Verse. 358 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

يٰۗاَھْلَ الْكِتٰبِ لِمَ تُحَاۗجُّوْنَ فِيْۗ اِبْرٰہِيْمَ وَمَاۗ اُنْزِلَتِ التَّوْرٰىۃُ وَالْاِنْجِيْلُ اِلَّا مِنْۢ بَعْدِہٖ۝۰ۭ اَفَلَا تَعْقِلُوْنَ۝۶۵
Ya ahla alkitabi lima tuhajjoona fee ibraheema wama onzilati alttawratu waalinjeelu illa min baAAdihi afala taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما قال اليهود: إبراهيم يهودي ونحن على دينه، وقالت النصارى كذلك: «يا أهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ» تخاصمون «في إبراهيم» بزعمكم أنه على دينكم «وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده» بزمن طويل وبعد نزولها حدثت اليهودية والنصرانية «أفلا تعقلون» بطلان قولكم.

65

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم كان على ديننا، والنصارى كانوا يقولون: كان إبراهيم على ديننا، فأبطل الله عليهم ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً؟. فإن قيل: فهذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تقولون: إن إبراهيم كان على دين الإسلام، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان طويل، فإن قلتم إن المراد أن إبراهيم كان في أصول الدين على المذهب الذي عليه المسلمون الآن، فنقول: فلم لا يجوز أيضاً أن تقول اليهود إن إبراهيم كان يهودياً بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه اليهود، وتقول النصارى إن إبراهيم كان نصرانياً بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه النصارى، فكون التوراة والإنجيل نازلين بعد إبراهيم لا ينافي كونه يهودياً أو نصرانياً بهذا التفسير، كما إن كون القرآن نازلاً بعده لا ينافي كونه مسلماً. والجواب: إن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، فظهر الفرق، ثم نقول: أما إن النصارى ليسوا على ملة إبراهيم، فالأمر فيه ظاهر، لأن المسيح ما كان موجوداً في زمن إبراهيم، فما كانت عبادته مشروعة في زمن إبراهيم لا محالة، فكان الاشتغال بعبادة المسيح مخالفة لملة إبراهيم لا محالة، وأما إن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فذلك لأنه لا شك إنه كان لله سبحانه وتعالى تكاليف على الخلق قبل مجيء موسى عليه السلام، ولا شك أن الموصل لتلك التكاليف إلى الخلق واحد من البشر، ولا شك أن ذلك الإنسان قد كان مؤيداً بالمعجزات، وإلا لم يجب على الخلق قبول تلك التكاليف منه فإذن قد كان قبل مجيء موسى أنبياء، وكانت لهم شرائع معينة، فإذا جاء موسى فإما أن يقال إنه جاء بتقرير تلك الشرائع، أو بغيرهما فإن جاء بتقريرها لم يكن موسى صاحب تلك الشريعة، بل كان كالفقيه المقرر لشرع من قبله، واليهود لا يرضون بذلك، وإن كان قد جاء بشرع آخر سوى شرع من تقدمه فقد قال بالنسخ، فثبت أنه لا بد وأن يكون دين كل الأنبياء جواز القول بالنسخ واليهود ينكرون ذلك، فثبت أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فبطل قول اليهود والنصارى بأن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، فهذا هو المراد من الآية، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} الأصل «لِما» فحذفت الألف فرقاً بين الاستفهام والخبر. وهذه الآية نزلت بسبب دعوى كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينه، فأكذبهم الله تعالى بأن اليهودية والنصرانية إنما كانتا من بعده؛ فذلك قوله: {وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ}. قال الزجاج: هذه الآية أبْيَنُ حجة على اليهود والنصارى؛ إذ التوراة والإنجيل أنزلا من بعده وليس فيهما ٱسم لواحد من الأديان، وٱسم الإسلام في كل كتاب. ويقال: كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى أيضاً ألف سنة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} دحوض حجتكم وبطلان قولكم. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرٰهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وزعم كل فريق أنه منهم وترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. والمعنى أن اليهودية والنصرانية حدثتا بنزول التوراة والإِنجيل على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وكان إبراهيم قبل موسى بألف سنة وعيسى بألفين فكيف يكون عليهما. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} فتدعون المحال. {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاء حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} ها حرف تنبيه نبهوا بها على حالهم التي غفلوا عنها، وأنتم مبتدأ و {هَـؤُلاء } خبره و {حَـٰجَجْتُمْ } جملة أخرى مبينة للأولى. أي أنتم هؤلاء الحمقى وبيان حماقتكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم مما وجدتموه في التوراة والإِنجيل عناداً، أو تدعون وروده فيه فلم تجادلون فيما لا علم لكم به ولا ذكر له في كتابكم من دين إبراهيم. وقيل {هَـؤُلاء} بمعنى الذين و {حَـٰجَجْتُمْ} صلته. وقيل ها أنتم أصله أأنتم على الاستفهام للتعجب من حماقتهم فقلبت الهمزة هاء. وقرأ نافع وأبو عمرو {هَا أَنتُمْ} حيث وقع بالمد من غير همز، وورش أقل مداً، وقنبل بالهمز من غير ألف بعد الهاء والباقون بالمد والهمز، والبزي بقصر المد على أصله. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} ما حاججتم فيه. {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وأنتم جاهلون به. {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا} تصريح بمقتضى ما قرره من البرهان. {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا} مائلاً عن العقائد الزائغة. {مُسْلِمًا} منقاداً لله وليس المراد أنه كان على ملة الإِسلام وإلا لاشترك الإِلزام. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تعريض بأنهم مشركون لإِشراكهم به عزيراً والمسيح ورد لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام. {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ} إن أخصهم به وأقربهم منه. من الولي وهو القرب. {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} من أمته. {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة. وقرىء والنبي بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه، وبالجر عطفاً على إبراهيم. {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ينصرهم ويجازيهم الحسنى لإِيمانهم. {وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} نزلت في اليهود لما دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية و {لَوْ} بمعنى أن. {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} وما يتخطاهم الإِضلال ولا يعود وباله إلا عليهم إذ يضاعف به عذابهم، أو ما يضلون إلا أمثالهم. {وَمَا يَشْعُرُونَ} وزره واختصاص ضرره بهم. {يَشْعُرُونَ يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ} بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} أنها آيات الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق.

ابن كثير

تفسير : ينكر تبارك وتعالى على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل عليه السلام، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً، فأنزل الله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىۤ إِبْرَٰهِيمَ} الآية، أي: كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهودياً، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى؟ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانياً، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ ولهذا قال تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ثم قال تعالى: {هٰأَنتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} الآية. هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ثم قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا} أي: متحنفاً عن الشرك، قاصداً إلى الإيمان {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة: {أية : وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ} تفسير : [البقرة: 135] الآية. ثم قال تعالى: { إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم. قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي عز وجل» تفسير : ثم قرأ: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} الآية، وقد رواه الترمذي والبزار من حديث أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن أبيه به، ثم قال البزار: ورواه غير أبي أحمد، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله، ولم يذكر مسروقاً. وكذا رواه الترمذي من طريق وكيع عن سفيان، ثم قال: وهذا أصح، لكن رواه وكيع في تفسيره، فقال: حدثنا سفيان عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن لكل نبي ولاية من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي عز وجل إبراهيم عليه السلام» تفسير : ثم قرأ: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} الآية. قوله: {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: ولي جميع المؤمنين برسله.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما قال اليهود إبراهيم يهوديّ ونحن على دينه وقالت النصارى كذلك: { يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ } تخاصمون {فِى إِبْرٰهِيمَ } بزعمكم أنه على دينكم {وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإِنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } بزمن طويل وبعد نزولهما حدثت اليهودية والنصرانية؟{أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بطلان قولكم؟

الشوكاني

تفسير : لما ادّعت كل واحدة من طائفتي اليهود، والنصارى أن إبراهيم عليه السلام كان على دينهم ردّ الله سبحانه ذلك عليهم، وأبان بأن الملة اليهودية، والملة النصرانية إنما كانتا من بعده. قال الزجاج: هذه الآية أبين حجة على اليهود، والنصارى أن التوراة، والإنجيل نزلا من بعده، وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، واسم الإسلام في كل كتاب. انتهى. وفيه نظر، فإن الإنجيل مشحون بالآيات من التوراة، وذكر شريعة موسى، والاحتجاج بها على اليهود، وكذلك الزبور فيه في مواضع ذكر شريعة موسى، وفي أوائله التبشير بعيسى، ثم في التوراة ذكر كثير من الشرائع المتقدّمة، يعرف هذا كل من عرف هذه الكتب المنزلة. وقد اختلف في قدر المدّة التي بين إبراهيم وموسى، والمدّة التي بين موسى، وعيسى. قال القرطبي: يقال: كان بين إبراهيم، وموسى ألف سنة، وبين موسى، وعيسى ألفا سنة. وكذا في الكشاف. قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي: تتفكرون في دحوض حجتكم، وبطلان قولكم. قوله: {تَعْقِلُونَ هأَنتُمْ هَـٰؤُلاء حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } الأصل في ها أنتم: أأنتم أبدلت الهمزة الأولى هاء؛ لأنها أختها كذا قال أبو عمرو بن العلاء، والأخفش. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقرأ قنبل: {هَـأَنْتُمْ } وقيل: الهاء للتنبيه دخلت على الجملة التي بعدها، أي: ها أنتم هؤلاء الرجال الحمقى حاججتم، وفي {هؤلاء} لغتان المدّ، والقصر. والمراد بما لهم به علم: هو ما كان في التوراة، وإن خالفوا مقتضاه، وجادلوا فيه بالباطل، والذي لا علم لهم به هو زعمهم أن إبراهيم كان على دينهم لجهلهم بالزمن الذي كان فيه. وفي الآية دليل على منع الجدال بالباطل، بل ورد الترغيب في ترك الجدال من المحقّ، كما في حديث: «حديث : من ترك المراء، ولو محقاً، فأنا ضمينه على الله يبيت في ربض الجنة»تفسير : . وقد ورد تسويغ الجدال بالتي هي أحسن لقوله تعالى: {أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النحل: 125] {أية : وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [العنكبوت: 46] ونحو ذلك، فينبغي أن يقصر جوازه على المواطن التي تكون المصلحة في فعله أكثر من المفسدة، أو على المواطن التي المجادلة فيها بالمحاسنة لا بالمخاشنة. قوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } أي: كل شيء، فيدخل في ذلك ما حاججوا به. وقد تقدّم تفسير الحنيف. قوله: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ } أي: أحقهم به، وأخصهم للذين اتبعوا ملته، واقتدوا بدينه {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، أفرده بالذكر تعظيماً له، وتشريفاً، وأولويته صلى الله عليه وسلم بإبراهيم من جهة كونه من ذريته، ومن جهة موافقته لدينه في كثير من الشريعة المحمدية {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً، فنزل فيهم: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ في إبراهيم} الآية. وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية: {هأَنتُمْ هَـٰؤُلاء حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } يقول فيما شهدتم، ورأيتم، وعاينتم: {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } يقول فيما لم تشهدوا، ولم تروا، ولم تعاينوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدّي، في الآية قال: أما الذي لهم به علم، فما حرّم عليهم وما أمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم فشأن إبراهيم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: يعذر من حاجّ بعلم، ولا يعذر من حاجّ بالجهل. وأخرج ابن جرير، عنه عن الشعبي، في قوله: {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ } قال: أكذبهم الله، وأدحض حجتهم. وأخرج أيضاً عن الربيع مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان نحوه. وأخرج عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب حدّثني ابن غنم؛ أنه لما خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، فذكر قصتهم معه، وما قالوه له لما قال له عمرو بن العاص إنهم يشتمون عيسى، وهي قصة مشهورة؛ ثم قال: فأنزلت ذلك اليوم خصومتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بالمدينة: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ } الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن لكل نبيّ ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي خليل ربي، ثم قرأ: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ } الآية»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحكم بن ميناء؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبيّ المتقون، فكونوا أنتم سبيل ذلك، فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا تحملونها، فأصدّ عنكم بوجهي، ثم قرأ عليهم: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ } الآية» تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال: كل مؤمن وليّ إبراهيم ممن مضى، وممن بقي.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ} وسبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا في أمره فقالت اليهود: ما كان إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما إلا نصرانياً، فنزلت هذه الآية تكذيباً للفريقين بما بيَّنه من نزول التوراة والإنجيل من بعده. قوله تعالى: {هَأَنتُمْ هَؤُلآءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ} يعني ما وجدوه في كتبهم. {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ} يعني من شأن إبراهيم. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} يعني شأن إبراهيم. {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فالتمسوه من عِلَلِه.

ابن عطية

تفسير : اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فقال ابن عباس: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند النبي عليه السلام فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى، ما كان إبراهيم إلا نصرانياً، فأنزل الله الآية، وقال السدي وقتادة: وحكى الطبري عن مجاهد وقتادة أيضاً: أنهما قالا نزلت الآية بسبب دعوى اليهود أنه منهم وأنه مات يهودياً، وجعل هذا القول تحت ترجمة مفردة له، والصحيح أن جميع المتأولين إنما نحوا منحى واحداً، وأن الآية في اليهود والنصارى، وألفاظ الآية تعطي ذلك فكيف يدافع أحد الفريقين عن ذلك؟ وهذه الآية مبينة فساد هذه الدعاوى، التي لا تشبه لقيام الدليل القاطع على فسادها، لأنهم ادعوا لإبراهيم الخليل نحلاً لم تحدث في الأرض، ولا وجدت إلا بعد موته بمدة طويلة، ولما كان الدليل عقلياً قال الله تعالى لهم موبخاً {أفلا تعقلون}؟ واختلف القراء في قوله {ها أنتم} في المد والهمز وتركه، فقرأ ابن كثير، "هأنتم"، في وزن هعنتم، وقرأ نافع وأبو عمرو "هانتم" استفهاماً بلا همز، وقرأ الباقون، "ها أنتم" ممدواً مهموزاً، ولم يختلفوا في مد {هؤلاء} وأولاء، فوجه قراءة ابن كثير، أنه أبدل من همزة الاستفهام الهاء، أراد "أأنتم"، ووجه قراءة نافع وأبي عمرو أحد أمرين، يجوز أن تكون "ها" التي للتنبيه دخلت على "أنتم"، ويكون التنبيه داخلاً على الجملة، كما دخل على قولهم هلم وكما دخلت - يا - التي للتنبيه في قوله ألا يا اسجدوا، وفي قول الشاعر: [البسيط] شعر : يَا قَاتَلَ صِبياناً تجيءُ بِهِمْ أمُّ الهُنَيِّدِ مِنْ زَنْدٍ لها وَاري تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : يَا لَعْنَةَ اللَّهِ وَالأَقْوَامِ كُلِّهِم والصَّالِحِينَ عَلَى سِمْعَانَ مِنْ جَارِ تفسير : وخففت الهمزة من "أنتم" ولم تحقق بعد الألف، كما قالوا في هباءة هباة، ويجوز أن تكون الهاء في {هأنتم} بدلاً من همزة الاستفهام، كوجه قراءة ابن كثير، وتكون الألف هي التي تدخل بين الهمزتين، لتفصل بينهما، ووجه قراءة الباقين "ها أنتم" مهموز ممدود يحتمل الوجهين اللذين في قراءة نافع وأبي عمرو، وحققوا الهمزة التي بعد الألف، ولم يخففوها كما خففها أبو عمرو ونافع، ومن لم ير إلحاق الألف للفصل بين الهمزتين كما يراه أبو عمرو، فينبغي أن تكون "ها" في قوله للتنبيه ولا تكون بدلاً من همزة الاستفهام، وأما {هؤلاء} ففيه لغتان، المد والقصر، وقد جمعهما بيت الأعشى في بعض الروايات: [الخفيف]. شعر : هؤلا ثُمَّ هؤلاءِ قَدِ اعْطيتَ نِعالاً مَحْذُوَّةً بِنِعَالِ تفسير : وأما إعراب {ها أنتم هؤلاء} فابتداء وخبر، و {حاججتم} في موضع الحال لا يستغنى عنها، وهي بمنزلة قوله تعالى: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون} تفسير : [البقرة: 85] ويحتمل أن يكون {هؤلاء} بدلاً أو صفة ويكون الخبر {حاججتم} وعلى مذهب الكوفيين {حاججتم}، صلة لأولاء والخبر في قوله: {فلم تحاجون} ومعنى قوله تعالى: {فيما لكم به علم} أي على زعمكم، وإنما المعنى فيما تشبه فيه دعواكم، ويكون الدليل العقلي لا يرد عليكم وفسر الطبري هذا الموضع بأنه فيما لهم به علم من جهة كتبهم وأنبائهم مما أيقنوه وثبت عندهم صحته. قال الفقيه الإمام: وذهب عنه رحمه الله أن ما كان هكذا فلا يحتاج معهم فيه إلى محاجة، لأنهم يجدونه عند محمد صلى الله عليه وسلم، كما كان هنالك على حقيقته، وباقي الآية بين.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} قال ابن عباس: اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران وأحبار اليهود فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلاّ يهودياً. وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلاّ نصرانياً فأنزل الله فيهم يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم؟ {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلاّ من بعده} ومعنى الآية اليهود والنصارى لما اختصموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن إبراهيم عليه السلام وادّعت كل طائفة أنه كان منهم وعلى دينهم فبرأ الله عز وجل إبراهيم مما ادعوا فيه وأخبر أن اليهودية والنصرانية إنما حدثا بعد نزول التوراة والإنجيل وإنما نزلا بعد إبراهيم بزمان طويل فكان بين إبراهيم وبين موسى ونزول التوراة عليه خمسمائة سنة وخمسة وسبعون سنة وبين موسى وعيسى ألف وستمائة واثنتان وثلاثون سنة. وقال ابن إسحاق: كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة سنة وخمس وستون سنة وبين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة وعشرون سنة وأورد على هذا التأويل أن الإسلام أيضاً إنما حدث بعد إبراهيم وموسى وعيسى بزمان طويل، وكذلك إنزال القرآن إنما نزل بعد التوراة والإنجيل فكيف يصح ما ادعيتم في إبراهيم أنه كان حنيفاً مسلماً وأجيب عنه بأن الله عز وجل أخبر في القرآن بأن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً فصح وثبت ما ادعاه المسلمون وبطل ما ادعاه اليهود والنصارى. وهو قوله تعالى {أفلا تعقلون} يعني بطلان قولكم يا معشر اليهود والنصارى حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال {ها أنتم هؤلاء} ها للتنبيه وهو موضع النداء يعني يا هؤلاء والمراد بهم أهل الكتابين يعني ما معشر اليهود والنصارى {حاججتم} أي جادلتم وخاصمتم {فيما لكم به علم} يعني فيما وجدتم في كتبكم وأنزل عليكم بيانه في أمر موسى وعيسى، وادعيتم أنكم على دينهما وقد أنزلت التوراة والإنجيل عليكم {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} يعني أنه ليس في كتابكم أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً {والله يعلم} يعني ما كان إبراهيم عليه من الدين {وأنتم لا تعلمون} يعني ذلك والمعنى ذلك والمعنى وأنتم جاهلون بما تقولون في إبراهيم ثم برأه الله عز وجل عما قالوا فيه وأعلمهم أن إبراهيم برئ من دينهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرٰهِيمَ...} الآية: قال ابن عبَّاس وغيره: ٱجتمعتْ نصارَىٰ نَجْرَانَ، وأحبارُ يَهُودَ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبارُ: ما كان إبراهيمُ إلاَّ يهوديًّا، وقالتِ النصارَىٰ: ما كان إبراهيمُ إلاَّ نصرانيًّا، فأنزل اللَّه الآية. ومعنى قوله تعالى: {فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ}، أي: على زعمكم، وفسَّر الطبريُّ هذا الموضع؛ بأنه فيما لهم به علْمٌ من جهة كتبهم، وأنبيائِهِمْ ممَّا أيقنوه، وثَبَتَتْ عندهم صحَّته، قال * ع *: وذهب عنه (رحمه الله)؛ أنَّ ما كان هكذا، فلا يحتاجُ معهم فيه إلى محاجَّة؛ لأنهم يجدونه عند محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ كما كان هناك على حقيقته. قُلْتُ: وما قاله الطبريُّ أَبْيَنُ، وهو ظاهر الآية، ومن المعلومِ أن أكثر ٱحتجاجاتهم إنَّما كانَتْ تعسُّفاً، وجَحْداً للحَقِّ. وقوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا} الآية: أخبر اللَّه تعالَىٰ في هذه الآية عن حقيقة أمر إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ، ونفى عنه اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ، والإشراكَ، ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً أن أَوْلَى النَّاسِ بإبراهيم هم القومُ الَّذين ٱتَّبَعُوهُ، فيدخلُ في ذلك كُلُّ من ٱتبعَ الحنيفيةَ في الفتَرَاتِ؛ و {هَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ}: يعنِي: محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بعث بالحنيفيَّة السَّمْحة، و {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}: يعني: بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وسائرِ الأنبياء؛ على ما يجبُ ثم أخبر سبحانه؛ أنه وليُّ المؤمنين؛ وعداً منْهُ لهم بالنَّصْر في الدنيا والنعيم في الآخرة؛ رَوَىٰ عبدُ اللَّهِ بْنُ مسعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قَالَ: «حديث : لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإنَّ وَلِيِّي مِنْهُمْ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي إبْرَاهِيمُ»تفسير : ، ثِمَّ قَرَأَ: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ...} الآية.

