Verse. 361 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِنَّ اَوْلَى النَّاسِ بِـاِبْرٰہِيْمَ لَلَّذِيْنَ اتَّبَعُوْہُ وَھٰذَا النَّبِىُّ وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْاۭ وَاللہُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۶۸
Inna awla alnnasi biibraheema lallatheena ittabaAAoohu wahatha alnnabiyyu waallatheena amanoo waAllahu waliyyu almumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنَّ أولى الناس» أحقهم «بإبراهيم للَّذِينَ اتبعوه» في زمانه «وهذا النبي» محمد لموافقته له في أكثر شرعه «والذين آمنوا» من أمته فهم الذين ينبغي أن يقولوا نحن على دينه لا أنتم «والله ولي المؤمنين» ناصرهم وحافظهم.

68

Tafseer

القرطبي

تفسير : وقال ٱبن عباس: قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنا أولى الناس بدين إبراهيم منك ومن غيرك، فإنه كان يهودياً وما بك إلا الحسد؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. {أَوْلَى} معناه أحق، قيل: بالمعونة والنصرة. وقيل بالحجة. {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} على مِلّته وسنته. {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ} أفرد ذكره تعظيماً له؛ كما قال {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} تفسير : [الرحمن: 68] وقد تقدّم في «البقرة» هذا المعنى مستوفى. و «هذا» في موضع رفع عطف على الذين، و «النبيّ» نعت لهذا أو عطف بيان، ولو نصب لكان جائزاً في الكلام عطفاً على الهاء في «ٱتبعوه». {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ناصرهم. وعن ٱبن مسعود أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن لكل نبيّ ولاة من النبيين وإن وليّي منهم أبي وخليل ربي ـ ثم قرأ ـ {إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين ٱتبعوه وهذا النبيّ}».

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ } أحقهم {بِإِبْرٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ } في زمانه {وَهَٰذَا ٱلنَّبِىُّ } محمدٌ لموافقته له في أكثر شرعه {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } من أُمّته فهم الذين ينبغي أن يقولوا نحن على دينه لا أنتم {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ناصرهم وحافظهم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب حدثني ابن غنم. أنه لما أنْ خرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي أدركهم عمرو بن العاص، وعمارة بن أبي معيط، فأرادوا عنتهم والبغي عليهم، فقدموا على النجاشي وأخبروه أن هؤلاء الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة إنما يريدون أن يخبلوا عليك ملكك، ويفسدوا عليك أرضك، ويشتموا ربك. فأرسل إليهم النجاشي فلما أن أتوه قال: ألا تسمعون ما يقول صاحباكم هذان؟ لعمرو بن العاص، وعمارة بن أبي معيط، يزعمان أنما جئتم لتخبلوا عليَّ ملكي، وتفسدوا علي أرضي. فقال عثمان بن مظعون، وحمزة: إن شئتم فخلوا بين أحدنا وبين النجاشي فلنكلمه فانا أَحْدَثَكُمْ سناً، فإن كان صواباً فالله يأتي به، وإن كان أمراً غير ذلك قلتم رجل شاب لكم في ذلك عذر. فجمع النجاشي قسيسيه ورهبانه وتراجمته، ثم سألهم أرأيتكم صاحبكم هذا الذي من عنده جئتم ما يقول لكم، وما يأمركم به، وما ينهاكم عنه. هل له كتاب يقرأه؟ قالوا: نعم. هذا الرجل يقرأ ما أنزل الله عليه، وما قد سمع منه، وهو يأمر بالمعروف، ويأمر بحسن المجاورة، ويأمر باليتيم، ويأمر بأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه إله أخر. فقرأ عليه سورة الروم، وسورة العنكبوت، وأصحاب الكهف، ومريم. فلما ان ذكر عيسى في القرآن أراد عمرو أن يغضبه عليهم فقال: والله إنهم ليشتمون عيسى ويسبونه قال النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى؟ قال: يقول ان عيسى عبدالله، ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم. فأخذ النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذي العين، فحلف ما زاد المسيح على ما يقول صاحبكم ما يزن ذلك القذى في يده من نفثة سواكه، فابشروا ولا تخافوا فلا دهونة ـ يعني بلسان الحبشة اليوم على حزب إبراهيم ـ قال عمرو بن العاص: ما حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده ومن اتبعهم. فأنزلت ذلك اليوم خصومتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ثم قرأ {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم بن ميناء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي المتقون، فكونوا أنتم بسبيل ذلك، فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا تحولنها فأصدُّ عنكم بوجهي. ثم قرأ عليهم هذه الآية {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} قال: هم المؤمنون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} يقول الذين اتبعوه على ملته، وسنته، ومنهاجه، وفطرته، {وهذا النبي} وهو نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم {والذين آمنوا معه} وهم المؤمنون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: كل مؤمن ولي لإبراهيم ممن مضى وممن بقي. وأخرج أحمد وابن أبي داود في البعث وابن أبي الدنيا في العزاء والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أولاد المؤمنين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ} [الآية: 68]. قال جعفر: للذين اتبعوه فى شرائعهم ومناسكهم وهذا النبى يقرب حال إبراهيم من حال النبى صلى الله عليه وسلم وشريعته من شريعته دون سائرِ الأنبياء وسائر الشرائع، والذين آمنوا لقُرب حالهم من حال إبراهيم، والله ولىُّ المؤمنين فى تشريعهم إلى بُلوغ مقام الخليل صلى الله عليه وسلم إذ القُربُ منه فى درجة المحبة بقوله: { أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } تفسير : [المائدة: 54].

