Verse. 357 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

قُلْ يٰۗاَھْلَ الْكِتٰبِ تَعَالَوْا اِلٰى كَلِمَۃٍ سَوَاۗءٍؚبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اَلَّا نَعْبُدَ اِلَّا اللہَ وَلَا نُشْرِكَ بِہٖ شَـيْـــًٔـا وَّلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا اَرْبَابًا مِّنْ دُوْنِ اؘ۝۰ۭ فَاِنْ تَوَلَّوْا فَقُوْلُوا اشْہَدُوْا بِاَنَّا مُسْلِمُوْنَ۝۶۴
Qul ya ahla alkitabi taAAalaw ila kalimatin sawain baynana wabaynakum alla naAAbuda illa Allaha wala nushrika bihi shayan wala yattakhitha baAAduna baAAdan arbaban min dooni Allahi fain tawallaw faqooloo ishhadoo bianna muslimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل يا أهل الكتاب» اليهود والنصارى «تعالوا إلى كلمة سواءٍ» مصدر بمعنى مستو أمرها «بيننا وبينكم» هي «أ» ن «لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا أربابا من دون الله» كما اتخذتم الأحبار والرهبان «فإن تولَّوْا» أعرضوا عن التوحيد «فقولوا» أنتم لهم «اشهدوا بأنا مسلمون» موحدون.

64

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أورد على نصارى نجران أنواع الدلائل وانقطعوا، ثم دعاهم إلى المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا الصغار بأداء الجزية، وقد كان عليه السلام حريصاً على إيمانهم، فكأنه تعالى قال: يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد كل عقل سليم وطبع مستقيم أنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال، و {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } أي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، ولا ميل فيه لأحد على صاحبه، وهي {أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } هذا هو المراد من الكلام ولنذكر الآن تفسير الألفاظ. أما قوله تعالى: {يا أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ } ففيه ثلاثة أقوال أحدها: المراد نصارى نجران والثاني: المراد يهود المدينة والثالث: أنها نزلت في الفريقين، ويدل عليه وجهان الأول: أن ظاهر اللفظ يتناولهما والثاني: روي في سبب النزول، أن اليهود قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام، ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى! وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير! فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعندي أن الأقرب حمله على النصارى، لما بينا أنه لما أورد الدلائل عليهم أولاً، ثم باهلهم ثانياً، فعدل في هذا المقام إلى الكلام المبني على رعاية الإنصاف، وترك المجادلة، وطلب الإفحام والإلزام، ومما يدل عليه، أنه خاطبهم ههنا بقوله تعالى: {يا أهلَ ٱلْكِتَـٰبِ } وهذا الاسم من أحسن الأسماء وأكمل الألقاب حيث جعلهم أهلاً لكتاب الله، ونظيره، ما يقال لحافظ القرآن يا حامل كتاب الله، وللمفسر يا مفسر كلام الله، فإن هذا اللقب يدل على أن قائله أراد المبالغة في تعظيم المخاطب وفي تطييب قلبه، وذلك إنما يقال عند عدول الإنسان مع خصمه عن طريقة اللجاج والنزاع إلى طريقة طلب الإنصاف. أما قوله تعالى: {تَعَالَوْاْ } فالمراد تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن لم يكن انتقالاً من مكان إلى مكان لأن أصل اللفظ مأخوذ من التعالي وهو الارتفاع من موضع هابط إلى مكان عال، ثم كثر استعماله حتى صار دالاً على طلب التوجه إلى حيث يدعى إليه. أما قوله تعالى: {إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا } فالمعنى هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه، والسواء هو العدل والإنصاف، وذلك لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف، فإن الواجب في العقول ترك الظلم على النفس وعلى الغير، وذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف، فإذا أنصف وترك ظلمه أعطاه النصف فقد سوى بين نفسه وبين غيره وحصل الاعتدال، وإذا ظلم وأخذ أكثر مما أعطى زال الاعتدال فلما كان من لوازم العدل والإنصاف التسوية جعل لفظ التسوية عبارة عن العدل. ثم قال الزجاج {سَوَآء } نعت للكملة يريد: ذات سواء، فعلى هذا قوله {كَلِمَةٍ سَوَاء } أي كلمة عادلة مستقيمة مستوية، فإذا آمنا بها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة، ثم قال: {أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: محل {أن} في قوله أن لا نعبد، فيه وجهان الأول: إنه رفع بإضمار، هي: كأن قائلاً قال: ما تلك الكلمة؟ فقيل هي أن لا نعبد إلا الله والثاني: خفض على البدل من: كلمة. المسألة الثانية: إنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء أولها: {أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ } وثانيها: أن {لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } وثالثها: أن {لاَّ يَتَّخِذِ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ } وإنما ذكر هذه الثلاثة لأن النصارى جمعوا بين هذه الثلاثة فيعبدون غير الله وهو المسيح، ويشركون به غيره وذلك لأنهم يقولون إنه ثلاثة: أب وابن وروح القدس، فأثبتوا ذوات ثلاثة قديمة سواء، وإنما قلنا: إنهم أثبتوا ذوات ثلاثة قديمة، لأنهم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح، وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين وإلا لما جازت عليهما مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم، ولما أثبتوا ذوات ثلاثة مستقلة فقد أشركوا، وأما إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله فيدل عليه وجوه: أحدها: إنهم كانوا يطيعونهم في التحليل والتحريم والثاني: إنهم كانوا يسجدون لأحبارهم والثالث: قال أبو مسلم: من مذهبهم أن من صار كاملاً في الرياضة والمجاهدة يظهر فيه أثر حلول اللاهوت، فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فهم وإن لم يطلقوا عليه لفظ الرب إلا أنهم أثبتوا في حقه معنى الربوبية والرابع: هو أنهم كانوا يطيعون أحبارهم في المعاصي، ولا معنى للربوبية إلا ذلك، ونظيره قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تفسير : [الجاثية: 23] فثبت أن النصارى جمعوا بين هذه الأمور الثلاثة، وكان القول ببطلان هذه الأمور الثلاثة كالأمر المتفق عليه بين جمهور العقلاء وذلك، لأن قبل المسيح ما كان المعبود إلا الله، فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح على هذا الوجه، وأيضاً القول بالشركة باطل باتفاق الكل، وأيضاً إذا كان الخالق والمنعم بجميع النعم هو الله، وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والطاعة إلا إليه، دون الأحبار والرهبان، فهذا هو شرح هذه الأمور الثلاثة. ثم قال تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } والمعنى إن أبوا إلا الإصرار، فقولوا إنا مسلمون، يعني أظهروا أنكم على هذا الدين، لا تكونوا في قيد أن تحملوا غيركم عليه.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الخطاب في قول الحسن وٱبن زيد والسدي لأهل نجران. وفي قول قتادة وٱبن جريج وغيرهما ليهود المدينة، خوطبوا بذلك لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة لهم كالأرباب. وقيل: هو لليهود والنصارى جميعاً. وفي كتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى هِرقل. «حديث : بسم الله الرحمن الرحيم ـ من محمد رسول الله إلى هِرقل عظِيم الروم سلام على من ٱتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلِم تسلم وأسلِم يؤتِك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ} إلى قوله: {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} »تفسير : . لفظ مسلم. والسواء العدل والنصفة؛ قاله قتادة. وقال زهير:شعر : أروني خُطّة لا ضَيْم فيها يُسَوّي بيننا فيها السَّوَاء تفسير : الفرّاء: ويقال في معنى العدل سِوًى وسُوًى، فإذا فتحت السين مددت وإذا كسرت أو ضممت قصرت؛ كقوله تعالى: {مَكَاناً سُوًى}. قال: وفي قراءة عبد الله «إلى كلمة عدل بيننا وبينكم» وقرأ قَعْنَب «كِلْمَة» بإسكان اللام، ألقى حركة اللام على الكاف؛ كما يقال كبد. فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق؛ وقد فسرها بقوله تعالى: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} فموضع «أن» خفض على البدل من «كلمة»، أو رفع على إضمار مبتدأ، التقدير هي أن لا نعبد إلاَّ الله. أو تكون مفسرة لا موضع لها، ويجوز مع ذلك في «نعبد» وما عطف عليه الرفع والجزم: فالجزم على أن تكون «أن» مفسرة بمعنى أي؛ كما قال عز وجل: {أَنِ ٱمْشُواْ} وتكون «لا» جازمة. هذا مذهب سيبويه. ويجوز على هذا أن ترفع «نعبد» وما بعده يكون خبراً. ويجوز الرفع بمعنى أنه لا نعبد؛ ومثله {أن لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً}. وقال الكسائي والفرّاء: {وَلاَ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذْ} بالجزم على التوهم أنه ليس في أوّل الكلام أن. الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى. وهو نظير قوله تعالى: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31] معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله. وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرّد الذي لا يستند إلى دليل شرعيّ؛ قال الكيا الطبريّ: مثل ٱستحسانات أبي حنيفة في التقديرات التي قدّرها دون مستندات بينة. وفيه ردّ على الروافض الذين يقولون: يجب قبول (قول) الإمام دون إبانة مستند شرعيّ، وأنه يحل ما حرّمه الله من غير أن يبين مستنداً من الشريعة. وأرباب جمع رب. و «دون» هنا بمعنى غير. الثالثة ـ قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عما دعوا إليه. {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي متصفون بدين الإسلام منقادون لأحكامه معترفون بما لِلّه علينا في ذلك من المِنَن والإنعام، غير متّخذين أحداً ربّاً لا عيسى ولا عُزَيراً ولا الملائكة؛ لأنهم بشر مثلنا محدَث كحدوثنا،. ولا نقبل من الرّهبان شيئاً بتحريمهم علينا ما لم يحرّمه الله علينا، فنكون قد ٱتخذناهم أرباباً. وقال عكرمة: معنى «يَتّخِذَ» يسجد. وقد تقدّم أن السجود كان إلى زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم مُعَاذاً لما أراد أن يسجد؛ كما مضى في البقرة بيانه. وروى أنس بن مالك قال: حديث : قلنا يا رسول الله، أينحني بعضنا لبعض؟ قال «لا» قلنا: أيعانق بعضنا بعضاً؟ قال «لا ولكن تصافحوا» تفسير : أخرجه ٱبن ماجه في سننه. وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في سورة «يوسف» (إن شاء الله)، وفي «الواقعة» مس القرآن أو بعضه على غير طهارة إن شاء الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم. {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ} والكلمة تطلق على الجملة المفيدة، كما قال ههنا، ثم وصفها بقوله: {سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي: عدل ونصف، نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} لا وثناً، ولا صليباً، ولا صنماً، ولا طاغوتاً، ولا ناراً، ولا شيئاً، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ}تفسير : [الأنبياء: 25] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ}تفسير : [النحل: 36] ثم قال تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ}، قال ابن جريج: يعني: يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله، وقال عكرمة: يسجد بعضنا لبعض {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي: فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة، فَأَشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم. وقد ذكرنا في شرح البخاري عند روايته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن أبي سفيان في قصته حين دخل على قيصر، فسأله عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن صفته ونعته وما يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك على الجلية، مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مشركاً، لم يسلم بعد، وكان ذلك بعد صلح الحديبية وقبل الفتح، كما هو مصرح به في الحديث، ولأنه لما سأله: هل يغدر؟ قال: فقلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، قال: ولم يمكني كلمة أزيد فيها شيئاً سوى هذه، والغرض أنه قال: ثم جيء بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه فإذا فيه: «حديث : "بسم الله الرحمن الرحيم" من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و{يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}».تفسير : وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، نزلت في وفد نجران. وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية، ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري؟ والجواب من وجوه (أحدها): يحمتل أن هذه الآية نزلت مرتين، مرة قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح. (الثاني): يحتمل أن صدر سورة آل عمران، نزل في وفد نجران إلى هذه الآية، وتكون هذه الآية، نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق: إلى بضع وثمانين آية، ليس بمحفوظ؛ لدلالة حديث أبي سفيان. (الثالث): يحتمل أن قدوم وفد نجران، كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه مصالحة عن المباهلة، لا على وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نزول آية الجزية بعد ذلك على وفق ذلك، كما جاء فرض الخمس والأربعة أخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك. (الرابع): يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما أمر بكتب هذا في كتابه إلى هرقل، لم يكن أنزل بعد، ثم أنزل القرآن موافقة له صلى الله عليه وسلم، كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب في الحجاب وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين، وفي قوله: {أية : وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِيمَ مُصَلًّى}تفسير : [البقرة: 125] وفي قوله: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَٰجاً خَيْراً مِّنكُنَّ}}تفسير : [التحريم: 5] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ لْكِتَٰبِ } اليهود والنصارى {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ } مصدر بمعنى مستو أمرها {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } هي {أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ } كما اتخذتم الأحبار والرهبان {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عن التوحيد {فَقُولُواْ } أنتم لهم {ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } موحِّدون.

الشوكاني

تفسير : قيل: الخطاب لأهل نجران بدليل ما تقدم قبل هذه الآية. وقيل: ليهود المدينة، وقيل: لليهود والنصارى جميعاً، وهو: ظاهر النظم القرآني، ولا وجه لتخصيصه بالبعض؛ لأن هذه دعوة عامة لا تختص بأولئك الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والسواء: العدل. قال الفراء: يقال في المعنى العدل: سوى، وسواء، فإذا فتحت السين مددت، وإذا ضممت، أو كسرت قصرت. قال زهير:شعر : أرونيّ خُطَّةً لا ضَيْم فيها يُسَوِّيَّ بيننا فيها السَّوَاءُ تفسير : وفي قراءة ابن مسعود: «إلى كلمة عدل بيننا، وبينكم» فالمعنى: أقبلوا إلى ما دعيتم إليه، وهي: الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق، وقد فسرها بقوله: {أَلا نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} وهو: في موضع خفض على البدل من كلمة، أو رفع على إضمار مبتدأ، أي: هي ألا نعبد، ويجوز أن تكون "أن" مفسرة لا موضع للجملة التي دخلت عليها، وفي قوله: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا } تبكيت لمن اعتقد ربوبية المسيح، وعزير، وإشارة إلى أن هؤلاء من جنس البشر، وبعض منهم، وإزراء على من قلد الرجال في دين الله، فحلل ما حللوه له، وحرم ما حرموه عليه، فإن من فعل ذلك، فقد اتخذ من قلده ربا، ومنه {أية : ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 31] وقد جوّز الكسائي، والفراء الجزم في {وَلاَ نُشْرِكَ } ولا يتخذ) على التوهم. قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي: أعرضوا عما دعوا إليه: {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي: منقادون لأحكامه مرتضون به معترفون بما أنعم الله به علينا من هذا الدين القويم. وقد أخرج البخاري، ومسلم، والنسائي، عن ابن عباس قال: حدّثني أبو سفيان أن هرقل دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم الأريسيين، و{يا أهل الكتاب تعالوا، إلى كلمة سواء بيننا، وبينكم} إلى قوله: {بأنا مسلمون}». وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكفار {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود المدينة إلى ما في هذه الآية، فأبوا عليه، فجاهدهم حتى أقرّوا بالجزية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة السواء. وأخرج ابن جرير، عن الربيع نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة: {إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء } قال: عدل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا } قال لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله؛ ويقال: إن تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم، وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يصلوا لهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا } قال: سجود بعضهم لبعض.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية وفي المقصود بذلك قولان: أحدهما: أنهم نصارى نجران، وهذا قول الحسن والسدي وابن زيد. والثاني: انهم يهود المدينة، وهذا قول قتادة، والربيع، وابن جريح. {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} فيه تأويلان: أحدهما: هو طاعة الاتباع لرؤسائهم في أوامرهم بمعاصي الله، وهذا قول ابن جريح. والثاني: سجود بعضهم لبعض، هذا قول عكرمة.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَعَالَوْاْ} خطاب لنصارى نجران، أو ليهود المدينة، {أرْبَابًا} هو سجود بعضهم لبعض، أو طاعة الأتباع للرؤساء.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِلَىٰ كَلِمَةٍ} مُتَعَلِّق بـ "تَعَالَوْا" فذكر مفعول "تَعَالَوْا" بخلاف "تَعَالَوْا" قبلها، فإنه لم يذكر مفعوله؛ فإن المقصودَ مُجَرَّدُ الإقبال، ويجوز أن يكون حذفه للدلالة عليه، تقديره: تعالوا إلى المباهلة. وقرأ العامة "كَلِمَةٍ" - بفتح الكاف وكسر اللام - وهو الأصل، وقرأ أبو السَّمَّال "كِلْمَةٍ" بوزن سدرة و "كَلْمَةٍ" كَضَرْبَة وتقدم هذا قريباً. وكلمة مفسَّرة بما بعدها - من قوله: "ألاّ نَعْبُدَ إلاَّ الله" - فالمرادُ بها كَلاَمٌ كَثِيرٌ، وهَذا مِنْ بَابَ إطلاق الجزء والمراد به الكل، ومنه تسميتهم القصيدة جميعاً قافيةً - والقافية جزء منها قال: [الوافر] شعر : 1496- أعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ فَلَمَّا اشتدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي وَكَمْ عَلَّمْـُهُ نَظْمَ الْقَوَافِي فَلَمَّا قَالَ قَافِيَةً هَجَانِي تفسير : ويقولون كلمة الشهادة - يعنون: لا إله إلا الله، مُحَمدٌ رَسُولُ اللهِ - وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالهَا شاعرٌ كلمة لبِيدٍ ". تفسير : يريد: [الطويل] شعر : 1497- ألا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ وَكُلُّ نَعِيمٍ - لا مَحَالَةَ - زَائِلُ تفسير : وهذا كما يسمون الشيء بجزئه في الأعيان، لأنه المقصود منه، قالوا لرئيس القوم - وهو الذي ينظر لهم ما يحتاجون إليه -: عَيْن، فأطلقوا عليه "عيناً". وقال بعضهم: وُضِعَ المفردُ موضعَ الجمع، كما قال: [الطويل] شعر : 1498- بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى، فَأمَّا عِظَامُهَا فَبِيضٌ، وَأمَّا جِلدُهَا فَصَلِيبُ تفسير : وقيل: أطلقت الكلمة على الكلمات؛ لارتباط بعضها ببعضٍ، فصارت في قوة الكلمة الواحدة - إذا اخْتلَّ جُزْءٌ منها اختلت الكلمةُ؛ لأن كلمة التوحيد - لا إله إلا الله - هي كلماتٌ لا تتم النسبة المقصودة فيها من حصر الإلهية في "الله" إلا بمجموعها. وقرأ العامة "سَوَاءٍ" بالجر؛ نعتاً لِـ "كَلِمَةٍ" بمعنى عَدْلٍ، ويدل عليه قراءة عبد الله: إلى كلمة عدل، وهذا تفسير لا قراءة. وسواء في الأصل - مصدر، ففي الوصف التأويلات الثلاثة المعروفة، ولذلك لم يُؤنث كما لم تؤنث بـ "امرأة عدل"؛ لأن المصادر لا تُثَنَّى، ولا تُجْمَع، ولا تُؤنَّثُ، فإذا فتحت السين مَدَدْتَ، وإذا كسرتَ أو ضممت قصرت، كقوله: {أية : مكَانًا سُوًى}تفسير : [طه: 58]. وقرأ الحسن "سَوَاءٌ" بالنصب، وفيها وجهان: أحدهما: نصبها على المصدر. قال الزمخشريُّ: "بمعنى: اسْتَوْتِ اسْتِوَاءً"، وكذا الحوفيّ. والثاني: أنه منصوب على الحال، وجاءت الحالُ من النكرةِ، وقد نصَّ عليه سيبويه. قال أبو حيّان: "ولكن المشهور غيره، والذي حسَّن مجيئَها من النكرة - هنا - كونُ الوَصْفِ بالمصدر على خلاف الأصل، و الصفة والحال متلاقيان من حيث المعنى". وكأن أبا حيان غض من تخريج الزمخشريِّ و الحوفيّ، فقال: "والحال والصفة متلاقيان من حيثُ المعنى، والمصدر يحتاج إلى إضمار عاملٍ، وإلى تأويل "سواء" بمعنى استواء". والأشهر استعمال "سَوَاء" بمعنى اسم الفاعل - أي: مُسْتوٍ. قال شهاب الدين: "وبذلك فسَّرها ابن عباس، فقال: إلى كَلِمَةٍ مُسْتَوِيَةٍ". قوله: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} فيه ستة أوجهٍ: أحدها: أنه بدل من "كَلِمةٍ" - بدل كل من كل. الثاني: بدل من "سَوَاء" جوزه أبو البقاء؛ وليس بواضح، لأن المقصود إنما هو الموصوف لا صفته فنسبة البدلية إلى الموصوف أوْلَى، وعلى الوجهين فـ "أنْ" وما في حَيِّزها في محل جَرٍّ. الثالث: أنه في محل رَفْع؛ خبراً لمبتدأ مُضْمَرٍ، والجملة استئناف، جواب لسؤال مقدَّر، كأنه لما قيل: {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلَمَةٍ} قال قائل: ما هي؟ فقيل: هي أن لا نعبد إلا الله، وعلى هذا الأوجه الثلاثة فـ "بَيْنَ" منصوب بـ "سَوَاءٍ" ظرفاً له، أي: يقع الاستواء في هذه الجهة. وقد صرَّح بذلك [الشاعر]، حيث قال: [الوافر] شعر : 1499- أرُونِي خُطَّةً لا عَيبَ فيهَا يُسَوِّي بَيْنَنَا فِيهَا السَّوَاءُ تفسير : والوقف التام - حينئذ - عند قوله: {مِّن دُونِ ٱللَّهِ}؛ لارتباط الكلام معنًى وإعراباً. الرابع: أن يكون "أنْ" وما في حَيِّزها في محل رفع بالابتداء، والخبرُ: الظرفُ قبله. الخامس: جوَّز أبو البقاء أن يكون فاعلاً بالظرف قبله، وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش؛ إذا لم يعتمد الظرفُ. وحينئذ يكون الوقف على "سَوَاءٍ" ثم يبتدأ بقوله: {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} وهذا فيه بُعْدٌ من حيثُ المعنى، ثم إنهم جعلوا هذه الجملة صفة لـ "كَلِمةٍ"، وهذا غلط؛ لعدم رابطة بين الصفة والموصوف، وتقدير العائد ليس بالسهل. وعلى هذا فَقوْل أبي البقاء: وقيل: تم الكلامُ على "سَوَاءٍ"، ثم استأنف، فقال: {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ}، أي: بيننا وبينكم التوحيد، فعلى هذا يكون {أَلاَّ نَعْبُدَ} مبتدأ، والظرف خبره، والجملة صفة لـ "الكلمة"، غير واضح؛ لأنه - من حيث جعلها صفة - كيف يحسن أن يقول: تم الكلام على "سَوَاءٍ" ثم استأنف؟ بل كان الصواب - على هذا الإعراب - أن تكون الجملة استئنافية - كما تقدم. السادس: أن يكون: {أَلاَّ نَعْبُدَ} مرفوعاً بالفاعلية بـ "سَوَاءٍ"، وإلى هذا ذَهَب الرُّمَّانِيُّ؛ فإن التقدير - عنده - إلى كلمة مستوٍ فيها بيننا وبينكم عدم عبادةُ غيرِ الله تعالى. قال أبو حيّان: "إلا أن فيه إضمارَ الرابطِ - وهو فيها - وهو ضعيف". فصل لما أوْرَد صلى الله عليه وسلم على نصارى نجران أنواعَ الدلائل، دعاهم إلى الْمُبَاهَلَةِ فخافوا، وما شرعوا فيها، وقبلوا الصَّغَارَ بأداء الجزية، وكان صلى الله عليه وسلم حريصاً على إيمانهم، فكأنه - تعالى - قال: يا محمدُ، اترك ذلك المنهجَ من الكلام، واعدل [إلى] منهج آخرَ يشهد كلُّ ذي عقل سليم، وطبع مستقيم أنه [متين] مبنيٌّ على الإنصاف وتَرْك الجدال "قل يا أهل الكتاب هلموا إلى كلمة سواءٍ" فيها إنصافٌ لبعضنا من بعض، ولا ميل فيها لأحدٍ على صاحبه، وهي: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} فهذا وَجْهُ النَّظم. فصل وفي المراد بأهل الكتاب ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد: نصارَى نجرانَ. الثاني: اليهود من المدينة. الثالث: أنها نزلت في الفريقين، ويدل على هذا وجهان: الأول: أن ظاهر اللفظ يتناولهما. الثاني: قال المفسّرون - في سبب النزولِ -: قدم وَفْد نجران المدينة، فالتَقَوْا مع اليهود، واختصموا في إبراهيم - عليه السلامُ - فزعمت النصارى أنه كان نَصْرانيًّا، وأنه على دينهم، وأنهم وهم على دينه وأوْلَى الناس به، [وقالت] اليهودُ: بل كان يهودياً، ,أنهم على دينه، وأوْلَى الناس به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كِلاَ الْفَرِيْقَيْنِ بَرِيءٌ من إبْرَاهِيمَ وَدِيْنِهِ؛ كَانَ حَنيفاً مسلِماً، وَأنَا عَلَى دِينِهِ فاتَّبِعُوا دِينَهُ الإسْلامَ تفسير : فقالت اليهودُ: يا محمدُ، ما تريد إلا أن نتخذَك رَبًّا كما اتخذت النصارى عيسى ربًّا، وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك، كما قالت اليهود في عُزَيْرٍ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال ابن الخطيب: "وعندي أن الأقرب حَمْلُه على النصارى؛ لما بيَّنَّا في وجه النَّظْم أنه لما أورد - الدلالة عليهم أولاً، ثم باهلهم ثانياً، فعدل عن هذا المقام إلى الكلام المبني على غاية الإنصاف، وترك المجادلةِ، وطلبِ الإقْحام والإلزام، ويدل عليه أنه خاطَبَهُم - هنا - بقوله: {يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ}، وهذا الاسم من أحسن الأسماء، وأكمل الألقاب؛ حيث جعلهم أهلاً للكتاب، ونظيره ما يقال لحافظ القرآن: حَامِلَ كتاب الله العزيز، وللمفسِّر يا مُفَسِّرَ كلام اللهِ، فإن هذا اللقبَ يدل على أن قائله أراد المبالغة في تعظيم المخاطَب، وتَطْييب قَلْبِه، وذلك إنما يُقال عند عدول الإنسانِ مع خَصْمه عن طريقة اللَّجَاج والنزاع إلى طريقة طلب الإنْصَافِ". قوله: {تَعَالَوْا} هَلُمُّوا {إِلَىٰ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ} فيها إنصافٌ من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه. والسواء: هو العَدْل والإنصاف؛ لأن حقيقةَ الإنصاف إعطاء النصف، فإن الواجب في العقول ترك الظلم على النفس وعلى الغير، وذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف؛ لكي يُسَوِّي بين نفسه وبين الغير. ثم إنه تعالى ذكر ثلاثةَ أشياءَ: الأول: أن لا نعبدَ إلا اللهَ. الثاني: أن لا نُشْركَ به شيْئاً. الثالث: أن لا يتخذَ بعضُنا بعضاً أرْباباً مِن دونِ اللهِ. ودون - هذه - بمعنى: "غير". إنما ذكر هذه الثلاثة؛ لأن النصارَى جمعوا بينها، فعبدوا غيرَ الله - وهو المسيح - وأشركوا بالله غيره؛ لأنهم يقولون: إنه ثلاثة: أب وابن وروح القدس، واتخذوا أحبارهم أرباباً من دون الله؛ لأنهم كانوا يطيعونهم في التحليل والتحريم، وكانو يسجدون لهم، ويطيعونهم في المعاصي، قال تعالى: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31]. قال أبو مُسْلِم: ومذهبهم أن مَن صار كاملاً في الرياضة والمجاهدة ظهر فيه أثَرُ اللاهوت، فيقدر على إحياء الموتَى، وإبراء الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فإنهم - وإن لم يُطْلقوا عليه لفظ "الرَّبِّ" - أثبتوا في حقه معنى الربوبية، وهذه الأقوال الثلاثة باطلة. أما الأول: فإن قبل المسيح ما كان المعبود إلا الله، فوجب أن يَبْقَى الأمر بعد ظهور المسيح على ما كان. الثاني: والقول بالشرك باطل باتفاق الكُلِّ. والثالث: - أيضاً باطل -؛ لأنه إذا كان الخالق والرازق والمُنْعِم - بجميع النعم - هو الله وجب أن لا يرجع في التحليل، والتحريم، والانقياد، والطاعة إلا إليه، - دون الأحْبار والرُّهبان. وقوله: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} قال القرطبي: معنى قوله: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه، إلا فيما حلَّلَه الله - تعالى - وهو نظير قوله تعالى: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31] أي: أنزلوهم منزلةَ ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لِما لم يحرمْه الله ولم يحللْه، وهذا يدل على بُطْلان القول بالاستحسان المجردِ الذي لا يستند إلى دليلٍ شرعيٍّ. قال إلكيا الطبريُّ: "مثل [استحسانات] أبي حنيفة في التقديرات التي قدرها دون [مستندات بينة]". قال عكرمةُ: "هو سجودُ بعضهم لبعض"، أي: لا نسجد لغير الله، وكان السجود إلى زمان نبينا عليه السلامُ - ثم نُهِيَ عنه. وروى ابن ماجه - في سننه - عن أنس، قال: حديث : "قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أيَنحَنِي بَعْضُنَا لِبَعْضٍ؟ قال: لاَ، قُلْنَا: أيُعَانِقُ بَعْضُنَا بَعْضاً؟ قَالَ: لا، وَلَكِنْ تَصَافَحُوا ". تفسير : وقيل: لا نطيع أحداً في معصية الله. قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ}. قال أبو البقاء: هو ماضٍ، ولا يجوز أن يكون التقدير: "فإن تتولوا" لفساد المعنى؛ لأن قوله: {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ} خطاب للمؤمنين، و "يَتولّوا" للمشركين وعند ذلك لا يبقى في الكلام جوابُ الشرط، والتقدير: فقولوا لهم وهذا ظاهر. والمعنى: إن أبَوْا إلا الإصرارَ فقولوا لهم: اشْهَدُوا بأنا مسلمون [مخلصون بالتوحيد].