ابن عادل

تفسير : قوله: {لِمَ تُحَآجُّونَ} هي "ما" الاستفهامية، دخل عليها حرف الجر، فحُذِفَت ألفُها وتقدم ذلك في البقرة، واللام متعلقة بما بعدها، وتقديمها على عاملها واجب؛ لجرها ما له صَدْرُ الكلام. قوله: {فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} لا بد من مضافٍ محذوفٍ، أي: في دين إبراهيم وشريعته؛ لأن الذوات لا مجادلة فيها. قوله: {وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ} الظاهر أن الواو للحال، كهي في قوله: {أية : لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}تفسير : [آل عمران: 70]. أي كيف تحاجون في شريعته والحال أن التوراة والإنجيل متأخران عنه؟ وجوزوا أن تكون عاطفة، وليس بالبيِّن، وهذا الاستفهام للإنكار والتعجُّب، وقوله: {إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} متعلق بـ "أنزلت"، وهو استثناء مفرَّغ. فصل اعلم أن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم كان على ديننا، والنصارى كانوا يقولون: إن إبراهيم كان على ديننا، فقيل لهم: كيف تقولون ذلك والتوراة والإنجيل إنما نَزَلاَ من بعده بزمان طويلٍ؟ كان بين إبراهيم وبين موسى ألف سنةٍ، وبين موسى وعيسى ألف سنةٍ، فكيف يُعْقَل أنْ يكون يهوديًّا أو نصرانياً؟ فإن قيل: فهذا - أيضاً - لازم عليكم؛ لأنكم تقولون: إن إبراهيم على دين الإسلام، والإسلام إنما نزل بعده بزمان طويلٍ، فإن قلتم: المراد أن إبراهيم كان في أصول الدين على مذهب المسلمين الآن، فنقول لهم: لِمَ لا يجوز - أيضاً - أن يقول اليهود: إن إبراهيم كان يهوديًّا بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه اليهود، وتقول النصارى: إن إبراهيم كان نصرانياً بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه النصارى؟ فكون التوراة والإنجيل نازلين بعد إبراهيم لا ينافي كونه يهودياً أو نصرانياً، كما أن كون القرآن نازلاً بعده لا ينافي كونه مسلماً. فالجواب: أن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهودياً، أو نصرانياً، فظهر الفرق. ثم نقول: أما كون النصارى ليسوا على ملة إبراهيمَ فظاهر؛ لأن المسيح ما كان موجوداً في زمان إبراهيمَ فما كانت عبادته مشروعة في زمان إبراهيم - لا محالة - فكان الاشتغال بعبادة المسيح مخالفة لإبراهيم - لا محالة - وأما كون اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فلا شك أنه كان لله - تعالى - تكاليف على الخلق قبل مجيء موسى عليه السلام وكان قبله أنبياء، وكانت لهم شرائعُ معيَّنة، فلما جاء موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم، فإما أن يقال: إنّ موسَى جاء بتقرير تلك الشرائع، أو بغيرها، فإن جاء بتقريرها لم يكن موسَى صاحب الشريعةِ، بل كان كالفقيه المقرِّر لشرعِ مَنْ قبله، واليهود لا يرضَوْن بذلك. وإذا كان جاء بشرع سوى شرع مَنْ تقدمه فقد قال بالنسخ، فثبت أنه لا بد وأن يكون دين كُلِّ الأنبياء جواز القول بالنسخ، وأن النسخ حق - واليهود يُنْكرون ذلك، فثبت أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فظهر بُطْلانُ قولِ اليهود.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن اسحق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: "حديث : اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً. فأنزل الله فيهم {يا أهل الكتاب لما تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} إلى قوله {والله ولي المؤمنين} فقال أبو رافع القرظي: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران: أذلك تريد يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره. ما بذلك بعثني، ولا أمرني. فأنزل الله في ذلك من قولهما {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله} [آل عمران:79] إلى قوله {بعد إذ أنتم مسلمون} ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم، وإقرارهم به على أنفسهم فقال {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} [آل عمران: 81] إلى قوله {من الشاهدين} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال "ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة، وهم الذين حاجوا في إبراهيم، وزعموا أنه مات يهودياً. فأكذبهم الله وتفاهم منه فقال {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} وتزعمون أنه كان يهودياً أونصرانياً {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} فكانت اليهودية بعد التوراة، وكانت النصرانية بعد الإنجيل {أفلا تعقلون}". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} قال: اليهود والنصارى برأه الله منهم حين ادعى كل أمة منهم، وألحق به المؤمنين من كان من أهل الحنيفية. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} قالت النصارى: كان نصرانياً. وقالت اليهود: كان يهودياً. فأخبرهم الله أن التوراة والإنجيل إنما أنزلتا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم} يقول: فيما شهدتم ورأيتم وعاينتم {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} يقول: فيما لم تشهدوا ولم تروا ولم تعاينوا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: أما الذي لهم به علم فما حرم عليهم وما أُمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم فشأن إبراهيم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: يعذر من حاج بعلم، ولا يعذر من حاج بالجهل.

ابو السعود

تفسير : {ياْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} من اليهود والنصارى {لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرٰهِيمَ} أي في مِلّته وشريعتِه. تنازعت اليهودُ والنصارى في إبراهيمَ عليه السلام وزعم كلٌّ منهم أنه عليه السلام منهم وترافَعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، والمعنى لم تدعون أنه عليه السلام كان منكم {وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ} على موسى عليه الصلاة والسلام {وَٱلإِنجِيلُ} على عيسى عليه الصلاة والسلام {إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} حيث كان من بـينه وبـين موسى عليهما السلام ألفُ سنةٍ وبـين موسى وعيسى عليهما السلام ألفا سنةٍ فكيف يمكن أن يتفوَّهَ به عاقلٌ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي ألا تتفكرون فلا تعقِلون بطلانَ مذهبِكم أو أتقولون ذلك فلا تعقلون بُطلانه {هأَنتُمْ هَـٰؤُلاء} جملةٌ من مبتدإ وخبر صُدِّرت بحرف التنبـيه ثم بُـيِّنت بجملة مستأنفة إشعاراً بكمال غفلتِهم أي أنتم هؤلاءِ الأشخاصُ الحمق حيث {حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} في الجملة حيث وجدتموه في التوراة والإنجيل، {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أصلاً إذ لا ذِكْرَ لدين إبراهيمَ في أحد الكتابـين قطعاً وقيل: هؤلاء بمعنى الذين وحاججتم صلتُه وقيل: ها أنتم أصلُه أأنتم على الاستفهام للتعجب قلبت الهمزةُ هاءً {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} ما حاججتم فيه أو كلَّ شيءٍ فيدخُل فيه ذلك دخولاً أولياً {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي محلَّ النزاعِ أو شيئاً من الأشياء التي من جملتها ذلك {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا} تصريحٌ بما نطَق به البرهانُ المقرِّر {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا} أي مائلاً عن العقائد الزائغةِ كلِّها {مُسْلِمًا} أي منقاداً لله تعالى، وليس المرادُ أنه كان على مِلَّة الإسلامِ وإلا لاشترك الإلزامُ {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تعريضٌ بأنهم مشركون بقولهم: عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله وردٌّ لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ} أي أقربَهم إليه وأخصَّهم به {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} أي في زمانه {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} لموافقتهم له في أكثرِ ما شُرع لهم على الأصالة، وقرىء النبـيَّ بالنصب عطفاً على الضمير في اتبعوه وبالجر عطفاً على إبراهيمَ {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ينصُرهم ويجازيهم الحسنى بإيمانهم، وتخصيصُ المؤمنين بالذكر ليثبُتَ الحكمُ في النبـيِّ صلى الله عليه وسلم بدَلالة النصِّ {وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} نزلت في اليهود حين دعَوا حُذيفةَ وعماراً ومُعاذاً إلى اليهودية و{لَوْ} بمعنى أن {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ} جملةٌ حاليةٌ جيء بها للدَلالة على كمال رسوخِ المخاطبـين وثباتِهم على ما هم عليه من الدين القويم أي وما يتخطاهم الإضلالُ ولا يعود وبالُه إلا إليهم لما أنه يُضاعفُ به عذابُهم وقيل: وما يُضِلّون إلا أمثالَهم ويأباه قوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي باختصاص وبالِه وضررِه بهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا اهل الكتاب} من اليهود والنصارى {لم تحاجون} تجادلون {فى} ملة {ابراهيم} وشريعته تنازعت اليهود والنصارى فى ابراهيم عليه السلام وزعم كل واحد منهما انه عليه السلام منهم وترافعا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت والمعنى لم تدعون انه عليه السلام كان منكم {وما انزلت التوراة} على موسى عليه السلام {والانجيل} على عيسى عليه السلام {الا من بعده} اى من بعد موته وانتم سميتم بالبهودية والنصرانية بعد نزل الكتاب {أفلا تعقلون} اى ألا تتفكرون فلا تعقلون بطلان مذهبكم فتجادلون بالجدال المحال لان بين ابراهيم وموسى الف سنة وبين موسى وعيسى الفى سنة فكيف يكون ابراهيم على دين لم يحدث الا بعد عهده بازمنة متطاولة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ها أنتم}: أصله: أنتم، دخلت عليه هاء التنبيه، وقال الأخفش: أصله: أأنتم، فقلبت الهمزة الأولى هاء، كقوله: هرقت. وتوجيه القراءات معلوم في محله، و {أنتم}: مبتدأ، و {هؤلاء}: خبره، و {حاججتم}: جملة مبينة للأولى، أو {حاججتم}: خبر، و {هؤلاء}: منادى بحذف النداء، و {حنيفاً}: حال، أي: مائلاً عن الأديان إلا دين الإسلام. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أهل الكتاب لم تُحاجون في إبراهيم}، ويدعي كل فريق أنه كان على دينه، {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده}، فكيف يكون يهوديّاً، ودينكم إنما حدث بعد إبراهيم بألف سنة؟! وكيف يكون نصرانيّاً، ودين النصارنية إنما ظهر بعد إبراهيم بألفي سنة؟! {أفلا تعقلون} فتدعون المحال، {هاأنتم} يا {هؤلاء} الحمقى {حاججتم فيما لكم به علم} من أمر محمد - عليه الصلاة والسلام - ونبوته، مما وجدتموه في التوراة والإنجيل، فأنكرتموه عناداً وحسداً، فَلِمَ تجادلون فيما لا علم لكم به، ولا ذكر في كتابكم من شأن إبراهيم؟ {والله يعلم} ما خصمتم فيه، {وأنتم لا تعلمون}، بل أنتم جاهلون. ثم صرّح بتكذيب الفريقين فقال: {ما كان إبراهيم يهوديّاً ولا نصرانيّاً ولكن كان حنيفاً} مائلاً عن العقائد الزائفة، {مسلماً} منقاداً لأحكام ربه. وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام، وإلا لكان مشترك الإلزام، لأن دين الإسلام مؤخر أيضاً، فكان إبراهيم إمام الموحدين، {وما كان من المشركين} كما عليه اليهود والنصارى والمشركون. ففيه تعريض بهم، ورد لادعائهم أنهم على ملته. ثم ذكر مَنْ أولى الناس به، فقال: {إن أولى الناس بإبراهيم} أي: أخصهم به وأقربهم منه، {للذين اتبعوه} من أمته في زمانه، {وهذا النبيّ} محمد صلى الله عليه وسلم، {والذين آمنوا}؛ لموافقتهم له في أكثر الأحكام، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لكُلِّ نَبيَ وُلاة مِنَ النَّبيِّينَ، وإنَّ وَلِيِّي منهم أبِي وَخَلِيل ربِّي"تفسير : . يعني إبراهيم عليه السلام، {والله ولي المؤمنين} أي: ناصرهم على سائر الأديان، ومجازيهم بغاية الإحسان. الإشارة: ترى كثيراً من المتفقرة يخصون الكمال بطريقهم، ويخاصمون في طريق غيرهم، وهي نزعة أهل الكتاب، حائدة عن الرشد والصواب، فأولى بالحق من اتبع السنة المحمدية، وتخلق بالأخلاق المرضية، وزهد في الدارين، ورفع همته عن الكونين، ورفع حجاب الغفلة عن قلبه، حتى أشرقت عليه أنوار ربه، واتصل بأهل التربية النبوية، فزجوا به في بحار الأحدية، ثم ردوه إلى مقام الصحو والتكميل، فيا له من مقام جليل، فهذه ملة إبراهيم الخليل، وبها جاء الرسول الجليل حبيب الرحمن، وقطب دائرة الزمان، سيد المرسلين، وإمام العارفين، ورسول رب العالمين، صلى الله عليه وسلم دائماً إلى يوم الدين.

