Verse. 3574 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوا اذْكُرُوا اللہَ ذِكْرًا كَثِيْرًا۝۴۱ۙ
Ya ayyuha allatheena amanoo othkuroo Allaha thikran katheeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا».

41

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن السورة أصلها ومبناها على تأديب النبـي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا أن الله تعالى بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبـي عليه السلام مع الله وهو التقوى وذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبـي عليه السلام مع أهله وأقاربه بقوله: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } تفسير : [الأحزاب: 28] والله تعالى يأمر عباده المؤمنين بما يأمر به أنبياءه المرسلين فأرشد عباده كما أدب نبيه وبدأ بما يتعلق بجانبه من التعظيم فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } كما قال لنبيه: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 1]. ثم ههنا لطيفة وهي أن المؤمن قد ينسى ذكر الله فأمر بدوام الذكر، أما النبـي لكونه من المقربين لا ينسى ولكن قد يغتر المقرب من الملك بقربه منه فيقل خوفه فقال: {ٱتَّقِ ٱللَّهَ } فإن المخلص على خطر عظيم وحسنة الأولياء سيئة الأنبياء وقوله: {ذِكْراً كَثِيراً } قد ذكرنا أن الله في كثير من المواضع لما ذكر وصفه بالكثرة إذ لا مانع من الذكر على ما بينا.

القرطبي

تفسير : أمر الله تعالى عباده بأن يذكروه ويشكروه، ويكثروا من ذلك على ما أنعم به عليهم. وجعل تعالى ذلك دون حدّ لسهولته على العبد. ولعظم الأجر فيه قال ابن عباس: لم يُعذر أحد في ترك ذكر الله إلا من غُلب على عقله. وروى أبو سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون»تفسير : . وقيل: الذكر الكثير ما جرى على الإخلاص من القلب، والقليل ما يقع على حكم النفاق كالذكر باللسان.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تبارك وتعالى المنعم عليهم بأنواع النعم، وصنوف المنن؛ لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن سعيد، حدثني مولى ابن عياش عن أبي بحرية عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إِعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» تفسير : قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : ذكر الله عز وجل» تفسير : وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن زياد مولى ابن عياش عن أبي بحرية - واسمه عبد الله بن قيس التراغمي - عن أبي الدرداء رضي الله عنه به، قال الترمذي: رواه بعضهم عنه فأرسله. قلت: وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: {أية : وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35] في مسند الإمام أحمد من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش أنه بلغه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا فرج بن فضالة عن أبي سعيد الحمصي قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: دعاء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أدعه: «حديث : اللهم اجعلني أعظم شكرك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك» تفسير : ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى عن وكيع عن أبي فضالة الفرج بن فضالة عن أبي سعيد الحمصي عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكر مثله، وقال: غريب، وهكذا رواه الإمام أحمد أيضاً عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن فرج بن فضالة عن أبي سعيد المري عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكره. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس قال: سمعت عبد الله بن بسر يقول: جاء أعرابيان إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يارسول الله أي الناس خير؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : من طال عمره، وحسن عمله» تفسير : وقال الآخر: يا رسول الله إِن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فمرني بأمر أتشبث به، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لايزال لسانك رطباً بذكر الله تعالى» تفسير : وروى الترمذي وابن ماجه الفصل الثاني من حديث معاوية بن صالح به، وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث قال: إِن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا: مجنون»تفسير : . وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم العمي، حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري، حدثنا الحسن بن أبي جعفر عن عقبة بن أبي ثبيت الراسبي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اذكروا الله ذكراً كثيراً حتى يقول المنافقون: إِنكم تراؤون».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد أبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع جابر بن عمرو يحدث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من قوم جلسوا مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه، إلا رأوه حسرة يوم القيامة»تفسير : . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً}: إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه، إلا مغلوباً على تركه، فقال: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} تفسير : [النساء:103] بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال عز وجل: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} فإذا فعلتم ذلك، صلى عليكم هو وملائكته، والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله تعالى كثيرة جداً، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار من ذلك. وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار؛ كالنسائي والمعمري وغيرهما. ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب "الأذكار" للشيخ محيي الدين النووي رحمه الله. وقوله تعالى: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي: عند الصباح والمساء؛ كقوله عز وجل: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} تفسير : [الروم: 17 ــــ 18] وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ} هذا تهييج إلى الذكر، أي: إنه سبحانه يذكركم، فاذكروه أنتم؛ كقوله عز وجل {أية : فَٱذْكُرُونِىۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } تفسير : [البقرة:152] وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه» تفسير : والصلاة من الله تعالى: ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه، وقال غيره: الصلاة من الله عز وجل: الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين، والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار؛ كقوله تبارك وتعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَـٰتِ } تفسير : [غافر: 7 ــــ 9] الآية. وقوله تعالى: {لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي: بسبب رحمته بكم، وثنائه عليكم، ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين {وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه مَنْ سواهم؛ من الدعاة إلى الكفر أو البدعة، وأتباعهم من الطغاة، وأما رحمته بهم في الآخرة، فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة، والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم، ورأفته بهم. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه رضي الله عنهم، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم، خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى، وتقول: ابني، ابني، وسعت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، قال: فخفضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «حديث : لا، واللّهُ لايلقي حبيبه في النار» تفسير : إسناده على شرط "الصحيحين"، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولكن في "صحيح" الإمام البخاري عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد أخذت صبياً لها، فألصقته إلى صدرها وأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أترون هذه تلقي ولدها في النار، وهي تقدر على ذلك؟»تفسير : قالوا: لا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فوالله للّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها»تفسير : وقوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ} الظاهر أن المراد ــــ والله أعلم ــــ تحيتهم، أي: من الله تعالى يوم يلقونه سلام، أي: يوم يسلم عليهم؛ كما قال عز وجل: {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس: 58] وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي بعضهم بعضاً بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير. (قلت): وقد يستدل له بقوله تعالى: {أية : دَعْوَٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [يونس: 10]. وقوله تعالى: {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا} يعني: الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمناكح والملاذ والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } أمر سبحانه عباده بأن يستكثروا من ذكره بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير وكل ما هو ذكر لله تعالى. قال مجاهد: هو أن لا ينساه أبداً، وقال الكلبي: ويقال: ذكراً كثيراً بالصلوات الخمس، وقال مقاتل: هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال {وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } أي نزّهوه عما لا يليق به في وقت البكرة ووقت الأصيل، وهما أوّل النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر لمزيد ثواب التسبيح فيهما. وخصّ التسبيح بالذكر بعد دخوله تحت عموم قوله: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ }. تنبيهاً على مزيد شرفه، وإنافة ثوابه على غيره من الأذكار. وقيل: المراد بالتسبيح بكرة: صلاة الفجر، وبالتسبيح أصيلاً: صلاة المغرب. وقال قتادة وابن جرير: المراد: صلاة الغداة، وصلاة العصر. وقال الكلبي: أما بكرة: فصلاة الفجر، وأما أصيلاً: فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال المبرّد: والأصيل العشيّ وجمعه أصائل. {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ} والصلاة من الله على العباد رحمته لهم وبركته عليهم، ومن الملائكة الدعاء لهم والاستغفار كما قال: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [غافر: 7] قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان: المعنى: ويأمر ملائكته بالاستغفار لكم، والجملة