القشيري

تفسير : لما تفرقت الأهواء والبدع وصار كل حزب إلى خطأ آخر، بقي أهل الحقِّ في كل عصر وكل حين ووقت على الحجة المثلى، فكانوا حزباً واحداً، فبعضهم أَوْلى ببعض. وإبراهيم صاحب الحق، ومن دان بدينه - كمثل رسولنا صلى الله عليه وسلم وأمته - على الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام وهو توحيد الله سبحانه وتعالى. {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} لأنهم تولَّوْا دينه، ووافقوا توحيده، وولاية الله إنما تكون بالعَوْن والنصرة والتخصيص والقربة.

البقلي

تفسير : ان اولى الناس بالخليل عليه السلام اتبعوه بشرط التجرد عن الكونين والعالمين ومنع النفوس عن حظوظ اشكال الملكوت لان الخليل اذا بلغ مبلغ رجال القدس زاغ بصره عن عرائس المبلكوت فقال انى برئ مما يشركون انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض وهذا النبى يعنى محمد صلى الله عليه وسلم اولى بمتابعة ابيه خليل الله لانه زبدة مخاض محبته وخلاصة حقيقة فطرته والذين أمنوا ايقنوا واشهدوا معانيات الاخرة ومنازل الابراء السفرة واولله ولى المؤمنين حفاظهم عن أفات القهريات وادخلهم فى قباب العصمة والكرامات قال جعفر الصدق الذين اتبعوه فى شرائعهم ومناسكهم وهذا النبى لقرب حال ابراهيم من ال النبى صلى الله عليه وسلم وشريعته دون سائر الانبياء وسائر الشرائع والذين أمنوا القرب حالهم من حال ابراهيم فالله ولى المؤمينن فى تشريفهم الى بلوغ الخليل عليه السلام اذ القرب منه فى درجة المحبة بقوله يحبهم ويحبونه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان اولى الناس بابراهيم} اى ان احق الناس بدعواه انه على دين ابراهيم {للذين اتبعوه} فى زمانه {وهذا النبى} اى محمد المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم لانه اتبعه {والذين آمنوا} بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم من هذه الامة لموافقتهم فى اكثر ما شرعه لهم على الاصالة {والله ولى المؤمنين} ينصرهم ويجازيهم الحسنى بايمانهم.

