Verse. 359 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

ھٰۗاَنْتُمْ ھٰۗؤُلَاۗءِ حَاجَجْتُمْ فِـيْمَا لَكُمْ بِہٖ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاۗجُّوْنَ فِيْمَا لَيْسَ لَكُمْ بِہٖ عِلْمٌ۝۰ۭ وَاللہُ يَعْلَمُ وَاَنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ۝۶۶
Haantum haolai hajajtum feema lakum bihi AAilmun falima tuhajjoona feema laysa lakum bihi AAilmun waAllahu yaAAlamu waantum la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ها» للتنبيه «أنتم» مبتدأ «هؤلاء» والخبرُ «حاججتم فيما لكم به علم» من أمر موسى وعيسى وزعمكم أنكم على دينهما «فلمَا تُحاجُّون فيما ليس لكم به علم» من شأن إبراهيم «والله يعلم» شأنه «وأنتم لا تعلمون» قال تعالى تبرئة لإبراهيم.

66

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي {ها أَنتُمْ } بالمد والهمزة وقرأ نافع وأبو عمرو بغير همز ولا مد، إلا بقدر خروج الألف الساكنة وقرأ ابن كثير بالهمز والقصر على وزن {صنعتم} وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز، فمن حقق فعلى الأصل، لأنهما حرفان {ها} و {أَنتُمْ } ومن لم يمد ولم يهمز فللتخفيف من غير إخلال. المسألة الثانية: اختلفوا في أصل {ها أَنتُمْ } فقيل {ها} تنبيه والأصل {أَنتُمْ } وقيل أصله {أَءَنتُمْ } فقلبت الهمزة الأولى هاء كقولهم هرقت الماء وأرقت و {هَـؤُلاء } مبني على الكسر وأصله أولاء دخلت عليه ها التنبيه، وفيه لغتان: القصر والمد، فإن قيل: أين خبر أنتم في قوله ها أنتم؟ قلنا في ثلاثة أوجه الأول: قال صاحب «الكشاف» {ها} للتنبيه و {أَنتُمْ } مبتدأ و {هَـؤُلاء } خبره و {حَـٰجَجْتُمْ } جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى بمعنى: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم وإن جادلتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم؟ والثاني: أن يكون {أَنتُمْ } مبتدأ، وخبر {هَـؤُلاء } بمعنى أولاء على معنى الذي وما بعده صلة له الثالث: أن يكون {أَنتُمْ } مبتدأ {وَهَـؤُلاء } عطف بيان {وحاججتم} خبره وتقديره: أنتم يا هؤلاء حاججتم. المسألة الثالثة: المراد من قوله {حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } هو أنهم زعموا أن شريعة التوراة والإنجيل مخالفة لشريعة القرآن فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به وهو ادعاؤكم أن شريعة إبراهيم كانت مخالفة لشريعة محمد عليه السلام؟. ثم يحتمل في قوله {هأَنتُمْ هَـٰؤُلاء حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } أنه لم يصفهم في العلم حقيقة وإنما أراد إنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه، فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به ألبتة؟. ثم حقق ذلك بقوله {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } كيف كانت حال هذه الشرائع في المخالفة والموافقة {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } كيفية تلك الأحوال. ثم بيّن تعالى ذلك مفصلاً فقال: {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً } فكذبهم فيما ادعوه من موافقة لهما. ثم قال: {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا } وقد سبق تفسير الحنيف في سورة البقرة. ثم قال: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } وهو تعريض بكون النصارى مشركين في قولهم بإلٰهية المسيح وبكون اليهود مشركين في قولهم بالتشبيه. فإن قيل: قولكم إبراهيم على دين الإسلام أتريدون به الموافقة في الأصول أو في الفروع؟ فإن كان الأول لم يكن مختصاً بدين الإسلام بل نقطع بأن إبراهيم أيضاً على دين اليهود، أعني ذلك الدين الذي جاء به موسى، فكان أيضاً على دين النصارى، أعني تلك النصرانية التي جاء بها عيسى فإن أديان الأنبياء لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول، وإن أردتم به الموافقة في الفروع، فلزم أن لا يكون محمد عليه السلام صاحب الشرع ألبتة، بل كان كالمقرر لدين غيره، وأيضاً من المعلوم بالضرورة أن التعبد بالقرآن ما كان موجوداً في زمان إبراهيم عليه السلام فتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا وغير مشروعة في صلاتهم. قلنا: جاز أن يكون المراد به الموافقة في الأصول والغرض منه بيان إنه ما كان موافقاً في أصول الدين لمذهب هؤلاء الذين هم اليهود والنصارى في زماننا هذا، وجاز أيضاً أن يقال المراد به الفروع وذلك لأن الله نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم نسخ شرع موسى عليه السلام الشريعة التي كانت ثابتة في زمن إبراهيم عليه السلام وعلى هذا التقدير يكون محمد عليه السلام صاحب الشريعة ثم لما كان غالب شرع محمد عليه السلام موافقاً لشرع إبراهيم عليه السلام، فلو وقعت المخالفة في القليل لم يقدح ذلك في حصول الموافقة. ثم ذكر تعالى: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ } فريقان أحدهما: من اتبعه ممن تقدم والآخر: النبي وسائر المؤمنين. ثم قال: {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالنصرة والمعونة والتوفيق والإعظام والإكرام.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ} يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا يعلمونه فيما يجدون من نعته في كتابهم فحاجّوا فيه بالباطل. {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} يعني دعواهم في إبراهيم أنه كان يهودياً أو نصرانياً. والأصل في «ها أنتم» أأنتم فأبدِل من الهمزة الأُولى هاء لأنها أختها؛ عن أبي عمرو بن العلاء والأخفش. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقرأ قُنْبُل عن ٱبن كثير «ها أنتم» مثل هعنتم. والأحسن منه أن يكون الهاء بدلاً من همزة فيكون أصله أأنتم. ويجوز أن تكون ها للتنبيه دخلت على «أنتم» وحذفت الألف لكثرة الاستعمال. وفي «هؤلاء» لغتان المدّ والقصر ومن العرب من يقصرها. وأنشد أبو حاتم:شعر : لعمرك إنا والأحاليف هاؤلا لفي مِحنة أظفارها لم تُقَلَّم تفسير : وهؤلاء هاهنا في موضع النداء يعني يا هؤلاء. ويجوز هؤلاء خبر أنتم، على أن يكون أولاء بمعنى الذين وما بعده صلة له. ويجوز أن يكون خبر «أنتم» حاججتم. وقد تقدّم هذا في «البقرة» والحمد لله. الثانية: في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظرِ على من لا تحقيق عنده فقال عز وجل: {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}. وقد ورد الأمر بالجدال لمن علِم وأيقن فقال تعالى: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [النحل: 125]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حديث : أتاه رجل أنكر ولده فقال: يا رسول الله، إن ٱمرأتي ولدت غلاماً أسود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك من إبل»؟ قال نعم. قال: «ما ألوانها»؟ قال: حُمْرٌ: قال. «هل فيها من أَوْرَق»؟ قال نعم. قال: «فمن أين ذلك»؟ قال: لعل عِرْقاً نَزَعه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وهذا الغلام لعل عِرقاً نزعه»تفسير : . وهذا حقيقة الجدال ونهايةٌ في تبيين الاستدلال من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هَا} للتنبيه { أَنتُمْ } مبتدأ يا {هَٰؤُلاءِ } والخبر {حَٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ } من أمر موسى وعيسى وزعمكم أنكم على دينهما {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } من شأن إبراهيم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } شأنه {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }، قال الله تعالى تبرئة لإبراهيم.