البقاعي

تفسير : ولما نكصوا عن المباهلة بعد أن أورد عليهم أنواع الحجج فانقطعوا، فلم تبق لهم شبهة وقبلوا الصغار والجزية، فعلم انحلالهم عما كانوا فيه من المحاجة ولم يبق إلا إظهار النتيجة، اقتضى ذلك عظم تشوفه صلى الله عليه وسلم إليها لعظم حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق، فأمره بأن يذكرها مكرراً إرشادهم بطريق أخف مما مضى بأن يؤنسهم فيما يدعوهم إليه بالمؤاساة، فيدعو دعاء يشمل المحاجين من النصارى وغيرهم ممن له كتاب من اليهود وغيرهم إلى الكلمة التي قامت البراهين على حقيتها ونهضت الدلائل على صدقها، دعاء لا أعدل منه، على وجه يتضمن نفي ما قد يتخيل من إرادة التفضل عليهم والاختصاص بأمر دونهم، وذلك أنه بدأ بمباشرة ما دعاهم إليه ورضى لهم ما رضي لنفسه وما اجتمعت عليه الكتب واتفقت عليه الرسل فقال سبحانه وتعالى: {قل} ولما كان قد انتقل من طلب الإفحام خاطبهم تلطفاً بهم بما يحبون فقال: {يا أهل الكتاب} إشارة إلى ما عندهم في ذلك من العلم {تعالوا} أي ارفعوا أنفسكم من حضيض الشرك الأصغر والأكبر الذي أنتم به {إلى كلمة} ثم وصفها بقوله: {سواء} أي ذات عدل لا شطط فيه بوجه {بيننا وبينكم} ثم فسرها بقوله: {ألا نعبد إلا الله} أي لأنه الحائز لصفات الكمال، وأكد ذلك بقوله: {ولا نشرك به شيئاً} أي لا نعتقد له شريكاً وإن لم نعبده. ولما كان التوجه إلى غير الله خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى عبر بصيغة الافتعال فقال: {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً} أي كعزير والمسيح والأحبار والرهبان الذين يحلون ويحرمون. ولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربي بنوع تربية نبه على أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد، والأجتراء على ما يختص به الله سبحانه وتعالى فقال: {من دون الله} الذي اختص بالكمال. ولما زاحت الشكوك وانتفت العلل أمر بمصارحتهم بالخلاف في سياق ظاهره المتاركة وباطنه الإنذار الشديد المعاركة فقال - مسبباً عن ذلك مشيراً بالتتعبير بأداة الشك إلى أن الإعراض عن هذا العدل لا يكاد يكون: {فإن تولوا} أي عن الإسلام له في التوحيد {فقولوا} أنتم تبعاً لأبيكم إبراهيم عليه السلام إذ قال: {أية : أسلمت لرب العالمين}تفسير : [البقرة: 131] وامتثالاً لوصيته إذ قال:{أية : ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} تفسير : [البقرة: 132] {اشهدوا بأنا} أي نحن {مسلمون *} أي متصفون بالإسلام منقادون لأمره، فيوشك أن يأمرنا نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالكم لنصرته عليكم جرياً على عادة الرسل، فنجيبه بما أجاب به الحواريون المشهدون بأنهم مسلمون، ثم نبارزكم متوجهين إليه معتمدين عليه، وأنتم تعرفون أيامه الماضية ووقائعه السالفة. ولما علم أهل الكتاب ما جبل عليه العرب من محبة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن محمداً صلى الله عليه وسلم أتى بدينة كما تقدم في قوله سبحانه وتعالى {أية : بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}تفسير : [البقرة: 135] اجتمع ملأ من قرابتهم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وضلل كل منهم الآخر وادعى كل منهم قصداً لاجتذاب المسلمين إلى ضلالهم بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه صلى الله عليه وسلم كان على دينهم، ولم يكن لذلك ذكر في كتابهم، مع أن العقل يرده بأدنى التفات، لأن دين كل منهم إنما قرر بكتابهم، وكتابهم إنما نزل على نبيهم، ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام بدهور متطاولة، واليهود ينسبون إلى يهوذا بن يعقوب عليه السلام، لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين لأمر مذكور في كتابهم، والنصارى ينسبون إلى الناصرة مخرج عيسى عليه الصلاة والسلام في جبل الجليل، ولا يعقل أن يكون المتقدم على دين ما حدث إلا بعده وعلى نسبة متأخرة عنه، وكان دينه صلى الله عليه وسلم إنما هو الإسلام، وهو الحنيفية السمحة فقال سبحانه وتعالى مبكتاً لهم: {يا أهل الكتاب} كالمعلل لتبكيتهم، لأن الزلة من العالم أشنع {لم تحآجون في إبراهيم} فيدعيه كل من فريقكم {و} الحال أنه {ما أنزلت التوراة والإنجيل} المقرر كل منهما لأصل دين متجدد منكم {إلا} ولما كان إنزال كتاب كل منهم غير مستغرق للزمان الآتي بعده أدخل الجار فقال: {من بعده} وأعظم ما يتمسك به كل فرقة منهما السبت والأحد، ولم يكن ما يدعونه فيهما في شريعة إبراهيم عليه السلام، لا يقدرون على إنكار ذلك، ولا يأتي مثل ذلك في دعوى أنه مسلم لأن الإسلام الذي هو الإذعان للدليل معنى قديم موجود من حين خلق الله العقل، والدليل أنه لا يقدر أحد أن يدعي أنه ما حدث إلا بعد إبراهيم عليه السلام كما قيل في الدينين المذكورين. ولما كان الدليل العقلي واضحاً في ذلك ختم الآية بقوله منكراً عليهم {أفلا تعقلون *} أي هب أنكم لبستم وادعيتم أن ذلك في كتابكم زوراً وبهتاناً، وظننتم أن ذلك يخفى على من لا إلمام له بكتابكم، فكيف غفلتم عن البرهان العقلي! ثم استأنف تبكيتاً آخر فقال منبهاً لهم مكرراً التنبيه إشارة إلى طول رقادهم أو شدة عنادهم: {ها أنتم هؤلاء} أي الأشخاص الحمقى، ثم بين ذلك بقوله: {حاججتم} أي قصدتم مغالبة من يقصد الرد عليكم {فيما لكم به علم} أي نوع من العلم من أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لذكر كل منهما في كتابكم وإن كان جدالكم فيهما على خلاف ما تعلمون من أحوالهما عناداً أو طغياناً {فلم تحاجون} أي تغالبون بما تزعمون أنه حجة، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة فضلاً عن أن يكون حجة {فيما ليس لكم به علم} اصلاً، لكونه لا ذكر له في كتابكم بما حاججتم فيه مع مخالفته لصريح العقل {والله} أي المحيط بكل شيء {يعلم} أي وأنتم تعلمون أن مجادلتكم في الحقيقة إنما هي مع الله سبحانه وتعالى، وتعلمون أن علمه محيط بجميع ما جادلتم فيه {وأنتم} أي وتعلمون أنكم أنتم {لا تعلمون *} أي ليس لكم علم أصلاً إلا ما علمكم الله سبحانه وتعالى، هذا على تقدير كون "ها" في "ها أنتم" للتنبيه، ونقل شيخنا ابن الجزري في كتابه "النشر في القراءات العشر" عن أبي عمرو بن العلاء وعن أبي الحسن الأخفش أنها بدل من همزة، وروي عن أبي حمدون عن اليزيدي أن أبا عمرو قال: وإنما هي {أأنتم} ممدودة، فجعلوا الهمزة هاء، والعرب تفعل هذا، فعلى هذا التقدير يكون استفهاماً معناه التعجيب منهم والتوبيخ لهم. ولما وبخهم على ذلك من جهلهم نفيى سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت عليه الآية الأولى، ونفى عنه كل شرك أيضاً، وأثبت أنه كان مائلاً عن كل باطل منقاداً مع الدليل إلى كل حق بقوله سبحانه وتعالى: {ما كان إبراهيم يهودياً} أي كما ادعى اليهود {ولا نصرانياً} كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل {ولكن كان حنيفاً مسلماً} وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى: {أية : قل بل ملة إبراهيم حنيفاً}تفسير : [البقرة: 135] بما يصدق على المسلم، وقال الإمام العارف ولي الدين الملوي في كتابه حصن النفوس في السؤال في القبر: واليهودي أصله من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام التوراة، والنصراني من آمن بعيسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام الإنجيل، ثم صار اليهودي من كفر بما أنزل بعد موسى عليه الصلاة والسلام، والنصراني من كفر بما أنزل بعد عيسى عليه الصلاة والسلام، والحنيف المائل عن كل دين باطل، والمسلم المطيع لأوامر الله سبحانه وتعالى في أي كتاب أنزلت مع أي رسول أوردت، وإن شئت قلت: هو المنقاد لله سبحانه وتعالى وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه المخلص عمله لله عزّ وجلّ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك "حديث : قل: آمنت بالله ثم استقم"تفسير : انتهى. ثم خص بالنفي من عرفوا بالشرك مع الصلاح لكل من داخله شرك من غيرهم كمن أشرك بعزير والمسيح عليهما الصلاة والسلام فقال: {وما كان من المشركين *} وفي ذكر وصفي الإسلام والحنف تعريض لهم بأنهم في غاية العناد والجلافة واليبس في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع الحجج البينات. ولما نفي عنه صلى الله عليه وسلم كل زيغ بعد أن نفي عنه أن يكون على ملة هو متقدم عن حدوثها شرع في بيان ما يتم به نتيجة ما مضى ببيان من هو أقرب إليه ممن جاء بعده، فقرر أن الأولى به إنما هو من اتبعه في أصل الدين، وهو التوحيد والتنزيه الذي لم يختلف فيه نبيان أصلاً، وفي الانقياد للدليل وترك المألوف من غير تلعثم حتى صاروا أحقاء بالإسلام الذي هو وصفه بقوله سبحانه وتعالى مؤكداً رداً عليهم وتكذيباً لمحاجتهم: {إن أولى الناس} أي أقربهم وأحقهم {بإبراهيم للذين اتبعوه} أي في دينه من أمته وغيرهم، لا الذين ادعوا أنه تابع لهم، ثم صرح بهذه الأمة فقال: {وهذا النبي} أي هو أولى الناس به {والذين آمنوا} أي من أمته وغيرهم وإن كانوا في أدنى درجات الإيمان {والله} أي بما له من صفات الكمال - وليهم، هذا الأصل، ولكنه قال: {ولي المؤمنين *} ليعم الأنبياء كلهم وأتباعهم من كل فرقة، ويعلم أن الوصف الموجب للتقريب العراقة في الإيمان ترغيباً لمن لم يبلغه في بلوغه. ولما كان قصد بعضهم بدعواه أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام على دينه إنما هو إضلال أهل الإسلام عقب ذلك بالإعراب عن مرادهم بقوله تعالى - جواباً لمن كأنه قال: فما كان مراد أهل الكتابين بدعواهم فيه مع علمهم أن ذلك مخالف لصريح العقل؟ {ودت طآئفة} أي من شأنها أن تطوف حولكم طواف التابع المحب مكراً وخداعاً {من أهل الكتاب} حسداً لكم {لو يضلونكم} بالرجوع إلى دينهم الذي يعلمون أنه قد نسخ {وما} أي والحال أنهم ما {يضلون} بذلك التمني أو الإضلال لو وقع {إلا أنفسهم} لأن كلاًّ من تمنيهم وإضلالهم ضلال لهم مع أنهم لا يقدرون أن يضلوا من هداه الله، فمن تابعهم على ضلالهم فإنما أضله الله {وما يشعرون *} أي وليس يتجدد لهم في وقت من الأوقات نوع شعور، فكيدهم لا يتعداهم فقد جمعوا بين الضلال والجهل، إما حقيقة لبغضهم وإما لأنهم لما عملوا بغير ما يعلمون عد علمهم جهلاً وعدوا هم بهائم، فكانت هذه الجملة على غاية التناسب، لأن أهم شيء في حق من رمى بباطل - إنما غلبة الرامي ليتعاظم بأنه شأنه - بيان إبطاله في دعواه، ثم تبكيته المتضمن لبراءة المقذوف، ثم التصريح ببراءته، ثم بيان من هو أولى بالكون من حربه، ثم بيان المراد من تلك الدعوى الكاذبة ليحذر غائلتها السامع. ولما ختم الكلام فيهم بنفي شعورهم بين تعالى في معرض التبكيت أن نفيهم عنه إنما هو لأنهم معاندون، لا يعملون بعلمهم، بل يعملون بخلافه، فقال مستأنفاً بما يدل على غاية التبكيت المؤذنة بشديد الغضب: {يا أهل الكتاب} أي الذين يدعون أنهم أهل العلم {لم تكفرون} أي كفراً تجددونه في كل وقت {بآيات الله} أي تسترون ما عندكم من العلم بسبب الآيات التي أنزلت عليكم من الملك المحيط بكل شيء عظمة وعزاً وعلماً {وأنتم تشهدون *} أي تعلمون علماً هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته؛ ثم أتبع ذلك استئنافاً آخر مثل ذلك إلا أن الأول قاصر على ضلالهم وهذا متعد إلى إضلالهم فقال: {يا آهل الكتاب لم تلبسون الحق} أي الذي لا مرية فيه {بالباطل} أي بأن تؤولوه بغير تأويله، أو تحملوه على غير محله {وتكتمون الحق} أي الذي لا يقبل تأويلاً، وهو ما تعلمون من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وتوابعها {وأنتم} أي والحال أنكم {تعلمون *} أي من ذوي العلم، فأنتم تعرفون ذلك قطعاً وأن عذاب الضال المضل عظيم جداً. ولما ذكر لبسهم دل عليه بقوله عطفاً على {ودت طائفة} مبيناً لنوع إضلال آخر: {وقالت طائفة من أهل الكتاب} أي من يهود المدينة {آمنوا} أي أظهروا الإيمان {بالذي أنزل على الذين آمنوا} متابعة لهم {وجه} أي أول {النهار} سمي وجهاً لأنه أول ما يستقبلك منه وهو ما يظهر, ولذا عبروا به عن الأول الذي يصلح لاستغراق النصف، لأن مرادهم التلبيس بظاهر لا باطن له، ولفظ لا حقيقة له، في جزء يسير جداً {واكفروا آخره} أي ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق، وأنه ما ردكم عن دينهم بعد ابتاعكم له إلا ظهور بطلانه {لعلهم يرجعون *} أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن دينه {ولا تؤمنوا} أي توقعوا التصديق الحقيقي {إلا لمن تبع دينكم} فصوبوا طريقته وصدقوا دينه وعقيدته. ولما كان هذا عين الضلال أمره سبحانه وتعالى أن يعجب من حالهم منبهاً على ضلالهم بقوله معرضاً عنهم إيذاناً بالغضب: {قل إن الهدى هدى الله} أي المختص بالعظمة وجميع صفات الكمال، أي لا تقدرون على إضلال أحد منا عنه، ولا نقدر على إرشاد أحد منكم إليه إلا بإذنه، ثم وصل به تقريعهم فقال: {أن} بإثبات همزة الإنكار في قراءة ابن كثير، وتقديرها في قراءة غيره، أي أفعلتم الإيمان على الصورة المذكورة خشية أن {يؤتى أحد} أي من طوائف الناس {مثل ما أوتيتم} أي من العلم والهدى الذي كنتم عليه أول الأمر {أو} كراهة أن {يحاجوكم} أي يحاجكم أولئك الذين أوتوا مثل ما أوتيتم {عند ربكم} الذي طال إحسانه إليكم بالشهادة عليكم أنهم آمنوا وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحوكم. ولما كانت هذه الأية شبيهة بآية البقرة {أية : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} تفسير : [البقرة: 105] في الحسد على ما أوتي غيرهم من الدين الحق وكالشارحة لها ببيان ما يلبيسونه لقصد الإضلال ختمت بما ختمت به تلك، لكن لما قصد بها الرد عليهم في كلا هذين الأمرين اللذين دبروا هذا المكر لأجلهما زيدت ما له مدخل في ذلك فقال تعالى مجيباً لمن تشوف إلى تعليم ما لعله يكف من مكرهم ويؤمن من شرهم معرضاً عنهم بالخطاب بعد الإقبال عليهم به إيذاناً بشديد الغضب: {قل إن الفضل} في التشريف بإنزال الآيات وغيرها {بيد الله} المختص بأنه لا كفوء له، فله الأمر كله ولا أمر لأحد معه، وأتبعه نتيجته فقال: {يؤتيه من يشاء} فله مع كمال القدرة كمال الاجتباء، ثم قال مرغباً مرهباً وراداً عليهم في الأمر الثاني: {والله} الذي له من العظمة وسائر صفات الكمال ما لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأوهام {واسع عليم *} أي يوسع على من علم فيه خيراً، ويهلك من علم أنه لا يصلح لخير، ويعلم دقيق أمركم وجليله، فلا يحتاج سبحانه وتعالى إلى تنبيه أحد بمحاجتكم عليه عنده. ولما كان هذا من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تأكيد انتقل عنه إلى تأكيد الرد عليهم في الأمر الأول بثمرة هذه الجملة ونتيجتها من أنه فاعل بالاختيار تام الاقتدار فقال: {يختص برحمته من يشاء} ثم أكد تعظيم ما لديه دفعاً لتوهم من يظن أن اختصاص البعض لضيق الرحمة عن العموم فقال: {والله} الذي كل شيء دونه فلا ينقص ما عنده {ذو الفضل العظيم *} وكرر الاسم الأعظم هنا تعظيماً لما ذكر من النعم مشيراً بذلك كله إلى التمكن من الإعطاء باختباره وغزارة فضله وإلى القدرة على الإنجاء من حبائل المكر بسعة علمه. فلما تقرر أن الأمر كله له ذكر دليل ذلك فيهم بأنه فضل فريقاً منهم فأعلاه، ورذل فريقاً منهم فأرداه، فلم يردهم الكتاب - وهم يتلونه - إلى الصواب، فقال عاطفاً على ما مضى من مخازيهم مقرراً لكتمانهم للحق مع علمهم بأنه الحق بأنه الخيانة ديدنهم في الأعيان الدنيوية والمعاني الدينية منبهاً على أنهم وإن شاركوا الناس في انقسامهم إلى أمين وخائن فهم يفارقونهم من حيث ان خائنهم يتدين بخيانته ويسندها - مروقاً من ربقة الحياء - إلى الله، مادحاً للأمين منهم: {ومن أهل الكتاب} أي الموصوفين {من إن تأمنه بقنطار} أي من الذهب المذكور في الفريق الآتي {يؤده إليك} غير خائن فيه، فلا تسوقوا الكل مساقاً واحداً في الخيانة {ومنهم من إن تأمنه بدينار} أي واحد {لا يؤده إليك} في زمن من الأزمان دناءة وخيانة {إلا ما} أي وقت ما {دمت عليه قائماً} تطالبه به غالباً له, بما دلت عليه أداة الاستعلاء، ثم استأنف علة الخيانة بقوله: {ذلك} أي الأمر البعيد من الكمال {بأنهم قالوا} كذباً على شرعهم {ليس علينا في الأميين} يعني من ليس له كتاب فليس على دينهم {سبيل}. ولما كان الكذب من عظم القباحة بمكان يظن بسببه أنه لا يجترىء عليه ذو عقل فكيف على الله سبحانه وتعالى قال: {وهم يعلمون *} أي ذوو علم فيعلمون أنه كذب. ولما ادعوا نفي الجناح عنهم فيهم وبين تعالى أنهم لا يتحاشون عن الكذب صرح بكذبهم في هذا الأمر بخصوصه بقوله: {بلى} أي عليكم في خيانتهم لتحريم العذر عليكم مطلقاً، أي سبيل - كما هو في التوراة وقد مضى نقله في البقرة في آية {أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا} تفسير : [البقرة: 62] وآية {أية : وقولوا للناس حسناً}تفسير : [البقرة: 83]. ولما مضى تقسيمهم إلى أمين وخائن استأنف بشارة الأول ونذارة الثاني على وجه عام لهم ولغيرهم لتحريم الخيانة في كل شرع في حق كل أحد منهما، إن الله يبغض الخائن فقال: {من أوفى بعهده} في الدين والدنيا {واتقى} أي كائناً من كان {فإن الله} ذا الجلال والإكرام يحبه، هكذا الأصل، لكنه أظهر الوصف لتعليق الحكم به وإشعاراً بأنه العلة الحاملة له على الأمانة فقال: {يحب المتقين *}. ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة رواغة عند مضائق الأمانة، وكانت الخيانة تجر إلى الكذب بسط في الإنذار فقال: {إن الذين يشترون} أي يلجون في أن يأخذوا على وجه العوض {بعهد الله} أي الذي عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على الإيمان به وذكر صفته للناس، وهو سبحانه أعلى وأعز من كل شيء فهو محيط بكل شيء قدرة وعلماً {وأيمانهم} أي التي عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل {ثمناً قليلاً} في الدنيا {أولئك} أي البعيدو الرتبة في الدناءة {لا خلاق} أي نصيب {لهم في الآخرة} أي لبيعهم له بنصيب الدنيا {ولا يكلمهم الله} أي الملك الأعظم استهانة بهم وغضباً عليهم بما انتهكوا من حرمته. ولما زادت هذه عن آية البقرة العهد والحلف، وكان من عادة الحالف والمعاهد النظر إلى من فعل ذلك لأجله زاد قوله: {ولا ينظر إليهم} أي بل يعدهم أحقر شيء بما أعرضوا عنه، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال: {يوم القيامة} الذي من افتضح في جمعه لم يفز {ولا يزكيهم} لأنهم لم يزكوا اسمه {ولهم} أي مع ذلك {عذاب أليم *} يعرفون به ما جهلوا من عظمته. ولما نسبهم إلى الكذب عموماً نبه على نوع خاص منه هو أكذب الكذب فقال: {وإن منهم لفريقاً} أي جبلوا على الفرقة، فهم لا يزالون يسعون في التفريق {يلون} أي يفتلون ويحرفون {ألسنتهم بالكتاب} بأن ينقلوا اللسان لتغيير الحرف من مخرج إلى آخر - مثلاً بأن يقولوا في {أية : اعبدوا الله} تفسير : [المائدة: 72 وغيرها] اللات، وفي {أية : لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} تفسير : [الأنعام: 151] بالحد، وفي "من زنى فارجموه" فارحموه بالمهملة، أو فحمموه، أو اجلدوه - ونحو هذا. ولما كان كلام الله سبحانه وتعالى لما له من الحلاوة والجلالة لا يلبس بغيره إلا على ضعيف العقل ناقص الفطرة عبر بالحسبان تنفيراً عن السماع منهم وتنبيهاً على بعد ما يسمعه الإنسان من غيره فقال: {لتحسبوه} أي الذي لوى به اللسان فحرف {من الكتاب} أي المنزل من عند الله، ولما علم بهذه أنه ليس منه نبه على أنه في غاية البعد عنه فقال: {وما هو من الكتاب} أعاده ظاهراً تصريحاً بالتعميم. ولما كان إيهامهم هذا من الجرأة بمكان أعلم سبحانه وتعالى أنهم تجاوزوا إلى ما هو أعظم منه فصرحوا بما أوهموه فقال: {ويقولون} أي مجددين التصريح بالكذب في كل وقت بأن يقولوا {هو من عند الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال، ثم صرح بكذبهم بقوله - مبعداً لما لووا به ألسنتهم عن أن يكون فيه ثبوت حق مظهراً في موضع الإضمار لأن الاسم الذي لم يشارك فيه أحد بوجه أنص على المراد وأنفى لكل احتمال: {وما هو} أي الذي لووا به ألسنتهم حتى أحالوه عن حقيقته {من عند الله} أي الذي له الإحاطة العامة، فما لم يكن من عنده فلا حق فيه بوجه من الوجوه، لا بكونه من الكتاب ولا من غيره. ولما بين بهذا كذبهم على الله سبحانه وتعالى تصريحاً بعد أن قدم في الآية الأولى بيانه بما يظن تلويحاً أخبر بأن ذلك عادة لهم، لا يقفون منه عند عد، ولا ينحصرون فيه بحد، فقال: {ويقولون على الله} أي الحائز لجميع العظمة جرأة منهم {الكذب} أي العام كما قالوا عليه هذا الكذب الخاص، ولما كان الكذب قد يطلق على ما لم يتعمد، بل وقع خطأ احترز عنه بقوله: {وهم يعلمون *} أي أنه كذب، لا يشكون فيه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا...} [البقرة: 136] الآية. وفي الثانية {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال "حدثني أبو سفيان أن هرقل دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه، فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم. أسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الاريسيين {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً} إلى قوله {اشهدوا بأنا مسلمون} ". وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكفار {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم...} الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {تعالوا إلى كلمة...} الآية. قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى ذلك فأبوا عليه. فجاهدهم حتى أتوا بالجزية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال "ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم وزعموا أنه مات يهودياً، وأكذبهم الله ونفاهم منه فقال {أية : يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم...} تفسير : [ آل عمران: 65] الآية". وأخرج ابن جرير عن الربيع قال "ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى الكلمة السواء". وأخرج عن محمد بن جعفر بن الزبير في قوله {قل يا أهل الكتاب تعالوا...} الآية قال: فدعاهم إلى النصف وقطع عنهم الحجة. يعني وفد نجران. وأخرج عن السدي قال "ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني الوفد من نصارى نجران فقال: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء...} الآية". وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة {تعالوا إلى كلمة سواء} قال: عدل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع. مثله. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {سواء بيننا وبينكم} قال: عدل. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: شعر : تلاقينا تعاصينا سواء ولكن حم عن حال بحال تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كلمة السواء لا إله إلا الله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {تعالوا إلى كلمة سواء} قال: لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} قال: لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله ويقال: إن تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة وإن لم يصلوا لهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً} قال: سجود بعضهم لبعض.

