٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
67
Tafseer
القرطبي
تفسير : نزهه تعالى من دعاويهم الكاذبة، وبين أنه كان على الحنيفية الإسلامية ولم يكن مشركاً. والحنيف: الذي يوحد ويحج ويضحي ويختتن ويستقبل القبلة. وقد مضى في «البقرة» ٱشتقاقه. والمسلم في اللغة: المتذلل لأمر الله تعالى المنطاع له. وقد تقدّم في «البقرة» معنى الإسلام مستوفى والحمد لله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا } مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيم {مُّسْلِمًا } موحداً {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }.
ابن عطية
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية، عن حقيقة أمر إبراهيم، فنفى عنه اليهودية والنصرانية والإشراك الذي هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي تتضمنه اليهودية والنصرانية، وجاء ترتيب النفي على غاية الفصاحة، نفى نفس الملل وقرر الحالة الحسنة، ثم نفى نفياً بين به أن تلك الملل فيها هذا الفساد الذي هو الشرك، وهذا كما تقول: ما أخذت لك مالاً بل حفظته، وما كنت سارقاً، فنفيت أقبح ما يكون في الأخذ. ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكداً أن أولى الناس بإبراهيم الخليل عليه السلام هم القوم الذين اتبعوه على ملته الحنيفية. قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهنا يدخل كل ما اتبع الحنيفية في الفترات {وهذا النبي} محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بعث بالحنيفية السمحة، {والنبي} في الإعراب نعت أو عطف بيان، أبو بدل، وفي كونه بدلاً نظر، {والذين آمنوا} يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء على ما يجب دون المحرفين المبدلين، ثم أخبر أن الله تعالى {ولي المؤمنين}، وعداً منه لهم بالنصر في الدنيا والنعيم في الآخرة، و"الحنيف" مأخوذ من الحنف، وهو الاستقامة وقيل هو الميل، ومنه قيل للمائل الرجل أحنف، فالحنيف من الاستقامة معناه المستقيم، ومن الميل معناه المائل عن معوج الأديان إلى طريق الحق، واختلفت عبارة المفسرين عن لفظة الحنيف، حتى قال بعضهم: الحنيف الحاج، وكلها عبارة عن الحنف بإجراء منه كالحج وغيره، وأسند الطبري عن عبد الله بن عمر عن أبيه، أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود، فسأله عن دينه، وقال له: إني أريد أن أكون على دينكم، فقال اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأنا أستطيع، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفاً، قال وما الحنيف؟ قال دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وكان لا يعبد إلا الله، فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى، فقاوله بمثل مقاولة اليهودي، إلا أن النصراني قال: بنصيبك من لعنة الله، فخرج من عنده وقد اتفقا له على دين إبراهيم فلم يزل رافعاً يديه إلى الله، وقال اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم، ورى عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم، ثم قرأ {إن أولى الناس بإبراهيم} الآية.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ} لما اجتمعت اليهود والنصارى عند الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت النصارى: لم يكن إبراهيم إلا نصرانياً، وقالت اليهود: لم يكن إلا يهودياً فنزلت...
الخازن
تفسير : فقال تعالى: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً} يعني لم يكن كما ادعوه فيه، ثم وصفه بما كان عليه من الدين فقال تعالى: {ولكن كان حنيفاً مسلماً} يعني مائلاً عن الأديان إلى الدين المستقيم وهو الإسلام وقيل: الحنيف الذي يوجد ويختتن ويضحي ويستقبل الكعبة في صلاته وهو أحسن الأديان وأسهلها وأحبها إلى الله عز وجل {وما كان من المشركين} يعني الذين يعبدون الأصنام وقيل: فيه تعريض بكون النصارى مشركين لقولهم بإلهية المسيح وعبادتهم له. قوله عز وجل: {إن أولى الناس بإبراهيم} يعني أخصهم به وأقربهم منه {للذين اتبعوه} يعني الذين كانوا في زمانه وآمنوا به واتبعوا شريعته {وهذا النبي} يعني محمداً صلى الله صلى الله عليه {والذين آمنوا} يعني هذه الأمة الإسلامية {والله ولي المؤمنين} يعني بالنصر والمعونة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} تفسير : أخرجه الترمذي وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ورواه محمد بن إسحاق عن ابن شهاب بإسناده حديث هجرة الحبشة قال: لما هاجر جعفر بن أبي طالب وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان من أمر بدر وما كان اجتمعت قريش في دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثأراً ممن قتل منكم ببدر فاجمعوا مالاً وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ولينتدب لذلك رجلان من ذوي رأيكم فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط معهما الهدايا والأدم وغيره فركبا البحر حتى أتيا الحبشة فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له إن قومنا لك ناصحون شاكرون ولأصحابك محبون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلاّ السفهاء وإنا كنا قد ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل عليهم أحد ولا يخرج منهم أحد فقتلهم الجوع والعطش، فلما اشتد عليه الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكم. قال: وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك قال: فدعاهم النجاشي فلما حضروا صاح جعفر بالباب يستأذن عليك حزب الله تعالى فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل جعفر فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته فنظر عمرو إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به الملك فساءهما ذلك ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك فقال لهما النجاشي: ما منعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحييني بها من أتاني من الآفاق قالوا نسجد لله الذي خلقك وملكك إنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان فبعث الله فينا نبياً صادقاً فأمرنا بالتحية التي رضيها الله وهي السلام تحية أهل الجنة، فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل. قال: أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر أنا قال فتكلم؛ قال: إنك ملك من ملوك الأرض من أهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم وإنما أحب أن أجيب عن أصحابي فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا فقال عمرو لجعفر تكلم فقال جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيداً قد أبقنا من أربابنا فردنا عليهم فقال النجاشي أعبيد هم أم أحرار؟ فقال بل أحرار كرام فقال النجاشي: نجوا من العبودية فقال جعفر: سلهما هل أرقنا دماً بغير حق فيقتص منا فقال عمرو: لا ولا قطرة قال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها قال النجاشي: إن كان قنطاراً فعلي قضاؤه فقال عمرو: لا ولا قيراط فقال النجاشي: فما تطلبون منهم قال كنا وإياهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا فتركوا ذلك وابتعوا غيره فبعثنا قومنا لتدفعهم إلينا فقال النجاشي: وما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعوه فقال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فهو دين الشيطان كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة، وأما الذي تحولنا إليه فهو دين الله الإسلام جاءنا به من عند الله رسول، وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك ثم أمر النجاشي بضرب الناقوس فضرب فاجتمع إليه كل قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً مرسلاً قالوا: اللهم نعم قد بشرنا به عيسى فقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟ فقال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر ويأمرنا بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له فقال له: اقرأ علي مما يقرأ عليكم فقرأ عليه سورة العنكبوت والروم ففاضت عينا النجاشي وأصحابه من الدمع وقالوا: زدنا من هذا الحديث الطيب فقرأ عليهم سورة الكهف فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه فقال النجاشي: فما تقولون في عيسى وأمه فقرأ عليهم سورة مريم فلما أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي من سواكه قدر ما بقذى العين وقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون هذا. ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يقول آمنون من سبكم أو أذاكم غرم ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب إبراهيم فقال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده ومن اتبعهم فأنكر ذلك المشركون وادعوا دين إبراهيم ثم رد النجاشي على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إلى رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة قال جعفر: فانصرفنا فكنا في خير جوار وأنزل الله عز وجل في ذلك اليوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومتهم في إبراهيم وهو في المدينة: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي، والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: قالت اليهود: إبراهيم على ديننا. وقال النصارى: هو على ديننا. فأنزل الله {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً...} الآية. فأكذبهم وأدحض حجتهم. وأخرج عن الربيع. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: قال كعب وأصحابه ونفر من النصارى: إن إبراهيم منا، وموسى منا، والأنبياء منا. فقال الله {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً}. وأخرج ابن جرير عن سالم بن عبدالله لا أراه إلا يحدثه عن أبيه: أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود فسأله عن دينه وقال: إني لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني عن دينكم؟ فقال له اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلمه الا أن تكون حنيفاً. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، وكان لا يعبد إلا الله. فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى فسأله عن دينه؟ فقال: إنّي لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني عن دينكم؟ قال: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله قال: لا أحتمل من لعنة الله شيئاً، ولا من غضب الله شيئاً أبداً فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ فقال له نحو ما قاله اليهودي: لا أعلمه إلا أن تكون حنيفاً. فخرج من عندهم وقد رضي بالذي أخبراه، والذي اتفقا عليه من شأن إبراهيم. فلم يزل رافعاً يديه ألى الله وقال: اللهم إني أشهدك اني على دين إبراهيم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً}. الحنيف المستقيم على الحق، والأحنف هو المستقيم في حلقة الرِّجْل، ويسمى مائل القَدَم بذلك على التفاؤل وإبراهيم عليه السلام كان حنيفاً لا مائلاً عن الحق، ولا زائغاً عن الشرع، ولا مُعَرِّجاً على شيء وفيه نصيب للنفس، فقد سَلَّم مَالَه ونَفْسَه ووَلدَه، وما كان له به جملةً - إلى حكم الله وانتظار أمره.
البقلي
تفسير : {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً} ما كان الخليل عليه السلام متعلقا بالتشبيه مثل اليهود ولا بالثنوية مثل النصارى ولكن كان حنيفا مائلا عن الكون بروية المكون مسلما نقادا عند جريان قاضائه وقدره لارادته وقال الاستاد الحنيف المستقيم على الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا} تصريح بما نطق به البرهان المقرر {ولكن كان حنيفا} اى مائلا عن العقائد الزائغة كلها {مسلما} اى منقادا لله تعالى وليس المراد انه كان على ملة الاسلام والا لاشترك الالزام {وما كان من المشركين} تعرض بانهم مشركون بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله ورد لادعاء المشركين انهم على ملته عليه السلام.
