٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين الله ما في تزوج النبـي عليه السلام بزينب من الفوائد بين أنه كان خالياً من وجوه المفاسد، وذلك لأن ما كان يتوهم من المفسدة كان منحصراً في التزوج بزوجة الابن فإنه غير جائز فقال الله تعالى إن زيداً لم يكن ابناً له لا بل أحد الرجال لم يكن ابن محمد، فإن قائل النبـي كان أبا أحد من الرجال لأن الرجل اسم الذكر من أولاد آدم قال تعالى: { أية : وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء } تفسير : [النساء: 176] والصبـي داخل فيه، فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن الرجل في الاستعمال يدخل في مفهومه الكبر والبلوغ ولم يكن للنبـي عليه السلام ابن كبير يقال إنه رجل والثاني: هو أنه تعالى قال: {مّن رّجَالِكُمْ } ووقت الخطاب لم يكن له ولد ذكر، ثم إنه تعالى لما نفى كونه أباً عقبه بما يدل على ثبوت ما هو في حكم الأبوة من بعض الوجوه فقال: {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ } فإن رسول الله كالأب للأمة في الشفقة من جانبه، وفي التعظيم من طرفهم بل أقوى فإن النبـي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والأب ليس كذلك، ثم بين ما يفيد زيادة الشفقة من جانبه والتعظيم من جهتهم بقوله: {وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيّينَ } وذلك لأن النبـي الذي يكون بعده نبـي إن ترك شيئاً من النصيحة والبيان يستدركه من يأتي بعده، وأما من لا نبـي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم وأجدى، إذ هو كوالد لولده الذي ليس له غيره من أحد وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيماً } يعني علمه بكل شيء دخل فيه أن لا نبـي بعده فعلم أن من الحكمة إكمال شرع محمد صلى الله عليه وسلم بتزوجه بزوجة دعيه تكميلاً للشرع وذلك من حيث إن قول النبـي صلى الله عليه وسلم يفيد شرعاً لكن إذا امتنع هو عنه يبقى في بعض النفوس نفرة، ألا ترى أنه ذكر بقوله ما فهم منه حل أكل الضب ثم لما لم يأكله بقي في النفوس شيء ولما أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه في بعض الملل لا يؤكل وكذلك الأرنب.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: لما تزوج زينب قال الناس: تزوّج امرأة ابنه؛ فنزلت الآية؛ أي ليس هو بابنه حتى تحرم عليه حليلته، ولكنه أبو أمّته في التبجيل والتعظيم، وأن نساءه عليهم حرام. فأذهب الله بهذه الآية ما وقع في نفوس المنافقين وغيرهم، وأعلم أن محمداً لم يكن أبا أحد من الرجال المعاصرين له في الحقيقة. ولم يقصد بهذه الآية أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن له ولد، فقد ولد له ذكور: إبراهيم، والقاسم، والطيّب، والمطهّر؛ ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلاً. وأما الحسن والحسين فكانا طفلين، ولم يكونا رجلين معاصرَيْنِ له. الثانية: قوله تعالى: {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ} قال الأخفش والفرّاء: أي ولكن كان رسول الله. وأجازا «ولكنْ رسولُ الله وخاتَمُ» بالرفع. وكذلك قرأ ابن أبي عَبْلة وبعض الناس «ولكِنْ رسولُ اللَّهِ» بالرفع؛ على معنى هو رسول الله وخاتم النبيين. وقرأت فرقة «ولكنّ» بتشديد النون، ونصب «رسول الله» على أنه اسم «لكنّ» والخبر محذوف. «وَخَاتَمَ» قرأ عاصم وحده بفتح التاء، بمعنى أنهم به خُتموا؛ فهو كالخاتَم والطابَع لهم. وقرأ الجمهور بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم؛ أي جاء آخرهم. وقيل: الخاتم والخاتِم لغتان؛ مثل طابَع وطابِع، ودانَق ودانِق، وطابَق من اللحم وطابِق. الثالثة: قال ابن عطية: هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمّة خَلَفاً وسلَفاً متلقّاةً على العموم التام مقتضية نصًّا أنه لا نبيّ بعده صلى الله عليه وسلم. وما ذكره القاضي أبو الطيِّب في كتابه المسمّى بالهداية: من تجويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف. وما ذكره الغزالي في هذه الآية، وهذا المعنى في كتابه الذي سمّاه بالاقتصاد، إلحاد عندي، وتطرّق خبيث إلى تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد صلى الله عليه وسلم النبوّة؛ فالحذرَ الحذَر منه! والله الهادي برحمته. قلت: وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا نبوّة بعدي إلا ما شاء الله»تفسير : . قال أبو عمر: يعني الرؤيا ـ والله أعلم ـ التي هي جزء منها؛ كما قال عليه السلام: «حديث : ليس يبقى بعدي من النبوّة إلا الرؤيا الصالحة»تفسير : . وقرأ ابن مسعود «من رجالكم ولكن نبيًّا ختم النبيين». قال الرُّمّاني: ختم به عليه الصلاة والسلام الاستصلاح، فمن لم يصلح به فميؤوس من صلاحه. قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه السلام: «حديث : بعثت لأتمِّم مَكارم الأخلاق»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَثَلي ومَثَلُ الأنبياء كمَثَل رجل بنى داراً فأتمها وأكملها إلا موضع لَبِنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبّون منها ويقولون لولا موضِعُ اللَّبِنة! ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فأنا موضع اللّبِنة جئت فختمتُ الأنبياء»تفسير : . ونحوه عن أبي هريرة، «حديث : غير أنه قال: فأنا اللّبِنة وأنا خاتَم النبيين".
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ } فليس أبا زيد أي والده فلا يحرم عليه التزوّج بزوجته زينب {وَلَٰكِنِ } كان {رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ } فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبياً. وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختم: أي به ختموا {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً } منه بأن لا نبيّ بعده، وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} لما قال المشركون قد تزوج محمد امرأة ابنه أكذبهم الله تعالى بهذه الآية {وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ} آخرهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} إلى قوله {كَرِيماً} أذهَب اللّه بهذه الآية مَا وَقَعَ في نفوسِ المنافقين وغيرِهم؛ لأنهم استعظموا أن يَتَزَوَّجَ زَوْجَة ابْنِه، فنفى القرآنُ تلكَ البُنُوَّةَ، وقوله: {أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} يعني المعاصرين له وباقي الآية بيِّن. ثم أمر سبحانه عباده بأن يذكروه ذكراً كثيراً، وجعل تعالى ذلك دون حَدٍّ ولا تقدير؛ لسهولته على العبد، ولعظم الأجر فيه. قال ابن عباس: لم يُعْذَرْ أَحدٌ فِي تركِ ذكر اللّهِ عز وجل إلاَّ مَنْ غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، وقال: الذكرُ الكثيرُ أن لا تنساه أبداً. ورَوَى أبو سعيد عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم «حديث : أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللّهِ؛ حَتَّىٰ يَقُولُوا: مَجْنُونٌ»تفسير : .* ت *: وهذا الحديثُ خرَّجه ابن حِبَّان في «صحيحه». وقوله: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أراد في كل الأوقاتِ فحدَّد الزمَنَ بطرَفَيْ نهارِه ولَيْلِه، والأصيل من العَصْر إلى الليلِ، وعن ابن أبي أوفى قال: قال، رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللّهِ»تفسير : رواه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح». وقوله سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَـٰئِكَتُهُ}: صلاةُ اللّه على العبدِ هي رحمتُه له، وصلاة الملائكة هي دعاؤهم للمؤمنين. ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيساً لَهُم. وقوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ} قيل: يوم القيامة تُحَيِّ الملائكةُ المؤمنين بالسلامِ، ومعناه: السلامةُ من كل مكروهٍ، وقال قتادة: يوم دُخولِهم الجنَّةِ يحي بعضُهم بعضاً بالسلامِ، والأجرُ الكريمُ: جنة الخلدِ في جوار اللّه تبارك وتعالى.
البقاعي
تفسير : ولما أفاد هذا كله أن الدعي ليس ابناً، وكانوا قد قالوا لما تزوج زينب كما رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: تزوج حليلة ابنه، أخبر به سبحانه على وجه هو من أعلام النبوة وأعظم دلائل الرسالة فقال: {ما كان} أي بوجه من الوجوه مطلق كون {محمد} أي على كثرة نسائه وأولاده {أبا أحد من رجالكم} لا مجازاً بالتبني ولا حقيقة بالولادة، ليثبت بذلك أن تحرم عليه زوجة الابن، ولم يقل: من بينكم، وإن لم يكن له في ذلك الوقت وهو سنة خمس وما داناها - ابن، ذكر لعلمه سبحانه أنه سيولد له ابنه إبراهيم عليه السلام، ومع ما كان قبله من البنين الذين لم يبلغ أحد منهم الحلم - على جميعهم الصلاة والسلام. ولما كان بين كونه صلى الله عليه وسلم أباً لأحد من الرجال حقيقة وبين كونه خاتماً منافاة قال: {ولكن} كان في علم الله غيباً وشهادة أنه {رسول الله} الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده، فبينكم وبين رسوله من جهة مطلق الرسالة أبوة وبنوة مجازية، أما من جهته فبالرأفة والرحمة والتربية والنصيحة من غير أن تحرم عليه تلك البنوة شيئاً من نسائكم وإلا لم يكن لمنصب النبوة مزية، وأما من جهتكم فبوجوب التعظيم والتوفير والطاعة وحرمة الأزواج، وأما كون الرسالة عن الله الذي لا أعظم منه فهو مقتض لأن يبلغ الناس عنه جميع ما أمره به، وقد بلغكم قوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} ووظيفة الشريفة مقتضية لأن يكون أول مؤتمر بهذا الأمر، فهو لا يدعو أحداً من رجالكم بعد هذا ابنه. ولما لم يكن مطلق النبوة ولا مطلق الرسالة منافياً لأبوه الرجال قال: {وخاتم النبيين} أي لأن رسالته عامة ونبوته معها إعجاز القرآن، فلا حاجة مع ذلك إلى استنباء ولا إرسال، فلا يولد بعده من يكون نبياً، وذلك مقتض لئلا يبلغ له ولد يولد منه مبلغ الرجال، ولو قضي أن يكون بعده نبي لما كان إلا من نسله إكراماً له لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظم شرفاً، وليس لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها أو أعظم منها، ولو صار أحد من ولده رجلاً لكان نبياً بعد ظهور نبوته، وقد قضى الله ألا يكون بعده نبي إكراماً له، روى أحمد وابن ماجه عن أنس وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ابنه إبراهيم: "حديث : لو عاش لكان صديقاً نبياً"تفسير : ، وللبخاري نحوه عن البراء بن عازب رضي الله عنه، وللبخاري من حديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه: لو قضى أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي لعاش ابنه، ولكن لا نبي بعده. والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي بشرع جديد مطلقاً ولا يتجدد بعده أيضاً استنباء نبي مطلقاً، فقد آل الأمر إلى أن التقدير: ما كان محمد بحيث يتجدد بعده نبوة برسالة ولا غيرها ولكنه كان - مع أنه رسول الله - ختاماً للنبوة غير أنه سيق على الوجه المعجز لما تقدم من النكت وغيرها، وهذه الآية مثبتة لكونه خاتماً على أبلغ وجه وأعظمه، وذلك أنها في سياق الإنكار لأن يكون بنيه أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية بغير جهة الإدلاء بأنثى أو كونه رسولاً وخاتماً، صوناً لمقام النبوة أن يتجدد بعده لأحد لأنه لو كان ذلك بشر لم يكن إلا ولداً له، وإنما أوثرت إماتة أولاده عليه الصلاة والسلام وتأثير قلبه الشريف بها إعلاء لمقامه أن يتسنمه أحد كائناً من كان، وذلك لأن فائدة إتيان النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله، وقد حصل به صلى الله عليه وسلم التمام فلم يبق بعد ذلك مرام "حديث : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" تفسير : وأما تجديد ما وهى بما أحدثه بعض الفسقة فالعلماء كافون فيه لوجود ما خص به صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن المعجز الذي من سمعه فكأنما سمعه من الله، لوقوع التحقق والقطع بأنه لا يقدر غيره أن يقول شيئاً منه، فمهما حصل ذهول عن ذلك قروه من يريد الله من العلماء، فيعود الاستبصار كما روي في بعض الآثار "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" وأما إتيان عيسى عليه الصلاة والسلام بعد تجديد المهدي رضي الله عنه لجميع ما وهن من أركان المكارم فلأجل فتنة الدجال ثم طامة ياجوج وماجوج ونحو ذلك مما لا يستقل بأعبائه غير نبي، وما أحسن ما نقل عن حسان بن ثابت رضي الله عنه في مرثيته لإبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: شعر : مضى ابنك محمود العواقب لم يشب بعيب ولم يذمـم بقـول ولا فعـــل رأى أنه إن عـاش سـاواك في العــلا فـآثـر أن يبقــى وحيــداً بـلا مثـل تفسير : وقال الغزالي رحمه الله في آخر كتابة الاقتصاد: إن الأمة فهمت من هذا اللفظ - أي لفظ هذه الآية - ومن قرائن أحواله صلى الله عليه وسلم أنه أفهم عدم نبي بعده أبداً، وعدم رسول بعده أبداً، وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص، وقال: أن من أوله بتخصيص النبيين بأولي العزم من الرسل ونحو هذا فكلامه، من أنواع الهذيان، لا يمنع الحكم بتكفيره، لأنه مكذب بهذا النص الذي أجمع الأمة على أنه غير مؤول ولا مخصوص هذا كلامه في كتاب الاقتصاد، نقلته منه بغير واسطة ولا تقليد، فإياك أن تصغي إلى من نقل عنه غير هذا، فإنه تحريف يحاشي حجة الإسلام عنه: شعر : وكـم مـن عائـب قـولاً صحيحـاً وآفتـه مــن الفهـم السقـيـم تفسير : وقد بان بهذا أن إتيان عيسى عليه الصلاة والسلام غير قادح في هذا النص، فإنه من أمته صلى الله عليه وسلم المقررين لشريعته، وهو قد كان نبياً قبله لم يستجد له شيء لم يكن، فلم يكن ذلك قادحاً في الختم وهو مثبت لشرف نبيناً صلى الله عليه وسلم، ولولا هو لما وجد، وذلك أنه لم يكن لنبي من الأنبياء شرف إلا وله صلى الله عليه وسلم مثله أو أعلى منه، وقد كانت الأنبياء تأتي مقرره لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام مجددة لها، فكان المقرر لشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم المتبع لملته من كان ناسخاً لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام. ولما كان المقام في هذا البت بأنه لا يكون له ولد يصير رجلاً مقام إحاطة العلم، كان التقدير: لأنه سبحانه أحاط علماً بأنه على كثرة نسائه وتعدد أولاده لا يولد له ولد ذكر فيصير رجلاً {وكان الله} أي الذي له كل صفة كمال أزلاً وأبداً {بكل شيء} من ذلك وغيره {عليماً} فيعلم من يليق بالختم ومن يليق بالبدء، قال الأستاذ ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في سؤال القبر: واختصاصه صلى الله عليه وسلم بالأحمدية والمحمدية علماً وصفة برهان جلي على ختمه إذ الحمد مقرون بانقضاء الأمور مشروع عنده وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وقد بين السهيلي هذا في سورة الحواريين من كتاب الإعلام - انتهى. وقد بينت في سورة النحل أن مدار مادة الحمد على بلوغ الغاية وامتطاء النهاية. ولما كان ما أثبته لنفسه سبحانه من إحاطة العلم مستلزماً للإحاطة بأوصاف الكمال، وكان قد وعد من توكل عليه بأن يكفيه كل مهم، ودل على ذلك بقصة الأحزاب وغيرها وأمر بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم وتقدم بالوصية التامة في تعظيمه إلى أن أنهى الأمر في إجلاله، وكانت طاعة العبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كل وجه حتى يكون مسلوب الاختبار معه، فيكون بذلك مسلماً لا يحمل عليها إلا طاعة الله، وكانت طاعة الله كذلك لا يحمل عليها إلا دوام ذكره، قال بعد تأكيد زواجه صلى الله عليه وسلم لزينب رضي الله عنها بأنه هو سبحانه زوجه إياها لأنه قضى أن لا بنوة بينه وبين أحد من رجال أمته توجب حرمة زوج الولد: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك بألسنتهم {اذكروا} أي تصديقاً لدعواكم ذلك {الله} الذي هو أعظم من كل شيء {ذكراً