مستأنفة كالتعليل لما قبلها من الأمر بالذكر والتسبيح. وقيل: الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده. وقيل: الثناء عليه، وعطف ملائكته على الضمير المستكن في يصلي لوقوع الفصل بقوله: {عليكم} فأغنى ذلك عن التأكيد المراد بالضمير المنفصل. والمراد بالصلاة هنا معنى مجازي يعمّ صلاة الله بمعنى الرحمة، وصلاة الملائكة بمعنى الدعاء؛ لئلا يجمع بين حقيقة ومجاز في كلمة واحدة، واللام في {لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } متعلق بـ {يصلي}، أي يعتني بأموركم هو وملائكته؛ ليخرجكم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات، ومن ظلمة الضلالة إلى نور الهدى، ومعنى الآية: تثبيت المؤمنين على الهداية ودوامهم عليها؛ لأنهم كانوا وقت الخطاب على الهداية. ثم أخبر سبحانه برحمته للمؤمنين تأنيساً لهم وتثبيتاً فقال: {وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } وفي هذه الجملة تقرير لمضمون ما تقدّمها. ثم بيّن سبحانه: أن هذه الرحمة منه لا تخص السامعين وقت الخطاب، بل هي عامة لهم ولمن بعدهم وفي الدار الآخرة، فقال: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ } أي تحية المؤمنين من الله سبحانه يوم لقائهم له عند الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة، هي التسليم عليهم منه عزّ وجلّ. وقيل: المراد: تحية بعضهم لبعض يوم يلقون ربهم سلام؛ وذلك لأنه كان بالمؤمنين رحيماً، فلما شملتهم رحمته وأمنوا من عقابه حيا بعضهم بعضاً سروراً واستبشاراً. والمعنى: سلامة لنا من عذاب النار. قال الزجاج: المعنى: فيسلمهم الله من الآفات، ويبشرهم بالأمن من المخافات يوم يلقونه. وقيل: الضمير في {يلقونه} راجع إلى ملك الموت، وهو الذي يحييهم كما ورد أنه لا يقبض روح مؤمن إلاّ سلم عليه. وقال مقاتل: هو تسليم الملائكة عليهم يوم يلقون الربّ كما في قوله: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الرعد: 23، 24] {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً } أي أعدّ لهم في الجنة رزقاً حسناً، ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم. ثم ذكر سبحانه صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرسله لها فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } أي على أمته يشهد لمن صدقه وآمن به، وعلى من كذبه وكفر به. قال مجاهد: شاهداً على أمته بالتبليغ إليهم وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم إليهم {وَمُبَشّراً } للمؤمنين برحمة الله وبما أعدّه لهم من جزيل الثواب وعظيم الأجر {وَنَذِيرًا } للكافرين والعصاة بالنار، وبما أعدّه الله لهم من عظيم العقاب {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ } يدعو عباد الله إلى التوحيد والإيمان بما جاء به، والعمل بما شرعه لهم، ومعنى {بِإِذْنِهِ } بأمره له بذلك وتقديره. وقيل: بتبشيره {وَسِرَاجاً مُّنِيراً } أي يستضاء به في ظلم الضلالة كما يستضاء بالمصباح في الظلمة. قال الزجاج: {وَسِرَاجاً } أي ذا سراج منير أي كتاب نير، وانتصاب {شاهداً}، وما بعده على الحال {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } عطف على مقدّر يقتضيه المقام كأنه قال: فاشهد وبشّر، أو فدبر أحوال الناس، {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أو هو من عطف جملة على جملة، وهي المذكورة سابقاً، ولا يمنع من ذلك الاختلاف بين الجملتين بالإخبار والإنشاء. أمره سبحانه بأن يبشرهم بأن لهم من الله فضلاً كبيراً على سائر الأمم، وقد بيّن ذلك سبحانه بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِي رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ لَهُمْ مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } تفسير : [الشورى: 22] ثم نهاه سبحانه عن طاعة أعداء الدين فقال: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } أي لا تطعهم فيما يشيرون عليك به من المداهنة في الدين، وفي الآية تعريض لغيره من أمته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن طاعتهم في شيء مما يريدونه ويشيرون به عليه، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في أوّل السورة {وَدَعْ أَذَاهُمْ } أي لا تبال بما يصدر منهم إليك من الأذى بسبب يصيبك في دين الله وشدّتك على أعدائه، أو دع أن تؤذيهم مجازاة لهم على ما يفعلونه من الأذى لك، فالمصدر على الأوّل مضاف إلى الفاعل وعلى الثاني مضاف إلى المفعول، وهي منسوخة بآية السيف {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } في كل شؤونك {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } توكل إليه الأمور وتفوّض إليه الشؤون، فمن فوّض إليه أموره كفاه، ومن وكل إليه أحواله لم يحتج فيها إلى سواه. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } يقول: لا يفرض على عباده فريضة إلاّ جعل لها أجلاً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أحداً في تركه إلاّ مغلوباً على عقله، فقال: {أية : فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم} تفسير : [النساء:103] بالليل والنهار، في البرّ والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، في الصحة والسقم، في السرّ والعلانية وعلى كل حال، وقال: {وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } إذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته قال الله: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ }. وقد ورد في فضل الذكر والاستكثار منه أحاديث كثيرة، وقد صنّف في الأذكار المتعلقة بالليل والنهار جماعة من الأئمة كالنسائي والنووي والجزري وغيرهم، وقد نطقت الآيات القرآنية بفضل الذاكرين وفضيلة الذكر {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } تفسير : [العنكبوت: 45] وقد ورد أنه أفضل من الجهاد، كما في حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي والبيهقي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: "حديث : الذاكرون الله كثيراً"تفسير : قلت: يا رسول الله، ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: «حديث : لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دماً لكان الذاكرون أفضل منه درجة» تفسير : . وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» تفسير : قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: حديث : ذكر الله عزّ وجلّ»تفسير : . وأخرجه أيضاً الترمذي وابن ماجه. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سبق المفرّدون»تفسير : ، قالوا: وما المفرّدون يا رسول الله؟ قال: حديث : الذاكرون الله كثيراً» تفسير : . وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون»تفسير : . وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اذكروا الله حتى يقول المنافقون: إنكم مراؤون.»تفسير : وورد في فضل التسبيح بخصوصه أحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قال في يوم مائة مرّة سبحان الله وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر»تفسير : . وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لنا: «حديث : أيعجز أحدكم أن يكتسب في اليوم ألف حسنة؟» تفسير : فقال رجل: كيف يكتسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: حديث : يسبّح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ويحط عنه ألف خطيئة.»تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن البراء ابن عازب في قوله: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ } قال: يوم يلقون ملك الموت ليس من مؤمن يقبض روحه إلاّ سلم عليه. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } وقد كان أمر علياً ومعاذاً أن يسيرا إلى اليمن، فقال: حديث : انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، فإنها قد أنزلت عليّ {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } تفسير : قال: شاهداً على أمتك، ومبشراً بالجنة، ونذيراً من النار، وداعياً إلى شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله {بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } بالقرآن. وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله ابن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفة في القرآن: {يا أيها النبيّ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً}، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا تجزي بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح زاد أحمد: «ولن يقبضه الله حتى يقيم الملة العوجاء بأن يقولوا لا إلٰه إلاّ الله، فيفتح بها أعينًا عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً». وقد ذكر البخاري في صحيحه في البيوع هذا الحديث فقال: وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام، ولم يقل: عبد الله بن عمرو، وهذا أولى، فعبد الله بن سلام هو الذي كان يسأل عن التوراة فيخبر بما فيها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} فيه قولان: أحدهما: ذاكروه بالقلب ذكراً مستديماً يؤدي إلى طاعته واجتناب معصيته. الثاني: اذكروا الله باللسان ذكراً كثيراً، قاله السدي. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مَن عَجَزَ عَنِ اللَّيْلِ أَن يُكَابِدَهُ، وَجَبُنَ عَنِ العَدُوِّ أَن يُجَاهِدَهُ، وَبَخِلَ بِالمَالِ أَن يُنفِقَهُ فَلْيَكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ" تفسير : وفي ذكره هنا وجهان: أحدها: الدعاء له والرغبة إليه، قاله ابن جبير. الثاني: الإقرار له بالربوبية والاعتراف له بالعبودية. قوله: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأصِيلاً} قال قتادة صلاة: الصبح والعصر، قال الأخفش: والأصيل ما بين العصر والليل. وقال الكلبي: الأصيل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وفي التسبيح هنا ثلاثة أوجه: أحدها: أنه التسبيح الخاص الذي هو التنزيه. الثاني: أنه الصلاة. الثالث: أنه الدعاء، قاله جرير. شعر : فلا تنس تسبيح الضُّحى إن يونسا دعا ربه فانتاشه حين سبحا. تفسير : قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم وَمَلآئِكَتُهُ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه ثناؤه، قاله أبو العالية. الثاني: كرامته، قاله سفيان. الثالث: رحمته، قاله الحسن. الرابع: مغفرته، قاله ابن جبير. وفي صلاة الملائكة قولان: أحدهما أنه دعاؤهم، قاله أبو العالية. الثاني: استغفارهم، قاله مقاتل بن حيان. {لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من الكفر إلى الإيمان، قاله مقاتل. الثاني: من الضلالة إلى الهدى، قاله عبد الرحمن بن زيد. الثالث: من النار إلى الجنة.

