتَ زيد، وإن كانت الريح رفعت الستر فرأى من محاسنها وزينتها ما لم يكن يراه من قبلُ، فكذلك لا عَجب فيه لأن رؤية الفُجأة لا مؤاخذة عليها، وحصولَ الاستحسان عقب النظر الذي ليس بحرام أمر قهري لا يملك الإنسان صرفه عن نفسه، وهل استحسان ذات المرأة إلا كاستحسان الرياض والجنّات والزهور والخيل ونحو ذلك مما سماه الله زينة إذا لم يتبعه النظار نظرة. وأما ما خطر في نفس النبي صلى الله عليه وسلم من مودة تزوجها فإن وقع فما هو بخطب جليل لأنه خاطر لا يملك المرء صرفه عن نفسه وقد علمت أن قوله: {وتخشى الناس} ليس بلوم، وأن قوله: {والله أحق أن تخشاه} ليس فيه لوم ولا توبيخ على عدم خشية الله ولكنه تأكيد لعدم الاكتراث بخشية الناس. وإنما تظهر مجالات النفوس في ميادين الفُتوة بمقدار مصابرتها على الكمال في مقاومة ما ينشأ عن تلك المَرائِي من ضعف في النفوس وخور العزائم وكفاك دليلاً على تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المقام وهو أفضل من ترسخ قدمه في أمثاله أنه لم يزل يراجع زيداً في إمساك زوجه مشيراً عليه بما فيه خير له وزيد يرى ذلك إشارةً ونصحاً لا أمراً وشرعاً. ولو صح أن زيداً علم مودة النبي صلى الله عليه وسلم تزوج زينب فطلقها زيد لذلك دون أمر من النبي عليه الصلاة والسلام ولا التماس لما كان عجباً فإنهم كانوا يؤثرون النبي صلى الله عليه وسلم على أنفسهم، وقد تنازل له دِحية الكلبي عن صفية بنت حُيَي بعد أن صارت له في سهمه من مغانم خَيبر، وقد عرض سعد بن الربيع على عبد الرحمان بن عوف أن يتنازل له عن إحدى زوجتيه يختارها للمؤاخاة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما. وأما إشارة النبي عليه الصلاة والسلام على زيد بإمساك زوجه مع علمه بأنها ستصير زوجة له فهو أداء لواجب أمانة الاستنصاح والاستشارة، وقد يشير المرء بالشيء يعلمه مصلحةً وهو يوقن أن إشارته لا تمتثل. والتخليط بين الحالين تخليط بين التصرف المستند لما تقتضيه ظواهر الأحوال وبين ما في علم اللَّه في الباطن، وأشبه مقام به مقام موسى مع الخضر في القضايا الثلاث. وليس هذا من خائنة الأعين، كما توهمه من لا يُحسن، لأن خائنة الأعين المذمومة ما كانت من الخيانة والكيد. وليس هو أيضاً من الكذب لأن قول النبي عليه الصلاة والسّلام لزيد {أمسك عليك زوجك واتق الله} لا يناقض رغبته في تزوجها وإنما يناقضه لو قال: إنّي أُحب أن تمسك زوجك، إذ لا يخفى أن الاستشارة طلب النظر فيما هو صلاح للمستشير لا ما هو صلاح للمستشار. ومن حق المستشار إعلام المستشير بما هو صلاح له في نظر المشير، وإن كان صلاح المشير في خلافه، فضلاً على كون ما في هذه القصة إنما هو تخالُف بين النصيحة وبين ما علمه الناصح من أن نصحه لا يؤثّر. فإن قلت: فما معنى ما روي في الصحيح عن عائشة أنها قالت: لو كان رسول الله كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك} الآية. قلت: أرادت أن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في تزوج زينب أو إعلام الله إياه بذلك كان سراً في نفسه لم يطلع عليه أحدٌ إذ لم يؤمر بتبليغه إلى أحد. وعلى ذلك السر انبنى ما صدر منه لزيد من قوله: {أمسك عليك زوجك}. فلما طلقها زيد ورام تزوجها علم أن المنافقين سيرجفون بالسوء، فلما أمره الله بذكر ذلك للأمة وتبليغ خَبره بلَّغه ولم يكتمه مع أنه ليس في كتمه تعطيل شرع ولا نقص مصلحة، فلو كان كاتماً لكتم هذه الآية التي هي حكاية سر في نفسه وبينه وبين ربّه تعالى، ولكنه لما كان وحياً بلّغه لأنه مأمور بتبليغ كل ما أنزل إليه. واعلم أن للحقائق نِصابها، وللتصرفات موانعها وأسبابَها، وأن الناس قد تمتلكهم العوائد، فتحول بينهم وبين إدراك الفوائد، فإذا تفشَّت أحوال في عاداتهم استحسنوها ولو ساءت، وإذا ندرت المحامد دافعوها إذا رامت مداخلة عقولهم وشاءت، وكل ذلك من تحريف الفطرة عن وضعها، والمباعدة بين الحقائق وشرعها. ولما جاء الإسلام أخذ يغزو تلك الجيوش ليقلعها من أقاصيها، وينزلها من صياصيها، فالحسن المشروع ما تشهد الفطرة لحسنه، والقبيح الممنوع الذي أماتته الشريعة وأمرت بدفنه. {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَـٰكَهَا لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِىۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً}. تفريع على جملة {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} الآية، وقد طوي كلام يدل عليه السياق، وتقديره: فلم يقبل منك ما أشرت عليه ولم يمسكها. ومعنى {قضى} استوفى وأتم. واسم {زيد} إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: فلما قضى منها وطراً، أي قضى الذي أنعم الله وأنعمت عليه، فعدل عن مقتضى الظاهر للتنويه بشأن زيد. قال القرطبي: قال السهيلي: كان يقال له زيد بن محمد فلما نزع عنه هذا الشرف حين نزل {أية : ادعوهم لآبائهم}تفسير : [الأحزاب: 5] وعلم الله وحشته من ذلك شرّفه بخصيصة لم يكن يخص بها أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهي أنه سماه في القرآن، ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم نوّه غاية التنويه ا هــــ. والوطر: الحاجة المهمة، والنهمة قال النابغة:شعر : فمن يكن قد قضى من خَلة وطَراً فإنني منكِ ما قَضَّيت أوطاري تفسير : والمعنى: فلما استتم زيد مدة معاشرة زينب فطلقها، أي فلما لم يبق له وطرٌ منها. ومعنى {زوجناكها} أَذِنَّا لك بأن تتزوجها، وكانت زينب أيِّماً فتزوجها الرسول عليه الصّلاة والسّلام برضاها. وذكر أهل السِير: أنها زوّجها إياه أخوها أبو أحمد الضرير واسمه عبد بن جَحش، فلما أمره الله بتزوجها قال لزيد ابن حارثة: ما أجد في نفسي أوثق منك فاخطُب زينب عليَّ، قال زيد: فجئتها فوليتها ظهري توقيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: يا زينب أرسل رسول الله يذكرك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أُوَامر ربي، وقامت إلى مسجدها وصلَّت صلاة الاستِخارة فرضيت، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فبنى بها. وكانت زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكنَّ آباؤكن وزوّجني ربّي. وهذا يقتضي إن لم يتول أخوها أبو أحمد تزويجها فتكون هذه خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم عند الذين يشترطون الولي في النكاح كالمالكيّة دون قول الحنفية. ولم يذكر في الروايات أنّ النبي عليه الصلاة والسلام أصدقها فعدّه بعض أهل السير من خصوصياته صلى الله عليه وسلم فيكون في تزوُّجها خصوصيتان نبويّتان. وأشار إلى حكمة هذا التزويج في إقامة الشريعة، وهي إبطال الحرج الذي كان يتحرجه أهل الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دَعِيِّه، فلما أبطله الله بالقول إذ قال: {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم}تفسير : [الأحزاب: 4] أكد إبطاله بالفعل حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج أن يقول قائل: إن ذاك وإن صار حلالاً فينبغي التنزه عنه لأهل الكمال، فاحتيط لانتفاء ذلك بإيقاع التزوج بامرأة الدعيّ من أفضل الناس وهو النبي صلى الله عليه وسلم. والجمع بين اللام وكي توكيد للتعليل كأنه يقول: ليست العلة غير ذلك، ودلت الآية على أن الأصل في الأحكام التشريعية أن تكون سواء بين النبي صلى الله عليه وسلم والأمة حتى يدل دليل على الخصوصية. وجملة {وكان أمر الله مفعولاً} تذييل لجملة {زوجناكها}. وأمر الله يجوز أن يراد به من أمر به من إباحة تزوج من كنّ حلائل الأدعياء، فهو بمعنى الأمر التشريعي فيه. ومعنى {مفعولاً} أنه متّبع ممتثل فلا يتنزه أحد عنه، قال تعالى: {أية : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}تفسير : [الأعراف: 32]. ويجوز أن يراد الأمر التكويني وهو ما علم أنه يكون وقَدّر أسباب كونه، فيكون معنى {مفعولاً} واقعاً، والأمر من إطلاق السبب على المسبب، والمفعول هو المسبب. وتزوُّج النبي صلى الله عليه وسلم زينب من أمر الله بالمعنيين.