الطوسي

تفسير : المعنى: معنى قوله: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي} أي أحقهم بنصرته بالمعونة أو الحجة، لأن الذين اتبعوه في زمانه تولوه بالنصرة على عدوه حتى ظهر أمره، وعلت كلمته. وسائر المؤمنين يتولونه بالحجة بما كان عليه من الحق وتبرئته من كل عيب، فالله تعالى ولي المؤمنين، لأنه يوليهم النصرة، والمؤمن ولي الله لهذا المعنى بعينه. وقيل، لأنه يولي صفاته التعظيم. ويجوز، لانهم يتولون نصرة ما أمره به من الدين. وقيل والله ولي المؤمنين، لأنه يتولى نصرهم. والمؤمنون أولياء الله، لأنهم يتولون نصر دينه الذي أمرهم به. اللغة: {وأولى} الذي هو بمعنى أفعل من غيره لا يجمع ولا يثنى، لأنه يتضمن معنى الفعل والمصدر على تقدير يزيد فضله على فضله في أفضل منه. ومعنى قولنا: هذا الفعل أولى من غيره أي بأن يفعل. وقولنا زيد أولى من غيره معناه: أنه على حال هو بها أحق من غيره. وقوله: {للذين اتبعوه} فالاتباع جريان الثاني على طريقة الاول من حيث هو عليه كالمدلول الذي يتبع الدليل في سلوك الطريق أو في التصحيح، لأنه إن صح الدليل صح المدلول عليه لصحته، وكذلك المأموم الذي يتبع الامام. فان قيل: لم فصل ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) من ذكر المؤمنين؟ قلنا: يحتمل أمرين: أحدهما - أنه بمعنى والذين آمنوا به، فتقدم ذكره ليدخل في الولاية ويعود إليه الكتابة. والثاني - أن اختصاصه بالذكر بالحال العليا في الفضل.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: اذا لم يكن اليهوديّة والنّصرانيّة وملّة الشّرك منسوبة الى ابراهيم فمن كان اقرب الخلق اليه؟ - فقال: انّ اقرب النّاس واحقّهم {بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} فى زمانه وبعده الى بقاء امّته {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اى اسلموا بالبيعة العامّة على يده تعريض بهم ونفى لولايتهم به فانّهم ادّعوا اولويّتهم به كلّ بوجه فقال تعالى: انّ الاولى به فى زمانه امّته، وفى هذا الزّمان محمّد (ص) وامّته لانّهم احيوا ملّته وما خالفوه فى اصول العقائد، واولى النّاس بالانبياء اعملهم بما جاؤا به، عن الصّادق (ع) هم الائمّة ومن اتّبعهم يعنى الّذين آمنوا فأراد من الايمان، الايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة الولاية وقبول الدّعوة الباطنة المورثة دخول الايمان فى القلب والباعثة لمعرفة هذا الامر والدّخول فى أمرهم وعن عمر بن يزيد عنه قال: انتم والله من آل محمّد (ص) فقلت: من أنفسهم جعلت فداك؟ - قال: نعم والله من أنفسهم ثلاثاً ثمّ نظر الىّ ونظرت اليه، فقال: يا عمر انّ الله يقول فى كتابه: انّ اولى النّاس؛ الآية، وعن امير المؤمنين (ع) انّ {أَوْلَى ٱلنَّاسِ} بالانبياء أعملهم بما جاؤا به، ثمّ تلا هذه الآية: قال: انّ ولىّ محمّد (ص) من أطاع الله وان بعدت لحمته، وانّ عدوّ محمّد (ص) من عصى الله وان قربت قرابته {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تشريف آخر لهم وتعريض بأهل الكتاب حيث قالوا: {نحن ابناء الله واحبّاؤه}.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ}: أقربهم إليه وأحقهم به. {لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ}: فى دينه وزمانه وبعده. {وَهَـذَا النَّبِىُّ}: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. {وَالَّذِينَ آمَنُواْ}: بمحمد صلى الله عليه وسلم من أمته لموافقتهم لهُ فى شرعه كله، وقيل: فى غالبه قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل نبى ولاية من النبيين، وإن ولى منهم أبى وخليل ربى إبراهيم"تفسير : . ثم قرأ: {إن أولى الناس بإبراهيم...} الآية. وقرئ بنصب {النبى} على أن هذا المنصوب المحل معطوف على هاء {اتبعوه}، وبالجر على أن محل هذا نصب عطفاً على {إبراهيم}، و{الذين} فى قراءة رفع {النبىُّ} معطوف على {الذين}، وفى قراءة النصب معطوف عليه. {وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ}: ينصرهم فى الدنيا بالغلبة، ويجازيهم بإيمانهم بالجنة فى الآخرة، وقصة هجرة جعفر رضى الله عنه إلى الحبشة مع جماعة من الصحابة أدكرها فى غير هذه الآية، وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أمتهُ عند إبراهيم ليلة الإسراء شطرين: شطر عليهم ثياب بيض، وشطر عليهم ثياب رمد، فخرج الذين ثيابهم بيض، وخسر الذين ثيابهم رمد، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً وكل إلى الخير، ثم قال لى: هذه منزلتك ومنزلة أمتك ثم تلا {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيم} إلى {وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِين}.