الطوسي

تفسير : النزول: روي عن ابن عباس، والحسن، وقتادة والسدي أن أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتنازعوا في ابراهيم، فقالت اليهود: ما كان إلا يهودياً. وقالت النصارى ما كان إلا نصرانياً، فأنزل الله تعالى هذه الآية. اللغة: وقوله: {لم تحاجون} فالحجاج، والمحاجة واحد، وهو الجدال أما بحجة أو شبهة، وقد يسمى الجدال بابهام الحجة حجاجاً، وعلى ذلك كان أهل الكتاب في ادعائهم لابراهيم، لأنهم أوهموا صحة الدعوى من غير سلوك لطريق الهدى ولا تعلق بما يظن به صحة المعنى. وأما الحجة فهو البيان الذي يشهد لصحة المقالة، وهي والدلالة بمعنى واحد. والفرق بين الحجاج والجدال أن الحجاج يتضمن اما بحجة أو شبهة أو ابهام في الحقيقة، لأن أصله من الجدل، وهو شدة الفتل. المعنى: وقوله: {أفلا تعقلون} معناه أفلا تعقلون فساد هذه الدعوى إذ العقل يمنع من الاقامة على دعوى بغير حجة، فكيف بما قد علم، وظهر فساده بالمناقضة. وفي ذلك دلالة على أن العاقل لا يعذر في الاقامة على الدعوى من غير حجة، لما فيه من البيان عن الفساد والانتقاض. ولأن العقل طريق العلم، فكيف يضل عن الرشد قد جعل الله إليه السبيل!.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} نداء من محمّد (ص) وامّته لهم على سبيل التبجّح وما بعده من كلامهم او مستأنف من الله تعالى او النّداء من الله لهم وعلى اىّ تقدير يدلّ الاتيان باداة نداء البعيد على كمال غفلتهم وحاجتهم الى نداء البعيد {لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} اى فى شريعته وملّته وانّه على اىّ ملّة كان على ما قيل انّ احبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند رسول الله (ص) فتنازعوا فى ابراهيم (ع) فقالت اليهود: ما كان الاّ يهوديّاً، وقالت النّصارى: ما كان الاّ نصرانيّاً فأنزل الله هذه الآية {وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} يعنى انّ ملّة التهوّد وشريعته كانت من التّوراة وشريعة التّنصر كانت من الانجيل ونزلت التّوراة بعد ابراهيم نحواً من الف سنة ونزل الانجيل بعده نحواً من الفين {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} انّ هذه دعوى برهان بطلانها معها ولا يدّعى مثلها العاقل.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون} الآية، زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم وجادلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين، فقيل لهم: أن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإِنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بزمان {أفلا تعقلون} حتى لا تجادلون بمثل هذا الجدال، قوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم} جادلتم {فيما لكم به علم} فيما نطق التوراة والإِنجيل {فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم} ولا ذكر له في كتابكم من دين إبراهيم، قوله تعالى: {ولكن كان حنيفاً} منقاداً لله تعالى {مسلماً وما كان من المشركين} وأراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم في عزير والمسيح {إن أولى الناس بإِبراهيم} أي أخصهم به وأقربهم إليه {للذين اتبعوه} في زمانه وبعده {وهذا النبي} خصوصاً {والذين آمنوا} من أمته {ودت طائفة} وهم اليهود، دعوا حذيفة وعمار ومعاذ إلى اليهودية {وما يضلّون إلا أنفسهم} يعني وما يعود وبال الاضلال إلا عليهم لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم وما يقدرون على إضلال المسلمين، وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم، قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} أي التوراة والإِنجيل وكفرهم بها أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبَّوة محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {وأنتم تشهدون} نعته في الكتابين، أو تكفرون بآيات الله جميعاً وأنتم تعلمون أنها حق، قوله تعالى: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} والمعنى أظهروا الإِيمان بما أنزل على المسلمين في أول النهار واكفروا آخره بهم، لعلهم يشكون في دينهم ويقولون ما رجعوا وهم أهل كتاب إلا أنهم قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم، وقيل: نزلت في اثني عشر من أحبار يهود خيبر، قال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار من غير اعتقاد واكفروا به في آخره، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس كذلك النبي المبعوث، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإن فعلتم ذلك شك اصحابه في دينه، وقيل: هذا في شأن القِبلة لما صرفت إلى الكعبة، قال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلَّوا إليها في أول النهار ثم اكفروا به آخره وصلّوا إلى الصخرة، لعلهم يقولون هم أعلم منا فيرجعون يحاجونكم بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة، أو يحاجّوكم عند ربكم يعني يوم القيامة {قل إن الفضل بيد الله} يريد به الهداية والتوفيق.

اطفيش

تفسير : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِى إِبْرَاهِيمَ}: أى فى ملته. {وَمَآ أُنْزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ}: تنازع وفد نجران وأحبار اليهود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ملة إبراهيم، فادعاها اليهودى، وقالوا: إنهُ يهودى، وادعاها النصرانى وقالوا: إنهُ نصرانى، فرد الله عليهم جميعاً بأنه كيف يكون إبراهيم على حكم التوراة أو الإنجيل وهما نازلان بعده؟ وكيف يكون على الضلال الذى كانت عليه اليهود والنصارى، المحرفين للتوراة والإنجيل؟ وكيف ينسب لليهودية والنصرانية الحادثتين بعده؟ فبينه وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وستون سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة وعشرون سنة، قاله ابن اسحاق. وقيل: بين إبراهيم وموسى - عليهما السلام - خمسمائة وخمس وسبعون سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة وستمائة واثنتان وثلاثون سنة، وقيل: بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين إبراهيم وعيسى ألفان، بخلاف دين محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه هو نفسه دين إبراهيم عليه السلام، إذ أخبرنا الله أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، وقال {أية : ملَّة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} تفسير : وفى هذا {وتحاجون} تفاعلون من الحجة، وجملة ما أنزلت إلخ حال من إبراهيم أو من الواو. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}: بطلان قولكم، فتتركوا الجدال بالمحال.

اطفيش

تفسير : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} نزلت لما قدم وفد نجران وهم نصارى عرب، إلى المدينة واجتمعوا باليهود، فقالت النصارى إبراهيم نصرانى وهم على دينه، واليهود إنه يهودى وهم على دينه، فكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم، فقال اليهود، ما تريد إلا أن نتخذك ربَّا كما اتخذت النصارى عيسى ربا، وقال النصارى ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود فى عزير، أو نزل فى هذا قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا} إلخ، وقوله يا أهل الكتاب، لم تحاجون الخ، أو نزل فى خصوصه قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا}، أو نزل فى مطلق قول اليهود إنه يهودى ونحن على دينه، والنصارى نصرانى ونحن على دينه قوله تعالى يا أهل الكتاب {لِمَ تُحَآجُّونَ فِى إبْرَاهِيمَ} دين إبراهيم يزعمكم أنكم على دينه وتنازعكم عند محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم تنازعوا فى ذلك عنده، قالت اليهود، ما كان إبراهيم إلا يهوديا، والنصارى ما كان إلا نصرانيا، فحكم بأن الفريقين ليسوا على دينه، كما قال الله عز وجل وعلا {وَمَآ أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ} بزمان طويل، وبعد نزول التوراة حدثت اليهودية، وبعد نزول الإنجيل حدثت النصرانية، ولا سيما أنهم خالفوا التوراة والإنجيل إلا من عصمه الله عز وجل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، أو سبعمائة، أو خمسمائة وخمسة وستون، وبين موسى وعيسى ألف سنة فيما قيل، وقيل ألف وتسعمائة وخمسة وعشرون، وقيل ألفان، وقيل بين إبراهيم وموسى ألفان، وإنما تتحقق اليهودية بمتابعة التوراة، والنصرانية بمتابعة الإنجيل، فبطلت اليهودية بمخالفة الإنجيل أيضاً بعد نزوله، والنصرانية واليهودية بمخالفة القرآن بعد نزوله، ولم يبق إلا اليهودية والنصرانية المبطلتان {أَفَلاَ تعْقِلُونَ} أتهملون التفكر فلا تعقلون، أو تقولون ذلك فلا تعقلون.

الالوسي

تفسير : {يٰأَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } خطاب لليهود والنصارى {لِمَ تُحَآجُّونَ فِى إِبْرٰهِيمَ } أي تنازعون وتجادلون فيه ويدعي كل منكم أنه عليه السلام كان على دينه، أخرج ابن إسحق، وابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية» والظرف الأول متعلق بما بعده وكذا الثاني، و ـ ما ـ استفهامية، والغرض الإنكار والتعجب ـ عند السمين ـ وحذفت ألفها لما دخل الجار للفرق بينها وبين الموصولة، والكلام على حذف مضاف أي دين إبراهيم أو شريعته لأن الذوات لا مجادلة فيها {وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَاةَ} على موسى عليه السلام { وَٱلإِنجِيلَ } على عيسى عليه السلام {إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } حيث كان بينه وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وخمس وستون سنة، وقيل: سبعمائة، وقيل: ألف سنة وبين موسى وعيسى عليهما السلام ألف وتسعمائة وخمس وعشرون سنة، وقيل: ألفا سنة، وهناك أقوال أخر. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } الهمزة داخلة على مقدر هو المعطوف عليه بالعاطف المذكور على رأي ـ أي ألا تتفكرون فلا تعقلون بطلان قولكم ـ أو أتقولون ذلك فلا تعقلون بطلانه، وهذا تجهيل لهم في تلك الدعوى وتحميق، وهو ظاهر إن كانوا قد ادعوا ـ كما قال الشهاب ـ إنه عليه السلام منهم حقيقة، وإن كان مدعاهم أن دين إبراهيم يوافق دين موسى، أو دين عيسى فهو يهودي، أو نصراني بهذا المعنى فتجهيلهم، ونفي العقل عنهم بنزول التوراة والإنجيل بعده ـ مشكل إلا أن يدعى بأن المراد أنه لو كان الأمر كذلك لما أوتي موسى عليه السلام التوراة، ولا عيسى عليه السلام الإنجيل بل كانا يؤمران بتبليغ صحف إبراهيم ـ كذا قيل ـ وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل إذ لقائل أن يقول: أي مانع من اتحاد الشريعة مع إنزال هذين الكتابين لغرض آخر غير بيان شريعة جديدة على أن الصحف لم تكن مشتملة على الأحكام بل كانت أمثالاً ومواعظ كما جاء في الحديث، ثم ما قاله الشهاب ـ وإن كان وجه التجهيل عليه ظاهراً، إلا أن صدور تلك الدعوى من أهل الكتاب في غاية البعد لأن القوم لم يكونوا بهذه المثابة من الجهالة وفيهم أحبار اليهود ووفد نجران، وقد ذكر أن الأخيرين كانت لهم شدة في البحث، فقد أخرج ابن جرير عن عبد الله بن الحرث الزبيدي أنه قال: «سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً فلا أراهم ولا يروني» تفسير : من شدة ما كانوا يمارون النبـي صلى الله عليه وسلم اللهم/ إلا أن يقال: إن الله تعالى أعمى بصائرهم في هذه الدعوى ليكونوا ضحكة لأطفال المؤمنين، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل التعنت والعناد ليغيظ كل منهم صاحبه؛ أو ليوهموا بعض المؤمنين ظناً منهم أنهم لكونهم أميين غير مطلعين على تواريخ الأنبياء السالفين يزلزلهم مثل ذلك ففضحهم الله تعالى، أو أن القوم في حدّ ذاتهم جهلة لا يعلمون وإن كانوا أهل كتاب ـ وما ذكره ابن الحرث ـ لا يدل على علمهم كما لا يخفى، وقيل: إن مراد اليهود بقولهم: إن إبراهيم عليه السلام كان يهودياً أنه كان مؤمناً بموسى عليه السلام قبل بعثته على حدّ ما يقوله المسلمون في سائر المرسلين عليهم الصلاة والسلام من أنهم كانوا مؤمنين بنبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثته كما يدل عليه تبشيرهم به، وأن مراد النصارى بقولهم: إن إبراهيم كان نصرانياً نحو ذلك فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: {وَمَا أُنَزِلَتِ ٱلتَّوْرَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } أي ومن شأن المتأخر أن يشتمل على أخبار المتقدم لا سيما مثل هذا الأمر المهم والمفخر العظيم والمنة الكبرى أفلا تعقلون ما فيهما لتعلموا خلوهما عن الإخبار بيهوديته ونصرانيته اللتين زعمتموهما، ثم نبه سبحانه على حماقتهم بقوله جل وعلا: {هٰأَنتُمْ هَـٰؤُلآءِ}.

