Verse. 362 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَدَّتْ طَّاۗىِٕفَۃٌ مِّنْ اَھْلِ الْكِتٰبِ لَوْ يُضِلُّوْنَكُمْ۝۰ۭ وَمَا يُضِلُّوْنَ اِلَّاۗ اَنْفُسَھُمْ وَمَا يَشْعُرُوْنَ۝۶۹
Waddat taifatun min ahli alkitabi law yudilloonakum wama yudilloona illa anfusahum wama yashAAuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما دعا اليهود معاذا وحذيفة وعمارا إلى دينهم: «ودَّت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم» لأن إثم إضلالهم عليهم والمؤمنون لا يطيعونهم فيه «وما يشعرون» بذلك.

69

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق، والإعراض عن قبول الحجة بيّن أنهم لا يقتصرون على هذا القدر، بل يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول عليه السلام بإلقاء الشبهات كقولهم: إن محمداً عليه السلام مقر بموسى وعيسى ويدعي لنفسه النبوّة، وأيضاً إن موسى عليه السلام أخبر في التوراة بأن شرعه لا يزول، وأيضاً القول بالنسخ يفضي إلى البداء، والغرض منه تنبيه المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود، ونظير قوله تعالى في سورة البقرة: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } تفسير : [البقرة: 109] وقوله {أية : وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء } تفسير : [النساء: 89]. واعلم أن {مِنْ } ههنا للتبعيض وإنما ذكر بعضهم ولم يعمهم لأن منهم من آمن وأثنى الله عليهم بقوله {أية : مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } تفسير : [المائدة: 66] {أية : وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } تفسير : [آل عمران: 113] وقيل نزلت هذه الآية في معاذ وعمّار بن ياسر وحذيفة دعاهم اليهود إلى دينهم، وإنما قال: {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } ولم يقل أن يضلوكم، لأن {لَوْ } للتمني فإن قولك لو كان كذا يفيد التمني ونظيره قوله تعالى: {أية : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } تفسير : [البقرة: 96]. ثم قال تعالى: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } وهو يحتمل وجوهاً منها إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على قصدهم إضلال الغير وهو كقوله {أية : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } تفسير : [البقرة: 57] وقوله {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 13] {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآء مَا يَزِرُونَ }تفسير : [النحل: 25] ومنها إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى والحق لأن الذاهب عن الاهتداء يوصف بأنه ضال ومنها أنهم لما اجتهدوا في إضلال المؤمنين ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا إليهم فهم قد صاروا خائبين خاسرين، حيث اعتقدوا شيئاً ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوروه. ثم قال تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ } أي ما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.

القرطبي

تفسير : نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر حين دعاهم اليهود من بني النضير وقريظة وبني قينقاع إلى دينهم. وهذه الآية نظير قوله تعالى: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً} تفسير : [البقرة: 109]. و «مِنْ» على هذا القول للتبعيض. وقيل: جميع أهل الكتاب، فتكون «مِنْ» لبيان الجنس. ومعنى «لَوْ يُضِلُّونَكُم» أي يُكسبونكم المعصية بالرجوع عن دين الإسلام والمخالفة له. وقال ٱبن جُريج: «يُضِلُّونكم» أي يهلكونكم؛ ومنه قول الأخطل:شعر : كُنْتَ الْقَذَى في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ قذفَ الأتِيّ به فضلّ ضلالا تفسير : أي هلك هلاكاً. {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} نفى وإيجاب. {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي يفطنون أنهم لا يصِلُون إلى إضلال المؤمنين. وقيل: {وما يشعرون} أي لا يعلمون بصحة الإسلام وواجب عليهم أن يعلموا؛ لأن البراهين ظاهرة والحجج باهرة، والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين، وبغيهم إياهم الإضلال، وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم، وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم، ثم قال تعالى منكراً عليهم: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} أي: تعلمون صدقها، وتتحققون حقها. { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ ءَاخِرَهُ} الآية، هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء النهار، ارتدوا إلى دينهم؛ ليقول الجهلة من الناس: إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله تعالى إخباراً عن اليهود بهذه الآية، يعني: يهوداً صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار؛ مكراً منهم؛ ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه. وقال العوفي عن ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره، فصلوا صلاتكم؛ لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا، وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك. وقوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} أي: لا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين، فيؤمنوا به، ويحتجوا به عليكم. قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} أي: هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان بما ينزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات؛ وإن كتمتم أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد النبي الأمي في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين. وقوله: {أَن يُؤْتَىٰۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} يقولون: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلموه منكم، ويساووكم فيه، ويمتازوا به عليكم؛ لشدة الإيمان به، أو يحاجوكم به عند ربكم، أي: يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم، فتقوم به عليكم الدلالة، وتتركب الحجة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي: الأمور كلها تحت تصرفه، وهو المعطي المانع، يمن على من يشاء بالإيمان والعلم والتصرف التام، ويضل من يشاء، فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة التامة والحكمة البالغة {وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} أي: اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يحد ولا يوصف، بما شرف به نبيكم محمداً صلى الله عليه وسلم، على سائر الأنبياء، وهداكم به إلى أكمل الشرائع.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما دعا اليهود معاذاً وحذيفة وعَمّاراً إلى دينهم {وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلآ أَنفُسَهُمْ } لأن إثم إضلالهم عليهم والمؤمنون لا يطيعونهم فيه {وَمَا يَشْعُرُونَ } بذلك.

