٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني كانوا هم أيضاً مثلك رسلا، ثم ذكره بحالهم أنهم جردوا الخشية ووحدوها بقوله: {وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ } فصار كقوله: { أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] وقوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } أي محاسباً فلا تخش غيره أو محسوباً فلا تلتفت إلى غيره ولا تجعله في حسابك.
ابن كثير
تفسير : يمدح تبارك وتعالى {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالـٰتِ} أي: إلى خلقه، ويؤدونها بأماناتها، {وَيَخْشَوْنَهُ} أي: يخافونه، ولا يخافون أحداً سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إِبلاغ رسالات الله تعالى، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} أي: وكفى بالله ناصراً ومعيناً، وسيد الناس في هذا المقام، بل وفي كل مقام، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإِنه قام بأداء الرسالة، وإِبلاغها إِلى أهل المشارق والمغارب، إِلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإِنه قد كان النبي قبله إِنما يبعث إِلى قومه خاصة، وأما هو صلى الله عليه وسلم فإِنه بعث إِلى جميع الخلق عربهم وعجمهم {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} تفسير : [الأعراف: 151] ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه رضي الله عنهم، بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم، ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إِلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، أخبرنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحقرن أحدكم نفسه؛ أن يرى أمر الله فيه مقال، ثم لا يقول، فيقول الله: ما يمنعك أن تقول فيه؟ فيقول: رب خشيت الناس، فيقول: فأنا أحق أن يخشى» تفسير : ورواه أيضاً عن عبد الرزاق عن الثوري عن زبيد عن عمرو بن مرة. ورواه ابن ماجه عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية، كلاهما عن الأعمش به. وقوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رِّجَالِكُمْ} نهى أن يقال بعد هذا: زيد بن محمد، أي: لم يكن أباه، وإِن كان قد تبناه، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم، فإِنه صلى الله عليه وسلم ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة رضي الله عنها، فماتوا صغاراً، وولد له صلى الله عليه وسلم إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضاً رضيعاً، وكان له صلى الله عليه وسلم من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين، فمات في حياته صلى الله عليه وسلم ثلاث، وتأخرت فاطمة رضي الله عنها حتى أصيبت به صلى الله عليه وسلم ثم ماتت بعده لستة أشهر. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} كقوله عز وجل: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124] فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإِذا كان لانبي بعده، فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإِن كل رسول نبي، ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً، فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان، ويعجبون منه ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة» تفسير : ورواه الترمذي عن بندار عن أبي عامر العقدي به، وقال: حسن صحيح. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا المختار بن فلفل، حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إِن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعد، ولا نبي» تفسير : قال: فشق ذلك على الناس، فقال: «حديث : ولكن المبشرات» تفسير : قالوا: يارسول الله وما المبشرات؟ قال: «حديث : رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة»تفسير : وهكذا رواه الترمذي عن الحسن بن محمد الزعفراني عن عفان بن مسلم به، وقال: صحيح غريب من حديث المختار بن فلفل. (حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سليم بن حيان عن سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى داراً، فأكملها وأحسنها، إِلا موضع لبنة، فكان من دخلها، فنظر إِليها قال: ما أحسنها إِلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» تفسير : ورواه البخاري ومسلم والترمذي من طرق عن سليم بن حيان به، وقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى داراً، فأتمها إِلا لبنة واحدة، فجئت أنا، فأتممت تلك اللبنة» تفسير : انفرد به مسلم من رواية الأعمش به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عثمان بن عبيد الراسبي قال: سمعت أبا الطفيل رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا نبوة بعدي إِلا المبشرات» تفسير : قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «حديث : الرؤيا الحسنة» تفسير : ــــ أو قال: ــــ «حديث : الرؤيا الصالحة».تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إِن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً، فأكملها وأحسنها وأجملها، إِلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بنيانك؟ ــــ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ــــ فكنت أنا اللبنة» تفسير : أخرجاه من حديث عبد الرزاق. (حديث آخر) عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً. قال الإمام مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر قالوا: حدثنا إِسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إِلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» تفسير : ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث إِسماعيل بن جعفر، وقال الترمذي: حسن صحيح. (حديث آخر) وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى داراً فأتمها، إِلا موضع لبنة واحدة، فجئت أنا، فأتممت تلك اللبنة» تفسير : ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، حدثنا سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إِني عند الله لخاتم النبيين، وإِن آدم لمنجدل في طينته».تفسير : (حديث آخر) قال الزهري: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إِن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين". وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إِسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن عبدالله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً كالمودّع، فقال: «حديث : أنا محمد النبي الأمي ــــ ثلاثاً ــــ ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، وعوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإِذا ذهب بي، فعليكم بكتاب الله تعالى؛ أحلوا حلاله، وحرموا حرامه» تفسير : تفرد به الإمام أحمد. ورواه الإمام أحمد أيضاً عن يحيى بن إِسحاق عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الله بن سريج الخولاني عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، فذكر مثله سواء، والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إِرسال محمد صلى الله عليه وسلم إِليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإِكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم في السنة المتواترة عنه: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده، فهو كذاب وأفاك دجال ضال مضل، لو تحرق وشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرجيات، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب؛ كما أجرى الله سبحانه وتعالى على يد الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إِلى يوم القيامة، حتى يختموا بالمسيح الدجال، فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها، وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإِنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف، ولاينهون عن منكر، إِلا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إِلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: {أية : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 221 ــــ 222] الآية، وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإِنهم في غاية البر والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه، ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائماً مستمراً ما دامت الأرض والسموات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ } نعت للذين قبله {يُبَلِّغُونَ رِسَالٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ } فلا يخشون مقالة الناس فيما أحل الله لهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبتهم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} يعني زيد بن حارثة فإن المشركين قالوا إن محمد تزوج امرأة ابنه فأكذبه الله بقوله {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُم} أي لم يكن أباً لزيد. {وَلكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ} يعني آخرهم وينزل عيسى فيكون حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً فيقتل الدجال ويكسر الصليب وقد روى نعيم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرجُ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِن ثَلاَثِينَ كُلُّهُم يَزْعَمُ أَنَّهُ نَبِيٌ وَلا نَبِيَّ بَعْدِي" تفسير : قال مقاتل بن سليمان ولم يجعل محمداً أبا أحد من الرجال لأنه لو جعل له ابناً لجعله نبياً وليس بعده نبي قال الله {وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ}.