التستري

تفسير : قوله: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ}[64] يعني إلى طمع عدل بيننا وبينكم، لأنهم كانوا مقرين بأن خالقهم وخالق السماوات والأرض هو الله تعالى، فنوحده ولا نعبد إلاَّ إياه. وأصل العبادة: التوحيد مع أكل الحلال وكف الأذى، ولا يحصل الأكل الحلال إلاَّ بكف الأذى، ولا كف الأذى إلاَّ بأكل الحلال، وأن تعلموا أكل الحلال وترك أذى الخلق والنية في الأعمال كما تعلموا فاتحة الكتاب، ليصفوا إيمانكم وقلوبكم وجوارحكم، فإنما هي الأصول. قال: حكى محمد بن سوار عن الثوري أنه قال: منزلة لا إله إلاَّ الله في العبد بمنزلة الماء في الدنيا، قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}تفسير : [الأنبياء:30] فمن لم ينفعه اعتقاد لا إله إلاَّ الله والاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ميت. قال سهل: وإني لأعرف رجلاً من أولياء الله تعالى اجتاز برجل مصلوب وجهه إلى غير القبلة، فقال: أين ذلك اللسان الذي كنت تقول به صادقاً: "لا إله إلاَّ الله"، ثم قال: اللهم هب لي ذنبه. قال سهل: فاستدار نحو القبلة بقدرة الله. وهو قوله تعالى: {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}[64] الآية. والثالث إطاعة بالجوارح خالصاً لله، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والقنوع والرضا، فدعاهم بذلك إلى أطيب القول وأحسن الفعال، ولو لم يكن الإيمان بالله والقرآن الذي هو علم الله فيه الدعوة إلى الإقرار بالربوبية والتعبد إياه في الفزع، لم تعرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أجابهم من الخلق.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [الآية: 64]. قال الواسطىُّ: هو إظهارُ العبودية عند ملاحظة الصَّمَدية. قال ابن عطاء: هو تحقيق التوحيد. قوله تعالى: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} الآية. قال أبو عثمان: أعلمك طريقَ التعبد فى هذه الآية، وهو أن لا تطالع بسرِّك عند اشتغالك العبادة سوى معبودك، ولا تفزَعْ فى أمرٍ من أمُورك إلى غيره فتتخذ ذلك ربّا.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية. هي كلمة التوحيدِ وإفرادِ الحق سبحانه في إنشاء الأشياء بالشهود. وقوله: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ}: لا تطالع بِسِرِّك مخلوقاً. وكما لا يكون غيرُه معبودَك فينبغي ألا يكون غيرُه مقصودَك ولا مشهودَك، وهذا هو اتِّقاء الشِرْك، وأنت أول الأغيار الذين يجب ألا تشهدهم. {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً} ويظهر صدقُ هذا بترك المدح والذم لهم. ونفي الشكوى والشك عنهم، وتنظيف السر عن حسبان ذرة من المحو والإثبات منهم. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أصدق كلمة قالتها العربُ قول لبيد " شعر : ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل وكل نعيمٍ لا مَحالة زائل تفسير : فإنَّ الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأمَّا أهل البداية فالأمر مُضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد، فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب، لفراغهم بقلوبهم من المعاني، فمن ظنَّ بخلاف هذا فقد غلط. والإشارة من هذه الآية أيضاً في قوله جل ذكره: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} الآية. ضرب على خليله - صلوات الله - نقاب الضنَّة وحجاب الغيرة، فقطع سببه عن جميعهم بعد ادِّعاء الكل فيه، وحَكَمَ بتعارض شُبُهَاتِهم، وكيف يكون إبراهيم - عليه السلام - على دين مَنْ أتى بعده؟! إن هذا تناقضٌ من الظن.