كثيراً} أي بأن تعقدوا له سبحانه صفات الكمال وتثنوا عليه بها بألسنتكم، فلا تنسوه في حال من الأحوال ليحملكم ذلك على تعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم حق تعظيمه، واعتقاد كماله في كل حال، وأنه لا ينطق عن الهوى، لتحوزوا مغفرة وأجراً عظيماً، كما تقدم الوعد به. ولما كان ثبوت النبوة بينه وبين أحد من الرجال خارماً لإحاطة العلم، وجب تنزيهه سبحانه عن ذلك فقال: {وسبحوه} أي عن أن يكون شيء على خلاف ما أخبر به، وعن كل صفة نقص بعد ما أثبتم له كل صفة كمال {بكرة وأصيلاً *} أي في أول النهار وآخره أي دائماً لأن هذين الوقتين إما للشغل الشاغل ابتداء أو انتهاء أو للراحة، فوجوب الذكر فيهما وجوب له في غيرهما من باب الأولى، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، تم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه تعالى لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله. وهما أيضاً مشهودان بالملائكة ودالان على الساعة: الثاني قربها بزوال الدنيا كلها، والأول على البعث بعد الموت، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى صلاتي الصبح والعصر، لأن المواظبة عليهما - لما أشير إليه من صعوبتهما بما يعتري في وقتيهما من الشغل بالراحة وغيرها - دالة على غاية المحبة للمثول بالحضرات الربانية حاملة على المواظبة على غيرهما من الصلوات وجميع الطاعات بطريق الأولى، ويؤكد هذا الثاني تعبيره بلفظ الصلاة في تعليل ذلك بدوتم ذكره لنا سبحانه بقوله: {هو الذي يصلي عليكم} أي بصفة الرحمانية متحنناً، لأن المصلي منا يتعطف في الأركان {وملائكته} أي كلهم بالاستغفار لكم وحفظكم من كثير من المعاصي والآفات ويتردد بعضهم بينه سبحانه وبين الأنبياء بما ينزل إليهم من الذكر الحافظ من كل سوء فقد اشتركت الصلاتان في إظهار شرف المخاطبين. ولما كان فعل الملائكة منسوباً إليه لأنه مع كونه الخالق له الآمر به قال: {ليخرجكم} أي بذلك {من الظلمات} أي الكائنة من الجهل الموجب للضلال {إلى النور} أي الناشىء من العلم المثمر للهدى، فيخرج بعضكم بالفعل من ظلمات المعاصي المقتضية للرين على القلب إلى نور الطاعات، فتكونوا بذلك مؤمنين {وكان} أي ازلاً وأبداً {بالمؤمنين} أي الذين صار الإيمان لهم ثابتاً خاصة {رحيماً *} أي بليغ الرحمة يتوفيقهم لفعل ما ترضاه الإلهية، فإنهم أهل خاصته فيحملهم على الإخلاص في الطاعات، فيرفع لهم الدرجات في روضات الجنات. ولما كان أظهر الأوقات في تمرة هذا الوصف ما بعد الموت، قال تعالى مبيناً لرحمتهم: {تحيتهم يوم يلقونه} أي بالموت أو البعث {سلام} أي يقولون له ذلك، "أنت السلام ومنك السلام فجئنا ربنا بالسلام" كما يقوله المحرم المشبه لحال من هو في الحشر فيجابون بالسلام الذي فيه إظهار شرفهم ويأمنون معه من كل عطب {وأعد} أي والحال أنه أعد {لهم} أي بعد السلامة الدائمة {أجراً كريماً *} أي غدقاً دائماً لا كدر في شيء منه. ولما وعظ المؤمنين فيه صلى الله عليه وسلم له بما أقبل بأسماعهم وقلوبهم إليه، وختم بما يوجب لهم الفوز بما عنده سبحانه، وكان معظم ذلك له صلى الله عليه وسلم فإنه رأس المؤمنين، أقبل بالخطاب عليه ووجهه إليه فقال منوهاً من ذكره ومشيداً من قدره بما ينتظم بقوله {الذين يبلغون رسالات الله} الآية وما جرها من العتاب: {يا أيها النبي} أي الذي مخبره بما لا يطلع عليه غيره. ولما كان الكافرون - المجاهرون منهم والمساترون - ينكرون الرسالة وما تبعها، أكد قوله في أمرها وفخمه فقال: {إنا أرسلناك} أي بعظمتنا بما ننبئك به إلى سائر خلقنا {شاهداً} أي عليهم ولهم مطلق شهادة، لأنه لا يعلم بالبواطن إلا الله، وأنت مقبول الشهادة، فأبلغهم جميع الرسالة سرهم ذلك أو ساءهم سرك فعلهم أو ساءك. ولما كان المراد الإعلام برسوخ قدمه في كل من هذه الأوصاف، عطفها بالواو فقال: {ومبشراً} أي لمن شهدت لهم بخير بما يسرهم، وأشار إلى المبالغة في البشارة بالتضعيف لما لها من حسن الأثر في إقبال المدعو وللتضعيف من الدلالة على كثرة الفعل والمفعول بشارة بكثرة التابع وهو السبب لمقصود السورة، وكانت المبالغة في النذارة أزيد لأنها أبلغ في رد المخالف وهي المقصود بالذات من الرسالة لصعوبة الاجتراء عليها فقال: {ونذيراً} أي لمن شهدت عليهم بشر بما يسوءهم {وداعياً} أي للفريقين {إلى الله} أي إلى ما يرضي الذي لا أعظم منه بالقول والفعل، وأعرى الدعاء عن المبالغة لأنه شامل للبشارة والنذارة والإخبار بالقصص والأمثال ونصب الأحكام والحدود، والمأمور به في كل ذلك الإبلاغ بقدر الحاجة بمبالغة أو غيرها فمن لم ترده عن غيه النذارة، وتقبل به إلى رشده البشارة، حمل على ذلك بالسيف. ولما كان ذلك في غاية الصعوبة، لا يقوم به أحد إلا بمعونة من الله عظيمة، أشار إلى ذلك بقوله: {بإذنه} أي بتمكينه لك من الدعاء بتيسير أسبابه، وتحمل أعبائه، وللمدعو من الإقبال والإتباع إن أراد له الخير. ولما كان الداعي إلى الله يلزمه النور لظهور الأدلة قال: {وسراجاً} يمد البصائر فيجلي ظلمات الجهل بالعلم المبصر لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي نور الأبصار. ولما كان المقام مرشداً إلى إنارته، وكان من السرج ما لا يضيء، وكان للتصريح والتأكيد شأن عظيم قال: {منيراً *} أي ينير على من أتبعه ليسير في أعظم ضياء، ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام، فعرف من التقييد بالنور أنه محط الشبه، وعبر به دون الشمس لأنه يقتبس منه ولا ينقص مع أنه من أسماء الشمس.
القشيري
تفسير : لم يكن مضافاً إِلى ولدٍ فله عليكم شفقة الآباء.. ولكن ليس بأبيكم. ويقال نَسَبُه ظاهرٌ.. ولكن إنما يُعْْرَفُ بي لا بنَسَبِه؛ فقلَّما يقال: محمدُ بن عبد الله، ولكن إلى أبد الأبد يقال: محمد رسول الله. وشعارُ الإيمانِ وكلمةُ التوحيدِ - بعد لا إله إلا الله - محمدٌ رسولُ الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما كان محمد} ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. والمختار انه لا يشترط فى الاسلام معرفة اب النبى عليه السلام واسم جده بل يكفى فيه معرفة اسمه الشريف كما فى هداية المريدين للموالى اخى جلبى يقال فلان محمود اذا حمد ومحمد اذا كثرت خصاله المحمودة كما فى المفردات. قال الشيخ زكريا فى شرح المقدمة الجزرية هو البليغ فى كونه محمودا وهو الذى حمدت عقائده وافعاله واقواله واخلاقه سماه به جده عبد المطلب بالهام من الله فى سابع ولادته فقيل له لم سميت محمدا وليس من اسماء آبائك ولا قومك فقال رجوت ان يحمد فى السماء والارض وقد حقق الله رجاءه وتفؤله فكان عليه السلام بخصاله المحبوبة وشمائله المرغوبة محمودا عند الله وعند الملائكة المقربين وعند الانبياء والمرسلين وعند اهل الارض اجمعين وان كفر به بعضهم فان ما فيه من صفات الكمال محمود عند كل عاقل. وله الف اسم كما ان لله تعالى الف اسم وجميع اسمائه مشتقة من صفات قامت به توجب له المدح والكمال فله من كل وصف اسم ألا ترى انه الماحى لان الله محابه الكفر اى سورته التى كانت قبل بعثه. والحاشر لانه الذى يحشر الناس على قدمه اى على اثره وبعده. والعاقب وهو الآتى عقيب الانبياء. واشار بالميم الى انه الختام لان مخرجها ختام المخارج وكذا الى بعثته عند الاربعين. قال الامام النيسابورى كان من الاسم الشريف اربعة احرف ليوافق اسم الله تعالى كما ان محمد رسول الله اثنا عشر حرفا مثل لا اله الا الله وهو من اسرار المناسبة وكذا لفظ ابو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان وعلى بن ابى طالب لكمال مناسبتهم فى اخلاقهم لتلك الحضرة المحمدية ولهذه المناسبة يلتقى نسبهم بنسبه. فعلى يلتقى نسبه فى الاب الثانى. وعثمان فى الخامس. وابو بكر فى السابع. وعمر فى التاسع. ومحمد باعتبار البسط لا بحساب ابجد ثلاثمائة وثلاثة عشر مثل عدد المرسلين فانك اذا اخذت فى بسط الميمين والميم المدغم "م ى م، حا، دال" [2] يظهر لك العدد المذكور: قال المولى الجامى شعر : محمدت جون بلا نهايه زحق يافت شد نام او ازان مشتق مى نمايد بجشم عقل سليم حرف حايش عيان ميان دوميم جون رخ حوركز كناره او كشته ييدار دو كوشواره او ياد وحلقه زعنبرين مويش آشكار از جانب رويش دال آن كز همه فرودنشت دل بنازش كرفته برسر دست تفسير : وفى الحديث "حديث : من ولد له مولود فسماه محمدا حبا لى وتبركا باسمى كان هو ومولوده فى الجنة. ومن كان له ذو بطن فاجمع ان يسميه محمدا رزقه الله غلاما. ومن كان لا يعيش له ولد فجعل لله عليه ان يسمى الولد المرزوق محمدا عاش" تفسير : ومن خصائصه البركة فى الطعام الذى عليه مسمى باسم محمد وكذا المشاورة ونحوها وينبغى ان يعظم هذا الاسم وصاحبه. [در مجمع اللطائف آورده كه اياز خاص بسرى داشت محمد نام واورا ملازم سلطان محمود ساخته بود روزى سلطان متوجه طهارت خانه شده فرمود كه بسر ايازرا بكوييد تا آب طهارت بيارد اياز اين سخن شنوده در تأمل افتادكه ايا بسر من جه كناه كرده كه سلطان نام او برزبان نمى راند سلطان وضو ساخته بيرون آمد ودر اياز نكريست اورا انديشه مند ديد برسيدكه سبب اثر ملال كه برجبين تو مى بينم جيست اياز از روى نياز بموقف عرض رسانيدكه بنده زاده را بنام نخواند برترسيدم كه مبادا ترك ادبى ازوصادر شده باشد وموجب انحراف مزاج هما يون كشته سلطان تبسمى فرمود وكفت اى اياز دل جمع داركه از وصورتى كه مكروه طبع من باشد صدور نيافته بلكه وضو نداشتم واو محمد نام داشت مراشرم آمد لفظ محمد برزبان من كذرد وقتى كه بى وضو باشم جه اين لفظ نشانه حضرت سيد انام است شعر : هزار بار بشويم دهن بمشك وكلاب هنوز نام توبردن ادب نمى دانم تفسير : وكان رجل فى بنى اسرائيل عصى الله مائة سنة ثم مات فاخذه فالقوه فى مزبلة فاوحى الله تعالى الى موسى ان اخرجه وصل عليه قال يا رب بنى اسرائيل شهدوا انه عصاك مائة سنة فاوحى الله اليه انه هكذا الا انه كان كلما نشر التوراة ونظر الى اسم محمد قبله ووضعه على عينيه فشكرت له ذلك وغفرت له وزوجته سبعين حوراء. قال اهل التفسير لما نكح النبى عليه السلام زينب بعد انقضاء عدتها استطال لسان المنافقين وقالوا كيف نكح زوجه ابنة لنفسه وكان من حكم العرب ان من تبنى ولدا كان كولده من صلبه فى التوريث وحرمة نكاح امرأته على الاب المتبنى واراد الله ان يغير هذا الحكم فانزل {ما كان محمد} {ابا احد} [بدر هيج كس] {من رجالكم} [از مردان شما] على الحقيقة يعنى بالنسب والولادة حتى يثبت بينه وبينه ما بين الوالد وولده من حرمة المصاهرة وغيرها ولا ينتقض عمومه بكونه ابا للطاهر والقاسم وابراهيم لانهم لم يبلغوا مبلغ الرجال لان الرجل هو الذكر البالغ: يعنى [ايشان بمبلغ رجال نرسيدند اورا فى الحقيقة بسر صلبى نيست كه ميان وى وآن بسر حرمت مصاهرت باشد] ولو بلغوا لكانوا رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين رضى الله عنهما لانهما ابنا النبى عليه السلام بشهادة لفظه عليه السلام على انهما ايضا لم يكونا رجلين حينئذ بل طفلين او المقصود ولده خاصة لا ولد ولده. قال فى الاسئلة المقحمة كان الله عالما فى الازل بان لا يكون لذكور اولاد رسوله نسل ولا عقب وانما يكون نسبه لاناث اولاده دون ذكرانهم فقال {ما كان محمد ابا احد من رجالكم} فعلى هذا كان الخبر من قبيل معجزاته على صدقه فان المخبر عنه قد حصل كما اخبر وقد صدق الخبر انتهى وابناء النبى عليه السلام على الصحيح ثلاثة. القاسم وبه يكنى اذ هو اول اولاده عاش سنتين ومات قبل البعثة بمكة. وعبد الله وهو الطيب الطاهر مات فى الرضاع بعد البعثة ودفن بمكة وهما من خديجة رضى الله عنها. وابراهيم من مارية القبطية ولد فى ذى الحجة فى ثمان من الهجرة عق عنه عليه السلام بكبشين يوم سابع ولاده وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة على المساكين وامر بشعره فدفن فى الارض ومات فى الرضاع وهو ابن ثمانية عشر شهرا ودفن بالبقيع حديث : وجلس عليه السلام على شفير القبرورش على قبره ماء وعلم على قبره بعلامة ولقنه وقال "يا بنى قل الله ربى ورسول الله ابى والاسلام دينى" تفسير : ومن ههنا ذهب بعضهم الى ان الاطفال يسألون فى القبر وان العقل يكمل لهم فيسن تلقينهم وذهب جمع الى انهم لا يسألون وان السؤال خاص بالمكلف. قال السيوطى لم يثبت فى التلقين حديث صحيح ولا حسن بل حديثه ضعيف باتفاق جمهور المحدثين ولهذا ذهب جمهور الامة الا ان التلقين بدعة حسنة وآخر من افتى بذلك عز الدين بن عبد السلام وانما استحبه ابن الصلاح وتبعه النووى نظرا الى ان الحديث الضعيف يعمل به فى فضائل الاعمال وحينئذ فقول الامام السبكى حديث التلقين اى تلقين النبى عليه السلام لابنه ليس له اصل اى اصل صحيح او حسن كذا فى انسان العيون وبقية الكلام فى السؤال والتلقين سبق فى سورة ابراهيم عليه السلام عند قوله تعالى {أية : يثبت الله الذين آمنوا} تفسير : الآية {ولكن رسول الله} الرسول والمرسل بمعنى واحد من ارسلت فلانا فى رسالة فهو مرسل ورسول. قال القهستانى الرسول فعول مبالغة مفعل بضم الميم وفتح العين بمعنى ذى رسالة اسم من الارسال وفعول هذا لم يأت الا نادرا وعرفا هو من بعث لتبليغ الاحكام ملكا كان او انسانا بخلاف النبى فانه مختص بالانسان وهذا الفرق هو المعول عليه انتهى. والمعنى ولكن كان رسول الله وكل رسول الله ابو امته لكن لا حقيقة بل بمعنى انه شفيق ناصح لهم وسبب لحياتهم الابدية واجب التوقير والطاعة له ولذا حرمت ازواجه عليه السلام على امته حرمة امهاتهم فانه من باب التعظيم وما زيد بن حارثة الا واحد من رجالكم الذين لا ولادة بينهم وبينه عليه السلام فحكم حكمهم وليس للتبنى والادعاء حكم سوى التقريب والاختصاص. قال بعضهم لم يسمه لنا ابا لانه لو سماه ابا لكان يحرم نكاح اولاده كما حرمت على الامة نساؤه لكونهن امهاتهم او لانه لو سماه ابا لكان يحرم عليه ان يتزوج من نساء امته كما يحرم على الاب ان يتزوج بابنته وتزوج بنات امته ليس بحرام. قال فى كشف الاسرار [هر جند اسم بدرى ازوبيفكند اما از همه بدران مشفق ومهر بانتر بود قال عليه السلام "حديث : انا لكم مثل الوالد لولده" تفسير : كفته اند شفقت او برامت ازشفقت بدران افزون بود اما اورا بدرامت نخوانند ازبهر آنكه در حكم ازلى رفته كه روز قيامت دران عرصه كبرى كه سرا برده قهارى بزنند وبساط عظمت بكسترانند وترازوى عدل بياويزند وزندان عذاب از حجاب بيرون آرند جانها بكلو رسد زبانها فصيح كردد وعذرها همه باطل شود نسبها بريده كردد بدران همه از فرزندان بكريزند جنانكه رب العزت كفت "يوم يفر المرء من اخيه وامه وابيه وصاحبته وبنيه" آدم كه بدر همكانست فرابيش آيد بارخدايا آدم را بكذارد بافرزندان تودان كه جه كنى نوح هم آن كويد ابراهيم هم آن كويد وموسى وعيسى وديكر بيغمبران هم آن كويند از سياست قيامت وفزع او همه بكر يزند وبخود در ماند ندوبافر زندان نبردازند وكويند (نفسى نفسى) خدا وندا مارا برهان وباقر زندان هرجه خواهى كن ومصطفى عربى عليه السلام رحمت وشفقت بكشاده كه بار خدايا امت من مشتى ضعيفان وبيجار كانند طاقت عذاب وعقاب توندار ندبر ايشان ببخشاى ورحمت كن وبامحمد هرجه خواهى ميكن بحكم آنكه رازل رفته كه بدران ازفر زندان بكر يزند آن روز اورا بدر نخوانند تاازيشان نكريزد وازبهر ايشان شفاعت كند وديكر اورا بدر نخوانند كه اكر بدر بودى كواهى بدر مربسر قبول نكند در شرع واو صلوات الله عليه در قيامت بعدالت امت كواهى خواهدداد] وذلك قوله تعالى {أية : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} تفسير : {وخاتم النبيين} قرأ عاصم بفتح التاء وهو آلة الختم بمعنى ما يختم به كالطابع بمعنى ما يطبع به. والمعنى وكان آخرهم الذى ختموا به: وبالفارسية [مهر بيغمبران يعنى بدو مهر كرده شد در نبوت وبيغمبر انرا بدوختم كرده اند] وقرأ الباقون بكسر التاء اى كان خاتمهم اى فاعل الختم بالفارسية [مهر كننده بيغمبرانست] وهو بالمعنى الاول ايضا. وفى المفردات لانه ختم النبوة اى تممت بمجيئه واياما كان فلو كان له ابن بالغ لكان نبيا ولم يكن