ابو السعود
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالـٰتِ ٱللَّهِ} صفةٌ للذين خَلَوا أو مدحٌ لهم. بالنَّصبِ أو بالرَّفعِ. وقُرىء رسالةَ الله {وَيَخْشَوْنَهُ} في كلِّ ما يأتُون ويذرُون لا سيِّما في أمرِ تبليغِ الرِّسالةِ حيثُ لا يخرمُون منها حرَفاً ولا تأخذُهم في ذلكَ لومةُ لائمٍ {وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ} في وصفِهم بقصرِهم الخشيةَ على الله تعالى تعريض بما صدَرَ عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من الاحترازِ عن لائمةِ الخلقِ بعد التَّصريحِ في قولِه تعالى: { أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ} تفسير : [سورة الأحزاب: الآية 37] {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} كافياً للمخاوفِ فينبغي أنْ لا يُخشى غيرُه، أو محاسباً على الصَّغيرةِ والكبـيرةِ فيجبُ أنْ يكونَ حقُّ الخشيةِ منْهُ تعالى. {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ} أي على الحقيقةِ حيثُ يثبتُ بـينَهُ وبـينَهُ ما يثبتُ بـينِ الوالدِ وولدِه من حُرمةِ المُصاهرة وغيرِها ولا ينتقضُ عمومُه بكونهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أباً للطَّاهرِ والقاسمِ وإبراهيمَ لأنهم لم يبلغوا الحُلُمَ ولو بلغُوا لكانُوا رجالاً له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لا لَهمُ {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ} أي كانَ رسولاً لله وكلُّ رسولٍ أبُو أمَّتهِ لكنْ لا حقيقةً بل بمعنى أنَّه شفيقٌ ناصحٌ لهم وسببٌ لحياتِهم الأبديةِ وما زيدٌ إلا واحدٌ من رجالِكم الذين لا ولادَ بـينُهم وبـينَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فحكمه حكمُهم وليس للتبنِّي والادِّعاءِ حكمٌ سوى التَّقريبِ والاختصاصِ {وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيّينَ} أي كان آخرَهم الذين خُتموا به. وقُرىء بكسر التَّاءِ أي كان خاتمِهم ويُؤيِّده قراءةُ ابن مسعودٍ ولكنْ نبـياً ختَم النبـيِّـينَ، وأيّاً ما كانَ فلو كانَ له ابنٌ بالغٌ لكان نبـيّاً ولم يكنُ هو عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتمَ النبـيِّـينَ كما يُروى أنَّه قالَ في إبراهيمَ حينَ تُوفِّي « حديث : لو عاشَ لكانَ نبـيّاً » تفسير : ولا يقدحُ فيه نزولُ عيسىَ بعدَهُ عليهما السَّلامُ لانَّ معنى كونِه خاتمَ النبـيِّـينَ أنَّه لا يُنبَّأُ بعدَهُ أحدٌ وعيسى ممَّن نُبِّـىء قبلَه وحينَ ينزلُ إنَّما ينزلُ عاملاً على شريعةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُصلِّياً إلى قبلتِه كأنَّه بعضُ أمَّتهِ {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً} ومن جُملتهِ هذهِ الأحكامُ والحِكمُ التي بـيَّنها لكُم وكنتمُ منها في شكَ مريبٍ. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} بما هُو أهلُه من التَّهليلِ والتحميد والتَّمجيدِ والتقديس {ذِكْراً كَثِيراً} يعمُّ الأوقاتِ والأحوالَ {وَسَبّحُوهُ} ونزِّهوه عمَّا لا يليقُ به {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي أوَّلَ النَّهارِ وآخرَه على أنَّ تخصيصَهُما بالذِّكرِ ليسَ لقصرِ التَّسبـيحِ عليهما دُونَ سائرِ الأوقاتِ بل لإبانةِ فضلِهما على سائرِ الأوقاتِ لكونِهما مشهُودينِ كأفرادِ التَّسبـيحِ من بـينِ الأذكارِ مع اندراجهِ فيها لكونِه العُمدةَ فيها وقيل: كِلا الفعلينِ متوجهٌ إليهما كقولِك صُمْ وصَلِّ يومَ الجمعةِ وقيلَ: المرادُ بالتَّسبـيحِ الصَّلاةُ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ} [الآية: 39]. قال ابن عطاء: هذه خشية السادة والأكابر وإنما خشية عوام الخلق من جهنم.
القشيري
تفسير : "ويخشونه": علماً منهم بأنه لا يُصِيبُ أحداً ضررٌ ولا محذورٌ ولا مكروهٌ إلا بتقديره فيفردونه بالخشية إذ عَلِموا أنه لا شيءَ لأحدٍ مِنْ دونه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ} خشية الانبياء من العتاب وخشية الاولياء من الحجاب وخشية العموم من العذاب كما قال ابن عطا فى هذه الأية هذه خشية السادة والاكابر وانما خشية عوام الخلق من جهنم.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يبلغون رسالات الله} مجرور المحل على انه صفة للذين خلوا. ومعناه بالفارسية [آنانكه ميرسانيدند بيغامهاى خدارا بامتان خود] والمراد ما يتعلق بالرسالة وهى سفارة العبد بين الله وبين ذوى الالباب من خلقه اى ايصال الخبر من الله الى العبد {ويخشونه} فى كل ما يأتون ويذرون لا سيما فى امر تبليغ الرسالة حيث لا يقطعون منها حرفا ولا تأخذهم فى ذلك لومة لائم {ولا يخشون احدا الا الله} وفى وصفهم بقصرهم الخشية على الله تعريض بما صدر عنه عليه السلام من الاحتراز عن لائمة الخلق بعد التصريح فى قوله {أية : وتخشى الناس} تفسير : الآية. قال بعض الكبار خشية الانبياء من العقاب وخشية الاولياء من الحجاب وخشية عموم الخلق من العذاب. وفى الاسئلة المقحمة كيف قال ويخشونه ولا يخشون احدا الا الله ومعلوم انهم خافوا غير الله وقد خاف موسى عليه السلام حين قال له {أية : لا تخف انك انت الاعلى} تفسير : وكذلك قال يعقوب عليه السلام {أية : انى اخاف ان يأكله الذئب} تفسير : وكذلك خاف نبينا عليه السلام حين قيل له {أية : والله يعصمك من الناس} تفسير : وكذلك اخبر الكتاب عن جماعة من الانبياء انهم خافوا اشياء غير الله والجواب ان معنى الآية لا يعتقدون ان شيئا من المخلوقات يستقل باضرارهم ويستبد بايذائهم دون ارادة الله ومشيئته لما يعلمون ان الامور كلها بقضاء الله وقدره فاراد بالخوف خوف العقيدة والعلم واليقين لا خوف البشرية الذى هو من الطباع الخلقية وخواص البشرية ونتائج الحيوانية {وكفى بالله حسيبا} محاسبا لعباده على اعمالهم فينبغى ان يحاسب العبد نفسه قبل محاسبة الله اياه ولا يخاف غير الله لا فى امر النكاح ولا فى غيره اذا علم ان رضى الله وحكمه فيه. واعلم ان السواك والتعطر والنكاح ونحوها من سنن الانبياء عليهم السلام وليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم الى الآن ثم تستمر تلك العبادة فى الجنة الا الايمان والنكاح. قال بعض الكبار من كان اتقى كانت شهوته اشد وذلك ان حرارة الشهوة الحقيقية انما هى بعد نار العشق التى بعد نور المحبة فانظركم من فرق بين شهوة اهل الحجاب وشهوة اهل الشهود فعروق اهل الغفلة ممتلئة بالدم وعروق اهل اليقضة ممتلئة بالنور ولا شك ان قوة