ابن عبد السلام

تفسير : {حَاجَجْتُمْ} فيما وجدتموه في كتبكم، {فَلِمَ تُحَآجُّونَ} في شأن إبراهيم {وَاللهُ يَعْلَمُ} شأنه وأنتم لا تعلمونه.

ابن عادل

تفسير : القراء في هذه على أربع مراتِبَ، والإعراب متوقِّفٌ على ذلك: المرتبة الأولى للكوفيين وابن عامر والبَزِّي عن ابن كثير: ها أنتم - بألف بعد الهاء، وهمزة مخففة بعدها. المرتبة الثانية لأبي عمرو وقالون عن نافع: بألف بعد الهاء، وهمزة مسهَّلَة بين بين بعدها. المرتبة الثالثة لورش، وله وجهانِ: أحدهما: بهمزة مسهلة بين بين بعد الهاء دون ألف بينهما. الثاني: بألفٍ صريحةٍ بعد الهاء بغير همزة بالكلية. المرتبة الرابعة لقُنْبُل بهمزة مُخَفَّفَة بعد الهاء دون ألف. فصل اختلف الناسُ في هذه الهاء: فمنهم من قال: إنها "ها" التي للتنبيه الداخلة على أسماء الإشارة، وقد كثر الفصلُ بينها وبين أسماء الإشارةِ بالضمائر المرفوعة المنفصلة، نحو: ها أنت ذا قائماً، وها نحن، وها هم، وهؤلاء، وقد تُعادُ مع الإشارة بعد دخولها على الضمائرِ؛ توكيداً، كهذه الآية، ويقل الفصل بغير ذلك كقوله: [البسيط] شعر : 1500- تَعَلَّمَنْ هَا - لَعَمْرُ اللهِ - ذَا قَسَماً فَاقْدِرْ بِذَرْعِكَ وَانْظُرْ أيْنَ تَنْسَلِكُ تفسير : وقول النابغة: [البسيط] شعر : 1501- هَا - إنَّ - ذِي عِذْرَةٌ إنْ لا تَكُنْ قُبِلَتْ فَإِنَّ صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ في الْبَلَدِ تفسير : ومنهم من قال: إنها مُبْدَلَةٌ من همزة الاستفهام، والأصل: أأنتم؟ وهو استفهام إنكار، وقد كثر إبدال الهمزة هاء - وإن لم ينقس - قالوا هَرَقْتُ، وهَرَحْتُ، وهَنَرتُ، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء، وأبي الحسن الأخفش، وجماعة، واستحسنه أبو جعفر، وفيه نظرٌ؛ من حيث إنه لم يثبُت ذلك في همزة الاستفهام، لم يُسْمَع: هَتَضْرِبُ زَيْداً - بمعنى أتَضْرِبُ زيداً؟ وإذا لم يثبت ذلك فكيف يُحْمَلُ هذا عليه؟ هذا معنى ما اعترض به أبو حيان على هؤلاء الأئمةِ، وإذا ثبت إبدال الهمزة هاء هان الأمر، ولا نظر إلى كونها همزةَ استفهام، ولا غيرها، وهذا - أعني كونها همزة استفهام أبْدِلت هاءً - ظاهر قراءة قُنْبُلٍ، وورش؛ لأنهما لا يُدْخِلان ألفاً بين الهاء وهمزة "أنتم"؛ لأن إدخال الألف لما كان لاستثقال توالي همزتين، فلما أبدلت الهمزة هاء زال الثقل لفظاً؛ فلم يُحتَج إلى فاصلةٍ، وقد جاء إبدال همزة الاستفهام ألفاً في قول الشاعر: [الكامل] شعر : 1502- وَأتَتْ صَوَاحِبَهَا، وَقُلْنَ هَذَا الَّذِي مَنَحَ الْمَوَدَّةَ غَيْرَنَا وَجَفَانَا تفسير : يريد أذا الذي؟ ويضعف جعلها - على قراءتهما - "ها" التي للتنبيه؛ لأنه لم يُحْفَظ حَذْفُ ألِفِها، لا يقال: هَذَا زيد - بحذف ألف "ها" - كذا قيل. قال شهاب الدّينِ: "وقد حذفها ابنُ عامر في ثلاثة مواضع - إلا أنه ضم الهاء الباقية بعد حذف الألف - فقرأ - في الوصل -: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلسَّاحِرُ} تفسير : [الزخرف: 49] و {أية : وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [النور: 31]، و {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلثَّقَلاَنِ} تفسير : [الرحمن: 31]، ولكن إنما فعل ذلك اتباعاً للرسم؛ لأن الألفَ حُذِفَتْ في مرسوم مصحف الشام في هذه الثلاثة، وعلى الجملة فقد ثبت حذف ألف "ها" التي للتنبيه. وأمَّا من أثبت الألف بَيْن الهاء وبين همزة "أنتم" فالظاهر أنها للتنبيه، ويضعف أن تكون بدلاً من همزة الاستفهام؛ لما تقدم من أن الألف إنما تدخل لأجل الثقل، والثقل قد زال بإبدال الهمزة هاء، وقال بعضهم: الذي يقتضيه النظر أن تكون "ها" - في قراءة الكوفيين والبَزِّيّ وابن ذكوان -، للتنبيه؛ لأن الألف في قراءتهم ثابتة، وليس من مذهبهم أن يفصلوا بين الهمزتين بألف، وأن تكون في قراءة قُنْبُل وورش - مُبْدَلَة من همزة؛ لأن قُنْبُلاً يقرأ بهمزة بعد الهاء، ولو كانت "ها" للتنبيه لأتى بألف بعد الهاء، وإنما لم يُسهِّل الهمزة - كما سَهَّلَها في {ءَأَنذَرْتَهُمْ} ونحوه لأن إبدال الأولى هاء أغناه عن ذلك، ولأن ورشاً فعل فيه ما فعل في: {ءَأَنذَرْتَهُمْ} ونحوه من تسهيل الهمزة، وترك إدخال الألفِ، وكان الوجه في قراءته بالألف - أيضاً - الحمل على البدل كالوجه الثاني في {ءَأَنذَرْتَهُمْ} ونحوه. وما عدا هؤلاء المذكورين - وهم أبو عمرو وهشام وقالون - يحتمل أن تكون "ها" للتنبيه، وأن تكون بدلاً من همزة الاستفهام. أما الوجه الأول فلأن "ها" التنبيه دخلت على "أنتم" فحَقَّق هشام الهمزة كما حققها في "هؤلاء" ونحوها، وَخَفَّفَهَا قالون وأبو عمرو؛ لتوسُّطِها بدخول حرف التنبيه عليها، وتخفيف الهمزة المتوسطة قَوِيٌّ. الوجهُ الثاني: أن تكونَ الهاءُ بدلاً من همزة الاستفهام؛ لأنهم يَفْصِلُون بين الهمزتين بألفٍ، فيكون أبو عمرو وقالون على أصلهما - في إدخال الألف والتسهيل - وهشام على أصله - في إدخال الألف والتحقيق - ولم يُقْرَأ بالوجه الثاني - وهو التسهيل - لأن إبدال الهمزة الأولى هاءً مُغْنٍ عن ذلك. وقال آخرون: إنه يجوز أن تكون "ها" - في قراءة الجميع - مُبْدَلَةً من همزة، وأن تكون التي للتنبيه دخلت على "أنتم" ذكر ذلك أبو علي الفارسي والمَهْدَوِي ومَكِيّ في آخرين. فأما احتمال هذين الوجهين - في قراءة أبي عمرو وقالون عن نافع، وهشام عن ابن عامر- فقد تقدم توجيهه، وأما احتمالهما في قراءة غيرهم، فأما الكوفيون والبَزِّيُّ وابنُ ذكوان فقد تقدم توجيه كون "ها" - عندهم - للتنبيه، وأما توجيه كونها بدلاً من الهمزة - عندهم - أن يكون الأصل أنه أأنتم، ففصلوا بالألف - على لغة مَنْ قال: [الطويل] شعر : 1503-............................ آأَنتِ أمْ أمُّ سَالِمِ تفسير : ولم يعبئوا بإبدال الهمزة الأولى هاءً؛ لكَوْن البدَلِ فيها عارضاً، وهؤلاء، وإن لم يكن من مذهبهم الفصل لكنهم جمعوا بين اللغتين. وأما توجيه كونها بدلاً من الهمزة - في قراءة قُنْبُلٍ وورشٍ - فقد تقدم، وأما توجيه كونها للتنبيه في قراءتهما - وإن لم يكن فيها ألف - أن تكون الألف حُذِفَتْ لكثرة الاستعمال، وعلى قول مَنْ أبدل كورشٍ حذفت إحدى الألفين؛ لالتقاء الساكنين. قال أبو شَامَةَ: الأوْلَى في هذه الكلمة - على جميع القراءات فيها - أن تكون "ها" للتنبيه؛ لأنا إن جعلناها بدلاً من همزةٍ كانت الهمزةُ همزةَ استفهامٍ، و {هٰأَنْتُمْ} أينما جاءت في القرآن إنما جاءت للخبر، لا للاستفهام، ولا مانع من ذلك إلا تسهيلُ مَنْ سَهَّل، وحَذْفُ مَنْ حذف، أما التسهيل فقد سبق تشبيهه بقوله: {أية : لأَعْنَتَكُمْ} تفسير : [البقرة: 220] وشبهه، وأما الحذف فنقول: "ها" مثل "أما" - كلاهما حرف تنبيه - وقد ثبت جواز حذف ألف "أما" فكذا حذف ألف "ها" وعلى ذلك قولهم: أمَ واللهِ لأفْعَلَنَّ. وقد حمل البصريون قولهم: "هَلُمَّ" على أن الأصل "هَالُمَّ"، ثم حذف ألف "ها" فكذا {هٰأَنْتُمْ}. وهو كلام حَسَنٌ، إلا أنَّ قوله: إن {هٰأَنْتُمْ} - حيث جاءت - كانت خبراً، لا استفهاماً ممنوع، بل يجوز ذلك، ويجوز الاستفهام، انتهى. ذكر الفرّاءُ أيضاً - هنا - بحثاً بالنسبة إلى القصر والمد، فقال: من أثبت الألفَ في "ها"، واعتقدها للتنبيه، وكان مذهبُه أن يقصر في المنفصل، فقياسه هنا قَصْر الألف سواء حقَّق الهمزة، أو سهلها، وأمّا من جعلها للتنبيه، ومذهبه المد في المنفصل، أو جعل الهاء مبدلة من همزة استفهام - فقياسه أن يمد - سواء حقق الهمزة أو سهلها -. وأما ورش فقد تقدم عنه وجهان: إبدال الهمزة - من "أنتم" - ألفاً، وتسهيلها بَيْن بَيْنَ، فإذا أبدل مَدَّ، وإذا سهَّل قَصَر، إذا عُرِف هذا ففي إعراب هذه الآيةِ أوجُهٌ: أحدها: أنَّ "أنتم" مبتدأ، و "هَؤُلاَءِ" خبره، والجملة من قوله: {حَاجَجْتُمْ} جملة مستأنفة, مبينة للجملة الأولَى, يعني أنتم هؤلاءِ الأشخاص الحَمْقَى, وبيان حماقتكم, وقلة عقولكم, أنكم جادلتم فيما لكم به عِلْم بما نطق به التوراةُ والإنجيل {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} ذكر ذلك الزمخشريُّ. الثاني: أن يكون {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ} مبتدأ وخبراً, والجملة من {حَاجَجْتُمْ} في محل نصب على الحال يدل على ذلك تصريحُ العَرَب بإيقاع الحال موقعها - في قولهم: ها أنا ذا قائماً، ثم هذه الحال عندهم - من الأحوال اللازمة، التي لا يَسْتَغْنِي الكلامُ عَنْها. الثالث: أن يكون {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ} على ما تقدم - أيضاً - ولكن هَؤلاءِ هنا موصول، لا يتم إلا بصلةٍ وعائدٍ، وهما الجملة من قوله: {حَاجَجْتُمْ}، ذكره الزمخشريُّ. وهذا إنما يتجه عند الكوفيين، تقديره: ها أنتم الذين حاججتم. الرابع: أن يكون "أنْتُمْ" مبتدأ، و "حَاجَجْتُمْ" خبره، و "هؤلاء" منادًى، وهذا إنما يتَّجِه عند الكوفيين أيضاً؛ لأن حرفَ النداء لا يُحْذَف من أسماء الإشارة، وأجازه الكوفيون وأنشدوا: [البسيط] شعر : 1504- إنَّ الأُلَى وَصَفُوا قَوْمِي لَهُمْ فَبِهِمْ هَذَا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَنْ عَادَاكَ مَخْذُولا تفسير : يريد يا هذا اعتصم، وقول الآخر: [الخفيف] شعر : 1505- لا يَغُرًَّنَّكُمْ أولاَءِ مِنَ الْقَوْ مِ جُنُوحٌ لِلسِّلْمِ فَهْوَ خِدَاعُ تفسير : يريد: يا أولاء. الخامس: أن يكون "هَؤلاءِ" منصوباً على الاختصاص بإضمار فعل. و "أنتُمْ" مبتدأ، و "حَاجَجْتُمْ" خبره، وجملة الاختصاص مُعْتَرِضَةٌ. السادس: أن يكون على حذف مضافٍ، تقديره: ها أنتم مثل هؤلاء، وتكون الجملة بعدَها مُبَيِّنَةٌ لوجه الشبه، أو حالاً. السابع: أن يكون "أنْتُمْ" خبراً مقدماً، و "هَؤلاءِ" مبتدأ مؤخراً. وهذه الأوجهُ السبعةُ قد تقدم ذكرُها، وذكرُ من نسبت إليه والردُّ على بعض القائلين ببعضها، بما يغني عند إعادته في سورة البقرةِ عند قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ} تفسير : [البقرة: 85] فليلتفت إليه. قوله: {فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} "ما" يجوز أن تكون معنى "الذي" وأن تكونَ نكرةً موصوفةً. ولا يجوز أن تكون مصدرية؛ لعود الضمير عليها، وهي حرف عند الجمهور، و "لَكُمْ" يجوز أن يكون خبراً مقدماً، و "عِلمٌ" مبتدأ مؤخراً، والجملة صلة لِـ "ما" أو صفة، ويجوز أن يكون لكم وحده صلة، أو صفة، و "عِلْمٌ" فاعلٌ به؛ لأنه قد اعتمد، و "بِهِ" متعلق بمحذوف؛ لأنه حال من "عِلْمٌ" إذ لو تأخَّر عنه لصَحَّ جَعْلُه نعتاً له، ولا يجوز أن يتعلق بـ "عِلمٌ" لأنه مصدر، والمصدر لا يتقدم معموله عليه، فإن جعلته متعلِّقاً بمحذوف يفسِّره المصدرُ جاز ذلك، وسُمي بياناً. فصل وأما المعنى فقال قتادةُ والسُّدِّيُّ والربيعُ وغيرُهم: إن الذي لهم به علم هو دينُهم وجدوه في كتبهم، وثبتَتْ صحتُه لديهم، والذي ليس لهم به علم هو شريعةُ إبراهيمَ، وما عليه مما ليس في كتبهم، ولا جاءت به إليهم رُسُلُهُمْ، ولا كانوا مُعَاصِرِيه، فيعلمون دينَه، فجدالهم فيه مجرَّد عِنَادٍ ومُكَابَرة. قيل: الذي لهم به علم هو أمر نبيِّنا صلى الله عليه وسلم لأنه موجود عندهم في كُتُبِهم بنعته، والذي ليس به علمٌ هو أمر إبراهيم - عليه السلام -. قال الزمخشريُّ: "يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحَمْقَى، وبيان حماقتكم، أنكم جادلتم فيما لكم به علم ومما نطق به التوراة والإنجيل، {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} ولا نطق به كِتَابُكُمْ من إبراهيمَ". فصل اعلم أنهم زعموا أن شريعةَ التوراةِ والإنجيل مخالِفَةٌ لشريعة القرآن، وهو المراد بقوله {حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} ثم قال: {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} وهو ادِّعاؤكم أن شريعةَ إبراهيمَ كانت مخالفةً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وقد تقدم أقوال العلماء فيه ثم يُحْتَمَل في قوله: {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} فكيف تحاجُّونه فيما لا علم لكم به ألبتة؟ ثم حقَّق ذلك بقوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} كيفية تلك الأحوال من المخالفةِ والموافقةِ، ثم ذكر - تعالى - ذلك مفَصَّلاً، مُبَيَّناً، فقال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً} فكذَّبهم فيما ادَّعَوْه - من موافقته لهما - بَدْأً باليهود؛ لأن شريعتهم أقدم وكرر "لا" - في قوله: {وَلاَ نَصْرَانِيّاً} - توكيداً، وبياناً أنه كان منفيًّا عن كل واحد من الدينين على حدته. قال القرطبيُّ: "دلَّت الآيةُ على المنع من جدال مَنْ لا علم له، وقد ورد الأمر بالجدال لمن علم وأتقن، قال تعالى: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [النحل: 125]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أنه أتاه رجل وولده، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ امرأتي وَلَدَتْ غُلاماً أسْوَدَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قال: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا ألْوَانُهَا؟ قال: حُمْرٌ، قال: فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَال: مِنْ أيْنَ أتَاهَا ذَلِكَ؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقاً نزَعَه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:وَهَذَا الغَلامُ لَعَلَّ عِرْقاً نَزَعَهُ . تفسير : وهذه حقيقة الجدال، والنهاية في تبيين الاستدلال من رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: {وَلَـٰكِن} استدراك لما كان عليه، ووقعت - هنا - أحسن موقع؛ إذْ هي بين نَقِيضَيْن بالنسبة إلى اعتقادِ الحقِّ والباطلِ. ولما كان الخطاب مع اليهود والنصارَى أتى بجُمْلة تنفي أخْرَى؛ ليدل على أنه لم يكن على دين أحد من المشركين، كالعرب عَبَدَةِ الأوثان، والمجوس عَبَدَةِ النار، والصابئةِ عَبَدَةِ الكواكبِ. بهذا يطرحُ سؤالُ مَنْ قال: أيُّ فائدةٍ في قوله: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} بعد قوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً}؟ وأتى بخبر "كان" مجموعاً، فقال: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} بكونه فاصلةً، ولولا مراعاة ذلك لكانَتِ المطابقةُ مطلوبةً بينه وبين ما استدرك عنه في قوله: {يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً} فيتناسب النفيان. وقيل: قوله: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تعريض بكَوْن النصارى مشركين في قولهم بإلهية المسيح، وكون اليهود مشركين في قولهم بالتشبيه. والحنيفُ: المائل عن الأديان كلِّها إلى الدّينِ المُسْتَقِيمِ. وقيل: الحنيفُ: الذي يُوَحِّد، ويَحُج، ويُضَحِّي، ويَخْتَتِنُ، ويَسْتَقِبِل القبلة. وتقدم الكلام عليه في البقرة. فإن قيل: قولكم: إبراهيم على دين الإسلام، أتريدون به الموافقة في الأصول، أو في الفروع؟ فإن كان الأول لم يكن هذا مختصًّا بدين الإسلام، بل نقطع بأنّ إبراهيمَ أيضاً على دين اليهود - [ذلك الدينَ الذي جاء به موسى - وكان أيضاً - نصرانياً] أعني تلك النصرانية التي جاء بها عيسى - فإنَّ أديانَ الأنبياء كلَّها لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول، وإن أردتم به الموافقةَ في الفروع لزم أن لا يكون محمد صلى الله عليه وسلم صاحب شرع ألبتة، بل كان مقرِّراً لدين غيره، وأيضاً فمن المعلوم بالضرورة أن التعبُّد بالقرآن ما كان موجوداً في زمان إبراهيمَ، وتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا، وغير مشروعة في صلاتهم. فالجوابُ: أنه يجوز أن يكون المراد به الموافقة في الأصولِ والغرض منه بيانُ أنه ما كان موافقاً في أصول الدين لمذهب هؤلاء الذين هُمُ اليهود والنصارى في زماننا هذا. ويجوز أن يقالَ: المراد به الموافقة في الفروع، وذلك لأن اللهَ نسخ تلك الشرائعَ بشرع موسى، ثم زمان محمد صلى الله عليه وسلم نسخ شرع موسى بتلك الشرائع التي كانت ثابتةً في زمان إبراهيم عليه السلامُ - وعلى هذا التقدير يكون - عليه السلامُ - صاحب الشريعة، ثم لمَّا كان غالب شرع محمد صلى الله عليه وسلم موافقاً لشرع إبراهيم، جاز إطلاق الموافقة عليه، ولو وقعت المخالفةُ في القليل لم يقدَحْ ذلك في حصول الموافقة. قوله: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ}، "إبْراهِيم" متعلِّق به "أوْلَى" و "أوْلَى" أفعل تفضيل، من الولي، وهو القُرْب، والمعنى: إنَّ أقْرَبَ الناسِ به، وأخصهم، فألفه منقلبة عن ياء، لكون فائه واواً، قال أبو البقاء: وألفه منقلبة عن ياء، لأن فاءَه واوٌ، فلا تكون لامه واواً؛ إذ ليس في الكلام ما فاؤه ولامه واوان إلا واو - يعني اسم حرف التهجِّي - كالوسط من قول - أو اسم حرف المعنى - كواو النسق - ولأهل التصريفِ خلاف في عينه، هل هي واو - أيضاً - أو ياء. و{لِّلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} خبر "إن" و {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ} نَسَق على الموصول، وكذلك: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ}، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون - رضي الله عنهم - وإن كانوا داخلين فيمن اتبع إبراهيمَ إلا أنهم خُصُّوا بالذِّكْر؛ تشريفاً، وتكريماً، فهو من باب قوله تعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة: 98]. حكى الزمخشريُّ أنه قُرِئَ: {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِي} - بالنصب والجر - فالنصب نَسَقاً على مفعول {اتَّبَعُوهُ} فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد اتَّبَعه غيرُه - كما اتبع إبراهيمَ - والتقدير: للذين اتبعوا إبراهيمَ وهذا النبيَّ، ويكون قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} نَسَقاً على قوله: {لِّلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ}. والجر نَسَقاً على "إبْرَاهِيمَ" أي: إن أوْلَى الناسِ بإبراهيمَ وبهذا النبي، لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه، وفيه نظرٌ من حيث إنه كان ينبغي أن يُثَنَّى الضميرُ في "اتَّبَعُوهُ" فيُقَال: اتبعوهما، اللهم إلا أن يقال: هو من باب: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62]، ثم قال: {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالنصر والمعونةِ والتوفيقِ والإكرامِ. فصل روى الكلبيُّ وابنُ إسحاقَ حديث هجرة الحبشة لما هاجر جعفر بن أبي