هو عليه السلام خاتم النبيين حديث : كما يروى انه قال فى ابنه ابراهيم "لو عاش لكان نبيا" تفسير : وذلك لان اولاد الرسل كانوا يرثون النبوة قبله من آباهم وكان ذلك من امتنان الله عليهم فكانت علماء امته ورثته عليه السلام من جهة الولاية وانقطع ارث النبوة بختميته ولا يقدح فى كونه خاتم النبيين نزول عيسى بعده لان معنى كونه خاتم النبيين انه لا ينبأ احد بعده كما حديث : قال لعلى رضى الله عنه "انت منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبى بعدى" تفسير : وعيسى ممن تنبأ قبله وحين ينزل انما ينزل على شريعة محمد عليه السلام مصليا الى قبلته كأنه بعض امته فلا يكون اليه وحى ولا نصب احكام بل يكون خليفة رسول الله. فان قلت قد روى ان عيسى عليه السلام اذا نزل فى آخر الزمان يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويزيد فى الحلال ويرفع الجزية عن الكفرة فلا يقبل الا الاسلام. قلت هذه من احكام الشريعة المحمدية لكن ظهورها موقت بزمان عيسى وبالجملة قوله {وخاتم النبيين} يفيد زيادة الشفقة من جانبه والتعظيم من جهتهم لان النبى الذى بعده نبى يجوز ان يترك شيئا من النصيحة والبيان لانها مستدركة من بعده واما من لا نبى بعده يكون اشفق على امته واهدى بهم من كل الوجوه شعر : شمسه نه مسند وهفت اختران ختم رسل خواجه بيغمبران تفسير : (نظم) شعر : احمد مرسل كه نوشته قلم حمد بنام وى وحم هم جون شده او مظهر الله هاد در ره ارشاد وجودش نهاد جملة اسباب هدى از خدا كرد بتقرير بديعش ادا تفسير : {وكان الله بكل شئ عليما} فيعلم من يليق بان يختم به النبوة وكيف ينبغى لشانه ولا يعلم احد سواه ذلك. قال ابن كثير فى تفسير هذه الآية هى نص على انه لا نبى بعده واذا كان لا نبى بعده فلا رسول بطريق الاولى والاحرى لان مقام الرسالة اخص من مقام النبوة فان كل رسول نبى ولا ينعكس وبذلك وردت الاحاديث المتواترة عن رسول الله فمن رحمة الله بالعباد ارسال محمد اليهم ثم من تشريفه له ختم الانبياء والمرسلين به واكمال الدين الحنيف له وقد اخبر الله فى كتابه ورسوله فى السنة المتواترة عن انه لا نبى بعده ليعلموا ان كل من ادعى هذا المقام بعده كذاب افاك دجال ضال مضل ولو تخرق وشعبذ واتى بانواع السحر والطلاسم والنير نجيات فكلها محال وضلال عند اولى الالباب كما اجرى سبحانه على يدى الاسود العبسى باليمن ومسيلمة الكذاب باليمامة من الاحوال الفاسدة والاقوال الباردة ما علم كل ذى لب وفهم وحجى انهما كاذبان ضالان لعنهما الله تعالى وكذلك كل مدع لذلك الى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال يخلق الله معه من الامور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب ما جاء بها انتهى. ولما نزل قوله تعالى {وخاتم النبيين} استغرب الكفار كون باب النبوة مسدودا فضرب النبى عليه السلام لهذا مثلا ليتقرر فى نفوسهم وقال "حديث : ان مثلى ومثل الانبياء من قبلى كمثل رجل بنى بنيانا فاحسنه واجمله الا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فانا اللبنة وانا خاتم النبيين " تفسير : قال فى بحر الكلام وصنف من الروافض قالوا بان الارض لا تخلو عن النبى والنبوة صارت ميراثا لعلى واولاده ويفرض على المسلمين طاعة على وكل من لا يرى اطاعته يكفر. وقال اهل السنة والجماعة لا نبى بعد نبينا لقوله تعالى {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} وقوله عليه السلام "حديث : لا نبى بعدى" تفسير : ومن قال بعد نبينا نبى يكفر لانه انكر النص وكذلك لو شك فيه لان الحجة تبين الحق من الباطل. ومن ادعى النبوة بعد موت محمد لا يكون دعواه الا باطلا انتهى وتنبأ رجل فى زمن ابى حنيفة وقال امهلونى حتى اجئ بالعلامات فقال ابو حنيفة من طلب منه علامة فقد كفر لقوله عليه السلام "حديث : لا نبى بعدى" تفسير : كذا فى مناقب الامام. وفى الفتوحات المكية وانما لم يعطف المصلى السلام الذى سلم به على نفسه بالواو على السلام الذى سلم به على نبيه اى لم يقل والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين بعد قوله السلام عليك ايها النبى لانه لو عطفه عليه وقال والسلام علينا على نفسه من جهة النبوة وهو باب قد سده الله كما سد باب الرسالة عن كل مخلوق بمحمد الى يوم القيامة وتعين بهذا انه لا مناسبة بيننا وبين رسول الله فانه فى المرتبة التى لا تنبغى لنا فابتدأنا بالسلام علينا فى طورنا من غير عطف والمقام المحمدى ممنوع دخوله لنا وغاية معرفتنا بالنظر اليه كما تنظر الكواكب فى السماء وكما ينظر اهل الجنة السفلى الى من هو فى عليين. وقد وقع للشيخ ابى يزيد البسطامى فى مقام النبى قدر خرم ابرة تجليا لا دخولا فاحترق. وفى الفصوص وشرحه للجامى لا نبى بعده مشرعا او مشرعا له والاول هو الآتى بالاحكام الشرعية من غير متابعة لنبى آخر قبله كموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام والثانى هو المتبع لما شرعه له النبى المقدم كانبياء بنى اسرائيل اذكلهم كانوا داعين الى شريعة موسى فالنبوة والرسالة منقطعتان عن هذا الموطن بانقطاع الرسول الخاتم فلم يبق الا النبوة اللغوية التى هى الانباء عن الحق واسمائه وصفاته واسرار الملكوت والجبروت وعجائب الغيب ويقال لها الولاية وهى الجهة التى تلى الحق كما ان النبوة هى الجهة التى تلى الحق فالولاية باقية دائمة الى قيام الساعة. يقول الفقير كان له عليه السلام نوران نور النبوة ونور الولاية فلما انتقل من هذا الموطن بقى نور النبوة فى الشريعة المطهرة وهى باقية فكأن صاحب الشريعة حى بيننا لم يمت وانتقل نور الولاية الى باطن قطب الاقطاب يعنى ظهر فيه ظهورا تاما فكان له مرآه وهو واحد فى كل عصر ويقال له قطب الوجود وهو مظهر التجلى الحقى. واما قطب الارشاد فكثير وهم مظاهر التجلى العينى. قال فى هدية المهديين اما الايمان بسيدنا محمد عليه السلام فانه يجب بانه رسولنا فى الحال وخاتم الانبياء والرسل فاذا آمن بانه رسول ولم يؤمن بانه خاتم الرسل لا نسخ لدينه الى يوم القيامة لا يكون مؤمنا. وقال فى الاشباه فى كتاب السير اذا لم يعرف ان محمدا عليه السلام آخر الانبياء فليس بمسلم لانه من الضروريات. وفى الآية اشارة الى قطع نسبه عن الخلق لانه نفى الابوة لرجال الناس والى اثبات نسبه لا ولاده وآله ففى قوله {من رجالكم} تشريف لهم وانهم ليسوا كرجالهم بل هم المخصوصون بزيادة الانعام لا ينقطع حسبهم ونسبهم كما قال عليه السلام "كل حسب ونسب ينقطع الاحسبى ونسبى" اى فانه يختم باب التناسل برجل من اهل البيت من صلب المهدى خاتم الخلافة العامة وخاتم الولاية الخاصة ولا يلزم من ذلك ان يكون منهم انبياء ولو جاء بعده نبى لجاء على رضى الله عنه لانه كان منه عليه السلام بمنزلة هارون من موسى فاذا لم يكن هو نبيا لم يكن الحسنان ايضا نبيين لانهما لم يكونا افضل من ابيهما. قال بعض الكبار الحسب فى الحقيقة الفقر والنسب التقوى فمن اراد ان يرتبط برسول الله وان يكون من آله المقبولين فليرتبط بهذين. [درعيون الاجوبه آورده كه صحت هر كتابى بمهراوست حق تعالى بيغمبررا مهر كفت تادانند كه تصحيح دعوت محبت الهى جز بمتابعت حضرت رسالتنا هى نتوان كرد {ان كنتم تحبون الله فاتبعونى} وشرف بزركوارئ كتاب بمهر اوست شرف جمله انبياء نيز بدان حضر تست وشاهد هر كتاب مهر اوست بس شاهد همه در محكمه قيامت او خواهد بود {وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} وجون كتاب را مهر كردند كتاب درجهان باقى شد جون نبوت بدان حضرت سمعت اختتام يافت در نبوت بسته كشت وديكر جون ازهمه انبيا بمهر مخصوص بختميت ايشان نيز اختصاص يافت]: وفى المثنوى شعر : بهر اين خاتم شده است اوكه بجود مثل او نى بود ونى خواهند بود جونكه در صنعت بود استاد دست نى تو كويى ختم صنعت برتواست تفسير : قال فى حل الرموز الختم اذا كان على الكتاب لا يقدر احد على فكه كذلك لا يقدر احد ان يحيط بحقيقة علوم القرآن دون الخاتم وما دام خاتم الملك على الخزانة لا يجسر احد على فتحها ولا شك ان القرآن خزانة جميع الكتب الالهية المنزلة من عند الله ومجمع جواهر العلوم الالهية والحقائق اللدنية فلذلك خص به خاتم النبيين محمد عليه السلام ولهذا السر كان خاتم النبوة على ظهره بين كتفيه لان خزانة الملك تختم من خارج الباب لعصمة الباطن وما فى داخل الخزانة. وفى الخبر القدسى "حديث : كنت كنزا مخفيا" تفسير : فلا بد للكنز من المفتاح والخاتم فسمى عليه السلام بالخاتم لانه خاتمه على خزانة كنز الوجود وسمى بالفاتح لانه مفتاح الكنز الازلى به فتح وبه ختم ولا يعرف ما فى الكنز الا بالخاتم الذى هو المفتاح قال تعالى "فاحببت ان اعرف" فحصل العرفان بالفيض الحثى على لسان الحبيب ولذلك سمى الخاتم حبيب الله لان اثر الختم على كنز الملك صورة الحب لما فى الكنز [كفته اند معنئ خاتم النبيين آنست كه رب العزة نبوت همه انبيا جمع كرد ودل مصطفى عليه السلام را معدن آن كرد ومهر نبوت بران نهاد تاهيج دشمن بموضع نبوت راه نيافت نه هواى نفس نه وسوسه شيطان ونه خطرات مذمومه وديكر بيغمبرا نرا اين مهر نبوت نبود لا جرم ازخطرات وهواجس امين نبودند بس رب العالمين كمال شرف مصطفار آن مهركه در دل وى نهاد نكذاشت تا درميان دو كتف وى آشكارا كرد تاهر كسى كه نكرستى آنرا ديدى همجو خانه كبوترى]. وفى صفاته عليه السلام بين كتفيه خاتم النبوة ووجه كونه بين كفتيه يعرف مما نقله الامام الدميرى فى حياة الحيوان ان بعض الاولياء سأل الله تعالى ان يريه كيف يأتى الشيطان ويوسوس فاراه الحق تعالى هيكل الانسان فى صورة بللور وبين كتفيه شامة سوداء كالعش والوكر فجاء الخناس يتجسس من جميع جوانبه وهو فى صورة خنزير له خرطوم كخرطوم الفيل فجاء من بين الكتفين فادخل خرطومه قبل قلبه فوسوس اليه فذكر الله فخنس وراءه ولذلك سمى بالخناس لانه ينكص على عقبيه مهما حصل نور الذكر فى القلب وكان خاتمه مثل زرّ الحجلة وهو طائر على قدر الحمامة احمر المنقار والرجلين ويسمى دجاج البر. قال الترمذى وزّرها بيضها. قال الدميرى والصواب حجلة السرير واحدة الحجال وزّرها الذى يدخل فى عروتها وكان حول ذلك الخاتم شعرات مائلة الى الخضرة مكتوب عليه لا اله الا الله محمد رسول الله او محمد نبى امين او غير ذلك كما قال فى السبعيات كان خاتم النبوة "تبخيخ هيصور توجه حيث شئت فانك منصور" والتوفيق بين الروايات بتعدد الخطوط وتنوعها بحسب الحالات والتجليات او بالنسبة الى انظار الناظرين ولكون ما بين الكتفين مدخل الشيطان كان عليه السلام يحتجم بين كتفيه ويأمر بذلك ووصاه جبريل بذلك لتضعيف مادة الشيطان وتضييق مرصده لانه يجرى وسوسته مجرى الدم وعصم عليه السلام من وسوسته لقوله "حديث : اعاننى الله عليه فاسلم" تفسير : اى بالختم الالهىّ وما اسلم قرين آدم فوسوس اليه لذلك. وفى سفر السعادة ان النبى عليه السلام لما سحره اليهودى ووصل المرض الى الذات المقدسة النبوية امر بالحجامة على قبة رأسه المباركة واستعمال الحجامة فى كل متضرر فى السحر غاية الحكمة ونهاية حسن المعالجة ومن لا حظ له فى الدين والايمان يستشكل هذا العلاج وفى الحديث "حديث : الحجامة فى الرأس شفاء من سبع" تفسير : من الجنون والصداع والجذام والبرص والنعاس ووجع الضرس وظلمة يجدها فى عينيه والحجامة فى وسط الرأس وكذا بين الكتفين نافعة. وتكره فى نقرة القفاء فانها تورث النسيان, قال بعضهم الحجامة فى البلاد الحارة انفع من الفصد حديث : وروى انه عليه السلام ما شكا اليه رجل وجعا فى رأسه الا قال "احتجم" ولا وجعا فى رجليه الا قال "اخضبه" تفسير : وخير ايام الحجامة يوم الاحد والاثنين. وجاء فى بعض الروايات النهى عن يوم الاحد واختار بعضهم يوم الثلاثاء وكرهه بعضهم وتكره يوم السبت والاربعاء الا ان يكون قد غلب عليه الدم وخير ازمانها الربيع بعد نصف الشهر فى السابع عشر والتاسع عشر والحادى والعشرين فالاولى ان تكون فى الربع الثالث من الشهر لانه وقت هيجان الدم وتكره فى المحاق وهو ثلاثة ايام من آخر الشهر ولا يستحب ان يحتجم فى ايام الصيف فى شدة الحر ولا فى شدة البرد فى ايام الشتاء وخير اوقاتها من لدن طلوع الشمس الى وقت الضحى وتستحب الحجامة على الريق فانها شفاء وبركة وزيادة فى العقل والحفظ وعلى الشبع داء الا اذا كان به ضرر فليذق او لا شيئا قليلا ثم ليحتجم واذا اراد الحجامة يستحب ان لا يقرب النساء قبل ذلك بيوم وليلة وبعده مثل ذلك ولا يدخل فى يومه الحمام واذا احتجم او افتصد لا ينبغى ان يأكل على اثره ما لحا فانه يخاف منه القروح او الجرب ولا يأكل رأسا ولا لبنا ولا شيئا مما يتخذ من اللبن ويستحب على اثره الخل ليسكن ما به ثم يحسو شيئا من المرقة ويتناول شيئا من الحلاوة ان قدر عليه كما فى بستان العارفين والله الشافى وهو الكافى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ما كان محمدٌ أَبَا أحدٍ من رجالكم} أي: لم يكن أبا رجل منكم حقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده؛ من حرمة الصهر والنكاح، والمراد: من رجالكم البالغين، وأما أولاده: القاسم، والطيب، والطاهر، فماتوا قبل أن يكونوا رجالاً، وأما الحسن والحسين، فأحفاد، لا أولاد. {ولكن} كان {رسولَ اللهِ} وكل رسول أبو أمته، فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء. وزيد واحد من رجالكم، الذين ليسوا بأولاد حقيقة، فكان حكمُه حكمهم. والتبني من باب الاختصاص والتقريب، لا غير. {و} كان أيضاً صلى الله عليه وسلم {خاتمَ النبيين} أي: آخرهم الذي ختمهم، أو: ختموا به على قراءة عاصم. بفتح التاء، بمعنى: الطابع، كأنه طبع وختم على مقامات النبوة، كما يختم على الكتاب لئلا يلحقه شيء. فلا نبي بعده. وعيسى ممّن نُبىء قبله، وحين ينزل ينزل عاملاً على شريعته صلى الله عليه وسلم، كأنه بعض أمته. ومَن قرأ بكسر التاء، فمعناه: فاعل الختم، كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : أنا خاتم النبيين فلا نبي بعدي" تفسير : . ويصح أن يكون بمعنى الطابع أيضاً؛ إذ فيه لغات؛ خاتِم ـ بالفتح والكسر ـ وخاتام، وخَيْتام. {وكان الله بكل شيءٍ عليماً} فيعلم مَن يليق بأن يختم به النبوة، وكيف ينبغي شأنه. الإشارة: كان صلى الله عليه وسلم أبا الأرواح حقيقة؛ إذ الوجود كله ممتد من نوره، وأبا الأشباح باعتبار أنه السابق نوره. فأول ما ظهر نوره ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومنه امتدت الكائنات، فهو بذرة الوجود. وسيأتي في قوله: {أية : فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ}تفسير : [الزخرف: 81] تتميم ذلك إن شاء الله. ولم يكن أباً باعتبار تولُّد الصلب، وهو الذي نفاه الله تعالى عنه. ثم حض على الذكر إذ هو سبب التهذيب والتأديب فيزجر صاحبه عن الخوض فيما لا يعنيه فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ...}
الجنابذي
تفسير : {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} قد مضى بيان هذه الكلمة فى اوّل السّورة عند قوله: وازواجه امّهاتهم ولمّا توهّم من نفى ابوّته لرجالهم انتفاء النّسبة بينه وبين امّته استدرك ذلك بانّه (ص) ما كان ابا احدٍ من رجالكم الجسمانيّين ولكنّه ابٌ لامّته من حيث انّهم مؤمنون ورجالٌ ونساء روحانيّون فقوله تعالى {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ} واقع موقع قوله تعالى ولكنّه او رجاله الرّوحانيّين {وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} هذه الكلمة للتّرقّى عن كونه اباً لامّته فكأنّه قال: بل هو ابٌ لجميع المرسلين واممهم لانّه خاتمهم والخاتم ينبغى ان يكون محيطاً بالكلّ ومنسوباً الى الكلّ نسبة الاب الى الاولاد، وقرئ هذه الكلمة بكسر التّاء وفتحها {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} لا انتم فيعلم هو النّسبة الجسمانيّة والرّوحانيّة بين الاشياء ويعلم مقدار كلّ وحكم كلّ بحسبه وقدره لا انتم فلا تقولوا لما يحكم الله به: لم كان كذا؟ او لو لم يكن ذلك كذلك! فانّه ردّ من الجاهل على العالم، او تأمّل من الجاهل فى حكم العالم.