اطفيش

تفسير : {إنَّ أَوْلَى النَّاسِ} أقربهم وأخصهم {بِإِبْرَاهِيمَ} بالفخر به والكون من آله وحربه {لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} فى شريعته من أهل زمانه وبعده حتى تغيرت بالبدع أو بنحو التوراة {وَهَذَا النَّبِىُّ} محمد صلى الله عليه وسلم {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا} من أمته لكونهم على دينه، أصوله كلها وفروعه كلها أو جلها، لا اليهود ولا النصارى المتبعون للتوراة والإنجيل ولا الملحدون منهم، والمبتدعون، والعطفان تخصيص بعد تعميم {وَاللهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنينَ} ناصرهم ومجازيهم على إيمانهم بالجنة وما دونها.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ } {أُوْلِى } أفعل تفضيل من وليه يليه ولياً وألفه منقلبة عن ياء لأن فاءه واو فلا تكون لامه واواً إذ ليس في الكلام ما فاؤه ولامه واوان إلا واو، وأصل معناه أقرب، ومنه ما في الحديث «حديث : لأولى رجل ذكر» تفسير : ويكون بمعنى أحق كما تقول: العالم أولى بالتقديم، وهو المراد هنا ـ أي أقرب الناس وأخصهم بإبراهيم {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ } أي كانوا على شريعته في زمانه، أو اتبعوه مطلقاً فالعطف في قوله سبحانه: {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ } من عطف الخاص على العام وهو معطوف على الموصول قبله الذي هو خبر {إِنَّ } وقرىء بالنصب عطفاً على الضمير المفعول، والتقدير ـ للذين اتبعوا إبراهيم واتبعوا هذا النبـي ـ وقرىء بالجر عطفاً على إبراهيم أي ـ إن أولى الناس بإبراهيم، وهذا النبـي للذين اتبعوه ـ واعترض بأنه كان ينبغي أن يثني ضمير {ٱتَّبَعُوهُ } ويقال اتبعوهما، وأجيب بأنه من باب {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة: 62] إلا أن فيه على ما قيل الفصل بين العامل والمعمول بأجنبـي. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } إن كان عطفاً على ـ الذين اتبعوه ـ يكون فيه ذلك أيضاً، وإن كان عطفاً على هذا ـ النبـي ـ فلا فائدة فيه إلا أن يدعى أنها للتنويه بذكرهم، وأما التزام أنه من عطف الصفات بعضها على بعض حينئذ فهو كما ترى، ثم إن كون المتبعين لإبراهيم عليه السلام في زمانه أولى الناس به ظاهر، وكون نبينا صلى الله عليه وسلم أولاهم به لموافقة شريعته للشريعة الإبراهيمية أكثر من موافقة شرائع سائر المرسلين لها، وكون المؤمنين من هذه الأمة كذلك لتبعيتهم نبيهم فيماجاء به ومنه الموافق. {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ينصرهم ويجازيهم بالحسنى كما هو شأن الولي، ولم يقل ـ وليهم ـ تنبيهاً على الوصف الذي يكون الله تعالى به ولياً لعباده ـ وهو الإيمان ـ بناءاً على أن التعليق بالمشتق يقتضي عليه مبدأ الاشتقاق. ومن ذلك يعلم ثبوت الحكم للنبـي بدلالة النص، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك وأنه كان يهودياً وما بك إلا الحسد فأنزل الله تعالى/ هذه الآية، وأخرج عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب قال: حدثني ابن غنم أنه لما خرج أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي أدركهم عمرو بن العاص وعمارة بن أبـي معيط فأرادوا عنتهم والبغي عليهم فقدموا على النجاشي وأخبروه أن هؤلا الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة يريدون أن يخبلوا عليك ملكك ويفسدوا عليك أرضك ويشتموا ربك فأرسل إليهم النجاشي فلما أن أتوه قال: ألا تسمعون ما يقول صاحباكم هذان ـ لعمرو بن العاص وعمارة بن أبـي معيط ـ يزعمان أنما جئتم لتخبلوا عليّ ملكي وتفسدوا عليّ أرضي فقال عثمان بن مظعون، وحمزة: إن شئتم خلوا بين أحدنا وبين النجاشي فليكلمه أينا أحدثكم سناً فإن كان صواباً فالله يأتي به، وإن كان أمراً غير ذلك قلتم رجل شاب لكم في ذلك عذر، فجمع النجاشي قسيسيه ورهبانيته وتراجمته ثم سألهم أرأيتكم صاحبكم هذا الذي من عنده جئتم ما يقول لكم وما يأمركم به وما ينهاكم عنه هل له كتاب يقرؤه؟ قالوا: نعم هذا الرجل يقرأ ما أنزل الله تعالى عليه وما قد سمع منه ويأمر بالمعروف ويأمر بحسن المجاورة، ويأمر باليتيم، ويأمر بأن يعبد الله تعالى وحده ولا يعبد معه إله آخر فقرأ عليه ـ سورة الروم والعنكبوت وأصحاب الكهف ومريم فلما أن ذكر عيسى في القرآن أراد عمرو أن يغضبه عليهم قال: والله إنهم يشتمون عيسى ويسبونه قال النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى: قال يقول: إن عيسى عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فأخذ النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذى العين فحلف ما زاد المسيح على ما يقول صاحبكم بما يزن ذلك القذى في يده من نفثة سواكه فأبشروا ولا تخافوا فلا دهونة ـ يعني بلسان الحبشة ـ اللوم على حزب إبراهيم قال عمرو بن العاص: ما حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم فأنزلت ذلك اليوم في خصومتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ } الآية.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ناشيء عن نفي اليهودية والنصرانية عن إبراهيم، فليس اليهود ولا النصارى ولا المشركون بأولى الناس به، وهذا يدل على أنهم كانوا يقولون: نحن أولى بدينكم. و(أولى) اسم تفضيل أي أشد ولْياً أي قرباً مشتق من وَلِي إذا صار وَليّاً، وعدّي بالباء لتضمّنه معنى الاتصال أي أخصّ الناس بإبراهيم وأقربهم منه. ومن المفسّرين من جعل أولى هنا بمعنى أجدر فيضطرّ إلى تقدير مضاف قبل قوله: {بإبراهيم} أي بدين إبراهيم. والذين اتبعوا إبراهيم هم الذين اتبعوه في حياته: مثل لوط وإسماعيل وإسحاقَ، ولا اعتداد بمحاولة الذين حاولوا اتباع الحنيفية ولم يهتدوا إليها، مثل زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل، وأميةَ ابن أبي الصّلْت، وأبيه أبي الصَّلت، وأبي قيْس صِرمَة بن أبي أنس من بني النجّار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : كاد أمية بن أبي الصّلْت، أن يُسلم» تفسير : وهو لم يدرك الإسلام فالمعنى كاد أن يكون حنيفاً، وفي «صحيح البخاري»: أنّ زيد بن عَمرو بن نُفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين فلقي عالماً من اليهود، فسأله عن دينه فقال له: إنّي أريد أن أكونَ على دينك، فقال اليهوديّ: إنّك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال زيد: أفِرُّ إلاّ من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأنا أستطيع، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال: لا أعلمه إلاّ أن تكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وكان لا يعبد إلاّ الله، فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى فقاوله مثل مقاولة اليهودي، غير أنّ النصراني قال: أن تأخذ بنصيبك من لَعنة الله، فخرج من عنده وقد اتفقا له على دين إبراهيم، فلم يزل رافعاً يديه إلى السماء وقال: اللهم أشهَدْ أنّي على دين إبراهيم وهذا أمنية منه لا تصادف الواقع. وفي «صحيح البخاري»، عن أسماء بنت أبي بكر: قالت: رأيت زيدَ بن عَمرو بن نُفيل قبل الإسلام مسنِداً ظهره إلى الكعبة وهو يقول: «يا معشر قريش ليس منكم على دين إبراهيم غيري» وفيه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيدَ بن عمرو بن نُفيل بأسفل بَلْدَح قبل أن يَنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي فقُدِّمَتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم سُفرة فأبى زيدُ بن عمرو أنْ يأكل منها وقال: إنّي لست آكل ممّا تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلاّ ما ذكر اسم الله عليه وهذا توهّم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كما تفعل قريش. وإنّ زيداً كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء أنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله. واسم الإشارة في قوله: {وهذا النبي} مستعمل مجازاً في المشتهر بوصف بين المخاطبين كقوله في الحديث: «حديث : فجعل الفَرَاشُ وهذه الدّوَابُّ تقع في النار»تفسير : فالإشارة استعملت في استحضار الدوابّ المعروفة بالتساقط على النار عند وقودها، والنبي ليس بمشاهد للمخاطبين بالآية، حينئذ، ولا قُصدت الإشارة إلى ذاته. ويجوز أن تكون الإشارة مستعملة في حضور التكلم باعتبار كون النبي هو الناطق بهذا الكلام، فهو كقول الشاعر: «نجوتِ وهَذا تحملين طَليق» أي والمتكلّم الذي تحملينه. والاسم الواقع بعد اسم الإشارة، بدلاً منه، هو الذي يعين جهة الإشارة مَا هي. وعطف النبي على الذين اتبعوا إبراهيم للاهتمام به وفيه إيماء إلى أنّ متابعته إبراهيم عليه السلام ليست متابعة عامة فكون الإسلام من الحنيفية أنّه موافق لها في أصولها. والمراد بالذين آمنوا المسلمون. فالمقصود معناه اللقَبي، فإنّ وصف الذين آمنوا صار لقباً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك كثر خطابهم في القرآن بيأيها الذين آمنوا. ووجه كون هذا النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا أولى الناس بإبراهيم، مثل الذين اتبعوه، إنّهم قد تخلقوا بأصول شرعه، وعرفوا قدره، وكانوا له لسان صدق دائباً بذكره، فهؤلاء أحقّ به ممّن انتسبوا إليه لكنهم نقضوا أصول شرعه وهم المشركون، ومن الذين انتسبوا إليه وأنسوا ذكر شرعه، وهم اليهود والنصارى، ومن هذا المعنىحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سَأل عن صوم اليهود، يوم عاشوراء فقالوا: هو يوم نجّى الله فيه موسى فقال: «نَحْن أحقّ بموسى منهم» وصامه وأمر المسلمين بصومهتفسير : . وقوله: {والله ولي المؤمنين} تذييل أي هؤلاء هم أولى الناس بإبراهيم، والله ولي إبراهيم، والذين اتبعوه، وهذا النبي، والذين آمنوا؛ لأنّ التذييل يشمل المذيَّل قطعاً، ثم يشمل غيره تكميلاً كالعام على سبب خاص. وفي قوله: {والله ولي المؤمنين} بعد قوله: {أية : ما كان إبراهيم يهودياً}تفسير : [آل عمران: 67] تعريض بأنّ الذين لم يكن إبراهيم منهم ليسوا بمؤمنين.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِإِبْرَاهِيمَ} {آمَنُواْ} (68) - إنَّ أحَقَّ النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ وَنُصْرَتِهِ وَوِلاَيتِهِ، هُمُ الذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى دِينِهِ، وَسَلَكُوا طَرِيقَهُ وَمِنْهَاجَهُ في عَصْرِهِ، فَوَحَّدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَكَانُوا حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ، ثُمَّ هذا النَّبِيُّ (يَعْنِي مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم)، وَالذِينَ آمَنُوا مِنَ المُهَاجِرينَ وَالأنْصَارِ، وَمَنِ تَبِعَهُمْ بَعْدَهُمْ، فَهؤُلاءِ هُمْ أهْلُ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، وَهُمْ المُخْلِصُونَ للهِ فِي أعْمَالِهِمْ وعِبَادَتِهِمْ، دُونَ شِرْكٍ وَلاَ رِيَاءٍ، وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنينَ. أوْلى النَّاسِ - أحَقَّ النَّاسِ. وَلِيُّ المُؤْمِنينَ - نَاصِرُهُمْ وَمُجَازِيهِمْ بِالحُسْنَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولنا أن نلحظ أن كل رسول من الرسل السابقين على سيدنا رسول الله إنما نزل لأمة محددة، فموسى عليه السلام أرسله الله إلى بني إسرائيل، وكذلك عيسى عليه السلام، قال تعالى: {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [آل