طالب، وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة، واستقرَّتْ بهم الدَّارُ، وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان من أمر بدر ما كان، اجتمعت قريش في دارِ الندوةِ، وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي - من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - ثأراً ممن قُتِل منكم ببدر، فاجمعوا مالاً، وأهدوه إلى النجاشِيِّ؛ لعله يدفع إليكم مَنْ عنده من قَوْمِكُمْ، ولْيُنْتَدَب لذلك رجلان من ذوي رَأيكم، فبعثوا عمرو بنَ العاصِ، وعمارة بن الوليد مع الهدايا، فركِبا البحرَ، وأتَيَا الحبشةَ، فلما دَخَلاَ على النجاشيِّ سَجَدَا له، وسلما عليه، وقَالاَ له: إنَّ قومَنا لك ناصحون شاكرون، ولصِلاَحِك مُحِبُّونَ، وإنهم بعثونا لنحذّرك هؤلاءِ الذين قَدِموا عليك؛ لأنهم قومُ رجلٍ كَذَّابٍ، خرج فينا يزعم أنه رسولُ اللهِ، ولم يتابعه أحدٌ منا إلاَّ السُّفَهاءُ، وإنا كنا ضيَّقْنَا عليهم الأمر، وألجأناهم إلى شِعْبٍ بأرضِنَا، لا يدخل عليهم أحدٌ، ولا يخرجُ منهم أحدٌ، حتى قتلهم الجوعُ والعطشُ، فلمَّا اشتدَّ عليهم الأمرُ بعث إليك ابن عَمِّه، ليُفْسِد عليك دِينَك ومُلْكَك ورَعِيَّتَك، فاحْذَرْهُمْ، وادْفَعْهم إلَيْنَا، لنكفِيَكَهُمْ، قالوا: وآية ذلك أنهم إذا دَخَلوا عليك لا يسجدون لك، ولا يُحَيُّونَك بالتحية التي يُحَيِّيك بها الناسُ رغبةً عن دِينك وسُنَّتِكَ. فدعاهم النجاشيُّ، فلمَّا حضروا صاح جعفرُ بالباب: يستأذن عليك حزبُ اللهِ، فقال النجاشيُّ: مروا هذا الصائحَ فلْيُعِدْ كلامَه، ففعل جَعْفَرُ، فقال النجاشيُّ: نعم، فلْيَدْخُلُوا بأمان اللهِ وذمته، فنظر عمرو بنُ العاصِ إلى صاحبه، فقال: ألا تسمع؟ يرطنون بـ "حِزْبِ اللهِ" وما أجابهم به النجاشي!!! فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه ولم يَسْجُدُوا له، فقال عمرو بن العاص ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟ فقال لهم النجاشِيُّ: ما منعكم أن تسجدوا لِي وتُحَيُّونِي بالتحية التي يحييني بها مَنْ أتاني من الآفاقِ؟ قالوا: نَسْجُد لله الذي خَلَقَكَ ومُلْكَك، وإنما كانت تلك التحيةُ لنا ونحن نعبدُ الأصْنَام، فبعث الله فينا نبيًّا صادقاً، وأمرنا بالتحية التي رضيها اللهُ، وهي السلامُ، وتحية أهل الجنَّةِ، فعرف النجاشيُّ أن ذلك حَقٌّ، وأنه في التوراة والإنجيل، فقال: أيكم الهاتف: يستأذنُ عليك حِزْبُ الله؟ قال جَعْفَر: أنا، قال: فتكلم، قال: إنك مَلِك من ملوك أهل الأرض، ومن أهل الكتاب، ولا يصلح عندَك كثرةُ الكلامِ، ولا الظلمُ، وأنا أحب أن أجيبَ عن أصحابي، فمر هذين الرجلين، فلْيَتَكَلَّمْ أحدُهما، وليُنْصِت الآخرُ، فيسمع محاورتنا، فقال عَمْرو لجعفر: تَكَلَّمْ، فقال جعفر للنجاشيُّ: سل هذين الرجلين أعَبيدٌ نحن أم أحرارٌ؟ فإن كنا عبيداً أبَقْنَا من أرْبَابِنا فاردُدْنا إليهم، فقال النجاشيُّ: أعبيدٌ هم أم أحرار؟ فقال لا، بل أحرارٌ كرام، فقال النجاشيُّ: نَجَوْا من العبوديَّةِ، ثم قال جعفرُ: سَلْهَُمَا هل لهم فينا دماء بغير حق، فيقتصّ منا؟ فقال عمرو: لا، ولا قطرة. قال جعفر: سَلْهُمَا، هل أخذنا أموالَ الناسِ بغير حق، فعلينا قضاؤها - قال النجاشيُّ: إن كان قنطاراً فعلي قضاؤه - فقال عمرو: لا، ولا قيراط، فقال النجاشيُّ: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو كنا وهم على دينٍ واحدٍ - دين آبائِنا - فتركوا ذلك، واتَّبَعُوا غيره، فَبَعَثَنَا إليك قومنا لتدفعهم إلينا، فقال النجاشيُّ: ما هذا الدينُ الذي كنتم عليه، الدين الذي اتبعتموه؟ قال: أما الدينُ الذي كنا عليه فتركناه فهو دينُ الشيطانِ، كنا نكفر بالله، ونعبد الحجارة، وأما الدين الذي تحوَّلنا إليه فدينُ الله الإسلامُ، جاءنا به من الله رسولٌ، وكتاب مثل كتاب ابن مريم، موافِقاً له. فقال النجاشيُّ: يا جعفر، تكلمت بأمر عظيم، فعلى رِسْلِك، ثم أمر النجاشيُّ، فضُرِب بالنَّاقوس، قد اجتمع إليه كُلُّ قِسِّيسٍ ورَاهبٍ، فلما اجتمعوا عنده، قال النجاشيُّ: أنشدكم اله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيًّا مُرسَلاً؟ فقالوا: اللهم نَعَمْ، قد بشرنا به عيسَى، وقال: مَنْ آمن به فقد آمن بي، ومن كَفَر به فقد كفر بي. قال النجاشيُّ لجعفَرَ: ماذا يقول لكم هذا الرجلُ؟ وما يأمركم به، وما ينهاكم عنه؟ قال: يقرأ علينا [كتاب الله]، ويأمرنا بالمعروف، وينهانا عن المنكر، ويأمر بحُسْنِ الجوار، وصلة الرَّحِم، وبِرِّ اليتيم، وأمرنا أن لا نعبد إلا اللهَ وحدَه لا شريك له، فقال: اقرأ عليَّ مما يقرأ عليكم، فقرأ سورتي العنكبوت والرُّوم، ففاضت عينا النجاشيِّ وأصحابه من الدّمع، وقالوا: زِدْنَا يا جعفرُ من هذا الحديثِ الطيبِ، فقرأ عليهم سورة الكهف، فأراد عمرو أن يُغْضِبَ النجاشِيّ، فقال: إنهم يشتمون عيسى ابن مريمَ وأمَّه، فقال النجاشِيُّ: ما تقولون في عيسى وأمِّه، فقرأ عليهم جعفر سورة "مريم"، فلما أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشِيُّ نُفَاثَةً من سواكه قَدْرَ ما يُقْذِي العَيْنَ قال: والله ما زادَ المسيحُ على قول هذا، ثم أقبل على جعفرَ وأصحابه، فقال: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي، آمنون، مَنْ سَبَّكُمْ وآذاكم غَرِم، ثم قال: أبشروا، ولا تخافوا، فلا دهورة اليوم على حزب إبراهيمَ، قال عمرو: يا نجاشيُّ، ومَنْ حِزْبَ إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبُهم الذي جاءوا من عنده ومَن اتبعهم، فأنكر ذلك المشركون، وادَّعَوْا في دين إبراهيمَ، ثم رَدَّ النجاشيُّ على عمرو وصاحبه المالَ الذي حملوه، وقال: إنما هديَّتُكم إليّ رشْوَة، فاقبضوها؛ فإن الله - تعالى - ملَّكَني ولم يأخذْ مني رشوة، قال جعفرُ: فانصرفْنَا، فكنا في خير دارٍ، وأكرم جوارٍ، فأنزل الله ذلك اليوم على رسوله في خصومتهم في إبراهيم - وهو في المدينة - قوله - عز وجل: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةً مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإنَّ وليِّي مِنْهُمْ أبي، وَخَلِيلُ رَبِّي" تفسير : ثم قرأ: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.