اطفيش
تفسير : {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} على الحقيقة حتى تحرم عليه امرأة احدكم كزيد واما بنوه صلى الله عليه وسلم وهم الطاهر والقاسم وابراهيم والطيب فلم يبلغوا مبلغ الرجال ولو بلغوا فهم رجاله لا رجالهم واما الحسن والحسين فلم يكونا يومئذ بالغين مبلغ الرجال وايضا هما من رجاله لا من رجالهم وايضا ليسا بابنيه لصلبه والمقصود ولد صلبه لقوله {خاتم النبيين} ألا ترى ان الحسن عاش نيفا واربعين والحسين نيفا وخمسين ولو كان له ولد بلغ مبلغ الرجال لكان نبيا لأربعين عاما فلا يكون صلى الله عليه وسلم خاتما للنبيين وحده بل يختمهم معه غيرهم وقد قال في ابنه ابراهيم "لو عاش لكان نبيا" بل المراد ايضا من رجالكم المعاصرين له. {ولكن رسول الله} اي ولكن رسول الله وكل رسول ابو امته فيما يرجع الى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم ووجوب النفقة عليهم والنصيحة لهم لا في تحريم ازواج الامة عليه والادعاء والتبني باب اختصاص وتقريب وقرىء بالرفع اي ولكن هو رسول الله وبالتشديد والنصب فيقدر خبر لكن اي لكن رسول الله من عرفتموه اي لم يعش له ولد ذكرا ولكن رسول الله اب من غيره وراثة. {وخاتم النبيين} لا نبي معه ولا بعده واما سيدنا عيسى فانه ولو كان سينزل فانه قد مضى زمان إرساله ولم يجعله الله نبيا في زمان النبي او بعده فقط بل جعله نبيا مرسلا قبل ذلك مستمرة نبوته ورسالته الى ان يموت والمراد لا ينبي الله نبيا ولا يرسل نبيا في زمانه ولا بعده فلا نقض ايضا بالخضر والياس مع انها وعيسى اذا نزل انما يعملون بشريعته صلى الله عليه وسلم ويصلون الى قبلته بل هم بعض امته ولا يرد علينا ان عيسى لا يقبل الجزية من اهل الكتاب بل يؤمنون او يقتلهم لان هذا ايضا من شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم موقت بنزول عيسى عليه السلام وقرأ ابن مسعود {ولكن نبيا خاتم النبيين} وقرأ عاصم {خاتم النبيين} بفتح التاء بمعنى آلة الختم. {وكان الله بكل شيء عليما} ومنه علمه انه لا نبي بعده ولا معه وان من حيي من الانبياء وعيسى اذا نزل يعملون بشريعته ومنه علمه بمن يليق بختم النبوة ويسمى صلى الله عليه وسلم الخاتم والمقفى اي الأخير وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا وحسنه واجمله الا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون ويعجبون له ويقولون هلا وضعت في هذا الموضع هذه اللبنة فأنا اللبنة وانا خاتم اللنبيين"تفسير : رواه ابو هريرة وجابر بن عبدالله وروي "حديث : جئت فختمت الأنبياء ".
اطفيش
تفسير : {ما كَان مُحمَّد} اذا كان الناس يقرءون القرآن وقرءوا لفظ محمد او لفظ أحمد وجب عليهم فى الاصح ان يصلوا عليه، لان كل واحد قد سمعه من غيره، والصلاة واجبة على من سمع ذكره، وفيه أقوال، وعلى كل حال يكفر من ينهى الناس عن الصلاة عليه فى سماعه من القارئ، او يقول ليس بشرع، ومعلوم ان الصلاة عليه حينئذ ليست من القرآن، كما علم ان بلى بعد "أية : أليس الله بأحكم الحاكمين" تفسير : [التين: 8] ليس من القرآن، وقد أمر به صلى الله عليه وسلم، ومن الجهالة ان يسبقوا الداعى بالصلاة والسلام ويسمعون الاسم من الداعى بعد فراغهم، فلا يصلون ولا يسلمون استغناء بالنفل عن الفرض، لأنهما يفرضان عند ذكره، ومن أنكر جواز الصلاة والسلام عليه عند سماعه فى القرآن فقد أشرك، ويصلى ويسلم عليه بصوت دون صوت القرآن اذا سمعوه فى القرآن، ولا يتوهم احد ان الصلاة والسلام عليه آية من القرآن، ولو خيف التوهم أخبر انهما ليسا من القرآن. {أبا أحَدٍ مِن رجالكم} ذكر الرجال دون الابناء، لان الكلام فى زوج زيد زينب وهو يومئذ رجل، وايضا يلزم من نفى ان يكون أباً لرجل ان يكون ابا لطفل، لان الطفولية عن الرجولية، بخلاف الطفولية فلا يلزم عنها ان يكون رجلا، لانه يمكن ان يموت قبل ان يكونه، ولا حاجة الى جعل الرجل من اطلاق الخاص على العام الذى هو الابن، ولا الى قول: ان الرجل من حين يولد، وإنما ذلك فى مثل قوله تعالى: "أية : وللرجال نصيب" تفسير : [النساء: 7، 32] "أية : وإن كان رجل يورث" تفسير : [النساء: 12] الخ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فلأولى رجل ذكر" تفسير : والابوة المنفية شرعية ولغوية اصلية، وهى بنوة الولادة او الرضاع، وشهر انه لا بنوة بالرضاع فى اللغة، ومعلوم ان زيد بن حارثة، وانه لا مراضعة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم الله عز وجل ان التبنى لا يعتبر فى النكاح، ولا فى غيره، ولا يثبت بنوة شرعية، ولم يقل ابا احد من الرجال، او ابا احد منكم، لانهم يعدون زيداً منهم للمخالطة والسكنى. واما اولاده صلى الله عليه وسلم فماتوا فى مكة قبل البلوغ، كالقاسم رضى الله عنه، وإبراهيم ولد فى المدينة بعد نزول الآية، وهو صلى الله عليه وسلم اب ايضا لابنه البالغ، لو كان فإنهم يعدونه من رجالهم، ولا يبحث ببنوة الحسن والحسين له صلى الله عليه وسلم، لانهما طفلان، وللعلم بان أباهما على، وقد علمت ان المنفى ابوة الولادة والرضاع، فلا يشكل انه صلى الله عليه وسلم ابو المؤمنين من الآية، نص عليه الشافعى وعلى وقرئ: وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم. وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال لعلى: "حديث : أنا وأنت أبو هذه الأمة"تفسير : وذلك فى التعظيم والشفقة، وكل نبى اب لأمته لذلك، وإنما هو أبو الثلاثة بنين وأربع بنات، اولهم القاسم وبه يكنى، ثم زينب، ثم عبدالله واسمه الطاهر، ولد بعد نزول الوحى، ولذا سمى طاهرا، ثم ام كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية ولدتهم خديجة فى مكة، ثم ابنه ابراهيم من سريته مارية القبطية، وكلهم ماتوا قبله الا فاطمة فبعده بستة أشهر، وكل نسائه ثيبات الا عائشة، ويروى عن الشعبى، عن ابى جحيفة، عن على، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اذا كان يوم القيامة نادى مناد من وراء الحجاب يقول غضوا ابصاركم عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمر الى الجنة ". تفسير : {ولكن رسُول الله} لكن كان رسول الله، قال هذا ليكون قد اثبت ما نفوه، ونفى ما أثبتوه، وكأنه قيل لكن ثبتت له الرسالة التى هى كالأبوة الحقيقة فى تعظيم المؤمنين له، وفى شفقته ونفعه لهم {وخاتَم النَّبييِّن} اكد به الرسالة المتضمنة للابوة التعظيمية والشفقية، لطول ما بينه وبين يوم القيامة، فذلك طول للأبوة المذكورة بخلاف ابوة الانبياء قبله، فدون تلك المدة ايضاً، وقد يتكلم فى الزيادة عما هم عليه من تلك الشفعة على من يأتى بعدهم من الانبياء، لعلمهم بأنهم يأتون بعدهم، وأما عيسى صلى الله عليه وسلم، فإذا نزل شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يلهمه الله إياها، او علمه اياها صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء، او فى غيرها، كما روى انه يسلم على عيسى فى الطواف، ومن شريعته اذا نزل عيسى ان لا تقبل الجزية، بل الايمان او القتل. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا الخاتم للنبوة جئت فتممت الانبياء"تفسير : قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : انا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحوا الله به الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب أي الذي ليس بعدي نبي"تفسير : ويروى "انا محمد وانا احمد وانا المقفى وانا الماحى ونبى التوبة ونبى الرحمة" والمقفى المجعول آخراً. {وكان الله بكلِّ شيء عليماً} من ذلك علمه بحكمة كونه خاتم النبيين، واذا نزل عيسى عمل بسنته، وحج وتزوج، فهو من امته الا انه لا يقبل الجزية عن اهل الكتاب والمجوس، بل ان لم يؤمنوا قتلهم، وهذا دين سيدنا محمد اذا نزل عيسى، ويصلى الى الكعبة.