الطوسي
تفسير : المعنى: ذكر الحسن، وقتادة، وعامر، وهو المروي عن أبي جعفر (ع): أن اليهود قالت: كان ابراهيم يهودياً، وقالت النصارى كان نصرانياً، فاكذبهم الله في ذلك بانزال هذه الآية. فان قيل: هل كان الله تعبد باليهودية والنصرانية ثم نسخها أم لا؟ قلنا: كان الذي بعثه الله به شرع موسى ثم شرع عيسى ثم نسخهما فأما اليهودية والنصرانية فصفتا ذم قد دل القرآن والاجماع على ذلك، لأن موسى لم يكن يهودياً، وعيسى لم يكن نصرانياً، لقوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} واليهودية ملة محرفة عن شرع موسى وكذلك النصرانية محرفة عن شرع عيسى. وقيل في أصل الصفة بيهود قولان: أحدهما - أنهم ولد يهود. والآخر - أنه مأخوذ من هاد يهود إذا رجع. وفي النصارى قولان: أحدهما - أنه مأخوذ من ناصرة قرية بالشام. والآخر - أنه من نصر المسيح. وكيف تصرفت الحال فقد صارتا صفتي ذم تجريان على فرقتين ضالتين. فان قيل: إن كان ابراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، لأن التوراة والانجيل أنزلا بعده، فيجب أن لا يكون مسلماً، لأن القرآن أيضاً أنزل بعده؟ قلنا: لا يجب ذلك، لأن التوراة والانجيل أنزلا من بعده من غير أن يكون فيها ذكر له بأنه كان يهودياً أو نصرانياً. والقرآن أنزل من بعده وفيه الذكر له بأنه كان حنيفاً مسلماً. وقيل في معنى الحنيف قولان: أحدهما - المستقيم الدين، لأن الحنف هو الاستقامة في اللغة. وإنما سمي من كان معوج الرجل أحنف على طريق التفاؤل كما قيل للضرير إنه بصير. والثاني - إن الحنيف هو المائل إلى الحق في الدين فيكون مأخوذاً من الحنف في القدم، وهو الميل. فان قيل: هل كان إبراهيم على جميع ما نحن عليه الآن من شرع الاسلام؟ قلنا. هو (ع) كان مسلماً، وإن كان على بعض شريعتنا، لأن في شرعنا تلاوة الكتاب في صلاتنا وما أنزل القرآن إلا على نبينا، وإنما قلنا: إنه مسلم باقامة بعض الشريعة، لأن أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) كانوا مسلمين في الابتداء قبل استكمال الشرع. وقد سماه الله تعالى مسلماً، فلا مرية تبقى بعد ذلك.
الجنابذي
تفسير : {مَا كَانَ} متعلّق بيعلم ولا تعلمون على سبيل التّنازع وعلّقهما لفظ ما عن العمل، او ابتداء كلام من الله للردّ على اليهود والنّصارى والمشركين فى دعاويهم الباطلة فانّه بعد ما سفّههم تلويحاً وتصريحاً صرّح بالمدّعى وابطال دعواهم فقال: ما كان {إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً} مستقيماً او مائلاً الى الدّين الحقّ من الاديان الباطلة ولمناسبة احد المعنيين فسّر بالخالص وهو تعريض بهم {مُّسْلِماً} منقاداً لله او صابراً ذا سلامة من عيوب النّفس وبهذا المعنى فسّر بالمخلَص وهو ايضاً تعريض بهم {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} ردّ على المشركين لانّه ادّعى مشركوا مكّة انّ ملّتهم ملّة ابراهيم (ع) ولمّا كان نفى الاشراك خارجاً ممّا كان البحث والمحاجّة فيه كرّر النّفى والفعل للاشعار بكونه نفياً آخر، نسب الى امير المؤمنين (ع) انّه قال: لا يهوديّاً يصلّى الى المغرب ولا نصرانيّاً يصلّى الى المشرق ولكن كان حنيفاً مسلماً على دين محمّد (ص).