ابن عبد السلام

تفسير : {اذْكُرُواْ اللَّهَ} تعالى بقلوبكم ذكراً دائماً مؤدياً إلى طاعته، أو بألسنتكم ذكراً كثيراً بالدعاء والرغبة، أو بالإقرار لهم بالربوبية والاعتراف بالعبودية.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ترجى} بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس {لا تحل} بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب {إناه} بالأمالة وغيرها مثل {الحوايا} في "الأنعام" وافق الخزاز عن هبيرة ههنا بالإِمالة {ساداتنا} بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة. الباقون: على التوحيد {كبيراً} بالباء الموحدة: عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون: بالثاء المثلثة. الوقوف: {كثيراً} لا {وأصيلاً} ه {النور} ط {رحيماً} ه {سلام} ج لاحتمال الجملة حالاً واستئنافاً {كريماً} ه {نذيراً} لا {منيراً} ه {كبيراً} ه {على الله} ط {وكيلاً} ه {تعتدّونها} ج لانقطاع النظم مع الفاء {جميلاً} ه {معك} ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف {يستنكحها} ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة {المؤمنين} ه {حرج} ط {رحيماً} ه {إليك من تشاء} ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط {عليك} ط {كلهن} ط {قلوبكم} ط {حلماً} ه {يمينك} ط {رقيباً} ه {اناه} لا للعطف مع الإستدراك {الحديث} ط {منكم} ط فصلاً بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين {من الحق} ط لإبتداء حكم آخر {حجاب} ط {وقلوبهن} ط {أبداً} ط {عظيماً} ه {عليماً} ه {ايمانهنّ} لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف {واتقين الله} ط {شهيداً} ه {النبيّ} ط {تسليما} ه {مهيناً} ه {مبيناً} ه {جلابيبهن} ط {يؤذين} ط {رحيماً} ه {قليلاً} ه ج لأن قوله {ملعونين} يحتمل أن يكون حالاً أو منصوباً على الشتم {ملعونين} ه ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفاً واستئنافاً {تقتيلاً} ه {قبل} ط {تبديلاً} ه {الساعة} ط {عند الله} ط {قريباً} ه {سعيراً} لا {أبداً} ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف {نصيراً} ه ج لاحتمال تعلق الظرف بـ {لا يجدون} أو بـ {يقولون} أو باذكر {الرسولا} ه {السبيلاً} ه {كبيراً} ه {قالوا} ط {وجيها} ه {سديداً} ه لا {ذنوبكم} ه {عظيماً} ه {الإنسان} ط {جهولاً} ه لا {والمؤمنات} ط {رحيماً} ه. التفسير: اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر أنه سبحانه بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين: وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسياً فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى. والتسبيح بكرة وأصيلاً عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ولو أن أوّلكم وآخركم"تفسير : قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه. ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل الذكر لا إله إلا الله"تفسير : وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد. ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضاً يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهوميه كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين. جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له. وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّاً وترؤفاً. ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى. وفي قوله {وكان بالمؤمنين رحيماً} بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي. ومعنى {تحيتهم يوم يلقونه سلام} مذكور في أول "يونس" وفي "إبراهيم". وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا. والأجر الكريم هو ما يأتيه عفواً صفواً من غير شوب نغص، ثم إشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مع عامة الخلق فقال {إنا أرسلناك شاهداً} وهي حال مقدرة أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله تعالى جعل النبي شاهداً على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئاً بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم مدع لها. بل يقال: إنه شاهد عليها كما قال "حديث : على مثل الشمس فاشهد"تفسير : وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال {أية : والله يعلم إنك لرسوله} تفسير : [المنافقون: 1] والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد. وإنما قال {وداعياً إلى الله بإذنه} لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح. أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه. ويمكن أن يكون قوله {بإذنه} متعلقاً بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره. ووصف النبي عليه السلام بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار. وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا قال "حديث : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" تفسير : وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ. ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاتراً ومنه قولهم "ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء". ويجوز أن يكون سراجاً معطوفاً على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تالياً سراجاً. قوله {ودع أذاهم} أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول. ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح ههنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة. في قوله {أية : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن}تفسير : [الآية: 237] وذلك لأجل تشطير الصداق. وإنما أعاد ذكرهن ههنا لبيان عدم وجوب العدّة عليهن. وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن للنطفة. وفي قوله {ثم طلقتموهن} تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى. وقد يستدل بكلمة "ثم" على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخى. وفي قوله {فما لكم عليهن} دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاط لما فيها من حق الله تعالى أيضاً. ومعنى {تعتدونها} تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله. ثم عاد إلى تعليم النبي صلى الله عليه وسلم. وفائدة قوله {اللاتي آتيت أجورهن} وقوله {مما أفاء الله عليك} وقوله {اللاتي هاجرن معك} هي أن الله تعالى اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن تمسيه وتؤجله. وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي عليه السلام لم يكن يستوفي مالا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئاً حرم الامتناع على المطلوب منه. والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ صلى الله عليه وسلم من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا. ومما يؤكد هذا قوله {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبيّ} صلى الله عليه وسلم يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها. والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال. قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال سبحانه {مما أفاء الله عليك} لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه. وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها. وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله {اللاتي آتيت أجورهن} قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد. والظاهر أن {خالصة} حال من {امرأة} وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصاً. وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة. وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة. وقوله {قد علمنا ما فرضنا عليهم} جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون. ثم بين غاية الإحلال بقوله {لكيلا يكون عليك حرج} أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات {وكان الله غفوراً} للذي وقع في الحرج {رحيماً} بالتوسعة والتيسير على عباده. ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن. والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر. {ومن ابتغيت ممن عزلت} يعني إذا طلبت من كنت تركتها {فلا جناح عليك} في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها. يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب. وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك. وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت. وعن الحسن: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها. ومن قال: إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال: المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى. ثم قال {ذلك} التفويض إلى مشيئتك {أدنى} إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم. ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه. وفي قوله {والله يعلم ما في قلوبكم} وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له {وكان الله عليما} بذات الصدور {حليماً} مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة. وقوله {كلهن} بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في {آتيتهن} ثم إنه سبحانه شكر لأزواج رسول الله اختيارهن لله ورسوله فأنزل {لا يحل لك النساء من بعد} قال أكثر المفسرين: اي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن. وإنه تعالى زاد في إكرامهن بقوله {ولا أن تبدّل بهن} أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي بقوله {من أزواج} وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم. وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللاواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن. وقوله {ولا أن تبدل بهن} منع من فعل الجاهلية وهو قولهم "بادلني بامرأتك وابادلك بامرأتي" فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه. يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عيينة أين الاستئذان؟ فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت. ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟ فقال: هذه عائشة أم المؤمنين. قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق. فقال عليه السلام: إن الله قد حرم ذلك. فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه. وقوله {ولو أعجبك حسنهنّ} في موضع الحال أي مفروضاً إعجابك بهن. قال جار الله: والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو {لا يحل} وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة. واستثنى ممن حرم عليه الإماء. وفي قوله {وكان الله على كل شيء رقيباً} تحذير من مجاوزة حدوده. واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له صلى الله عليه وسلم من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها. وعن عائشة: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء. تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوِّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله {إنا أحلنا لك} وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف. ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله واشار إليه بقوله {لا تدخلوا} وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله {إن الله وملائكته} كانوا يتحينون طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه. وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى. وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى طعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلاً، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن. وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى. ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل {إلا أن يؤذن} على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل. وقوله {فانتشروا} للوجوب وليس كقوله {أية : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا} تفسير : [الجمعة: 10] وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله {ولا مستأنسين لحديث} وهو مجرور معطوف على {ناظرين} أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين. يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنساً أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجاً إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه. فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحياء وذلك قوله {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم} أي من إخراجكم فلما رأوه متولياً خرجوا فرجع فنزلت الآية ناهية للثقلاء أي يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث اهل البيت واستماعه. ومعنى {لا يستحي} لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة. والضمير في {سألتموهن} لنساء النبيّ بقرينة الحال. قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت. والمتاع الماعون وما يحتاج إليه. وثاني مفعولي {فاسألوهن} محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله. {ذلكم} الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب {أطهر} لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالباً. وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله {وما كان} اي وما صح {لكم أن تؤذوا رسول الله} بوجه من الوجوه {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم} الإيذاء والنكاح {كان عند الله} ذنباً {عظيماً} لأن حرمة الرسول ميتاً كحرمته حياً. ثم بين بقوله {إن تبدوا شيئاً} الآية. إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك. ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله {لا جناح عليهن} أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء. قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من رواء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال {لا جناح عليهن} فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك. وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفيان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم. وقد يستدل بقوله {ولا نسائهن} مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبة بقوله {واتقين} فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة. ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ. قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله {واتقين} فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن. ثم أكد الكل بقوله {إن الله كان على كل شيء شهيداً} وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه. ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة. وإنما قال هناك {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} وقال ههنا {إن الله وملائكته يصلون} ليلزم منه تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم: وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلاً للمذكور على المعطوف، فكأنه سبحانه شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة ضلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم. واستدل الشافعي: بقوله {صلوا عليه وسلموا} وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها. وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله {إن الله وملائكته يصلون} وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشراً" تفسير : ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما روي في الحديث "حديث : من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله"تفسير : ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره. ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين. والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله {أية : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم}تفسير : [الآية: 103] ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفاً وإعلاماً بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله تعالى {أية : فاتبعوني يحببكم الله} تفسير : [آل عمران: 31] ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه. وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله. وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون. وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم. وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ. ثم رتب وعيداً آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله {بغير ما اكتسبوا} لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله {فقد احتملوا بهتاناً} ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود لصنم "إيذاء. قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون علياً رضي الله عنه. وقيل: في إفك عائشة. وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات. ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال {يا أيها النبي} الآية. ومعنى {يدنين عليهن} يرخين عليهن. يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك. ومعنى التبعيض في {من جلابيبهن} أن يكون للمرأة جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها. وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه {ذلك} الإدناء {أدنى} وأقرب إلى {أن يعرفن} أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها {فلا يؤذين} لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلاً عن كونهن مزينات {وكان الله غفوراً} لما قد سلف {رحيماً} حين ارشدكم إلى هذا الأدب الجميل. ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلاً {لئن لم ينته المنافقون} عن الإيذاء {والذين في قلوبهم مرض} وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور {والمرجفون} في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة. روي أن ناساً كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك. ومعنى {لنغرينك بهم} لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد. المراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمناً قليلاً ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم. ومعنى "ثم" تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون {قليلاً} منصوب على الحال ايضاً ومعناه لا يجاورونك غلا أقلاء أذلاء ملعونين. وفي قوله {لا يجاورونك} عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك {سنة الله} أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا. وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر {ولن تجد لسنة الله تبديلا} أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار. ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحاناً فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع. ومعنى {قريباً} شيئاً قريباً أو يوماً أو زماناً. ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير. ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها. والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه اشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضاً للعذاب فالأخس أولى. ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم. قوله {ضعفين} اي ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلالهم. من قرأ {لعناً كبيراً} بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب وكثرة اللعن أو عظمه. قوله {لا تكونوا كالذين ءَاذَواْ موسى} قال المفسرون: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس. وإيذاء موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عرياناً وقد مر في "البقرة". وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليهم ميتاً حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى {مما قالوا} من مؤدى قولهم أو من مضمون مقولهم {وكان عند الله وجيها} ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة. وروي عن شنبوذ وكان عبداً لله. ثم أشار إلى ماينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات. أمرهم أوّلاً بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانياً بالتحلية وهي التقوى الموجبة لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في قوله {إنا عرضنا الأمانة} فقيل: العرض حقيقة. وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا الأمانة بالسموات فرجحت الأمانة. والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس بالإباء ولك يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكباراً وههنا استصغاراً بدليل قوله {وأشفقن منها} وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام. واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس. وسمي التكليف أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداة فله الكرامة. فعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو التصوير المذكور. وقد خص بعضهم التكليف بقول "لا إله إلا الله". والأظهر عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين. فكل من أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤدٍّ للأمانة وقاضٍ حقها وإلا فهو حامل لها. ولا ريب أن السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه الإشارة بقوله سبحانه {أية : وما منا إلا له مقام معلوم}تفسير : [الصافات: 164] إلا الإنسان فإن كثيراً من الأشخاص بل أكثرهم مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته. فاللام في {الإنسان} للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس. وفيه لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة. وذكروا في سبب الإشفاق أن الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها كالزجاج مثلاً، وكلا المحذورين موجود في التكليف. وأيضاً كان الزمان نهب وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت. وأيضاً قد لا يقبل الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولاً، وقد ظلم آدم نفسه بالمخالفة فكان ظلوماً وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما عليهم من العقاب. واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال {أية : إياك نعبد وإياك نستعين}تفسير : [الفاتحة: 5] وقيل: إنه كان ظلوماً جهولاً في ظن الملائكة حيث قالوا {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : [البقرة: 30] وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك. والمدرك منه من يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا {أية : قالوا سبحانك لا علم لنا}تفسير : [البقرة: 32] فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات. ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته. فغير الإنسان إن كان مكلفاً كان بمعنى كونه مخاطباً لا بمعنى الأمر بما فيه كلفة ومشقة. وفي قوله {وحملها الإنسان} دون أن يقول "وقبلها" إشارة إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر وإلى حيث أمر وإلا غرم وجرم.(لطيفة). الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان أميناً عليها، والقول قول الأمين فهو فائز. وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلاً {ليعذب} إلى قوله {ويتوب} إشارة إلى الفريقين. ثم وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً بإزاء كون الإنسان ظلوماً جهولاً ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة. التأويل: {اذكروا الله ذكراً كثيراً} فمن أحب شيئاً أكثر ذكره. وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة {هو الذي يصلي} أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي {إنا أرسلناك شاهداً} لنا بنعت المحبوبية {ومبشراً} للطالبين برؤية جمالنا {ونذيراً} للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا {وداعياً إلى الله بإذنه} لا بطبعك وهواك {وسراجاً منيراً} في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية. {وفضلاً كبيراً} هو القلب المستنير. {إنا أحللنا لك أزواجك} لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة {إن الله وملائكته يصلون} صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله {أية : أولئك عليهم صلوات من ربهم} تفسير : [البقرة: 157] {إنا عرضنا الأمانة} هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد. وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة {إنه كان ظلوماً} لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً {جهولا} لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله. فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً. ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن. فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم. ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.