الالوسي
تفسير : {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } رد لمنشأ خشيته صلى الله عليه وسلم الناس المعاتب عليها بقوله تعالى: {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَـٰهُ } تفسير : [الأحزاب: 37] وهو قولهم: إن محمداً عليه الصلاة والسلام تزوج زوجة ابنه زيد بنفي كون زيد ابنه الذي يحرم نكاح زوجته عليه الصلاة والسلام على أبلغ وجه كما ستعرفه قريباً / إن شاء الله تعالى. والرجال جمع رجل بضم الجيم كما هو المشهور وسكونه وهو على ما في «القاموس» الذكر إذا احتلم وشب أو هو رجل ساعة يولد، وفي بعض ظواهر الآيات والأخبار ما هو مؤيد للثاني نحو قوله تعالى {أية : لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوَِٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ }تفسير : [النساء: 7] وقوله سبحانه: {أية : وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً }تفسير : [النساء: 12] ونحو قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : فلأولى رجل ذكر»تفسير : والبحث الذي ذكره بعض أجلة المتأخرين فيما ذكر من الأمثلة لا يدفع كون الظاهر منها ذلك عند المنصف، وقد يذكر لتأييد الأول قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ }تفسير : [النساء: 75] فإن الرجال فيه للبالغين، وفيه بحث، نعم ظاهر كلام الزمخشري وهو إمام له قدم راسخة في اللغة وغيرها من العلوم العربية يدل على أن الرجل هو الذكر البالغ، وأياً ما كان فإضافة رجال إلى ضمير المخاطبين باعتبار الولاد فإن أريد بالرجال الذكور البالغون فالمعنى: ما كان محمد أبا أحد من أبنائكم أيها الناس الذكور البالغين الذين ولدتموهم، وإن أريد بهم الذكور مطلقاً فالمعنى: ما كان محمد أبا أحد من أبنائكم الذين ولدتموهم مطلقاً كباراً كانوا أو صغاراً. والأب حقيقة لغوية في الوالد على ما يفهم من كلام كثير من اللغويين، والمراد بالأبوة المنفية هنا الأبوة الحقيقية الشرعية التي يترتب عليها أحكام الأبوة الحقيقية اللغوية من الإرث ووجوب النفقة وحرمة المصاهرة سواء كانت بالولادة أو بالرضاع أو بتبني من يولد مثله لمثله وهو مجهول النسب فحيث نفى كونه صلى الله عليه وسلم أبا أحد من رجالهم بأي طريق كانت الأبوة - ومن المعلوم أن زيداً أحد من رجالهم - تحقق نفي كونه عليه الصلاة والسلام أباً له مطلقاً، أما كونه صلى الله عليه وسلم ليس أباً له بالولادة فمما لا نزاع فيه ولم يتوهم أحد خلافه، ومثله كونه عليه الصلاة والسلام ليس أباً له بالرضاع، وأما كونه صلى الله عليه وسلم ليس أباً له بالتبني مع تحقق تبنيه عليه الصلاة والسلام فلأن الأبوة بالتبني التي نفيت إنما هي الأبوة الحقيقية الشرعية وما كان من التبني لا يستتبعها لتوقفها شرعاً على شرائط، منها كون المتبنى مجهول النسب وذلك منتف في زيد فقد كان معروف النسب فيما بينهم، وقد تقدم لك أنه ابن حارثة، وتعميم نفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من رجالهم بحيث شمل نفي الأبوة بالولادة والأبوة بالرضاع والأبوة بالتبني مع أنه كلام في انتفاء الأوليين وإنما الكلام في انتفاء الأخيرة فقط إذ هي التي يزعمها من يقول: تزوج محمد عليه الصلاة والسلام زوجة ابنه للمبالغة في نفي الأبوة بالتبني التي زعموا ترتب أحكام الأبوة الحقيقية عليها بنظم ما خفي في سلك ما لا خفاء فيه أصلاً. ولعل هذا هو السر في قوله سبحانه: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } دون ما كان محمد أبا أحد من الرجال أو ما كان محمد أبا أحد منكم، ولعله لهذا أيضاً صرح بنفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من رجالهم ليعلم منه نفي بنوة أحد من رجالهم له عليه الصلاة والسلام، ولم يعكس الحال بأن يصرح بنفي بنوة أحد من رجالهم له عليه الصلاة والسلام ليعلم نفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من رجالهم، ويؤتي بما بعد على وجه ينتظم مع ما قبل. وبحمل الأبوة المنفية على الأبوة الحقيقية الشرعية ينحل إشكال في الآية وهو أن سياقها لنفي أبوته عليه الصلاة والسلام لزيد ليرد به على من يعترض على النبـي صلى الله عليه وسلم بتزوجه مطلقته فإن أريد بالأبوة الأبوة الحقيقية اللغوية وهي ما يكون بالولادة لم تلائم السياق ولم يحصل بها الرد المذكور مع أن هو المقصود إذ لم يكن أحد يزعم ويتوهم أنه صلى الله عليه وسلم كان أبا زيد بالولادة وإن أريد بها الأبوة المجازية التي تحقق بالتبنـي ونحوه فنفيها غير صحيح لأنه عليه الصلاة والسلام كان / أباً لزيد مجازاً لتبنيه إياه ولم يزل زيد يدعى بابن محمد صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: {أية : ٱدْعُوهُمْ لأَبَائِهِمْ } تفسير : [الأحزاب: 5] فدعوه حينئذ بابن حارثة، ووجه انحلاله بما ذكرنا من أن المراد بالأبوة الأبوة الحقيقية الشرعية أن هذه الأبوة تكون بالولادة وبالرضاع وبالتبني بشرطه وهي بأنواعها غير متحققة في زيد، أما عدم تحققها بالنوعين الأولين فظاهر، وأما عدم تحققها بالنوع الأخير فلأن التبني وإن وقع إلا أن شرطه الذي به يستتبع الأبوة الحقيقية الشرعية مفقود كما علمت. وبجعل إضافة الرجال إلى ضمير المخاطبين باعتبار الولادة يندفع استشكال النفي المذكور بأنه عليه الصلاة والسلام قد ولد له عدة ذكور فكيف يصح النفي لأن من ولد له عليه الصلاة والسلام ليس مضافاً للمخاطبين باعتبار الولادة بل هو مضاف إليه صلى الله عليه وسلم باعتباره، ومن خص الرجال بالبالغين قال: لا ينتقض العموم بذلك لأن جميع من ولد له عليه الصلاة والسلام مات صغيراً ولم يبلغ مبلغ الرجال، وقيل: لا إشكال في ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن له ابن يوم نزول الآية لأن السورة مدنية نزلت على ما نقل عن ابن الأثير في تاريخ «الكامل» السنة الخامسة من الهجرة وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب، ومن ولده له صلى الله عليه وسلم من الذكور ممن عدا إبراهيم فإنما ولد بمكة قبل الهجرة وتوفي فيها، وإبراهيم وإن ولد بالمدينة لكن ولد السنة الثامنة من الهجرة فلم يكن مولوداً يوم النزول بل بعده وهو كما ترى. وكما استشكل النفي بما ذكر استشكل بالحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما فقد كان النبـي صلى الله عليه وسلم أباً لهما حقيقة شرعية، ولم يرتض بعضهم هنا الجواب بخروجهما بالإضافة لأن لهما نسبة إلى المخاطبين باعتبار الولادة لدخول علي كرم الله تعالى وجهه فيهم وهما ولداه، وارتضاه آخر بناء على أن الإضافة للاختصاص باعتبار الولادة ولا اختصاص للحسنين بعلي رضي الله تعالى عنهم باعتبارها لما أنهما ولدا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً لكن بالواسطة. فإن قيل هذا فذاك وإلا فالجواب. أما ما قيل من أن المراد بالرجال البالغون ولم يكونا رضي الله تعالى عنهما يوم النزول كذلك فإن الحسن رضي الله تعالى عنه ولد السنة الثالثة من الهجرة والحسين رضي الله تعالى عنه ولد السنة الرابعة منها لخمس خلون من شعبان وقد علقت به أمه عقب ولادة أخيه بخمسين ليلة أو أقل وكان النزول بعد ولادتهما على ما سمعت آنفاً، وأما ما قيل من أن المراد بالأب في الآية الأب الصلب ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن أباهما كذلك فتدبر. وقيل: ليس المراد من الآية سوى نفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من الرجال بالتبني لتنتفي أبوته عليه الصلاة والسلام لزيد التي يزعمها المعترض كما يدل عليه سوق الآية الكريمة فكأنه قيل: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم كما زعمتم حيث قلتم إنه أبو زيد لتبنيه إياه وهي ساكتة عن نفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد بالولادة أو بالرضاع وعن إثباتها فلا سؤال بمن ولد له صلى الله عليه وسلم من الذكور ولا بالحسنين رضي الله تعالى عنهم ولا جواب. وإلى اختيار هذا يميل كلام أبـي حيان والله تعالى أعلم. واستدل بعض الشافعية بهذه الآية على أنه لا يجوز أن يقال للنبـي عليه الصلاة والسلام أبو المؤمنين حكاه صاحب «الروضة» ثم قال: ونص الشافعي عليه الرحمة على أنه يجوز أن يقال له صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين أي في الحرمة ونحوها، وقال الراغب بعد أن قال الأب الوالد ما نصه: ويسمى كل من كان سبباً في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره أباً ولذلك سمي النبـي صلى الله عليه وسلم أبا المؤمنين قال الله تعالى: {أية : ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } تفسير : [الأحزاب: 6] وفي بعض القراآت {وَهُوَ أَبٍ لَهُمْ } وروى حديث : أنه عليه الصلاة والسلام قال: لعلي كرم الله تعالى وجهه «أنا وأنت أبوا هذه الأمة» تفسير : وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم / بقوله: «حديث : كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببـي ونسبـي»تفسير : اهـ فلا تغفل. وعلى جواز الإطلاق قالوا: إن قوله تعالى: {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ } استدراك من نفي كونه عليه الصلاة والسلام أبا أحد من رجالهم على وجه يقتضي حرمة المصاهرة ونحوها إلى إثبات كونه صلى الله عليه وسلم أباً لكل واحد من الأمة فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له صلى الله عليه وسلم ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه الصلاة والسلام فإن كان رسول أب لأمته فيما يرجع إلى ذلك، وحاصله أنه استدراك من نفي الأبوة الحقيقية الشرعية التي يترتب عليها حرمة المصاهرة ونحوها إلى إثبات الأبوة المجازية اللغوية التي هي من شأن الرسول عليه الصلاة والسلام وتقتضي التوقير من جانبهم والشفقة من جانبه صلى الله عليه وسلم وقيل في توجيه الاستدراك أيضاً إنه لما نفيت أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من رجالهم مع اشتهار أن كل رسول أب لأمته ولذا قيل: إن لوطاً عليه السلام عنى بقوله: {أية : هَـؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ }تفسير : [هود: 78] المؤمنات من أمته يتوهم نفي رسالته صلى الله عليه وسلم بناء على توهم التلازم بين الأبوة والرسالة فاستدرك بإثبات الرسالة تنبيهاً على أن الأبوة المنفية شيء والمثبتة للرسول شيء آخر. وأما قوله سبحانه: {وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيّينَ } فقد قيل إنه جيء به ليشير إلى كمال نصحه وشفقته صلى الله عليه وسلم فيفيد أن أبوته عليه الصلاة والسلام للأمة المشار إليها بقوله تعالى: {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ } أبوة كاملة فوق أبوة سائر الرسول عليهم السلام لأممهم وذلك لأن الرسول الذي يكون بعده رسول ربما لا يبلغ في الشفقة غايتها وفي النصيحة نهايتها اتكالاً على من يأتي بعده كالوالد الحقيقي إذا علم أن لولده بعده من يقوم مقامه، وقيل: إنه جيء به للإشارة إلى امتداد تلك الأبوة المشار إليها بما قبل إلى يوم القيامة فكأنه قيل: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم بحيث تثبت بينه وبينه حرمة المصاهرة ولكن كان أبا كل واحد منكم وأبا أبنائكم وأبناء أبنائكم وهكذا إلى يوم القيامة بحيث يجب له عليكم وعلى من تناسل منكم احترامه وتوقيره ويجب عليه لكم ولمن تناسل منكم الشفقة والنصح الكامل، وقيل: إنه جيء به لدفع ما يتوهم من قوله تعالى: {مّن رّجَالِكُمْ } من أنه صلى الله عليه وسلم يكون أبا أحد من رجاله الذين ولدوا منه عليه الصلاة والسلام بأن يولد له ذكر فيعيش حتى يبلغ مبلغ الرجال وذلك لأن كونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين يدل على أنه لا يعيش له ولد ذكر حتى يبلغ لأنه لو بلغ لكان منصبه أن يكون نبياً فلا يكون هو صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ويراد بالأب عليه الأب الصلب لئلا يعترض بالحسنين رضي الله تعالى عنهما. ودليل الشرطية ما رواه إسماعيل السدي عن أنس قال: كان إبراهيم ـ يعني ابن النبـي صلى الله عليه وسلم ـ قد ملأ المهد ولو بقي لكان نبياً لكن لم يبق لأن نبيكم آخر الأنبياء عليهم السلام، وجاء نحوه في روايات أخر أخرج البخاري من طريق محمد بن بشر عن إسماعيل بن أبـي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى رأيتَ إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مات صغيراً ولو قُضِي [أن يكون] بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبـي عاش ابنه إبراهيم ولكن لا نبـي بعده. وأخرج أحمد عن وكيع عن إسماعيل سمعت ابن أبـي أوفى يقول: لو كان بعد النبـي نبـي ما مات ابنه. وأخرج ابن ماجه وغيره من حديث ابن عباس «حديث : لما مات إبراهيم ابن النبـي صلى الله عليه وسلم وقال: إن له مرضعاً في الجنة ولو عاش لكان صديقاً نبياً ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط وما استرق قبطي»تفسير : وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي وهو على ما قال القسطلاني ضعيف، ومن طريقه أخرجه ابن منده في «المعرفة» وقال: إنه غريب، وكأن النووي لم يقف على هذا الخبر المرفوع أو نحوه أو وقف عليه ولم يصح عنده فقال في «تهذيب الأسماء واللغات»: وأما ما روي عن بعض المتقدمين لو عاش إبراهيم لكان نبياً فباطل وجسارة على الكلام على المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم، ومثله ابن عبد البر فقد قال في «التمهيد»: لا أدري ما هذا فقد ولد نوح عليه السلام غير نبـي ولو لم يلد النبـي إلا نبياً لكان كل أحد نبياً لأنهم من نوح عليه السلام. وأنا أقول: لا يظن بالصحابـي الهجوم على الإخبار عن مثل هذا الأمر بالظن، فالظاهر أنه لم يخبر إلا عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا صح حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المرفوع ارتفع الخصام، لكن الظاهر أن هذا الأمر في إبراهيم خاصة بأن يكون قد سبق في علم الله تعالى أنه لو عاش لجعله جل وعلا نبياً لا لكونه ابن النبـي صلى الله عليه وسلم بل لأمر هو جل شأنه به أعلم {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }تفسير : [الأنعام: 124] وحينئذٍ يرد على الشرطية السابقة أعني قوله لأنه: لو بلغ لكان منصبه أن يكون نبياً منع ظاهر، والدليل الذي سيق فيما سبق لا يثبتها لما أن ظاهره الخصوص فيجوز أن يبلغ ولد ذكر له عليه الصلاة والسلام غير إبراهيم ولا يكون نبياً لعدم أهليته للنبوة في علم الله تعالى لو عاش. وقول بعض الأفاضل: ليس مبنى تلك الشرطية على اللزوم العقلي والقياس المنطقي بل على مقتضى الحكمة الإلهية وهي أن الله سبحانه أكرم بعض الرسل عليهم السلام بجعل أولادهم أنبياء كالخليل عليه السلام ونبينا صلى الله عليه وسلم أكرمهم عليه وأفضلهم عنده فلو عاش أولاده اقتضى تشريف الله تعالى له وأفضليته عنده ذلك ليس بشيء لأنا نقول: لا يلزم من إكرام الله تعالى بعض رسله عليهم السلام بنبوة الأولاد وكون نبينا صلى الله عليه وسلم أكرمهم وأفضلهم اقتضاء التشريف والأفضلية نبوة أولاده لو عاشوا وبلغوا ليقال إن حكمة كونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين لكونها أجل وأعظم منعت من أن يعيشوا فينبؤا، ألا ترى أن الله تعالى أكرم بعض الرسل بجعل بعض أقاربهم في حياتهم وبعد مماتهم أنبياء معينين لهم ومؤيدين لشريعتهم غير مخالفين لها في أصل أو فرع كموسى عليه السلام ونبينا عليه الصلاة والسلام أكرمهم وأفضلهم ولم يجعل له ذلك. فإن قيل: إنه عوض صلى الله عليه وسلم عنه بأن جعل جل شأنه له من أقاربه وأهل بيته علماء أجلاء كأنبياء بني إسرائيل كعلي كرم الله تعالى وجهه كما يرشد إليه حديث : قوله صلى الله عليه وسلم له رضي الله تعالى عنه «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبـي بعدي» تفسير : قلنا: فلم لا يجوز أن يبقي سبحانه له عليه الصلاة والسلام أولاداً ذكوراً بالغين ويعوضه عن نبوتهم التي منعت عنها حكمة الخاتمية نحو ما عوضه عن نبوة بعض أقاربه التي منعت عنها تلك الحكمة وذلك أقرب لمقتضى التشريف كما لا يخفى، وقيل: الملازمة مستفادة