سيد قطب

تفسير : هذا الشوط من السورة ما يزال يجري مع الخط الأول الأساسي العريض فيها.. خط المعركة بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة.. معركة العقيدة، وما يبذل أعداء هذا الدين من جهد ومن حيلة ومن مكيدة ومن خداع، ومن كذب، ومن تدبير، للبس الحق بالباطل، وبث الريب والشكوك، وتبييت الشر والضر لهذه الأمة بلا وناة ولا انقطاع.. ثم مواجهة القرآن لهذا كله، بتبصير المؤمنين بحقيقة ما هم عليه من الحق؛ وحقيقة ما عليه أعداؤهم من الباطل؛ وحقيقة ما يبيته لهم هؤلاء الأعداء.. وأخيراً بتشريح هؤلاء الأعداء.. طباعهم وأخلاقهم وأعمالهم ونياتهم.. على مشهد من الجماعة المسلمة. لتعريفها حقيقة أعدائها، وفضح ما يضفونه على أنفسهم من مظاهر العلم والمعرفة، وتبديد ثقة المخدوعين من المسلمين فيهم، وتنفيرهم من حالهم, وإسقاط دسائسهم بتركها مكشوفة عوراء، لا تخدع أحداً ولا تنطلي على أحد! ويبدأ هذا الشوط بمواجهة أهل الكتاب - اليهود والنصارى - بسخف موقفهم وهم يحاجون في إبراهيم - عليه السلام - فيزعم اليهود أنه كان يهودياً، ويزعم النصارى أنه كان نصرانياً. على حين أن إبراهيم سابق لليهودية والنصرانية، سابق للتوراة والإنجيل. والحجاج فيه على هذا النحو مراء لا يستند إلى دليل.. ويقرر حقيقة ما كان عليه إبراهيم.. لقد كان على الإسلام.. دين الله القويم. وأولياؤه هم الذين يسيرون على نهجه. والله ولي المؤمنين أجمعين.. ومن ثم تسقط ادعاءات هؤلاء وهؤلاء؛ ويتبين خط الإسلام الواصل بين رسل الله والمؤمنين بهم على توالي القرون: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا. والله ولي المؤمنين}.. يلي ذلك في السياق كشف الهدف الأصيل الكامن وراء مماراة أهل الكتاب في إبراهيم وغير إبراهيم - مما سبق في السورة ومما سيجيء - فهو الرغبة الملحة في إضلال المسلمين عن دينهم - وتشكيكهم في عقيدتهم.. ومن ثم يتجه بالتقريع إلى المضللين: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون؟ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون؟}.. ثم يطلع الجماعة المسلمة على لون من تبييت أعدائهم وتدبيرهم، لزعزعة ثقتهم في عقيدتهم ودينهم, بطريقة خبيثة ماكرة لئيمة. ذلك أن يعلنوا إيمانهم بالإسلام أول النهار، ثم يكفروا بالإسلام آخره.. كي يلقوا في روع غير المتثبتين في الصف المسلم - ومثلهم موجود دائماً في كل صف - أنه لأمر ارتد أهل الكتاب، الخبيرون بالكتب والرسل والديانات: {وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون}.. وهو كيد خبيث لئيم! ثم يكشف عن طبيعة أهل الكتاب وأخلاقهم ونظرتهم للعهود والمواثيق - على أمانة في بعضهم لا ينكرها عليهم - فأما البعض الآخر فلا أمانة له ولا عهد ولا ذمة؛ وهم يفلسفون جشعهم وخيانتهم ويدعون لها سنداً من دينهم، ودينهم من هذا الخلق بريء: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك. ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً. ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}.. وفي هذا الموضع يبين طبيعة نظرة الإسلام الأخلاقية ومبعثها وارتباطها بتقوى الله: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين. إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم}.. ويمضي يعرض نموذجاً آخر من التواء أهل الكتاب وكذبهم الرخيص في أمر الدين, ابتغاء مكاسب الأرض وهي كلها ثمن قليل: {وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب، لتحسبوه من الكتاب، وما هو من الكتاب. ويقولون: هو من عند الله. وما هو من عند الله. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}.. ومن هذا الذي يلوون ألسنتهم فيه ما يدعونه من ألوهية للمسيح وللروح القدس.. وينفي الله - سبحانه - أن يكون المسيح - عليه السلام - قد جاءهم بهذا في الكتاب أو أمرهم به: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، ثم يقول للناس: كونوا عباداً لي من دون الله. ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً. أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون}.. وبهذه المناسبة يذكر حقيقة الصلة بين موكب الرسل المتتابعة.. وهي عهد الله عليهم أن يسلم السابق منهم للاحق وينصره: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين: لما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه. قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟ قالوا: أقررنا. قال: فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}.. ومن ثم يتعين على أهل الكتاب أن يؤمنوا بالرسول الأخير وينصروه. ولكنهم لا يوفون بعهد الله معهم ومع رسلهم الأولين. وفي ظل هذا العهد الساري يقرر أن الذي يبتغي ديناً غير دين الله.. الإسلام.. يخرج في الحقيقة على نظام الكون كله كما أراده الله: {أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً؟ وإليه يرجعون؟}.. فيبدو هؤلاء الذين يخرجون عن إسلام أمرهم لله كله، والطاعة والاتباع لمنهج الله في خضوع واستسلام.. يبدو هؤلاء شذاذاً خارجين على نظام الوجود الكبير! هنا يوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين معه إلى إعلان الإيمان بدين الله الواحد، ممثلاً في كل ما جاء به الرسل أجمعين. وأن الله لا يقبل من البشر جميعاً إلا هذا الدين: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين}.. فأما الذين لا يؤمنون بهذا الدين فلا مطمع لهم في هداية الله. ولا في النجاة من عقابه. إلا أن يتوبوا. وأما الذين يموتون وهم كفار فلن ينفعهم أن يكونوا قد بذلوا، ما بذلوا ولن ينجيهم أن يفتدوا بملء الأرض ذهباً! وبمناسبة البذل والفداء يحبب للمسلمين أن ينفقوا مما يحبون من مال في هذه الدنيا، ليجدوه عند الله مدخراً يوم القيامة: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم}.. وهكذا يستعرض هذا الشوط الواحد هذا الحشد من الحقائق والتوجيهات. وهو شوط في المعركة الضخمة التي تعرضها السورة، دائرة بين الجماعة المسلمة وأعداء هذا الدين. من وراء القرون. وهي ذاتها المعركة الدائرة اليوم، لا تختلف فيها الأهداف والغايات، وإن اختلفت أشكال الوسائل والأدوات.. وهي هي في خطها الطويل المديد.. فلننظر في النصوص - بعد هذا الإجمال - نظرة استيعاب وتفصيل: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم، وما أنزلت التوراة والإنجيل إلاّ من بعده؟ أفلا تعقلون؟ ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم؟ والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً،وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا. والله ولي المؤمنين}. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي - مولى زيد بن ثابت - حدثني سعيد بن جبير - أو عكرمة - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنازعوا عنده. فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً. فأنزل الله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم...} الآية. وسواء كانت هذه هي مناسبة نزول الآية أو لم تكن، فظاهر من نصها أنها نزلت رداً على ادعاءات لأهل الكتاب، وحجاج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أو مع بعضهم البعض في حضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والهدف من هذه الادعاءات هو احتكار عهد الله مع إبراهيم - عليه السلام - أن يجعل في بيته النبوة؛ واحتكار الهداية والفضل كذلك. ثم - وهذا هو الأهم - تكذيب دعوى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه على دين إبراهيم، وأن المسلمين هم ورثة الحنيفية الأولى؛ وتشكيك المسلمين في هذه الحقيقة، أو بث الريبة في نفوس بعضهم على الأقل.. ومن ثم يندد الله بهم هذا التنديد؛ ويكشف مراءهم الذي لا يستند إلى دليل. فإبراهيم سابق على التوراة وسابق على الإنجيل. فكيف إذن يكون يهودياً؟ أو كيف إذن يكون نصرانياً؟ إنها دعوى مخالفة للعقل، تبدو مخالفتها بمجرد النظرة الأولى إلى التاريخ: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟ أفلا تعقلون؟}. ثم يمضي في التنديد بهم؛ وإسقاط قيمة ما يدلون به من حجج, وكشف تعنتهم وقلة اعتمادهم على منهج منطقي سليم في الجدل والحوار: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم؟ والله يعلم وأنتم لا تعلمون؟}. وقد جادلوا في أمر عيسى عليه السلام؛ كما يبدو أنهم جادلوا في بعض الأحكام التشريعية حين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم تولوا وهم معرضون.. وكان هذا وذاك في دائرة ما يعلمون من الأمر، أما أن يجادلوا فيما هو سابق على وجودهم، ووجود كتبهم ودياناتهم.. فهو الأمر الذي لا سند له ولو كان سنداً شكلياً.. فهو الجدل إذن لذات الجدل. وهو المراء الذي لا يسير على منهج، وهو الغرض إذن والهوى.. ومن كان هذا حاله فهو غير جدير بالثقة فيما يقول. بل غير جدير بالاستماع أصلا لما يقول! حتى إذا انتهى السياق من إسقاط قيمة جدلهم من أساسه، ونزع الثقة منهم ومما يقولون، عاد يقرر الحقيقة التي يعلمها الله. فهو - سبحانه - الذي يعلم حقيقة هذا التاريخ البعيد؛ وهو الذي يعلم كذلك حقيقة الدين الذي نزله على عبده إبراهيم. وقوله الفصل الذي لا يبقى معه لقائل قول؛ إلا أن يجادل ويماري بلا سلطان ولا دليل: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً. ولكن كان حنيفاً مسلماً. وما كان من المشركين}.. فيؤكد ما قرره من قبل ضمناً من أن إبراهيم - عليه السلام - ما كان يهودياً ولا نصرانياً. وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده. ويقرر أنه كان مائلاً عن كل ملة إلا الإسلام. فقد كان مسلماً.. مسلماً بالمعنى الشامل للإسلام الذي مر تفصيله وبيانه.. {وما كان من المشركين}.. وهذه الحقيقة متضمنة في قوله قبلها {ولكن كان حنيفاً مسلماً}.. ولكن إبرازها هنا يشير إلى عدة من لطائف الإشارة والتعبير: يشير أولاً إلى أن اليهود والنصارى - الذين انتهى أمرهم إلى تلك المعتقدات المنحرفة - مشركون.. ومن ثم لا يمكن أن يكون إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً. ولكن حنيفاً مسلماً! ويشير إلى أن الإسلام شيء والشرك شيء آخر. فلا يلتقيان. الإسلام هو التوحيد المطلق بكل خصائصه. وكل مقتضياته. ومن ثم لا يلتقي مع لون من ألوان الشرك أصلاً. ويشير ثالثاً إلى إبطال دعوى المشركين من قريش كذلك أنهم على دين إبراهيم، وسدنة بيته في مكة.. فهو حنيف مسلم، وهم مشركون. {وما كان من المشركين}! وما دام أن إبراهيم - عليه السلام - كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، فليس لأي من اليهود أو النصارى - أو المشركين أيضاً - أن يدعي وراثته، ولا الولاية على دينه، وهم بعيدون عن عقيدته.. والعقيدة هي الوشيجة الأولى التي يتلاقى عليها الناس في الإسلام. حين لا يلتقون على نسب ولا أرومة ولا جنس ولا أرض، إذا أنبتت تلك الوشيجة التي يتجمع عليها أهل الإيمان. فالإنسان في نظر الإسلام إنسان بروحه. بالنفخة التي جعلت منه إنساناً. ومن ثم فهو يتلاقى على العقيدة أخص خصائص الروح فيه. ولا يلتقي على مثل ما تلتقي عليه البهائم من الأرض والجنس والكلأ والمرعى والحد والسياج! والولاية بين فرد وفرد، وبين مجموعة ومجموعة، وبين جيل من الناس وجيل، لا ترتكن إلى وشيجة أخرى سوى وشيجة العقيدة. يتلاقى فيها المؤمن والمؤمن. والجماعة المسلمة والجماعة المسلمة. والجيل المسلم والأجيال المسلمة من وراء حدود الزمان والمكان، ومن وراء فواصل الدم والنسب، والقوم والجنس؛ ويتجمعون أولياء - بالعقيدة وحدها - والله من ورائهم ولي الجميع: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا. والله ولي المؤمنين}.. فالذين اتبعوا إبراهيم - في حياته - وساروا على منهجه، واحتكموا إلى سنته هم أولياؤه. ثم هذا النبي الذي يلتقي معه في الإسلام بشهادة الله أصدق الشاهدين. ثم الذين آمنوا بهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - فالتقوا مع إبراهيم - عليه السلام - في المنهج والطريق. {والله ولي المؤمنين}.. فهم حزبه الذين ينتمون إليه، ويستظلون برايته، ويتولونه ولا يتولون أحداً غيره. وهم أسرة واحدة. وأمة واحدة. من وراء الأجيال والقرون، ومن وراء المكان والأوطان؛ ومن وراء القوميات والأجناس، ومن وراء الأرومات والبيوت! وهذه الصورة هي أرقى صورة للتجمع الإنساني تليق بالكائن الإنساني. وتميزه من القطيع! كما أنها هي الصورة الوحيدة التي تسمح بالتجمع بلا قيود. لأن القيد الواحد فيها اختياري يمكن لكل من يشاء أن يفكه عن نفسه بإرادته الذاتية. فهو عقيدة يختارها بنفسه فينتهي الأمر.. على حين لا يملك الفرد أن يغير جنسه - إن كانت رابطة التجمع هي الجنس - ولا يملك أن يغير قومه - إن كانت رابطة التجمع هي القوم - ولا يملك أن يغير لونه - إن كانت رابطة التجمع هي اللون - ولا يملك بيسر أن يغير لغته إن كانت رابطة التجمع هي اللغة - ولا يملك بيسر أن يغير طبقته - إن كانت رابطة التجمع هي الطبقة - بل قد لا يستطيع أن يغيرها أصلا إن كانت الطبقات وراثة كما في الهند مثلاً. ومن ثم تبقى الحواجز قائمة أبداً دون التجمع الإنساني، ما لم ترد إلى رابطة الفكرة والعقيدة والتصور.. الأمر المتروك للاقتناع الفردي، والذي يملك الفرد بذاته، بدون تغيير أصله أو لونه أو لغته أو طبقته أن يختاره، وأن ينضم إلى الصف على أساسه. وذلك فوق ما فيه من تكريم للإنسان، بجعل رابطة تجمعه مسألة تتعلق بأكرم عناصره، المميزة له من القطيع! والبشرية إما أن تعيش - كما يريدها الإسلام - أناسيّ تتجمع على زاد الروح وسمة القلب وعلامة الشعور.. وإما أن تعيش قطعاناً خلف سياج الحدود الأرضية، أو حدود الجنس واللون.. وكلها حدود مما يقام للماشية في المرعى كي لا يختلط قطيع بقطيع!!! ثم يكشف للجماعة المسلمة عما يريده بها أهل الكتاب من وراء كل جدال وكل مراء. ويواجه أهل الكتاب بألاعيبهم وكيدهم وتدبيرهم على مرأى ومسمع من الجماعة المسلمة أيضاً. وهو يمزق عنهم الأردية التي يتخفون تحتها، فيقفهم أمام الجماعة المسلمة عراة مفضوحين: {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم. وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون. يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون؟ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون؟ وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون. ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم - قل: إن الهدى هدى الله - أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم - قل: إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم. يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم}. إن الإحنة التي يكنها أهل الكتاب للجماعة المسلمة هي الإحنة المتعلقة بالعقيدة. إنهم يكرهون لهذه الأمة أن تهتدي. يكرهون لها أن تفيء إلى عقيدتها الخاصة في قوة وثقة ويقين. ومن ثم يرصدون جهودهم كلها لإضلالها عن هذا المنهج، والإلواء بها عن هذا الطريق: {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم}.. فهو ود النفس ورغبة القلب والشهوة التي تهفو إليها الأهواء من وراء كل كيد، وكل دس، وكل مراء، وكل جدال، وكل تلبيس. وهذه الرغبة القائمة على الهوى والحقد والشر، ضلال لا شك فيه. فما تنبعث مثل هذه الرغبة الشريرة الآثمة عن خير ولا عن هدى. فهم يوقعون أنفسهم في الضلالة في اللحظة التي يودون فيها إضلال المسلمين. فما يحب إضلال المهتدين إلا ضال يهيم في الضلال البهيم: {وما يضلون إلا أنفسهم. وما يشعرون}.. والمسلمون مكفيون أمر أعدائهم هؤلاء ما استقاموا على إسلامهم وما لهم عليهم من سبيل. والله سبحانه يتعهد لهم ألا يصيبهم كيد الكائدين، وأن يرتد عليهم كيدهم ما بقي المسلمون مسلمين. هنا يقرع أهل الكتاب بحقيقة موقفهم المريب المعيب: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون؟ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون؟}.. ولقد كان أهل الكتاب وقتها - وما يزالون حتى اليوم - يشهدون الحق واضحاً في هذا الدين. سواء منهم المطلعون على حقيقة ما جاء في كتبهم عنه من بشارات وإشارات - وكان بعضهم يصرح بما يجد من هذا كله وبعضهم يسلم بناء على هذا الذي يجده في كتبه ويشهده متحققاً أمامه - وسواء كذلك غير المطلعين، ولكنهم يجدون في الإسلام من الحق الواضح ما يدعو إلى الإيمان.. غير أنهم يكفرون.. لا لنقص في الدليل. ولكن للهوى والمصلحة والتضليل.. والقرآن يناديهم: {يا أهل الكتاب}.. لأنها الصفة التي كان من شأنها أن تقودهم إلى آيات الله وكتابه الجديد. كذلك يناديهم مرة أخرى ليفضح ما يقومون به من لبس الحق بالباطل لإخفائه وكتمانه وتضييعه في غمار الباطل، على علم وعن عمد وفي قصد.. وهو أمر مستنكر قبيح! وهذا الذي ندد الله به - سبحانه - من أعمال أهل الكتاب حينذاك، هو الأمر الذي درجوا عليه من وقتها حتى اللحظة الحاضرة.. فهذا طريقهم على مدار التاريخ.. اليهود بدأوا منذ اللحظة الأولى. ثم تابعهم الصليبيون! وفي خلال القرون المتطاولة دسوا - مع الأسف - في التراث الإسلامي ما لا سبيل إلى كشفه إلا بجهد القرون! ولبسوا الحق بالباطل في هذا التراث كله - اللهم إلا هذا الكتاب المحفوظ الذي تكفل الله بحفظه أبد الآبدين - والحمد لله على فضله العظيم. دسوا ولبسوا في التاريخ الإسلامي وأحداثه ورجاله. ودسوا ولبسوا في الحديث النبوي حتى قيض الله له رجاله الذين حققوه وحرروه إلا ما ند عن الجهد الإنساني المحدود. ودسوا ولبسوا في التفسير القرآني حتى تركوه تيهاً لا يكاد الباحث يفيء فيه إلى معالم الطريق. ودسوا ولبسوا في الرجال أيضاً. فالمئات والألوف كانوا دسيسة على التراث الإسلامي - وما يزالون في صورة المستشرقين وتلاميذ المستشرقين الذين يشغلون مناصب القيادة الفكرية اليوم في البلاد التي يقول أهلها: إنهم مسلمون. والعشرات من الشخصيات المدسوسة على الأمة المسلمة في صورة أبطال مصنوعين على عين الصهيونية والصليبية، ليؤدوا لأعداء الإسلام من الخدمات ما لا يملك هؤلاء الأعداء أن يؤدوه ظاهرين! وما يزال هذا الكيد قائماً ومطرداً. وما تزال مثابة الأمان والنجاة منه هي اللياذ بهذا الكتاب المحفوظ؛ والعودة إليه لاستشارته في المعركة الناشبة طوال هذه القرون. كذلك يعرض بعض المحاولات التي يبذلها فريق من أهل الكتاب لبلبلة الجماعة المسلمة في دينها، وردها عن الهدى، من ذلك الطريق الماكر اللئيم: {وقالت طائفة من أهل الكتاب: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون. ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم...}.. وهي طريقة ماكرة لئيمة كما قلنا. فإن إظهارهم الإسلام ثم الرجوع عنه، يوقع بعض ضعاف النفوس والعقول وغير المتثبتين من حقيقة دينهم وطبيعته.. يوقعهم في بلبلة واضطراب. وبخاصة العرب الأميين، الذين كانوا يظنون أن أهل الكتاب أعرف منهم بطبيعة الديانات والكتب. فإذا رأوهم يؤمنون ثم يرتدون، حسبوا أنهم إنما ارتدوا بسبب اطلاعهم على خبيئة ونقص في هذا الدين. وتأرجحوا بين اتجاهين فلم يكن لهم ثبات على حال. وما تزال هذه الخدعة تتخذ حتى اليوم. في شتى الصور التي تناسب تطور الملابسات والناس في كل جيل.. ولقد يئس أعداء المسلمين أن تنطلي اليوم هذه الخدعة، فلجأت القوى المناهضة للإسلام في العالم إلى طرق شتى، كلها تقوم على تلك الخدعة القديمة. إن لهذه القوى اليوم في أنحاء العالم الإسلامي جيشاً جراراً من العملاء في صورة أساتذة وفلاسفة ودكاترة وباحثين - وأحياناً كتاب وشعراء وفنانين وصحفيين - يحملون أسماء المسلمين، لأنهم انحدروا من سلالة مسلمة! وبعضهم من "علماء" المسلمين! هذا الجيش من العملاء موجه لخلخلة العقيدة في النفوس بشتى الأساليب، في صورة بحث وعلم وأدب وفن وصحافة. وتوهين قواعدها من الأساس. والتهوين من شأن العقيدة والشريعة سواء. وتأويلها وتحميلها ما لا تطيق. والدق المتصل على "رجعيتها"! والدعوة للتلفت منها. وإبعادها عن مجال الحياة إشفاقا عليها من الحياة أو إشفاقا على الحياة منها! وابتداع تصورات ومثل وقواعد للشعور والسلوك تناقض وتحطم تصورات العقيدة ومثلها. وتزيين تلك التصورات المبتدعة بقدر تشويه التصورات والمثل الإيمانية. وإطلاق الشهوات من عقالها وسحق القاعدة الخلقية التي تستوي عليها العقيدة النظيفة لتخر في الوحل الذي ينثرونه في الأرض نثراً! ويشوهون التاريخ كله ويحرفونه كما يحرفون النصوص! وهم بعد مسلمون! أليسوا يحملون أسماء المسلمين؟ وهم بهذه الأسماء المسلمة يعلنون الإسلام وجه النهار. وبهذه المحاولات المجرمة يكفرون آخره.. ويؤدون بهذه وتلك دور أهل الكتاب القديم.. لا يتغير إلا الشكل والإطار في ذلك الدور القديم! وكان أهل الكتاب يقول بعضهم لبعض: تظاهروا بالإسلام أول النهار واكفروا آخره لعل المسلمين يرجعون عن دينهم. وليكن هذا سراً بينكم لا تبدونه ولا تأتمنون عليه إلا أهل دينكم: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم}.. وفعل الإيمان حين يعدّى باللام يعني الاطمئنان والثقة. أي ولا تطمئنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تفضوا بأسراركم إلا لهؤلاء دون المسلمين! وعملاء الصهيونية والصليبية اليوم كذلك.. إنهم متفاهمون فيما بينهم على أمر.. هو الإجهاز على هذه العقيدة في الفرصة السانحة التي قد لا تعود.. وقد لا يكون هذا التفاهم في معاهدة أو مؤامرة. ولكنه تفاهم العميل مع العميل على المهمة المطلوبة للأصيل! ويأمن بعضهم لبعض فيفضي بعضهم إلى بعض.. ثم يتظاهرون - بعضهم على الأقل بغير - ما يريدون وما يبيتون.. والجو من حولهم مهيأ، والأجهزة من حولهم معبأة.. والذين يدركون حقيقة هذا الدين في الأرض كلها مغيبون أو مشردون! {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم}.. وهنا يوجه الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن أن الهدى هو وحده هدى الله؛ وأن من لا يفيء إليه لن يجد الهدى أبداً في أي منهج ولا في أي طريق: {قل: إن الهدى هدى الله}.. ويجيء هذا التقرير رداً على مقالتهم: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} تحذيراً للمسلمين من تحقيق الهدف اللئيم. فهو الخروج من هدى الله كله. فلا هدى إلا هداه وحده. وإنما هو الضلال والكفر ما يريده بهم هؤلاء الماكرون. يجيء هذا التقرير قبل أن ينتهي السياق من عرض مقولة أهل الكتاب كلها.. ثم يمضي يعرض بقية تآمرهم بعد هذا التقرير المعترض: {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجوكم عند ربكم}.. بهذا يعللون قولهم: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم}.. فهو الحقد والحسد والنقمة أن يؤتي الله أحداً من النبوة والكتاب ما آتى أهل الكتاب. وهو الخوف أن يكون في الاطمئنان للمسلمين وإطلاعهم على الحقيقة التي يعرفها أهل الكتاب، ثم ينكرونها، عن هذا الدين، ما يتخذه المسلمون حجة عليهم عند الله! - كأن الله سبحانه لا يأخذهم بحجة إلا حجة القول المسموع! - وهي مشاعر لا تصدر عن تصور إيماني بالله وصفاته؛ ولا عن معرفة بحقيقة الرسالات والنبوات، وتكاليف الإيمان والاعتقاد! ويوجه الله سبحانه رسوله الكريم ليعلمهم - ويعلم الجماعة المسلمة - حقيقة فضل الله حين يشاء أن يمن على أمة برسالة وبرسول: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم. يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم}.. وقد شاءت إرادته أن يجعل الرسالة والكتاب في غير أهل الكتاب؛ بعد ما خاسوا بعهدهم مع الله؛ ونقضوا ذمة أبيهم إبراهيم؛ وعرفوا الحق ولبسوه بالباطل؛ وتخلوا عن الأمانة التي ناطها الله بهم؛ وتركوا أحكام كتابهم وشريعة دينهم؛ وكرهوا أن يتحاكموا إلى كتاب الله بينهم. وخلت قيادة البشرية من منهج الله وكتابه ورجاله المؤمنين.. عندئذ سلم القيادة، وناط الأمانة، بالأمة المسلمة. فضلا منه ومنة. {والله واسع عليم}.. {يختص برحمته من يشاء}.. عن سعة في فضله وعلم بمواضع رحمته.. {والله ذو الفضل العظيم}.. وليس أعظم من فضله على أمة بالهدى ممثلاً في كتاب. وبالخير ممثلاً في رسالة.. وبالرحمة ممثلة في رسول. فإذا سمع المسلمون هذا احسوا مدى النعمة وقيمة المنة في اختيار الله لهم، واختصاصه إياهم بهذا الفضل. واستمسكوا به في إعزاز وحرص، وأخذوه بقوة وعزم، ودافعوا عنه في صرامة ويقين، وتيقظوا لكيد الكائدين وحقد الحاقدين. وهذا ما كان يربيهم به القرآن الكريم والذكر الحكيم. وهو ذاته مادة التربية والتوجيه للأمة المسلمة في كل جيل. ثم يمضي السياق يصف حال أهل الكتاب؛ ويبين ما في هذه الحال من نقائص؛ ويقرر القيم الصحيحة التي يقوم عليها الإسلام دين المسلمين. ويبدأ فيعرض نموذجين من نماذج أهل الكتاب في التعامل والتعاقد: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً. ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين. إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم}.. إنها خطة الإنصاف والحق وعدم البخس والغبن يجري عليها القرآن الكريم في وصف حال أهل الكتاب الذين كانوا يواجهون الجماعة المسلمة حينذاك؛ والتي لعلها حال أهل الكتاب في جميع الأجيال. ذلك أن خصومة أهل الكتاب للإسلام والمسلمين، ودسهم وكيدهم وتدبيرهم الماكر اللئيم، وإرادتهم الشر بالجماعة المسلمة وبهذا الدين.. كل ذلك لا يجعل القرآن يبخس المحسنين منهم حقهم، حتى في معرض الجدل والمواجهة. فهو هنا يقرر أن من أهل الكتاب ناساً أمناء، لا يأكلون الحقوق مهما كانت ضخمة مغرية: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك}.. ولكن منهم كذلك الخونة الطامعين المماطلين، الذين لا يردون حقاً - وإن صغر - إلا بالمطالبة والإلحاح والملازمة. ثم هم يفلسفون هذا الخلق الذميم، بالكذب على الله عن علم وقصد: {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً. ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيل. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}.. وهذه بالذات صفة يهود. فهم الذين يقولون هذا القول؛ ويجعلون للأخلاق مقاييس متعددة. فالأمانة بين اليهودي واليهودي. أما غير اليهود ويسمونهم الأميين وكانوا يعنون بهم العرب (وهم في الحقيقة يعنون كل من سوى اليهود) فلا حرج على اليهودي في أكل أموالهم، وغشهم وخداعهم، والتدليس عليهم، واستغلالهم بلا تحرج من وسيلة خسيسة ولا فعل ذميم! ومن العجب أن يزعموا أن إلههم ودينهم يأمرهم بهذا. وهم يعلمون أن هذا كذب. وأن الله لا يأمر بالفحشاء، ولا يبيح لجماعة من الناس أن يأكلوا أموال جماعة من الناس سحتاً وبهتاناً، وألا يرعوا معهم عهداً ولا ذمة، وأن ينالوا منهم بلا تحرج ولا تذمم. ولكنها يهود يهود! التي اتخذت من عداوة البشرية والحقد عليها ديدناً وديناً: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}.. هنا نجد القرآن الكريم يقرر قاعدته الخلقية الواحدة، وميزانه الخلقي الواحد. ويربط نظرته هذه بالله وتقواه: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين. إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمناً قليلاً، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم. ولهم عذاب أليم}.. فهي قاعدة واحدة من راعاها وفاء بعهد الله وشعوراً بتقواه أحبه الله وأكرمه. ومن اشترى بعهد الله وبأيمانه ثمناً قليلاً - من عرض هذه الحياة الدنيا أو بالدنيا كلها وهي متاع قليل - فلا نصيب له في الآخرة، ولا رعاية له عند الله ولا قبول، ولا زكاة له ولا طهارة. وإنما هو العذاب الأليم. ونلمح هنا أن الوفاء بالعهد مرتبط بالتقوى. ومن ثم لا يتغير في التعامل مع عدو أو صديق. فليس هو مسألة مصلحة. إنما هو مسألة تعامل مع الله أبداً دونما نظر إلى من يتعامل معهم. وهذه هي نظرية الإسلام الأخلاقية بصفة عامة. في الوفاء بالعهد وفي سواه من الأخلاق: التعامل هو أولاً تعامل مع الله، يلحظ فيه جناب الله، ويتجنب به سخطه ويطلب به رضاه. فالباعث الأخلاقي ليس هو المصلحة؛ وليس هو عرف الجماعة، ولا مقتضيات ظروفها القائمة. فإن الجماعة قد تضل وتنحرف، وتروج فيها المقاييس الباطلة. فلا بد من مقياس ثابت ترجع إليه الجماعة كما يرجع إليه الفرد على السواء. ولا بد أن يكون لهذا المقياس فوق ثباته قوة يستمدها من جهة أعلى.. أعلى من اصطلاح الناس ومن مقتضيات حياتهم المتغيرة.. ومن ثم ينبغي أن تستمد القيم والمقاييس من الله؛ بمعرفة ما يرضيه من الأخلاق والتطلع إلى رضاه والشعور بتقواه.. بهذا يضمن الإسلام تطلع البشرية الدائم إلى أفق أعلى من الأرض؛ واستمدادها القيم والموازين من ذلك الأفق الثابت السامق الوضيء. ومن ثم يجعل الذين يخيسون بالعهد ويغدرون بالأمانة.. {يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمناً قليلاً}.. فالعلاقة في هذا بينهم وبين الله قبل أن تكون بينهم وبين الناس.. ومن هنا فلا نصيب لهم في الآخرة عنده، أن كانوا يبغون بالغدر والنكث بالعهد ثمناً قليلا هو هذه المصالح الدنيوية الزهيدة! ولا رعاية لهم من الله في الآخرة جزاء استهانتهم بعهده - وهو عهدهم مع الناس - في الدنيا. ونجد هنا أن القرآن قد سلك طريقة التصوير في التعبير. وهو يعبر عن إهمال الله لهم وعدم رعايتهم، بأنه لا يكلمهم ولا ينظر إليهم ولا يطهرهم.. وهي أعراض الإهمال التي يعرفها الناس.. ومن ثم يتخذها القرآن وسيلة لتصوير الموقف صورة حية تؤثر في الوجدان البشري أعمق مما يؤثر التعبير التجريدي. على طريقة القرآن في ظلاله وإيحاءاته الجميلة. ثم يمضي في عرض نماذج من أهل الكتاب؛ فيعرض نموذج المضللين، الذي يتخذون من كتاب الله مادة للتضليل، يلوون ألسنتهم به عن مواضعه، ويؤولون نصوصه لتوافق أهواء معينة، ويشترون بهذا كله ثمناً قليلاً.. عرضاً من عرض هذه الحياة الدنيا: ومن بين ما يلوون السنتهم به ويحرفونه ويؤولونه ما يختص بمعتقداتهم التي ابتدعوها عن المسيح عيسى بن مريم، مما اقتضته أهواء الكنيسة وأهواء الحكام سواء: {وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، ويقولون: هو من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، ثم يقول للناس. كونوا عباداً لي من دون الله. ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً. أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون؟}.. وآفة رجال الدين حين يفسدون، أن يصبحوا أداة طيعة لتزييف الحقائق باسم أنهم رجال الدين. وهذه الحال التي يذكرها القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب، نعرفها نحن جيداً في زماننا هذا. فهم كانوا يؤولون نصوص كتابهم، ويلوونها ليا, ليصلوا منها إلى مقررات معينة، يزعمون أنها مدلول هذه النصوص، وأنها تمثل ما أراده الله منها. بينما هذه المقررات تصادم حقيقة دين الله في أساسها. معتمدين على أن كثرة السامعين لا تستطيع التفرقة بين حقيقة الدين ومدلولات هذه النصوص الحقيقية، وبين تلك المقررات المفتعلة المكذوبة التي يُلجئون إليها النصوص إلجاء. ونحن اليوم نعرف هذا النموذج جيداً في بعض الرجال الذين ينسبون إلى الدين ظلماً! الذين يحترفون الدين, ويسخرونه في تلبية الأهواء كلها؛ ويحملون النصوص ويجرون بها وراء هذه الأهواء حيثما لاح لهم أن هناك مصلحة تتحقق، وأن هناك عرضاً من أعراض هذه الحياة الدنيا يحصل! يحملون هذه النصوص ويلهثون بها وراء تلك الأهواء، ويلوون أعناق هذه النصوص ليا لتوافق هذه الأهواء السائدة؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه ليوافقوا بينه وبين اتجاهات تصادم هذا الدين وحقائقه الأساسية. ويبذلون جهداً لاهثاً في التمحل وتصيد أدنى ملابسة لفظية ليوافقوا بين مدلول آية قرآنية وهوى من الأهواء السائدة التي يهمهم تمليقها.. {ويقولون هو من عند الله. وما هو من عند الله. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}.. كما يحكي القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب سواء. فهي آفة لا يختص بها أهل الكتاب وحدهم. إنما تبتلى بها كل أمة يرخص دين الله فيها على من ينتسبون إليه حتى ما يساوي إرضاء هوى من الأهواء التي يعود تمليقها بعرض من أعراض هذه الأرض! وتفسد الذمة حتى ما يتحرج القلب من الكذب على الله، تحريف كلماته عن مواضعها لتمليق عبيد الله، ومجاراة أهوائهم المنحرفة, التي تصادم دين الله.. وكأنما كان الله - سبحانه - يحذر الجماعة المسلمة من هذا المزلق الوبيء، الذي انتهى بنزع أمانة القيادة من بني إسرائيل. هذا النموذج من بني إسرائيل - فيما يبدو من مجموع هذه الآيات - كانوا يتلمسون في كتاب الله الجمل ذات التعبير المجازي؛ فيلوون السنتهم بها - أي في تأويلها واستخراج مدلولات منها هي لا تدل عليها بغير ليها وتحريفها - ليوهموا الدهماء أن هذه المدلولات المبتدعة هي من كتاب الله؛ ويقولون بالفعل: هذا ما قاله الله، وهو ما لم يقله - سبحانه - وكانوا يهدفون من هذا إلى إثبات الوهية عيسى عليه السلام ومعه "روح القدس".. وذلك فيما كانوا يزعمون من الأقانيم: الأب والابن والروح القدس. باعتبارها كائناً واحداً هو الله - تعالى الله عما يصفون - ويروون عن عيسى - عليه السلام - كلمات تؤيد هذا الذي يدعونه، فرد الله عليهم هذا التحريف وهذا التأويل، بأنه ليس من شأن نبي يخصه الله بالنبوة ويصطفيه لهذا الأمر العظيم أن يأمر الناس أن يتخذوه إلهاً هو والملائكة. فهذا مستحيل: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، ثم يقول للناس: كونوا عباداً لي من دون الله، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون؟}.. إن النبي يوقن أنه عبد، وأن الله وحده هو الرب، الذي يتجه إليه العباد بعبوديتهم وبعبادتهم. فما يمكن أن يدعي لنفسه صفة الألوهية التي تقتضي من الناس العبودية. فلن يقول نبي للناس: {كونوا عباداً لي من دون الله}.. ولكن قوله لهم: {كونوا ربانيين}.. منتسبين إلى الرب، عباداً له وعبيداً، توجهوا إليه وحده بالعبادة، وخذوا عنه وحده منهج حياتكم، حتى تخلصوا له وحده فتكونوا {ربانيين}.. كونوا {ربانيين}.. بحكم علمكم للكتاب وتدارسكم له. فهذا مقتضى العلم بالكتاب ودراسته. والنبي لا يأمر الناس أبداً أن يتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، فالنبي لا يأمر الناس بالكفر بعد أن يسلموا لله ويستسلموا لألوهيته، وقد جاء ليهديهم إلى الله لا ليضلهم، وليقودهم إلى الإسلام لا ليكفرهم! ومن ثم تتجلى استحالة هذا الذي ينسبه ذلك الفريق إلى عيسى - عليه السلام - كما يتجلى الكذب على الله في ادعائهم أن هذا من عند الله.. وتسقط في الوقت ذاته قيمة كل ما يقوله هذا الفريق وما يعيده لإلقاء الريب والشكوك في الصف المسلم. وقد عراهم القرآن هذه التعرية على مرأى ومسمع من الجماعة المسلمة! ومثل هذا الفريق من أهل الكتاب فريق ممن يدعون الإسلام، ويدعون العلم بالدين كما أسلفنا. وهم أولى بأن يوجه إليهم هذا القرآن اليوم. وهم يلوون النصوص القرآنية ليا، لإقامة أرباب من دون الله في شتى الصور. وهم يتصيدون من النصوص ما يلوونه لتمويه هذه المفتريات. {ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}! بعد ذلك يصور حقيقة الترابط بين موكب الرسل والرسالات، على عهد من الله وميثاق، ينبني عليه فسوق من يتولى عن اتباع آخر الرسالات، وشذوذه عن عهد الله وناموس الكون كله على الإطلاق: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين: لما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه. قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟ قالوا: أقررنا. قال: فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين. فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون. أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وإليه يرجعون؟}.. لقد أخذ الله - سبحانه - موثقاً رهيباً جليلاً كان هو شاهده وأشهد عليه رسله. موثقاً على كل رسول. أنه مهما آتاه من كتاب وحكمة. ثم جاء رسول بعده مصدقاً لما معه، أن يؤمن به وينصره، ويتبع دينه. وجعل هذا عهداً بينه وبين كل رسول. والتعبير القرآني يطوي الأزمنة المتتابعة بين الرسل؛ ويجمعهم كلهم في مشهد. والله الجليل الكبير يخاطبهم جملة: هل أقروا هذا الميثاق وأخذوا عليه عهد الله الثقيل: {قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟}.. وهم يجيبون: {قالوا أقررنا}.. فيشهد الجليل على هذا الميثاق ويشهدهم عليه: {قال: فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}: هذا المشهد الهائل الجليل، يرسمه التعبير، فيجف له القلب ويجب؛ وهو يتمثل المشهد بحضرة البارئ الجليل، والرسل مجتمعين.. وفي ظل هذا المشهد يبدو الموكب الكريم متصلاً متسانداً مستسلماً للتوجيه العلوي، ممثلاً للحقيقة الواحدة التي شاء الله - سبحانه - أن تقوم عليها الحياة البشرية، ولا تنحرف، ولا تتعدد، ولا تتعارض، ولا تتصادم.. إنما ينتدب لها المختار من عباد الله؛ ثم يسلمها إلى المختار بعده، ويسلم نفسه معها لأخيه اللاحق به. فما للنبي في نفسه من شيء؛ وما له في هذه المهمة من أرب شخصي، ولا مجد ذاتي. إنما هو عبد مصطفى، ومبلغ مختار. والله - سبحانه - هو الذي ينقل خطى هذه الدعوة بين أجيال البشر؛ ويقود هذا الموكب ويصرفه كيف يشاء. ويخلص دين الله - بهذا العهد وبهذا التصور - من العصبية الذاتية. عصبية الرسول لشخصه. وعصبيته لقومه. وعصبية أتباعه لنحلتهم. وعصبيتهم لأنفسهم. وعصبيتهم لقوميتهم.. ويخلص الأمر كله لله في هذا الدين الواحد، الذي تتابع به وتوالى ذلك الموكب السني الكريم. وفي ظل هذه الحقيقة يبدو الذين يتخلفون من أهل الكتاب عن الإيمان بالرسول الأخير - صلى الله عليه وسلم - ومناصرته وتأييده، تمسكاً بدياناتهم - لا بحقيقتها فحقيقتها تدعوهم إلى الإيمان به ونصرته، ولكن باسمها تعصباً لأنفسهم في صورة التعصب لها! - مع أن رسلهم الذين حملوا إليهم هذه الديانات قد قطعوا على أنفسهم عهداً ثقيلاً غليظاً مع ربهم في مشهد مرهوب جليل.. في ظل هذه الحقيقة يبدو أولئك الذي يتخلفون فسقة عن تعليم أنبيائهم. فسقة عن عهد الله معهم. فسقة كذلك عن نظام الكون كله المستسلم لبارئه، الخاضع لناموسه، المدبر بأمره ومشيئته: {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون. أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون؟}.. إنه لا يتولى عن اتباع هذا الرسول إلا فاسق. ولا يتولى عن دين الله إلا شاذ. شاذ في هذا الوجود الكبير. ناشز في وسط الكون الطائع المستسلم المستجيب. إن دين الله واحد، جاءت به الرسل جميعاً، وتعاقدت عليه الرسل جميعاً. وعهد الله واحد أخذه على كل رسول. والإيمان بالدين الجديد واتباع رسوله، ونصرة منهجه على كل منهج، هو الوفاء بهذا العهد. فمن تولى عن الإسلام فقد تولى عن دين الله كله، وقد خاس بعهد الله كله. والإسلام - الذي يتحقق في إقامة منهج الله في الأرض واتباعه والخلوص له - هو ناموس هذا الوجود. وهو دين كل حي في هذا الوجود. إنها صورة شاملة عميقة للإسلام والاستسلام. صورة كونية تأخذ بالمشاعر، وترتجف لها الضمائر.. صورة الناموس القاهر الحاكم، الذي يرد الأشياء والأحياء إلى سنن واحد وشرعة واحدة، ومصير واحد. {وإليه يرجعون}.. فلا مناص لهم في نهاية المطاف من الرجوع إلى الحاكم المسيطر المدبر الجليل.. ولا مناص للإنسان حين يبتغي سعادته وراحته وطمأنينة باله وصلاح حاله، من الرجوع إلى منهج الله في ذات نفسه، وفي نظام حياته، وفي منهج مجتمعه، ليتناسق مع النظام الكوني كله. فلا ينفرد بمنهج من صنع نفسه، لا يتناسق مع ذلك النظام الكوني من صنع بارئه, في حين أنه مضطر أن يعيش في إطار هذا الكون, وأن يتعامل بجملته مع النظام الكوني.. والتناسق بين نظامه هو في تصوره وشعوره، وفي واقعه وارتباطاته، وفي عمله ونشاطه، مع النظام الكوني هو وحده الذي يكفل له التعاون مع القوى الكونية الهائلة بدلا من التصادم معها. وهو حين يصطدم بها يتمزق وينسحق؛ أو لا يؤدي - على كل حال - وظيفة الخلافة في الأرض كما وهبها الله له. وحين يتناسق ويتفاهم مع نواميس الكون التي تحكمه وتحكم سائر الأحياء فيه, يملك معرفة أسرارها، وتسخيرها، والانتفاع بها على وجه يحقق له السعادة والراحة والطمأنينة، ويعفيه من الخوف والقلق والتناحر.. الانتفاع بها لا ليحترق بنار الكون، ولكن ليطبخ بها ويستدفىء ويستضيء! والفطرة البشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون، مسلمة لربها إسلام كل شيء وكل حي. فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس لا يصطدم مع الكون فحسب، إنما يصطدم أولا بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزق، ويحتار ويقلق. ويحيا كما تحيا البشرية الضالة النكدة اليوم في عذاب من هذا الجانب - على الرغم من جميع الانتصارات العلمية، وجميع التسهيلات الحضارية المادية! إن البشرية اليوم تعاني من الخواء المرير. خواء الروح من الحقيقة التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليها.. حقيقة الإيمان.. وخواء حياتها من المنهج الإلهي. هذا المنهج الذي ينسق بين حركتها وحركة الكون الذي تعيش فيه. إنها تعاني من الهجير المحرق الذي تعيش فيه بعيداً عن ذلك الظل الوارف الندي. ومن الفساد المقلق الذي تتمرغ فيه بعيدا عن ذلك الخط القويم والطريق المأنوس المطروق! ومن ثم تجد الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب؛ وتحس الخواء والجوع والحرمان؛ وتهرب من واقعها هذا بالأفيون والحشيش والمسكرات؛ وبالسرعة المجنونة والمغامرات الحمقاء، والشذوذ في الحركة واللبس والطعام! وذلك على الرغم من الرخاء المادي والإنتاج الوفير والحياة الميسورة والفراغ الكثير.. لا بل إن الخواء والقلق والحيرة لتتزايد كلما تزايد الرخاء المادي والإنتاج الحضاري واليسر في وسائل الحياة ومرافقها. إن هذا الخواء المرير ليطارد البشرية كالشبح المخيف. يطاردها فتهرب منه. ولكنها تنتهي كذلك إلى الخواء المرير! وما من أحد يزور البلاد الغنية الثرية في الأرض حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون! هاربون من أشباح تطاردهم. هاربون من ذوات أنفسهم.. وسرعان ما يتكشف الرخاء المادي والمتاع الحسي الذي يصل إلى حد التمرغ في الوحل، عن الأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والقلق والمرض والجنون والمسكرات والمخدرات والجريمة. وفراغ الحياة من كل تصور كريم! إنهم لا يجدون أنفسهم لأنهم لا يجدون غاية وجودهم الحقيقية.. إنهم لا يجدون سعادتهم لأنهم لا يجدون المنهج الإلهي الذي ينسق بين حركتهم وحركة الكون، وبين نظامهم وناموس الوجود.. إنهم لا يجدون طمأنينتهم لأنهم لا يعرفون الله الذي إليه يرجعون.. ولما كانت الأمة المسلمة - المسلمة حقاً لا جغرافية ولا تاريخاً! - هي الأمة المدركة لحقيقة العهد بين الله ورسله. وحقيقة دين الله الواحد ومنهجه، وحقيقة الموكب السني الكريم الذي حمل هذا المنهج وبلغه، فإن الله يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن هذه الحقيقة كلها؛ ويعلن إيمان أمته بجميع الرسالات، واحترامها لجميع الرسل، ومعرفتها بطبيعة دين الله، الذي لا يقبل الله من الناس سواه: {قل: آمنا بالله، وما أنزل علينا، وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم. لا نفرق بين أحد منهم. ونحن له مسلمون. ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين}.. هذا هو الإسلام في سعته وشموله لكل الرسالات قبله، وفي ولائه لكافة الرسل حملته. وفي توحيده لدين الله كله، ورجعه جميع الدعوات وجميع الرسالات إلى أصلها الواحد، والإيمان بها جملة كما أرادها الله لعباده. ومما هو جدير بالالتفات في الآية القرآنية الأولى هنا هو ذكرها الإيمان بالله وما أنزل على المسلمين - وهو القرآن - وما أنزل على سائر الرسل من قبل، ثم التعقيب على هذا الإيمان بقوله: {ونحن له مسلمون}.. فهذا الإقرار بالإسلام له مغزاه. بعد بيان أن الإسلام هو الاستسلام والخضوع والطاعة واتباع الأمر والنظام والمنهج والناموس. كما يتجلى في الآية قبلها {أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون}.. فظاهر أن إسلام الكائنات الكونية هو إسلام الخضوع للأمر، واتباع النظام، وطاعة الناموس.. ومن ثم تتجلى عناية الله - سبحانه - ببيان معنى الإسلام وحقيقته في كل مناسبة. كي لا يتسرب إلى ذهن أحد أنه كلمة تقال باللسان، أو تصديق يستقر في القلب، ثم لا تتبعه آثاره العملية من الاستسلام لمنهج الله، وتحقيق هذا المنهج في واقع الحياة. وهي لفتة ذات قيمة قبل التقرير الشامل الدقيق الأكيد: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين}.. إنه لا سبيل - مع هذه النصوص المتلاحقة - لتأويل حقيقة الإسلام، ولا للي النصوص وتحريفها عن مواضعها لتعريف الإسلام بغير ما عرفه به الله، الإسلام الذي يدين به الكون كله. في صورة خضوع للنظام الذي قرره الله له ودبره به. ولن يكون الإسلام إذن هو النطق بالشهادتين، دون أن يتبع شهادة أن لا إله إلا الله معناها وحقيقتها. وهي توحيد الألوهية وتوحيد القوامة. ثم توحيد العبودية وتوحيد الاتجاه. ودون أن يتبع شهادة أن محمداً رسول الله معناها وحقيقتها. وهي التقيد بالمنهج الذي جاء به من عند ربه للحياة، واتباع الشريعة التي أرسله بها، والتحاكم إلى الكتاب الذي حمله إلى العباد. ولن يكون الإسلام إذن تصديقاً بالقلب بحقيقة الألوهية والغيب والقيامة وكتب الله ورسله.. دون أن يتبع هذا التصديق مدلوله العملي، وحقيقته الواقعية التي أسلفنا.. ولن يكون الإسلام شعائر وعبادات، أو إشراقات وسبحات، أو تهذيباً خلقياً وإرشاداً روحياً.. دون أن يتبع هذا كله آثاره العملية ممثلة في منهج للحياة موصول بالله الذي تتوجه إليه القلوب بالعبادات والشعائر، والإشراقات والسبحات، والذي تستشعر القلوب تقواه فتتهذب وترشد.. فإن هذا كله يبقى معطلاً لا أثر له في حياة البشر ما لم تنصب آثاره في نظام اجتماعي يعيش الناس في إطاره النظيف الوضيء. هذا هو الإسلام كما يريده الله؛ ولا عبرة بالإسلام كما تريده أهواء البشر في جيل منكود من أجيال الناس! ولا كما تصوره رغائب أعدائه المتربصين به، وعملائهم هنا أو هناك! فأما الذين لا يقبلون الإسلام على النحو الذي أراده الله، بعدما عرفوا حقيقته، ثم لم تقبلها أهواؤهم، فهم في الآخرة من الخاسرين. ولن يهديهم الله، ولن يعفيهم من العذاب: {كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءهم البينات. والله لا يهدي القوم الظالمين. أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون}.. وهي حملة رعيبة يرجف لها كل قلب فيه ذرة من إيمان؛ ومن جدية الأمر في الدنيا وفي الآخرة سواء. وهو جزاء حق لمن تتاح له فرصة النجاة ثم يعرض عنها هذا الإعراض. ولكن الإسلام - مع هذا - يفتح باب التوبة، فلا يغلقه في وجه ضال يريد أن يتوب؛ ولا يكلفه إلا أن يطرق الباب. بل أن يدلف إليه فليس دونه حجاب. وإلا أن يفيء إلى الحمى الآمن، ويعمل صالحاً فيدل على أن التوبة صادرة من قلب تاب: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم}.. فأما الذين لا يتوبون ولا يثوبون. الذين يصرون على الكفر ويزدادون كفراً والذين يلجون في هذا الكفر حتى تفلت الفرصة المتاحة وينتهي أمد الاختبار، ويأتي دور الجزاء. هؤلاء وهؤلاء لا توبة لهم ولا نجاة. ولن ينفعهم أن يكونوا قد أنفقوا ملء الأرض ذهباً فيما يظنون هم أنه خير وبر، ما دام مقطوعاً عن الصلة بالله. ومن ثم فهو غير موصول به ولا خالص له بطبيعة الحال. ولن ينجيهم أن يقدموا ملء الأرض ذهباً ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة. فقد أفلتت الفرصة وأغلقت الأبواب: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون. إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به. أولئك لهم عذاب أليم. وما لهم من ناصرين}.. وهكذا يحسم السياق القضية بهذا التقرير المروع المفزع، وبهذا التوكيد الواضح الذي لا يدع ريبة لمستريب. وبمناسبة الإنفاق على غير درب الله، وفي غير سبيله وبمناسبة الافتداء يوم لا ينفع الفداء، يبين البذل الذي يرضاه: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم}.. وقد فقه المسلمون وقتها معنى هذا التوجيه الإلهي، وحرصوا على أن ينالوا البر - وهو جماع الخير - بالنزول عما يحبون، وببذل الطيب من المال، سخية به نفوسهم في انتظار ما هو أكبر وأفضل. روى الإمام أحمد - بإسناده - عن أبي إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: سمع أنس بن مالك يقول: "حديث : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه بَيْرَحاء وكانت مستقبلة المسجد. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}.. قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وإن أحب أموالي إليّ بَيْرَحاء وإنها صدقة لله أرجو بها برها وذخرها عند الله تعالى. فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بخ بخ. ذاك مال رابح. ذاك مال رابح. وقد سمعت. وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه" تفسير : .. (أخرجه الشيخان). وفي الصحيحين أن عمر - رضي الله عنه - قال: "حديث : يا رسول الله لم أصب مالاً قط، هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر. فما تأمرني به؟ قال: احبس الأصل وسبل الثمرة ".. تفسير : وعلى هذا الدرب سار الكثيرون منهم يلبون توجيه ربهم الذي هداهم إلى البر كله، يوم هداهم إلى الإسلام. ويتحررون بهذه التلبية من استرقاق المال، ومن شح النفس، ومن حب الذات؛ ويصعدون في هذا المرتقى السامق الوضيء أحراراً خفافاً طلقاء..