القشيري

تفسير : يعني ما كان في كتابكم له بيان، ويصح أن يكون لكم عليه برهان، فَخَصَّهُمْ في ذلك إمَّا بحق وإما بباطل، فالذي ليس لكم ألبتة عليه دليل ولا لكم إلى معرفته سبيل فكيف تصديتم للحكم فيه، وادِّعاء الإحاطة به؟!

اسماعيل حقي

تفسير : {ها انتم هؤلاء} جملة من مبتدأ وخبر صدرت بحرف التنبيه ثم بينت بجملة مستأنفة اشعارا بكمال غفلتهم اى انتم هؤلاء الحمقى حيث {حاججتم فيما لكم به علم} من التوراة والانجيل من نبوة محمد عليه السلام {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} فيما لا ذكر له فى كتابكم ولا علم لكم به من دين ابراهيم اذ لا ذكر لدينه عليه السلام فى احد الكتابين قطعا {والله يعلم} ما حاججتم فيه فيعلمنا {وانتم لا تعملون} اى محل النزاع.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ أهل المدينة وأبو عمرو {ها أنتم} بتخفيف الهمزة حيث وقع الباقون بتخفيفها وكلهم أثبت الالف قبل الهمزة إلا ابن عامر عن قنبل فانه حذفها. المعنى واللغة: {ها} للتنبيه وإنما نبههم على أنفسهم وإن كان الانسان لا ينبه على نفسه وإنما ينبه على ما أغفله من حاله، لأن المراد بذلك تنبيههم بذكر ما يعلمون على ما لا يعلمون، فلذلك خرج التنبيه على النفس، والمراد على حال النفس. ولو جاء على الاصل، لكان لا بد من ذكر النفس للبيان، ففيه مع ذلك ايجاز. وقد كثر التنبيه في هذه ولم يكثر في ها أنت، لأن ذا مبهم من حيث يصلح لكل حاضر والمعنى فيه على واحد بعينه مما يصلح له فقوى بالتنبيه، لتحريك النفس على طلبه بعينه، وليس كذلك أنت، لأنه لا يصلح لكل حاضر في الجملة، وإنما هو للمخاطب. إن قيل أين خبر أنتم في {ها أنتم}؟ قيل: يحتمل أمرين: أحدهما - حاججتم على أن يكون {هؤلاء} تابعاً عطف بيان. والثاني - أن يكون الخبر {هؤلاء} على معنى هؤلاء بمعنى الذين وما بعده صلة له. فان قيل: ما الذي حاجوا فيه مما لهم به علم؟ قلنا: أما الذي لهم به علم فما وجدوه في كتبهم، لأنهم يعلمون أنهم وجدوه فيها وأما الذي ليس لهم به علم فشأن إبراهيم على قول السدي وأبي علي. وقوله: {والله يعلم} يعني شأن ابراهيم وكلما ليس عليه دليل، لأنه علام الغيوب العالم بغير تعليم {وأنتم لا تعلمون} ذلك، فينبغي أن تلتمسوا حقه من باطله من جهة عالم به. قال أبو علي الفارسي: وجه قراءة إبن كثير أنه أبدل من الهمزة هاء والتقدير أأنتم، فابدل من همزة الاستفهام هاء، وذلك جائز. قال: ولا يجوز على هذا أن تكون (ها) للتنبيه. وحذف الألف منها في مثل هلم، لأن الحذف إنما يجوز إذا كان فيها تضعيف.

الجنابذي

تفسير : {هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ} منادى او بدل او خبر والاتيان به وبأداتى التّنبيه للاشعار بانّهم من حمقهم وبلادتهم لا يتنبّهون بدون التأكيد فى التّنبيه وبدون النّداء، واذا كان هؤلاء بدلاً او خبراً كان كالتّصريح ببلادتهم فانّ المعنى انتم هؤلاء الحمقى الّذين ادّعوا دعوى برهان بطلانها معها {حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} من امر موسى (ع) وشريعته وامر عيسى (ع) وشريعته يعنى كان فى ذلك علم اجمالىّ لكم وشأنكم ان يكون ذلك معلوماً لكم فحاججتم وصرتم مغلوبين فى المحاجّة {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} من امر ابراهيم وشريعته يعنى انّ العاقل اذا صار مغلوباً حين المحاجّة فى امر يكون معلوماً له او من شأنه ان يكون معلوماً له ينبغى ان يتحرّز عن المحاجّة فيما ليس له به علم، ومن لم يتحرّز عن المحاجّة فيما ليس من شأنه العلم به كان سفيهاً غير عاقل {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} فيعلّم نبيّه {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فمحاجّتكم مع الرّسول محاجّة الجاهل مع العالم وليست وصف العاقل.