ابن عادل

تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} قال ابن عباس: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدّاً معلوماً ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أهله في تركه إلا مغلوباً على عقله وأمرهم به في الأحوال كلها، فقال: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ}تفسير : [النساء: 103] وقال: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} أي بالليل والنهار، والبرِّ والبحر والصحة والسِّقَم في السر والعلانية وقال مجاهد: الذكر الكثير أن لا ينساه أبداً {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي صلوا له بكرة يعني صلاة الصبح و "أصيلاً" يعني صلاة العصر، وقال الكلبي: "وأصيلاً" صلاة الظهر والعصر والعشاء، وقال مجاهد معناه: قولوا: سبحانَ اللَّهِ والحمدُ لله ولا إله إلا الله واللَّه أكبر ولا حَوْلَ ولا قوة إلى بالله فعبر بالتسبيح عن أخواته، وقيل: المراد من قوله: "ذكْراً كَثيراً" هذه الكلمات يقولها الطاهرُ والخبيثُ والمحدث. قوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ} الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين فذكر صلاته تحريضاً للمؤمنين على الذكر والتسبيح، قال السدي: قالت بنو إسرائيل لموسى: أيصلي ربنا؟ فكَبُرَ هذا الكلام على موسى فأوحى الله إليه قل لهم: إنِّي أصلي وإن صلاتي رحمتي وقد وسعت رحمتي كُلَّ شيء. وقيل: الصلاة من الله هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده، وقيل: الثناء عليه. قال أنس: لما نزلت إن الله وملائكته يصلون على النبي قال أبو بكر: ما خَصَّك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فأنزل الله عز وجل هذه الآية. قوله: "ومَلاَئِكَتُهُ" إما عطف على فاعل "يصلي"، وأغنى الفصل بالجار عن التأكيد بالضمير، وهذا عند من يرى الاشتراك أو القدر المشترك أو المجاز؛ لأن صلاة الله غير صلاتهم. وإما مبتدأ وخبره محذوف، أي "وملائكته يصلون" وهذا عند من يرى شيئاً مما تقدم جائزاً إلا أن فيه بحثاً، وهو أنهم نصوا على أنه إذا اختلف مدلولاً الخبرين فلا يجوز حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وإن كانا بلفظ واحد، فلا تقول: "زَيْدٌ ضَاربٌ وَعَمرٌو" يعني وعمرو ضاربٌ في الأرضِ أي مُسِافِرٌ. فصل الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، فقيل: إن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مَعْنَيَيْهِ معاً وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ جائز. قال ابن الخطيب: وينسب هذا القول للشافعي رحمه الله، وهو غير بعيد؛ وذلك لأن الرحمة والاستغفار مشتركان في العناية بحال المرحوم والمستغفر له والمراد هو القدر المشترك فتكون الدلالة واحدة، ثم قال: {لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي من ظلمةِ الكفر إلى نور الإيمان يعنى (أنه) برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان. {وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} وهذا بشارة لجميع المؤمنين وأشار بقوله: "يصلي عليكم" أن هذا غير مختص بالسامعين وقت الخطاب. قوله: "تَحِيَّتُهُمْ" يجوز أن يكون مصدراً مضافاً لمفعوله، وأن يكون مضافاً لفاعله ومفعوله على معنى أن بعضهم يُحَيِّي بعضاً، فيصح أن لا يكون الضمير للفاعل والمفعول باعتبارين لا أنه يكون فاعلاً ومفعولاً من وجهٍ واحد وهو قول من قال: {أية : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}تفسير : [الأنبياء: 78] أنه مضاف للفاعل والمفعول. فصل المعنى تحيةُ المؤمنين يَوْمَ يلقونه أي يرون الله سلام أي يسلم اللَّهُ عليهم ويسلمهم من جميع الآفات، وروي عن البراء بن عازب قال: تحيتهم يوم يلقونه سلام يعني ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه. وعن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك يقبض روح المؤمن قال: رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السلام، وقيل: تسلم عليهم الملائكة تبشرهم حين يخرجون من قبورهم ثم قال: {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً} يعني الجنة. فإن قيل: الإعداد إنما يكون مِمَّن لا يقدر عند الحاجة إلى الشيء عليه، وأما الله تعالى فغير محتاج ولا عاجز فحيث يلقاه (و) يؤتيه ما يرضى به وزيادة فما معنى الإعداد من قبل؟. فالجواب: أن الأعداد للإكرام لا للحاجة. قوله: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} أي شاهداً للرسل بالتبليغ "وَمُبَشِّراً" لمن آمن بالجنة و "نَذِيراً" لمن كذب بالنار "فشاهداً" حال مقدرة، أو مقارنة لقرب الزمان {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ} إلى توحيده وطاعته، وقوله "بِإِذْنِهِ" حال أي ملتبساً بتسهيله، ولا يريد حقيقة الإذن لأنه مستفاد من "أَرْسَلْنَاكَ". قوله: "وَسِرَاجاً" يجوز أن يكون عطفاً على ما تقدم، إما على التشبيه، وإما على حذف مضاف أي ذا سراج، وجوز الفَرَّاءُ أن يكون الأصل: وتالياً سراجاً، ويعني بالسِّراج القرآن، وعلى هذا فيكون من عطف الصفات وهي لذات واحدة، لأن التالي هو المرسل. وجوز الزمخشري أن يعطف على مفعول "أَرْسَلْنَاكَ" وفيه نظر لأن السراج هو القرآن ولا يوصف بالإرسال بل بالإنزال إلاَّ أن يقال: إنه حمل على المعنى كقوله: شعر : 4096 - فَعَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً [حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَـاهَا] تفسير : وأيضاً فيغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، وقوله: "مُنِيراً" لأنه يهتدى به كالسِّراج يستضاء به في الظلمة. واعلم أنَّ في قوله: "سِرَاجاً" ولم يقل: إنه شمس مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج فائدةً وهي أن نور الشمس لا يؤخذ منه شيء، والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة إذا انطفى الأول يبقى الذي أخذ منه وكذلك إن غاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كُلُّ صحابي كذلك سراجاً يؤخذ منه نور الهداية كما قال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ"تفسير : وفي هذا الخبر لطيفة وهي أن النبي عليه (الصلاة و) السلام لم يجعل أصحابه كالسراج وجعلهم كالنجوم لأن النجم لا يؤخذ منه (نور) بل له في نفسه نور إذا غرب لا يبقى نور مستفاد منه فكذلك الصحابي إذا مات فالتابعي يستنير بنور النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يأخذ إلاَّ قَوْلَ النبي - عليه (الصلاة و) والسلام - وعليه فأنوار المجتهدين كلهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو جعلهم كالسِّراج والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان سراجاً كان للمجتهد أن يَسْتَنِيرَ بمَنْ أراد منهم، ويأخذ النور مِمَّن اختار وليس كذلك فإن مع نص النبي - صلى الله عيه وسلم - لا يُعْمَل بقول الصَّحابيِّ بل يؤخذ النور من النبي ولا يؤخذ من الصحابي، فلم يجعله سراجاً. قوله: "وَبَشِّر المُؤْمِنِينَ" عطف على مفهوم تقديره: "إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشراً فاشْهَدْ وبَشِّرْ" ولم يذكر "فاشهد" للاستغناء عنه، وأما البشارة فذكرت إشارة للكرم، ولأنها غير واجبة لولا الأمر. وقوله {بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً} كقوله تعالى: {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً عَظِيماً} والعظيم والكبير متقاربان. قوله: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} تقدم تفسيره أول السورة، وهو إشارة إلى الإِنذار يعني خالفهم ورُدَّ عليهم. قوله: "وَدَعْ أَذَاهُمْ" يجوز أن يكون "أَذَاهُمْ" مضافاً لمفعوله أي اترك أذاك لهم، أي عقابك إياهم. قال الزجاج: لا تجازهم عليه، وهذا منسوخ بأيةِ السيف، ويجوز أن يكون مضافاً لفاعله أي اترك ما أَذَ‍وْكَ به فلا تؤاخذهم حتى تُؤْمَر أي دعه إلى الله فإنه يعذبهم بأيديكم وبالنار وبين هذا قوله تعالى: {وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً} أي حافظاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏اذكروا الله ذكراً كثيرا‏ً} ‏ يقول‏:‏ لا يفرض على عبادة فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله فقال‏:‏ اذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم، بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقد سبحوه بكرة وأصيلاً، فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم وهو وملائكته‏.‏ قال الله تعالى ‏{‏هو الذي يصلي عليكم وملائكته‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله ‏{‏اذكروا الله ذكراً كثيرا‏ً}‏ قال‏:‏ باللسان، بالتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، واذكروه على كل حال ‏{‏وسبحوه بكرة وأصيلا‏ً}‏ يقول‏:‏ صلوا لله بكرة بالغداة، وأصيلاً بالعشي‏.‏ وأخرج أحمد والترمذي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل‏ "‏حديث : أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ الذاكرون الله كثيراً قلت يا رسول الله‏:‏ ومن الغازي في سبيل الله‏؟‏ قال‏:‏ لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دماً لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏"حديث : سبق المفردون قالوا‏:‏ وما المفردون يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ الذاكرون الله كثيراً‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن معاذ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : أن رجلاً سأله فقال‏:‏ أي المجاهدين أعظم أجرا‏ً؟‏ قال‏: أكثرهم لله ذكراً قال‏:‏ فأي الصائمين أعظم أجرا‏ً؟‏ قال‏: أكثرهم لله ذكرا‏ً.‏ والصلاة، والزكاة، والحج، والصدقة‏.‏ كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ أكثرهم لله ذكراً فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما‏:‏ يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أجل‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال‏:‏ بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدف بين حمدان قال ‏"حديث : ‏يا معاذ أين السابقون‏؟‏ قلت مضى ناس قال‏:‏ أين السابقون الذين يستهترون بذكر الله‏؟‏ من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أم أنس رضي الله عنها قالت ‏"‏حديث : يا رسول الله أوصني قال‏:‏ اهجري المعاصي فإنها أفضل الهجرة، وحافظي على الفرائض فإنها أفضل الجهاد، واكثري من ذكر الله فإنك لا تأتين الله بشيء أحب إليه من كثرة ذكره‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏من لم يكثر ذكر الله فقد برىء من الايمان ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏أكثروا ذكر الله حتى يقولوا‏:‏ مجنون‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏اذكروا الله حتى يقول المنافقون‏:‏ إنكم مراؤون‏ ". تفسير : وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏اكثروا من ذكر الله حتى يقول المنافقون‏:‏ إنكم مراؤون ".

السلمي

تفسير : قال النصرآباذى: وقَّت الله العبادات بأوقات إلا الذكر فإنه أمر أن يذكر كثيرًا والذكر الكثير للقلب وهو أن لا يفتر القلب عن المشاهدة ولا يغفل عن الحضور بحال ألا تراه لما رجع الى المعلوم وقت.

القشيري

تفسير : الإشارة فيه أَحِبُّوا الله؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره"تفسير : فيجب أن تقول الله، ثم لا تنسَ الله بعد ذكرك الله. ويقال: اذكروا الله بقلوبكم؛ فإِنَّ الذكرَ الذي تمكن استدامته ذكرُ القلب؛ فأمَّا ذِكْرُ اللسانِ فإدامته مُسْرَمَداً كالمتعذر. {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}: التسبيحُ من قبيل الذكر، ولكنه ذََكَره بلفظين لئلا تعتريك سآمة.

البقلي

تفسير : الذكر الكثير انحسار القلوب فى اودية الغيوب عن السير فى انوار النعوت والصفات واضمحلال اسرارها فى سنا الذات فى جميع الانفاس بلا فترة ولأغشية قال النصر أبادى وقت الله العبادات كلها باوقات الذكر فانه امران يذكر ذكر الكثير والذكر الكثير للقلب وهو ان لا يفتر القلب عن المشاهدة ولا يغفل عن الصحرة بحال الا تراه لما رجع الى المعلوم وقت وقال وسبحوه بكرة واصيلا وانشد شعر : الله يعلم انى لست اذكره وكيف اذكر من لست اثناه تفسير : قال ابو الحسين بن هندنا داهم ثم خص النداء ثم كناهم ثم اشار اليهم بالتوحيد ثم امرهم باقامة العبودية ثم من على نبيهم بذلك ولم يمن عليهم فانه انما خصهم بسببك والذكر اقامة العبودية.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا اذكروا الله} بما هو اهله من التهليل والتحميد والتكبير ونحوها. والذكر احضار الشئ فى القلب او فى القول وهو ذكر عن نسيان وهو حال العامة او ادامة الحضور والحفظ وهو حال الخاصة اذ ليس لهم نسيان اصلا وهم عند مذكورهم مطلقا {ذكرا كثيرا} فى جميع الاوقات ليلا ونهارا صيفا وشتاء وفى عموم الامكنة برا وبحرا سهلا وجبلا وفى كل الاحوال حضرا وسفرا صحة وسقما سرا وعلانية قياما وقعودا وعلى الجنوب وفى الطاعة بالاخلاص وسؤال القبول والتوفيق وفى المعصية بالامتناع منها وبالتوبة والاستغفار وفى النعمة بالشكر وفى الشدة بالصبر فانه ليس للذكر حد معلوم كسائر الفرائض ولا لتركه عذر مقبول الا ان يكون المرء مغلوبا على عقله. واحوال الذاكرين متفاوتة يتفاوت اذكارهم. فذكر بعضهم بمجرد اللسان بدون فكر مذكوره ومطالعة آثاره بعقله وبدون حضور مذكورة ومكاشفة اطواره بقلبه وبدون انس مذكوره ومشاهدة انواره بروحه وبدون فنائه فى مذكوره ومعاينة اسراره بسره. وهذا مردود مطلقا. وذكر بعضهم باللسان والعقل فقد يذكر بلسانه ويتفكر مذكوره ويطالع آثاره بعقله لكن ليس له الحضور والانس والفناء المذكور وهو ذكر الابرار مقبول بالنسبة الى الاول. وذكر بعضهم باللسان والعقل والقلب فقط بدون الانس والفناء المذكور وهو ذكر اهل البداية من المقربين مقبول بالنسبة الى ذكر الابرار وما تحته. وذكر بعضهم باللسان والعقل والقلب والروح والسر جميعا وهو ذكر ارباب النهاية من المقربين من الانبياء والمرسلين والاولياء الا كملين وهو مقبول مطلقا وللارشاد الى هذه الترقيات قال عليه السلام "حديث : ان هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد" ثم قيل يا رسول الله فما جلاؤها قال "تلاوة كتاب الله وكثرة ذكره" تفسير : فبكثرة الذكر يترقى السالك من مرتبة اللسان الى ما فوقها من المراتب العالية ويصقل مرآة القلب من ظلماتها واكدارها. ثم ان ذكر الله وان كان يشتمل الصلاة والتلاوة والدراسة ونحوها الا ان افضل الاذكار لا اله الا الله فالاشتغال به منفردا مع الجماعة محافظا على الآداب الظاهرة والباطنة ليس كالاشتغال بغيره [سلمى كويد مراد ازذكر كثير ذكر دلست جه دوام ذكر بزبان ممكن نيست]. وقال بعضهم الامر بالذكر الكثير اشارة الى محبة الله تعالى يعنى احبوا الله لان النبى عليه السلام قال من احب شيئا اكثر من ذكره [نشان دوستى آنست كه نكذارك كه زبان ازذكر دوست يا دل ازفكر او خالى ماند] شعر : درهيج مكان نيم زفكرت خالى در هيج زمان نيم زذ كرت غافل تفسير : فاوجب الله محبته بالاشارة فى الذكر الكثير وانما اوجبها بالاشارة دون العبارة الصريحة لان اهل المحبة هم الاحرار عن رق الكونين والحر تكفيه الاشارة وانما لم يصرح بوجوب المحبة لانها مخصوصة بقوم دون سائر الخلق كما قال {أية : فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه} تفسير : فعلى هذا بقوله {أية : فاذكرونى اذكركم} تفسير : يشير الى احبونى احببكم شعر : بدرياى محبت آشنا باش صدف سان معدن در صفا باش