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي للانتقال من دعائهم لكلمة الحق الجامعة لحق الدين، إلى الإنكار عليهم محاجتهم الباطلة للمسلمين في دين إبراهيم، وزعم كلّ فريق منهم أنهم على دينه توصّلاً إلى أنّ الذي خالف دينهم لا يكون على دين إبراهيم كما يدّعي النبي محمد صلى الله عليه وسلم فالمحاجة فرع عن المخالفة في الدعوى. وهذه المحاجة على طريق قياس المساواة في النفي، أو في محاجتهم النبي في دعواه أنه على دين إبراهيم، محاجة يقصدون منها إبطال مساواة دينِه لدين إبراهيم، بطريقة قياس المساواة في النفي أيضاً. فيجوز أن تكون هذه الجملة من مقول القول المأمور به الرسولُ في قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا} أي قل لهم: يا أهل الكتاب لِمَ تحاجون. ويجوز أن يكون الاستئناف من كلام الله تعالى عَقِبَ أمرِه الرسولَ بأن يقول {تعالَوا} فيكون توجيه خطاب إلى أهل الكتاب مباشرة، ويكون جعل الجملة الأولى من مقول الرسول دون هذه لأنّ الأولى من شُؤون الدعوة، وهذه من طرق المجاحّة، وإبطال قولهم، وذلك في الدرجة الثانِيَة مِن الدعوة. والكلُ في النسبة إلى الله سواء. ومناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى هذا الكلام نشأت من قوله: {أية : فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون}تفسير : [آل عمران: 64] لأنه قد شاع فيما نزل من القرآن في مكة، وبعدَها أنّ الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يرجع إلى الحنيفية دين إبراهيم كما تقدم تقريره في سورة البقرة وكما في سورة النحل ( ): {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً} وسيجيء أنّ إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، وقد اشتهر هذا وأعلن بين المشركين في مكة، وبني اليهود في المدينة، وبين النصارى في وَفد نجران، وقد علم أنّ المشركين بمكة كانوا يدّعون أنهم ورثة شريعة إبراهيم وسدنة بيته، وكان أهل الكتاب قد ادّعوا أنهم على دين إبراهيم، ولم يتبين لي أكان ذلك منهم ادّعاء قديماً أم كانوا قد تفطنوا إليه من دعوة محمد، فاستيقظوا لتقليده في ذلك، أم كانوا قالوا ذلك على وجه الإفحام للرسول حين حاجهم بأنّ دينه هو الحق، وأنّ الدين عند الله الإسلام فألْجَؤوه إلى أحد أمرين: إما أن تكون الزيادةُ على دين إبراهيم غيرَ مخرجة عن اتِّباعه، فهو مشترَك الإلزام في دين اليهودية والنصرانية، وإما أن تكون مخرجة عن دين إبراهيم فلا يكون الإسلام تابعاً لدين إبراهيم. وأحسب أنّ ادّعاءهم أنهم على ملة إبراهيم إنما انتحلوه لبثّ كل من الفريقين الدعوةَ إلى دينه بين العرب، ولا سيما النصرانية، فإنّ دعاتها كانوا يحاولون انتشارها بين العرب فلا يجدون شيئاً يروج عندهم سِوى أن يقولوا: إنها ملة إبراهيم، ومن أجل ذلك اتُّبعت في بعض قبائل العرب، وهنالك أخبار في أسباب النزول تثير هذه الاحتمالات: فروى أنّ وفد نجران قالوا للنبي حين دعاهم إلى اتباع دينه: على أي دين أنتَ قال: على ملة إبراهيم قالوا: فقد زدتَ فيه ما لم يكن فيه فعلى هذه الرواية يكون المخاطبُ بأهل الكتاب هنا خصوصَ النصارى كالخطاب الذي قبْله وروى: أنه تنازعت اليهود ونصارى نجران بالمدينة، عند النبي، فأدّعي كل فريق أنه على دين إبراهيم دون الآخر، فيكون الخطاب لأهل الكتاب كلهم، من يهود ونصارى. ولعل اختلاف المخاطبين هو الداعي لتكرير الخطاب. وقوله: {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} يكون على حسب الرواية الأولى مَنْعاً لقولهم: فقد زدت فيه ما ليس مِنْه، المقصودِ منه إبطال أن يكون الإسلام هو دين إبراهيم. وتفصيلُ هذا المنع: إنكم لا قبل لكم بمعرفة دين إبراهيم، فمن أين لكم أنّ الإسلام زاد فيما جاء به على دين إبراهيم، فإنكم لا مستند لكم في علمكم بأمور الدين إلاّ التوراةُ والإنجيلُ، وهما قد نَزلا من بعد إبراهيم، فمن أين يعلم ما كانت شريعة إبراهيم حتى يعلمَ المزيد عليهَا، وذكر التوراة على هذا لأنها أصل الإنجيل. ويكون على حسب الرواية الثانية نفياً لدعوى كلّ فريق منهما أنه على دين إبراهيم، بِأنّ دين اليهود هو التوراة، ودينَ النصارى هو الإنجيل، وكلاهما نزل بعد إبراهيم، فكيف يكون شريعةً له. قال الفخر: يعني ولم يُصرّح في أحد هذين الكتابين بأنه مطابقٌ لشريعة إبراهيم، فذكر التوراة والإنجيل على هذا نشرٌ بعد اللف: لأنّ أهل الكتاب شَمِل الفريقين، فذكر التوراة لإبطال قول اليهود، وذكرَ الإنجيل لإبطالِ قول النصارى، وذكر التوراة والإنجيل هنا لقصد جمع الفريقين في التخطئة، وإن كان المقصود بادىء ذي بدء هم النصارى الذين مَساقُ الكلام معهم. والأظهر عندي في تأليف المحاجة ينتظم من مجموع قوله: {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} وقولِه: {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} وقولِه: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} فيبطل بذلك دعواهم أنهم على دين إبراهيم، ودعواهم أنّ الإسلام ليس على دين إبراهيم، ويَثْبُتُ عليهم أنّ الإسلام على دين إبراهيم، وذلك أنّ قوله: {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} يدل على أنّ علمهم في الدين منحصر فيهما، وهما نزلا بعد إبراهيم فلا جائز أن يكونا عين صحف إبراهيم. وقولُه: {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} يُبطل قولهم: إنّ الإسلام زاد على دين إبراهيم، ولا يدل على أنهم على دين إبراهيم؛ لأنّ التوراة والإنجيل لم يَرد فيهما التصريح بذلك، وهذا هو الفارق بين انتساب الإسلام إلى إبراهيم وانتساب اليهودية والنصرانية إليه، فلا يقولون وكيف يُدّعَى أنّ الإسلام دين إبراهيم مع أنّ القرآن أنزل من بعد إبراهيم كما أنزلت التوراة والإنجيل من بعده. وقوله: {والله يعلم} يدل على أنّ الله أنبأ في القرآن بأنه أرسل محمداً بالإسلام دينِ إبراهيم وهو أعلم منكم بذلك، ولم يسبق أن امتنّ عليكم بمثل ذلك في التوراة والإنجيل فأنتم لا تعلمون ذلك، فلما جاء الإسلام وأنبأ بذلك أردتم أن تنتحلوا هذه المزية، واستيقظتم لذلك حَسداً على هذه النعمة، فنهضتْ الحجة عليهم، ولم يبق لهم معذرة في أن يقولوا: إنّ مجيء التوراة والإنجيل من بعد إبراهيم مشترَكُ الإلزام لنا ولكم؛ فإنّ القرآن أنزل بعد إبراهيم، ولولا انتظام الدليل على الوجه الذي ذكرنا لَكَانَ مشترك الإلزام. والاستفهام في قوله: {فلم تحاجون} مقصود منه التنبيه على الغلط. وقد أعرض في هذا الاحتجاح عليهم عن إبطال المنافاة بين الزيادة الواقعة في الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم على الدين الذي جاء به إبراهيم، وبين وصف الإسلام بأنّه ملّة إبراهيم: لأنّهم لم يكن لهم من صحة النظر ما يفرقون به بين زيادة الفروع، واتحاد الأصول، وأنّ مساواة الدينين منظور فيها إلى اتحاد أصولهما سنبينها عند تفسير قوله تعالى: {أية : فإنْ حاجّوك فقل أسلمتُ وجهي للَّه}تفسير : [آل عمران: 20] وعندَ قوله: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً} فاكتُفي في المحاجّة بإبطال مستندهم في قولهم: «فقد زدت فيه ما ليس فيه على طريقة المنع"، ثم بقوله: {أية : ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً}تفسير : [آل عمران: 67] على طريقة الدعوى بناءً على أنّ انقطاع المعترِض كافٍ في اتجاه دعوى المستدل. وقولُه: {ها أنتم هؤلاء حاججتم} تقدم القول في نظيره عند قوله تعالى: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}تفسير : في سورة [البقرة: 85]. وقرأ الجمهور: ها أنتم بإثبات ألف هَا وبتخفيف همزة أنتم، وقرأه قالون، وأبو عمرو، ويعقوب: بإثبات الألف وتسهيل همزة أنتم، وقرأه ورش بحذف ألف ها وبتسهيل همزة أنتم وبإبدالها ألفاً أيضاً مع المد، وقرأه قنبل بتخفيف الهمزة دون ألف. ووقعت ما الاستفهامية بعد لام التعليل فيكون المسؤول عنه هو سبب المحاجة فما صدَق (ما) علةٌ من العلل مجهولة أي سبب للمحاجّة مجهول؛ لأنه ليس من شأنه أن يعلم لأنه لا وجود له، فلا يعلم، فالاستفهام عنه كناية عن عدمه، وهذا قريب من معنى الاستفهام الإنكاري، وليس عينيه. وحذفت ألف ما الاستفهامية على ما هو الاستعمال فيها إذا وقعت مجرورة بحرف نحو {أية : عمّ يتساءلون}تفسير : [النبأ: 1] وقول ابنِ معد يكرب: شعر : عَلاَمَ تَقولُ الرُمْحَ يُثقِلُ عَاتِقي تفسير : والألفات التي تكتب في حروف الجر على صورة الياء. إذا جر بواحد من تلك الحروف (ما) هذه يكتبون الألفات على صورة الألف: لأنّ مَا صارت على حرف واحد فأشبهت جزء الكلمة فصارت الألفات كالتي في أواسط الكلمات. وقوله: {في إبراهيم} معناه في شَيْء من أحْواله، وظاهر أنّ المراد بذلك هنا دينُه، فهذا من تعليق الحكم بالذات، والمرادُ حال من أحوال الذات يَتعين من المقام كما تَقَدّم في تفسير قوله تعالى: {أية : إنما حَرّم عليكم الميتةَ}تفسير : في سورة [البقرة: 173]. و(ها) من قوله: ها أنتم} تنبيه، وأصل الكلام أنتم حاججتم، وإنما يجيء مثل هذا التركيب في محل التعجب والنكير والتنبيه ونحو ذلك، ولذلك يؤكد غالباً باسم إشارة بعده فيقال ها أناذا، وها أنتم أولاء أو هَؤلاء. و{حاججتم} خبر {أنتم}، ولك أن تجعل جملة حاججتم حالاً هي محل التعجيب باعتبار ما عطف عليها من قوله: {فلم تحاجون}: لأنّ الاستفهام فيه إنكاري، فمعناه: فلا تحاجون. وسيأتي بيَان مثله في قوله تعالى: {أية : هاأنتم أولاء تحبونهم}تفسير : [آل عمران: 119]. وقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} تكميل للحجة أي إنّ القرآن الذي هومن عند الله أثبت أنه ملة إبراهيم، وأنتم لم تهتدوا لذلك لأنكم لا تعلمون، وهذا كقوله في سورة [البقرة: 140]: {أية : أم تقولون إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباطَ كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم اللَّه}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} الآية. لم يبين هنا ما وجه محاجتهم في إبراهيم. ولكنه بين في موضع آخر أن محاجتهم في إبراهيم هي قول اليهود: إنه يهودي، والنصارى إنه نصراني وذلك في قوله: {أية : أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 140] وأشار إلى ذلك هنا بقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً} تفسير : [آل عمران: 66-67] الآية.