النور فوق قوة الدم فنسأل الله الهدى لا الحركة بالهوى ـ حكى ـ عن بعض الكبار انه قال كنت فى مجلس بعض العارفين فتكلم الى ان قال لا مخلص لاحد من الهوى ولو كان فلانا عنى به النبى عليه السلام حيث قال "حديث : حبب الى من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عينى فى الصلاة" تفسير : فقلت له أما تستحيى من الله تعالى فانه عليه السلام ما قال احببت بل قال حبب فكيف يلام العبد على ما كان من عند الله بلا اختيار منه قال ثم حصل لى غم وهمّ فرأيت النبى عليه السلام فى المنام فقال لا تغتم فقد كفينا امره ثم سمعت انه قتل فى طريق ضيعة له. قال بعض الكبار من اراد فهم المعانى الغامضة فى الشريعة فليتعمل فى تكثير النوافل فى الفرائض وان امكنه ان يكثر من نوافل النكاح فهو اولى اذ هو اعظم نوافل الخيرات فائدة لما فيه من الازدواج والانتاج فيجمع بين المعقول والمحسوس فلا يفوته شئ من العلم بالعالم الصادر عن الاسم الظاهر والباطن فيكون اشتغاله بمثل هذه النافلة اتم واقرب لتحصيل ما يرونه فانه اذا فعل ذلك احبه الحق واذا احبه صار من اهل الله كاهل القرآن واذا صار من اهل القرآن كان محلا للقائه وعرشا لاستوائه وسماء لنزوله وكرسيا لامره ونهيه فيظهر له منه ما لم يره فيه مع كونه كان فيه وقال كنت من ابغض خلق الله للنساء وللجماع فى اول دخولى فى الطريق وبقيت على ذلك نحو ثمانى عشر سنة حتى خفت على نفسى المقت لمخالفة ما حبب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما افهمنى الله معنى حبب علمت ان المراد ان لا يحبهن طبعا وانما يحبهن بتحبيب الله فزالت تلك الكراهة عنى وانا الآن من اعظم خلق الله شفقة على النساء لانى فى ذلك على بصيرة لا عن حب طبيعى انتهى ـ وروى ـ ان جماعة اتوا منزل زكريا عليه السلام فاذا فتاة جميلة قد اشرق لها البيت حسنا قالوا من انت قالت انا امرأة زكريا فقالوا لزكريا كنا نرى نبى الله لا يريد الدنيا وقد اتخذت امرأة جميلة فقال انما تزوجت امرأة جميلة لا كف بها بصرى واحفظ بها فرجى فالمرأة الصالحة المعينة ليست من الدنيا فى الحقيقة: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : زن خوب وفرمان بروبارسا كند مرد درويش را بادشا كراخانه آباد وهمخوا به دوست خدارا برحمت نظر سوى اوست جومستور باشد زن خوبروى بديدار او در بهشتست شوى
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ} صفة او بدل من الّذين خلوا، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ، او مفعول فعلٍ محذوفٍ {وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} فينبغى ان لا يخشى الاّ منه.
الهواري
تفسير : قال: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً} أي: حفيظاً لأعمالهم. قوله: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} يقول: إن محمداً لم يكن بأبي زيد، ولكن كان زيد دعيّاً له. قال: {وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيَّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}. قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً} وهذا ذكر ليس فيه وقت، وهو تطوع. {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً} أي: صلاة الغداة {وَأَصِيلاً} أي: صلاة الظهر والعصر. قال: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآئِكَتُهُ} تفسير ابن عباس أن صلاة الله الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار. قال: {لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: من الضلالة إلى الهدى {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} أي: فلا أرحم منه بهم. قوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} أي: تُحَيِّيهم الملائكة عن الله بالسلام، في تفسير الحسن. {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً} أي: ثواباً كريماً، يعني الجنة.
اطفيش
تفسير : {الذين يبلغون} نعت للذين قبله او لمنعوت الذين المحذوف او مفعول لمحذوف او خبر لمحذوف على المدح. {رسالات الله} وقرىء {رسالة الله} بالافراد. {ويخشونه} يخافونه ان يقصروا فيما امر به او نهى عنه. {ولا يخشون أحدا إلا الله} لا يخافون لومة لائم فيما احل الله لهم وهذا تعريض للنبي صلى الله عليه وسلم اذ كان يخشى الناس في امر زينب فكأنه قال ولا يخشون احدا كما خشيت انت الناس. {وكفى بالله حسيبا} حافظا لأعمال الخلق أو محاسبا لهم فمجازيا لهم فهو الذي يجب ان يخشى.
اطفيش
تفسير : {الَّذين} نعت ولا دليل عل القطع الى الرفع او النصب {يُبلِّغون رسالات الله} الى عباده {ويخْشَونه} يخافونه مع تعظيم له وحده كما قال: {ولا يخْشَون أحداً إلا الله} ولا سيما فى التبليغ، فبلغ بلا خشية أحد، كما بلغوا كذلك {وكَفَى بالله حَسيباً} كافيا للمكاره، فلا تخف مكروها من أحد، أو محاسبا على الذنوب تهديدا عليها، وتجوز التقية عندنا عن الموت، وما دونه من تلف عضو، او منفعته، وعن المال والعرض بحيث لا يضر غيره بتقية كبهت، وبلا معصية فلا يزنى تقية، والبسط فى الفروع، ومنعت الصفرية والأزارقة والنجدية التقية فى الدين عن النفس والعرض والمال، وأباحوا المال والقتل بالذنب، وأوجبوا الهجرة بدل التقية. ولنا توسيع أكبره ان يقيم فى بلد الشرك من أسلم فيه أن علم دين الاسلام، ووصل اليه ولو سر، ولهم تشديدات، وشتموا بريدة الأسلمى الصحابى لكونه يحافظ عل فرسه وهو فى الصلاة خوفا من هروبه، وأخطأوا لعنهم الله، والحق معه يجوز له ان يمسك عنانها وهو يصلى اذا لم يجد إلاّ ذلك، ومن المذهب ان تذهب من الصلاة لتخلص لحماً عن الهر، وشعيرا عن الدابة: ويبنى على ما مضى، ولا تجوز التقية للانبياء فى امر الدين للآية، وقيل بجوازها الا فى التبليغ، وليس من التقية قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شأن زوج زيد، بل عرض طبعى. واما قول موسى: "أية : إننا نخاف أن يفرط"تفسير : [طه: 45] الخ فكلام منه مع الله لا تقية، وأيضا الذى فى الآية الخشية وهى الخوف الشديد، او الخوف مع تعظيم فهى اخص، ولا يلزم من نفى الاخص نفى الاعم، او خاف القتل قبل ان يؤدى وأما "أية : لا يخاف لدي المرسلون" تفسير : [النمل: 10] فمعناه لا يلحقهم خوف يعطلهم عن الطاعة والحق.