البقلي

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} هو افرد القدم من الحدوث واظهار الحق بنعت العبودية والخروج من رسم دعاوى البشرية ورفع النفس عن الالتفات الى الاكوان والتجلى عجبة الرحمن {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} الا لا يتبع الهوى والدنيا وشهوتها ولا تلتفت بنعت الرياء والسمعة الى غير الحق {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} لا يفرح بالمدح والتزكية والعطاء والخدمة والرياسة التي يتوقع بعضنا من بعض الاشارة فيه انه اعلم الحق عباده بتجرد قلوبهم عما سواه وقال الواسطى فى قوله تعالوا الى كلمة سواء بينا وبينكم قال هو اظهار العبودية عند ملاحظة الصمدية وقال ابن عطا هو تحقيق التوحيد وقال ابن عثمن فى قوله الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا قال اعلمك طريق التعبد فى هذه الأية وهو ان لا تطالع بسرك عند اشغالك بالعبادة سوى معبودك ولا نفزغ فى امر من امورك الى غيره فتتخذ بذلك ربا.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل يا اهل الكتاب} اى اليهود والنصارى {تعالوا} كان عليه السلام حريصا على ايمانهم فامره الله تعالى بان يعدل عن طريق المجادلة والاحتجاج الى نهج يشهد كل عقل سليم انه كلام مبنى على الانصاف وترك الجدال لا ميل فيه الى جانب حتى يكون فيه شائبة التعصب فهو كلام ثابت فى المركز نسبته الينا واليكم على سواء واعتدال فقال قل يا اهل الكتاب تعالوا اى هلموا والمراد تعيين ما دعوا اليه والتوجه الى النظر فيه وان لم يكن انتقالا من مكان الى مكان لان أصل اللفظ مأخوذ من التعالى حيث يدعى اليه {الى كلمة سواء بيننا وبينكم} لا يختلف فيها الرسل والكتب فيها انصاف من بعضنا لبعض ولا ميل فيها لاحد على صاحبه وهى {ان لا نعبد الا الله} اى نوحده بالعبادة ونخلص فيها {ولا نشرك به شيأ} ولا نجعل غيره شريكا فى استحقاق العبادة ولا نراه اهلا لان نعبده {ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله} بان نقول عزير ابن الله والمسيح ابن الله ولا نطيع الاحبار فيما احدثوا من التحليل والتحريم لان كلا منهم بعضنا وبشر مثلنا وعن الفضيل لا ابالى اطعت مخلوقا فى معصية الخالق ام صليت لغير القبلة {فان تولوا} عما دعوتم اليه من التوحيد وترك الاشراك {فقولوا} اى قل لهم انت والمؤمنون {اشهدوا بانا مسلمون} اى لزمتكم الحجة فاعترفوا بانا مسلمون دونكم - روى - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب الى قيصر "حديث : من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى اما بعد فانى ادعوك برعاية الاسلام اسلم تسلم ".تفسير : اى من السبى فى الدنيا ومن العذاب فى الآخرة "حديث : واسلم يؤتك الله اجرك مرتين وان توليت فان عليك اثم الاريسيين ويا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ان لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيأ"تفسير : الى قوله (فقولوا اشهدوا بانا مسلمون) وجاء فى الخبر الصحيح ان هرقل سأل عن حال النبى عليه السلام وعرفها ممن جاء بكتابه فقال لو كنت عنده لقبلت قدميه لمعرفته صدق النبى عليه السلام بعلاماته المعلومة له من الكتب القديمة لكن خاف من ذهاب الرياسة. ثم انه كتب جواب كتابه عليه السلام انا نشهد انك نبى ولكنا لا نستطيع ان نترك الدين القديم الذى اصطفاه الله لعيسى عليه السلام فعجب النبى عليه السلام فقال "حديث : لقد ثبت ملكهم الى يوم القيامة ابدا " .تفسير : وكتب الى كسرى ملك فارس فمزق كتابه ورجع الرسول بعدما اراد قتله فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خرق الله ملكهم فلا ملك لهم ابدا فكان كذلك. والاشارة فى الآية ان اصول الاديان كلها اخلاص العبودية كما قال تعالى {ان لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيأ} يعنى كما لا نعبد الا الله لا نطلب منه غيره {ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله} فى طلب الرزق ورؤية الامور من الوسائط {فان تولوا} يعنى من اعرض عن هذا الاصل {فقولوا} انتم لهم {اشهدوا بانا مسلمون} مستسلمون لما دعانا الله اليه من التوحيد والاخلاص فى العبودية ونفى الشرك والسر فى الاشهاد على السلام ليشهد الكفار لهم يوم القيامة على الاسلام والتوحيد كما يشهد لهم المؤمنون كما قال النبى عليه السلام لابى سعيد الخدرى رضى الله عنه "حديث : انى اراك تحب الغنم والبادية فاذا كنت فى غنمك وباديتك فاذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فانه لا يسمع مدى الصوت المؤذن جن ولا انس ولا شىء الا شهد له يوم القيامة"تفسير : فيكون شهادة الكفار لهم بالتوحيد يوم القيامة حجة على انفسهم. فالتوحيد هى العروة الوثقى واصل الاصول يهب من جانب الغيب لمن اخلصه قبول القبول. فعلى العاقل ان لا يخالف كتاب الله بالاعراض عن فحاويه وعدم التدبر فى معانيه بل يسلك سبيل العلم والاعمال ويتجنب الجهل والغى والضلال قبل ان يهال عليه التراب ويلف فى الاكفان من الاثواب: قال الفاضل عبد الرحمن الجامى قدس سره شعر : بيش كسرى زخردمند حكيمان ميرفت سخن ازسخت ترين موج درين لجه غم آن يكى كفت كه بيمارى واندوه دراز وان در كفت كه نادارى وبيريست بهم سبومين كفت كه قرب اجل وسوء عمل عاقبت رفت بترجيح سوم حكم حكم تفسير : يعنى اجتمع يوما فى مجلس تنوشروان ثلاثة من الحكماء فانجر الكلام الى ان اشد الشدائد ما هو. فقال الحكيم الرومى هو الشيخوخة مع الفقر. وقال الحكيم الهندى المرض وعلة البدن مع كثرة الغموم والهموم. وقال الحكيم بزرجمهر هو قرب الاجل وسوء العمل فاتفقوا على قوله رزقنا الله واياكم حلاوة الطاعات وايدنا بتوفيه قبل قدوم هاذم اللذات آمين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {سواء}: مصدر، نعت للكلمة، والمصادر لا تثني ولا تجمع ولا تؤنث، فإذا فتحت السين مددت، وإذا ضمت أو كسرت قصرت، كقوله: {مكاناً سوى} أي: مستوٍ. وسواء كل شيء: وسطه، قال تعالى:{أية : فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ الْجَحِيمِ}تفسير : [الصَّافات: 55]، أي: وسطه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد: {يا أهل الكتاب} اليهود والنصارى، {تعالوا}: هلموا {إلى كلمة سواء} أي: عدل مستوية، {بيننا وبينكم}؛ لا يختلف فيها الرسل والكتب والأمم، هي {ألا نعبد إلا الله} أي: نوحده بالعبادة، ونقر له بالوحدانية، {ولا نشكر به شيئاً} أي: لا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة، {ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} أي: لا نقول عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل، لأنهم بشر مثلنا. ولمّا نزل قوله تعالى:{أية : اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ...}تفسير : [التّوبَة: 31] قال عدي بن حاتم: ما كُنَّا نعبدهم يا رسول الله، قال:"حديث : أَلّيْس كانُوا يُحِلُّون لَكُمْ ويُحرِّمون، فتأخُذُون بقَوْلِهم؟تفسير : قال: بلى، قال:حديث : هُوَ ذَاكَ"تفسير : {فإن تولوا} وأعرضوا عن التوحيد {فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}، فقد لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، وأنتم كافرون بما نطقت به الكتبُ وتواطأت عليه الرسل. تنبيه: انظر ما في هذه الآية من المبالغة وحسن التدرج في الاحتجاج، بيِّن أولاً أحوال عيسى وما تطاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز، ثم لمّا أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد، عاد عليهم بالإرشاد، وسلك طريقاً أسهل وألزم، بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى وسائر الأنبياء والكتب، ثم لمّا لم يُجد ذلك فيهم شيئاً، وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم شيئاً أعرض عنهم، وقال: {قولوا اشهدوا بأنا مسلمون}. قاله البيضاوي. الإشارة: الطرق كثيرة والمقصد واحد، وهو التوحيد الخاص، أعني مقام الفناء والبقاء. فالداعُون إلى الله كلهم متفقون على الدعوة إلى هذا المقصد، فكل طريق لا توصل إلى هذا المقصد لا عبرة بها، وكل داع لا يُبلغ إلى هذا الجمال فهو دجال، فإنْ رضي بتعظيم الناس، ولم يَبْنِ طريقه على الأساس، فليس لصاحبه إلا الإفلاس، وكل مَن أطاع المخلوق في معصية الله فقد اتخذه ربّاً من دون الله، وكل مَن تولى عن طريق الإرشاد فقد استوجب لنفسه من الطرد والبعاد، فيقول له الواصلون أو السائرون: {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما قدم وفدُ نجران المدينة، التقوا مع اليهود، فاختصموا في إبراهيم عليه السلام فأتاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد إنا اختلفنا في إبراهيم ودنيه، فقالت النصارى: كان نصرانيّاً، وقالت اليهود: كان يهوديّاً، وهم أولى الناس به، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : كلا الفريقين بريء من إبراهيم، بل كان إبراهيم حنيفاً مسلماً، وأنا على دينه، فاتبعوا دينه الإسلام ".

الطوسي

تفسير : النزول: قيل في من نزلت هذه الآية ثلاثة أقوال: أحدها - ذكره الحسن، والسدي، وابن زيد، ومحمد بن جعفر بن الزبير: أنهم نصارى نجران. والثاني - قال قتادة، والربيع، وابن جريج: أنهم يهود المدينة، وقد روى ذلك أصحابنا. ووجه هذا القول أنهم أطاعوا الاحبار طاعة الأرباب، فسلكوا بهم طريق الضلال. ويدل على ذلك قوله: (عز وجل) {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}تفسير : وروي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال ما عبدوهم من دون الله وإنما حرموا لهم حلالا وأحلوا لهم حراماً، فكان ذلك اتخاذ الارباب من دون الله. الثالث - ذكره أبو علي الجبائي أنها في الفريقين من أهل الكتاب على ظاهر الكلام. المعنى، والاعراب، واللغة: وقوله: {إلى كلمة سواء} فسواء إسم وليس بصفة وإنما جر سواء بتقدير ذات سواء في قول الزجاج. وكان يجوز نصبه على المصدر، وموضع "أن لا" خفض على البدل من {كلمة}. وقال الرماني: إنما أجراه على الاول، وهو الثاني ولا يجوز في مثل قولك مررت برجل سواء عليه الخير والشر غير الرفع لأمرين: أحدهما - أن رفع الثاني بتقدير محذوف، كأنه قال هي {ألا تعبد إلا الله}، فيكون سواء من صفة الكلمة في اللفظ، والمعنى. ويجوز أن يكون موضعه خفضاً على البدل من الكلمة، وتقديره تعالوا إلى ألا نعبد إلا الله، وكذلك جاء ما لا يصلح للأول على الاستئناف، نحو {أية : الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} تفسير : وكذلك {أية : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم}. تفسير : الثاني - أن يقع بمعنى المصدر في موضع الصفة الجارية بتقدير {كلمة} مستوية {بيننا وبينكم} فيها الامتناع من عبادة غير الله. وإنما جاز، لأن لا نعت بغير معنى الكلمة، فصار بمنزلة إضمار الكلمة. والفرق بين كلمة عدل وكلمة سواء [أن "كلمة سواء"] بمعنى مستوية وأن عدل بمعنى عادلة فيما يكون منها، كما تقول رجل عدل أي عادل، فاما كلمة مستوية فمستقيمة، كما يقال: الرجل مستو - في نفسه - غير مائل عن جهته, فلذلك فسر سواء على الوجهين، فكان يجوز في العربية الجزم في {ألا نعبد إلا الله} على طريق النهي، كقولك اتني وقت يأتي الناس لا تجيء في غير ذلك من الأوقات، ويجوز فيه الرفع أيضاً بمعنى الحكاية على أن تقول {لا نعبد إلا الله} وأجاز الفراء الجزم عطفاً على موضع (أن) لأنها في موضع جواب الامر على تقدير {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً} كما تقول: تعالوا لا نقل إلا خيراً، وهذا لا يجوز عند البصريين، لأن (أن) لا توافق معنى الجواب كالفاء في قوله: {أية : فأصدق وأكن من الصالحين}تفسير : كما توافقه {إذا} في قوله: {أية : وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} تفسير : واللام في قوله: {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} إنما اتصل بما قبله على تقدير قابلوا إعراضهم عن الحق بخلافه للانكار عليهم وتجديداً للاقرار به عند صدهم أي أقيموا على إسلامكم، وقولوا لهم: {اشهدوا بأنا مسلمون} مقيمون على الاسلام.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} يا محمّد (ص) بعد ما اتممت لهم الحجّة بتقرير حال عيسى (ع) واثبات المخلوقيّة والعبديّة له من بيان احواله ثمّ بالزامهم بالمباهلة بعد ان لم تنجع فيهم الحجّة البيانيّة وانقيادهم شيئاً من الانقياد مع بقائهم على دينهم لعموم اهل الكتاب من اليهود والنّصارى بطريق اللّطف فى المحاجّة والمداراة فيها {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ} من الخلاف والشّقاق {إِلَىٰ} الاتّفاق والاجتماع فى {كَلِمَةٍ} واحدةٍ هى توحيد الله فى العبادة وفى الآلهة وفى الطّاعة {سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} يعنى حتّى تصير تلك الكلمة متساوية النّسبة فى القبول بيننا وبينكم فلفظ سواء مصدر بمعنى اسم الفاعل للزّمان الاتى {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} بخلاف عبدة عزيرٍ باعتقاد انّه ابن الله من اليهود، وعبدة المسيح باعتقاد انّه الله او انّه ابن الله من النّصارى وهو خبر مبتدءٍ محذوفٍ او بدل من كلمة {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} فى الآلهة بخلاف من قال من النّصارى انّ الله ثالث ثلاثةٍ {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} فى الطّاعة بخلاف من اتّخذ الاحبار والرّهبان والرّؤساء ارباباً فى الانقياد والطّاعة ثابتين بعضاً من غير الله، او ناشئة ربوبيّتهم من غير الله، او من غير اذن الله فلفظ من للتّبعيض والظّرف مستقرّ وصف لارباباً، او لفظ من للابتداء والظّرف لغو، او مستقرّ وصفة لارباباً، وطاعة المخلوق فى الدّين من غير اذن الله وأمره به نحو عبادة للمطاع من حيث لا يشعر؛ ولذلك قال فى سورة التّوبة: {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً} تفسير : [التوبة:31] يعنى انّ طاعتهم للاحبار من غير نظرٍ الى اذن الله وأمره عبادة لهم وما أمروا الاّ بالعبادة للاله الواحد وروى انّه لمّا نزلت آية اتّخذوا احبارهم ورهبانهم ارباباً من دون الله قال عدىّ بن حاتم: ما كنّا نعبدهم يا رسول الله (ص)؟ - قال: "حديث : اليس كانوا يحلّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم؟ - قال: نعم، قال: هو ذاك"تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الاتّفاق فى الكلمة معكم مع انّ الانبياء واممهم كانوا متّفقين فى تلك الكلمة {فَقُولُواْ} جمع الامّة معه (ص) فى الخطاب لانّ هذا الكلام امر بالموادعة معهم بعد اتمام الحجّة والزامهم، وهذا لجميع الامّة بخلاف الكلمات السّابقة فانّها كانت دعوة واحتجاجاً وليسا الاّ شأنه (ص) ولذلك خصّه فى السّابق بالخطاب {ٱشْهَدُواْ} يعنى تبجّحوا وتفاخروا بالانقياد لتلك الكلمة وقولوا لمن تولّوا عن الانقياد: اشهدوا علينا {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} منقادون لتلك الكلمة.