عمران: 49] أي رسولاً مسلماً في حدود تطبيق المنهج الذي جاء به ونزل إلى هؤلاء الرسل، فلما تغير بعض من التشريع وتمت تصفية المنهج الإيماني بالرسالة الخاتمة، وهي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهي عامة لكل البشر فقد آمن بعض من أهل تلك الأمم برسالته عليه الصلاة والسلام، كما آمن بها من أرسل فيهم سيدنا رسول الله، واستمر موكب الإيمان بالدين الخاتم إلى أن وصل إلينا. وهكذا صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي خاتمة الأمم الإسلامية؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ". تفسير : وحين يقولون: إن إبراهيم عليه السلام كان يهودياً أو نصرانياً. إنما أوردوا ذلك لأن إبراهيم عليه السلام فيه أبوة الأنبياء. وهم قد أرادوا أن يستحضروا أصل الخلية الإيمانية في محاولة لأن ينسبوها إلى أنفسهم وكأنهم تناسوا أن المسألة الإيمانية ليست بالجنس أو الوطن أو الدم، أو أي انتماء آخر غير الانتماء لمنهج الله الواحد، ولذلك فأولى الناس بإبراهيم ليسوا من جاءوا من ذريته، بل إن أولى الناس بإبراهيم هم الذين اتبعوه، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد اتبع إبراهيم عليه السلام، لذلك فلا علاقة لإبراهيم بمن جاء من نسله، ممن حرفوا المنهج ولم يواصلوا الإيمان، لقد حسم الله هذه القضية مع إبراهيم عندما قال سبحانه: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 124]. لقد امتحن الحق إبراهيم بكلمات هي الأوامر والنواهي، فأتمها إبراهيم عليه السلام تماماً على أقصى ما يكون من الالتزام، ولم يكن مجرد إتمام يتظاهر بالشكلية، إنما كان إتماماً بالشكل والمضمون معاً. والمثال على تمام الأوامر والنواهي بالشكل فقط هو رؤيتنا لمن يتلقى الأمر من الله بأن يصلي خمسة فروض، فيصلي هذه الفروض الخمسة كإجراء شكلي، لكن هناك إنساناً آخر يصلي هذه الفروض الخمسة بحقها في الكمال مضموناً وشكلاً، إنه يتم الأوامر الإلهية إتماماً يرضى عنه الله. ولقد أدى إبراهيم عليه السلام الابتلاءات التي جاءت بالكلمات التكليفية من الله على أكمل وجه. ألم يأمر الله إبراهيم عليه السلام على أن يرفع القواعد من البيت؟ أما كان يكفي إبراهيم عليه السلام لينفذ الأمر برفع بناء الكعبة إلى أقصى ما تطوله يداه؟ إنه لو فعل ذلك لكان قد أدى الأمر، لكن إبراهيم عليه السلام أراد أن يوفي الأمر بإقامة القواعد من البيت تمام الوفاء، فبنى الكعبة بما تطوله يداه، وبما تطوله الحيلة أيضاً، فجاء إبراهيم عليه السلام بحجر ليقف من فوقه، ويزيد من طول جدار الكعبة مقدار الحجر، لقد أراد أن يوفي البناء بطاقته في اليدين وبحيلته الابتكارية أيضاً، فلم يكن معروفاً في ذلك الزمان "السقالات" وغير ذلك من الأدوات التي تساعد الإنسان على الارتفاع عن الأرض إلى أقصى ما يستطيع. ولو أن إبراهيم عليه السلام قد رفع القواعد من البناء على مقدار ما تطوله يداه؛ لكان قد أدى تكليف الله، لكنه أراد الأداء بإمكاناته الذاتية الواقعية، وأضاف إلى ذلك حيلة من ابتكاره، لذلك جاء بالحجر الذي يقف عليه ليزيد من جدار الكعبة، وهذا ما نعرفه عندما نزور البيت الحرام بـ "مقام إبراهيم" فلما أتم إبراهيم الكلمات هذا الإتمام قال الحق سبحانه لإبراهيم: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ..}تفسير : [البقرة: 124]. إي إنك يا إبراهيم مأمون على أن تكون إماماً للناس في دينهم لأنك أديت "افعل ولا تفعل" بتمام وإتقان. ولنر غيرة إبراهيم عليه السلام على منهج ربه، إنه لم يرد أن يستمر المنهج في حياته فقط، ولكنه طلب من الله أن يظل المنهج والإمامة في ذريته، فقال الحق سبحانه على لسان إبراهيم طالباً استمرار الأمانة في ذريته: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِي ..}تفسير : [البقرة: 124]. إن سيدنا إبراهيم قد امتلأ بالغيرة على المنهج وخاف عليه حتى من بعد موته، لكن الحق سبحانه وتعالى يُعلم الخلق جميعهم من خلال إبراهيم فيقول سبحانه: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 124]. أي أن المسألة ليست وراثة، لأنه سيأتي من ذريتك من يكون ظالماً لنفسه ويعدل في المنهج بما يناسب هواه، وهو بذلك لا تتوافر فيه صفات الإمامة. إن الحق يعلمنا قواعد إرث النبوة، إن تلك القواعد تقضي أن يرث الأنبياء من هو قادر على تطبيق المنهج بتمامه دون تحريف، والمثال على ذلك ما علمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لسلمان الفارسي: "حديث : سلمان منا آل البيت ". تفسير : إن سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم لم يقل لسلمان الفارسي "أنت من العرب" لا. بل نسبه لآل البيت، أي نسبه إلى إرث النبوة بما يتطلبه هذا الإرث من تطبيق المنهج بتمامه، لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علّمه الحق سبحانه لسيدنا إبراهيم عليه السلام عن إرث النبوة، فليس هذا الإرث بالدم، إنما بتطبيق المنهج نصاً وروحاً، كما تعلم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما علّمه له الحق عن نوح عليه السلام، لقد وعد الحق نوحاً بأن ينجيه وأهله من الطوفان ويرى نوح عليه السلام ابنه مشرفاً على الغرق، فيتساءل "ألم يعدني الله أن ينجي أهلي؟" فينادي نوح عليه السلام ربَّه، بما أورده القرآن الكريم حين قال:{أية : وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ}تفسير : [هود: 45]. فيقول الحق رداً على طلب نوح نجاة ابنه: {أية : قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [هود: 46]. ولننظر إلى التعليل القرآني لانتفاء الأهلية عن ابن نوح عليه السلام "إنه ليس من أهلك"؟ لماذا؟ "إنه عمل غير صالح". إن الحق لم يقل "إنه عامل غير صالح" - الذاتية ممنوعة - لأن الفعل هو الذي يحاسب به الله؛ فالإيمان ليس نسباً، ولا انتماء لبلد ما، أو انتماء لقوم ما، إنه العمل، فمن يعمل بشرع أي رسول يكون من أهل هذا الرسول، إنَّ النسبة للأنبياء لا تأتي للذات التي تنحدر من نسب النبي، بل يكون الانتساب للأنبياء بالعمل الذي تصنعه الذات. وفي موقع آخر يعلمنا الحق عن سيدنا إبراهيم موقفاً يصور رحمة الخالق بكل خلقه من آمن منهم ومن كفر. لقد طلب إبراهيم عليه السلام سعة الرزق لأهل بيته الذين جعل إقامتهم بمكة، كما جاء في الكتاب الكريم: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ..}تفسير : [البقرة: 126]. فهل استجاب الحق لدعوة إبراهيم برزق الذين آمنوا فقط من أهل مكة؟ لا، بل رَزَقَ المؤمن والكافر. وعلّم إبراهيم ذلك حينما قال له:{أية : قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [البقرة: 126]. إن الرزق المادي مكفول من الحق لكل الخلق، مؤمنهم وكافرهم، والاقتيات المادي مكفول من قبل الله لأنه هو الذي استدعى المؤمن والكافر إلى هذه الدنيا. أما رزق المنهج فأمر مختلف، إن اتباع المنهج يقتضي التسليم بما جاء به دون تحريف. وهذا المنهج لم يتبعه أحد ممن جاءوا بعد إبراهيم عليه السلام إلا القليل، فمن آمن برسالة موسى عليه السلام دون تحريف هم قلة. ثم جاء عيسى عليه السلام برسالة تبعد بني إسرائيل عن المادية الصرفة إلى الإيمان بالغيب، لكن رسالة عيسى عليه السلام تم تحريفها أيضاً، وعلى ذلك فأولى الناس بإبراهيم عليه السلام هم الذين اتبعوا المنهج الخاتم الصحيح والمصفى لكل ما سبق من رسالات، وهؤلاء هم الذين آمنوا برسالة محمد صلى الله عليه السلام، والله ولي المؤمنين جميعاً من آمن منهم برسالة إبراهيم خليل الرحمن، إيماناً صحيحاً كاملاً، ومن آمن برسالة محمد عليه الصلاة والسلام .. بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ...}.