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا اللهَ ذكراً كثيراً} قياماً، وقعوداً، وعلى جنوبكم، قال ابن عباس: (لم يُعذَر أحد في ترك ذكر الله ـ عزّ وجل ـ إلا مَن غلب على عقله). وقال: الذكر الكثير: ألاَّ تنساه أبداً. وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أكْثِرُوا ذِكرَ اللهِ حتى يقولوا مجنونٌ " تفسير : والذكر أنواع: تهليل، وتحميد، وتقديس، واستغفار، وتلاوة، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد: ذكر القلوب، فإن الذكر الذي يمكن استدامته، هو ذكر القلب، وهو استدامة الإيمان والتوحيد. وأمَّا ذكرُ اللسان فإن إدامته كالمتعذَر. قاله القشيري. {وسبِّحوه} أي: نزِّهوه، أو: قولوا: سبحان الله وبحمده، {بكرةً} أول النهار {وأصيلاً} آخر النهار. وخُصَّا بالذكر لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما. وعن قتادة: (قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله). أو: الفعلان ـ أي: {اذكروا} و {سبّحوه} ـ موجهان إلى البُكرة والأصيل، كقولك: صم وصلِّ يوم الجمعة. والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختص من بين أنواعه إبانةً لفضله؛ لأن معناه: تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات. ويجوز أن يراد بالذكر وإكثاره: تكثير الطاعات والعبادات، فإنها من جملة الذكر، ثم خصّ من الذكر التسبيح بكرة، وهي صلاة الفجر، وأصيلاً، وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أو: صلاة الفجر والعشاءين. {هو الذي يُصلي عليكم وملائكتُه} لمّا كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمَن ينعطف على غيره، حُنواً عليه، كحنو المرأة على ولدها. ثم كثر، حتى استعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم: صلى الله عليك، أي: ترحّم عليك وترأف. فإن قلت: صلاة الله غير صلاة الملائكة، فكيف اشتركا في العطف؟ قلت: لاشتراكهما في قدر مشترك، وهو إرادة وصول الخير إليهم، إلا أنه منه تعالى برحمته، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار. وذكر السدي: أن بني إسرائيل قالت لموسى عليه السلام: أيُصلي ربنا؟ فكَبُر هذا الكلام على موسى عليه السلام، فأوحى الله إليه: أن قل لهم: إني أُصلي، وإنَّ صلاتي رحمتي، وقد وَسِعَتْ كل شيء. وفي حديث المعراج: "حديث : قلت: إلهي؛ لَمَّا لحقني استيحاش قبل قدومي عليك، سمعت منادياً يُنادي بلغة، تُشبه لغةَ أبي بكر، فقال: قف، إن ربك يصلي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى هذا المقام، وإن ربي لغنيٌّ عن أن يصلِّي؟ فقال تعالى: أنا الغني عن أن أُصلّي لأحد، وإنما أقول: سبحاني، سبقت رحمتي غضبي. اقرأ يا محمد: {هو الذي يُصلِّي عليكم...} الآية، فصلاتي رحمة لك ولأمتك. ثم قال: وأما أمر صاحبك، فخلقت خلقاً على صورته، يُناديك بلغته، ليزول عنك الاستيحاش، لئلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك ". تفسير : والمراد بصلاة الملائكة: قولهم: اللهم صَلّ على المؤمنين. جُعلوا ـ لكون دعائهم بالرحمة مستجاباً ـ كأنهم فاعلون الرحمة. والمعنى: هو الذي يترحّم عليكم ويترأف، حيث يدعوكم إلى الخير، ويأمركم بإكثار ذكره، ويأمر ملائكته يترحّمون عليكم، ويستغفرون لكم، ليقربكم، ويخصكم بخصائص ليست لغيركم. بدليل: {ليُخرجكم من الظلمات إلى النور} من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة، ثم من ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة، ثم من ظلمات الحجاب إلى نور العيان. وقيل: يُصَلِّي عليكم: يشيع لكم الذكر الجميل في عباده. {وكان} الله {بالمؤمنين رحيماً} قد اعتنى بصلاح أمرهم، وإثابة أجرهم، واستعمل في خدمتهم ملائكتَه المقربين، وهو دليل على أن المراد بالصلاة: الرحمة، حيث صرَّح بكونه رحيماً بهم. قال أنس: لمّا نزل قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} قال أبو بكر: يا رسول الله ما خصك الله بشريف إلا وقد اشتركنا فيه، فأنزل قوله: {هو الذي يُصلي عليكم...} الخ. {تحيتُهم} أي: تحية الله لهم، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، {يوم يَلْقونه} عند الموت. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن، قال: ربك يُقرئك السلام. أو: يوم الخروج من القبور، تُسلِّم عليهم الملائكة وتُبشرهم. أو: يوم يرونه في الجنة، {سلامٌ} يقول الله تبارك وتعالى: "حديث : السلام عليكم يا عبادي، هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تُعط أحداً من العالمين. فيقول لهم: أعطيكم أفضل من ذلك، أُحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبداً" تفسير : كما في البخاري. وفي رواية غيره: يقول تعالى: "حديث : السلام عليكم، مرحباً بعبادي الذين أرضوني باتباع أمري" تفسير : هو إشارة إلى قوله: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ}تفسير : [الزمر: 73]. {وأعدَّ لهم أجراً كريماً} يعني الجنة وما فيها. الإشارة: قال القشيري: قوله تعالى: {اذكروا الله ذكراً كثيراً} الإشارة فيه: أَحِبُّوا الله لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ "حديث : مَنْ أحبَّ شيئاً أكثَرَ من ذكره"تفسير : فيُحب أن يقول: الله، ولا ينسَ اللهَ بعد ذكر الله. هـ. قلت: لأن ذكر الله عنوان محبته، ومنار وصلته، وهو الباب الأعظم في الدخول إلى حضرته، ولله در القائل: شعر : الذكـــر عمدة لكل ســــــالك تنورت بنوره المسالك هو المطيــــة التي لا تنتكب ما بعدها في سرعة الخُطا نُجُب به القلوب تطمئن في اليقين ما بعده على الوصالِ من معين به بلوغ السـالكيــن للمُنــى به بقاء المرء مِن بعد الفنا به إليك كل صعب يســــــهل به البعيد عن قريب يحصل فهــو أقــوى ســـــبب لديــكَ وكلُّهُ إليك، لا عليك فكل طاعة أتى الفتى بهـــــا هو أساسها، كذاك سَقفها ووحدَه يفــوق كل طــاعــه كما أتى عن صاحب الشفاعهْ كَفى بفضله لدا البيـــــــــان ذهابه بالسهو والنسيان إذا ذكرتَ مَن له الغنى العظيم لديك يصغرُ الفقير يا نديم عليه دُمْ حتى إذا تجوهـــــرا بسره الفؤاد كلّ ما ترى ترى به المذكور دون ســـتر وقد علا الإدراك درك الفكر به الحبيب في الورى تجلّى به السِّوى عن الحِجا تولى به تمكن المريد في الفنا حتى يصيرَ قائلاً أنا أنا به رجوعـــه إلـــى العبـــــادة به التصرُّف الذي في العادهْ تالله لو جئتُ بكـــل قــــــــول ما جئتكم بما لَهُ من فضـــل تفسير : اهـ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سَبَق المُفَرِّدُونَ، قيل: مَن المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: المُسْتَهْتَرُون بذِكْرِ الله، يَضَعُ الذِّكرُ عنهم أثقالَهُمْ، فيَردُون يَوْمَ القيامةِ خِفَافاً" تفسير : وسئل صلى الله عليه وسلم: أيّ المجاهدين أعظمُ أجراً؟ قال: "حديث : أكثرهم لله تبارك وتعالى ذِكْراً"تفسير : . قيل: فأي الصالحين أعظم أجراً؟ قال: حديث : أكثرهم لله تبارك وتعالى ذِكْراًتفسير : . ثم ذَكَرَ الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً"تفسير : .فقال أبو بكر لعمرَ: يا أبا حفصٍ؛ ذهب الذاكرون بكل خيرٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أجل" تفسير : رواه أحمد والطبراني. وقوله تعالى: {هو الذي يُصلي عليكم...} الآية. قال الورتجبي: صلوات الله: اختياره العبدَ في الأزل لمعرفته ومحبته، فإذا خصَّه بذلك جعل زلاته مغفورة، وجعل خواص ملائكته مستغفرين له، لئلا يحتاج إلى الاستغفار بنفسه عن اشتغاله بالله ومحبته، وبتلك الصلاة يُخرجهم من ظلمات الطبع إلى نور المشاهدة، وهذا متولد من اصطفائيته الأزلية ورحمته الكافية القدسية. ألا ترى إلى قوله: {وكان بالمؤمنين رحيماً} أي: قبل وجودهم، حيث أوجدهم، وهداهم إلى نفسه، بلا سبب ولا علة. ثم قال عن ابن عطاء: أعظم عطية للمؤمن في الجنة: سلام الله عليهم من غير واسطة. هـ. وقوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} قال القشيري: التحيةُ إذا قُرِنَتْ بالرؤية، واللقاءُ إذا قُرن بالتحية، لا يكون إلا بمعنى رؤية البصر، والتحية: خطاب يُفاتح بها الملوك، أخبر عن عُلُوِّ شأنهم، فهذا السلام يدلّ على علو رتبتهم. هـ. ثم حض على الذكر إذ هو سبب التهذيب والتأديب فيزجر صاحبه عن الخوض فيما لا يعنيه فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ...}