الهواري

تفسير : قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي عدل بيننا وبينكم، وهي لا إله إلا الله. {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا} يعني النبي والمؤمنون {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}. ذكر بعض المفسّرين قال: ذكر لنا أن نبي الله دعا يهود أهل المدينة إلى كلمة السواء لما أنزل الله {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ}... إلى آخر الآية. وهم الذين حاجوا في إبراهيم، وزعموا أنه مات يهودياً، فأكذبهم الله ونفاهم منه فقال: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ}... الآية. أما قوله: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ} فقد ذكروا أن عدي بن حاتم قال: "حديث : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عديّ، ألق هذا الوثن من عنقك. قال: وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى انتهى إلى هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ}... [التوبة:31] فقلت: إنا لا نتخذهم أرباباً من دون الله. فقال النبي عليه السلام: أليسوا يحلّون لكم ما حرّم الله عليكم فتستحلونه، ويحرّمون عليكم ما أحلّ الله لكم فتحرّمونه؟ قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم ".تفسير : قوله: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. قال الحسن: وذلك أنهم نحلوه أنه كان على دينهم، فقالت اليهود ذلك، وقالت النصارى ذلك، فكذبهم الله جميعاً وأخبر أنه كان مسلماً. ثم احتج عليهم أنه إنما أنزلت التوراة والإِنجيل من بعده. وقال بعضهم: وما أنزلت التوراة والإِنجيل إلا من بعده، أي: إنما كانت اليهودية بعد التوراة، والنصرانية بعد الإِنجيل؛ أفلا تعقلون.

اطفيش

تفسير : {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ}: أهل الكتاب: اليهود والنصارى، وقيل: وفد نجران، أو يهود المدينة، والكلمة هى عدم عبادة غير الله، وعدم إشراك شىء ما به فى شىء ما، وعدم اتخاذ إنسان إنساناً ربا من دون الله، وكل من اتخذ غير الله ربا فقد انتفى من اتخاذ الله ربا، ولو زعم أنه اتخذهما معاً ربين، لأن ربوبية الله هى التى لا شركة له فيها، وسمى تلك الإعلام كلها كلمة، لأن العرب تسمى كل قصة أو قصيدة لها أول وآخر، كلمة. فقوله: {ألاَّ نَعبُدَ} بدل من {كَلمة} بدلا مطابقاً مع ما عطف عليه فهو تفسير للكلمة، أو هو خبر لمحذوف، كأنه قيل: ما هى؟ فقال هى: {ألاَّ نَعبُدَ إلا اللهَ ولاَ نُشرِكَ بِهِ شَيئاً} أى لا نفعل ذلك، ولا نعتقد جوزاه ولا نرى أحداً أهلا لهُ، وقرئ بسكون لام كلمة، و{سواء} نعت {كلمة} أى: كلمة مستوية بيننا وبينكم فى العدل، تقبلها التوراة والإنجيل والقرآن، وتؤمن بها، فلا قولوا: عزيز ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا إلاه إلا هو الله، ولا تطيعوا أحباركم، ورهبانكم، فيما يحلون أو يحرمون من دون الله، ولا تسجدوا لغير الله، وفى مصحف ابن مسعود: إلى كلمة عدل، وقرأ الحسن بالنصب أى استوت سواء، أى استواء حديث : قدم وفد نجران المدينة واختصموا مع اليهود فى إبراهيم عليه السلام، فزعمت النصارى أنهُ كان نصرانياً وأنهم كانوا على دينه، وأولى الناس به، وقالت اليهود إنهُ كان يهوديا وأنهم على دينه، وأولى الناس به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلا الفريقين برىء من إبراهيم ودينه، بل كان حنيفاً مسلماً، وأنا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام"، فقالت اليهود: ما تريد إلا أن تتخذ ربا، كما اتخذت النصارى عيسى ربا، وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن تقول فيك ما قالت اليهود فى عزيز، فأنزل الله تعالى {قُلْ يَا أهلَ الكِتَابِ..} إلى قوله {والله ولى المؤمنين}تفسير : . أو النصارى عبدوا المسيح واتخذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم، أرباباً من دون الله، وذلك بأن اتبعوهم فيما يحلون أو يحرمون، ويسجدوا لهم، ويتبعوهم فيما يأمرون به من الشرك ولذلك قال: {وَلاَ يَتَّخِذ بَعضُنَا بَعْضاً أَربَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} بعدما ذكر أن {ألاَّ نَعبُدَ إلا اللهَ ولاَ نُشرِكَ بِهِ شَيئاً} ومن أطاع هواه أو أحداً فى معصيته، فقد اتخذه ربا، ولو كان لا يحكم عليه بحكم المشركين، ولذلك قيل معنى قوله تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذ بَعضُنَا بَعْضاً أَربَاباً}: لا يطيع بعضنا فى معصية الله، وكان عدى بن حاتم من نصارى العرب فقال بعدما أسلم، حديث : ونزلت الآية: وما كنا نعدهم يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: "أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون؟ فتأخذون بقولهم؟" قال: بلى. قال: "هو ذاك". وذكر الشيخ هود أنهم ذكروا أن عدى بن حاتم، قال: أتيت النبى وفى عنقى صليب من ذهب، فقال: "يا عدى الق هذا الوثن من عنقك" قال: وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى انتهى إلى هذه الآية {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} فقلت: إنا لا نتخذهم أرباباً من دون الله. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "أليسوا يحلون لكم ما حرم عليكم؟ فتستحلونه ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه؟" قلت: بلى. قال: "فتلك عبادتهم"تفسير : . وعن الفضيل: لا أبالى أطعت مخلوقاً فى معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة. {فَإِن تَوَلَّوْاْ}: عما أمرنهم به من التوحيد والإسلام وهو فعل ماض للغائبين. {فَقُولُواْ}: يا محمد وأصحابه. {اشْهَدُواْ}: يا معشر اليهود والنصارى لنا عليكم. {بِأَنَّا}: معشر المؤمنين: محمداً وأصحابه. {مُسْلِمُونَ}: ولستم أنتم بمسلمين أى اعترفوا بأنا المسلمون، إن توليتم عناداً، بعد قيام الحجة، أو ذلك كناية عن أن يقول: اشهدوا أنكم يا أهل الكتاب كفاراً، كما تقول: تعريض بالكافر أما أنا فمسلم، تريد أنك لست مشركاً، كما كان مشركاً.

اطفيش

تفسير : {قُلْ يَا أَهْلَ الكْتَابِ} اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل، أو أراد نصارى نجران والكتاب الإنجيل، أويهود المدينة والكتاب التوراة والأول أولى، ولو نزلت فى وقد نجران النصارى لأن خصوص السبب لا ينافى عموم الحكم {تَعَالَوْا} اقبلو بالعزم والاعتقاد {إلَى كَلِمَةٍ} هى لا إله إلا الله، فإن الكلمة فى اللغة تطلق على المفرد والجملة فصاعدا {سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} لا تختلف فيها الرسل والكتب، فمن خالف فيها كقول النصارى ثالث ثلاثة، وأن عيسى إله فقد ضل {ألا نَعْبُدَ} أى لئلا نعبد {إلاّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} أى إشراكا أو معبوداً آخر، فذلك تأكيد، أو شريكا فى الخالقية والقدم والوجوب بالذات، وسائر الصفات، فذلك تأسيس، فننفى عنه أن يلد عزيراً أو عيسى وغيرهما {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ} أى غير الله، كما اتخذتم أحباركم ورهبانكم أرباباً، لما نزل اتخذوا أحبارهم الخ حديث : قال عدى بن حاتم، وقد أسلم، من النصرانية، ما كنا نعبدهم يا رسول الله، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحومون فتأخذوا بقولهم؟ قال: نعم، قال: هو ذاكتفسير : ، ومعنى نعم هنا تصديق الإثبات الذي أفاده إنكار النفي، وروي أنهم كانوا يسجدون لأحبارهم، ورهبانهم، ويجوز أن تكون للكلمة ألا نعبد إلخ فلا تقدر لام التعليل بل ذلك بدل كلمة، أى انتفاء عبادة غير الله وانتفاء الإشراك وانتفاء اتخاذ بعضصنا بعضا أربابا من دون الله، والواجب الاقتصار على ألوهية الله بدون شريك غيره، أو لما تخدوا غير الله أربابا مع الله كانوا كمن اتخذ غير الله فقط، لأنه لا توحيد مع تشريك {فَإنْ تَوَلَّوْا} عن التوحيد {فَقُولُوا} أيها المؤمنون {اشْهَدُوا بِأَنَّا} دونكم {مُسْلِمُونَ} موحدون مذعنون للحق الظهور الحجة، ولا تظنوا أنا تابعناكم ولا أنكم مسلمون كما تزعمون، بل أنتم كافرون بما نطقت به الكتب والرسل، فهو تعريف بأنكم مشركون فاعترفوا أنتم، ولا بد أنا مسلمون لا أنتم.

الالوسي

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ } نزلت في وفد نصارى نجران ـ قاله السدي والحسن وابن زيد ومحمد بن جعفر بن الزبير ـ وروي عن قتادة والربيع وابن جريج أنها نزلت في يهود المدينة، وذهب أبو علي الجبائي أنها نزلت في الفريقين من أهل الكتاب، واستظهره بعض المحققين لعمومه {تَعَالَوْاْ } أي هلموا {إِلَىٰ كَلِمَةٍ } أي كلام ـ كما قال الزجاج ـ وإطلاقها على ذلك في كلامهم من باب المجاز المرسل وعلاقته تجوز إطلاقها على المركب الناقص إلا أنه لم يوجد بالاستقراء، وقيل: إنه من باب الاستعارة وليس بالبعيد ـ وقرىء ـ {كَلِمَةَ } بكسر الكاف وإسكان اللام على التخفيف والنقل {سَوَآء } أي عدل ـ قاله ابن عباس والربيع وقتادة ـ وقيل: إن سواء مصدر بمعنى مستوية أي لا يختلف فيها التوراة والإنجيل والقرآن، أو لا اختلاف فيها بكل الشرائع، وهو في قراءة الجمهور مجرور على أنه نعت ـ لكلمة ـ وقرىء بنصبه على المصدر. {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } متعلق بسواء {أَلاَّ نَعْبُدَ } أي نحن وأنتم {إِلاَّ ٱللَّهَ } بأن نوحده بالعبادة ونخلص فيها، وفي موضع (أن) وما بعدها وجهان ـ كما قال أبو البقاء ـ الأول: الجر على البدلية من {كَلِمَةٍ }، والثاني: الرفع على الخبرية لمحذوف أي هي أن لا نعبد إلا الله، ولولا عمل (أن) لجاز أن تكون تفسيرية، وقيل: إن الكلام تم على {سَوَآءٍ } ثم استؤنف فقيل: {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ }، فالظرف خبر مقدم، و (أن) وما بعدها مبتدأ مؤخر {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } من الأشياء على معنى لا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلاً لأن يعبد، وبهذا المعنى يكون الكلام تأسيساً والظاهر أنه تأكيد لما قبله إلا أن التأسيس أكثر فائدة، وقيل: المراد لا نشرك به شيئاً من الشرك وهو بعيد جداً. {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ } أي لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله تعالى ـ قاله ابن جريج ـ ويؤيده ما أخرجه الترمذي وحسنه من حديث عدي بن حاتم «حديث : أنه لما نزلت هذه الآية قال: ما كنا نعبدهم يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم: أما كانوا يحللون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم فقال عليه الصلاة والسلام: هو ذاك» تفسير : قيل: وإلى هذا أشار سبحانه بقوله عز من قائل: {أية : ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـارَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 31] وعن عكرمة أن هذا الاتخاذ هو سجود بعضهم لبعض، وقيل: هو مثل اعتقاد اليهود في عزير أنه ابن الله، واعتقاد النصارى في المسيح نحو ذلك، وضمير ـ نا ـ على كل تقدير للناس لا للممكن ـ وإن أمكن ـ حتى يشمل الأصنام لأن أهل الكتاب لم يعبدوها. وفي التعبير ـ بالبعض ـ نكتة وهي الإشارة إلى أنهم بعض من جنسنا فكيف يكونون أرباباً؟! فإن قلت: إن المخاطبين لم يتخذوا البعض أرباباً من دون الله بل اتخذوهم آلهة معه سبحانه أجيب: بأنه أريد من دون الله وحده، أو يقال: بأنه أتى بذلك للتنبيه على أن الشرك لا يجامع الاعتراف بربوبيته تعالى عقلاً ـ قاله بعضهم ـ وللنصارى ـ سود الله تعالى حظهم ـ الحظ الأوفر من هذه المنهيات، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان فرقهم وتفصيل كفرهم على أتم وجه. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } المراد فإن تولوا عن موافقتكم فيما ذكر مما اتفق عليه الكتب والرسل بعد عرضه عليهم فاعلموا أنهم لزمتهم الحجة وإنما أبوا عناداً فقولوا/ لهم: أنصفوا واعترفوا بأنا على الدين الحق وهو تعجيز لهم أو هو تعريض بهم لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم قالوا: إنا لسنا كذلك، وإلى هذا ذهب بعض المحققين، وقيل: المراد فإن تولوا فقولوا: إنا لا نتحاشى عن الإسلام ولا نبالي بأحد في هذا الأمر ـ فاشهدوا بأنا مسلمون ـ فإنا لا نخفي إسلامنا كما أنكم تخافون وتخفون كفركم ولا تعترفون به لعدم وثوقكم بِنَصر الله تعالى، ولا يخفى أن هذا على ما فيه إنما يحسن لو كان الكلام في منافقي أهل الكتاب لأن المنافقين هم الذين يخافون فيخفون، وأما هؤلاء فهم معترفون بما هم عليه كيف كان فلا يحسن هذا الكلام فيهم، و {تَوَلَّوْاْ } هنا ماض ولا يجوز أن يكون التقدير تتولوا لفساد المعنى لأن {فَقُولُواْ } خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، (وتتولوا) خطاب للمشركين، وعند ذلك لا يبقى في الكلام جواب.