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالـٰتِ ٱللَّهِ } صفة للذين خلوا أو هو في محل رفع أو نصب على إضمارهم أو على المدح. وقرأ عبد الله {بَلَغُواْ } فعلاً ماضياً، وقرأ أبـي {رِسَالَةَ } على التوحيد لجعل الرسالات المتعددة لاتفاقها في الأصول وكونها من الله تعالى بمنزلة شيء واحد وإن اختلفت أحكامها {وَيَخْشَوْنَهُ } أي يخافونه تعالى في كل ما يأتون ويذرون لا سيما في أمر تبليغ الرسالة {وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ } في وصفهم بقصرهم الخشية على الله تعالى تعريض بما صدر عنه عليه الصلاة والسلام من الاحتراز عن لائمة الناس من حيث إن إخوانه المرسلين لم تكن سيرتهم التي ينبغي الاقتداء بها ذلك، وهذا كالتأكيد لما تقدم من التصريح في قوله سبحانه: {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ }تفسير : [الأحزاب: 37] وتوهم بعضهم أن منشأ التعريض توصيف الأنبياء بتبليغ الرسالات وحمل الخشية على الخشية في أمر التبليغ لوقوعها في سياقه وفيه ما لا يخفى {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً } أي كافياً للمخاوف أو محاسباً على الكبائر والصغائر من أفعال القلب والجوارح فلا ينبغي أن يخشى غيره، والإظهار في مقام الإضمار لما في هذا الاسم الجليل ما ليس في الضمير. واستدل بالآية على عدم جواز التقية على الأنبياء عليهم السلام مطلقاً، وخص ذلك بعض الشيعة في تبليغ الرسالة وجعلوا ما وقع منه صلى الله عليه وسلم في هذه القصة - المشار إليه بقوله تعالى: {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ} تفسير : [الأحزاب: 37] بناء على أن الخشية فيه بمعنى الخوف لا على أن المراد الاستحياء من قول الناس تزوج زوجة ابنه كما قاله ابن فورك - من التقية الجائزة حيث لم تكن في تبليغ الرسالة، ولا فرق عندهم بين خوف المقالة القبيحة وإساءة الظن وبين خوف المضار في أن كلاً يبيح التقية فيما لا يتعلق بالتبليغ، ولهم في التقية كلام طويل وهي لأغراضهم ظل ظليل، والمتتبع لكتب الفرق يعرف أن قد وقع فيها إفراط وتفريط وصواب وتخليط وإن أهل السنة والجماعة قد سلكوا فيها الطريق الوسط وهو الطريق الأسلم الأمين سالكه من الخطأ والغلط، أما الإفراط فللشيعة حيث جوزوا بل أوجبوا على ما حكي عنهم إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع، وأما التفريط فللخوارج والزيدية حيث لا يجوزون في مقابلة الدين مراعاة العرض وحفظ النفس والمال أصلاً، وللخوارج تشديدات عجيبة في هذا الباب، وقد سبوا وطعنوا بريدة الأسلمي أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أنه رضي الله تعالى عنه كان يحافظ فرسه في صلاته خوفاً من أن يهرب. ومذهب أهل السنة أن التقية وهي محافظة النفس أو العرض أو المال من نحو الأعداء بإظهار محظور ديني مشروعة في الجملة. وقسموا العدو إلى قسمين: الأول: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالمسلم والكافر ويلحق به من كانت عداوته لاختلاف المذهب اختلافاً يجر إلى تكفير أصحاب أحد المذهبين أصحاب المذهب الآخر كأهل السنة والشيعة، والثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمرأة وعلى هذا تكون التقية أيضاً قسمين: أما الأول: فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين حقيقة أو حكماً وقد ذكروا في ذلك أن من يدعي الإيمان إذا وقع في محل لا يمكن أن يظهر دينه وما هو عليه لتعرض المخالفين وجب عليه أن يهاجر إلى محل يقدر فيه الى الإظهار ولا يجوز له أن يسكن هنالك ويكتم دينه بعذر الاستضعاف / فأرض الله تعالى واسعة، نعم إن كان له عذر غير ذلك كالعمى والحبس وتخويف المخالف له بقتله أو قتل ولده أو أبيه أو أمه على أي وجه كان القتل تخويفاً يظن معه وقوع ما خوف به جاز له السكنى والموافقة بقدر الضرورة ووجب عليه السعي في الحيلة للخروج وإن لم يكن التخويف كذلك كالتخويف بفوات المنفعة أو أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب القليل الغير المهلك لا يجوز له الموافقة وإن ترتب على ذلك موته كان شهيداً. وأما الثاني: فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية. وقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه فقال بعضم: تجب الهجرة لوجوب حفظ المال والعرض. وقال جمع: لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود بتركها نقصان في الدين إذ العدو المؤمن كيفما كان لا يتعرض لعدوه الضعيف المؤمن مثله بالسوء من حيث هو مؤمن. وقال بعض الأجلة على طريق المحاكمة: الحق أن الهجرة هٰهنا قد تجب أيضاً وذلك إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو الإفراط في هتك حرمته، وقال إنها مع وجوبها ليست عبادة إذ التحقيق أنه ليس كل واجب عبادة يثاب عليها فإن الأكل عند شدة المجاعة والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض وعن تناول السمومات في حال الصحة وما أشبه ذلك أمور واجبة ولا يثاب فاعلها عليها اهـ، وفيه بحث وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من زبر العلماء الأعلام، ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لذكر شيء من ذلك والله تعالى الهادي لسلوك أقوم المسالك. بقي لنا فيما يتعلق بالآية شيء وهو ما قيل: إنه سبحانه وصف المرسلين الخالين عليهم الصلاة والسلام بأنهم لا يخشون أحداً إلا الله وقد أخبر عز وجل عن موسى عليه السلام بأنه قال: {أية : إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا }تفسير : [طه: 45] وهل خوف ذلك إلا خشية غير الله تعالى فما وجه الجمع؟ قلت: أجيب بأن الخشية أخص من الخوف. قال الراغب: الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وذكر في ذلك عدة آيات منها هذه الآية، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام فقد يجتمع مع إثباته، وهذا أولى مما قيل في الجواب من أن الخشية أخص من الخوف لأنها الخوف الشديد والمنفي في الآية هٰهنا هو ذلك لا مطلق الخوف المثبت فيما حكى عن موسى عليه السلام، وأجاب آخر بأن المراد بالخشية المنفية الخوف الذي يحدث بعد الفكر والنظر وليس من العوارض الطبيعية البشرية، والخوف المثبت هو الخوف العارض بحسب البشرية بادي الرأي وكم قد عرض مثله لموسى عليه السلام ولغيره من إخوانه وهو مما لا نقص فيه كما لا يخفى على كامل؛ وهو جواب حسن، وقيل: إن موسى عليه السلام إنما خاف أن يعجل فرعون عليه بما يحول بينه وبين إتمام الدعوة وإظهار المعجزة فلا يحصل المقصود من البعثة فهو خوف لله عز وجل، والمراد بما نفي عن المرسلين هو الخوف عنه سبحانه بمعنى أن يخاف غيره جل وعلا فيخل بطاعته أو يقدم على معصيته وأين هذا من ذاك فتأمل تولى الله تعالى هداك.