الهواري

تفسير : قوله: {هَأَنتُمْ هَؤُلاَءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ} قال الحسن: يقول: حاججتم فيما كان في زمانكم وأدركتموه {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ} أن إبراهيم لم يكن نصرانياً ولا يهودياً {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك. قوله: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} قال مجاهد: برأه الله من اليهودية ومن النصرانية حين ادَّعت كل أمة أنه منهم وألحق به المؤمنين من كانوا من أهل الحنيفية. قوله: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} وسمعوه {وَهَذَا النَّبِيُّ} محمد {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا} كلهم به، وذلك أن دينهم واحد، وفيه ولاية الله الذي يتولى المؤمنين. قال الله: {وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ}. وذكر بعضهم قال: الذين اتبعوه، أي: على مِلَّته، وهذا النبي محمد، والذين آمنوا، وهم المؤمنون الذين صدقوا نبي الله واتبعوه. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حدّث عن ليلة أسري به فكان في حديثه "حديث : أنه أتى على إبراهيم في السماء السابعة فإذا أمتي عنده شطران: شطر عليهم ثياب بيض، وشطر عليهم ثياب رمد؛ فخرج الذين عليهم الثياب البيض، وحبس الذين عليهم الثياب الرمد، فقلت: من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وكل إلى الخير، ثم قيل لي: هذه مَنزلتك ومنزلة أمتك، ثم تلا هذه الآية: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤمِنِينَ} ".

اطفيش

تفسير : {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ}: {ها} حرف تنبيه، نبههم الله جل جلاله على حماقتهم فى جدالهم، فيما لا علم لهم به، وقيل: أصله أأنتم على الاستفهام التعجيبى من حماقتهم، أبدلت الهمزة هاء، ووسطت الألف بين همزة الاستفهام، وهمزة أنتم للفصل بينهما، كما هو مذهب قالون وهشام وأبى عمرو فى الهمزتين المفتوحتين، إذا تلاصقتا فى كلمة واحدة، وكان نافع وأبو عمرو يقرآن هاأنتم حيث وقع بالمد من غير همز، وورش أقل مدا، وقنبل بالهمزة من غير ألف بعد الهاء، والباقون بالمد والهمز، والبزى يقصر المد على أصله. قال أبو عمرو الأندلسى الدانى: الهاء على مذهب أبى عمرو وقالون وهشام يحتمل أن تكون للتنبيه، وأن تكون مبدلة من همز، وعلى مذهب قنبل وورش لا تكون إلا مبدلة، وعلى مذهب الكوفيين والبرى وابن ذكوان لا تكون إلا للتنبيه، وميز بين المنفصل والمتصل فى حروف المد، لم يزد فى تمكين الألف، سواء حقق الهمزة بعدها أو سهلها، ومن جعلها مبدلة، وكان ممن يفصل بالألف، زاد فى التمكين، سواء حقق الهمزة، أو لينها، وهذا كله مبنى على أصولهم، ومحصل من مذاهبهم، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره أشار إليهم باعتبار شهرتهم بالحماقة، كأنه قيل: ها أنتم هؤلاء الحمقى، كما تقول للرجل: أنت هو، أو أنت ذلك، أى المشهور بكذا، وبين حماقتهم بقوله {حاججتم فيما لكم به علم} مع محذوف دل عليه {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْم}: تقديره حاججتم فيما لكم به علم، وفيما ليس لكم به علم والذى لهم به علم هو ما فى التوارة والإنجيل، اللذين من الله. وجدالهم به: زعمهم أنهما دين إبراهيم، وأن دينه يخالف لدين محمد فقد أخطأوا أيضاً فى جدالهم فيما لهم به علم، إذ زعموا أنه دين إبراهيم لأن دين إبراهيم هو دين محمد صلى الله عليه وسلم، لا ما خالفه مما هو فى التوراة والإنجيل ولأنه ليس فى عصرهم يسمعون منه، ولإقامة الحجة لهم بذلك، والذى ليس لهم به علم هو شريعة إبراهيم، مما ليس فى التوراة، ولا جاءت به رسلهم، ويحتمل أن يكون ما لهم به علم ما يزعمون، أنه حق من كتبهم، وليس من الله فهو علم على ادعائهم لا تحقيقاً. قال الحسن: ما لكم به علم ما فى زمانكم وأدركتموه وقيل: الذى لهم به علم هو أمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لأن أمر بعثته وبيان نعوته مذكور فى كتبهم، فهم يجادلون فى أمره مع علمهم به، وما ليس لهم به علم، هو دين إبراهيم، وما ذكرته أولا هو ما عليه قتادة والسدى والربيع بن أنس، وجماعة كثيرة. و{حاججتم} مستأنف أو خبر ثان، أو هو الخبر {هؤلاء} منادى لمحذوف، إذا قلنا بجواز حذف حرف النداء مع اسم الإشارة. وقال الكوفيون بجواز أن يكون هؤلاء اسما موصولا، وحاججتم صلته، أى: هاأنتم الذين حاججتم، وبه: متعلق بعلم بعده فى الموضعين وباوه للإلصاق، أو متعلق بما تعلق به الجار قبله، والباء ظرفية. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ}: حقيقة ما حاججتم فيه. {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}: أنتم جاهلون به، أو من شأنكم الجهل مطلقاً.

اطفيش

تفسير : {هَاأَنْتُمْ هَؤُلاَءِ} هما للتنبيه فى الموضعين، أو الأول همزة أبدلت هاء، وأشبعت، وهذا ضعيف، وخلاف الأصل، وأنتم مبتدأ وهؤلاء منصوب على الاختصاص، وحاججتم خبر أنتم، أو هؤلاء منادى، أو موصول، أو هو خبر، وحاججتم صلة هؤلاء، على أنه يجوز استعماله موصولا بمعنى الذين، أى أنتم الذين {حَاجَجْتُمْ} عنادا وحسدا، بعضكم بعضا والمسلمين، وعليه فمقتضى الظاهر حاجوا، لأن الظاهر من قبيل الغيبة، لكن خاطب نظرا لأنتم، أو هؤلاء مفعول لحاججتم، فيكون إِشارة للمسلمين {فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ} من التوراة والإنجيل، أو تدعونه فيهما وأنتم على دينهما {فَلِمَ تُحَاجُّونَ} بعضكم بعضًا المسلمين {فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} فإنه لا يخفى أن الجدال الباطل فيما لا علم به أغرب، لكونه غير مبنى على شئ من الجدال الباطل المبنى على حق محرف، كأنه قيل، هب أنكم تجيزون محاجة فيما تدعون من دينكم الذى وجدتموه فى كتبكم وقلتم إِن شريعتنا لا تنسخ فلم تجادلون فيما لا علم لكم به من أمر إبراهيم عليه السلام ولم تعاصروه ولا جاء عنه أثر فى كتبكم مشيراً إِلى دعواكم، فأنتم حمقى لذلك، كمن لا يعرف ذاته إِلا بالإشارة إِليها الحسية، أو الذى لهم به علم هو شأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى التوراة والإنجيل، والذى ليس لهم به علم إبراهيم عليه السلام ولا يصح ما قيل، إِن اليهود أرادوا يكون إِبراهيم يهوديا أنه مدحهم وآمن بموسى، وأن النصارى أرادوا بكون إِبراهيم نصرانيا أنه آمن بعيسى ومدحهم، لأنه لو كان ذلك لرد الله عليهم بغير ما ذكر، إِلا أن يقال، الرد عليهم من حيث إن قولهم ذلك عن إبراهيم أنه مسيغ لهم، ومن أساغ لهم فكأنه منهم {وَاللهُ يَعْلَمُ} ما حاججتم به {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك.