الواحدي

تفسير : {يا أهل الكتاب لمَ تحاجون في إبراهيم} نزلت لمَّا تنازعت اليهود والنَّصارى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبراهيم عليه السَّلام، فقالت اليهود: ما كان إبراهيم إلاَّ يهوديَّاً، وقالت النَّصارى: ما كان إلاَّ نصرانيَّاً، وقوله: {وما أنزلت التوراة والإِنجيل إلاَّ من بعده} أَيْ: إِنَّ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة حدثتا بعد نزول الكتابين، وإنَّما نزلا بعد موته بزمانٍ طويلٍ. {أفلا تعقلون} فساد هذه الدَّعوى. {ها أنتم} أَيْ: أنتم {هٰؤلاء} أًيْ: يا هؤلاء {حاججتم} جادلتم وخاصمتم {فيما لكم به علم} يعني: ما وجدوه في كتبهم وأُنزل عليهم بيانه وقصَّته {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} من شأن إبراهيم عليه السَّلام، وليس في كتابكم أنَّه يهوديَّاً أو نصرانيَّاً {والله يعلمُ} شأن إبراهيم {وأنتم لا تعلمون} ثمَّ بيَّن حاله فقال: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً...} الآية، ثمَّ جعل المسلمين أحقَّ النَّاس به، فقال: {إنَّ أولى الناس بإبراهيم} أَيْ: أقربهم إليه وأحقَّهم به {للذين اتبعوه} على دينه وملَّته {وهذا النبيُّ} محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم {والذين آمنوا} أَيْ: فهم الذين ينبغي أن يقولوا: إنَّا على دين إبراهيم عليه السَّلام.