د. أسعد حومد
تفسير : {رِسَالاَتِ} (39) - يَصِفُ اللهُ تَعَالى الأَنبياءُ الكِرَام الذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبلِ مُحَمَّدٍ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ بِإِبلاغِ رِسِالاتِ رَبِّهِمْ إِلى مَنْ أَرْسَلَهُمُ اللهُ إِليهِمْ، وَلا يَتَرَدَّدُونَ فِي ذَلِكَ مَهْمَا كَانَ الحُكْمُ الذِي يُرِيدُونَ تَبلِيغَه ثَقِيلاً عَلَى نُفُوسِهِمْ. وَيَخَافُونَ اللهَ فِي تَرْكِهِمْ تَبليغَ الرِّسَالاَتِ، وَلا يَخَافُونَ أَحَداً سِوَاهُ، وَكَفى بِاللهِ مُعِيناً وَنَاصِراً وَحَافِظاً لأَعْمَالِ العِبَادِ، وَمُحَاسِباً عَلَيها. حَسِيباً - مُحَاسِباً عَلَى الأَعْمَالِ.
الثعلبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ} محلّ الذين خفض على النعت على الذين خلوا {وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ} لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحلّ الله لهم وفرض عليهم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبتهم عليها، ثمّ نزلت في قول الناس إنّ محمّداً تزوّج امرأة ابنه {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} الذين لم يلده فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إيّاها، يعني زيداً، وإنّما كان أبا القاسم والطيب والمطهر وإبراهيم. {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} أي آخرهم ختم الله به النبوّة فلا نبيّ بعده، ولو كان لمحمّد ابن لكان نبيّاً. أخبرنا عبدالله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان، عن عبدالرحمن عن سفيان، عن الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبيّ ". تفسير : واختلف القرّاء في قوله {خَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} فقرأ الحسن وعاصم بفتح التاء على الاسم، أي آخر النَّبِين. كقوله: خاتمه مسك، أي آخره. وقرأ الآخرون بكسر التاء على الفاعل، أي أنّه خاتم النبيّين بالنبوّة. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} قال ابن عبّاس: لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلاّ جعل لها حدّاً معلوماً، ثمّ عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإنّه لم يجعل له حدّاً يُنتهى إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلاّ مغلوباً على عقله، وأمرهم بذكره في الأحوال كلّها فقال: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ}تفسير : [النساء: 103] وقال: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} بالليل والنهار وفي البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر والصحّة والسقم والسرّ والجهر وعلى كلّ حال. وقال مجاهد: الذكر الكثير أنْ لا تنساه أبداً. أخبرني ابن فنجويه عن ابن شبّه عن الفراتي، عن عمرو بن عثمان، عن أَبي، عن أبي لهيعة، عن دُراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : أكثروا ذكر الله حتّى يقولوا مجنون " تفسير : {وَسَبِّحُوهُ} وصلّوا له {بُكْرَةً} يعني صلاة الصبح {وَأَصِيلاً} يعني صلاة العصر عن قتادة. وقال ابن عبّاس: يعني صلاة العصر والعشاءين. وقال مجاهد: يعني قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فعبّر بالتسبيح عن أخواته، فهذه كلمات يقولها الطاهر والجنب والمحدث. قوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ} بالرحمة. قال السدي: قالت بنو إسرائيل لموسى: أيصلّي ربُّنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى فأوحى الله إليه أنْ قُل لهم: إنّي أُصلّي، وإنّ صلاتي رحمتي، وقد وسعت رحمتي كلّ شيء. وقيل: (يصلّي) يشيع لكم الذكر الجميل في عباده. وقال الأخفش: يبارك عليكم {وَمَلاَئِكَتُهُ} بالاستغفار والدعاء {لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}. قال أنس بن مالك: لمّا نزلت {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] الآية، قال أبو بكر: ما خصّك الله بشرف إلاّ وقد أشركتنا فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {تَحِيَّتُهُمْ} أي تحية المؤمنين {يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ} أي يرون الله عزّ وجلّ {سَلاَمٌ} أي يسلّم عليهم ويسلّمهم من جميع الآفات والبليّات. أخبرني ابن فنجويه، عن ابن حيان، عن ابن مروان عن أبي، عن إبراهيم بن عيسى، عن علي بن علي، حدّثني أبو حمزة الثمالي في قوله عزّ وجلّ: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} قال: تسلّم عليهم الملائكة يوم القيامة وتبشِّرهم حين يخرجون من قبورهم. وقيل: هو عند الموت والكناية مردودة إلى مَلك الموت كناية عن غير مذكور. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، عن إسحاق بن محمد بن الفضل الزيّات، عن محمد بن سعيد بن غالب، عن حمّاد بن خالد الخيّاط، عن عبد الله بن وافد أبو رجاء، عن محمد بن مالك، عن البراء بن عازب في قوله عزّ وجلّ: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} قال: يوم يلقون ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلاّ سلّمَ عليه. وأخبرني الحسين بن محمد عن ابن حبيش المقرئ، حدّثني عبد الملك بن أحمد بن إدريس القطان بالرقة، عن عمر بن مدرك القاص قال: أخبرني أبو الأخرص محمد بن حيان البغوي، عن حمّاد بن خالد الخيّاط، عن خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن أبي الأخوص، عن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربّك يُقرئك السلام. {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً} وهو الجنّة. قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} يستضيء به أهل الدين. قال جابر بن عبدالله: لمّا نزلت {إِنَّا فَتَحْنَا} الآيات، قال الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله هذه العارفة، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً * وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ} اصبر عليهم ولا تكافئهم. نسختها آية القتال {وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً}. قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} تجامعوهن {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} تحصونها عليهن بالأقراء والأشهر {فَمَتِّعُوهُنَّ} أي أعطوهن ما يستمتعن به. قال ابن عبّاس: هذا إذا لم يكن سمّى لها صداقاً، فإذا فرض لها صداقاً فلها نصفه، وقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله: {أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}تفسير : [البقرة: 237] وقيل: هو أمر ندب، فالمتعة مستحبّة ونصف المهر واجب {وَسَرِّحُوهُنَّ} وخلّوا سبيلهن {سَرَاحاً جَمِيلاً} بالمعروف، وفي الآية دليل على أنّ الطلاق قبل النكاح غير واقع خصَّ أو عمَّ خلافاً لأهل الكوفة. أخبرني الحسين بن محمّد بن فنجويه، عن ابن شنبه، عن عبد الله بن أحمد بن منصور الكسائي، عن عبد السلام بن عاصم الرازي، قال: أخبرني أبو زهير، عن الأحلج، عن حبيب بن أبي ثابت قال: كنت قاعداً عند علي بن الحسين، فجاءه رجل فقال: إنّي قلت: يوم أتزوّج فلانة بنت فلان فهي طالق. قال: اذهب تزوّجها، فإنّ الله عزّ وجلّ بدأ بالنكاح قبل الطلاق، وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} ولم يقل إذا طلقتموهن ثمّ نكحتموهن ولم يرهُ شيئاً. والدليل عليه ما أخبرنا الحسين بن محمّد بن الحسين، عن عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: أخبرني أبو بكر محمد بن إبراهيم المنذر