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَخْشَاهُ} {زَوَّجْنَاكَهَا} {أَزْوَاجِ} {أَدْعِيَآئِهِمْ} (37) - كََانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ امْرَأَةً، فِي طَبْعِهَا حِدَّةٌ، وَلَمَّا نَزَلَتِ الآيَةُ قَبِلَتْ بِأَنْ تَتَزَوَّجَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ. وَلكِنَّ زَينَبَ لَمْ تُحْسِنْ عِشْرَتَهُ، فَكَانَتْ تَتَعَالى عَليهِ، وَكَانَ هُوَ دَائِمَ الشَّكْوى مِنْها إِلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَقُولُ لَهُ: أَمْسِكْ عَليكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ. وَكَانَ الرَّسُولُ قَدْ أَلهَمَهُ اللهُ أَنهُ سَيتَزوَّجُ زَينبَ بَعدَ طَلاقِها مِنْ زيدٍ لإِبْطَالِ آثارِ التَّبَنِّي التِي كَانَتْ سَائِدَةً بَيْنَ العَرَبِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ زَيداً، وَكَانَ زَيْدٌ يُقَالُ لَهُ (الحِبُّ - أو حِبُّ رَسُولِ اللهِ). وَلَمَّا تَكَرَّرَتْ شَكْوى زَيدٍ مِنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ زَيْنَبَ لَهُ أَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيةَ الكَريمةَ، وَفِيها يَقُولُ اللهُ تَعالى لرَسُولِهِ الكَرِيمِ: اذْكُر يَا مُحَمَّدُ حِينَ قَوْلِكَ لِمَولاَكَ زَيدٍ الذِي أَنْعَمَ اللهُ عَليهِ بالإِيمَانِ، وَبِمُتَابَعَةِ رَسُولِ اللهِ، وَبِجَعْلِهِ رَبيباً لِرَسُولِ اللهِ، وَأَنْعَمْتَ أَنْتَ عَليهِ بالعِتْقِ، وَبِحُسْنِ التَّربيةِ: أَمْسِكْ عَليكَ زَوْجَكَ زَيْنَبَ، وَاتَّقِ اللهَ فِي أَمرِها، وَلاَ تُطَلِّقْهَا ضِرَاراً وَتَعَلُّلاً بِتَكَبُّرِها وَشُمُوخِها بأَنْفِها عَلَيكَ، لأَنَّ الطَّلاقَ يَشِينُهَا. وأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الطَلاَقَ سَيَقَعُ، وأَنَّكَ سَتَتَزَوَّجُها لِتَكُونَ قُدْوَةً وأُسْوَةً للمؤمنينَ، وإنما غَلَبَكَ مِنْ ذَلكَ الحَيَاءُ وَأَن يُقَالَ تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ مُطَلَّقَةَ مُتَبَنّاهُ. فَأَنْتَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللهُ مُبدِيهِ مِنَ الحُكْمِ الذِي أَلْهَمَكَ، وَتَخَافُ مِنْ تَقَوُّلِ النَّاسِ وَاعْتِراضِهِمْ، واللهُ الذِي أَمَرَكَ بِهذا أَحَقُّ بِأَنْ تَخْشَاهُ، فَكَانَ عَليكَ أَنْ تَمْضِيَ فِي الأَمرِ قُدُماً لِتُقَرِّرَ شَرْعَ اللهِ. فَلَمَّا خَالَطَها زَيدُ، وَقَضَى حَاجَتهُ مِنْها، وَمَلَّهَا ثُمَّ طَلَّقَها، جَعَلْنَاهَا زَوْجَةً لَكَ لِيَرْتَفِعَ الحَرَجُ عَنِ المُسْلِمينَ مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا نِسَاءً كُنَّ مِنْ قَبْلُ، أَزْوَاجاً لأِدْعِيَائِهِمْ. وَكَانَ مَا قَضَى اللهُ مِنْ قَضَاءٍ كَائِناً لا مَحَالَةَ، فَقَدْ قَدَّرَ اللهُ أَنْ تَكُونَ زَيْنَبُ زَوْجَةً لَكَ، وَسَيَنْفُذُ ذَلِكَ. وَطَراً - حَاجَتَهُ المُهِمَّةَ - كِنَايَةً عَنِ الطَّلاقِ بَعْدَ التَّمَاسِ. حَرَجُ - ضِيقٌ أَوْ إِثْمٌ. أَدْعِيَائِهِمْ - الأَوْلادِ المُتَبَنَّيْنَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {وَإِذْ تَقُولُ ..} [الأحزاب: 37] واذكر جيداً وأدِرْ مسألة زيد في رأسك، اذكر إذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإيمان - والمراد زيد وأنعمتَ عليه بالعتق أولاً، وأنعمت عليه بقانون البشرية بأنْ جعلْتَه ابناً لك وأنعمتَ عليه بأن زوَّجته، وهو عبد، من قرشية، هي ابنة عمتك، ثم أنعمتَ عليه حين قُلْت له {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 37]. لكن، لماذا قُلْتَ له هذه الكلمة يا محمد؟ أخوفاً من كلام الناس أنْ يقولوا: تزوَّج من امرأة مُتبنَّاه؟ كيف وهذا مقصود من الله تعالى، إنه يريد أن يُنهي عادة التبني، وأنْ يُنهيها على يدك أنت، فأنت تخفيه خوفاً من كلام الناس، وقد أبداه الله حين أخبرك بهذه المسألة، وأن نهايتها ستكون على يديك بأنْ تتزوج امرأة مُتبنَّاك {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ..} [الأحزاب: 37] فدعْكَ من الناس. لذلك قال سبحانه في موضع آخر: {أية : ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ..} تفسير : [الأحزاب: 39]. وسبق أن أوضحنا أن خشيته صلى الله عليه وسلم لم تكن خشية خوف من شيء يضره، إنما خشية استحياء ليدفع رسول الله الشبهة عن نفسه. وقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ..} [الأحزاب: 37] الوطر: هو الأشياء التي تناسب معاش الرجل، فمعناه الغاية أو الحاجة، وسبق أن قُلْنا: إن وطر الرجل من زوجته أن تكون سكناً، فإن لم يكُنْ، فمودة تجمعهما، فإنْ لم يَكُنْ فرحمة متبادلة. وقد افتقد زيد في زوجته كل هذه المراحل، فلم يجد معها، لا السكن، ولا المودة، ولا الرحمة، فلماذا - إذن - يستمر في الارتباط بها؟ لذلك كان يذهب إلى رسول الله، فيشتكي له ما يلاقي من زينب، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 37]. وتأمل هنا هذه الرياضة الإيمانية بين سيدنا رسول الله وزيد وزينب رضي الله عنهما: لما طلِّق زيدٌ زينب تركها رسول الله لتقضي عدَّتها، فلما قضتْ العِدَّة قال: يا زيد اذهب إلى زينب فاخطبها عليَّ، فما هذه العظمة؟ رسول الله يبعث المطلِّق ليخطب له المطلَّقة، وهذا يدل على ثقته في زيد، وأنه قد قضى وطره من زينب، ولم يَعُدْ له فيها حاجة. ويدخل زيد على زينب، فيقول لها: أبشري يا زينب، لقد بعثني رسول الله لأخطبك له، فقالت: والله لا أجيب حتى أسجد شكراً لله، فقامت زينب فسجدتْ، عندها عاد زيد إلى رسول الله، فأخبره ما كان من زينب فجاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها بلا استئذان. تُرى لماذا يدخل عليها سيدنا رسول الله بلا استئذان؟ قالوا لأنها حينئذ صارت زوجته، كما قال سبحانه {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ..} [الأحزاب: 37] أي: زوَّجه الله بها من فوق سبع سماوات. لذلك كانت السيدة زينب حين تجلس مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم - وهذه أيضاً من الرياضيات الإيمانية - تقول لهن: إني لأفتخر عليكن جميعاً بأنكن زوجكُنَّ أولياؤكن، أما أنا فزوَّجني ربي، فلا تجرؤ إحداهن على الردِّ عليها. ليس هذا فحسب، إنما تُدِلُّ أيضاً على سيدنا رسول الله، فتقول له: يا رسول الله، أنا أُدِلُّ عليك بثلاث، فيضحك سيدنا رسول الله ويقول: أما الأولى؟ فتقول: أما الأولى فجدِّي وجدُّك واحد، وأما الثانية فلأن الله زوَّجني من فوق سبع سماوات، وأما الثالثة فلأن سفيري في الزواج لم يكُن زيداً، إنما كان جبريل. فأيُّ عظمة هذه التي نلاحظها في هذه القصة، وأيُّ رياضة إيمانية عالية من رسول الله وصحابته؟ إذن: لم يتزوج رسول الله من زينب، إنما زوَّجه ربه؛ لذلك نقول للمغرمين بالخوض في هذه المسألة، يحسبونها سُبَّة في حق رسول الله: افهموا الفرق بين زُوِّج وتزوج. تزوج أي: بنفسه وبرغبته، إنما زُوِّج أي زوَّجه غيره، وكلمة {زَوَّجْنَاكَهَا ..} [الأحزاب: 37] تحتوي على الفعل زوَّج والضمير (نا) فاعل يعود على الحق سبحانه، والكاف لخطاب رسول الله، وهي مفعول أول، والهاء تعود على السيدة زينب، وهي مفعول ثانٍ للفعل زوَّج. فرسول الله في هذه المسألة، وفي كل زوجاته لم يخالف عن أمر الله. فلتكونوا منصفين؛ لأن المسألة ليستْ عند محمد، إنما عند رب محمد، واقرأوا إن شئتم: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} تفسير : [التحريم: 5]. ثم هَبُوا - جدلاً - أن محمداً فعلها، ما العيب فيها وقد كان التعدُّد موجوداً، ولم ينشىء رسول الله تعدُّداً، كان التعدُّد موجوداً في الأنبياء والرسل، وفيكم وعندكم. أما الذين يتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه وسَّع على نفسه، فتزوَّج تسعاً، وضيَّق على أمته بأربعة، فالرد على ذلك أن الله تعالى حكم بأن زوجات الرسول أمهاتٌ للمؤمنين، وما دُمْنَ أمهات للمؤمنين، فليس لأحد أنْ يتزوَّجهُنَّ بعد رسول الله، أمّا غيرهن من المؤمنات فإنْ كان مع الرجل سبعة مثلاً، فعليه أنْ يفارق ثلاثة منهن، وهؤلاء الثلاثة سيجدْنَ مَنْ يتزوج بهنَّ، إذن: على الرسول أنْ يُمسِك زوجاته كلهن، وعلى غيره من المؤمنين أنْ يفارقوا ما زاد على أربع. شيء آخر: تظنون أن رسول الله وسَّع الله له هذه المسألة، والحقيقة أن الله ضيَّق عليه إذا ما قارناه بغيره من عامة المؤمنين، فالمؤمن له أنْ يمسك أربعَ زوجات، فإذا ماتت إحداهن تزوج بأخرى، وإنْ طلَّق إحداهن تزوج بدلاً منها، فإن مُتْنَ جميعاً أو طلَّقهن، فله أنْ يتزوَّج غيرهن حتى يكمل الأربعة، وهكذا يكون للمؤمن أن يتزوَّج بعدد كثير من النساء. أما رسول الله - نعم تزوج تسعاً - لكن خاطبه ربه بقوله:{أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ..} تفسير : [الأحزاب: 52] فمَن الذي ضيِّق عليه إذن؟ محمد أم أمته؟ ثم يا قوم تنبهوا إلى الفرق بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود، هل استثنى الله نبيه في العدد من أربع إلى تسع، أم استثناه في معدود بذاته، استثناه في المعدود لا في العدد، لأنه لو استثناه في العدد لكان له إذا ماتتْ إحدى زوجاته أنْ يتزوَّج بأخرى، إنما وقف به عند معدود بذاته، بحيث لو ماتوا جميعاً ما كان له صلى الله عليه وسلم أنْ يتزوَّج بعدهن. وبعد ذلك أظلَّ الحكمُ على رسول الله هكذا؟ لا، إنما كان في بداية الأمر وبعد ذلك حينما استقرتْ الأمور وأَمِن الله رسولَه قال له: افعل ما تشاء، لأنك مأمون على أمتك. ثم نقول: هَبُوا أن رسول الله له اختيار في هذه المسألة، ولم تكن مُسْبقة، ألم يُؤدِّ فِعْلُه هذا إلى إلغاء عادة التبني؟ ثم أنُزِعَتْ الرسالة من رسول الله بعد أنْ فعل ما فعل؟ إذن: لا يتناقض مراد الله ومراد رسول الله. والذين تناولوا سيدنا رسول الله في هذه المسألة مثل الذين تناولوا سيدنا يوسف - عليه السلام - لما قال الله فيه: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ..} تفسير : [يوسف: 24] وكأنهم أكثر غيرةً على يوسف من ربه عز وجل، نعم همَّ بها يوسف أي: فكَّر فيها أو غير ذلك، ولن نقول لكم على الصواب لتظلوا في حيرتكم، لكن أنزعَ الله منه الرسالةَ بعد ما همَّ بها؟ إذن: همُّه بها لم يناقض الرسالة، فما تقولونه في هذه المسألة فضول منكم. ثم تأتي العلة في هذه المسألة {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ..} [الأحزاب: 37] ثم تختم الآية بما لا يدع مجالاً للشك في رسول الله: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} [الأحزاب: 37] أي: لا بُدَّ أن يحدث، ولن يترك لأيِّ شخص آخر، حتى لا تفسد القضية في إلغاء عادة التبني، إذن، فزواج رسول الله من امرأة مُتبنَّاه ما كان إلا لرفع الحرج عن جميع المؤمنين، والآن يصح لكل مُتبنٍّ أن يتزوج امرأة مُتبنَّاه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} الوطرُ: الحَاجةُ والإِربُ. وزيدُ: هو زيد بن حارثة الكَلبي رضي الله تعالى عنه مولى النبي صلى الله عليه وعَلَى آله وسلَّم.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما سمعت يا أكمل الرسل من زيد ما سمعت اذكر {إِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} بأن وفقه للإيمان وقبول الإسلام، وشرفه بشرف خدمتك وصحبتك {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} بأن أعتقته ودعوته ابناً {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} بعدم لم يريك منها شيئاً {وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور، واحذر عن بطشه بطلاق العفيفة، والمفارقة منها بلا وصمة عيب ظهرت عنها، وسمة نقص لاحت منها {وَ} أنت يا أكمل الرسل حينئذٍ {تُخْفِي فِي نَفْسِكَ} حين قولك لزيد هذا {مَا ٱللَّهُ} المظهر لما في الصدور {مُبْدِيهِ} مظهره ومعلنه من ميلك إلى زينب ونكاحها، وأرادتك لطلاق زيد وافتراقه عنها {وَ} سبب إخفائك هذا، وإظهارك ضد مطلوبك أنك {تَخْشَى ٱلنَّاسَ} من أن يعيروك بمناكحة زوجة عتيقك ودعيتك، ويرموك بما لا يليق بشأنك، مع أنك بريء عنه {وَٱللَّهُ} المطلع على جميع ما ظهر وبطن {أَحَقُّ} وأولى من {أَن تَخْشَاهُ} وتستحي منه؛ إذ هو سبحانه غيور ينتقم عمن يشاء، ويأخذه على من يشاء. وهذا عتاب شديد وتأديب بليغ، قالت عائشة - رضي الله عنها: لو كتم النبي شيئاً مما أنزل إليه لكتم هذه الآية، فطلقها زيد ومضى عليها العدة، قال صلى الله عليه وسلم: اذهب فاذكرها عليَّ فذهب، فقال: يا زينب إن نبي الله أرسنلي إليك بذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤمر من ربي، وقامت إلى الصلاة، فنزلت: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا} أي: من زينب {وَطَراً} أي: حاجة، وطلقها ومضت عدتها {زَوَّجْنَاكَهَا} يعني: زوجناك يا أكمل الرسل زينب بلا نصب ولي من الجانبين