من الآية لأنه لولاها لم يكن للاستدراك معنى إذ (لكن) تتوسط بين متقابلين فلا بد من منافاة بنوتهم له عليه الصلاة والسلام لكونه خاتم النبيين وهو إنما يكون باستلزام بنوتهم نبوتهم، ولا يقدح فيه قوله تعالى: {رَسُولِ ٱللَّهِ } كما يتوهم لأنه لو سلم رسالتهم لكانت إما في عصره صلى الله عليه وسلم وهي تنافي رسالته أو بعده وهو تنافي / خاتميته اهـ، وفيه أن الملازمة في قوله: ولولا ذلك لم يكن للاستدراك معنى ممنوعة، والدليل المذكور لم يثبتها لجواز أن يكون معنى الاستدراك ما ذكرناه أولاً، على أن فيما ذكره بعد ما لا يخفى. وقيل في توجيه الاستدراك: إنه لما كان عدم النسل من الذكور يفهم منه أنه لا يبقى حكمه صلى الله عليه وسلم ولا يدوم ذكره استدرك بما ذكر وهو كما ترى. وقال بعض المتأخرين: يجوز أن لا يكون الاستدراك بلكن هنا بمعنى رفع التوهم الناشىء من أول الكلام كما في قولك: ما زيد كريم لكنه شجاع بل بمعنى أن يثبت لما بعدها حكم مخالف لما قبلها نحو ما هذا ساكن لكنه متحرك وما هذا أبيض لكنه أسود وقد جاء كذلك في بعض آي الكتاب الكريم كما في قوله تعالى: {أية : يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 67] فإن نفي السفاهة لا يوهم انتفاء الرسالة ولا انتفاء ما يلزمها من الهدى والتقوى حتى يجعل استدراكاً بالمعنى الأول اهـ فليتأمل. ومن العجيب أن ابن حجر الهيتمي قال في «فتاواه الحديثية»: إنه لا بعد في إثبات النبوة لإبراهيم ابن النبـي صلى الله عليه وسلم في صغره وقد ثبت في الصغر لعيسى ويحيـى عليهما السلام، ثم نقل عن السبكي كلاماً في حديث «حديث : كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد»تفسير : حاصله أن حقيقته عليه الصلاة والسلام قد تكون من قبل آدم آتاها الله تعالى النبوة بأن خلقها مهيأة لها وأفاضها عليها من ذلك الوقت وصار نبياً ثم قال: وبه يعلم تحقيق نبوة سيدنا إبراهيم في حال صغره اهـ وفيه بحث. وخبر أنه عليه الصلاة والسلام أدخل يده في قبره بعد دفنه وقال: «أما والله إنه لنبـي ابن نبـي» في سنده من ليس بالقوي فلا يعول عليه ليتكلف لتأويله. والخاتم اسم آلة لما يختم به كالطابع لما يطبع به فمعنى خاتم النبيين الذي ختم النبيون به ومآله آخر النبيين، وقال المبرد: {خاتم} فعل ماض على فاعل وهو في معنى ختم النبيين فالنبيين منصوب على أنه مفعول به وليس بذاك. وقرأ الجمهور {وَخَاتَمَ } بكسر التاء على أنه اسم فاعل أي الذي ختم النبيين، والمراد به آخرهم أيضاً، وفي حرف ابن مسعود (ولكن نبياً ختم النبيين)، والمراد بالنبـي ما هو أعم من الرسول فيلزم من كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين كونه خاتم المرسلين والمراد بكونه عليه الصلاة والسلام خاتمهم انقطاع حدوث وصف النبوة في أحد من الثقلين بعد تحليه عليه الصلاة والسلام بها في هذه النشأة. ولا يقدح في ذلك ما أجمعت الأمة عليه واشتهرت فيه الأخبار ولعلها بلغت مبلغ التواتر المعنوي ونطق به الكتاب على قول ووجب الإيمان به وأكفر منكره كالفلاسفة من نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان لأنه كان نبياً قبل تحلي نبينا صلى الله عليه وسلم بالنبوة في هذه النشأة ومثل هذا يقال في بقاء الخضر عليه السلام على القول بنبوته وبقائه، ثم إنه عليه السلام حين ينزل باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها بحال لكنه لا يتعبد بها لنسخها في حقه وحق غيره وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلاً وفرعاً فلا يكون إليه عليه السلام وحي ولا نصب أحكام بل يكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحاكماً من حكام ملته بين أمته بما علمه في السماء قبل نزوله من شريعته عليه الصلاة والسلام كما في بعض الآثار أو ينظر في الكتاب والسنة وهو عليه السلام لا يقصر عن رتبة الاجتهاد المؤدي إلى استنباط ما يحتاج إليه أيام مكثه في الأرض من الأحكام وكسره الصليب وقتله الخنزير ووضعه الجزية وعدم قبولها مما علم من شريعتنا صوابيته في قوله / صلى الله عليه وسلم «حديث : إن عيسى ينزل حكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية»تفسير : فنزوله عليه السلام غاية لإقرار الكفار ببذل الجزية على تلك الأحوال ثم لا يقبل إلا الإسلام لا نسخ لها قاله شيخ الإسلام إبراهيم اللقاني في «هداية المريد لجوهرة التوحيد». وقوله: أنه عليه السلام حين ينزل باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها بحال لكنه لا يتعبد بها الخ أحسن من قول الخفاجي: الظاهر أن المراد من كونه على دين نبينا صلى الله عليه وسلم انسلاخه عن وصف النبوة والرسالة بأن يبلغ ما يبلغه عن الوحي وإنما يحكم بما يتلقى عن نبينا عليه الصلاة والسلام ولذا لم يتقدم لإمامة الصلاة مع المهدي ولا أظنه عنى بالانسلاخ عن وصف النبوة والرسالة عزله عن ذلك بحيث لا يصح إطلاق الرسول والنبـي عليه عليه السلام فمعاذ الله أن يعزل رسول أو نبـي عن الرسالة أو النبوة بل أكاد لا أتعقل ذلك، ولعله أراد أنه لا يبقى له وصف تبليغ الأحكام عن وحي كما كان له قبل الرفع فهو عليه السلام نبـي رسول قبل الرفع وفي السماء وبعد النزول وبعد الموت أيضاً. وبقاء النبوة والرسالة بعد الموت في حقه وحق غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام حقيقة مما ذهب إليه غير واحد فإن المتصف بهما وكذا بالإيمان هو الروح وهي باقية لا تتغير بموت البدن، نعم ذهب الأشعري كما قال النسفي إلى أنهما بعد الموت باقيان حكماً، وما أفاده كلام اللقاني من أنه عليه السلام يحكم بما علم في السماء قبل نزوله من الشريعة قد أفاده السفاريني في «البحور الزاخرة» وهو الذي أميل له، وأما أنه يجتهد ناظراً في الكتاب والسنة فبعيد وإن كان عليه السلام قد أوتي فوق ما أوتي مجتهدو الأمم مما يتوقف عليه الاجتهاد بكثير إذ قد ذهب معظم أهل العلم إلى أنه حين ينزل يصلي وراء المهدي رضي الله تعالى عنه صلاة الفجر وذلك الوقت يضيق عن استنباط ما تضمنته تلك الصلاة من الأقوال والأفعال من الكتاب والسنة على الوجه المعروف. نعم لا يبعد أن يكون عليه السلام قد علم في السماء بعضاً ووكل إلى الاجتهاد والأخذ من الكتاب والسنة في بعض آخر. وقيل: إنه عليه السلام يأخذ الأحكام من نبينا صلى الله عليه وسلم شفاهاً بعد نزوله وهو في قبره الشريف عليه الصلاة والسلام، وأيد بحديث أبـي يعلى «حديث : والذي نفسي بيده لينزلن عيسى ابن مريم ثم لئن قام على قبري وقال يا محمد لأجيبنه»تفسير : . وجوز أن يكون ذلك بالاجتماع معه عليه الصلاة والسلام روحانية، ولا بدع في ذلك فقد وقعت رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته لغير واحد من الكاملين من هذه الأمة والأخذ منه يقظة، قال الشيخ سراج الدين بن الملقن في «طبقات الأولياء»: قال الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الظهر فقال لي: يا بني لم لا تتكلم؟ قلت: يا أبتاه أنا رجل أعجم كيف أتكلم على فصحاء بغداد فقال: افتح فاك ففتحته فتفل فيه سبعاً وقال: تكلم على الناس وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فصليت الظهر وجلست وحضرني خلق كثير فارتج عليَّ فرأيت علياً كرم الله تعالى وجهه قائماً بإزائي في المجلس فقال لي: يا بني لم لا تتكلم؟ قلت: يا أبتاه قد ارتج علي فقال: افتح فاك ففتحته فتفل فيه ستاً فقلت: لم لا تكملها سبعاً قال: أدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توارى عني فقلت: غواص الفكر يغوص في بحر القلب على درر المعارف فيستخرجها إلى ساحل الصدر فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان فتشترى بنفائس أثمان حسن الطاعة في بيوت أذن الله أن ترفع. وقال أيضاً في ترجمة الشيخ خليفة بن موسى النهر ملكي: كان كثير الرؤية لرسول الله عليه / الصلاة والسلام يقظة ومناماً فكان يقال: إن أكثر أفعاله يتلقاه منه صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً ورآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرة قال له في إحداهن: يا خليفة لا تضجر مني فكثير من الأولياء مات بحسرة رؤيتي، وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في «لطائف المنن»: قال رجل للشيخ أبـي العباس المرسي يا سيدي صافحني بكفك هذه فإنك لقيت رجالاً وبلاداً فقال: والله ما صافحت بكفي هذه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وقال الشيخ لو حجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين، ومثل هذه النقول كثير من كتب القوم جداً. وفي «تنوير الحَلَك» لجلال الدين السيوطي الذي رد به على منكري رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في اليقظة طرف معتد به من ذلك، وبدأ في الاستدلال على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بـي»تفسير : وأخرج الطبراني مثله من حديث مالك بن عبد الله الخثعمي ومن حديث أبـي بكرة، وأخرج الدارمي مثله من حديث أبـي قتادة. وللمنكرين اختلاف في تأويله فقيل: المراد فسيراني في القيامة فهناك اليقظة الكاملة كما يشير إليه الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. وتعقب بأنه لا فائدة في هذا التخصيص لأن كل أمته يرونه يوم القيامة من رآه منهم في المنام ومن لم يره، وقيل: المراد الرؤية على وجه خاص من القرب والحظوة منه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أو حصول الشفاعة له أو نحو ذلك، ولا يرد عليه ما ذكر، وقيل: المراد بمن من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذٍ غائباً عنه فيكون الخبر مبشراً له بأنه لا بد أن يراه في اليقظة يعني بعيني رأسه، وقيل: بعين قلبه حكاهما القاضي أبو بكر بن العربـي، وقال الإمام أبو محمد بن أبـي جمرة في تعليقه على الأحاديث التي انتقاها من «صحيح البخاري»: هذا الحديث يدل على أن من يراه صلى الله عليه وسلم في النوم فسيراه في اليقظة وهل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته عليه الصلاة والسلام أو هذا كان في حياته؟ وهل ذلك لكل من رآه مطلقاً أو خاص بمن فيه الأهلية والاتباع لسنته عليه الصلاة والسلام؟ اللفظ يعطي العموم ومن يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه صلى الله عليه وسلم فمتعسف، وأطال الكلام في ذلك ثم قال: وقد ذكر عن السلف والخلف وهلم جرا ممن كانوا رأوه صلى الله عليه وسلم في النوم وكانوا ممن يصدقون بهذا الحديث فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها ونص لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص انتهى المراد منه. ثم إن رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة عند القائلين بها أكثر ما تقع بالقلب ثم يترقى الحال إلى أن يرى بالبصر، واختلفوا في حقيقة المرئي فقال بعضهم المرئي ذات المصطفى صلى الله عليه وسلم بجسمه وروحه، وأكثر أرباب الأحوال على أنه مثاله وبه صرح الغزالي فقال: ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه بل مثالاً له صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه قال: والآلة تارة تكون حقيقة وتارة تكون خيالية والنفس غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق. وفصل القاضي أبو بكر بن العربـي فقال: رؤية النبـي صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال واستحسنه الجلال السيوطي وقال: بعد نقل أحاديث وآثار ما نصه فحصل من مجموع هذا الكلام النقول والأحاديث أن النبـي صلى الله عليه وسلم حي بجسده وروحه وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع / كونهم أحياء بأجسادهم فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليه الصلاة والسلام عليها لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال اهـ. وذهب رحمه الله تعالى إلى نحو هذا في سائر الأنبياء عليهم السلام فقال إنهم أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا وأذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي، وهذا الذي ذكره من الخروج من القبور ذكر أخباراً كثيرة تشهد له. منها ما أخرجه ابن حبان في «تاريخه» والطبراني في «الكبير» وأبو نعيم في «الحلية» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من نبـي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحاً»تفسير : ومنها ما رواه عبد الرزاق في «مصنفه» عن الثوري عن أبـي المقدام عن سعيد بن المسيب قال: ما مكث نبـي في الأرض أكثر من أربعين يوماً، وأبو المقدام هو ثابت بن هرمز شيخ صالح، ومنها ما ذكره إمام الحرمين في «النهاية» ثم الرافعي في «الشرح» أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنا أكرم على ربـي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث»تفسير : زاد إمام الحرمين وروي أكثر من يومين. والذي يغلب على الظن أن رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بالبصر ليست كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا من باشره، ولشدة شبه تلك الرؤية بالرؤية البصرية المتعارفة يشتبه الأمر على كثير من الرائين فيظن أنه رآه صلى الله عليه وسلم ببصره الرؤية المتعارفة وليس كذلك، وربما يقال إنها رؤية قلبية ولقوتها تشتبه بالبصرية، والمرئي إما روحه عليه الصلاة والسلام التي هي أكمل الأرواح تجرداً وتقدساً بأن تكون قد تطورت وظهرت بصورة مرئية بتلك الرؤية مع بقاء تعلقها بجسده الشريف الحي في القبر السامي المنيف على حد ما قاله بعضهم من أن جبريل عليه السلام مع ظهوره بين يدي النبـي عليه الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبـي أو غيره لم يفارق سدرة المنتهى، وإما جسد مثالي تعلقت به روحه صلى الله عليه وسلم المجردة القدسية، ولا مانع من أن يتعدد الجسد المثالي إلى ما لا يحصى من الأجساد مع تعلق روحه القدسية عليه من الله تعالى ألف ألف صلاة وتحية بكل جسد منها ويكون هذا التعلق من قبيل تعلق الروح الواحدة بأجزاء بدن واحد ولا تحتاج في إدراكاتها وإحساساتها في ذلك التعلق إلى ما تحتاج إليه من الآلات في تعلقها بالبدن في الشاهد، وعلى ما ذكر يظهر وجه ما نقله الشيخ صفي الدين بن أبـي منصور والشيخ عبد الغفار عن الشيخ أبـي العباس الطنجي من أنه رأى السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحل به السؤال عن كيفية رؤية المتعددين له عليه الصلاة والسلام في زمان واحد في أقطار متباعدة. ولا يحتاج معه إلى ما أشار إليه بعضهم وقد سئل عن ذلك فأنشد:شعر : كالشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقاً ومغارباً تفسير : وهذه الرؤية إنما تقع في الأغلب للكاملين الذين لم يخلوا باتباع الشريعة قدر شعيرة، ومتى قويت المناسبة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أحد من الأمة قوي أمر رؤيته إياه عليه الصلاة والسلام، وقد تقع لبعض صلحاء الأمة عند الاحتضار لقوة الجمعية حينئذٍ، والرؤية التي تكون يقظة لمن رآه صلى الله عليه وسلم في المنام إن كانت في الدنيا فهي على نحو رؤية بعض الكاملين إياه صلى الله عليه وسلم وهي أكمل من الرؤيا وإن كان المرئي فيهما هو رسول الله عليه الصلاة والسلام: وآخر مظان تحققها وقت الموت. ولعل الأغلب في حق العامة تحققها فيه، وإن كانت في الآخرة فالأمر فيها واضح ويرجح عندي كونها في الآخرة على وجه خاص من القرب والحظوة وما شاكل ذلك أن البشارة في الخبر عليه أبلغ. ثم إن الخبر / المذكور فيما مر مذكور في «صحيح مسلم» بالسند إلى أبـي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بـي» تفسير : فلا قطع على هذه الرواية بأنه عليه الصلاة والسلام قال: فسيراني فإن كان الواقع في نفس الأمر ذلك فالكلام فيه ما سمعت، وإن كان الواقع لكأنما رآني فهو كقوله صلى الله عليه وسلم في خبر آخر: «فقد رآني» وفي آخر أيضاً «فقد رأى الحق» والمعنى أن رؤياه صحيحة، وما تقدم من أن الأنبياء عليهم السلام يخرجون من قبورهم أي بأجسامهم وأوراحهم كما هو الظاهر ويتصرفون في الملكوت العلوي والسفلي فمما لا أقول به، والخبر السابق الذي أخرجه ابن حبان والطبراني وأبو نعيم