النيسابوري بمكّة، عن الربيع بن سليمان، عن أيّوب بن سويد، عن ابن أبي ذيب عن عطاء، عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا طلاق قبل نكاح ". تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} مهورهن {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ} مثل صفية وجويرية ومارية {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ} من نساء عبد المطلب {وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ} من نساء بني زهرة {ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} فمن لم تهاجر منهنّ فليس له نكاحها. وقرأ ابن مسعود: {وٱللاَّتِي هَاجَرْنَ}، بواو. أنبأني عقيل بن محمد عن المعافى بن زكريا عن محمد بن جرير قال: أخبرني أبو كريب، عن عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن أُمّ هاني قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ثمّ أنزل الله عزّ وجلّ: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ}... إلى قوله: {ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} قالت: فلم أحلّ له لأني لم أُهاجر، معه كنتُ من الطلقاء. {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً} أي وأحللنا لك امرأة مؤمنة {إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} بغير مهر. وقرأ العامة إِن بكسر الألف على الجزاء والاستقبال، وقرأ الحسن بفتح الألف على المضي والوجوب، {إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا} فله ذلك {خَالِصَةً} خاصّةً لك، {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فليس لامرأة أنْ تهب نفسها لرجل بغير شهود ولا وليّ ولا مهر إلاّ النبيّ(عليه السلام)، وهذا من خصائصه في النكاح، كالتخيير والعدد في النساء، وما روي انّه أعتق صفيّة وجعل عتقها صداقها ولو تزوّجها بلفظ الهبة لم ينعقد النكاح، هذا قول سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء ومالك والشافعي وربيعة وأبي عبيد وأكثر الفقهاء. وقال النخعي وأهل الكوفة: إذا وهبت نفسها منه وقبلها بشهود ومهر فإنَّ النكاح ينعقد والمهر يُلزَم به، فأجازوا النكاح بلفظ الهبة. وقالوا: كان اختصاص النبي (عليه السلام) في ترك المهر. والدليل على ما ذهب الشافعي إليه: إنّ الله تعالى سمّى النكاح باسمين التزويج والنكاح، فلا ينعقد بغيرهما. واختلف العلماء في التي وهبت نفسها لرسول الله، وهل كانت امرأة عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم كذلك؟ فقال ابن عبّاس ومجاهد: لم يكن عند النبي صلّى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده(عليه السلام) امرأة إلاّ بعقد النكاح أو ملك اليمين، وإنّما قال الله تعالى {إِن وَهَبَتْ} على طريق الشرط والجزاء. وقال الآخرون: بل كانت عنده موهوبة، واختلفوا فيها. فقال قتادة: هي ميمونة بنت الحرث. قال الشعبي: زينب بنت خزيمة أُمّ المساكين امرأة من الأنصار. قال علي بن الحسين والضحّاك ومقاتل: أُمّ شريك بنت جابر من بني أسد. قال عروة بن الزبير: خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم. {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} يعني أوجبنا على المؤمنين {فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ} قال مجاهد: يعني أربعاً لا يتجاوزونها. قتادة: هو أنْ لا نكاح إلاّ بوليّ وشاهدين {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} يعني الولائد والإماء {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} في نكاحهن {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. قوله: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ} أي تؤخّر {وَتُؤْوِيۤ} وتضمّ {إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} واختلف المفسِّرون في معنى الآية، فقال أبو رزين وابن زيد: نزلت هذه الآية حين غارت بعض أُمّهات المؤمنين على النبيّ صلى الله عليه وسلم وطلب بعضهنّ زيادة النفقة، فهجرهنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم شهراً حتى نزلت آية التخيير، وأمره الله عزّ وجلّ أنْ يخيّرهنّ بين الدنيا والآخرة، وأن يخلّي سبيلَ مَنْ اختارت الدُّنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أَنّهنّ أُمّهات المؤمنين ولا يُنكحن أبداً، وعلى أنّه يُؤوي إليه من يشاء ويرجي مِنهنّ من يشاء فيرضين به، قسم لهنّ أو لم يقسم، أو قسم لبعضهنّ ولم يقسم لبعضهنّ، أو فضّل بعضهنّ على بعض في النفقة والقسمة والعشرة أو ساوى بينهنّ، ويكون الأمر في ذلك كلّه إليه، يفعل ما يشاء، وهذا من خصائصه (عليه السلام). فرضين بذلك كلّه واخترنه على هذا الشرط، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم مع ما جعل الله له من ذلك ساوى بينهنّ في القسم إلاّ امرأة منهنّ أراد طلاقها فرضيت بترك القسمة لها وجعل يومها لعائشة وهي سودة بنت زمعة. وروى منصور عن أبي رزين قال: لمّا نزلت آية التخيير أشفقن أنْ يطلَّقن فقلن: يا نبيّ الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على حالنا، فنزلت هذه الآية، فكان ممّن أُرجي منهن سودة وجويرية وصفيّة وميمونة وأُمّ حبيبة، فكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممّن آوى إليه عائشة وحفصة وأُمّ سلمة وزينب رحمة الله عليهنّ، كان يقسم بينهن سواء لا يفضِّل بعضهنّ على بعض، فأرجأ خمساً وآوى أربعاً. وقال مجاهد: يعني تعزل مَنْ تشاء منهنّ بغير طلاق، وترد إليك من تشاء منهنّ بعد عزلك إيّاها بلا تجديد مهر وعقد. وقال ابن عبّاس: تطلّق من تشاء منهنّ وتمسك من تشاء. وقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء امّتك. قال: وكان النبي (عليه السلام) إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أنْ يخطبها حتى يتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يتركها. وقيل: وتقبل من تشاء من المؤمنات اللاّتي يهبن أنفسهن لك، فتؤويها إليك، وتترك من تشاء فلا تقبلها. روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها كانت تعيّر النساء اللاّتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلّى الله عليه وقالت: أما تستحي امرأة أن تهب أو تعرض نفسها على رجل بغير صداق، فنزلت هذه الآية، قالت عائشة: فقلت لرسول الله إنَّ ربَّك ليسارع لك في هواك. {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ} أي طلبت وأردت إصابته {مِمَّنْ عَزَلْتَ} فأصبتها وجامعتها بعد العزل {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} فأباح الله تعالى له بذلك ترك القسم لهنّ حتّى إنَّه ليؤخّر من شاء منهنّ في وقت نوبتها، فلا يطأها ويطأ من شاء منهنّ في غير نوبتها، فله أن يردَّ إلى فراشه من عزلها، فلا حرج عليه فيما فعل تفضيلاً له على سائر الرّجال وتخفيفاً عنه. وقال ابن عبّاس: يقول: إنَّ مَن فات من نسائك اللاّتي عندك أجراً وخلّيت سبيلها، فقد أحللت لك، فلا يصلح لك أنْ تزداد على عدد نسائك اللاّتي عندك. {ذَلِكَ} الذي ذكرت {أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ} أطيب لأنفسهنّ وأقلّ لحزنهنّ إذا علمن أنَّ ذلك من الله وبأمره، وأنَّ الرخصة جاءت من قِبَله {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ} من التفضيل والايثار والتسوية {كُلُّهُنَّ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ} من أمر النساء والميل إلى بعضهنّ {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً}. قوله تعالى: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ} بالتاء أهل البصرة، وغيرهم بالياء {ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي من بعد هؤلاء النساء التسع اللاّتي خيّرتهنّ فاخترنك لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، قصره عليهنّ، وهذا قول ابن عبّاس وقتادة. وقال عكرمة والضحاك: لا يحلّ لك من النساء إلاّ اللاّتي أحللناها لك وهو قوله: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} ثمّ قال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} التي أحللنا لك بالصفة التي تقدّم ذكرها. روى داود بن أبي هند عن محمّد بن أبي موسى عن زياد رجل من الأنصار قال: قلت لأُبيّ بن كعب: أرأيت لو مات نساء النبي صلّى الله عليه وسلم أكان يحلّ له أنْ يتزوّج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك وما يُحرّم ذلك عليه؟ قلت: قوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} فقال: إنّما أحلّ الله له ضرباً من النساء فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ...} ثمّ قال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ}. وقال أبو صالح: أُمر أنْ لا يتزوّج أعرابية ولا عربية ويتزوّج بعد من نساء قومه من بنات العمّ والعمّة والخال والخالة إنْ شاء ثلاثمائة. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: معناه لا يحلّ لك النساء من غير المسلمات فأمّا اليهوديّات والنصرانيّات والمشركات فحرامٌ عليك، ولا ينبغي أنْ يكنَّ من أُمّهات المؤمنين. وقال أبو رزين: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} يعني الإماء بالنكاح. {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} قال مجاهد وأبو رزين: يعني ولا أنْ تبدّل بالمسلمات غيرهنّ من اليهود والنصارى والمشركين {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} من السبايا والإماء الكوافر. وقال الضحّاك: يعني ولا تبدّل بأزواجك اللاّتي هنّ في حبالك أزواجاً غيرهنّ، بأن تطلّقهنّ وتنكح غيرهن، فحرّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق النساء اللّواتي كنّ عنده، إذ جعلهنّ أُمّهات المؤمنين، وحرّمهن على غيره حين اخترنه، فأمّا نكاح غيرهنّ فلم يُمنع منه، بل أُحلّ له ذلك إنْ شاء. يدلّ عليه ما أخبرناه عبدالله بن حامد الوزان، عن أحمد بن محمد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى قال: أخبرني أبو عاصم عن جريح عن عطاء عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلَّ له النساء. وقال ابن زيد: كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يعطي هذا امرأته هذا ويأخذ امرأة ذاك فقال الله: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} يعني تُبادل بأزواجك غيرك أزواجه، بأنْ تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته إلاّ ما ملكت يمينك لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت فأمّا الحرائر فلا. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الاصفهاني، عن أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، عن أحمد بن نجدة، عن الحماني، عن عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأُبادلك بامرأتي، تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} قال: فدخل عيينة بن حصين على النبي صلّى الله عليه وعنده عائشة فدخل بغير إذن، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه: "حديث : يا عيينة فأين الاستئذان؟" قال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثمّ قال: مَنْ هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذه عائشة أُمّ المؤمنين". قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق، قال رسول الله صلّى الله عليه: "إنَّ الله عزّ وجلّ قد حرّم ذلك"، فلمّا خرج، قالت عائشة: مَنْ هذا يا رسول الله؟ قال: "هذا أحمق مطاع وإنّهُ على ما ترين لسيّد قومه ". تفسير : قال ابن عبّاس في قوله: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، وفيه دليل على جواز النظر إلى من يريد أن يتزوّج بها، قد جاءت الأخبار بإجازة ذلك. أخبرنا عبدالله بن حامد، عن محمد بن جعفر المطيري، عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن عاصم الأحول، عن بكير بن عبد الله المزني أنَّ المغيرة بن شعبة أراد أنْ يتزوّج بامرأة، فقال النبيّ (عليه السلام): «حديث : فانظر إليها فإنّه أجدر أن يودم بينكما ». تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد، عن محمد بن جعفر، عن علي بن حرب قال: أخبرني أبو معاوية، عن الحجّاج بن أرطأة، عن سهل بن محمد بن أبي خيثمة، عن عمّه سليمان بن أبي خيثمة قال: رأيت محمد بن سلمة يطارد نبيتة بنت الضحّاك على إجار من أياجير المدينة قلت: أتفعل هذا؟ قال: نعم، إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أنْ ينظر إليها ". تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى، عن الحميدي عن سفيان، عن يزيد ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أنّ رجلاً أراد أن يتزوّج امرأة من الأنصار، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: "حديث : أُنظر إليها فإنَّ في أعين نساء الأنصار شيئاً".تفسير : قال الحميدي: يعني الصّغَر. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً} حفيظاً. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ...} قال أكثر المفسِّرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب. قال أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بآية الحجاب، ولقد سألني عنها أُبيّ بن كعب لمّا بنى رسول الله صلّى الله عليه بزينب بنت جحش أولم عليها بتمر وسويق وذبح شاة، وبعثت إليه أُمّي أُمّ سليم بحيس في تور من حجارة، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أنْ أدعو أصحابه إلى الطعام، فدعوتهم فجعل القوم يجيئون ويأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء القوم فيأكلون ويخرجون. فقلت: يا نبيّ الله قد دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه، فقال: ارفعوا طعامكم فرفعوا وخرج القوم، وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون في البيت، فأطالوا المكث، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمت معه لكي يخرجوا، فمشى رسول الله صلّى الله عليه منطلقاً نحو حجرة عائشة فقال:" حديث : السلام عليكم أهل البيت"تفسير : ، فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ ثمّ رجع فأتى حجر نسائه فسلّم عليهنّ، فدعون له ربّه، ورجع إلى بيت زينب، فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون في البيت، وكان النبيّ(عليه السلام) شديد الحياء، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ولّى عن بيته خرجوا، فرجع رسول الله (عليه السلام) إلى بيته وضرب بيني وبينه ستراً، ونزلت هذه الآية. وقال قتادة ومقاتل: كان هذا في بيت أُمّ سلمة، دخلت عليه جماعة في بيتها أكلوا، ثمّ أطالوا الحديث، فتأذّى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحيى منهم أن يأمرهم بالخروج، والله لا يستحيي من الحقّ، فأنزل الله عزّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} إلاّ أنْ تُدعوا {إِلَىٰ طَعَامٍ} فيؤذن لكم فتأكلوه {غَيْرَ نَاظِرِينَ} منظرين {إِنَاهُ} إدراكه ووقت نضجه، وفيه لغتان أنىً وإنىً بكسر الألف وفتحها، مثل أَلّى وإِلّى ومَعاً ومِعاً، والجمع إناء، مثل آلاء وامعاء، والفعل منه أنى يأنى