على المعهود في الشرع، بل أبحنا لك الدخول عليها بلا عقد، وجعلناها زوجتك بلا مهر؛ لذلك كانت تباهي على سائر نسائه صلى الله عليه وسلم قائلة: إن الله تولى نكاحي، وأنتن زوجكن أولياؤكن. فدخل صلى الله عليه وسلم بلا إذن، ولا عقد نكاح، ولا صداق، ولا شهود، وأطعم الناس خبزاً ولحماً، ثمَّ قال سبحانه: {لِكَيْ لاَ} يعني: فعلنا ذلك؛ لكيلا {يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} ضيق وإثم {فِيۤ} تزوج {أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ} الذين تبنوهم {إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} يعني: بعدما طقوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ} وحكمه المبرم، المثبت في لوح قضائه {مَفْعُولاً} [الأحزاب: 37] مقضياً نافذاً كائناً على تعاقب الأحيان والأزمان. ثمَّ قال سبحانه تسليةً لنبيه، وحطاً عنه العار في أمثال هذه الأفعال الكائنة في قضاء الله، المقضية في حضرة علمه: {مَّا كَانَ} أي: ما لحق وعرض {عَلَى ٱلنَّبِيِّ} المؤيَّد من عند الله بأنواع التأييدات المنتظرة على لاوحي الإلهام في جميع أفعاله وأعماله {مِنْ حَرَجٍ} ضيق وإثم سآمة، ووخامة عاقبة {فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} صلى الله عليه سولم؛ أي: في جميع ما قدر الله له، وكتب لأجله في لوح قضائه من الحوادث الكائنة الجارية عليه صلى الله عليه وسلم على تعاقب الأزمان والأوقات، ومن جملتها: هذا النكاح، وليس أمثال هذا ببدع منَّا مخصوص بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، بل {سُنَّةَ ٱللَّهِ} الحكيم العليم، المتقن في أفعاله المستمرة القديمة التي سنها سبحانه {فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} ومضوا {مِن قَبْلُ} من الأنبياء والرسل {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ} المثبت في لوح قضائه، وحكمه المبرم في حضرة علمه {قَدَراً مَّقْدُوراً} [الأحزاب: 38] حتماً مقضياً، مبرماً محكوماً به ألبتة. وكيف لا يقضي ولا يحكم بالسنن المقدرة للأنبياء والرسل، وهم {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ} المحمولة عليهم إلى من أُرسلوا إليهم من الأمم بلا تبديل ولا تغيير {وَيَخْشَوْنَهُ} ويخافون عنه سبحانه في جميع أحواله {وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ} يعني: من ديدنة الأنبياء والرسل، وخصلتهم الحميدة: ألاَّ يخافوا من الناس ولا يستحيوا منهم، لا من لوم لائم، ولا من تعييره وتهديده بالقتل والضرب وغير ذلك، بل ما يخافون إلا الله الغيور المنتقم، المقتدر على أنواع العذاب العقاب {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب: 39] ظهيراً ومعيناً يكفي مؤنة أعدائهم، ويدفع عنهم شرورهم، وجميع ما قصدوا عليهم من المقت والمكر، وأنواع الأذى والضرر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وكان سبب نزول هذه الآيات، أن اللّه تعالى أراد أن يشرع شرعًا عامًا للمؤمنين، أن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقة، من جميع الوجوه وأن أزواجهم، لا جناح على من تبناهم، في نكاحهن. وكان هذا من الأمور المعتادة، التي لا تكاد تزول إلا بحادث كبير، فأراد أن يكون هذا الشرع قولا من رسوله، وفعلا وإذا أراد اللّه أمرًا، جعل له سببًا، وكان زيد بن حارثة يدعى "زيد بن محمد" قد تبناه النبي صلى اللّه عليه وسلم، فصار يدعى إليه حتى نزل {أية : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ } تفسير : فقيل له: "زيد بن حارثة" . وكانت تحته، زينب بنت جحش، ابنة عمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وكان قد وقع في قلب الرسول، لو طلقها زيد، لتزوَّجها، فقدر اللّه أن يكون بينها وبين زيد، ما اقتضى أن جاء زيد بن حارثة يستأذن النبي صلى اللّه عليه وسلم في فراقها. قال اللّه: { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ } أي: بالإسلام { وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } بالعتق حين جاءك مشاورًا في فراقها: فقلت له ناصحًا له ومخبرًا بمصلحته مع وقوعها في قلبك: { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } أي: لا تفارقها، واصبر على ما جاءك منها، { وَاتَّقِ اللَّهَ } تعالى في أمورك عامة، وفي أمر زوجك خاصة، فإن التقوى، تحث على الصبر، وتأمر به. { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ } والذي أخفاه، أنه لو طلقها زيد، لتزوجها صلى اللّه عليه وسلم. { وَتَخْشَى النَّاسَ } في عدم إبداء ما في نفسك { وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } وأن لا تباليهم شيئًا، { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا } أي: طابت نفسه، ورغب عنها، وفارقها. { زَوَّجْنَاكَهَا } وإنما فعلنا ذلك، لفائدة عظيمة، وهي: { لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ } حيث رأوك تزوجت، زوج زيد بن حارثة، الذي كان من قبل، ينتسب إليك. ولما كان قوله: { لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ } عامًا في جميع الأحوال، وكان من الأحوال، ما لا يجوز ذلك، وهي قبل انقضاء وطره منها، قيد ذلك بقوله: { إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا } أي: لا بد من فعله، ولا عائق له ولا مانع. وفي هذه الآيات المشتملات على هذه القصة، فوائد، منها: الثناء على زيد بن حارثة، وذلك من وجهين: أحدهما: أن اللّه سماه في القرآن، ولم يسم من الصحابة باسمه غيره. والثاني: أن اللّه أخبر أنه أنعم عليه، أي: بنعمة الإسلام والإيمان. وهذه شهادة من اللّه له أنه مسلم مؤمن، ظاهرًا وباطنًا، وإلا فلا وجه لتخصيصه بالنعمة، لولا أن المراد بها، النعمة الخاصة. ومنها: أن المُعْتَق في نعمة الْمُعْتِق. ومنها: جواز تزوج زوجة الدَّعِيّ، كما صرح به. ومنها: أن التعليم الفعلي، أبلغ من القولي، خصوصا، إذا اقترن بالقول، فإن ذلك، نور على نور. ومنها: أن المحبة التي في قلب العبد، لغير زوجته ومملوكته، ومحارمه، إذا لم يقترن بها محذور، لا يأثم عليها العبد، ولو اقترن بذلك أمنيته، أن لو طلقها زوجها، لتزوجها من غير أن يسعى في فرقة بينهما، أو يتسبب بأي سبب كان، لأن اللّه أخبر أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم، أخفى ذلك في نفسه. ومنها: أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم، قد بلغ البلاغ المبين، فلم يدع شيئًا مما أوحي إليه، إلا وبلغه، حتى هذا الأمر، الذي فيه عتابه. وهذا يدل، على أنه رسول اللّه، ولا يقول إلا ما أوحي إليه، ولا يريد تعظيم نفسه. ومنها: أن المستشار مؤتمن، يجب عليه -إذا استشير في أمر من الأمور- أن يشير بما يعلمه أصلح للمستشير ولو كان له حظ نفس، فتقدم مصلحة المستشير على هوى نفسه وغرضه. ومنها: أن من الرأي: الحسن لمن استشار في فراق زوجته أن يؤمر بإمساكها مهما أمكن صلاح الحال، فهو أحسن من الفرقة. ومنها: [أنه يتعين] أن يقدم العبد خشية اللّه، على خشية الناس، وأنها أحق منها وأولى. ومنها: فضيلة زينب رضي اللّه عنها أم المؤمنين، حيث تولى اللّه تزويجها، من رسوله صلى اللّه عليه وسلم، من دون خطبة ولا شهود، ولهذا كانت تفتخر بذلك على أزواج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وتقول زوجكن أهاليكن، وزوجني اللّه من فوق سبع سماوات. ومنها: أن المرأة، إذا كانت ذات زوج، لا يجوز نكاحها، ولا السعي فيه وفي أسبابه، حتى يقضي زوجها وطره منها، ولا يقضي وطره، حتى تنقضي عدتها، لأنها قبل انقضاء عدتها، هي في عصمته، أو في حقه الذي له وطر إليها، ولو من بعض الوجوه.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} [37] 427 - أنا محمدُ بنُ سليمانََ، عن حَمَّادِ بن زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: جاءَ زيدٌ يَشْكُو امرأتَهُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأمرهُ أن يُمسِكَهَا، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ}. 