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين المصدقين بوحدانيته المقرين بصدق أنبيائه، يأمرهم بأن يذكروا الله ذكراً كثيراً، والذكر الكثير أن نذكره بصفاته التي يختص بها، ولا يشاركه فيها غيره، وننزهه عما لا يليق به. وروي في اخبارنا أن من قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ثلاثين مرة، فقد ذكر الله كثيراً، وكل صفة لله تعالى فهى صفة تعظيم، وإذا ذكر بأنه شيء وجب أن يقال: إنه شيء لا كالأشياء، وكذلك احد ليس كمثله شيء وكذلك القديم هو الأول قبل كل شيء، والباقي بعد فناء كل شيء. ولا يجوز أن يذكر بفعل ليس فيه تعظيم، لان جميع ما يفعله يستحق به الحمد والوصف بالجميل على جهة التعظيم، مثل الذكر بالغنى والكرم بما يوجب اتساع النعم، والذكر احضار معنى الصفة للنفس إما بايجاد المعنى في النفس ابتداء من غير طلب. والآخر بالطلب من جهة الفكر. والذكر قد يجامع العلم، وقد يجامع الشك. والعلم لا يجامع الشك في الشيء على وجه واحد. والذكر أيضاً يضاد السهو، ولا يضاد الشك، كما يضاده العلم. وقوله {وسبحوه بكرة وأصيلاً} أمر لهم بأن ينزهوا الله تعالى عن كل قبيح وجميع ما لا يليق به، بالغداة والعشي: قال قتادة: يعني صلاة الغداة وصلاة العصر، والاصيل العشي وجمعه أصائل، ويقال اصل وآصال، وهو اصل الليل أي اوله ومبدؤه، وقوله {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} يترحم عليكم بايجاب الرحمه، ويصلي عليكم الملائكة بالدعاء والاستغفار، فالأول كالدعاء، والثاني دعاء. وقيل: معناه يثني عليكم بطريقة الدعاء، كقوله عليك رحمتي ومغفرتي. وقيل: معناه هو الذي يوجب عليكم الصلاة، وهي الدعاء بالخير، ويوجبه الملائكة بفعل الدعاء، وهذا مما يختلف فيه معنى صفة الله تعالى وصفة العباد، كتواب بمعنى كثير القبول للتوبة وتواب بمعنى كثير فعل التوبة. وقال الاعشى: شعر : عليك مثل الذي صليت فاعتصمي يوماً فان لجنب المرئ مضطجعاً تفسير : فمن رفع (مثل) فانما دعا لها مثل ما دعت له. ومن نصب أمرها بأن تزداد من الدعاء أي عليك بمثل ما قلت. وقوله {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} معناه ليخرجكم من الجهل بالله إلى معرفته، فشبه الجهل بالظلمات، والمعرفة بالنور، وانما شبه العلم بالنور، لانه يقود إلى الجنة، فهو كالنور. والكفر يقود إلى النار - نعوذ بالله منها - وقال ابن زيد: معناه ليخرجكم من الضلالة إلى الهدى. ثم اخبر تعالى انه {كان بالمؤمنين رحيماً} حين قبل توبتهم وخلصهم من العقاب إلى الثواب بما لطف لهم في فعله. وقوله {تحيتهم يوم يلقونه سلام} أي يحيي بعضهم بعضاً يوم يلقون ثواب الله بأن يقولوا السلامة لكم من جميع الافات والفوز بنعيم ثواب الله. ولقاء الله لقاء ثوابه لا رؤيته، لأنه بمنزلة قوله {أية : فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه} تفسير : وبمنزلة قول النبي صلى الله عليه وآله "حديث : من حلف على يمين كاذبة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" تفسير : ولا خلاف أن هؤلاء لا يرون الله. وقوله {وأعد لهم أجراً كريماً} أي ثواباً جزيلاً. ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله فقال {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً} أي شاهداً على أمتك في ما يفعلونه من طاعة الله او معصيته او إيمان به او كفر، لتشهد لهم يوم القيامة او عليهم، فأجازيهم بحسبه، ومبشراً لهم بالجنة وثواب الابد إن أطاعوني واجتنبوا معصيتي. {ونذيراً} أي مخوفاً من النار وعقاب الأبد بارتكاب المعاصي وترك الواجبات {وداعياً} اي وبعثناك داعياً لهم تدعوهم {إلى الله بإذنه} والاقرار بوحدانيته وأمتثال ما امرهم به، والانتهاء عما نهاهم عنه {وسراجاً منيراً} أي انت بمنزلة السراج الذي يهتدي به الخلق. والمنير هو الذي يصدر النور من جهته إما بفعله، وإما لأنه سبب له، فالقمر منير، والسراج منير بهذا المعنى، والله منير السموات والارض. وقال الزجاج {وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً} وبعثناك ذا سراج، وحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه وأراد بالسراج القرآن الذي يحتاجون إلى العمل به. ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله بأن {يبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} أي زيادة على ما يستحقونه من الثواب كثيراً، ثم نهاه عن طاعة الكفار الجاحدين لله والمنكرين لنبوته فقال {ولا تطع الكافرين} الذين يتظاهرون بالكفر، ولا {المنافقين} الذين يظهرون الاسلام، ويبطنون الكفر، ولا تساعدهم على ما يريدونه {ودع أذاهم} أي اعرض عن اذاهم. فانا اكفيك أمرهم إذا توكلت عليّ، وعملت بطاعتي فان جميعهم في سلطاني بمنزلة ما هو في قبضة غيري. ثم قال {وتوكل على الله} أي اسند أمرك اليه واكتف به {وكفى بالله وكيلاً} اي كافياً ومتكفلا ما يسنده اليه. وقوله (وشاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً، وسراجاً) كل ذلك نصب على الحال.

الجنابذي

تفسير : قد مضى فى سورة البقرة بيان الذّكر ومراتبه وانواعه، عن الصّادق (ع) ما من شيءٍ الاّ وله حدٌّ ينتهى اليه الاّ الذّكر فليس له حدّ ينتهى اليه (الى ان قال) فانّ الله عزّ وجلّ لم يرض منه بالقليل ولم يجعل له حدّاً ينتهى اليه ثمّ تلا هذه الآية، وعنه (ع): تسبيح فاطمة الزّهراء من الذّكر الكثير الّذى قال الله: اذكرو الله ذكراً كثيراً، وفى خبرٍ: من ذكر الله فى السّرّ فقد ذكر الله كثيراً.

الأعقم

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} قيل: باللسان ذكر أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وقيل: بالقلب، وعن ابن عباس: لم يفرض الله على عباده فريضة لا جعل عليها حداً، وأمرهم بذكره في الأحوال كلها، قيل: هو الاعتقاد والتوحيد والعدل فإنه واجبٌ في جميع الأحوال، وقيل: ذكر الله باللسان بالتحميد والتهليل والتكبير وما هو أهله، وأكثروا ذلك {بكرة وأصيلا} أي في كافة الأوقات، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ذكر الله على فم كل مسلم" تفسير : وعن قتادة: قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم {وسبحوه بكرة وأصيلاً} يعني الصبح والعصر، وقيل: أراد الصلاة بكرة وعشيّاً {هو الذي يصلي عليكم} الصلاة منه بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، ومن النبي الشفاعة، والمعنى هو الذي يترحم عليكم بإكثار الذكر {ليخرجكم} من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة {وكان بالمؤمنين رحيماً} والمراد بالرحمة هو الثواب في الجنة {تحيتهم يوم يلقونه سلام} يعني تحيَّة المؤمنين يوم يلقون جزاءه، قيل: هو سلام ملك الموت، وقيل: سلام الملائكة عند الخروج من القبور، وقيل: عند دخول الجنة {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً} على الخلق بالقبول والرد {ومبشراً} بالقابلين عليه بالثواب {ونذيراً} {وداعياً إلى الله بإذنه} أي إلى توحيده وبإذنه يعني بأمره {وسراجاً منيراً} يعني يهتدى به في الدين كما يهتدى بالسراج، وقيل: أراد بالسراج الشمس {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} أي نعماً كثيرة، وعن جابر لما نزلت: {أية : إنا فتحنا لك} تفسير : [الفتح: 1] الآيات قالت الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله هذا الفارق فما لنا؟ فأنزل الله: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ولا تطع الكافرين} من أهل مكة فيما دعوه من المراهنة {والمنافقين} من أهل المدينة {ودع أذاهم} أي أعرض عن أذاهم فإني أكفيك أمرهم إذا توكلت عليّ {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً}، ثم بيّن سبحانه أحكام الناس فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} أي تزوجتموهن {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} قيل: تجامعوهن، وقيل: حصل بينكم مسيس هو عبارة عن الخلوة الصحيحة {فما لكم عليهن من عدة تعتدّونها} أي تحصونها بالاقراء والأشهر {فمتعوهن} أي أعطوهن ما يستمتعن به، قيل: إن كان سمى مهرها فلها نصفه وإن لم فالمتعة {وسرّحوهن سراحاً جميلاً} من غير ضرار، وقيل: هو أمر ندب المتعة مستحبَّة ونصف المهر واجبٌ، وسرحوهنَّ يعني خلُّوا سبيلهنّ، سراحاً جميلاً بالمعروف وهو أن يعطيها ما وجب لها.

اطفيش

تفسير : {يا أيها الذين أمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} بالليل والنهار وفي الحضر والسفر وفي البر والبحر وفي الصحة والسقم وفي السر والعلانية والقيام والقعود والاضطجاع. قال ابن عباس رضي الله عنه: لم يفرض الله فريضة الا جعل الله لها حدا معلوما عذرا عاما في غيره الا الذكر فلم يعذر احدا فيه الا من غلب على عقله. وذكره جلا وعلا الثناء عليه بأنواع التقديس والتمجيد والتهليل والتكبير ومما هو اهله واكبر.

اطفيش

تفسير : {يا أيها الَّذين آمنُوا اذْكُروا الله} باللسان والقلب، او بالقلب {ذكراً كثيراً} بما هو اهله من التهليل والتحميد، والتنزيه عن صفات الخلق، وبأسمائه الحسنى، وكثرة الذكر ان يكون غالب احواله، او يكون له اهتمام به فى النية والفعل الا ما يغفل بطبع البشر، وذكر قرابة النبى صلى الله عليه وسلم انه من قال: "سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر ثلاثين مرة فقد ذكر الله ذكراً كثيراً" وعن ابن عباس: "قال جبريل: يا محمد من قال سبحان والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم عدد ما علم وزنة ما علم وملء ما علم كتب من الذاكرين الله كثيرا، وكان افضل ما ذكره بالليل والنهار وكان له غرسا فى الجنة وسقطت عنه خطاياه كما يسقط ورق الشجرة اليابسة وينظر الله اليه ومن نظر اليه سعد" والله الموفق.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } بما هو جل وعلا أهله من التهليل والتحميد والتمجيد والتقديس {ذِكْراً كَثِيراً } يعم أغلب الأوقات والأحوال كما قال غير واحد، وعن ابن عباس الذكر الكثير أن لا ينسى جل شأنه، وروي ذلك عن مجاهد أيضاً، وقيل: أن يذكر سبحانه بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزه عما لا يليق به، وعن مقاتل هو أن يقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر على كل حال. وعن العترة الطاهرة رضي الله تعالى عنهم من قال ذلك ثلاثين مرة فقد ذكر الله تعالى ذكراً كثيراً، وفي «مجمع البيان» عن الواحدي بسنده إلى الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد ما علم وزنة ما علم وملء ما علم فإنه من قالها كتب له بها ست خصال كتب من الذاكرين الله تعالى كثيراً وكان أفضل من ذكره بالليل والنهار وكن له غرساً في الجنة وتحاتت عنه خطاياه كما تحات ورق الشجرة اليابسة وينظر الله تعالى إليه ومن نظر الله تعالى إليه لم يعذبه كذا رأيته في مدونة فلا تغفل، وقال بعضهم: مرجع الكثرة العرف.