عن أنس وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من نبـي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحاً»تفسير : قد أخرجوه عن الحسن بن سفيان عن هشام بن خالد الأزرق عن الحسن بن يحيـى الخشني عن سعيد بن عبد العزيز عن يزيد بن أبـي مالك عن أنس رضي الله تعالى عنه وقال فيه ابن حبان: هو باطل والخشني منكر الحديث جداً يروي عن الثقات ما لا أصل له. وفي «الميزان» عن الدارقطني الخشني متروك ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضع الحديث وهو مع ذلك بعض حديث والحديث بتمامه عند الطبراني «حديث : ما من نبـي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحاً حتى ترد إليه روحه ومررت ليلة أسري بـي بموسى وهو قائم يصلي في قبره»تفسير : وهو على هذا لا يدل على أنه بعد الأربعين لا يقيم في قبره بل يخرج منه وإنما يدل على أنه لا يبقى في القبر ميتاً كسائر الأموات أكثر من أربعين صباحاً بل ترد إليه روحه ويكون حياً، وأين هذا من دعوى الخروج من القبر بعد الأربعين، والحياة في القبر لا تستلزم الخروج وأنا أقول بها في حق الأنبياء عليهم السلام، وقد ألف البيهقي جزأً في حياتهم في قبورهم وأورد فيه عدة أخبار. ولا يضرني بعد ظهور أن الحديث السابق لا يدل على الخروج المنازعة في وصفه وبلوغه بما له من الشواهد درجة الحسن، والأخبار المذكورة بعد فيما سبق المراد منها كلها إثبات الحياة في القبر بضرب من التأويل، والمراد بتلك الحياة نوع من الحياة غير معقول لنا وهي فوق حياة الشهداء بكثير، وحياة نبينا صلى الله عليه وسلم أكمل وأتم من حياة سائرهم عليهم السلام، وخبر «حديث : ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله تعالى عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام» تفسير : محمول على إثبات إقبال خاص والتفات روحاني يحصل من الحضرة الشريفة النبوية إلى عالم الدنيا وتنزل إلى عالم البشرية حتى يحصل عند ذلك رد السلام، وفيه توجيهات أخر مذكورة في محلها. ثم إن تلك الحياة في القبر وإن كانت يترتب عليها بعض ما يترتب على الحياة في الدنيا المعروفة لنا من الصلاة والأذان والإقامة ورد السلام المسموع ونحو ذلك إلا أنها لا يترتب عليها كل ما يمكن أن يترتب على تلك الحياة المعروفة ولا يحس بها ولا يدركها كل أحد فلو فرض انكشاف قبر نبـي من الأنبياء عليهم السلام لا يرى الناس النبـي فيه إلا كما يرون سائر الأموات الذين لم تأكل الأرض أجسادهم، وربما يكشف الله تعالى على بعض عباده فيرى ما لا يرى الناس، ولولا هذا لأشكل الجمع بين الأخبار الناطقة بحياتهم في قبورهم وخبر أبـي يعلى وغيره بسند صحيح كما قال الهيثمي مرفوعاً أن موسى نقل يوسف من قبره بمصر. ثم إني أقول بعد هذا كله إن ما نسب إلى بعض الكاملين من أرباب الأحوال من رؤية النبـي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وسؤاله والأخذ عنه لم نعلم وقوع مثله في الصدر الأول، وقد وقع اختلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم من حين توفي عليه الصلاة والسلام إلى ما شاء الله تعالى في مسائل دينية وأمور دنيوية وفيهم أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما / وإليهما ينتهي أغلب سلاسل الصوفية الذين تنسب إليهم تلك الرؤية ولم يبلغنا أن أحداً منهم ادعى أنه رأى في اليقظة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عنه ما أخذ، وكذا لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم ظهر لمتحير في أمر من أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال تحيره، وقد صح عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال في بعض الأمور: ليتني كنت سألت رسول الله عليه الصلاة والسلام عنه، ولم يصح عندنا أنه توسل إلى السؤال منه صلى الله عليه وسلم بعد الوفاة نظير ما يحكى عن بعض أرباب الأحوال، وقد وقفت على اختلافهم في حكم الجد مع الإخوة فهل وقفت على أن أحداً منهم ظهر له الرسول صلى الله عليه وسلم فأرشده إلى ما هو الحق فيه، وقد بلغك ما عرا فاطمة البتول رضي الله تعالى عنها من الحزن العظيم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وما جرى لها في أمر فدك فهل بلغك أنه عليه الصلاة والسلام ظهر لها كما يظهر للصوفية فبل لوعتها وهون حزنها وبين الحال لها وقد سمعت بذهاب عائشة رضي الله تعالى عنها إلى البصرة وما كان من وقعة الجمل فهل سمعت تعرضه صلى الله عليه وسلم لها قبل الذهاب وصده إياها عن ذلك لئلا يقع أو تقوم الحجة عليها على أكمل وجه إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى كثرة. والحاصل أنه لم يبلغنا ظهوره عليه الصلاة والسلام لأحد من أصحابه وأهل بيته وهم هم مع احتياجهم الشديد لذلك وظهوره عند باب مسجد قباء كما يحكيه بعض الشيعة افتراء محض وبهت بحت. وبالجملة عدم ظهوره لأولئك الكرام، وظهوره لمن بعدهم مما يحتاج إلى توجيه يقنع به ذوو الأفهام، ولا يحسن مني أن أقول: كل ما يحكى عن الصوفية من ذلك كذب لا أصل له لكثرة حاكيه وجلالة مدعيه، وكذا لا يحسن مني أن أقول: إنهم إنما رأوا النبـي صلى الله عليه وسلم مناماً فظنوا ذلك لخفة النوم وقلة وقته يقظة فقالوا: رأينا يقظة لما فيه من البعد ولعل في كلامهم ما يأباه، وغاية ما أقول: إن تلك الرؤية من خوارق العادة كسائر كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء عليهم السلام وكانت الخوارق في الصدر الأول لقرب العهد بشمس الرسالة قليلة جداً وأنى يرى النجم تحت الشعاع أو يظهر كوكب وقد انتشر ضوء الشمس في البقاع فيمكن أن يكون قد وقع ذلك لبعضهم على سبيل الندرة ولم تقتض المصلحة إفشاءه، ويمكن أن يقال: إنه لم يقع لحكمة الابتلاء أو لخوف الفتنة أو لأن في القوم من هو كالمرآة له صلى الله عليه وسلم أو ليهرع الناس إلى كتاب الله تعالى وسنته صلى الله عليه وسلم فيما يهمهم فيتسع باب الاجتهاد وتنتشر الشريعة وتعظم الحجة التي يمكن أن يعقلها كل أحد أو لنحو ذلك. وربما يدعى أنه عليه الصلاة والسلام ظهر ولكن كان متستراً في ظهوره كما روي أن بعض الصحابة أحب أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء إلى ميمونة فأخرجت له مرآته فنظر فيها فرأى صورة رسول الله عليه الصلاة والسلام ولم ير صورة نفسه فهذا كالظهور الذي يدعيه الصوفية إلا أنه بحجاب المرأة، وليس من باب التخيل الذي قوي بالنظر إلى مرآته عليه الصلاة والسلام وملاحظة أنه كثيراً ما ظهرت فيها صورته حسبما ظنه ابن خلدون. فإن قبل قولي هذا وتوجيهي لذلك الأمر فبها ونعمت وإلا فالأمر مشكل فأطلب لك ما يحله والله سبحانه الموفق للصواب. هذا وقيل يجوز أن يكون عيسى عليه السلام قد تلقى من نبينا عليه الصلاة والسلام أحكام شريعته المخالفة لما كان عليه هو من الشريعة حال اجتماعه معه قبل وفاته في الأرض لعلمه أنه سينزل ويحتاج إلى ذلك واجتماعه معه كذلك جاء في الأخبار. / أخرج ابن عدي حديث : عن أنس «بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رأينا برداً ويداً فقلنا: يا رسول الله ما هذا البرد الذي رأينا واليد؟ قال: قد رأيتموه قالوا: نعم قال: ذلك عيسى ابن مريم سلم علي» تفسير : وفي رواية ابن عساكر عنه «حديث : كنت أطوف مع النبـي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة إذ رأيته صافح شيئاً ولم أره قلنا: يا رسول الله صافحت شيئاً ولا نراه قال: ذلك أخي عيسى ابن مريم انتظرته حتى قضى طوافه فسلمت عليه»تفسير : ومن هنا عد عليه السلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقيل: إنه عليه السلام بعد نزوله يتلقى أحكام شريعتنا من الملك بأن يعلمه إياها أو يوقفه عليها لا على وجه الإيحاء بها عليه من جهته عز وجل وبعثته بها ليكون في ذلك رسالة جديدة متضمنة نبوة جديدة، وقد دل قوله تعالى: {وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيّينَ } على انقطاعها بل على نحو تعليم الشيخ ما علمه من الشريعة تلميذه، ومجرد الاجتماع بالملك والأخذ عنه وتكليمه لا يستدعي النبوة، ومن توهم استدعاءه إياها فقد حاد ـ كما قال اللقاني ـ عن الصواب فقد كلمت الملائكة عليهم السلام مريم وأم موسى في قول ورجلاً خرج لزيارة أخل له في الله تعالى وبلغته أن الله عز وجل يحبه كحبه لأخيه فيه. وأخرج ابن أبـي الدنيا في كتاب «الذكر» عن أنس قال: قال أبـي بن كعب لأدخلن المسجد فلأصلين ولأحمدن الله تعالى بمحامد لم يحمده بها أحد فلما صلى وجلس ليحمد الله تعالى ويثني عليه إذا هو بصوت عال من خلف يقول: اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره لك الحمد إنك على كل شيء قدير اغفر لي ما مضى من ذنوبـي واعصمني فيما بقي من عمري وارزقني أعمالاً زاكية ترضى بها عني وتب علي فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص عليه فقال: ذاك جبريل عليه السلام، والأخبار طافحة برؤية الصحابة للملك وسماعهم كلامه، وكفى دليلاً لما نحن فيه قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ }تفسير : [فصلت: 30] الآية فإن فيها نزول الملك على غير الأنبياء في الدنيا وتكليمه إياه ولم يقل أحد من الناس: إن ذلك يستدعي النبوة وكون ذلك لأن النزول والتكليم قبيل الموت غير مفيد كما لا يخفى. وقد ذهب الصوفية إلى نحو ما ذكرناه، قال حجة الإسلام الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» أثناء الكلام على مدح أولئك السادة: ثم إنهم وهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق. وقال تلميذه القاضي أبو بكر بن العربـي أحد أئمة المالكية في كتابه «قانون التأويل»: ذهبت الصوفية إلى أنه إذا حصل للإنسان طهارة النفس وتزكية القلب وقطع العلائق وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال والخلطة بالجنس والإقبال على الله تعالى بالكلية علماً دائماً وعملاً مستمراً كشفت له القلوب ورأى الملائكة وسمع كلامهم واطلع على أرواح الأنبياء والملائكة، وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة وللكافر عقوبة اهـ. ونسب إلى بعض أئمة أهل البيت أنه قال: إن الملائكة لتزاحمنا في بيوتنا بالركب، والظاهر من كلامهم أن الاجتماع بهم والأخذ عنهم لا يكون إلا للكاملين ذوي النفوس القدسية وأن الإخلال بالسنة مانع كبير عن ذلك، ويرشد إليه ما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين «قد كان ملك يسلم علي حتى اكتويت فترك ثم تركت الكي فعاد»، ويعلم مما ذكرنا أن مدعيه إذا كان مخالفاً لحكم الكتاب والسنة كاذب لا ينبغي أن يصغى إليه ودعواه باطلة مردودة عليه فأين الظلمة من النور والنجس من الطهور. ثم إنه لا طريق إلى معرفة كون المجتمع به ملكاً بعد خبر الصادق سوى العلم الضروري الذي يخلقه الله تعالى في العبد بذلك ويقطع بعدم كونه / ملكاً متى خالف ما ألقاه وأتى به الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة ومثله فيما أرى التكلم بما يشبه الهذيان ويضحك منه الصبيان وينبغي لمن وقع له ذلك أن لا يشيعه ويعلن به لما فيه من التعرض للفتنة، فقد أخرج مسلم عن مطرف أيضاً من وجه آخر قال: «بعث إليّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال: إني محدثك فإن عشت فاكتم عني وإن مت فحدث بها إن شئت إنه قد سُلِّم علي» وفي رواية الحاكم في «المستدرك» ـ اعلم يا مطرف أنه كان يسلم عليَّ الملائكة عند رأسي وعند البيت وعند باب الحجرة فلما اكتويت ذهب ذلك قال: فلما برأ كلمه قال: اعلم يا مطرف أنه عاد إليَّ الذي كنت أكتم عليَّ حتى أموت، وكذا ينبغي أن لا يقول لإلقاء الملك عليه إيحاء لما فيه من الإيهام القبيح وهو أيهام وحي النبوة الذي يكفر مدعيه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا خلاف بين المسلمين. وأطلق بعض الغلاة من الشيعة القول بالإيحاء إلى الأئمة الأطهار وهم رضي الله تعالى عنهم بمعزل عن قبول قول أولئك الأشرار. فقد روي أن سديراً الصيرفي سأل جعفراً الصادق رضي الله تعالى عنه فقال: جعلت فداك إن شيعتكم اختلفت فيكم فأكثرت حتى قال بعضهم: إن الإمام ينكت في أذنه، وقال آخرون: يوحى إليه، وقال آخرون: يقذف في قلبه، وقال آخرون: يرى في منامه، وقال آخرون: إنما يفتي بكتب آبائه فبأي جوابهم آخذ يجعلني الله تعالى فداك؟ قال: لا تأخذ بشيء مما يقولون يا سدير نحن حجج الله تعالى وأمنائه على خلقه حلالنا من كتاب الله تعالى وحرامنا منه، حكاه محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول تفسيره «مفاتيح الأسرار». وقد ظهر في هذا العصر عصابة من غلاة الشيعة لقبوا أنفسهم بالبابية لهم في هذا الباب فصول يحكم بكفر معتقدها كل من انتظم في سلك ذوي العقول، وقد كان يتمكن عرقهم في العراق لولا همة واليه النجيب الذي وقع على همته وديانته الاتفاق حيث خذلهم نصره الله تعالى وشتت شملهم وغضب عليهم رضي الله تعالى عنه وأفسد عملهم فجزاه الله تعالى عن الإسلام خيراً ودفع عنه في الدارين ضيماً وضيراً. وادعى بعضهم الوحي إلى عيسى عليه السلام بعد نزوله، وقد سئل عن ذلك ابن حجر الهيثمى فقال: نعم يوحى إليه عليه السلام وحي حقيقي كما في حديث مسلم وغيره عن النواس بن سمعان، وفي رواية صحيحة «حديث : فبينما هو كذلك إذ أوحى الله تعالى يا عيسى إني أخرجت عباداً لي لا يد لأحد بقتالهم فحول عبادي إلى الطور وذلك الوحي على لسان جبريل عليه السلام إذ هو السفير بين الله تعالى وأنبيائه»تفسير : لا يعرف ذلك لغيره، وخبر «لا وحى بعدي» باطل، وما اشتهر أن جبريل عليه السلام لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبـي صلى الله عليه وسلم فهو لا أصل له، ويرده خبر الطبراني «ما أحب أن يرقد الجنب حتى يتوضأ فإني أخاف أن يتوفى وما يحضره جبريل عليه السلام» فإنه يدل على أن جبريل ينزل إلى الأرض ويحضر موت كل مؤمن توفاه الله تعالى وهو على طهارة اهـ، ولعل من نفى الوحي عنه عليه السلام بعد نزوله أراد وحي التشريع وما ذكر وحي لا تشريع فيه فتأمل. وكونه صلى الله عليه وسلم حاتم النبيين مما نطق به الكتاب وصدعت به السنة وأجمعت عليه الأمة فيكفر مدعي خلافه ويقتل أن أصر. ومن السنة ما أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن أبـي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى داراً بناء فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فانا اللبنة وأنا خاتم النبيين»تفسير : وصح عن جابر مرفوعاً نحو هذا، وكذا عن أبـي بن كعب وأبـي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم، وللشيخ محي الدين بن عربـي / قدس سره كلام في حديث اللبنة قد انتقده عليه جماعة من الأجلة فعليك بالتمسك بالكتاب والسنة والله تعالى الحافظ من الوقوع في المحنة. ونصب {رَّسُولٍ } على إضمار كان لدلالة كان المتقدمة عليه والواو عاطفة للجملة الاستدراكية على ما قبلها، وكون لكن المخففة عند الجمهور للعطف إنما هو عند عدم الواو وكون ما بعدها مفرداً، وجوز أن يكون النصب بالعطف على {أَبَا أَحَدٍ } وقرأ عبد الوارث عن أبـي عمرو {لَكِنِ } بالتشديد فنصب {رَّسُولٍ } على أنه اسم لكن والخبر محذوف تقديره ولكن رسول الله وخاتم النبيين هو أي محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الزمخشري «تقديره ولكن رسول الله من عرفتموه أي لم يعش له ولد ذكر» وحذف خبر لكن وإخواتها جائز إذ دل عليه الدليل، ومما جاء في لكن قول الشاعر:شعر : فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ولكن زنجيا عظيم المشافر تفسير : أي ولكن زنجياً عظيم المشافر أنت، وفيه بحث لا يخفى على ذي معرفة، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وابن أبـي عبلة بتخفيف {لَكِنِ } ورفع (رَّسُولٍ - وَخَاتَمَ) أي ولكن هو رسول الله الخ كما قال الشاعر:شعر : ولست الشاعر السفاف فيهم ولكن مدرة الحرب العوالي تفسير : أي ولكن أنا مدرة. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء } أعم من أن يكون موجوداً أو معدوماً {عَلِيماً } فيعلم سبحانه الأحكام والحكم التي بينت فيما سبق والحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين.