428 - أنا محمدُ بنُ المُثنى، قال: حدَّثني عبد الوهابِ، نا داوُدُ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، أنَّ عائِشة قالت: يا أبا عائِشةَ: ثلاثٌ من قال بواحدةٍ مِنْهُنَّ فقد أعظم على اللهِ الفرية، قال: وكُنتُ مُتَّكِئاً فجلستُ، فقلتُ: يا أُمَّ المُؤمنين، أنظِريني ولا تُعجِلِينِي، أرأيت قول الله عزَّ وجلَّ {أية : وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [التكوير: 23]، {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ}تفسير : [النجم: 13] قالت: إنَّما هو جبريلُ عليه السلامُ، رَآهْ مرَّةً على خَلْقِهِ وصُورتهِ التي خُلِقَ عليها، وَرَآهُ مرةً أُخرى حين هَبَطَ من السماء إلى الأرضِ سادّاً عِظَمُ خلقِهِ ما بين السماءِ والأرضِ، قالت: أنا أولُ من سأل نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيةِ، فقال: "هو جِبريلُ". ومن زَعَمَ أنهُ يعلمُ ما يكونُ في غدٍ، فقد أعظمَ على اللهِ الفريةَ، واللهُ يقولُ {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}تفسير : [النمل: 65] ومن زعم أن مُحمداً كتم شيئاً مما أنزلَ اللهُ عليهِ فقد أعظمَ على اللهِ الفريةَ واللهُ يقولُ {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 67] قالت: لو كان مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم كاتِماً شيئاً مما أُنزِلَ عليهِ، لكتم هذه الآية {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [37]. 429 - أنا مُحمدُ بنُ المُثنى، عن ابنِ أبي عَدِيٍّ وعبدِ الأعلى عن داوُدَ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ نحوهُ وقال نا يزيدُ، قال حدَّثنا داوُدُ، عن الشَّعْبِيِّ، عن مَسْرُوقٍ، قال: كُنتُ عِندَ عائشةَ، فذكر نحوهُ. قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} [37] 430 - أنا سُويدُ بنُ نصرٍ، أنا عبدُ اللهِ، أنا سُليمانُ بنُ المُغيرةِ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: حديث : لَمَّا انقضتْ عِدَّةُ زينبَ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لزيدٍ: "اذكُرهَا عَلَيَّ" قال زيدٌ: فانطلقتُ، فقلتُ: يا زينبُ أبشري؛ أرسلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يذكُرُكِ، فقالت ما أنا بصانِعَةٍ شيئاً حتى أُوامِرَ رَبِّي، فقامتْ إلى مسجِدِهَا، ونزل الْقُرْأَنُ وجاءَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حتَّى دخلَ عليها بغيرِ إذنٍ . تفسير : 431 - أنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أنا المُلائِيُّ، نا عيسى بنُ طهمانَ، قال: سَمِعْتُ أنَساً يقولُ: كانت زينبُ تفخرُ على نِسَاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْكَحَني من السماءِ، وفيها نزلت آيةُ الحِجابِ؛ حديث : خرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وهُمْ قُعُودٌ، ثُمَّ رَجَعَ، وَهُمْ قُعُودٌ في البيتِ حتى رُئِيَ ذلك في وَجْهِهِ، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب: 53] .
همام الصنعاني
تفسير : 2346- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ}: [الآية: 37]، قال: أنعم الله عليه بالإِسلام، وأنعم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالعتق {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}: [الآية: 37]، قال قتادة: جاء زيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إِنَّ زينب اشتدَّ عَلَيَّ لِسَانُهَا، وأنا أريد أن أطلقها قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اتَّقِ الله و: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}، والنبي يُحِبُّ أن يُطلِّقها، وَيَخْسَى قَالَهَ الناس إن أمَرَهُ بطلاقها، فأنزل الله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً}: [الآية: 37]، قل قتادة: لما طَلَّقَها زيدٌ {زَوَّجْنَاكَهَا}. 2347- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، وأخبرني من سمع الحسن يقول: ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية أشدّ عيه منها قوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ}: [الآية: 37]، ولو كان كاتِماً مِنَ الْوحي شيئاً لكتمها. قال: وكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول: أَمَّا أنتن فَزَوَّجكُنَّ آباؤُكُنَّ، أمَّا أنا فزوَّجني ربُّ الْعَرْشِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):