ابن عاشور

تفسير : إقبال على مخاطبة المؤمنين بأن يشغلوا ألسنتهم بذكر الله وتسبيحه، أي أن يمسكوا عن مماراة المنافقين أو عن سبّهم فيما يُرجفون به في قضية تزوج زينب فأمر المؤمنين أن يعتاضوا عن ذلك بذكر الله وتسبيحه خيراً لهم، وهذا كقوله تعالى: {أية : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً}تفسير : [البقرة: 200]، أي خير من التفاخر بذكر آبائكم وأحسابكم، فذلك أنفع لهم وأبعد عن أن تثور بين المسلمين والمنافقين ثائرة فتنة في المدينة، فهذا من نحو قوله لنبيّئه {أية : ودَعْ أذاهم}تفسير : [الأحزاب: 48] ومن نحو قوله: {أية : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم}تفسير : [الأنعام: 108]، فأمروا بتشغيل ألسنتهم وأوقاتهم بما يعود بنفعهم وتجنب ما عسى أن يوقع في مضرة. وفيه تسجيل على المنافقين بأن خوضهم في ذلك بعد هذه الآية علامة على النفاق لأن المؤمنين لا يخالفون أمر ربهم. والجملة استئناف ابتدائي متصل بما قبله للمناسبة التي أشرنا إليها. والذكر: ذكر اللسان وهو المناسب لموقع الآية بما قبلها وبعدها. والتسبيح: يجوز أن يراد به الصلوات النوافل فليس عطف {وسبحوه} على {اذكروا الله} من عطف الخاص على العام. ويجوز أن يكون المأمور به من التسبيح قول: سبحان اللَّه، فيكون عطف {وسبّحوه} على {اذكروا الله} من عطف الخاص على العام اهتماماً بالخاص لأن معنى التسبيح التنزيه عما لا يجوز على الله من النقائص فهو من أكمل الذكر لاشتماله على جوامع الثناء والتمجيد، ولأن في التسبيح إيماء إلى التبرؤ مما يقوله المنافقون في حقّ النبي صلى الله عليه وسلم فيكون في معنى قوله تعالى: {أية : ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم}تفسير : [النور: 16] فإن كلمة: سبحان الله، يكثر أن تقال في مقام التبرُّؤ من نسبة ما لا يليق إلى أحد كقول النبي صلى الله عليه وسلم «سُبحان الله المُؤمن لا ينجس». وقول هند بنت عتبة حين أخذ على النساء البيعة «أن لا يَزْنين»: سبحان الله أتزني الحرّة. والبُكرة: أول النهار. والأصيل: العشيّ الوقت الذي بعد العصر. وانتصبا على الظرفية التي يتنازعها الفعلان {اذكروا الله.. وسبحوه}. والمقصود من البُكرة والأصيل إعمار أجزاء النهار بالذكر والتسبيح بقدر المُكْنة لأن ذكر طرفي الشيء يكون كناية عن استيعابه كقول طرفة:شعر : لكَالِطّوَل المرخَى وثِنياه باليد تفسير : ومنه قولهم: المشرق والمغرب، كناية عن الأرض كلّها، والرأسُ والعقب كناية عن الجسد كله، والظهر والبطن كذلك. وقدّم البكرة على الأصيل لأن البكرة أسبق من الأصيل لا محالة. وليس الأصيل جديداً بالتقديم في الذكر كما قُدم لفظ {تمسون} في قوله في سورة الروم {أية : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون}تفسير : [الروم: 17] لأن كلمة المساء تشمل أول الليل فقدم لفظ {تمسون} هنالك رعّياً لاعتبار الليل أسبق في حساب أيام الشهر عند العرب وفي الإِسلام وليست كذلك كلمة الأصيل.

الشنقيطي

تفسير : ما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمر بالإكثار من الذكر، جاء معناه في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} تفسير : [النساء: 103] وقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمِْ} تفسير : [آل عمران: 191] وقوله تعالى: {أية : وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يا أيها الذين آمنوا: أي يا من آمنتم بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد رسولاً. اذكروا الله ذكراً كثيراً: أي بقلوبكم وألسنتكم. وسبحوه بكرة وأصيلاً: أي نزهوه بقول سبحان الله وبحمده صباحاً ومساء. هو الذي يصلي عليكم: أي يرحمكم. وملائكته: أي يستغفرون لكم. ليخرجكم من الظلمات: أي يرحمكم ليديم إخراجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان. تحيتهم يوم يلقونه سلام: أي سلام عليكم فالملائكة تسلم عليهم. وأعد لهم أجراً كريما: أي وهيأ لهم أجراً كريماً وهو الجنة. معنى الآيات: هذا النداء الكريم من رب رحيم يوجه إلى المؤمنين الصادقين ليعلمهم ما يزيد به إيمانهم ونورهم، ويحفظون به من عدوهم وهو ذكر الله فقال تعالى لهم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} لا حد له ولا حصر إذ هو الطاقة التي تساعد على الحياة الروحية، وسبحوه بكرة وأصيلاً بصلاة الصبح وصلاة العصر. ويقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر دبر كل صلاة من الصلوات الخمس. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ} وصلاته تعالى عليهم رحمته لهم، وصلاة ملائكته الاستغفار لهم وقوله ليخرجكم من الظلمات أي من ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور الإِيمان والطاعات. فصلاته تعالى وصلاة ملائكته هي سبب الإِخراج من الظلمات إلى النور. وقوله تعالى {وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} وهذه علاوة أخرى زيادة على الإِكرام الأول وهو الصلاة عليهم وإنه بالمؤمنين عامة رحيم فلا يعذبهم ولا يشقيهم. وقوله {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} أي وتحيتهم يوم القيامة في دار السلام السلام إذْ الملائكة يدخلون عليهم من كل باب قائلين سلام عليكم أي أمان وأمنةٌ لكم فلا خوف ولا حزن. وقوله {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً} أي هيأ لهم وأحضر أجراً كريماً وهي الجنة. فسبحان الله ما أكرمه وسبحان الله ما أسعد المؤمنين. فيا لفضيلة الإِيمان وطاعة الرحمن طلب منهم أن يذكروه كثيراً وأن يسبحوه بكرة وأصيلاً وأعطاهم ما لا يقادر قدره فسبحان الله ما أكرم الله. والحمد لله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب ذكر الله تعالى كثيراً ليل نهار ووجوب تسبيحه صباح مساء. 2- بيان فضل الله على المؤمنين بصلاته عليهم وصلاة ملائكته ورحمته لهم. 3- تقرير عقيدة البعث بذكر بعض ما يتم فيها من سلام الملائكة على أهل الجنة. 4- بشرى المؤمنين الصادقين بالجنة.

القطان

تفسير : أصيلا: الأصيل هو الوقت حين تصفرّ الشمس عند الغروب. الصلاة من الله: المغفرة والرحمة. النكاح: عقد الزواج. من قبل ان تمسّوهن: من قبل ان تدخلوا بهن. فمتِّعوهن: اعطوهن ما يخرج من نفوسكم من المال لتطيب به نفوسهن. يا أيها الذين آمنوا، أكثِروا من ذكر الله وسبّحوه كلَّ وقت، ولا سيمّا أول النهار وآخره، هو الذي يرحمكم ويغفر لكم بصلاته عليكم، وتستغفر لكم الملائكة، ليخرجكم من ظلماتِ الجهل الى نور الاسلام {وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}. وهذا أمرُهم في الدنيا دار العمل. أما أمرهم في الآخرة وعندما يلقونه فلهم الكرامةُ والحفاوة والأجر الكريم: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً}. يا أيها النبي إنا أرسلنا شاهداً على أُمتك ترفع أمرهم الى الله يوم القيامة، ونذيراً لهم حتى لا يتهاونوا، وداعياً الى الله بإذنه لنشْرِ الدين، ومصباحاً مضيئا يهدي بنوره الحائرين ويقتبس من نوره المهتدون. وبعد هذا يأتي الفضل كله {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً} على سائرِ الأمم بحَمْلهم أعباءَ هذا الدين الكريم وابلاغه الى الناس. ثم بعد ذلك ينهي الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يهمل الكافرين والمنافقين ولا يحفل بأذاهم، وأن يتوكل على الله وحده ويفوّض أمره إليه كما أَمَرَه في مطلع السورة.. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً}. ثم يبين تشريعاً مهماً لحفظ الأُسرة، وكرامة المرأة وحفظ حقوقها بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}. في هذه الآية الكريمة أمران: الاول: اذا عقدتم عقدكم على امرأة ثم لم يحصَل وِفاق وطلقتموها قبل الدخول فليس عليها عِدّة. الثاني: على المطلّق ان يمتّعِ المطلقةَ بشيء من المال حسب قُدرته حتى يطيبَ خاطرُها وليكون في ذلك بعضُ السلوة لها عما لحِق بها من أذى الطلاق. {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}. سبق في سورة البقرة نفس الموضوع في قوله تعالى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ..... }تفسير : [الآية:236 و 237]. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: من قبل ان تُماسّوهن بضم التاء والف بعدها. والباقون: تمسوهن، بفتح التاء من غير الف بعدها.