الالوسي

تفسير : {هٰأَنتُمْ هَـٰؤُلآءِ } أي: أنتم هؤلاء الحمقى {حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } كأمر موسى، وعيسى عليهما السلام {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } وهو أمر إبراهيم عليه السلام حيث لا ذكر لدينه في كتابكم، أو لا تعرض لكونه آمن بموسى وعيسى قبل بعثتيهما أصلاً، وليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما المراد هب أنكم تحاجون فيما تدعون علمه على ما يلوح لكم من خلال عبارات كتابكم وإشاراته في زعمكم فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به ولا ذكر، ولا رمز له في كتابكم البتة؟! و (ها) حرف تنبيه، واطرد دخولها على المبتدأ إذا كان خبره اسم إشارة نحو ـ ها أناذا ـ وكررت هنا للتأكيد، وذهب الأخفش أن الأصل أأنتم على الاستفهام فقلبت الهمزة هاءاً، ومعنى الاستفهام عنده التعجب من جهالتهم، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يحسن ذلك لأنه لم يسمع إبدال همزة الاستفهام هاءاً في كلامهم إلا في بيت نادر، ثم الفصل بين الهاء المبدلة وهمزة (أنتم) لا يناسب لأنه إنما يفصل لاستثقال اجتماع الهمزتين، وهنا قد زال الاستثقال بإبدال الأولى هاءاً، والإشارة للتحقير والتنقيص، ومنها فهم الوصف الذي يظهر به فائدة الحمل، وجملة {حَـٰجَجْتُمْ } مستأنفة مبينة للأولى، وقيل: إنها حالية بدليل أنه يقع الحال موقعها كثيراً نحو ـ ها أناذا قائماً ـ وهذه الحال لازمة؛ وقيل: إن الجملة خبر عن (أنتم) و {هَـٰؤُلآءِ } منادى حذف منه حرف النداء، وقيل: {هَـؤُلاء } بمعنى الذين خبر المتبدأ، وجملة {حَـٰجَجْتُمْ } صلة؛ وإليه ذهب الكوفيون، وقراؤهم يقرءون {هٰأَنتُمْ } بالمد والهمز، وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بغير همز ولا مد إلا بقدر خروج الألف الساكن، وقرأ ابن كثير ويعقوب بالهمز والقصر بغير مد، وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } حال إبراهيم وما كان عليه {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك، ولك أن تعتبر المفعول عاماً ويدخل المذكور فيه دخولاً أولياً، والجملة تأكيد لنفي العلم عنهم في شأن إبراهيم عليه السلام ثم صرح بما نطق به البرهان المقرر فقال سبحانه: {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا...}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 66- ها أنتم يا هؤلاء جادلتم فى أمر عيسى وموسى الذى لكم بهما معرفة - كما تزعمون - فكيف تجادلون فى كون إبراهيم يهودياً أو نصرانياً وليس لكم بذلك علم؟. والله يعلم حقيقة ما تنازعتم فيه، وأنتم لا علم لكم بذلك. 67- إن إبراهيم - عليه السلام - ما كان على دين اليهود ولا على دين النصارى، ولكن كان منصرفاً عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق، منقاداً لله، مخلصاً فى طاعته، وما كان من الذين يشركون مع الله غيره فى العبادة. 68- إن أحق الناس بالانتساب إلى إبراهيم ودينه هم الذين أجابوا دعوته واهتدوا بهديه فى زمنه، وكذا محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن معه، فإنهم أهل التوحيد الخالص وهو دين إبراهيم، والله يحب المؤمنين وينصرهم لأنهم أولياؤه، ويجازيهم بالحسنى وزيادة. 69- إن فريقاً من أهل الكتاب يتمنون إضلال المؤمنين وفتنهم عن دينهم، بإلقاء الشبه التى توهن الاعتقاد، وهم فى عملهم هذا لا يضلُّون إلا أنفسهم بإصرارهم على الضلال الذى يحيق بهم - وحدهم - ولا يعلمون إن عاقبة سعيهم هذا لاحقة بهم ولا تضر المؤمنين. 70- يا أهل الكتاب لم تكذّبون بآيات الله المنزلة الدالة على صدق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنتم تعلمون أنها حق؟. 71- يا أهل الكتاب لم تخلطون الحق الذى جاء به الأنبياء ونزلت به الكتب بما جئتم به من شبهات واهية، وتأويلات باطلة، ولا تذيعون الحق صريحاً واضحاً بعيداً عن التخليط، وأنتم تعرفون أن عقاب الله على مثل هذا الفعل عظيم؟.

د. أسعد حومد

تفسير : {هٰأَنْتُمْ} {حَاجَجْتُمْ} (66) - لَقَدْ جَادَلْتُمْ وَحَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ - عَلَى مَا تَزْعُمُونَ - مِنْ أمْرِ عِيسَى، وَإذْ قَامَتْ عَلَيكُمُ الحُجَّةُ، وَتَبَيَّنَ أنَّ مِنْكُمْ مَنْ غَلاَ وَأفْرَطَ وَادَّعَى ألُوهِيَّتَهُ، وَمِنْكُمْ مَنْ فَرَّطَ وَقَالَ: إنَّهُ دَعِيٌّ كَذَّابٌ، وَلَمْ يَكُنْ عِلْمُكُمْ بِمَانِعٍ لَكُمْ مِنَ الخَطَأ، فَلِمَاذَا تَحَاجُّونَ فِي أمْرِ إبراهِيمَ، وَلَيَسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَلاَ لِدِينِهِ ذِكْرٌ فِي كُتُبِكُمْ، فَمِنْ أيْنَ أتَاكُم أنَّهُ كَانَ يَهودِيّاً أوْ نَصْرَانِيّاً؟ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا غَابَ عَنْكُمْ وَلَمْ تُشَاهِدُوهُ، وَلَمْ تَأتِكُمْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ أمْرِ إبراهِيمَ وَغَيْرِهِ مِمَّا تُجَادِلُونَ فِيهِ، وَأنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ إلاَّ مُا عَايَنْتُمْ وَشَاهَدْتُمْ وَأدْرَكْتُمْ عِلْمَهُ بِالسَّمَاعِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي لقد جادلتم فيما بقي عندكم من التوراة وتريدون أن تأخذوا الجدل على أنه باب مفتوح، تجادلوا في كل شيء، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الخالق الرحمن علام الغيوب. ويوضح الحق هذا الأمر فيقول: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً ...}.