ابن عاشور

تفسير : رجُوع إلى المجادلة، بعد انقطاعها بالدعاء إلى المباهلة، بعَثَ عليه الحرصُ على إيمانهم، وإشارة إلى شيءٍ من زيغ أهل الكتابين عن حقيقة إسلاممِ الوجه لله كما تقدم بيانه. وقد جيء في هذه المجادلة بحجة لا يجدون عنها موئلاً وهو دعوتهم إلى تخصيص الله بالعبادة ونبذ عقيدة إشراك غيره في الإلٰهية. فجملة {قل يا أهل الكتاب} بمنزلة التأكيد لجملة {أية : فقل تعالوا ندع أبناءنا}تفسير : [آل عمران: 61] لأنّ مدلول الأولى احتجاج عليهم بضعف ثقتهم بأحقّية اعتقادهم. ومدلول هذه احتجاج عليهم بصحة عقيدة الإسلام، ولذلك لم تعطف هذه الجملة. والمراد بأهل الكتاب هنا النصارى: لأنهم هم الذين اتخذوا المخلوق ربّاً وعبدوه مع الله. وتعالوا هنا مستعملة في طلب الاجتماع على كلمة سواء وهو تمثيل: جعلت الكلمة المجتمع عليها بشبه المكان المراد الاجتماع عنده. وتقدم الكلام على (تعالوا) قريباً. والكلمة هنا أطلقت على الكلام الوجيز كما في قوله تعالى: {أية : كلا إنها كلمة هو قائلها}تفسير : [المؤمنون: 100]. وسواء هنا اسم مصدر الاستواء، قيل بمعنى العدل، وقيل بمعنى قصدٍ لا شطط فيها، وهذان يكونان من قولهم: مكان سَواء وسِوَى وسَوى بمعنى متوسّط قال تعالى: {أية : فرءاه في سواء الجحيم}تفسير : [الصافات: 55]. وقال ابن عطية: بمعنى ما يستوي فيه جميع الناس، فإنّ اتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً، لا يكون على استواء حال وهو قول حسن. وعلى كل معنى فالسواء غير مؤنث، وصف به {كلمة}، وهو لفظ مؤنث، لأنّ الوصف بالمصدر واسم المصدر لا مطابقة فيه. و{ألا نعبد} بدل من {كلمة}، وقال جماعة: هو بدل من سَواء، وردّه ابن هشام، في النوع الثاني من الجهة السادسة من جهات قواعد الإعراب من مغني اللبيب، واعترضه الدمامييني وغيره. والحق أنه مردود من جهة مراعاة الاصطلاح لا من جهة المعنى؛ لأنّ سَواء وصف لِكلمة وألاّ نعبد لو جعل بدلاً من سواء ءال إلى كونه في قوة الوصف لكلمة ولا يحسن وصف كلمة به. وضمير بيننا عائد على معلوم من المقام: وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون، ولذلك جاء بعده: {فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}. ويستفاد من قوله: {ألا نعبد إلا الله} إلى آخره، التعريضُ بالذين عبدوا المسيح كُلِّهم. وقوله: {فإن تولوا} جيء في هذا الشرط بحرف إنْ لأنّ التولِّي بعد نهوض هذه الحجة وما قبلها من الأدلة غريب الوقوع، فالمقام مشتمل على ما هو صالح لاقتلاع حصول هذا الشرط، فصار فعل الشرط من شأنه أن يكون نادر الوقوع مفروضاً، وذلك من مواقع (إن) الشرطية فإن كان ذلك منهم فقد صاروا بحيث يُؤيَس من إسلامهم فأعرِضوا عنهم، وأمسكوا أنتم بإسلامكم، وأشهدوهم أنكم على إسلامكم. ومعنى هذا الإشهاد التسْجيل عليهم لئلاّ يُظهروا إعراض المسلمين عن الاسترسال في محاجتهم في صورة العجز والتسليم بأحقية ما عليه أهل الكتاب فهذا معنى الإشهاد عليهم بأنا مسلمون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أهل الكتاب: اليهود والنصارى لأن اليهود عندهم التوراة والنصارى عندهم الإنجيل. إلى كلمة سواء: الكلمة السَّواء هي العادلة وهي أن نعبد الله وحده لا شريك له ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله. أرباباً: الأرباب جمع ربّ وهو المألوه المطاع بغير طاعة الله تعالى. فإن تولوا: أعرضوا عن التوحيد. اشهدوا: اعلموا علم رؤية ومشاهدة بأنا مسلمون. تحاجّون: تجادلون بحجج باطلة. يهودياً ولا نصرانياً: لم يكن إبراهيم على ملة اليهود، ولا على ملة النصارى. كان حنيفاً مسلماً: مائلاً عن الملل الباطلة إلى ملة الحق وهي الإسلام. أولى الناس بإبراهيم: أحق بالنسبة إلى إبراهيم وموالاته الذين اتبعوه على التوحيد. والله ولي المؤمنين: متولي أمرهم وناصرهم. معنى الآيات: ما زال السياق في إبطال باطل أهل الكتابين إذ قال تعالى لرسوله قل لهم يا أهل الكتاب من يهود ونصارى تعالوا ارتفعوا من وهدة الباطل التي أنتم واقعون فيها الى كلمة سواء كلمة عدل نصف بيننا وهي أن نعبد الله وحده لا نشرك به سواه وأن لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فيفرض طاعته على غيره ويلزمه بالسجود تعظيماً وتقديساً فإن أبوا عليك ذلك وتولوا عنه فقولوا أيها المؤمنون: اشهدوا أيها المتولون عن الحق بأنا مسلمون. وفي هذا تعريض بل تصريح بأن غيرهم ليسوا مسلمين. هذا معنى الآية الأولى [64] أما الآية الثانية [65] فيأمر تعالى رسوله أيضاً أن يقول للمتولين عن الحق يا أهل الكتاب لم تحاجون في شأن إبراهيم وتدَّعي كل طائفة منكم أن إبراهيم كان على دينها مع أن اليهودية ما كانت إلا بعد نزول التوراة، والنصرانية ما كانت إلا بعد نزول الإِنجيل، وإبراهيم كان قبل نزول الكتابين بمئات السنين، ما لكم تقولون بما لا يقبل ولا يعقل أفلا تعقلون؟ ثم وبخهم بما هم أهله قائلا لهم: اسمعوا يا هؤلاء أنتم جادلتم فيما لكم به علم في شأن دينكم وكتابكم فلم تجادلوا فيما ليس لكم به علم في شأن إبراهيم وملته الحنيفية التي قامت على مَبْدءِ التوحيد وإخلاص العبادة لله وحد، والله يعلم من شأن إبراهيم ودينه مالا تعلمون أنتم فليس من حقكم القول فيما لا تعلمونه. ثم أكْذبهم بعد أن وبخهم فقال ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً وإنما كان حنيفاً موّحداً مطيعاً لربه مسلماً له ولم يكن من المشركين. وبعد أن وبخ تعالى المجادلين لرسوله وكذبهم في دعواهم أن إبراهيم على دينهم قرر حقيقة كبرى ينبغي أن يعلموها ويقرّوا بها وهي أن أحق الناس بالنسبة إلى إبراهيم والانتماء إليه هم الذين اتبعوه على ملة التوحيد وعبادة الله تعالى بما شرع وهذا النبي الكريم العظيم محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه واتبعوا الهدى الذي جاء به، والله تعالى وليّ المؤمنين، وعدو الكافرين المشركين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا يَصْلُح حال البشرية ولا يستقيم أمرها إلا إذا أخذت بمبدأ: الكلمة السواء وهي أن تعبد ربها وحده لا تشرك به سواه، وأن لا يعلو بعضها على بعض تحت أيّ قانون أو شعار. 2- حجيّة التاريخ وبيان الحاجة إليه، إذ رد الله تعالى على أهل الكتاب في دعواهم أن إبراهيم كان على دينهم بأن التوراة والإِنجيل لم ينزلا إلا بعد وفاته فكيف يكون يهودياً أو نصرانياً. 3- ذم من يجادل فيما لا علم له به، ولا شأن له فيه. 4- اليهودية كالنصرانية لم تكن دين الله تعالى، وإنما هما بدعتان لا غير. 5- المؤمنون بعضهم أولياء بعض وإن تناءت ديارهم وتباعدت أقطارهم والله وليّ المؤمنين.

القطان

تفسير : أهل الكتاب: اليهود والنصارى. كلمة سواء: كلمة عدل وإنصاف. بعد ان بيّن الله تعالى لنا حقيقة الأمر في قضية عيسى وكيف عرضها محمد في دعوته الى التوحيد والإسلام، وكيف عاند أهلُ الكتاب تلك الدعوة حتى اضطر النبي الى دعوتهم الى المباهلة، فخافوا وأحجموا عنها ـ طلب من رسوله الكريم ان يدعوهم هنا الى أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء جميعا. فقل يا محمد: يا أهل الكتاب، تعالوا الى كلمة عادلة اتفقت عليها الرسل والكتب التي أُنزلت من عند الله، وهي ان لا نعبد الا الله ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دونه، ولا نطيع أحداً غيره في تحليل أو تحريم. فإن أعرضوا عن هذه الدعوة، وأبوا إلا ان يعبدوا غير الله، فقولوا لهم ايها المسلمون: اشهدوا باننا منقادون لأحكام الله، ولا نعبد أحداً سواه. "حديث : روي عن عدّي بن حاتم قال: أتيت رسول الله وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي، اطرح عنك هذا الوثن. وسمعته يقرأ من سورة براءة: {ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ}. فقلت له: يا رسول الله، لم يكونوا يعبدونهم، قال: "أما كانوا يحللون ويحرّمون، فتأخذون باقوالهم؟" قلت: نعم فقال: "هو ذاك""تفسير : يعني أَن هذا التحريم والتحليل يجعلهم بمثابة الأرباب.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَهْلَ} {ٱلْكِتَابِ} (64) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأِهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى: أنَا وَأنْتُمْ نَعْتَقِدُ أنَّ العَالَمَ مِنْ صُنْعِ إلهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ خَالِقُهُ وَمدَبِّرُهُ، وَهُوَ الذِي يُرْسِلُ الأنْبِياءَ لِيُبَلِّغُوا عَنْهُ مَا يُرِيدُ، فَتَعَالوا إلى عِبَارَةٍ، أوْ جُمْلَةِ عَدْلٍ وَإنْصَافٍ (سَوَاءٍ)، نَسْتَوِي نَحْنُ وَإيَّاكُمْ فِيها، وَاتَّفَقَتْ عَلَيها جَمِيعُ الرُّسُلِ وَالكُتُبِ التِي أنْزِلَتْ إلَيْهِمْ، وَهِيَ ألاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ وَحْدَهُ، لَهُ السُّلْطَةُ المُطْلَقَةُ فِي التَّشْرِيعِ وَالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، وَلاَ نُشْرِك بِهِ شَيْئاً (لاَ وَثَناً وَلا صَنَماً وَلاَ صَلِيباً وَلاَ طَاغُوتاً) وَهَذِهِ هِيَ دَعْوَةُ جَميعِ الرُّسُلِ، وَلا يُطِيع بَعْضُنا بَعْضاً فِي مَعْصِيَةِ اللهِ. فَإِنْ رَفَضُوا الاسْتِجَابَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَتَوَلَّوْا عَنْهَا، وَأبَوْا إلاَّ أنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللهِ، وَاتَّخَذَوا الشُّرَكَاءَ وَالوُسَطَاءَ وَالأرْبَابَ الذِينَ يُحَلِّلُونَ وَيُحَرِّمُونَ، فَقُولُوا لَهُمْ - أنْتَ وَالمُسْلِمُونَ مَعَكَ -: اشْهَدُوا عَلينَا بِأنَّنَا مُقِيمُونَ عَلَى دِينِ الإِسْلاَمِ الذِي شَرَعَهُ اللهُ لَنَا، وَنَحْنُ مُخْلِصُونَ لَهُ لاَ نَعْبُدُ مَعَ اللهِ أحداً غَيْرَهُ. الرَّبُّ - السَّيِّدُ المُرَبِّي الذِي يُطَاعُ فِي أمْرِهِ وَنَهيهِ. مُسْلِمُونَ - مُنْقَادُونَ إليهِ. كَلِمَةٍ سَوَاءٍ - كَلِمَةِ عَدْلٍ وَإنْصَافٍ، لاَ تَخْتَلِفُ فِيهَا الشَّرَائِعُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنها دعوة إلى كلمة مستوية لا التواء فيها {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} [آل عمران: 64] وهذا أمر لا جدال فيه، ثم {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} [آل عمران: 64] أي لا ندخل معه من لا يقدر على الارتفاع إلى جلال كماله، فالعقول السليمة ترفض كلمة "الشرك"؛ لأن الشرك يكون على ماذا؟ هل الشرك على خلق الكون؟ إن كل مخلوق أشركوه في الألوهية إنما جاء من بعد أن خلق الله الكون. أو يكون الشرك على إدارة هذا الكون؟ إذا كان هذا هو السبب في الشرك فهو أتفه من أن يكون سبباً لأن الحق سبحانه قادر على إدارة هذا الكون، وأنزل منهجاً إذا ما اتبعه الإنسان صار الكون منسجماً، إذن فأي شرك لا لزوم له. وإن كان - والعياذ بالله - له شريك وتمتع إله ما بقدرات خاصة فهذه القدرات تنقص من قدرات الإله الثاني. وهذا عجز في قدرة هؤلاء الآلهة، ولهذا يحسم الحق هذا الأمر بقوله الكريم: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}تفسير : [المؤمنون: 91]. إذن فمسألة الشركاء هذه ليست مقبولة، وبعد ذلك يقول الحق: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 64]. أي ألا نأخذ من بعضنا كهنوتاً وكهنة، يضع الواحد منهم الحلال لنا أو الحرام علينا؛ فالتحليل والتحريم إنما يأتي من الله، وليس لمخلوق أن يحلل أو يحرم. ثم يقول الحق: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ: ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] أي إن من لا يقبل عبادة الإله الواحد الذي لا شريك له ولا أرباب تحلل أو تحرم، إنما يريد أرباباً وشركاء، وهذا معناه أن قلبه غير مستعد لتقبل قضية الإيمان؛ لأن قضية الإيمان تتميز بأن مصدرا واحداً هو الذي له مطلق القدرة، وهو مصدر الأمر في الحركة وهو الواحد الأحد، فلا تتضارب الحركات في الكون. إن حركاتنا كلها وهي الخاضعة لمنهج الله بـ"افعل" و"لا تفعل" فلو أن هناك إلهاً قال: "افعل" وإلها آخر قال: "لا تفعل"، لكان معنى ذلك والعياذ بالله أن هؤلاء الآلهة أغيار لها أهواء. والحق سبحانه يحسم هذا بقوله: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ}تفسير : [المؤمنون: 71]. وهكذا كانت دعوة الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] إنها آية تحمل دعوة مستوية بلا نتوءات، فلا عبادة إلا لله، ونحن لا نأخذ "افعل" و"لا تفعل" إلا من الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً كهنوتاً أو مصدراً للتحليل أو التحريم، فإن رفضوا وتولوا، فليقل المؤمنون: {ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] أي أنه لا يوجد إلا إله واحد، ولا شركاء له، وبعضنا لا يتخذ بعضاً أربابا، وتلك شهادة بأن الإسلام إنما جاء بالأمرالمستوى الذي لا عوج ولا نتوء فيه ونحن متبعون ما جاء به. وبعد ذلك يقول الحق: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما أقام القرآن الحجة على النصارى وأبطل دعواهم في شأن ألوهية المسيح، دعا الفريقين "اليهود والنصارى" إِلى التوحيد، والاقتداء بأبي الأنبياء إِبراهيم عليه السلام، إِذ كانت ملته الحنيفية السمحة وهي ملة الإِسلام، ولم يكن يهودياً ولا نصرانياً كما زعم كل من الفريقين، ثم بيّن أن أحق الناس بالانتساب إِلى إِبراهيم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. اللغَة: {سَوَآءٍ} السَّواء: العدل والنَّصف قال أبو عبيدة: يقال قد دعاك إِلى السَّواء فاقبل منه قال زهير: شعر : أروني خطةً لا ضيم فيها يُسوّى بيننا فيها السَّواء تفسير : {أَوْلَى} أحقُّ {وَدَّت} تمنت {تَلْبِسُونَ} اللَّبْس: الخلط يقال: لَبس الأمرُ عليه إِذا اشتبه واختلط {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} أوله سميّ وجهاً لأن أول ما يواجه من النهار أوله قال الشاعر: شعر : من كانَ مسروراً بمقتل مالك فليأْتِ نِسوتنا بوجهِ نهار تفسير : سَبَبُ النّزول: روي عن ابن عباس أن أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا في إِبراهيم فقالت اليهود: ما كان إِلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إِلا نصرانياً فأنزل الله {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً} الآية. التفسِير: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} أي قل لهم يا معشر اليهود والنصارى هلموا إِلى كلمة عادلة مستقيمة فيها إِنصاف من بعضنا لبعض {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} أي أن نفرد الله وحده بالعبادة ولا نجعل له شريكاً {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي لا يعبد بعضنا بعضاً كما عبد اليهود والنصارى عزيراً وعيسى، وأطاعوا الأحبار والرهبان فيما أحلوا لهم وحرّموا، روي أن الآية لمّا نزلت قال عدي بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم أما كانوا يحلّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم؟ فقال: نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو ذاك {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي فإِن أعرضوا عن التوحيد ورفضوا قبول تلك الدعوة العادلة فقولوا أنتم اشهدوا يا معشر أهل الكتاب بأننا موحّدون مسلمون، مقرّون لله بالوحدانية مخلصون له العبادة {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} أي يا معشر اليهود والنصارى لم تجادلون وتنازعون في إِبراهيم وتزعمون أنه على دينكم {وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} أي والحال أنه ما حدثت هذه الأديان إِلا من بعده بقرونٍ كثيرة فكيف يكون من أهلها؟ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} بطلان قولكم؟ فقد كان بين إِبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألفا سنة فكيف يقول بذلك عاقل؟ والاستفهام للتوبيخ {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} أي ها أنتم يا معشر اليهود والنصارى جادلتم وخاصمتم في شأن عيسى وقد عشتم زمانه فزعمتم ما زعمتموه {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي فلم تخاصمون وتجادلون في شأن إِبراهيم ودينه وتنسبونه إِلى اليهودية أو النصرانية بدون علم؟ أفليست هذه سفاهة وحماقة؟ {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي والله يعلم الحقَّ من أمر إِبراهيم وأنتم لا تعلمون ذلك، قال أبو حيان: "وهذا استدعاء لهم أن يسمعوا كما تقول لمن تخبره بشيء لا يعلمه: اسمع فإِني أعلم ما لا تعلم" ثم أكذبهم الله تعالى في دعوى إِبراهيم فقال {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً} أي ما كان إِبراهيم على دين اليهودية ولا على دين النصرانية، فإِن اليهودية ملة محرّفة عن شرع موسى، وكذلك النصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى {وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً} أي مائلاً عن الأديان كلها إِلى الدين القيّم {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي كان مسلماً ولم يكن مشركاً، وفيه تعريض بأنهم مشركون في قولهم عزير بن الله، والمسيح بن الله، وردٌّ لدعوى المشركين أنهم على ملة إِبراهيم {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} أي أحق الناس بالانتساب إِلى إِبراهيم أتباعه الذين سلكوا طريقه ومنهاجه في عصره وبعده {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ} أي محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي المؤمنون من أمة محمد فهم الجديرون بأن يقولوا نحن على دينه لا أنتم {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي حافظهم وناصرهم.. ولما دعا اليهود بعض الصحابة إِلى اليهودية نزل قوله {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} أي تمنَّوا إِضلالكم بالرجوع إِلى دينهم حسداً وبغياً {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} أي لا يعود وبال ذلك إِلا عليهم إِذ يُضاعف به عذابهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي ما يفطنون لذلك، ثم وبّخهم القرآن على فعلهم القبيح فقال {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي بالقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أي تعلمون أنه حق {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} أي لم تخلطون بين الحق والباطل بإِلقاء الشُّبَه والتحريف والتبديل؟ {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تعلمون ذلك، ثم حكى تعالى نوعاً آخر من مكرهم وخبثهم، وهو أن يظهروا الإِسلام في أول النهار ثم يرتدوا عنه في آخره ليشككوا الناس في دين الإِسلام فقال {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} قال ابن كثير: وهذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم تشاوروا بينهم أن يظهروا الإِيمان أول النهار ويصلّوا مع المسلمين فإِذا جاء آخر النهار ارتدوا إِلى دينهم ليقول الجهلة من الناس إِنما ردهم إِلى دينهم اطلاعهم على نقيصةٍ وعيبٍ في دين المسلمين {وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ} أي اكفروا بالإِسلام آخر النهار {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لعلهم يشكّون في دينهم فيرجعون عنه {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} هذا من تتمة كلام اليهود حكاه الله عنهم والمعنى: لا تصدقوا ولا تظهروا سرّكم وتطمئنوا لأحدٍ إِلا إِذا كان على دينكم {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} أي قل لهم يا محمد الهدى ليس بأيديكم وإِنما الهدى هدى الله، يهدي من يشاء إِلى الإِيمان ويثبته عليه كما هدى المؤمنين، والجملة اعتراضية، ثم ذكر تعالى بعد ذلك الاعتراض بقية كلام اليهود فقال {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} أي يقول اليهود بعضهم لبعض: لا تصدّقوا إِلا لمن تبع دينكم، وانظروا فيمن ادعى النبوة فإِن كان متبعاً لدينكم فصدقوه وإِلا فكذبوه، ولا تقروا ولا تعترفوا لأحدٍ بالنبوة إِلا إِذا كان على دينكم، خشية أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم وخشية أن يحاجوكم به عند ربكم، فإِذا أقررتم بنبوة محمد ولم تدخلوا في دينه تكون له الحجة عليكم يوم القيامة، وغرضهم نفي النبوة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي قل لهم يا محمد أمر النبوة ليس إِليكم وإِنما هو بيد الله والفضل والخير كله بيد الله يؤتيه من يشاء {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي كثير العطاء واسع الإِنعام يعلم من هو أهل له {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} أي يختص بالنبوة من شاء {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} أي فضله واسع عظيم لا يُحدُّ ولا يُمنع. البَلاََغَة: جمعت هذه الآيات من ضروب الفصاحة والبلاغة ما يأتي: المجازُ في قوله {إِلَىٰ كَلِمَةٍ} حيث أطلق اسم الواحد على الجمع، والتشبيهُ في قوله {أَرْبَاباً} حيث شبّه طاعتهم لرؤساء الدين في أمر التحليل بالربّ المستحق للعبادة، والطباقُ في قوله {ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِل} والجناس التام في قوله {يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ} وجناس الاشتقاق في {أَوْلَى} و {وَلِيُّ} والتكرار في عدة مواطن، والحذف في عدة مواطن. فَائِدَة: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً إِلى "هرقل" ملك الروم يدعوه فيه إِلى الإِسلام واستشهد فيه بالآية الكريمة التي فيها إِخلاص الدعوة لعبادة الله وحده، ونصُّ الكتاب كما هو في صحيح مسلم "حديث : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إِلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتَّبع الهدى أما بعد: فإِني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلمْ تسْلَم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإِن توليت فإِن عليك إِثم الأريسيين - يعني الفلاحين والخدم - و{يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} .