الشوكاني

تفسير : الطائفة من أهل الكتاب هم: يهود بني النضير، وقريظة، وبني قينقاع حين دعوا جماعة من المسلمين إلى دينهم، وسيأتي. وقيل: هم جميع أهل الكتاب، فتكون "من" لبيان الجنس. وقوله: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } جملة حالية للدلالة على ثبوت قدم المؤمنين في الإيمان، فلا يعود وبال من أراد فتنتهم إلا عليه. والمراد بآيات الله: ما في كتبهم من دلائل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } ما في كتبكم من ذلك، أو تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء الذين تقرّون بنبوّتهم، أو المراد: كتم كل الآيات عناداً، وأنتم تعلمون أنها حق. ولبس الحق بالباطل: خلطه بما يتعمدونه من التحريف {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } جملة حالية. قوله: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } هم رؤساؤهم، وأشرافهم، قالوا للسفلة من قومهم هذه المقالة. ووجه النهار: أوّله، وسمي وجهاً؛ لأنه أحسنه قال:شعر : وتُضِىءُ في وَجْهِ النَّهار مُنِيرةً كجُمَانَة البحرى سُلَّ نظامُها تفسير : وهو: منصوب على الظرف، أمروهم بذلك لإدخال الشك على المؤمنين، لكونهم يعتقدون أن أهل الكتاب لديهم علم، فإذا كفروا بعد الإيمان وقع الريب لغيرهم، واعتراه الشك، وهم لا يعلمون أن الله قد ثبت قلوب المؤمنين، ومكن أقدامهم، فلا تزلزلهم أراجيف أعداء الله، ولا تحركهم ريح المعاندين. وقوله: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض، أي: قال ذلك الرؤساء للسلفة لا تصدّقوا تصديقاً صحيحاً إلا لمن تبع دينكم من أهل الملة التي أنتم عليها، وأما غيرهم ممن قد أسلم، فأظهروا لهم ذلك خداعاً {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُواْ ءاخِرَهُ } ليفتتنوا، ويكون قوله: {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } على هذا متعلقاً بمحذوف، أي: فعلتم ذلك؛ لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم: يعني أن ما بكم من الحسد، والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم، والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم. وقوله: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } معطوف على {أن يؤتى}، أي: لا تؤمنوا إيماناً صحيحاً، وتقرّوا بما في صدوركم إقراراً صادقاً لغير من تبع دينكم، فعلتم ذلك، ودبرتموه أن المسلمين يحاجوكم يوم القيامة عند الله بالحق. وقوله: {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } جملة اعتراضية. وقال الأخفش: المعنى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ولا تصدقوا أن يحاجوكم، فذهب إلى أنه معطوف. وقيل: المراد: لا تؤمنوا وجه النهار، وتكفروا آخره إلا لمن تبع دينكم، أي: لمن دخل في الإسلام، وكان من أهل دينكم قبل إسلامه؛ لأن إسلام من كان منهم هو: الذي قتلهم غيظاً وأماتهم حسرة، وأسفاً، ويكون قوله: {أَن يُؤْتَىٰ } على هذا متعلقاً بمحذوف كالأوّل. وقيل: إن قوله: {أَن يُؤْتَىٰ } متعلق بقوله: {لاَ تُؤْمِنُواْ } أي: لا تظهروا إيمانكم بـ {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } أي: أسرّوا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا لأتباع دينكم. وقيل: المعنى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، بالمدّ على الاستفهام تأكيداً للإنكار الذي قالوه أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، فتكون على هذا "أن"، وما بعدها في محل رفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره تصدّقون بذلك، ويجوز أن تكون في محل نصب على إضمار فعل تقديره تقرون أن يؤتى، وقد قرأ: «آن يؤتى» بالمدّ ابن كثير، وابن محيصن، وحميد. وقال الخليل: "أن" في موضع خفض، والخافض محذوف. وقال ابن جريج: المعنى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى؛ وقيل: المعنى: لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من تبع دينكم، لئلا يكون ذلك سبباً لإيمان غيرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله: {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } ثم قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } أي: إن البيان الحق بيان الله بين أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم على تقدير "لا" كقوله تعالى: {أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] أي: لئلا تضلوا، و«أو» في قوله: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } بمعنى حتى، وكذلك قال الكسائي، وهي عند الأخفش عاطفة، كما تقدّم. وقيل: إن هدى الله بدل من الهدى، وأن يؤتى خبر إن على معنى قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. وقد قيل: إن هذه الآية أعظم آي: هذه السورة إشكالاً، وذلك صحيح. وقرأ الحسن: "يؤتى" بكسر التاء الفوقية. وقرأ سعيد بن جبير "إن يؤتى" بكسر الهمزة على أنها النافية. وقوله: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } قيل: هي النبوّة، وقيل: أعم منها، وهو ردّ عليهم ودفع لما قالوه، ودبروه. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سفيان قال: كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب، فهو في النصارى، ويدفع هذا أن كثيراً من خطابات أهل الكتاب المذكورة في هذه السورة لا يصحّ حملها على النصارى ألبتة، ومن ذلك هذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها، فإن الطائفة التي ودّت إضلال المسلمين، وكذلك الطائفة القائلة: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} هي: من اليهود خاصة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } قال: تشهدون أن نعت نبيّ الله محمد في كتابكم، ثم تكفرون به، وتنكرونه، ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، والإنجيل النبيّ الأمّي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع مثله. وأخرجا أيضاً، عن السدي نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج: {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } على أن الدين عند الله الإسلام ليس لله دين غيره. وأخرجا عن الربيع في قوله: {لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } يقول: لم تخلطون اليهودية، والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام: {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ } يقول: تكتمون شأن محمد، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة مثله. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيف وعدّي بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد، وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون، كما نصنع، فيرجعون عن دينهم، فأنزل الله فيهم: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } إلى قوله: {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة من طريق أبي ظبيان، عن ابن عباس في قوله: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ } الآية، قال: كانوا يكونون معهم أول النهار، ويجالسونهم، ويكلمونهم، فإذا أمسوا، وحضرت الصلاة كفروا به، وتركوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } قال: هذا قول بعضهم لبعض. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج أيضاً عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } حسداً من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادة أن يتابعوا على دينهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك، وسعيد بن جبير: {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي؛ قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } يا أمة محمد: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } يقول اليهود: فعل الله بنا كذا، وكذا من الكرامة حتى أنزل علينا المنّ، والسلوى، فإن الذي أعطيتكم أفضل، فقولوا {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } يقول لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم، وبعث نبياً كنبيكم حسدتموه على ذلك {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء }. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } يقول: هذا الأمر الذي أنعم الله عليه {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } قال: قال بعضهم لبعض لا تخبروهم بما بين الله لكم في كتابه لـ {يُحَاجُّوكُم} قال: ليخاصموكم به {عِندَ رَبّكُمْ } فتكون لهم حجة عليكم: {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } قال: الإسلام {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } قال: القرآن، والإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } قال: النبوّة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: رحمته الإسلام يختص بها من يشاء.