اطفيش
تفسير : {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً}: فهو يرى من اليهود والنصارى المخالفين لحكم التوراة والإنجيل. {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً}: مائلا عن دين اليهود والنصارى، وعن كل ضلالة إلى دين الإسلام، وهو ما عليه محمد صلى الله عليه وسلم عليهما. {مُّسْلِماً}: منقاداً للعمل الصالح، واجتناب المعصية، ولا مانع من أن يقال مسلماً موحداً، فيكون تعريضاً باليهود والنصارى، إذ خالفوا التوراة والإنجيل، وجحدوا أنبياء وقتلوهم، وقالوا: عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله، وقالوا إنه إله، وقالوا إنه الله، وحرفوا، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً، ولا مانع من أن يقال. معناه أنه على دين سيدنا محمد محمد صلى الله عليه وسلم، فإن شرع إبراهيم فى الأصول والفروع، هو شرع محمد صلى الله عليه وسلم عليهما، نفسه عينه، وقيل: واقفه فى الأصول وأكثر الفروع، وقد جاءت التوراة والإنجيل بمخالفة إبراهيم فى الفروع، ونسخ الإنجيل بعضاً من الفروع، إلى شرع إبراهيم، ونسخ القرآن كل ما خالفت به التوراة والإنجيل شرع إبراهيم، فكان شرعنا نفس شرع إبراهيم، فظهر لك الجواب عما يقال يلزم على تفسيره بملة الإسلام أن يقال: كيف تقولون إن إبراهيم كان على ملة الإسلام، والإسلام بعده بزمان طويل، فقد تعبد إبراهيم بمعانى القرآن لا بألفاظه، إذ لم ينزل فى زمانهِ، ومن جملة ما شهر عن إبراهيم عليه السلام أنه اختتن، ويستقبل الكعبة فى صلاته. {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: تعريض بأن اليهود والنصارى مشركون، لما مر آنفاً، وذلك أن كلام مع اليهود والنصارى - لعنهم الله - ويجوز أن يكون هذا ردا على مشركى العرب، إذ زعموا أنهم على دين إبراهيم أبيهم، يقول الله: إنكم تعبدون الأصنام، وهو يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً، قل: إنى هَدانىِ رَبى إلى صِراطٍ مستقيم، دِيناً قيماً مِلة إبْرَاهِيم حَنِيفاً ومَا كَان مِنَ المُشْرِكِين، قل: إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رَبِّ العَالمَين لاَ شَرِيكَ لَهُ وبِذلِكَ أمِرْتُ.
اطفيش
تفسير : {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيَّا} نسبا ولا شريعة، كيف يكون كذلك مع شركهم وفسقهم، اعتقادا وفعلا وقولا. ومع مخالفتهم لأنبيائهم {وَلاَ نَصْرَانِيَّا} كذلك {وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً} ماثلا عن الأديان كلها إلى الدين القيم {مُّسْلِماً} كنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فى شريعته كلها، أو جلها، أو منقادا لله أو موجدا، لا مشركا كما أشركت اليهود بقولها عزيرا ابن الله، وبسجودها لأحبارها ورهبانها وبتحسيمها وبدعوى الاستواء المعقول، وكما أشركت النصارى بدعوى الألوهية لعيسى ولأمه والنبوة له، وليس فى كون شريعة إبراهيم كلها أو جلها، وهو الصحيح، موافقة لشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه تابع لإبراهيم، وأنه لا شريعة له، لأنا نقول، جاءه القرآن بها ولم يجىء القرآن إبراهيم، ولا سيما أنها نسيت حتى جددها القرآن {وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} كما أنتم مشركون يا أهل الكتاب بقولكم عزير ابن الله، والمسيح ابن الله أو اله، وغير ذلك، وكما أن المجوس وعبّاد الأصنام مشركون فأنتم وهؤلاء مخالفون لإبراهيم فى الإصول، وأيضا فى الفروع، مما لم ينسخ، وكما أشركت العرب بعبادة الأصنام وددعوى أن الملائكة بنت الله، فبطل دعوى اليهود والنصارى وهؤلاء العرب أنهم على دين إبراهيم.
الالوسي
تفسير : {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا } كما قالت اليهود {وَلاَ نَصْرَانِيّا } كما قالت النصارى {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا } أي مائلاً عن العقائد الزائغة {مُسْلِمًا } أي منقاداً لطاعة الحق، أو موحداً لأن الإسلام يرد بمعنى التوحيد أيضاً؛ قيل: وينصره قوله تعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } أي عبدة الأصنام كالعرب الذي كانوا يدعون/ أنهم على دينه، أو سائر المشركين ليعم أيضاً عبدة النار كالمجوس، وعبدة الكواكب كالصابئة، وقيل: أراد بهم اليهود والنصارى لقول اليهود عزير ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وأصل الكلام وما كان منكم إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر للتعريض بأنهم مشركون، والجملة حينئذ تأكيد لما قبلها، وتفسير الإسلام بما ذكر ـ هو ما اختاره جمع من المحققين وادعوا أنه لا يصح تفسيره هنا بالدين المحمدي لأنه يرد عليه أنه كان بعده بكثير فكيف يكون مسلماً؟ فيكون كادعائهم تهوده وتنصره المردود بقوله سبحانه: {أية : وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ }تفسير : [آل عمران: 65] فيرد عليه ما ورد عليهم، ويشترك الإلزام بينهما، وفسره بعضهم بذلك، وأجاب عن اشتراك الإلزام بأن القرآن أخبر بأن إبراهيم كان مسلماً وليس في التوراة والإنجيل أنه عليه الصلاة والسلام كان يهودياً أو نصرانياً فظهر الفرق. قال العلامة النيسابوري: فإن قيل: قولكم: إن إبراهيم عليه السلام على دين الإسلام إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصاً بدين الإسلام، وإن أردتم في الفروع لزم أن لا يكون نبينا صلى الله عليه وسلم صاحب شريعة بل مقرر لشرع من قبله. قيل: يختار الأول، والاختصاص ثابت لأن اليهود والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير عليه السلام إلى غير ذلك، أو الثاني ولا يلزم ما ذكر لجواز أنه تعالى نسخ تلك الفروع بشرع موسى عليه السلام ثم نسخ نبينا صلى الله عليه وسلم شرع موسى بشريعته التي هي موافقة لشريعة إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه فيكون عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مع موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع انتهى. ولا يخفى ما في الجواب على الاختيار الثاني من مزيد البعد، بل عدم الصحة لأن نسخ شريعة إبراهيم بشريعة موسى، ثم نسخ شريعة موسى بشريعة نبينا عليهم الصلاة والسلام الموافقة لشريعة إبراهيم لا يجعل نبينا صاحب شريعة جديدة بل يقال له أيضاً: إنه مقرر لشرع من قبله وهو إبراهيم عليه السلام، وأيضاً موافقة جميع فروع شريعتنا لجميع فروع شريعة إبراهيم مما لا يمكن بوجه أصلاً إذ من جملة فروع شريعتنا فرضية قراءة القرآن في الصلاة ولم ينزل على غير نبينا صلى الله عليه وسلم بالبديهة، ونحو ذلك كثير. وموافقة المعظم في حيز المنع ودون إثباتها الشم الراسيات، وقوله تعالى: {أية : أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ }تفسير : [النحل: 123] ليس بالدليل على الموافقة في الفروع إذ الملة فيه عبارة عن التوحيد أو عنه وعن الأخلاق كالهدى في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الانعام: 90]. واعترض الشهاب على الجواب ـ على الاختيار الأول ـ بالبعد كاعتراضه على الجواب على الاختيار الثاني بمجرده أيضاً، وذكر أن ذلك سبب عدول بعض المحققين عما يقتضيه كلام هذا العلامة من أن المراد بكون إبراهيم مسلماً أنه على ملة الإسلام إلى أن المراد بذلك أنه منقاد بحمل الإسلام على المعنى اللغوي، وادعى أنه سالم من القدح، ونظر فيه ـ بأن أخذ الإسلام لغوياً لا يناسب بحث الأديان والكلام فيه ـ فلا يخلو هذا الوجه عن بعد، ولعله لا يقصر عما ادعاه من بعد الجواب الأول كما لا يخفى على صاحب الذوق السليم. هذا وفي الآية وجه آخر ـ ولعله يخرج من بين فرث ودم ـ وهو أن أهل الكتاب لما تنازعوا فقالت اليهود إبراهيم منا، وقالت النصارى إنه منا أرادت كل طائفة أنه عليه السلام كان إذ ذاك على ما هو عليه الآن من الحال وهو حال مخالف لما عليه نبيهم في نفس الأمر موافق له زعماً على معنى موافقة الأصول للأصول،/ أو الموافقة فيما يعد في العرف موافقة ولو لم تكن في المعظم وليست هذه الدعوى من البطلان بحيث لا تخفى على أحد فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: {أية : وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ }تفسير : [آل عمران: 65] أي وليسا مشتملين على ذلك وهو من الحري بالذكر لو كان، ثم أشار سبحانه إلى ما هم عليه من الحماقة على وجه أتم، ثم صرح سبحانه بما أشار أولاً فقال: {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا } أي من الطائفة اليهودية المخالفة لما جاء به موسى عليه السلام في نفس الأمر {وَلاَ نَصْرَانِيّا } أي من الطائفة النصرانية المخالفة لما جاء به عيسى عليه السلام كذلك {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا } أي على دين الإسلام الذي ليس عند الله دين مرضي سواه وهو دين جميع الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، وفي ذلك إشارة إلى أن أولئك اليهود والنصارى ليسوا من الدين في شيء لمخالفتهم في نفس الأمر لما عليه النبيان بل الأنبياء، ثم أشار إلى سبب ذلك بما عرّض به من قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } فعلى هذا يكون المسلم ـ كما قال الجصاص، وأشرنا إليه فيما مرّ مراراً ـ المؤمن ولو من غير هذه الأمة خلافاً للسيوطي في زعمه أن الإسلام مخصوص بهذه الأمة ـ هذا ما عندي في هذا المقام ـ فتدبر فلمسلك الذهن اتساع.
ابن عاشور
تفسير : نتيجة للاستدلال إذ قد تحَصحَص من الحجّة الماضية أنّ اليهودية والنصرانية غير الحنيفية، وأنّ موسى وعيسى، عليهما السلام، لم يخبرا بأنهما على الحنيفية، فأنتج أنّ إبراهيم لم يكن على حال اليهودية أو النصرانية؛ إذ لم يؤْثَر ذلك عن موسى ولا عيسى، عليهما السلام، فهذا سنده خلوّ كتبهم عن ادّعاء ذلك. وكيف تكون اليهودية أو النصرانية من الحنيفية مع خلوّها عن فريضة الحج، وقد جاء الإسلام بذكر فرضه لمن تمكن منه، ومما يؤيد هذا ما ذكره ابن عطية في تفسير قوله تعالى في هذه السورة: {أية : لا نفرّق بينَ أحد منهم ونحن له مسلمون}تفسير : [البقرة: 136] عن عكرمة قال: «لما نزلت الآية قال أهل الملل: «قد أسلمنا قبلك، ونحن المسلمون» فقال الله له: فحُجهم يا محمد وأنزل الله: {أية : وللَّه على الناس حجّ البيت}تفسير : [آل عمران: 97] الآية فحجّ المسلمون وقَعد الكفار». ثمّ تمم الله ذلك بقوله: وما كان من المشركين، فأبطلت دعاوي الفرق الثلاث. والحنيف تقدم عند قوله تعالى: {أية : قل بل ملّة إبراهيم حنيفاً}تفسير : في سورة [البقرة:135]. وقولُه: {ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} أفاد الاستدراكُ بعد نفي الضدّ حصرَا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام، ولذلك بُيِّن حنيفاً بقوله: {مسلماً} لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ولا يؤمنون بالإسلام، فأعلمهم أنّ الإسلام هو الحنيفية، وقال: {وما كان من المشركين} فنفى عن إبراهيم موافقة اليهودية،. وموافقة النصرانية، وموافقة المشركين، وإنه كان مسلماً، فثبتت موافقته الإسلام، وقد تقدم - في سورة البقرة [135] في مواضع أنّ إبراهيم سأل أن يكون مسلماً، وأنّ الله أمره أن يكون مسلماً، وأنه كان حنيفاً، وأنّ الإسلام الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي كان جاء به إبراهيم {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين} وكلّ ذلك لا يُبقي شكاً في أنّ الإسلام هو إسلام إبراهيم. وَقد بينتُ آنفاً عند قوله تعالى: {أية : فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله}تفسير : [آل عمران: 20] الأصولَ الداخلة تحت معنى {أسلمتُ وجهي لله} فلنفرضها في معنى قول إبراهيم: {أية : إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض}تفسير : [الأنعام: 79] فقد جاء إبراهيم بالتوحيد، وأعلنه إعلاناً لم يَترك للشرك مسلكاً إلى نفوس الغافلين، وأقام هيكلاً وهو الكعبة، أول بيت وضع للناس، - وفرض حَجّه على الناس: ارتباطاً بمغزاه، وأعلَن تمام العبودية لله تعالى بقوله: {أية : ولا أخاف مَا تشركون به إلاّ أن يشاء ربّي شيئاً}تفسير : [الأنعام: 80] وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال: {أية : وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم يُنزِّل به عليكم سلطاناً}تفسير : [الأنعام: 81] وتَطَلّب الهُدى بقوله: {أية : ربنا واجعلنا مسلمَيْنِ لك}تفسير : [البقرة: 128] ــــــ {أية : وأرنا مناسكنا وتُب علينا}تفسير : [البقرة: 128] وكسر الأصنام بيده {أية : فجعلهم جذاذاً}تفسير : [الأنبياء: 58]، وأظهر الانقطاع لله بقوله: {أية : الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين}تفسير : [الشعراء: 78 ـــ 81]، وتصَدّى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله {أية : قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب}تفسير : [البقرة: 258] ــــــ {أية : وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه}تفسير : [الأنعام: 83] ــــــ {أية : وحاجهُ قومه}تفسير : [الأنعام: 80]. وعطف قوله: {وما كان من المشركين} ليَيْأس مُشْرِكو العرب من أن يكونوا على ملّة إبراهيم، وحتى لا يتوهم متوهم أنّ القصر المستفاد من قوله: (ولكن حنيفاً مسلماً) قصرٌ إضافي بالنسبة لليهودية والنصرانية، حيث كان العرب يزعمون أنهم على ملّة إبراهيم لكنهم مشركون.
القطان
تفسير : ان ابراهيم الذي اتفق اليهود والنصارى والمشركون على تعظيمه لم يكن على مّلة أحد مهنم:، بل كان مائلاً عن ذلك، مسلماً لله مخلصاً له، وما كان من المشركين. اما أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته فهم الذين أجابوا دعوته في زمنه فوحّدوا الله مخلصين، والنبي محمد والذين آمنوا معه، أهل التوحيد الخالص، وهو دين ابراهيم، واللهُ ناصرٌ المؤمنين بالتأييد والتوفيق.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمُ} (67) - إنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى الذِينَ جَادَلُوا فِي إبراهِيم وَمِلَّتِهِ، وَقَالُوا: إنَّهُ كَانَ عَلَى مِلَّتِهِمْ وَدِينِهِمْ، هُمْ كَاذِبُونَ فِي دَعْوَاهُمْ، وَإنَّ الصَّادِقَ هُمْ أهْلُ الإِسْلاَمِ، فَإنَّهُمْ وَحْدَهُمْ أهْلُ دِينِهِ، وَعَلَى مِنْهَاجِهِ وَشَرِيعَتِهِ، دُونَ سَائِرِ المِلَلِ، فَقَدْ كَانَ إبراهِيمُ مطيعاً للهِ، مُقِيماً عَلَى مَحَجَّةِ الهُدَى التِي أُمِرَ بِلُزُومِهَا، خَاشِعاً للهِ، مُتَذَلِّلَ القَلْبِ، مُذْعِناً لِمَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيهِ، وَألْزَمَهُ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكينَ. الحَنِيفُ - المُنْحَرِفُ عَنِ الشِّرْكِ وَالعَقَائِدِ الزَّائِفَةِ. مُسْلِماً - موَحِّداً أوْ مُنْقَاداً للهٍ مُطِيعاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبذلك يتأكد أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهودياً، لأن اليهودية جاءت من بعده. ولم يكن إبراهيم نصرانياً، لأن النصرانية جاءت من بعده، لكنه وهو خليل الرحمن {كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} ونحن نفهم أن كلمة "حنيفاً" تعني الدين الصافي القادم من الله، والكلمة مأخوذة من المحسات، فالحنف هو ميل في الساقين من أسفل، أي اعوجاج في الرجلين، ثم نقل الحنف إلى كل أمر غير مستوٍ. وهنا يتساءل الإنسان، هل كان إبراهيم عليه السلام في العوج أو في الاستقامة؟ وكيف يكون حنيفاً، والحنف عوج؟ وهنا نقول: إن إبراهيم عليه السلام كان على الاستقامة، ولكنه جاء على وثنية واعوجاج طاغ فالعالم كان معوجاً. وجاء إبراهيم ليخرج عن هذا العوج، وما دام منحرفاً عن العوج فهو مستقيم، لماذا؟ لأن الرسل لا يأتون إلا على فساد عقدي وتشريعي طاغ. والحق سبحانه وتعالى ساعة ينزل منهجه يجعل في كل نفس خلية إيمانية. والخلية الإيمانية تستيقظ مرة، فتلتزم، وتغفل مرة، فتنحرف، ثم يأتي الاستيقاظ بعد الانحراف، فيكون الانتباه، وهكذا توجد النفس اللوامة، تلك النفس التي تهمس للإنسان عند الفعل الخاطئ: أن الله لم يأمر بذلك. ويعود الإنسان إلى منهج الله تائباً ومستغفراً، فإن لم توجد النفس اللوامة صارت النفس أمارة بالسوء، وهي التي تتجه دائماً إلى الانحراف، وحول النفس الواحدة توجد نفوس متعددة تحاول أن تقاوم وتقوّم المعوج، وهي نفوس من البيئة والمجتمع، فمرة يكون الاعتدال والاتجاه إلى الصواب بعد الخطأ قادماً من ذات الإنسان أي من النفس اللوامة، ومرة لا توجد النفس اللوامة، بل توجد النفس الأمارة بالسوء، لكن المجتمع الذي حول هذا الإنسان لا يخلو من أن يكون فيه خلية من الخير تهديه إلى الصواب، أما إذا كانت كل الخلايا في المجتمع قد أصبحت أمارة بالسوء فمن الذي يعدلها ويصوبها؟ هنا لابد أن يأتي الله برسول جديد، لأن الإنسان يفتقد الردع من ذاتية النفس بخلاياها الإيمانية، ويفتقد الردع من المجتمع الموجود لخلوه كذلك من تلك الخلايا الطيبة، وهكذا يطم الظلام ويعم، فيرسل الله رسولاً ليعيد شعلة الإيمان في النفوس. والله سبحانه وتعالى قد ضمن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ألا يأتي لها نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا فمن الضروري أن يوجد فيها الخير ويبقى، فالخير يبقى في الذات المسلمة، فإذا كانت الغفلة فالنفس اللوامة تصوب، وإن كانت هناك نفس أمارة بالسوء فهناك قوم كثيرون مطمئنون يهدون النفس الأمارة إلى الصواب. وهكذا لن تخلو أمة محمد في أي عصر من العصور من الخير، أما الأمم الأخرى السابقة فأمرها مختلف؛ فإن الله يرسل لهم الرسل عندما تنطفئ كل شموع الخير في النفوس، ويعم ظلام الفساد فتتدخل السماء، وحين تتدخل السماء يقال: إن السماء قد تدخلت على عوج لتعدله وتقومه. إذن فإبراهيم عليه السلام جاء حنيفاً، أي مائلاً عن المائل، وما دام مائلاً عن المائل فهو مستقيم، فالحنفية السمحة هي الاستقامة. وهكذا نفهم قول الحق: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]. إن إبراهيم هو أبو الأنبياء، ولو لم تكن اليهودية قد حُرفت وبدلت، وكذلك النصرانية لكان من المقبول أن يكون اليهود والنصارى على ملة إبراهيم؛ لأن الأديان لا تختلف في أصولها، ولكن قد تختلف في بعض التشريعات المناسبة للعصور، ولذلك فسيدنا إبراهيم عليه السلام لا يمكن أن يكون يهودياً باعتبار التحريف الذي حدث منهم، أي لا يكون موافقاً لهم في عقيدتهم، وكذلك لا يمكن أن يكون نصرانياً للأسباب نفسها، لكنه {كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] أي أنه مائل عن طريق الاعوجاج. قد يقول قائل: ولماذا لم يقل الله: "إن إبراهيم كان مستقيماً" ولماذا جاء بكلمة "حنيفاً" التي تدل على العوج؟ ونقول: لو قال: "مستقيماً" لظن بعض الناس أنه كان على طريقة أهل زمانه وقد كانوا في عوج وضلال ولهذا يصف الحق إبراهيم بأنه {كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً} [آل عمران: 67] وكلمة "مسلماً" تقتضي "مسلماً إليه" وهو الله، أي أنه أسلم زمامه إلى الله، ومُسْلَماً فيه وهو الإيمان بالمنهج. وعندما أسلم إبراهيم زمامه إلى الله فقد أسلم في كل ما ورد بـ "افعل ولا تفعل" وإذا ما طبقنا هذا الاشتقاق على موكب الأنبياء والرسل فسنجد أن آدم عليه السلام كان مسلماً، ونوحاً عليه السلام كان مسلماً، وكل الأنبياء الذين سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين. كان كل نبي ورسول من موكب الرسل يلقى زمامه في كل شيء إلى مُسْلَم إليه؛ وهو الله، ويطبق المنهج الذي نزل إليه، وبذلك كان الإسلام وصفاً لكل الأنبياء والمؤمنين بكتب سابقة، إلى أن نزل المنهج الكامل الذي اختُتمت به رسالة السماء على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ "افعل ولا تفعل" ولم يعد هناك أمر جديد يأتي، ولن يشرع أحد إسلاماً لله غير ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد اكتملت الغاية من الإسلام، ونزل المنهج بتمامه من الله. واستقر الإسلام كعقيدة مصفاة، وصار الإسلام علماً على الأمة المسلمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي التي لا يُستَدرك عليها لأنها أمة أسلمت لله في كل ما ورد ونزل على محمد صلى الله عليه وسلم. لذلك قال الحق: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً} لأن موسى إنما جاء بعده بألف سنة {وَلاَ نَصْرَانِيّاً} لأن عيسى عليه السلام إنما جاء بعده بألفي سنة {وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً} مائلاً عن إفراط اليهود والنصارى في عزير وعيسى وتفريطهم في إنكار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {مُّسْلِماً} منقاداً معتدلاً، مستوياً على صراط التوحيد {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] الضالين عن طريق الحق بنسبة الحوادث إلى الأسباب والوسائل. {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} وأقربهم ديناً، وأولاهم محبة ومودة {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} من أمته، وتدينوا بدينه، وامتثلوا بما جاء به من عند ربه {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ} المبعوث من شيعته، المنتسب إلى ملته، المنشعب من أهل بيته وزمرته {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بهذا النبي، وبما جاء به من الكتاب الناسخ للكتب السافلة، المبين لطريق التوحيد الذاتي {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى جادة توحيده {وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68] الموحدين الذين يريدون وجه الله في جميع حالاتهم، يولي أمور دينهم بحيث لا يشغلهمه عن التوجيه إليه مزخفات الدنيا الشاغلة عن المولى. {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} لخباثة نفوسهم وبغضهم المرتكز في قلوبهم؛ حسداً لظهور دين الإسلام {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} أي: يضلونكم ويحرفونكم عن جادة الشريعة وسبيل الإيمان والتوحيد، نزلت في اليهود لما دعوا حُذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية {وَ} الحال أنهم {مَا يُضِلُّونَ} بهذا الضلال {إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} لتضعيف العذاب عليهم بسبب هذا الإضلال {وَ} هم {مَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران: 69] بهذا الضرر والنكال. {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} المدعين الإيمان بموسى وعيسى - عليهما السلام - والتصديق بكتابهما {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} المنزلة فيهما الناطقة على بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران: 70] فيهما أوصافه ونعوته، وتنتظرون إلى ظهوره وبعثته، وبعدما ظهر وبُعث، لِمَ أنكرتم عليه عناداً، وكفرتم استكباراً؟ ومع ذلك غيرتم وحرفتم كتابكم ظلماً وزوراً. {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} المحرفين لكتاب الله {لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ} الظاهر البيِّن المكشوف المنزل من عند الله {بِٱلْبَاطِلِ} المموه المزخرف المفترى من عند أنفسكم {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} الذي هو بعثة سيدنا محمد عليه السلام {وَ} الحال أنكم {أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71] حقيته في نفوسكم ولا تظهرونه؛ حسداً وبغياً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):