إنىً بكسر الألف مقصور، وآناء بفتح الألف ممدود. قال الحطيئة: شعر : وأنيت العشا إلى سهيل أو الشعرى فطال بي الأنا تفسير : وقال الشيباني: شعر : تمخضت المنون له بيوم أَنى ولكل حاملة تمام تفسير : وفيه لغة أُخرى: آن يأين أيناً. قال ابن عبّاس: نزلت في ناس من المؤمنين كان يتحيّنون طعام رسول الله صلّى الله عليه، فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك، ثمّ يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذّى بهم، فنزلت هذه الآية. و {غَيْرَ} نصب على الحال {وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُم} أكلتم الطعام {فَٱنْتَشِرُواْ} فتفرّقوا واخرجوا من منزله {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} طالبين الأنس بحديث، ومحله خفض مردود على قوله: {غَيْرَ نَاظِرِينَ} ولا غير {مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ} أي لا يترك تأديبكم وحملكم على الحقّ ولا يمنعه ذلك منه. حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب لفظاً قال: أخبرني أبو موسى عمران بن موسى بن الحصين قال: أخبرني أبو عوانة يعقوب بن إسحاق قال: أخبرني أبو عمرو عثمان بن خرزاد الأنطاكي، عن عمرو بن مرزوق، عن جويرية بن أسماء قال: قرئ بين يدي إسماعيل ابن أبي حكيم هذه الآية فقال: هذا [أدب] أدّبَ الله به الثقلاء. وسمعت الحسن بن محمد بن الحسن يقول: سمعت محمد بن عبدالله بن محمد يقول: سمعت الغلابي يقول: سمعت ابن عائشة يقول: حسبك في الثقلاء أنّ الله تعالى لم يحتملهم وقال: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ}. قوله: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} أخبرنا عبد الله بن حامد، عن محمّد بن يعقوب، عن محمد بن سنان الفزار، عن سهيل بن حاتم، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن أنس بن مالك قال: كنت مع النبي صلّى الله عليه وكان يمرّ على نسائه، فأتى امرأة عرس بها حديثاً فإذا عندهم قوم، فانطلق النبي صلّى الله عليه أيضاً فاحتبس فقضى حاجته، ثمّ جاء وقد ذهبوا، فدخل وأرخى بينه وبيني ستراً قال: فحدّثت أبا طلحة فقال: إن كان كما تقول لينزلنّ شيء في هذا، فنزلت آية الحجاب. وأنبأني عبدالله بن حامد الوزان أنّ الحسين بن يعقوب حدّثه عن يحيى بن أبي طالب عن عبد الوهاب عن حميد عن أنس قال: قال عمر: يا رسول الله، تدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أُمّهات المؤمنين بالحجاب. فنزلت آية الحجاب. وأخبرنا محمد بن عبدالله بن حمدون، عن أحمد بن محمد الشرقي، عن محمد بن يحيى عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبي، عن صالح بن شهاب، عن عروة بن الزبير: أنّ عائشة قالت: كان عمر بن الخطّاب يقول لرسول الله صلّى الله عليه: احجب نساءك، فلم يفعل، وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلاً إلى ليل قبل المناصع وهو صعيد أقبح، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة فرآها عمر وهو في المجلس فقال: قد عرفتكِ يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب. وأخبرنا عبدالله بن حامد إجازة، عن محمد بن يعقوب، عن الحسين بن علي بن عفان قال: أخبرني أبو أُسامة، عن مخالد بن سعيد، عن عامر قال: مرَّ عمر على نساء النبي صلّى الله عليه وهو مع النساء في المسجد فقال لهنّ: احتجبن، فإنَّ لكنَّ على النساء فضلاً، كما انّ لزوجكنَّ على الرجال الفضل، فلم يلبثوا إلاّ يسيراً حتى أنزل الله آية الحجاب. وروى عطاء بن أبي السائب عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: أمر عمر بن الخطاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب فقالت زينب: يابن الخطّاب إنّك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} {ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}. وقيل في سبب نزول الحجاب ما أخبرنا أحمد بن محمد أنّ المعافى حدّثه عن محمّد بن جرير قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم، عن هشام، عن ليث، عن مجاهد: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة وكانت معهم، فكره النبي ذلك، فنزلت آية الحجاب. أخبرنا أبو عبدالله محمد بن أحمد بن علي المزكى قال: أخبرني أبو العبّاس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرخسي، عن شيبان بن فروخ الابلي، عن جرير بن حازم، عن ثابت البنائي، عن أنس بن مالك قال: كنت أدخل على رسول الله صلّى الله عليه بغير إذن، فجئت يوماً لأدخل فقال: مكانك يا بني، قد حدث بعدك أنْ لا يدخل علينا إلاّ بإذن. قوله: {وَمَا كَانَ لَكُمْ} يعني وما ينبغي وما يصلح لكم {أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً} نزلت في رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لئن قبض رسول الله صلّى الله عليه لأنكحنّ عائشة بنت أبي بكر. أنبأني عقيل بن محمد، عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن جرير، عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، عن داود عن عامر أنّ النبي صلّى الله عليه مات وقد ملك قتيلة بنت الأشعث بن قيس ولم يجامعها، فتزوّجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشقّ على أبي بكر مشقّة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنّها ليست من نسائه، إنّها لم يخيّرها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولم يحجبها، وقد برّأها منه بالردّة التي ارتدّت مع قومها قال: فاطمأنَّ أبو بكر وسكن. وروى معمر عن الزهري: أنَّ العالية بنت طيبان التي طلّقها النبيّ صلّى الله عليه تزوّجت رجلاً وولدت له، وذلك قبل أنْ يحرّم على الناس أزواج النبي (عليه السلام). {إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} قوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ}. قال ابن عبّاس: لمّا نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أيضاً نكلّمهنّ من وراء حجاب؟ فأنزل الله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ}. {وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} في ترك الاحتجاب من هؤلاء وأن يروهن. وقال مجاهد: لا جناح عليهن في وضع جلابيبهن عندهم. { وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكأن الحق سبحانه يُعيدنا إلى قوله تعالى في نبيه محمد: {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ..} تفسير : [الأحزاب: 37] فالرسل لا يخشوْنَ شيئاً في البلاغ عن الله، فكأنه تعالى نفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن تكون خشيته في البلاغ، إنما خشيته استحياؤه مخافة أنْ تلوكه ألسنة قومه، وإلاَّ فَهُمْ لا يملكون له شيئاً يضره أو يخيفه. نلحظ هنا أن {ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ ..} [الأحزاب: 39] هذه العبارة مبتدأ لم يُخبر عنه؛ لأن قوله تعالى {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب: 39] ليس خبراً لهذا المبتدأ، إنما هو تعليق عليه، فأين خبر هذا المبتدأ؟ قالوا: تقديره، الذين يُبلِّغون رسالات الله .. لا يمكن أنْ يُتَّهموا بأنهم خشوا الناس من أجل البلاغ. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب: 39] أي: أنكم لن تحاسبوهم، إنما سيحاسبهم الله، وكان مقتضى الحساب مع رسول الله إنْ فعل ما لا يصحّ منه أنْ تسحب منه الرسالة، وأنْ يأتي الله بنبي آخر، ولم يحدث شيء من هذا. ثم يعود السياق إلى أمر آخر في قضية التبني، فيقول سبحانه: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):