د. أسعد حومد

تفسير : (41) - {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ مِنْ عِبَادِهِ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ، فَهُوَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ عَلَيهِمْ، لِمَا لَهُمْ فِي ذِكْرِ اللهِ مِنْ عَظيمِ الثَّوابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أمرنا ربنا سبحانه بذكره ذِكْراً كثيراً؛ لأن الذكْر عمدة العبادات وأيسرها على المؤمن؛ لذلك نجد ربنا يأمرنا به عند الانتهاء من العبادات كالصلاة والصيام والحج، وجعله سبحانه أكبر فقال {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ..} تفسير : [العنكبوت: 45]. والذكر شغل الذاكرة، وهي منطقة في المخ، قُلْنا: إن المعلومة يستقبلها الإنسان في بؤرة شعوره، فإذا أراد أنْ يحتفظ بها لحين الحاجة إليها حفظها في الحافظة، أو في حاشية الشعور، فأنت مثلاً ترى شخصاً فتقول: هذا الرجل لم أَرَهُ منذ عشرين سنة، وآخر مرة رأيته كان في المكان الفلاني. إذن: الذكر لشيء كان موجوداً في بؤرة الشعور، الذكر يعني قضية موجودة عندك بواقع كان لها ساعة وجودها، لكن حصلتْ عنها غفلة نقلتها إلى حاشية الشعور أو الحافظة، بعد ذلك نريد منك ألا تنساها في الحاشية أو في منطقة بعيدة بحيث تحتاج إلى مجهود لتذكرها، إنما اجعلها دائماً في منطقة قريبة لك، بحيث يسهل عليك تذكُّرها دون عناء. وكذلك ينبغي أنْ يكون ذكرك لله، فهو القضية الحيوية التي ينبغي أنْ تظلَّ على ذِكْر لها دائماً وأبداً، وكيف تنسى ذكر ربك وقد أخذ عليك العهد، وأنت في عالم الذرِّ، وأخذ منك الإقرار بأنه سبحانه ربُّك، الحق سبحانه خلق العقل ليستقبل المعلومات بوسائل الإدراك، كما قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. فكأن السمع والبصر هما عُمْدة الحواسِّ، وبهما نعلم ما لم نكُنْ نعلمه حين نزولنا من بطون أمهاتنا، ونحن حين نستقبل المعلومات يظن بعض الناس أن الناس يختلفون في ذلك ذكاءً وبلادةً، فواحد يلتقط المعلومة من مرة واحدة، وآخر يحتاج إلى أنْ تعيدها له عدة مرات. والواقع أن العقل مثل آلة (الفوتوغرافيا) يلتقط المعلومة من مرة واحدة شريطةَ أن يكون خالياً ومستعداً لاستقبالها غير مشغول بغيرها؛ لأن بؤرة الشعور لا تسع ولا تستوعب إلا فكرة واحدة، وهذه المسألة تناولناها في قوله تعالى: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 4]. فالإنسان الذكي هو الذي لا يشغل باله بأمرين في وقت واحد، ولا يفكر في شيء وهو بصدد شيء آخر، فإذا كانت بُؤْرة الشعور خالية فالناس جميعاً سواسية في التقاط المعلومة. لذلك، المدرس الموفّق هو الذي يستطيع أنْ يجتذب إليه انتباه التلاميذ، ولا يعطيهم الفرصة للانشغال بغير الدرس، وهذا لا يتأتى إلا بالتلطُّف إليهم وإشراكهم في الدرس بالأسئلة من حين لآخر، ليظل التلميذ متوقعاً لأنْ يسأل فلا ينشغل، لذلك رأينا أن الطريقة الحوارية هي أنجح طرق التدريس، أما طريقة سَرْد المعلومات فهي تجعل المدرس في وادٍ والتلاميذ في وادٍ آخر، كل منهم يفكر في شيء يشغله. وسبق أنْ قُلْنا: إن الطالب حين يعلم بأهمية درس من الدروس فيذاكره وهو ذاهب للامتحان وهو يصعد السلم إذا جاءه هذا الدرس يجيب عنه بنصه، لماذا؟ لأنه ذاكره في الوقت الحرج والفرصة ضيقة لا تحتمل انشغالاً ولا تهاوناً، فيلتقط العقل كل كلمة ويُسجِّلها، فإنْ أراد استرجاعها جاءت كما هي، لماذا؟ لأنها صادفتْ العقل خالياً غير مشغول. وتأمل عظمة الخالق سبحانه في مسألة التذكُّر، فالذاكرة جزء صغير في المخ، فكيف بالطفل الصغير الذي لا يتجاوز الثامنة يحفظ القرآن كاملاً ويُعيده عليك في أيِّ وقت، ونحن نتعجب من شريط التسجيل الذي يحفظ لنا حلقة أو حلقتين. والقرآن ليس حفظاً فحسب، إنما معايشة، فحروف القرآن ملائكة، لكل حرف منه ملك، والملَك يحب مَنْ يودُّه، فإذا كنتَ على صلة بالقرآن تكثر من تلاوته، فكأنك تود الملائكة، فساعة تريد استرجاع ما حفظت تراصتْ لك الملائكة، وجرى القرآن على لسانك. فإنْ هجرْته هجرك، وتفلَّت من ذاكرتك؛ لذلك حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هجر القرآن، فقال: "حديث : تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشدُّ تفصياً من الإبل في عقلها ". تفسير : وسبق أنْ قُلْنا: إن الذكر هو العبادة الوحيدة التي لا تكلفك شيئاً، ولا تُعطل جارحة من جوارحك، ولا يحتاج منك إلى وقت، ولا إلى مجهود، وليس له وقت مخصوص، فمَنْ ذكر الله قائماً وذكر الله قاعداً وذكر الله على جَنْبه عُدَّ من الذاكرين - هذا بالنسبة لوضعك - ومَنْ ذكر الله بُكْرة، وذكر الله أصيلاً، أو غدواً وعشياً، أصبح من الذاكرين - هذا بالنسبة للزمان. ومن قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حْولَ ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثلاثين مرة في اليوم كُتِبَ من الذاكرين، ومَنِ استيقظ ليلاً فأيقظ أهله، وصلَّى ركعتين فهو من الذاكرين. إذن: فذِكْر الله مسألة سهلة تستطيع أنْ تذكر الله، وأنت تعمل بالفأس، أو تكتب بالقلم، تذكر الله وأنت تأكل أو تشرب .. إلخ فذكر الله وإنْ كان أكبر إلا أنه على المؤمن سهل هَيِّن. وقوله تعالى: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب: 42] التسبيح: هو التقديس، والتقديس هو التنزيه، فعن أيِّ شيء نُنزه الله؟ قالوا: ننزه الله في ذاته، وفي أفعاله، وفي صفاته، فالله تعالى له وجود، ولك أنت وجود، وللنهر وللجبل وجود، لكن وجوده تعالى ليس كوجود ما سواه، وجوده تعالى عن غير عدم، أما وجود ما سواه فوجود عن عدم، هذا في الذات. أما في الأفعال، فالله تعالى له فِعْل كما أن لك فعلاً، لكن نزِّه ربك أنْ يكون فعله كفعلك، وهذا ما قلناه في حادثة الإسراء والمعراج، وفي الفرق بين سَرَى وأسرى به، فإذا كان الفعل لله تعالى فلا تنظر إلى الزمن لأنه ليس فعلك أنت، بل فعلْ الله، وفعل الله بلا علاج، إنما يقول للشيء: كُنْ فيكون. وقلنا: إنه حتى في طاقات البشر نجد الفعل يأخذ من الزمن على قدر قوة فاعله، فالولد الصغير ينقل في ساعة ما ينقله الكبير في دقيقة، فلو قِسْتَ فعلَ الله بقدرته تعالى وجدت الفعل بلا زمن. كذلك نُنزه الله في صفاته، فالله تعالى له سمع نُزِّه أن يكون كسمعك، وله وجه نُزِّه أنْ يكون كوجهك .. إلخ كل هذا في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. وحين تستعرض آيات التسبيح في القرآن تجدها كثيرة، لكن للتسبيح طابع خاص إذا جاء في استهلالات السور، ففي أول الإسراء: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 1]. فبدأت السورة بتنزيه الله لما تحتويه من أحداث عجيبة وغريبة؛ لذلك قال بداية {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 1] فالله له التسبيح والتقديس ثابت قبل أنْ يفعل، وسبحان الله قبل أنْ يوجد المسبِّح، كما أنه تعالى خالق قبل أنْ يوجد مَنْ خلق، فهو بالخالقية فيه أولاً خلق، كما قلنا في الشاعر: تقول فلان شاعر، هل لأنك سمعت له قصيدة أم هو شاعر قبل أن يقولها؟ هو شاعر قبل أنْ يقولها، ولولا أنه شاعر ما قال: والمتتبع لألفاظ التسبيح في القرآن يجد أنه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق المسبِّحين في قوله {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 1] ثم بعد أن خلق الله الخَلْق {أية : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [الحشر: 1]. وما يزال الخلق يُسبِّح في الحاضر: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الجمعة: 1] فتسبيح الله كان وما يزال إلى قيام الساعة، لذلك يأمر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ومعه أمته ألاَّ يخرج عن هذه المنظومة المسبِّحة، فيقول له: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1]. وجاء الأمر بذكر الله وبعد الأمر بتسبيحه تعالى، وكأنه يقول لك كلما ذكرته: نزِّهه ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، فمن مصلحتك في رحلة الحياة ألاَّ يكون لله مثيل ولا شبيه ولا نظير ولا نِدٌّ؛ لأن الجميع سيكونون تحت عَدْله سبحانه، فتنزيه الله لمصلحَتك أنت أيها المسبِّح. وسبق أنْ ذكرنا في ذلك قول أهل الريف (اللي ملوش كبير يشتري له كبير) فوجود كبير فوق الجميع يحميك أنْ يتكبر أحد عليك، إذن: عظمته تعالى وكبرياؤه من أعظم النعم علينا، فساعة تُسبِّحه وتُنزِّهه أحمد الله لأنه مُنزَّه، احمد الله أنه لا شريكَ له، وأن الناس جميعاً عنده سواء، احمد الله لأن كلامه وأمره نافذ على الجميع، احمد الله أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وليس بينه وبين أحد من خَلْقه نَسَب. وكيف لا نذكر الله ولا نسبّحه ونحمده، وهو سبحانه الذي خلق الخَلْق، وقبل أنْ يخلقهم رتَّب لهم غاياتهم - والخَلْق: إيجاد على تقدير لغاية - بل وأعدَّ لهم ما يخدمهم، فطرأ الإنسان على كون مُعَدٍّ لاستقباله، فقبل أنْ يخلقه خلق له. ثم ما كلفك بمنهجه مباشرة، إنما تركك تربع في نعمه، منذ ميلادك إلى سِنِّ البلوغ بدون تكليف، ومعنى البلوغ أنْ تصل سنَّ الرشد فتُقبل على الله بعقل وفكر، فالدين ليس تقليداً إنما عقيدة واقتناع. وسبق أنْ شبَّهنا نضج الإنسان بنضج الثمرة، فالثمرة لا تحلو إلا حين تنضج بذرتها، وتصير صالحة للإنبات إنْ زُرعت، وهذه من عظمة الخالق سبحانه، ولو أن الثمرة تحلو وتستوي قبل نُضْج بذرتها لأكلنا الثمار مرة واحدة، ولما انتفع بها أحد بعدنا، ومثَّلْنا لذلك ببذرة البطيخ إن وجدتها سوداء صلبة فاعلم أن ثمرتها استوت وحَلَتْ وصارتْ صالحة للأكل، وهذه المسألة جعلها الخالق سبحانه لحفظ النوع. شيء آخر: بعد أن بلغتْ سنَّ التكليف، أجاءك التكليف مستوعباً لكل حركة في حياتك؟ أجاء قَيْداً لك؟ حين تتأمل مسائل التكليف تجدها في نطاق محدود أمرك الله فيه بافعل كذا ولا تفعل كذا، وهذه المنطقة لا تشغل أكثر من خمسة في المائة من حركة حياتك، وترك لك نسبة الخمسة والتسعين أنت حُرٌّ فيها، تفعل أو لا تفعل، فأيُّ عظمة هذه! وأيُّ رحمة التي يعاملنا بها ربنا عز وجل! وهذا إنْ دلَّ فإنما يدلُّ على حبِّ الخالق سبحانه لخَلْقه وصنعته. أفلا يستوجب ذلك منَّا ألاَّ نغفل عن ذكره، وأن نكثر من تسبيحه وشكره، في كل غدوة وعشية. والأعظم من هذا كله أنه - سبحانه وتعالى - جعل ذِكْرك له وتسبيحك إياه لصالحك أنت، وفي ميزانك؛ لذلك قال في الآية التي بعدها: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى المؤمنين، بذكره ذكرا كثيرًا، من تهليل، وتحميد، وتسبيح، وتكبير وغير ذلك، من كل قول فيه قربة إلى اللّه، وأقل ذلك، أن يلازم الإنسان، أوراد الصباح، والمساء، وأدبار الصلوات الخمس، وعند العوارض والأسباب. وينبغي مداومة ذلك، في جميع الأوقات، على جميع الأحوال، فإن ذلك عبادة يسبق بها العامل، وهو مستريح، وداع إلى محبة اللّه ومعرفته، وعون على الخير، وكف اللسان عن الكلام القبيح. { وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا } أي: أول النهار وآخره، لفضلها، وشرفها، وسهولة العمل فيها. أي: من رحمته بالمؤمنين ولطفه بهم، أن جعل من صلاته عليهم، وثنائه، وصلاة ملائكته ودعائهم، ما يخرجهم من ظلمات الذنوب والجهل، إلى نور الإيمان، والتوفيق، والعلم، والعمل، فهذه أعظم نعمة، أنعم بها على العباد الطائعين، تستدعي منهم شكرها، والإكثار من ذكر اللّه، الذي لطف بهم ورحمهم، وجعل حملة عرشه، أفضل الملائكة، ومن حوله، يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا فيقولون: {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِي السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }. تفسير : فهذه رحمته ونعمته عليهم في الدنيا. وأما رحمته بهم في الآخرة، فأجل رحمة، وأفضل ثواب، وهو الفوز برضا ربهم، وتحيته، واستماع كلامه الجليل، ورؤية وجهه الجميل، وحصول الأجر الكبير، الذي لا يدري ولا يعرف كنهه، إلا من أعطاهم إياه، ولهذا قال: { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا }.