٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني كان شرع من تقدمه كذلك، كان يتزوج الأنبياء بنسوة كثيرة أبكار ومطلقات الغير {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } أي كل شيء بقضاء وقدر والقدر التقدير وبين المفعول والمقدور فرق مقول بين القضاء والقدر، فالقضاء ما كان مقصوداً في الأصل والقدر ما يكون تابعاً له، مثاله من كان يقصد مدينة فنزل بطريق تلك المدينة بخان أو قرية يصح منه في العرف أن يقول في جواب من يقول لم جئت إلى هذه القرية؟ إني ما جئت إلى هذه وإنما قصدت المدينة الفلانية وهذه وقعت في طريقي وإن كان قد جاءها ودخلها وإذا عرفت هذا فإن الخير كله بقضاء وما في العالم من الضرر بقدر، فالله تعالى خلق المكلف بحيث يشتهي ويغضب، ليكون اجتهاده في تغليب العقل والدين عليهما مثاباً عليه بأبلغ وجه فأفضى ذلك في البعض إلى أن زنى وقتل فالله لم يخلقهما فيه مقصوداً منه القتل والزنا وإن كان ذلك بقدر الله إذا علمت هذا ففي قوله تعالى أولا {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } وقوله ثانياً {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } لطيفة وهي أنه تعالى لما قال {زَوَّجْنَـٰكَهَا } قال {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } أي تزويجنا زينب إياك كان مقصوداً متبوعاً مقضياً مراعى، ولما قال: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ } إشارة إلى قصة داود عليه السلام حيث افتتن بامرأة أوريا قال: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } أي كان ذلك حكماً تبعياً، فلو قال قائل هذا قول المعتزلة بالتوليد والفلاسفة بوجوب كون الأشياء على وجوه مثل كون النار تحرق حيث قالوا الله تعالى أراد أن يخلق ما ينضج الأشياء وهو لا يكون إلا محرقاً بالطبع فخلق النار للنفع فوقع اتفاق أسباب أوجبت احتراق دار زيد أو دار عمرو، فنقول معاذ الله أن نقول بأن الله غير مختار في أفعاله أو يقع شيء لا باختياره، ولكن أهل السنة يقولون أجرى الله عادته بكذا أي وله أن يخلق النار بحيث عند حاجة إنضاج اللحم تنضج وعند مساس ثوب العجوز لا تحرق، ألا ترى أنها لم تحرق إبراهيم عليه السلام مع قوتها وكثرتها لكن خلقها على غير ذلك الوجه بمحض إرادته أو لحكمة خفية ولا يسأل عما يفعل، فنقول ما كان في مجرى عادته تعالى على وجه تدركه العقول البشرية نقول بقضاء، وما يكون على وجه يقع لعقل قاصر أن يقول لم كان ولماذا لم يكن على خلافه نقول بقدر.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة. أعلمهم أن هذا ونحوه هو السَّنن الأقدم في الأنبياء أن ينالوا ما أحلّه لهم؛ أي سَنّ لمحمد صلى الله عليه وسلم التوسعة عليه في النكاح سُنّة الأنبياء الماضية؛ كداود وسليمان. فكان لداود مائة امرأة وثلاثمائة سُرِّية، ولسليمان ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سُرِّية. وذكر الثعلبيّ عن مقاتل وابن الكلبيّ أن الإشارة إلى داود عليه السلام؛ حيث جمع الله بينه وبين من فُتن بها. و«سُنَّةَ» نصب على المصدر؛ أي سَنّ الله له سُنة واسعة. و«الَّذِينَ خَلَوْا» هم الأنبياء؛ بدليل وصفهم بعدُ بقوله: {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} أي: فيما أحل له، وأمره به من تزويج زينب رضي الله عنها التي طلقها دعيه زيد بن حارثة رضي الله عنه. وقوله تعالى: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} أي: هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا رد على من توهم من المنافقين نقصاً في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي كان قد تبناه، {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} أي: وكان أمره الذي يقدره كائناً لا محالة، وواقعاً لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ } أحلّ {ٱللَّهُ لَهُ سُنَّةَ ٱللَّهِ } أي كسنة الله، فَنُصِبَ بنزع الخافض {فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ } فعله {قَدَراً مَّقْدُوراً } مقضياً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: فيما أحله الله له من تزويج زينب بنت جحش، قاله مقاتل. الثاني: التي وهبت نفسها للنبي إذ زوجها الله إياه بغير صداق ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قد تطوع عليها وأعطاها الصداق، قاله الحسن. الثالث: في أن ينكح من شاء من النساء وإن حرم على أمته أكثر من أربع لأن اليهود عابوه بذلك، قاله الضحاك. قال الطبري: نكح رسول الله خمس عشرة، ودخل بثلاثة عشرة، ومات على تسع، وكان يقسم لثمان. {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} السنة الطريقة المعتادة أي ليس على الأنبياء حرج فيما أحل الله لهم كما أحل لداود مثل هذا في نكاح من شاء وفي المرأة التي نظر إليها وتزوجها ونكح مائة امرأة وأحل لسليمان ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سُرّية. {وَكَانَ أَمُرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} فيه وجهان: أحدهما: فعلاً مفعولاً، قاله الضحاك. الثاني: قضاء مقضياً وهو قول الجمهور. وكانت زينب إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفراً تصلح طعامه وهي أول من مات من أزواجه في خلافة عمر ضي الله عنه وهي أول امرأة حملت على نعش لأن عمر قال حين ماتت: واسوأتاه تحمل أم المؤمنين مكشوفة كما يحمل الرجال فقالت أسماء بنت عميس: يا أمير المؤمنين إني قد كنت شاهدت في بلاد الحبشة شيئاً فيه للمرأة صيانة ووصفته له فأمر بعمله فلما رآه قال: نِعم خباء الظعينة.