ابن عاشور
تفسير : استئناف للتصريح بإبطال أقوال المنافقين والذين في قلوبهم مرض وما يلقيه اليهود في نفوسهم من الشك. وهو ناظر إلى قوله تعالى: {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم}تفسير : [الأحزاب: 4]. والغرض من هذا العموم قطعُ توهّم أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ولد من الرجال تجري عليه أحكام البنوّة حتى لا يتطرق الإِرجاف والاختلاق إلى من يتزوجهن من أيامى المسلمين أصحابِه مثل أمِّ سلمة وحفصة. و{من رجالكم} وصف لـــ{أحد}، وهو احتراس لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبو بنات. والمقصود: نفي أن يكون أبا لأحد من الرجال في حين نزول الآية لأنه كان وُلد له أولادٌ أو وَلَدَانِ بمكة من خديجة وهم الطيّب والطاهر (أو هما اسمان لواحد) والقاسم، ووُلد له إبراهيم بالمدينة من مارية القبطية، وكلهم ماتوا صبياناً ولم يكن منهم موجود حين نزول الآية. والمنفي هو وصف الأبوّة المباشرة لأنها الغرض الذي سيق الكلام لأجله والذي وَهِم فيه من وَهِم فلا التفات إلى كونه جَدًّا للحسن والحسين ومحسن أبناء ابنته فاطمة رضي الله عنها إذ ليس ذلك بمقصود، ولا يخطر ببال أحد نفي أبوته لهم بمعنى الأبوة العليا، أو المراد أبوّة الصلب دون أبوة الرّحم. وإضافة (رجال) إلى ضمير المخاطبين والعدول عن تعريفه باللام لقصد توجيه الخطاب إلى الخائضين في قضية تزوج زينب إخراجاً للكلام في صيغة التغليط والتغليظ. وأما توجيهه بأنه كالاحتراز عن أحفاده وأنه قال: {من رجالكم} وأما الأحفاد فهم من رجاله ففيه سماجة وهو أن يكون في الكلام توجيه بأن محمداً صلى الله عليه وسلم بريء من المخاطبين أعني المنافقين وليس بينه وبينهم الصلة الشبيهة بصلة الأبوة الثابتة بطريقة لحن الخطاب من قوله تعالى {أية : وأزواجه أمهاتهم}تفسير : [الأحزاب: 6] كما تقدم. واستدراك قوله: {ولكن رسول الله} لرفع ما قد يُتوهم مِن نفي أبوته، من انفصال صلة التراحم والبّرِ بينه وبين الأمة فذُكِّروا بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كالأب لجميع أمته في شفقته ورحمته بهم، وفي برّهم وتوقيرهم إياه، شأن كل نبي مع أمته. والواو الداخلة على {لكن} زائدة و{لكنْ} عاطفة ولم ترد {لكن} في كلام العرب عاطفة إلاّ مقترنة بالواو كما صرح به المرادي في «شرح التسهيل». وحرف {لكن} مفيد الاستدراك. وعَطَف صفة {وخاتم النبيين} على صفة {رسول الله} تكميل وزيادة في التنويه بمقامه صلى الله عليه وسلم وإيماء إلى أن في انتفاء أبوته لأحد من الرجال حكمةً قدَّرها الله تعالى وهي إرادة أن لا يكون إلا مثل الرُّسل أو أفضل في جميع خصائصه. وإذ قد كان الرسل لم يخل عمود أبنائهم من نبيء كان كونه خاتم النبيئين مقتضياً أن لا يكون له أبناء بعد وفاته لأنهم لو كانوا أحياء بعد وفاته ولم تخلع عليهم خلعة النبوءة لأجل ختم النبوءة به كان ذلك غضاً فيه دون سائر الرسل وذلك ما لا يريده الله به. ألا ترى أن الله لما أراد قطع النبوءة من بني إسرائيل بعد عيسى عليه السّلام صرف عيسى عن التزوج. فلا تجعل قوله: {وخاتم النبيين} داخلاً في حيّز الاستدراك لما علمت من أنه تكميل واستطراد بمناسبة إجراء وصف الرسالة عليه. وببيان هذه الحكمة يظهر حسن موقع التذييل بجملة {وكان الله بكل شيء عليما} إذْ أظهر مقتضى حكمته فيما قدره من الأقدار كما في قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس} إلى قوله: {أية : ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم}تفسير : [المائدة: 97]. والآية نصّ في أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده في البشر لأن النبيين عام فخاتم النبيين هو خاتمهم في صفة النبوءة. ولا يعكر على نصيِّة الآية أن العموم دلالتُه على الأفراد ظنية لأن ذلك لاحتمال وجود مخصّص. وقد تحققنا عدم المخصص بالاستقراء. وقد أجمع الصحابة على أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل والأنبياء وعُرف ذلك وتواتر بينهم وفي الأجيال من بعدهم ولذلك لم يترددوا في تكفير مسيلمة والأسود العَنْسِي فصار معلوماً من الدين بالضرورة فمن أنكره فهو كافر خارج عن الإِسلام ولو كان معترفاً بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله للناس كلّهم. وهذا النوع من الإِجماع موجب العلم الضروري كما أشار إليه جميع علمائنا ولا يدخل هذا النوع في اختلاف بعضهم في حُجِّية الإِجماع إذ المختلف في حجّيته هو الإِجماع المستند لنظر وأدلة اجتهادية بخلاف المتواتر المعلوم بالضرورة في كلام الغزالي في خاتمة كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» مخالفة لهذا على ما فيه من قلة تحرير. وقد حمل عليه ابن عطية حملة غير منصفة وألزمهُ إلزاماً فاحشاً ينزه عنه علمه ودينه فرحمة الله عليهما. ولذلك لا يتردد مسلم في تكفير من يُثبت نبوءةً لأحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم وفي إخراجه من حظيرة الإِسلام، ولا تعرف طائفة من المسلمين أقدمت على ذلك إلا البابِيَّة والبَهائية وهما نحْلتان مشتقة ثانيتهما من الأولى. وكان ظهور الفرقة الأولى في بلاد فارس في حدود سنة مائتين وألف وتسربت إلى العراق وكان القائم بها رجلاً من أهل شيراز يدعوه أتباعه السيد علي محمد، كذا اشتهر اسمه، كان في أول أمره من غلاة الشيعة الإِمامية. أخذ عن رجل من المتصوفين اسمه الشيخ أحمد زين الدين الأَحسائي الذي كان ينتحل التصوف بالطريقة الباطنية وهي الطريقة المتلقاة عن الحلاج. وكانت طريقته تعرف بالشيخية، ولما أظهر نحلته علي محمد هذا لقبَ نفسه بَاب العلم فغلب عليه اسم الباب. وعرفت نحلته بالبَابِيّة وادعى لنفسه النبوءة وزعم أنه أوحي إليه بكتاب اسمه «البيان» وأن القرآن أشار إليه بقوله تعالى: {أية : خلق الإنسان علمه البيان}تفسير : [الرحمن: 3 ـــ 4]. وكتاب «البيان» مؤلف بالعربية الضعيفة ومخلوط بالفارسية. وقد حكم عليه بالقتل فقتل سنة 1266 في تبريز. وأما البهائية فهي شعبة من البابِيّة تنسب إلى مؤسسها الملقّب ببهاء الله واسمه ميرزا حُسين عَلي من أهل طهران تتلمذ للباب بالمكاتبة وأخرجته حكومة شاه العجم إلى بغداد بعد قتل الباب. ثم نقلته الدولة العثمانية من بغداد إلى أدرنة ثم إلى عكا، وفيها ظهرت نحلته وهم يعتقدون نبوءة الباب وقد التفّ حوله أصحاب نحلة البابيّة وجعلوه خليفة البَاب فقام اسم البهائية مقام اسم البَابية فالبهائية هم البابية. وقد كان البهاء بَنى بناء في جبل الكرمل ليجعله مدفناً لرفات (الباب) وآل أمره إلى أن سجنته السلطنة العثمانية في سجن عَكا فلبث في السجن سبعَ سنوات ولم يطلق من السجن إلا عند ما أُعلن الدستور التركي فكان في عداد المساجين السياسيين الذين أُطلقوا يومئذٍ فرحل منتقلاً في أوروبا وأميركا مدة عامين ثم عاد إلى حيفا فاستقرّ بها إلى أن توفي سنة 1340 وبعد موته نشأ شقاق بين أبنائه وإِخوته فتفرقوا في الزعامة وتضاءلت نحلتهم. فمن كان من المسلمين متّبعاً للبَهائية أو البابية فهو خارج عن الإِسلام مرتدّ عن دينه تجري عليه أحكام المرتدّ. ولا يرث مسلماً ويرثه جماعة المسلمين ولا ينفعهم قولهم: إنا مسلمون ولا نطقهم بكلمة الشهادة لأنهم يثبتون الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ولكنهم قالوا بمجيء رسول من بعده. ونحن كفَّرنا الغُرابية من الشيعة لقولهم: بأن جبريل أرسل إلى علي ولكنه شُبّه له محمد بعليّ إذ كان أحدهما أشبه بالآخر من الغراب بالغراب (وكذبوا) فبلغ الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهم أثبتوا الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ولكنهم زعموه غير المعيّن من عند الله. وتشبه طقوس البهائية طقوس الماسونية إلا أن البهائية تنتسب إلى التلقي من الوحي الإِلهي، فبذلك فارقت الماسونية وعُدّت في الأديان والملل ولم تعد في الأحزاب. وانتصب {رسول الله} معطوفاً على {أبا أحد من رجالكم} عطفاً بالواو المقترنة بــــ{لكن} لتفيد رفع النفي الذي دخل على عامل المعطوف عليه. وقرأ الجمهور {وخاتِمَ النبيين} بكسر تاء {خاتِم} على أنه اسم فاعل من ختم. وقرأ عاصم بفتح التَاء على تشبيهه بالخاتَم الذي يختم به المكتوب في أن ظهوره كان غلقاً للنبوءة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلنَّبِيِّينَ} (40) - وَلَمَّا قَالَ المُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ مِنِ امْرَأَةِ ابْنِهِ، أَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هذِهِ الآيةَ الكَريمَةَ، وَفِيها يَقُولُ تَعَالى: إِنَّ مُحَمّداً لَمْ يَكُنْ أَبَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ لِيحَرَّمَ عَلَيهِ التَّزوُّجُ بِمُطَلَّقَةِ ابْنِهِ، ولَكِنَّهُ رَسُولُ اللهِ يُبَلِّغُ رِسَالَتَهُ إِلى خَلْقِ اللهِ. وَهُوَ خَاتَمُ النّبِيِّينَ وَآخِرُهُمْ وَلاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ. (فَقَدْ مَاتَ أبناءُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم الذُّكُورُ كُلُّهُمْ قَبْلَهُ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قال سبحانه {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ..} [الأحزاب: 40] لأن علاج قضية التبني أهمُّ من أُبوته صلى الله عليه وسلم لأحد منكم أن يكون أبوه رسول الله؛ لأن أبوته لآخر لا تنفعه بشيء، إنما ينفعه البلاغ عن الله، وأن يحمل له منهج ربه الذي يسعده في دينه ودنياه. إذن: ففرحكم برسول الله كرسول أَوْلَى من فرحكم به كأب، وإلاَّ فما أكثر من لهم آباء، وهم أشقياء في الحياة لا قيمة لهم. وقوله {مَّا كَانَ ..} [الأحزاب: 40] النفي هنا يفيد الجحود، فهو ينكر ويجحد أنْ يكون محمد أَباً لأحد من رجالكم، وتأمل عظمة الأداء القرآني في كلمة {مِّن رِّجَالِكُمْ ..} [الأحزاب: 40] ولم يَقُلْ مثلاً أبا أحد منكم، لماذا؟ قالوا: لأنه صلى الله عليه وسلم كان أباً لعبد الله وللقاسم ولإبراهيم، وكانوا جميعاً منهم، وهو صلى الله عليه وسلم أبوهم، فجاءت كلمة {رِّجَالِكُمْ ..} [الأحزاب: 40] لتُخرج هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم لم يبلُغوا مبلغ الرجال، فمحمد ما كان أبداً أبا أحد من الرجال، وإنْ كان أباً لأولاد صغار لم يصلوا إلى مرحلة الرجولة. وقوله {وَلَـٰكِن ..} [الأحزاب: 40] أي: أهم من أُبوَّته أن يكون رسول الله {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ ..} [الأحزاب: 40] ليس هذا فحسب، ولكن أيضاً {وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ ..} [الأحزاب: 40] أي: الرسول والنبي الذي يختم الرسالات، فلا يستدرك عليه برسالة جديدة. وهذه من المسائل التي وقف عندها المستشرقون معترضين، يقولون: جاء في القرآن: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ..} تفسير : [آل عمران: 81]. ومحمد صلى الله عليه وسلم من ضمن الأنبياء الذين أُخِذَ عليهم هذا العهد، بدليل: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ ..} تفسير : [الأحزاب: 7]. إذن: أخذ اللهُ العهدَ على الأنبياء أنه من ضمن مبادئهم أنْ يُبلِّغوا قومهم بمقدم رسول جديد، وأنه إذا جاءهم عليهم أنْ يؤمنوا به، وأنْ ينصروه، كما بشَّر مثلاً عيسى عليه السلام برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ..} تفسير : [الصف: 6]. فكيف يخبر الله عن محمد أنه خاتم النبيين وهو واحد منهم؟ نقول: نعم هو واحد منهم، لكن إنْ كانوا قد أُمِروا بأنْ يُبشِّروا وأنْ يُبلغوا أقوامهم برسول يأتي، فقد أمر صلى الله عليه وسلم أن يُبلِّغ قومه أنه خاتم الأنبياء والرسل. لذلك يُرْوَى أن رجلاً ادَّعَى النبوة في زمن المأمون، فأمر به فَوُضِع في السجن، وبعد عدة أشهر ظهر رجل آخر يدعي النبوة، فرأى المأمون أن يواجه كل منهما الآخر، فأحضر المدعي الأول وقال له: إن هذا الرجل يدَّعِي أنه نبي، فماذا تقول فيه؟ قال: هو كذاب؛ لأنني لم أرسل أحداً - فارتقى إلى منزلة الألوهية، لا مجرد أنه نبي. والمرأة التي ادَّعَتْ النبوة أيضاً في زمن المأمون لما أوقفها أمامه يسألها قال لها: ألم تعلمي أن رسول الله قال: لا نبيَّ بعدي؟ قالت: بلى، ولكنه لم يقل لا نبية بعدي! ثم يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 40] وما دام أن الله تعالى عليم بكل شيء فليس لأحد أنْ يعترض؛ لأنه سبحانه هو الذي يضع الرسول المناسب في المكان المناسب والزمان المناسب، وقد علم سبحانه أن رسالة محمد تستوعب كل الزمان وكل المكان. ثم يقول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ لمَّا عيَّر الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه تزوج زوجة ابنه ودعيه، وهو زيد ردَّ الله عليهم تعييرهم هذا وتشنيعهم فقال: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} أيها الأجانب من المؤمنين على الحقيقة سواء كان زيداً أو غيره؛ حتى تسري حكم الحرمة في تزويج زوجته بعدما قضى الوطر عنها {وَلَـٰكِن} كان صلى الله عليه وسلم {رَّسُولَ ٱللَّهِ} الهادي لعباده أرسله إليكم؛ ليهديكم إلى طريق الرشاد على مقتضى سنته المستمرة في الأمم السابقة {وَ} لكن من شأنه أنه صار {خَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} وختم المرسلين؛ إذ ببعثته صلى الله عليه وسلم كملت دائرة النبوة وتمت جريدة الرسالة، كما قال: "حديث : بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"تفسير : ، وقال تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] أي: ببعثته صلى الله عليه وسلم. والسر فيه والله أعلم: إنه صلى الله عليه وسلم بُعث على التوحيد الذاتي، وسائر الأنبياء إنما بعثوا على التوحيد الوصفي والفعلي، وبعدما بُعث صلى الله عليه وسلم على توحيد الذات خُتم به أمر البعثة والرسالة، وكمُل أمر الدين؛ إذ ليس وراء الذات مرمى ومنتهى {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع على جميع ما ظهر وبطن {بِكُلِّ شَيْءٍ} جرى أو يجري في ملكه {عَلِيماً} [الأحزاب: 40] يعلم بعلمه الحضوري جميع ما لمع عليه نور وجوده، حكيماً في بعثة الرسل في تنبيه من وفقه وجبله في سابق قضائه على فطرة التوحيد والإيمان، مختاراً في ختم البعثة وتكميل الدين بعدما وصل غاية كماله وظهوره. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله، وعرفوه حق معرفته وتوحيده، وكمال أسمائه وصفاته مقتضى إيمانكم وعرفانكم: المداومة على ذكره {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد، الفرد الصمد، المتصف بجميع أوصاف الكمال، المستجمع لجميع الأسماء الحسنى التي لا تُعد ولا تُحصى {ذِكْراً كَثِيراً} [الأحزاب: 41] مستوعباً لجميع أوقاتكم وحالاتكم، وبالغوا في ذكره؛ كي تصلوا من اليقين العلمي إلى العيني. {وَسَبِّحُوهُ} أي: نزهوه عن جميع ما لا يليق بشأنه من لوازم الحدوث وأوصاف الإمكان {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب: 42] أي: في جميع آناء أيامكم ولياليكم، طالبين الترقي من اليقين العيني إلى اليقين الحقي. وكيف لا تذكرون الله، ولا تسبحون له أيها المؤمنون، مع أن شكر المنعم المفضل واجب عقلاً وشرعاً؟! {هُوَ ٱلَّذِي} سبحانه {يُصَلِّي} ويرحم {عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون بذاته، وبمقتضيات أسمائه وصفاته {وَمَلاَئِكَتُهُ} يستغفرون لكم بإذنه، وإنما يفعل بكم سبحانه هذه الكرامة العظيمة {لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ} ظلمة العدم الأصلي، وظلمة الطبيعة الهيولي، وظلمة الحجبة التعينية {إِلَى ٱلنُّورِ} أي: نور الوجود البحث، الخالص على ظلمات التعينات والكثرات مطلقاً {وَكَانَ} سبحانه {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} الموفقين على التوحيد الذاتي {رَحِيماً} [الأحزاب: 43] يوفقهم إلى الإيمان بمقتضى رحمته الواسعة، ثمَّ يصولهم إلى مرتبة التوحيد والعرفان، مترقياً من مضيق الإمكان إلى سعة فضاء الوجوب عنايةً لهم وتفضلاً عليهم، ثمَّ يشرفهم بشرف لقائه بلا كيف، ولا أين بعدما انخلعوا عن جلباب الناسوت، وتشرفوا بخلعة اللاهوت. لذلك {تَحِيَّتُهُمْ} وترحيبهم من قِبَل الحق {يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ} سبحانه: {سَلاَمٌ} أي: تسليم وتطهير عن رذائل التعينات، ونقائص الأنانيات والهويات المستتبعة لأنواع الضلالات والجهالات {وَأَعَدَّ لَهُمْ} سبحانه نُزلاً عليهم {أَجْراً كَرِيماً} [الأحزاب: 44] وجزاءً عظيماً ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمع، ولا خطر على قلب بشر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لم يكن الرسول { مُحَمَّدٌ } صلى اللّه عليه وسلم { أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } أيها الأمة فقطع انتساب زيد بن حارثة منه، من هذا الباب. ولما كان هذا النفي عامًّا في جميع الأحوال، إن حمل ظاهر اللفظ على ظاهره، أي: لا أبوة نسب، ولا أبوة ادعاء، وقد كان تقرر فيما تقدم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم، أب للمؤمنين كلهم، وأزواجه أمهاتهم، فاحترز أن يدخل في هذا النوع، بعموم النهي المذكور، فقال: { وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } أي: هذه مرتبته مرتبة المطاع المتبوع، المهتدى به، المؤمن له الذي يجب تقديم محبته، على محبة كل أحد، الناصح الذي لهم، أي: للمؤمنين، من بره [ونصحه] كأنه أب لهم. { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } أي: قد أحاط علمه بجميع الأشياء، ويعلم حيث يجعل رسالاته، ومن يصلح لفضله، ومن لا يصلح.
همام الصنعاني
تفسير : 2349- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ}: [الآية: 40]، قال: يعْني زيداً، ليس بأبيه، وقد وُلِدَ للنبي صلى الله عليه وسلم رِجَالٌ ونِسَاء. 2350- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ}: [الآية: 40]، قال: آخر النبيين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):