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ} معناهُ عَدْلٌ.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إمحاضاً للنصح كلاماً صادراً عن لسان الحكمة والتوحيد خالياً عن وصمة الغفلة والتقليد: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} الذين يدعون الإيمان بتوحيد الله وكتبه ورسله {تَعَالَوْاْ} هلموا نتفق ونرجع {إِلَىٰ كَلِمَةٍ} حق صحيحة {سَوَآءٍ} حقيتها وصحتها {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} مسلمة ثبوتها عندنا وعندكم بلا خلاف منا ومنكم، وهي {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} المعبود بحق، المستحق للعبادة بالأصالة {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ} في عبادته {شَيْئاً} من مصنوعاته {وَ} أيضاً {لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً} واجب الإطاعة والانقياد {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} المتوحد بالألوهية، المنفرد بالمعبودية، وإن قبلوا ما قلت لهم عليه وانقادوا وأطاعوا فقد آمنوا {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن الكلمة الحقة المسلمة المتفقة عليها {فَقُولُواْ} إلزاماً وتبكيتاً {ٱشْهَدُواْ} أيها المنكرون الكافرون {بِأَنَّا} لا أنتم {مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] موحدون، مؤمنون منقادون. ثم قل لهم إلزاماً: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ} وتجادلون {فِيۤ} شأن {إِبْرَاهِيمَ} بأنه يهودي أو نصراني {وَ} الحال أنه {مَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ} المبيّن لليهودية {وَٱلإنْجِيلُ} المبيِّن للنصرانية{إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} بمدة متطاولة {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 65] أنتم أيها الكافرون المكابرون في هذه الدعوى. {هٰأَنْتُمْ} أيها الحمقى العميان في أمور الدين {هَؤُلاۤءِ} الضالون المصرون على الكفر والعناد {حَاجَجْتُمْ} جادلتم {فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} مذكور مثبت في كتابكم من بعثه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأوصافه فتغيرونه وتحرفونه عناداً بعدما ظهر عندكم حقيته {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} مثبت مذكور في كتابكم من يهودية إبراهيم ونصرانيته، فتفترون وتنسبون إلى كتباكم ما لم يذكر فيه؛ مكابرة وعناداً {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائركم {يَعْلَمُ} ما حرفتم وما افتريتم ويعاقب على مقضتى علمه {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 66] ولا تعتقدون بعلمه على ما فرطتم فيه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قل لأهل الكتاب من اليهود والنصارى { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } أي: هلموا نجتمع عليها وهي الكلمة التي اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، ولم يخالفها إلا المعاندون والضالون، ليست مختصة بأحدنا دون الآخر، بل مشتركة بيننا وبينكم، وهذا من العدل في المقال والإنصاف في الجدال، ثم فسرها بقوله { ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } فنفرد الله بالعبادة ونخصه بالحب والخوف والرجاء ولا نشرك به نبيا ولا ملكا ولا وليا ولا صنما ولا وثنا ولا حيوانا ولا جمادا { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } بل تكون الطاعة كلها لله ولرسله، فلا نطيع المخلوقين في معصية الخالق، لأن ذلك جعل للمخلوقين في منزلة الربوبية، فإذا دعي أهل الكتاب أو غيرهم إلى ذلك، فإن أجابوا كانوا مثلكم، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وإن تولوا فهم معاندون متبعون أهواءهم فأشهدوهم أنكم مسلمون، ولعل الفائدة في ذلك أنكم إذا قلتم لهم ذلك وأنتم أهل العلم على الحقيقة، كان ذلك زيادة على إقامة الحجة عليهم كما استشهد تعالى بأهل العلم حجة على المعاندين، وأيضا فإنكم إذا أسلمتم أنتم وآمنتم فلا يعبأ الله بعدم إسلام غيركم لعدم زكائهم ولخبث طويتهم، كما قال تعالى { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } الآية وأيضا فإن في ورود الشبهات على العقيدة الإيمانية مما يوجب للمؤمن أن يجدد إيمانه ويعلن بإسلامه، إخبارا بيقينه وشكرا لنعمة ربه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [64] 84- أنا أبو داود سليمان بن سَيف، [نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أني عُبيد الله] بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس قال: أخبرني أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تُجاراً في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصر ببعض الشام، فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إيلياء فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس مُلكه، وعليه التاج وحوله علماء الروم، فقال لتَرْجُمانه: سلهم أيُّهم أقرب نسبا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان/ أنا أقربهم إليه نسبا، فقال/ ما قرابة ما بينك وبينه؟ فقلت: هو ابن عمي قال:وليس في الرَّكب يومئذ رجل من بني عبد مناف غيري، قال/ : فقال قيصر: أدنوه منِّي، ثم أمر بأصحابي فجعلوا خلف ظهري عند كتفي، ثم قال لتَرْجُمانه: قل لأصحابه: إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذب فكذِّبوه، قال أبو سفيان: والله لولا الحياء يومئذ أن يأثِرَ على أصحابي الكذب لحدثته عنه حين سألني، ولكن استحييت أن يأثروا عليَّ الكذب، فصدقته عنه، ثم قال لتَرْجُمانه: قل له: كيف نسبُ هذا الرجل فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب قال: فقال: هل قال هذا القول منكم أحد قبله، قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضُعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: فيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتدُّ أحد سَخْطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل يغدِر؟ قلت: لا، ونحن منه الآن في مدة، ونحن نخاف أن يَغدر، قال أبو سفيان: ولم يمكني كلمة أُدخل فيها شيئا أنتقصه بها أخاف أن تؤثر عني غيرها، قال: فهل قاتلتموه؟ وهل قاتلكم؟ فقلت: نعم، قال: فكيف كان حربكم وحربه؟ قلت: كانت دُوَلا وسِجَالا يُدَال علينا المرة ونُدال عليه الأخرى، قال: فما كان يأمركم به؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئا، ونهانا عما كان يعبد أباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة. فقال لتَرجُمانه حين قلت ذلك: قل له: إني سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تُبْعث في نسب قومها، وسألتك: هل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ فزعمت أن لا فقلت: ألو قال/ هذا القول أحد منكم قبله قلت: رجل يأْتَمُّ بقول قيل قبله، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فقد علمت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك: هل كان من آبائه مِن مَلِك؟ فزعمت أن لا فقلت: أن لو كان من آبائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك آبائه، وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت ان ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: هل يزيدون أن ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون؛ وكذلك الإيمان حتى يتمَّ وسألتك: هل يرتد أحد سخْطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين يُخالط بشاشة القلب لا يبغضه أحد، وسألتك: هل يَغْدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك: هل قاتلتوه وقاتلكم؟ فزعمت أن قد فعل، وأن حربكم وحربه تكون دُولا، يُدال عليكم المرة، وتُدالون عليه الأخرى، وكذلك الرسل تُبْتلى ويكون لها العاقبة، وسأتلك: بماذا أمركم؟ فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عما كان يعبد أباؤكم، ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف والوفاء بالعهد، وأداء الأمانات قال: وهذه صفة نبي قد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، وإن يكن ما قلتَ حقا، فيوشك أن يملك موضع قدميَّ هاتين، فوالله لو أرجو أن أَخلُص إليه لتجشَّمْت لٌقيه ولو كنت عنده غسلت عن قدميه، قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به، فقريء فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم/ ، من محمد بن عبد الله رسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام؛ أسْلِم تَسْلم، وأَسْلم يُؤْتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأَريسيين و {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته عَلَت أصوات الروم حوله من عظماء الروم وكثر لَغَطُهم فلا أدري ماذا قالوا، وأُمر بنا فأُخْرجنا، قال أبو سفيان: فلما خرجت مع أصحابي وخلصت بهم قلت، لق أَمِر [أَمْرُ] ابن أبي كبشة؛ هذا ملك بني الأصفر يخافه، قال أبو سفيان: فوالله ما زلت ذليلا مُستيقنا بأن أمره سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كَاره.