ابن عطية
تفسير : هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة، أعلمهم أنه لا حرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نيل ما فرض الله له وأباحه من تزويج زينب بعد زيد، ثم اعلم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء من أن ينالوا ما أحل الله لهم، وحكى الثعلبي عن مقاتل وابن الكلبي أن الإشارة إلى داود عليه السلام حيث جمع الله بينه وبين من فتن بها، و {سنة} نصب على المصدر أو على إضمار فعل تقديره الزم أو نحوه. أو على الإغراء كأنه قال فعليه سنة الله، و {الذين خلوا} هم الأنبياء بدليل وصفهم بعد بقوله {الذين يبلغون رسالات الله}، و {أمر الله} في الآية أي مأمورات الله والكائنات عن أمره فهي مقدورة، وقوله {قدراً} فيه حذف مضاف، أي ذا قدر، وقرأ ابن مسعود "الذين بلغوا رسالات الله، وقوله {ولا يخشون أحداً إلا الله} تعريض بالعتاب الأول في خشية النبي عليه السلام الناس، ثم رد الأمَر كله إلى الله وأنه المحاسب على جميع الأعمال والمعتقدات {وكفى} به لا إله إلا هو، ويحتمل أن يكون {حسيباً} بمعنى محسب أي كافياً، وقوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} إلى قوله تعالى: {كريماً} أذهب الله تعالى في هذه الآية ما وقع في نفوس منافقين وغيرهم من نقد تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب زوجة دعيه زيد بن حارثة لأنهم كانوا استعظموا أن تزوج زوجة ابنه، فنفى القرآن تلك البنوة وأعلم أن محمداً لم يكن في حقيقة أمره أبا أحد من رجال المعاصرين له، ولم يقصد بهذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له ولد فيحتاج إلى الاحتجاج بأمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا، ولا في أمر الحسن والحسين بأنهما كانا طفلين ومن احتج بذلك فإنه تأول نفي البنوة عنه بهذه الآية على غير ما قصد بها وقرأ ابن أبي عبلة وبعض الناس "ولكن رسولُ الله" بالرفع على معنى هو رسول الله، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم والأعرج وعيسى "رسولَ الله" بالنصب على العطف على {أبا}، وهؤلاء قرؤوا "ولكن" بالتخفيف، وقرأت فرقة "ولكنّ" بشد النون ونصب "رسولَ" على أنه اسم "لكنّ" والخبر محذوف، وقرأ عاصم وحده والحسن والشعبي والأعرج بخلاف "وخاتَم" بفتح التاء بمعنى أنهم به ختموا فهو كالخاتم والطابع لهم، وقرأ الباقون والجمهور "خاتِم" بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم أي جاء آخرهم، وروت عائشة أنه عليه السلام قال: "حديث : أنا خاتَم الأنبياء" تفسير : بفتح التاء، وروي عنه عليه السلام أنه قال: "حديث : أنا خاتم ألف نبي"تفسير : ، وهذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفاً وسلفاً متلقاة على العموم التام مقتضية نصاً أنه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم، وما ذكره القاضي ابن الطيب في كتابه المسمى بالهداية من تجويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف، وما ذكره الغزالي في هذه الآية وهذا المعنى في كتابه الذي سماه بالاقتصاد إلحاد عندي وتطرق خبيث إلى تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد صلى الله عليه وسلم النبوءة، فالحذر الحذر منه والله الهادي برحمته، وقرأ ابن مسعود "من رجالكم ولكن نبينا ختم النبيين"، قال الرماني ختم به عليه السلام الاستصلاح فمن لم يصلح به فميئوس من صلاحه، وقوله تعالى: {وكان الله بكل شيء عليماً} والمقصد به هنا علمه تعالى بما رآه الأصلح بمحمد وبما قدره في الأمر كله، ثم أمر تعالى عباده بأن يذكروه {ذكراً كثيراً}، وجعل تعالى ذلك دون حد ولا تقدير لسهولته على العبد ولعظم الأجر فيه، قال ابن عباس لم يعذر أحد في ترك ذكر الله إلا من غلب على عقله، وقال الكثير أن لا تنساه أبداً، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون"تفسير : ، وقوله تعالى: {وسبحوه بكرة وأصيلاً} أراد في كل الأوقات مجدد الزمان بطرفي نهاره وليله، وقال قتادة والطبري وغيره الإشارة إلى صلاة الغداة وصلاة العصر. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه الآية مدنية فلا تعلق بها لمن زعم أن الصلاة إنما فرضت أولاً صلاتين في طرفي النهار، والرواية بذلك ضعيفة، والأصيل من العصر إلى الليل، ثم عدد تعالى على عباده نعمته في الصلاة عليهم وصلاة الله تعالى على العبد هي رحمته له وبركته لديه ونشره عليه الثناء الجميل، وصلاة الملائكة هي دعاؤهم للمؤمنين، وروت فرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يا رسول الله كيف صلاة الله على عباده؟ قال "حديث : سبوح قدوس رحمتي سبقت غضبي ". تفسير : قال الفقيه الإمام القاضي: واختلف في تأويل هذا القول، فقيل إن هذا كله من كلام الله وهي صلاته على عباده، وقيل سبوح قدوس هو من كلام محمد تقدمت بين يدي نقطة باللفظ الذي هو صلاة الله وهو رحمتي سبقت غضبي، وقدم عليه السلام هذا من حيث فهم من السائل أنه توهم في صلاة الله تعالى على عباده وجهاً لا يليق بالله عز وجل، فقدم التنزيه لله والتعظيم بين يدي أخباره، وقوله {ليخرجكم} أي صلاته وصلاة ملائكته لكي يهديكم وينقذكم من الكفر إلى الإيمان، ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيساً لهم، وقوله {يوم يلقونه} قيل يوم القيامة المؤمن تحييه الملائكة بـ"السلام" ومعناه السلامة من كل مكروه، وقال قتادة يوم دخولهم الجنة يحيي بعضهم بعضاً بالسلام، أي سلمنا وسلمت من كل مخوف، وقيل تحييهم الملائكة يومئذ، و"الأجر الكريم"، جنة الخلد في جواره تبارك وتعالى.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} أحله له من تزويج زينب أو من التي وهبته نفسها أن زوجه الله إياه بغير صداق ولكن أعطاها الصداق فضولاً "ح" أو أن ينكح ما شاء من عدد النساء وإن حرم على أمته أكثر من أربعة لأن اليهود عابوه بذلك. قال الطبري نكح الرسول صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ودخل بثلاث عشرة ومات عن تسع وكان القسم لثمان {سُنَّةَ اللَّهِ} السنة الطريقة المعتادة {فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ} أي لا حرج على الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم وسلامه فيما أحل لهم كما أحل لداود عليه الصلاة والسلام مثل هذا في نكاح ما شاء وفي المرأة التي نظر إليها وتزويجها ونكح مائة امرأة، وأحل لسليمان عليه الصلاة السلام ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سُرّية {قَدَراً مَّقْدُوراً} فعلاً مفعولاً، أو قضاء مقضياً عند الجمهور.
النسفي
تفسير : {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ } أحل له وأمر له وهو نكاح زينب امرأة زيد أو قدر له من عدد النساء {سُنَّةَ ٱللَّهِ } اسم موضع موضع المصدر كقولهم «تراباً وجندلاً» مؤكد لقوله {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىّ مِنْ حَرَجٍ } كأنه قيل: سن الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين وهو أن لا يحرج عليهم في الإقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره، وقد كانت تحتهم المهائر والسراري وكانت لداود مائة امرأة وثلثمائة سرية ولسليمان ثلثمائة حرة وسبعمائة سرية {فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } في الأنبياء الذين مضوا من قبل {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } قضاء مقضياً وحكماً مبتوتاً، ولا وقف عليه إن جعلت {ٱلَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالـٰتِ ٱللَّهِ } بدلاً من {ٱلَّذِينَ } الأول، وقف إن جعلته في محل الرفع أو النصب على المدح أي هم الذين يبلغون أو أعني الذي يبلغون {وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ } وصف الأنبياء بأنهم لا يخشون إلا اللّه تعريض بعد التصريح في قوله {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ }تفسير : {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } كافياً للمخاوف ومحاسباً على الصغيرة والكبيرة فكان جديراً بأن تخشى منه. {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } أي لم يكن أبا رجل منكم حقيقة حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح، والمراد من رجالكم البالغين، والحسن والحسين لم يكونا بالغين حينئذ والطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم توفوا صبياناً {وَلَـٰكِنِ } كان {رَسُولِ ٱللَّهِ } وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة فكان حكمه كحكمكم والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير {وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيّينَ } بفتح التاء عاصم بمعنى الطابع أي آخرهم يعني لا ينبأ أحد بعده وعيسى ممن نبي قبله، وحين ينزل ينزل عاملاً على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كأنه بعض أمته. وغيره بكسر التاء بمعنى الطابع وفاعل الختم. وتقوّيه قراءة ابن مسعود {وَلَـٰكِنِ نَبِيّاً خَتَمَ ٱلنَّبِيّينَ } {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } أثنوا عليه بضروب الثناء وأكثروا ذلك {وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً } أول النهار {وَأَصِيلاً } آخر النهار، وخصا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما. وعن قتادة: قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والفعلان أي اذكروا الله وسبحوه موجهان إلى البكرة والأصيل كقولك «صم وصل يوم الجمعة». والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختص من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة إبانة لفضله على سائر الأذكار، لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات. وجاز أن يراد بالذكر وإكثاره تكثير الطاعات والعبادات فإنها من جملة الذكر، ثم خص من ذلك التسبيح بكرة وهي صلاة الفجر وأصيلاً وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء أو صلاة الفجر والعشاءين. {هُوَ ٱلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَـئِكَتُهُ } لما كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره حنواً عليه وترؤفاً كعائد المريض في انعطافه عليه والمرأة في حنوها على ولدها، ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف ومنه قولهم «صلى الله عليك» أي ترحم عليك وترأف. والمراد بصلاة الملائكة قولهم «اللهم صل على المؤمنين» جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة، والمعنى هو الذي يترحم عليكم ويترأف حين يدعوكم إلى الخير ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر على الصلاة والطاعة {لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة {وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } هو دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة. وروي أنه لما نزل {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ }تفسير : قال أبو بكر: ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فنزلت {تَحِيَّتُهُمْ } من إضافة المصدر إلى المفعول أي تحية الله لهم {يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } يرونه {سَلَـٰمٌ } يقول الله تبارك وتعالى السلام عليكم {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً } يعني الجنة. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } على من بعثت إليهم وعلى تكذيبهم وتصديقهم أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم. كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم، وهو حال مقدرة كما تقول «مررت برجل معه صقر صائداً به» إي مقدراً به الصيد غداً {وَمُبَشّراً } للمؤمنين بالجنة {وَنَذِيرًا } للكافرين بالنار {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ } بأمره أو بتيسيره والكل منصوب على الحال {وَسِرَاجاً مُّنِيراً } جلا به الله ظلمات الشرك واهتدى به الضالون كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به. والجمهور على أنه القرآن فيكون التقدير وذا سراج منير أو وتالياً سراجاً منيراً، ووصف بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطه ودقت فتيلته، أو شاهداً بواحدانيتنا ومبشراً برحمتنا ونذيراً بنقمتنا وداعياً إلى عبادتنا وسراجاً وحجة ظاهرة لحضرتنا {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً } ثواباً عظيماً {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } المراد به التهييج أو الدوام والثبات على ما كان عليه {وَدَعْ أَذَاهُمْ } هو بمعنى الإيذاء فيحتمل أن يكون مضافاً إلى الفاعل أي اجعل إيذاءهم إياك في جانب ولا تبال بهم ولا تخف عن إيذائهم، أو إلى المفعول أي دع إيذاءك إياهم مكافأة لهم {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } فإنه يكفيكهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } وكفى به مفوضاً إليه. وقيل: إن الله تعالى وصفه بخمسة أوصاف وقابل كلاً منها بخطاب مناسب له، قابل الشاهد {أية : وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : لأنه يكون شاهداً على أمته وهم يكونون شهداء على سائر الأمم وهو الفضل الكبير، والمبشر بالإعراض عن الكافرين والمناققين لأنه إذا أعرض عنهم أقبل جميع إقباله على المؤمنين وهو مناسب للبشارة، والنذير بـ {وَدَعْ أَذَاهُمْ } لأنه إذا ترك أذاهم في الحاضر والأذى لا بد له من عقاب عاجل أو آجل كانوا منذرين به في المستقبل، والداعي إلى الله بتيسيره بقوله {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ }تفسير : فإن من توكل على الله يسر عليه كل عسير، والسراج المنير بالإكتفاء به وكيلاً لأن من أناره الله برهاناً على جميع خلقه كان جديراً بأن يكتفى به عن جميع خلقه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } أي تزوجتتم. والنكاح هو الوطء في الأصل وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث إنه طريق إليه كتسمية الخمر إثماً لأنه سببه، وكقول الراجز. أسنمة الآبال في سحابه سمى الماء بأسنمة الآبال لأنه سبب سمن الآبال وارتفاع أسنمتها. ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به، ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإتيان. وفي تخصيص المؤمنات مع أن الكتابيات تساوي المؤمنات في هذا الحكم إشارة إلى أن الأولى بالمؤمن أن ينكح مؤمنة {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } والخلوة الصحيحة كالمس {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } فيه دليل على أن العدة تجب على النساء للرجال. ومعنى {تَعْتَدُّونَهَا } تستوفون عددها تفتعلون من العد {فَمَتّعُوهُنَّ } والمتعة تجب للتي طلقها قبل الدخول بها ولم يسم لها مهر دون غيرها {وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } أي لا تمسكوهن ضراراً وأخرجوهن من منازلكم إذ لا عدة لكم عليهن.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له} أي فيما أحل الله له من النكاح، وغيره {سنة الله في الذين خلوا من قبل} معناه سن الله سنة في الأنبياء، وهو أن لا حرج عليهم في الإقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح، وغيره فإنه كان لهم الحرائر والسراري فقد كان لداود عليه السلام مائة امرأة، ولسليمان ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية فكذلك سن لمحمد صلى الله عليه وسلم التوسعة عليه كما سن لهم ووسع عليهم {وكان أمر الله قدراً مقدوراً} يعني قضاء مقضياً أن لا حرج على أحد فيما أحل له ثم أثنى الله على الأنبياء بقوله {الذين يبلغون رسالات الله} يعني فرائض الله وسننه وأوامره ونواهيه إلى من أرسلوا إليهم {ويخشونه} يعني يخافونه {ولا يخشون أحداً إلا الله} يعني لا يخافون قالت: الناس ولائمتهم فيما أحل لهم وفرض عليهم {وكفى بالله حسيباً} أي حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبهم. قوله عز وجل {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب قال: الناس إن محمداً تزوج امرأة ابنه فأنزل الله {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} يعني زيد بن حارثة والمعنى أنه لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح. فإن قلت: قد كان له أبناء القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم وقال الحسن::إن ابني هذا سيد. قلت: قد أخرجوا من حكم النفي بقوله من رجالكم وهؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال وقيل: أراد بالرجال الذي لم يلدهم {ولكن رسول الله} أي إن كل رسول هو أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه {وخاتم النبيين} ختم الله به النبوة فلا نبوة بعده أي ولا معه قال ابن عباس: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابناً ويكون بعده نبياً وعنه قال: إن الله لما حكم أن لا نبي بعده، لم يعطه ولداً ذكراً يصير رجلاً {وكان الله بكل شيء عليماً} أي دخل في علمه أنه لا نبي بعده. فإن قلت: قد صح أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان بعده وهو نبي قلت إن عيسى عليه السلام ممن نبيء قبله وحين ينزل في آخر الزمان ينزل عاملاً بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ومصلياً إلى قبلته كأنه بعض أمته (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون ويتعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين"تفسير : وعن جابر نحوه وفيه جئت فختمت الأنبياء (ق) عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله الكفر بي وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي" تفسير : وقد سماه الله رؤوفاً رحيماً (م) عن أبي موسى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي، لنا نفسه أسماء فقال "حديث : أنا محمد وأنا أحمد وأنا المقفي وأنا الماحي ونبي التوبة ونبي الرحمة"تفسير : المقفي هو المولى الذاهب، يعني آخر الأنبياء المتبع لهم فإذا قفي فلا نبي بعده. قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} قال ابن عباس: لم يفرض الله عز وجل على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، وأمرهم به في الأحوال كلها فقال تعالى {أية : فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم}تفسير : [النساء: 103] وقال تعالى {اذكروا الله ذكراً كثيراً} يعني بالليل والنهار في البر والبحر وفي الصحة والسقم وفي السر والعلانية، وقيل الذكر الكثير أن لا ينساه أبداً {وسبحوه} معناه إذا ذكرتموه ينبغي لكم أن يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم والتنزيه عن كل سوء {بكرة وأصيلاً} فيه إشارة إلى المداومة لأن ذكر الطرفين يفهم منه الوسط أيضاً وقيل: معناه صلوا له بكرة صلاة الصبح وأصيلاً يعني صلاة العصر وقيل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقيل: معنى سبحوه قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله زاد في نسخه العلي العظيم فعبر بالتسبيح عن أخواته والمراد بقوله: كثيراً هذه الكلمات يقولها الطاهر والجنب والحائض والمحدث {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين وقيل الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده والثناء عليه قال أنس: لما نزلت {أية : إن الله وملائكته يصلون على النبي}تفسير : [الأّحزاب: 56] قال أبو بكر: ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فأنزل الله هذه الآية {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} يعني أنه برحمته وهدايته، ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان {وكان بالمؤمنين رحيماً} فيه بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن قوله يصلي عليكم غير مختص بالسامعين، وقت الوحي بل هو عام لجميع المسلمين {تحيتهم} يعني تحية المؤمنين {يوم يلقونه} أي يرون الله يوم القيامة {سلام} أي يسلم الرب تعالى عليهم ويسلمهم من جميع الآفات وروي عن البراء بن عازب قال {تحيتهم يوم يلقونه سلام} يعني يلقون ملك الموت، لا يقبض روح مؤمن إلا يسلم عليه عن ابن مسعود قال إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال رب يقرئك السلام وقيل: تسلم عليهم الملائكة حين يخرجون من قبورهم تبشرهم {وأعد لهم أجراً كريماً} يعني الجنة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ...} الآية: هذه مخاطبةٌ من اللّهِ تعالى لجميعِ الأمة؛ أَعلمهم أَنه لا حرجَ على نبيه في نَيْل ما فَرَضَ اللّهُ له وأباحَهُ من تزويجهِ لزينبَ بَعْد زيد، ثم أعلم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء، من أن ينالوا ما أحله اللّه لهم، وعبارة الواحدي: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} أي: أحل اللّه له من النساء. {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ}، يقول: هذه سنة قَد مضت لغيركِ؛ يعني كثرةُ أزواج داودَ وسليمان، عليهما السلام، {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} قضاءٍ مقضياً. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَٰلـٰتِ ٱللَّهِ} من نَعْتِ قوله: {فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ}، انتهى.
ابو السعود
تفسير : {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىّ مِنْ حَرَجٍ} أي ما صحَّ وما استقامَ في الحكمةِ أن يكونَ له ضيقٌ {فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} أي قسمَ له وقدَّر، من قولِهم فرضَ له في الدِّيوانِ كذا ومنه فروضُ العساكرِ لأعطياتِهم {سُنَّةَ ٱللَّهِ} اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدرِ كقولِهم تُرباً وجنَدْلاَ مؤكد لما قبلَه من نفيِ الحرجِ أي سنَّ الله ذلك سُنَّةً {فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} مضَوا {مِن قَبْلُ} من الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ السَّلامُ حيثُ وسَّع عليهم في بابِ النِّكاحِ وغيره ولقد كانتْ لداودَ عليه السَّلامُ مائة امرأة وثلاثمائة سرّية ولسليمان عليه السلام ثلاثمائة امرأةٍ وسبعمائةِ سُرِّيةٍ وقولُه تعالَى {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} أي قضاءً مقضيَّا وحُكما مبتوتاً. اعتراضٌ وُسِّط بـين الموصولينِ الجاريـينِ مجرى الواحدِ للمسارعةِ إلى تقريرِ نفيِ الحَرجِ وتحقيقِه.
التستري
تفسير : قوله: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}[38] قال: أي معلوماً قبل وقوعه عندكم، وهل يقدر أحد أن يتقي المقدور؟ وقد قال عمر رضي الله عنه لما طعن: "{وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}[38]، ولقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم سيفعلون هذا". وحكي عن الضحاك أنه ينزل ملكان من السماء ومع أحدهما صحيفة فيها كتاب، ومع الآخر صحيفة ليس فيها كتاب، فيكتب عمل العبد وأثره، فإذا أراد أن يصعد قَال لصاحب الصحيفة المكتوبة: عارضني فيعارضه، فلا يخطئ حرفاً.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} [الآية: 38]. قال سهل رحمة الله عليه: أى معلومًا قبل وقوعه عندكم وهل يقدر أحد أن يجاوز المقدور.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما كان على النبى من حرج} اى ما صح وما استقام فى الحكمة ان يكون عليه ضيق فمن زائدة بعد النفى وحرج اسم كان الناقصة {فيما فرض الله له} اى قسم الله له وقدر كتزوج زينب من قولهم فرض له فى الديوان كذا ومنه فروض العساكر لارزاقهم {سنة الله} اسم موضوع موضع المصدر مؤكد لما قبله من نفى الحرج اى سن الله نفى الحرج سنة اى جعله طريقة مسلوكة {فى الذين خلوا} مضوا. قال فى المفردات الخلو يستعمل فى الزمان والمكان لكن لما تصور فى الزمان المضى فسر اهل اللغة قولهم خلا الزمان بقولهم مضى وذهب انتهى. يقول الفقير الخلو فى الحقيقة حال الزمان والمكان لان المراد خلوهما عما فيهما بموت ما فيهما فافهم {من قبل} من الانبياء حيث وسع عليهم فى باب النكاح وغيره ولقد كان لداود عليه السلام مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولابنه سليمان عليه السلام ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية فلك التوسعة فى امر النكاح مثل الانبياء الماضين {وكان امر الله} [وهست كار خدا] {قدرا مقدورا} قضاء مقضيا وحكما مبتوتا. قال فى المفردات القدر اشارة الى ما بين به القضاء والكتابة فى اللوح المحفوظ وهو المشار اليه بقوله (فرغ ربك من الخلق) والخلق والاجل والرزق والمقدور اشارة الى ما يحدث حالا فحالا وهو المشار اليه بقوله {أية : كل يوم هو فى شأن} تفسير : وفيه اشارة الى ان الله تعالى اذا قضى امر نبى او ولى لم يجعل عليه فى ذلك من حرج ولا سبب نقصان وان كان فى الظاهر سبب نقصان ما عند الخلق والذى يجرى على الانبياء والاولياء قضاء مبرم مبنى على حكم كثيرة ليس فيه خطأ ولا غلظ ولا عبث شعر : بير ما كفت خطا برقلم صنع نرفت آفرين برنظر باك خطا بوشش باد
الهواري
تفسير : قوله: {مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ} أي: من إثم {فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ} أي: فيما أحلّ الله له. قال بعضهم: هي زينب. وقال الحسن: هي التي وهبت نفسها إذ زوجه الله إياها بغير صداق، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قد تطوّع عليها فأعطاها الصداق. قال: {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} أي: مضوا من قبل. أي: إنه ليس على الأنبياء من حرج فيما أحلَّ الله لهم، وقد أحلَّ لداوود مائة امرأة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرّية. قال: {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}.
اطفيش
تفسير : {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له} اي فيما احل له من نكاح زينب وغيره او فرض بمعنى قسم. {سنة الله} منصوب على نزع الخافض اي كسنة الله او مفعول مطلق لمحذوف مؤكد لقوله تعالى {ما كان على النبي} الخ. والأصل سن الله ذلك سنة وحذف الفعل واضيف المصدر للفاعل. {في الذين خلوا من قبل} من الأنبياء لا حرج عليهم فيما ابيح عليهم كانت لداود عليه السلام مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان ثلاثمائة امرأة وسبع مائة سرية فوسع الله سبحانه لنبيه محمد في تسع نساء بلا صداق ولا ولي وهذه زينب وهبت له نفسها بلا صداق واصدقها تطوعا. {وكان أمر الله قدرا} قضاء. {مقدورا} مقضيا.
اطفيش
تفسير : {ما كانَ على النَّبي} صلى الله عليه وسلم {مِنْ حَرجٍ فيما فَرضَ الله له} قطعه له، وجعله نصيبا، يقال: قطع له السلطان كذا، وفرضه له، وذلك كنكاح تسع، وتزوج بلا صداق ولا ولى ولا شهود، وحسدوه قيل: شعر : وأظلم خلق الله من بات حاسداً لمن كان فى نعمائه يتقلب تفسير : {سنَّة الله} مفعول مطلق اى سن الله ذلك سنة، او منصوب على الاغراء بالخطاب، اى الزم سنة الله، او عليك سنة الله، ولا تقدر عليه سنة بالنصب بعليه على الاغراء بمعنى ليلزم، لان اغراء الغائب ضعيف كقولهم: عليه رجلاً ليسنى، وقيل: اسم الفعل لا يعمل محذوفا {في الذين خَلوا} مضوا من الانبياء {مِنْ قَبْل} من قبلك كما كان لداود مائة امرأة، وثلثمائة سرية، ولسليمان ثلاثمائة امرأة، وسبعمائة سرية، واخرج ابن سعد، عن محمد بن كعب القرظى ان الف امرأة، ولعل الألف ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية، وفى متعلق بسنة او بعماله المحذوف. {وكان أمْر الله قَدَراً} ذا قدر، او عن قدر {مقْدُوراً} تأكيد وهو نعت، كظل ظليل، وليل أليل، ويوم أيوم، والقدر ما فى الخارج، والقضاء فى الازل والأولى ان القدر هنا بمعنى القضاء، اذ يكون كل بمعنى الاخر، والامر واحد الامور، لا يتخلف وقد قضاه الله عز وجل، او ضد النهى فاتبعه ولا تخالف، ومعنى اتباع من قبله ولزم طريقهم ان يعتقد ان له ما لهم من التوسعة.
الالوسي
تفسير : {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىّ مِنْ حَرَجٍ } أي ما صح وما استقام في الحكمة أن يكون له حرج {فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ } أي قسم له صلى الله عليه وسلم وقدر من قولهم: فرض له في الديوان كذا، ومنه فروض العساكر لما يقطعه السلطان لهم ويرسم به، وقال قتادة: أي فيما أحل له، وقال الحسن: فيما خصه به من صحة / النكاح بلا صداق، وقال الضحاك: من الزيادة على الأربع {سُنَّةَ ٱللَّهِ } أي سن الله تعالى ذلك سنة فهو مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه، والجملة مؤكدة لما قبلها من نفي الحرج، وذهب الزمخشري إلى أنه اسم موضوع موضع المصدر كقولهم: ترباً وجندلاً أي رغماً وهواناً وخيبة، وكأنه لم تثبت عنده مصدريته، وقيل منصوب بتقدير الزم ونحوه. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون نصباً على الإغراء كأنه قيل: فعليه سنة الله. وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بجيد لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه، وأيضاً تقدير فعليه سنة الله بضمير الغائب لا يجوز إذ لا يغرى غائب وقولهم عليه رجلاً ليسني مؤول وهو مع ذلك نادر. واعترض بأن قوله: لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه ممنوع، وهو خلاف ما يفهم من كتب النحو وبأن ما ذكره في أمر إغراء الغائب مسلم لكن يمكن توجيهه هٰهنا كما لا يخفى، ثم قيل: إن ظاهر كلام ابن عطية يشعر بأن النصب بتقدير الزم قسيم للنصب على الإغراء وليس كذلك بل هو قسم منه اهـ فتدبر. {فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ } أي مضوا {مِن قَبْلُ } أي من قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث لم يحرج جل شأنه عليهم في الإقدام على ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره وقد كانت تحتهم المهائر والسراري وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي أنه كان له عليه السلام ألف امرأة، والظاهر أنه عنى بالمرأة ما يقابله السرية ويحتمل أنه أراد بها الأعم فيوافق ما قبله. يروى أن اليهود قاتلهم الله تعالى عابوه وحاشاه من العيب صلى الله عليه وسلم بكثرة النكاح وكثرة الأزواج فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: {سُنَّةَ ٱللَّهِ } الآية. وقيل: إنه جل وعلا أشار بذلك إلى ما وقع لداود عليه السلام من تزوجه امرأة أوريا. وأخرج ذلك ابن المنذر والطبراني عن ابن جريج، واسم تلك الامرأة عنده أليسية وهذا مما لا يلتفت إليه، والقصة عند المحققين لا أصل لها. {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } أي عن قدر أو ذا قدر ووصفه بمقدور نحو وصف الظل بالظليل والليل بالأليل في قولهم ظل ظليل وليل أليل في قصد التأكيد، والمراد بالقدر عند جمع المعنى المشهور للقضاء وهو الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، وجوز كونه بالمعنى المشهور له وهو إيجاد الأشياء على قدر مخصوص وكمية معينة من وجوه المصلحة وغيرها، والمعنى الأول أظهر، والقضاء والقدر يستعمل كل منهما بمعنى الآخر وفسر الأمر بنحو ما فسر به فيما سبق. وجوز أن يراد به الأمر الذي هو واحد الأوامر من غير تأويل ويراد أن أتباع أمر الله تعالى المنزل على أنبيائه عليهم السلام والعمل بموجبه لازم مقضي في نفسه أو هو كالمقضي في لزوم إتباعه، ولا يخفى تكلفه. وظاهر كلام الإمام اختيار أن الأمر واحد الأمور وفرق بين القضاء والقدر بما لم نقف عليه لغيره فقال ما حاصله: القضاء ما يكون مقصوداً له تعالى في الأصل والقدر ما يكون تابعاً والخير كله بقضاء وما في العالم من الضرر بقدر كالزنا والقتل ثم بنى على ذلك لطيفة وهو أنه لما قال سبحانه: {أية : زَوَّجْنَـٰكَهَا }تفسير : [الأحزاب: 37] ذيله بأمراً مفعولاً لكونه مقصوداً أصلياً وخيراً مقضياً ولما قال جل شأنه: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ } إشارة إلى قصة داود عليه السلام حيث افتتن بامرأة أوريا قال سبحانه: {قَدَراً مَّقْدُوراً } لكون الافتتان شراً غير مقصود أصلي من خلق المكلف، وفيه ما فيه، والجملة اعتراض وسط بين الموصولين / الجاريين مجرى الواحد للمسارعة إلى تقرير نفي الحرج وتحقيقه.
ابن عاشور
تفسير : استئناف لزيادة بيان مساواة النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في إباحة تزوج مطلقة دعيّه وبيان أن ذلك لا يخل بصفة النبوة لأن تناول المباحات من سنة الأنبياء، قال تعالى: {أية : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً}تفسير : [المؤمنون: 51]، وأن النبي إذا رام الانتفاع بمباح لميل نفسه إليه ينبغي له أن يتناوله لئلا يجاهد نفسه فيما لم يؤمر بمجاهدة النفس فيه، لأن الأليق به أن يستبقي عزيمته ومجاهدته لدفع ما أمر بتجنبه. وفي هذا الاستئناف ابتداء لنقض أقوال المنافقين أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة ابنه. ومعنى: {فرض الله له} قدّره، إذْ أَذِنَه بفعله. وتعدية فعل {فرض} باللام تدل على هذا المعنى بخلاف تعديته بحرف (على) كقوله: {أية : قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم}تفسير : [الأحزاب: 50]. والسُّنَّة: السيرة من عمل أو خُلق يلازمه صاحبه. ومضى القول في هل السنة اسم جامد أو اسم مصدر عند قوله تعالى: {أية : قد خلت من قبلكم سنن} تفسير : في سورة آل عمران (137)، وعلى الأول فانتصاب {سنة الله} هنا على أنه اسم وضع في موضع المصدر لدلالته على معنى فعل ومصدر. قال في «الكشاف» كقولهم: تُرباً وجندَلاً، أي في الدعاء، أي تَرب تُرباً. وأصله: تُرْب له وجندَلٌ له. وجاء على مراعاة الأصل قول المعري:شعر : تمنتْ قُوَيْقاً والسراة حِيالها تُرَابٌ لها من أَينق وجِمال تفسير : ساقه مساق التعجب المشوب بغضب. وعلى الثاني فانتصاب {سنة} على المفعول المطلق، وعلى كلا الوجهين فالفعل مقدّر دل عليه المصدر أو نائبه. فالتقدير: سَنّ الله سنته في الذين خلوا من قبل. والمعنى: أن محمداً صلى الله عليه وسلم متَّبع سُنَّة الأنبياء الذين سبقوه اتباعاً لما فرض الله له كما فرض لهم، أي أباح. والمراد بــــ{الذين خلوا}: الأنبياء بقرينة سياق لفظ النبي، أي الذين خلوا من قبل النبوة، وقد زاده بياناً قوله: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه}، فالأنبياء كانوا متزوجين وكان لكثير منهم عدة أزواج، وكان بعض أزواجهم أحب إليهم من بعضهن. فإن وقفنا عند ما جاء في هذه الآية وما بيّنته الآثار الصحيحة فالعبرة بأحوال جميع الأنبياء. وإن تلقَّيْنا بشيء من الإغضاء بعضَ الآثار الضعيفة التي أُلصِقت بقصة تزوج زينب كان داود عليه السلام عبرة بالخصوص فقد كانت له زوجات كثيرات وكان قد أحب أن يتزوج زَوجة (أوريا) وهي التي ضرب الله لها مثلاً بالخصم الذين تسَوّرُوا المحراب وتشاكوا بين يديه. وستأتي في سورة ص، وقد ذكرت القصة في «سفر الملوك». ومحلّ التمثيل بداود في أصل انصراف رغبته إلى امرأة لم تكن حلالاً له فصارت حلالاً له، وليس محلّ التمثيل فيما حَفّ بقصة داود من لوم الله إياه على ذلك كما قال: {أية : وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه}تفسير : [ص: 24] الآية لأن ذلك منتفٍ في قصة تزوّج زينب. وجملة {وكان أمر الله قدراً مقدوراً} معترضة بين الموصوف والصفة إن كانت جملة {الذين يبلغون} صفة لـــ{الذين خلوا من قبل}، أو تذييل مثل جملة {أية : وكان أمر الله مفعولا}تفسير : [الأحزاب: 37] إن كانت جملة {الذين يبلغون} مستأنفة كما سيأتي، والقول فيه مثل نظيره المتقدم آنفاً. والقَدَر بفتح الدال: إيجاد الأشياء على صفة مقصودة وهو مشتق من القَدْر بسكون الدال وهو الكمية المحددة المضبوطة، وتقدم في قوله تعالى: {أية : فسالت أودية بقدرها} تفسير : في سورة الرعد (17) وقوله: {أية : وما ننزله إلا بقدر معلوم} تفسير : في سورة الحجر (21). ولما كان من لوازم هذا المعنى أن يكون مضبوطاً محكماً كثرت الكناية بالقدَر عن الإِتقان والصدور عن العلم. ومنه حديث: "كل شيء بقضاء وقَدر"، أي من الله. واصطلح علماء الكلام: أن القدَر اسم للإِرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، ويطلقونه على الشيء الذي تعلق به القدَر وهو المقدور كما في هذه الآية، فالمعنى: وكان أمر الله مُقَدَّراً على حكمة أرادها الله تعالى من ذلك الأمر، فالله لما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بتزوج زينب التي فارقها زيد كان عالماً بأن ذلك لائق برسوله عليه الصلاة والسلام كما قدر لأسلافه من الأنبياء. وفي قوله: {الذين يبلغون} جيء بالموصول دون اسم الإشارة أو الضمير لما في هذه الصلة من إيماء إلى انتفاء الحرج عن الأنبياء في تناول المباح بأن الله أراد منهم تبليغ الرسالة وخشية الله بتجنب ما نهى عنه ولم يكلفهم إشقاق نفوسهم بترك الطيبات التي يريدونها، ولا حجب وجدانهم عن إدراك الأشياء على ما هي عليه من حُسْن الحَسَن وقُبْح القَبيح، ولا عن انصراف الرغبة إلى تناول ما حَسُن لديهم إذا كان ذلك في حدود الإِباحة، ولا كلّفهم مراعاة ميول الناس ومصطلحاتهم وعوائدهم الراجعة إلى الحيدة بالأمور عن مناهجها فإن في تناولهم رغباتهم المباحة عوناً لهم على النشاط في تبليغ رسالات الله، ولذلك عقب بقوله: {ولا يخشون أحداً إلا الله}، أي لا يخشون أحداً خشية تقتضي فعل شيء أو تركه. ثم إن جملة {الذين يبلغون} إلى آخرها يجوز أن تكون في موضع الصفة للذين خلوا من قبل، أي الأنبياء. وإذ قد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم متبع ما أذِن الله له اتباعه من سُنّة الأنبياء قبله عُلم أنه متصف بمضمون جملة {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله} بحكم قياس المساواة، فعلم أن الخشية التي في قوله: {أية : وتخشى الناس}تفسير : [الأحزاب: 37] ليست خشية خَوف توجب ترك ما يكرهه الناس أو فعلَ ما يرغبونه بحيث يكون الناس محتسبين على النبي عليه الصلاة والسلام ولكنها توَقُّع أن يصدر من الناس وهم المنافقون ما يكرهه النبي عليه الصلاة والسلام ويدل لذلك قوله: {وكفى بالله حسيباً}، أي الله حسيب الأنبياء لا غيره. هذا هو الوجه في سياق تفسير هذه الآيات، فلا تسلك في معنى الآية مسلكاً يفضي بك إلى توهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حصلت منه خشية الناس وأن الله عرّض به في قوله: {ولا يخشون أحداً إلا الله} تصريحاً بعد أن عرّض به تلميحاً في قوله: {أية : وتخشى الناس}تفسير : [الأحزاب: 37] بل النبي عليه الصلاة والسلام لم يكترث بهم وأقدم على تزوج زينب، فكل ذلك قبل نزول هذه الآيات التي ما نزلت إلا بعد تزوج زينب كما هو صريح قوله: {أية : زوّجناكها}تفسير : [الأحزاب: 37] ولم يتأخر إلى نزول هذه الآية. وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار في قوله: {وكفى بالله حسيباً} حيث تقدم ذكره لقصد أن تكون هذه الجملة جارية مجرى المثل والحِكمة. وإذ قد كان هذا وصف الأنبياء فليس في الآية مجال للاستدراك عليها بمسألة التقية في قوله تعالى: {أية : إلا أن تتقوا منهم تقاة}تفسير : [آل عمران: 28].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 38- ما كان على النبى من إثم فى عمل أمره الله به، سن الله سنته مع الأنبياء من قبل الا يحظر عليهم ما أباح لهم ووسع عليهم، وكان أمر الله قضاء مقضيا وحكماً مثبوتاً. 39- الذين يُبلِّغون إلى الناس رسالات الله كما أنزلها، ويخافونه ولا يخافون أحدا سواه، وكفى أن يكون الله هو الرقيب المحاسب. 40- ما كان محمد أبا أحد من رجالكم حتى يحرم عليه التزوج من مطلقته، ولكن رسول الله وخاتم النبيين، عليه أن يؤدى رسالته كما أمره ربه من غير خشية أحد، وكان الله بكل شئ محيطا علمه. 41، 42- يا أيها الذين آمنوا: اثنوا على الله بضروب الثناء وأكثروا من ذلك، ونزّهوه عن كل ما لا يليق به أول النهار وآخره. 43- وهو الذى يتعهدكم برحمته ولطفه، وملائكته تطلب المغفرة والهداية لكم، ليخرجكم الله بذلك من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والطاعة، وكان الله بالمؤمنين عظيم الرحمة. 44- تحيتهم من الله يوم يلقونه أمن وسلام لهم، وهيَّأ لهم على أعمالهم أجراً سخيا يشعرهم بفضله. 45- يا أيها النبى: إنا بعثناك إلى الناس برسالة الإسلام تشهد بالحق، وتبشر المؤمنين بما يكون لهم من خير وثواب، وتنذر الكافرين بسوء المصير.
د. أسعد حومد
تفسير : (38) - لَيْسَ عَلى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ أَوْ غَضَاضَةٍ فِيما أَحَلَّ اللهُ لَهُ، وَأَمَرَهُ بهِ (فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ)، مِنْ زَوَاجِ زَيْنَبِ مُطَلَّقَةِ مُتَبَنَّاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَهذا حُكْمُ اللهِ في الأَنبياءِ قبْلَهُ فَقَدْ أَبَاحَ لَهُمْ الزَّوْجَاتِ والسَّرَارِي، وَكَانَ لِسُلِيمَانَ وَدَاوُدَ وغيرِهِمَا مِنَ الأَنبِياءِ كَثِيراتٌ مِنْهُنَّ. وَمَا يُقَدِّرُهُ اللهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ سَيَقَعُ لا مَحَالَةَ، وَلاَ رَادَّ لَهُ. وَفِي هذِهِ الآيةِ رَدٌّ عَلَى اليَهُودِ الذِينَ عَابُوا عَلَى الرَّسُول صلى الله عليه وسلم كَثْرَةَ أَزْوَاجِهِ. خَلَوْا مِنْ قَبلُ - مَضَوْا مِنْ قَبْلِكَ مِنَ الأَنبياءِ. قَدَراً مَقْدُوراً - مُراداً أَزَلاً - أَوْ قَضَاءً مَقْضِيّاً لاَ رَادَّ لَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ ..} [الأحزاب: 38] أي: إثم أو ملامة {فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ ..} [الأحزاب: 38] أي: كيف تلومون رسول الله على تنفيذ أمر فرضه الله له وتأمل {فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ ..} [الأحزاب: 38] أي: لصالحه ولم يقُلْ فرض عليه؟ ما دام أن الله هو الذي فرض هذا، فلتُصعِّدوا الأمر إليه، فليس لرسوله ذنب فيه. وهذه المسألة تشبه تماماً مسألة الإسراء، فحين أخبر سيدنا رسول الله قومه بخبر الإسراء قالوا: يا محمد أتدَّعي أنك أتيتَ بيت المقدس في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ وهذا غباء منهم لأن محمداً لم يقل: سريْت إنما قال: أُسْرِي بي. فالذي أسرى به ربه - عز وجل - إذن: المسألة ليست من فعل محمد، ولكن من فعل الله. وسبق أن ضربنا لذلك مثلاً توضيحياً - ولله المثل الأعلى - قُلْنا: هَبْ أن رجلاً قال لك: أنا صعدتُ بولدي الصغير قمة (إفرست) أتقول له: كيف صعد ولدك قمة (إفرست)؟ لكن انتفعنا الآن بقول المكذِّبين: أتدَّعي يا محمد أنك أتيتَ بيت المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؛ لأن غباء المكذِّب يؤدي به إلى عكس ما قصده من غبائه، فهذا القول اتخذناه الآن دليلاً للرد على مَنْ يقولون بأن الإسراء كان رؤيا، أو كان بالروح دون الجسد. فلو قال رسول الله: رأيتُ في الرؤيا أني أتيتُ بيت المقدس ما قالوا هذه المقالة، إذن: فَهِمَ القومُ أن رسول الله أتى بيت المقدس بروحه وجسده، وإلا ما قارنوا بين ذهابهم وذهابه، فالذين عاصروا هذه الحادثة قالوا هذه المقالة، فكيف نأتي اليوم لنقول: إن الإسراء كنا مناماً، أو كان بالروح دون الجسد؟ وقوله تعالى: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ..} [الأحزاب: 38] أي: إخوانه من الرسل السابقين، أو فيما كان قبل الإسلام من التعدُّد، فلم يكُنْ رسول الله بدَعاً في هذه المسألة. {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} [الأحزاب: 38] تلحظ أن الآية السابقة خُتِمَتْ بقوله تعالى: {أية : وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} تفسير : [الأحزاب: 37] فلقائل أن يقول نعم مفعولاً في هذا الوقت الذي حدثتْ فيه هذه الأحداث؛ لذلك قال هنا {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} [الأحزاب: 38] أي: أن ما حدث لرسول الله كان مقدراً أزلاً، ولا شيء يخرج عن تقدير الله، وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ على ما كُتِب، وعلى ما قُدِر.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ} معناه من ضِيقٍ وإثمٍ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وقوله: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} [الأحزاب: 38] يشير إلى أن الله تعالى إذا قضى أمر النبي أو الولي لم يجعل عليه في ذلك من حرج ولا سبب نقصان، وإن كان في الظاهر سبب نقصان ما عند الخلق {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} [الأحزاب: 38] من الأنبياء والأولياء {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ} يعني: الذي يجري على الأنبياء والأولياء {قَدَراً مَّقْدُوراً} [الأحزاب: 38] قضاء مبرماً مبنياً على حكم كثيرة. ثم وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ} [الأحزاب: 39] في أداء الرسالة ورعاية حقوق الأمم وحفظ مصالح الدين {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب: 39] حافظاً لمصالحهم ومحاسباً لهم بكرمهم وبقوله: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] يشير إلى قطع نسبه إلى الخلق وتصحيحه إلى النبوة والرسالة بقوله: {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كل حسب ونسب منقطع إلا حسبي ونسبي" تفسير : ويقول: "حديث : لست كأحدكم"تفسير : وبقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40] يشير إلى إحاطة علمه من الأزل إلى الأبد بما كان ويكون فيما بينهما كما هو مع تغير أحوال المعلومات بلا تغير العلم بها من غير أن يشغله شأن من شأن علم معلوم له على صفة معينة عن شأن علمه بذلك المعلوم له اليوم على غير الصفة المعينة بالأمس. ثم أخبر عن كثرة الذكر وترجيحه على الفكر بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} [الأحزاب: 41] يشير إلى أن أحبوا الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أحبَّ شيئاً أكثر ذكره"تفسير : فأوجب الله تعالى محبته بالإشارة في الذكر الكثير، وإنما أوجبها بالإشارة دون العبارة الصريحة؛ لأن أهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحر يكفيه الإشارة، وإنما لم يصرح بوجوب المحبة؛ لأنها مخصوصة بقوله دون سائر الخلق، كما قال تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54] فعلى هذا بقوله: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152] يشير إلى أن أحبوني أحببكم. ثم يقول: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ} [الأحزاب: 43] يشير إلى أنكم إن تذكرون بذكر محدث، فإني قد صليت عليكم لما وفقتم لذكري كما أن محبتي لو لم تكن سابقة على محبتكم لما هديتم إلى محبتي، وأما صلاة الملائكة فإنما هي دعاء لكم على أنهم وجدوا رتبة الموافقة مع الله في الصلاة عليكم ببركتكم، ولولا استحقاقكم لصلاة الله عليكم لما وجدوا هذه الرتبة الشريفة. ثم قال: {لِيُخْرِجَكُمْ} [الأحزاب: 43] وما قال: لتخرجكم لمعنيين: أحدهما: لئلا يكون للملائكة منة عليكم بإخراجكم من الظلمات إلى النور. والثاني: لأنهم لا يقدرون على ذلك لأن الله هو الهادي من الضلالة إلى الإيمان؛ بل هو الذي يخرجكم من ظلمات البشرية وصفاتها إلى نور الروحانية وصفاتها ومن ظلمات الخليقة الروحانية إلى نور الربوبية بجذبات تجلي ذاته وصفاته، {وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 43] في الأزل قبل إيجاد الملائكة {رَحِيماً} [الأحزاب: 43] بأن يرحم عليهم بإخراجهم من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي دون غيرهم من الملائكة المقربين، فافهم جدّاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا دفع لطعن من طعن في الرسول صلى اللّه عليه وسلم، في كثرة أزواجه، وأنه طعن، بما لا مطعن فيه، فقال: { مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ } أي: إثم وذنب. { فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ } أي: قدر له من الزوجات، فإن هذا، قد أباحه اللّه للأنبياء قبله، ولهذا قال: { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا } أي: لا بد من وقوعه. ثم ذكر من هم الذين من قبل قد خلوا، وهذه سنتهم وعادتهم، وأنهم { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ } فيتلون على العباد آيات اللّه، وحججه وبراهينه، ويدعونهم إلى اللّه { وَيَخْشَوْنَهُ } وحده لا شريك له { وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا } إلا اللّه. فإذا كان هذا، سنة في الأنبياء المعصومين، الذين وظيفتهم قد أدوها وقاموا بها، أتم القيام، وهو: دعوة الخلق إلى اللّه، والخشية منه وحده التي تقتضي فعل كل مأمور، وترك كل محظور، دل ذلك على أنه لا نقص فيه بوجه. { وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } محاسبًا عباده، مراقبًا أعمالهم. وعلم من هذا، أن النكاح، من سنن المرسلين.
همام الصنعاني
تفسير : 2348- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ}: [ألآية: 38]، أيّ فيما أُحِلَّ له.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):