القطان

تفسير : روى الطبري عن ابن عباس قال: "اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان ابراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: بل نصرانيا. فأنزل الله تعالى {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ...} الآية. يا أهل الكتاب، لماذا تتنازعون وتجادلون في دين ابراهيم، كلٌّ منكم يدعي أن أبرهيم كان على دينه هو؟ ان ابراهيم له شريعة خاصة، وهو سابق في الوجود على التوراة والانجيل، فكيف يكون على شريعة واحدة منهما! أليست لكم عقول تدركون بها بطلان هذا الكلام الذي يناقض الواقع!! ها أنتم جادلتم في أمر موسى وعيسى الذي لكم بهما معرفة ـ كما تزعمون ـ فكيف تجادلون في أمر ابراهيم، ولا ذكر لدينه وشريعته في كتبكم؟ من اين علمتم انه كان يهودياً أو نصرانيا؟ إن الله يعلم حقيقة ما تنازعتم فيه، اما انتم فلا تعلمون من هذا شيئاً.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَهْلَ} {ٱلْكِتَابِ} {ۤ إِبْرَاهِيمَ} {ٱلتَّورَاةُ} (65) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ادّعَاءَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بِأنَّ إبراهِيمَ كَانَ مِنْهُمْ، وَعَلَى دِينِهِمْ، فَقَدِ اجْتَمَعَ وَفْدٌ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ وَأحْبَارِ يَهُودِ المَدِينَةِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَتَنَازَعُوا عِنْدَهُ حَوْلَ إبراهِيمَ. فَأنْزَلَ اللهُ الآيةَ مُسْتَنْكِراً ادِّعَاءَاتِهِمْ لأنَّ إبراهيمَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، وَقَبْلَ نُزُولِ الإِنْجِيلِ. وَلَمْ يَكُنْ إبراهِيمُ عَلى شَيءٍ مِنْ تَقَالِيدِ اليَهُودِ وَلا النَّصَارَى، وَإنَّمَا كَانَ عَلَى الإِسْلاَمِ الذي يَدْعُو إليهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَكَيفَ يَقُولُونَ قَوْلاً عَلَى جَهْلِهِمْ، وَقِصَرِ عُقُولِهِمْ؟ حَاجَّ - جَادَلَ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ}: وتزعمون أنه كان على دينكم اليهودية والنصرانية، وقد حدثت اليهودية بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل. {وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ}: بعد مهلك إبراهيم بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}: بعرض حجّتكم وبطلان قولكم. {هٰأَنْتُمْ}: قرأه أهل المدينة بغير همز ولا مدّ إلا بقدر خروج الألف الساكنة، وقرأ أهل مكّة مهموزاً مقصوراً على وزن هعنتم، وقرأ أهل الكوفة بالمدّ والهمز، وقرأ الباقون بالمدّ دون الهمز. واختلفوا في أصله فقال بعضهم: أصله أنتم والهاء تنبيهاً.وقال الأخفش: أصله أأنتم فقلبت الهمزة الأولى هاء كقولهم: هرقت وأرقت. {هَؤُلاۤءِ}: مبني على الكسر، وأصله أولاء فدخلت عليه هاء التنبيه، وفيه لغتان: القصر والمد، ومن العرب من يعضها. أنشد أبو حازم: شعر : لعمرك أنا و الأحاليف هؤلا لفي محنة أطفالها لم تفطم تفسير : وهؤلاء ها ههنا في موضع النداء يعني يا هؤلاء. {حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ}: يعني في أمر محمد، لأنهم كانوا يعلمونه مما يجدون من نعته في كتابهم فحاجّوا به بالباطل. {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}: من حديث إبراهيم فليس في كتابكم أنّه كان يهودياً أو نصرانياً. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}: نزّه إبراهيم (عليه السلام) وبرّأه من ادعائهم فقال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً}: فالحنيف الذّي يوحّد ويحج ويُضحّي ويختن ويستقبل القبلة وهو أسهل الأديان وأحبّها إلى اللّه وأهله أكرم الخلق على الله. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ}: قال ابن عباس: قال رؤساء اليهود: واللّه يا محمد لقد علمت أنّا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنّه كان يهودياً وما بك إلاّ الحسد لنا، فأنزل اللّه هذه الآية. روى محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف عن أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ويونس بن بكير عن محمد بن اسحاق رفعه. دخل حديث بعضهم في بعض. قالوا: لما هاجر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان من أمر بدر ما كان اجتمعت قريش في دار الندوة، وقالوا: إنّ لنا في الذّين عند النجاشي من أصحاب محمد ثأراً بمن قتل منكم ببدر. فاجمعوا مالاً وهدوه إلى النجاشي لعلّهُ يدفع إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي آرائكم. فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أُبي معيط بالهدايا، الأدُم وغيره.فركبا البحر وأتيا الحبشة ؛ فلمّا دخلا على النجاشي سجدا له، وسلّما عليه وقالا له: إنّ قومنا لك ناصحون شاكرون ولصلاحك محبّون، وإنّهم بعثونا إليك ؛ لنحذّرك هؤلاء القوم الذّين قدموا عليك لأنّهم قوم رجل كذّاب خرج فينا فزعم أنّه رسول اللّه، ولم يبايعه أحد منّا إلا السفهاء وإنّا كنّا قد ضيّقنا عليهم الأمر. وألجأناهم إلى شعب أرضنا لا يدخل إليهم أحد. ولا يخرج منهم أحد. قد قتلهم الجوع والعطش. فلما اشتد عليه الأمر. بعث إليك ابن عم له ليفسد عليك دينك وملكك ورعيّتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم. قالوا: وآية ذلك أنّهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها النّاس رغبة عن دينك وسنّتك. قال: فدعاهم النّجاشي فلمّا حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب اللّه. فقال النّجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه. ففعل جعفر. فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان اللّه وذمّته.فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه. فقال: ألا تسمع كيف يدخلون بحزب اللّه وما أجابهم النجاشي. فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له. فقال عمرو: ألا ترى إنّهم يستكبرون أن يسجدوا لك. فقال لهم النّجاشي: ما منعكم ألاّ تسجدوا لي وتحيوّني بالتحيّة التي يُحييّني بها من أتى من الآفاق. قالوا: نسجد للّه الذّي خلقك وملكك قال وإنما كان للملك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان. فبعث اللّه فينا نبياً صادقاً، وأمرنا بالتحية التي رضيها اللّه لنا. وهو السلام تحية أهل الجنّة. فعرف النّجاشي أن ذلك حق فيما جاء في التوراة والانجيل. قال: أيّكم الهاتف: يستأذن عليك حزب اللّه؟ قال جعفر: أنا. قال: تكلّم. قال: إنّك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، وأنا أُحبّ أن أُجيب عن أصحابي فمن هذين الرّجلين أن يتكلّم أحدُهما وينصت الآخر. فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلّم. فقال جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين. أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنّا عبيداً أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم. فقال النجاشي: أعبيد هم يا عمرو أم أحرار؟ قال: لا، بل أحرار كرام. فقال النجاشي: نجّوا من العبودية، ثم قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماً بغير حق؟ فاقتصّ منّا. فقال عمرو: لا ولا قطرة. فقال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال النّاس بغير حق فعلينا إيفاؤها. فقال النّجاشي: قل يا عمرو. وإن كان قنطاراً. فعليّ قضاؤه قال: لا ولا قيراط. قال النّجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كنّا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا، وتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره. ولزمناه نحن فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا. فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذّي اتبعتموه؟ قال جعفر: أمّا الدين الذي كنّا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره. كنّا نكفر باللّه ونعبد الحجارة. وأما الذي تحولنا إليه فدين الإسلام جاءنا به من اللّه رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له. فقال النجاشي: يا جعفر تكلّمت بأمر عظيم فعلى رسلك. فأمر النجاشي فضرب بالناقوس. فاجتمع إليه كل قسّيس وراهب. فلمّا اجتمعوا عنده قال النّجاشي: أُنشدكم اللّه الذي أنزل الإنجيل على عيسى. هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيّاً مرسلاً؟ فقالوا: اللهم نعم.قد بشرّنا به عيسى (عليه السلام) فقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: هيه: أي هات ماذا يقول لكم هذا الرّجل؟ وما يأمركم به؟ وما ينهاكم عنه؟ فقالوا: يقرأ علينا كتاب اللّه، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأمر بحسن الجوار، وصلة الرحم، ويأمر للوالدين واليتيم، ويأمر بأن نعبد اللّه وحده لا شريك له. فقال: إقرأ عليّ شيئاً ممّا يقرأ عليكم. فقرأ عليهم سورة العنكبوت والرّوم. ففاضت أعين النّجاشي وأصحابه من الدمع. وقالوا: يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطّيب. فقرأ عليهم سورة الكهف. فأراد عمرو أن يغضب النّجاشي. فقال: إنّهم يشتمون عيسى وأُمّه. فقال النّجاشي: ما تقولون في هذا؟ فقرأ جعفر عليهم سورة مريم فلمّا أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النّجاشي نفسه من سواكه قدر ما يقذي العين وقال: ما زاد المسيح على ما يقولون. ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: إذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يقول آمنون مَنْ سبّكم أو آذاكم غرّم، ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب إبراهيم (عليه السلام)قال عمرو للنّجاشي: ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرّهط وصاحبهم الذّي جاءوا من عنده ومن اتبعه، ولكنّكم أنتم المشركون. ثم ردّ النّجاشي على عمرو وأصحابه المال الذّي حملوه، وقال: إنّما هديّتكم رشوة إلي. فاقبضوها، ولكنّ اللّه ملّكني ولم يأخذ مني رشوة. قال جعفر: فانصرفنا فكنّا في خير دار، وأكرم بلد وأنزل اللّه ذلك اليوم في خصومتهم على رسوله وهو في المدينة {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ}: على مثله. { وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ}: يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. روى مسروق عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكلّ نبّي ولاء من النبيّين وإنّ وليّي منهم أبي وخليل ربّي ثم قرأ الآية {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} ... ". تفسير : {وَدَّت}: تمّنت. {طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ...} الآية: نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمّار ابن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم، قد مضت هذه القصة في سورة البقرة. {وَدَّت}: تمّنت. {طَّآئِفَةٌ}: جماعة من أهل الكتاب يعني اليهود. { لَوْ يُضِلُّونَكُمْ}: يزّلونكم عن دينكم ويردّوكم إلى الكفر. وقال ابن جرير: يهلكونكم كقول الأخطل يهجو جرير بن عطية: شعر : كنت القذى في موج أكدرمزبد قذف الآتي به فضّل ضلالا تفسير : أي هلك هلاكاً. {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}. {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ}: يعني اليهود والنّصارى. {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ}: يعني القرآن وبيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم. { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}: إنّ نعته مذكور في التوراة والإنجيل. {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ}: تخلطون { ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ}: الإسلام باليهوديّة والنصرانيّة. وقال ابن زيد: التوراة التّي أنزل اللّه على موسى بالباطل الذّي غيّرتموه، وحرّفتموه، وضيّعتموه، وكتبتموه بأيديكم. {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: أنّ محمداً رسول اللّه ودينه حقّ. وقرأ أبو مجلز: تلبّسون بالتشديد. وقرأ حسن بن عمير: تلبسوا وتكتموا بغير نون ولا وجه له. {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}: الآية. قال الحسن والسّدي: تواطأ إثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عربية، وقال بعضهم لبعض: أُدخلوا دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا آخر النهار وقولوا: إنّا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه ؛ فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم، وقالوا: إنّهم أهل الكتاب وهم أعلم به منّا فيرجعون عن دينهم إلى دينكم، وقالوا: إنّهم أهل. وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: هذا في تبيان القبلة لما صُرفت إلى الكعبة. فشقّ ذلك على اليهود لمخالفتهم. فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالذّي أُنزل على محمد من أمر الكعبة، وصلّوا إليها أول النّهار ثمّ اكفروا آخر النّهار، وارجعوا إلى قبلتكم الصّخرة لعلّهم يقولون أهل الكتاب هم أعلم منّا فيرجعون إلى قبلتنا، فحذّر اللّه نبيّه مكر هؤلاء وأطلعه على سرّهم. فأنزل: {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ } {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ}: أوّله وسّمى الوجه وجهاً لأنّه أحسنه، وأول ما يواجه به الناظر فيرى، ويقال لأول الشيب وجهه. قال الربيع بن زياد: شعر : من كان مسروراً بمقتل مالك فليأتِ نسوتنا بوجه نهار تفسير : {وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ}: يشكّون. {يَرْجِعُونَ}: عن دينهم. {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ}: ولا تصّدقوا. {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ}: هذا من كلام اليهود أيضاً بعضهم لبعض ولا تؤمنوا ولا تصدّقوا إلا من تبع دينكم أي وافق ملّتكم وصلّى إلى قبلتكم واللام في قوله {لِمَن}: صلة يعني ولا تؤمنوا إلا من تبع دينكم اليهوديّة كقول اللّه تعالى {أية : قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} تفسير : [النمل: 72] {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} الآية: اختلف القرّاء والعلماء فيه، فقرأت العامّة: أن يؤتى بالفتح من الألف وقصرها ووجه هذه القراءة إنّ هذا الكلام معترض بين كلامين وهو خبر عن اللّه تعالى أنّ البيان وما يدلّ قوله {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} متصل بالكلام الأوّل إخباراً عن قول اليهود بعضهم لبعض، ومعنى الآية: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أُؤتيتم من العلم والحكمة والحجّة في المنّ والسلوى، وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات. ولا تؤمنوا أن يُحاجّوكم عند ربّكم لأنّكم أصحّ ديناً منه، وهذا معنى قول مجاهد و الأخفش. وقال ابن جريج وابن زيّات: قالت اليهود لسفلتهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وأيّ فضل يكون لكم عليهم حيث علموا ما علمتم وحينئذ {يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ}: يقولون عرفتم أنّ ديننا حقّ فلا تصدّقوهم لئلاّ يعلموا مثل ما عُلّمتم ولا يُحاجّوكم عند ربكم، ويجوز أن يكون على هذا القول لا مضمراً كقوله تعالى {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 176] يكون تقديره ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم لئلاّ يؤتى أحد من العلم مثل ما أوتيتم وألا يحاجّوكم عند ربكم. وقرأ الحسن والأعمش: إن يؤتى بكسر الألف ووجه هذه القراءة إنّ هذا كلّه من قول اللّه بلا اعتراض وأن يكون كلام اليهود تاماً عند قوله {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} ومعنى الآية: قل يا محمد إنّ الهدى هدى اللّه أن يؤتى ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أُمّة محمد أو يحاجّوكم، يعني إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم وقوله: {عِندَ رَبِّكُمْ} أي عند فضل ربّكم لكم ذلك ويكون (أنّ) على هذا القول بمعنى الجحد والنفي. وهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن وأبي مالك ومقاتل والكلبي. وقال الفرّاء: ويجوز أن يكون (أو) بمعنى حتّى كما يقال: تعلّق به أو يعطيك حقّك أي حتى يعطيك حقّك. وقال امرؤ القيس: شعر : فقلت له لا تبك عينك إنّما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا تفسير : أي حتى نموت. والمعنى لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ما أعطى أحداً مثل ما أُعطيتم يا أُمة محمد من الدّين والحجّة حتّى يحاجّوكم عند ربّكم. وقرأ ابن كثير: أن يؤتى بالمدّ وحينئذ يكون في الكلام إختيار تقديرها: أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونهم ولا تؤمنون بهم وهذا قول قتادة والربيع. و إلاّ هذا من قول اللّه عز وجّل: قل لهم يا محمد إنّ الهدى هدى اللّه لما أنزل كتاباً مثل كتابكم وبعث نبيّاً مثل نبيّكم حسدتموه وكفرتم به. {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} الآية. قال أبو حاتم: إنّ معناه الآن فحذف لام الجزاء استخفافاً وأُبدلت مدّه كقراءة من قرأ: {أية : أَن كَانَ ذَا مَالٍ} تفسير : [القلم: 14] أي الآن كان. وقوله: أو يحاجّوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين ويكون أو بمعنى أن لأنّهما حرفا شك وجزاء ويوضع أحدهما موضع الآخر وتقدير الآية: وإن يحاجّوكم يا معشر المؤمنين عند ربّكم فقل يا محمد: إنّ الهدى هدى اللّه ونحن عليه. ويحتمل أن يكون الجميع خطاباً للمؤمنين ويكون نظم الآية: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين [فلا تشكّو عند تلبيس اليهود] فقل إنّ الفضل بيد اللّه. وإن حاجّوكم فقل إنّ الهدى هدى اللّه. فهذه وجوه الآيات باختلاف القرآن. ويحتمل أن يكون تمام الخبر عن اليهود عند قوله {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فيكون قوله {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} إلى آخر الآية من كلام اللّه عزّ وجّل. وذلك إنّ اللّه تعالى مثبّتٌ لقلوب المؤمنين ومشحذٌ لبصائرهم لئلاّ يشكّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم أي: ولا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إلا لمن تبع دينكم ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدّقوا أن يحاجّوكم في دينكم عند ربّكم فيقدرون على ذلك فإنّ الهدى هدى اللّه وأنّ الفضل بيد اللّه. {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}: فتكون الآية كلّها خطاب اللّه عز وجّل للمؤمنين عند تلبيس اليهود عليهم لئلاّ يزلّوا ولا يرتابوا واللّه أعلم. يدل عليه قول الضحّاك قال: إنّ اليهود قالوا: إنّا نحاجّ عند ربنا من خالفنا في ديننا فبيّن اللّه تعالى أنّهم هم المدحضون أي المغلوبون، وإنّ المؤمنين هم الغالبون. وقال أهل الإشارة في هذه الآية: لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم فإنّ من لا يوافقكم لا يرافقكم. {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ}: بنبوّته ودينه ونعمته. {مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم}: وقال أبو حيّان: إجمال القول يبقى مع رجاء الرّاجي وخوف الخائف.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق يسألهم: لماذا يكون جدالكم في إبراهيم خليل الله؟ إن اليهود منكم ينسبون أنفسهم إلى موسى، والنصارى منكم ينسبون أنفسهم إلى عيسى، وإبراهيم عليه السلام لا يمكن أن يكون يهودياً كما يدعي اليهود، فاليهودية قد جاءت من بعد إبراهيم والنصارى لا يمكنهم الادعاء بأن إبراهيم كان نصرانياً، لأن النصرانية قد جاءت من بعد إبراهيم عليه السلام، فلم المحاجة إذن؟ لقد أنزلت التوراة والإنجيل من بعد إبراهيم فكيف يكون تابعاً للتوراة والإنجيل؟ وبعد ذلك يقول الحق: {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ ...}.

الأندلسي

تفسير : {لِمَ تُحَآجُّونَ} ادعت اليهود ان إبراهيم عليه السلام كان يهودياً والنصارى قالوا كان نصرانياً وحاجوا في ذلك. وما في لم استفهامية حذفت ألفها أنكر سبحانه وتعالى عليهم دعواهم وبين أن اليهودية إنما هي منتسبة لمن أنزل عليهم التوراة، والنصرانية لمن أنزل عليهم الإِنجيل، وهما إنما أنزلا بعد إبراهيم عليه السلام وهذا إلزام واضح. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تنبيه على عدم عقلهم إذ نسبوا شيئاً متأخراً لمن كان متقدماً. {فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} أي على دعواكم في قصة عيسى عليه السلام إذ كانوا قد شاهدوه وإن كانوا قد نسبوه إلى ما لا يليق بما لا يكون له من ادعاء الإِلهية فيه كما ادّعت النصارى أو قذفه بما هو باطل كادّعاء اليهود فيه. {فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} هي دعواهم من إبراهيم عليه السلام. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} أي دين إبراهيم الذي حاججتهم فيه. و{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ} الآية أعلم تعالى براءة إبراهيم من هذه الأديان وبدأ بانتفاء اليهودية لأن شريعة اليهود أقدم من شريعة النصارى وكرر لا لتأكيد النفي عن كل واحد من الدينيين ثم استدرك ما كان عليه. بقوله: {وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً} ووقعت لكن هنا أحسن مواقعها إذ هي واقعة بين النقيضين بالنسبة إلى اعتقاد الحق والباطل ولما كان الكلام مع اليهود والنصارى كان الإِستدراك بعد ذكر الانتفاء عن شريعتيهما ثم نفى على سبيل التكميل للتبري من سائر الأديان كونه من المشركين وهم عبدة الأصنام كالعرب الذين كانوا يدعون أنهم على دين إبراهيم وكالمجوس عبدة النار وكالصابئة عبدة الكواكب ولم ينص على تفصيلهم لأن الإِشراك يجمعهم. {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ} الآية. وقال ابن عباس: قالت رؤساء اليهود والله يا محمد لقد علمت أنا أولى الناس بدين إبراهيم منك ومن غيرك وانه كان يهودياً وما بك إلا الحسد. فنزلت فأولى الناس أخضهم به وأقربهم منه في الولي وهو القرب وأولى أفضل تفضيل، والمفضل عليه محذوف تقديره منكم أهل الكتاب. {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} أي اتبعوا شريعته في زمانه وفي الفترات بعده. {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. وخص بالذكر من سائر من اتبعه لتخصيصه بالشرف والفضيلة. كقوله: {أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ} تفسير : [البقرة: 98]. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [قيل: آمنوا] بمحمد صلى الله عليه وسلم وقرأ وهذا النبي عطفاً على الضمير المنصوب في اتبعوه أي اتبعوا إبراهيم وهذا النبي. وقرىء بالجر عطفاً على إبراهيم. {وَدَّت طَّآئِفَةٌ} أجمع المفسرون على أنها نزلت في يهود بني النضير وقريظة وقينقاع قالوا لمعاذ وعمار وحذيفة: تركتم دينكم واتبعتم دين محمد فنزلت: {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} يردونكم إلى كفرهم. {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} أي بجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. {وَمَا يَشْعُرُونَ} مبالغة في ذمهم حيث فقدوا المنفعة بحواسهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 65]، وتزعمون أنه على دينكم، وليس لكم به علم ولا حجة فيما أنزل عليكم من التوراة والإنجيل في نعته وصفته، {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ} [آل عمران: 66]، بالباطل {فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66]، حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعملون بما تعلمون، وتحاجون فيما لا تعلمون {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} [آل عمران: 66]، ما تعملون {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 66]، ما تعملون جهلاً منكم. ثم أخبر عن إبراهيم عليه السلام، وما هو عليه من الدين القويم بقوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً} [آل عمران: 67]، إشارة في الآية: إن الله تعالى نزه إبراهيم عليه السلام عن اليهودية والنصرانية براءة له عن الشرك؛ لأن أهل الملتين كانوا مشركين؛ ولهذا قال تعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]، وقال تعالى: {وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]، {حَنِيفاً} [آل عمران: 67]، يعني: مائلاً عن غير الله مسلماً وجهه لله، يدل عليه قوله: {أية : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ}تفسير : [آل عمران: 20]، قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله}تفسير : [النساء: 125]؛ يعني: لا يلتفت إلى غير الله في الطلب، ولا يشرك به شيئاً. {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 68]؛ يعني: في الإيثار له لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} [آل عمران: 68]؛ اقتداءً به في الصورة والمعنى، {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 68]؛ يعني: الذين اتبعوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه متبعون ملته صورة ومعنى؛ لقوله تعالى: {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الحج: 78]، وملته الحقيقية هي الخلة، كما قال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}تفسير : [النساء: 125]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به، حين قال: "حديث : لو كنت متخذاً خليلاً، لاتخذت إبراهيم خليلاً، ولكن أبي بكر أخي وصاحبي، ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً"تفسير : ، ثم المؤمنين كانوا أولى الناس به؛ لقوله تعالى: {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68]؛ والولي: هو الخليل. {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} [آل عمران: 69]، عن ملة إبراهيم عليه السلام وهي: الخلة والإسلام، {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 69]، بهذه المودة مودة الإضلال، {وَمَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران: 69]، أن مودة إضلال أهل الله كفر، فإن الرضاء بالكفر كفر. ثم أخبر عن كفر أهل الكتاب في أن لخطاب بقوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران: 70]، والإشارة في الآيتين: إن الله عز وجل يظهر أن الهداية منه تبارك وتعالى لا من قراءة الكتب، وتفهم ألفاظها شهادة اللسان وإقراره وإنما هي بشهود القلب عند ظهور شواهد الحق، فقال تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [آل عمران: 70]؛ يعني: الذين يظنون أنكم اهتديتم إلى الحق بالكتاب وأنتم تشهدون على أنفسكم بالهداية، فإن كنا كما تزعمون لما تكفرون بآيات الله ببراهينه وحججه الظاهرة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ادعى اليهود أن إبراهيم كان يهوديا، والنصارى أنه نصراني، وجادلوا على ذلك، رد تعالى محاجتهم ومجادلتهم من ثلاثة أوجه، أحدها: أن جدالهم في إبراهيم جدال في أمر ليس لهم به علم، فلا يمكن لهم ولا يسمح لهم أن يحتجوا ويجادلوا في أمر هم أجانب عنه وهم جادلوا في أحكام التوراة والإنجيل سواء أخطأوا أم أصابوا فليس معهم المحاجة في شأن إبراهيم، الوجه الثاني: أن اليهود ينتسبون إلى أحكام التوراة، والنصارى ينتسبون إلى أحكام الإنجيل، والتوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم، فكيف ينسبون إبراهيم إليهم وهو قبلهم متقدم عليهم، فهل هذا يعقل؟! فلهذا قال { أفلا تعقلون } أي: فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا ذلك، الوجه الثالث: أن الله تعالى برأ خليله من اليهود والنصارى والمشركين، وجعله حنيفا مسلما، وجعل أولى الناس به من آمن به من أمته، وهذا النبي وهو محمد صلى الله على وسلم ومن آمن معه، فهم الذين اتبعوه وهم أولى به من غيرهم، والله تعالى وليهم وناصرهم ومؤيدهم، وأما من نبذ ملته وراء ظهره كاليهود والنصارى والمشركين، فليسوا من إبراهيم وليس منهم، ولا ينفعهم مجرد الانتساب الخالي من الصواب. وقد اشتملت هذه الآيات على النهي عن المحاجة والمجادلة بغير علم، وأن من تكلم بذلك فهو متكلم في أمر لا يمكن منه ولا يسمح له فيه، وفيها أيضا حث على علم التاريخ، وأنه طريق لرد كثير من الأقوال الباطلة والدعاوى التي تخالف ما علم من التاريخ، ثم قال تعالى: { وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ ...}.