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَهل الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: وأنتم تشهدون بما يدل على صحتها من كتابكم الذي فيه البشارة بها، وهذا قول قتادة، والربيع، والسدي. والثاني: وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء التي تقرون بها. والثالث: وأنتم تشهدون بما عليكم فيه الحجة. قوله تعالى: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} فيه تأويلان: أحدهما: تحريف التوارة والإنجيل،وهذا قول الحسن، وابن زيد. والثاني: الدعاء إلى إظهار الإسلام في أول النهار والرجوع عنه في آخره قصداً لتشكيك الناس فيه، وهذا قول ابن عباس، وقتادة. والثالث: الإيمان بموسى وعيسى والكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ} يعني ما وجدوه عندهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، والبشارة به في كتبهم عناداً من علمائهم. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} يعني الحق بما عرفتموه من كتبكم. قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبعَ دِينَكُمْ} فيه قولان: أحدهما: معناه لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم. والثاني: لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم. واخْتُلِفَ في تأويل ذلك على قولين: أحدهما: أنهم كافة اليهود، قال ذلك بعضهم لبعض، وهذا قول السدي، وابن زيد. والثاني: أنهم يهود خبير قالوا ذلك ليهود المدينة، وهذا قول الحسن. واختلف في سبب نهيهم أن يؤمنوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينهم على قولين: أحدهما: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاً يكون طريقاً لعبدة الأوثان إلى تصديقه، وهذا قول الزجاج. والثاني: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاَّ يعترفوا به فيلزمهم العمل بدينه لإقرارهم بصحته. {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} فيه قولان: أحدهما: أن في الكلام حذفاً، وتقديره: قل إن الهدى هدى الله ألاَّ يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم أُّيها المسلمون، ثم حذف "لا" من الكلام لدليل الخطاب عليها مثل قوله تعالى: {أية : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا} تفسير : [النساء:176] أي لا تضلوا، وهذا معنى قول السدى، وابن جريج. والثاني: أن معنى الكلام: قل إن الهدى هدى الله فلا تجحدوا أن يُؤْتى أحد مثل ما أوتيتم. {أَوْ يُحَآجُّوكُم عِندَ رَبِّكُم} فيه قولان: أحدهما: يعني ولا تؤمنوا أن يُحَاجّوكم عند ربكم لأنه لا حجة لهم، وهذا قول الحسن، وقتادة. والثاني: إن معناه حتى يُحَاجُّوكم عند ربكم، على طريق التبعيد، كما يقال: لا تلقاه أو تقوم الساعة، وهذا قول الكسائي، والفراء. قوله تعالى:{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ} فيه قولان: أحدهما: أنها النبوة، وهو قول الحسن، ومجاهد، والربيع. والثاني: القرآن والإسلام، وهذا قول ابن جريج. واختلفوا في النبوة هل تكون جزاءً على عمل؟ على قولين: أحدهما: أنها جزاء عن استحقاق. والثاني: أنها تفضل لأنه قال:{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ}.

ابن عطية

تفسير : أخبر الله تعالى عن طائفة أنها تود وتشتهي أن تضل المسلمين، أي تتلفهم عن دينهم وتجعلهم في ضلال ثم فسر الطائفة بقوله: {من أهل الكتاب} فتحتمل {من} أن تكون للتبعيض، وتكون الطائفة الرؤساء والأحبار الذين يسكن الناس إلى قولهم، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس وتكون الطائفة جميع أهل الكتاب، وقال الطبري: {يضلونكم} معناه يهلكونكم، واستشهد ببيت جرير. شعر : كنْتَ القَذَى في موج أَخْضَرَ مُزْبدٍ قذف الأتيُّ بِهِ فَضَلَّ ضلالا تفسير : وقول النابغة: [الطويل] شعر : فآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ تفسير : وهذا تفسير غير خاص باللفظة وإنما اطرد له هذا الضلال في الآية وفي البيتين اقترن به هلاك، وأما أن تفسر لفظة الضلال بالهلاك فغير قويم، قوله تعالى: {وما يضلون إلا أنفسهم} إعلام بأن سوء فعلهم عائد عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالون، ثم أعلم أنهم لا يشعرون أنهم لا يصلون إلى إضلالكم. ثم وقفهم تعالى موبخاً لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والمعنى: قل لهم يا محمد، لأي سبب تكفرون بآيات الله التي هي آية القرآن؟ وأنتم تشهدون أن أمره وصفة محمد الذي هو الآتي به في كتابكم، قال هذا المعنى قتادة وابن جريج والسدي، وتحتمل الآية أن يريد "بالآيات" ما ظهر على يدي محمد عليه السلام من تعجيز العرب والإعلام بالغيوب وتكلم الجماعات وغير ذلك و {تشهدون} على هذا يكون بمعنى تحضرون وتعاينون، والتأويل الأول أقوى لأنه روي أن أهل الكتاب كانوا قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم يخبرون بصفة النبي الخارج وحاله، فلما ظهر كفروا به حسداً، فإخبارهم المتقدم لظهوره هو الشهادة التي وقفوا عليها، قال مكي: وقيل إن هذه الآيات عني بها قريظة والنضير وبنو قينقاع ونصارى نجران. وقوله تعالى: {لم تلبسون الحق} معناه تخلطون، تقول لبست الأمر بفتح الباء بمعنى خلطته، ومنه قوله تعالى: {أية : وللبسنا عليهم ما يلبسون} تفسير : [الأنعام: 9] وتقول: لبست الثوب بكسر الباء، قال ابن زيد: {الحق} الذي لبسوه هو التوراة المنزلة، و"الباطل" الذي لبسوه به هو ما كتبوه بأيديهم ونسبوه إلى التوراة، وقال ابن عباس: {الحق} إسلامهم بكرة، و"الباطل" كفرهم عشية، والآية نزلت في قول عبد الله بن الصيف وعدي بن زيد والحارث بن عوف، تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وجه النهار، ونكفر آخره، عسى أن نلبس على المسلمين أمرهم، وقال قتادة وابن جريج: {لم تلبسون الحق بالباطل} معناه لم تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام. قال الفقيه الإمام أبو محمد: فكأن هذا المعنى لم تبقون على هذه الأديان وتوجدونها؟ فيكون في ذلك لبس على الناس أجمعين، وقال بعض المفسرين: {الحق} الذي لبسوه قولهم: محمد نبي مرسل، و"الباطل" الذي لبسوه به قول أحبارهم: لكن ليس إلينا بل ملة موسى مؤبدة، وقوله تعالى: {وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} يريد شأن محمد صلى الله عليه وسلم، كذلك قال الربيع وابن جريج وقتادة وغيرهم، وفي قوله: {وأنتم تعلمون} توقيف على العناد ظاهر، قال أبو إسحاق الزجّاج: ولو قيل وتكتموا الحق لجاز على قولك، لم تجمعون ذا وذا، على أن تكتموا في موضع نصب على الصرف في قول الكافرين، وبإضمار "أن"، في قول أصحابنا، قال أبو علي: الصرف ها هنا يقبح، وكذلك إضمار "أن"، لأن {تكتمون}، معطوف على موجب، فليست الآية بمنزلة قولهم: أتأكل السمك وتشرب اللبن، وبمنزلة قولك أتقوم فأقوم والعطف على الموجب مقرر وليس بمستقيم عنه، وإنما استفهم عن السبب في اللبس، واللبس موجب، والعطف على الموجب المقرر قبيح متى نصب إلا في ضرورة شعر كما روي: [الرجز] شعر : وألحقُّ بالحِجَازِ فاسْتَرِيحَا تفسير : وقد قال سيبويه في قولك: أسرت حتى تدخل المدينة؟ لا يجوز إلا النصب في تدخل، لأن السير مستفهم عنه غير موجب، وإذا قلت: أيهم سار حتى يدخلها؟ رفعت، لأن السير موجب والاستفهام إنما وقع عن غيره.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم} نزلت في معاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم، فنزلت فيهم ودت طائفة أي تمنت جماعة من أهل الكتاب يعني اليهود لو يضلونكم يعني عن دينكم ويردونكم إلى الكفر {وما يضلون إلاّ أنفسهم} لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين {وما يشعرون} يعني أن وبال الإضلال يعود عليهم لأن العذاب يضاعف لهم بسبب ضلالهم وتمني إضلال المسلمين وما يقدرون على ذلك إنما يضلون أمثالهم وأتباعهم وأشياعهم {يا أهل الكتاب} الخطاب لليهود {لم تكفرون بآيات الله} يعني القرآن. وقيل المراد بآيات الله الواردة في التوراة والإنجيل من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وسبب كفرهم بالتوراة والإنجيل على هذا القول هو تحريفهم وتبديلهم ما فيها من بيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته والبشارة بنبوته لأنهم ينكرون ذلك، {وأنتم تشهدون} يعني أن نعته وصفته مذكور في التوراة والإنجيل، وذلك أن أحبار اليهود كانوا يكتمون الناس نعته وصفته فإذا خلا بعضهم ببعض أظهروا ذلك فيما بينهم وشهدوا أنه حق يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل، وذلك أن علماء اليهود والنصارى كانوا يعلمون بقلوبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله وأن دينه حق، وكانوا ينكرون ذلك بألسنتهم وكانوا يجتهدون في إلقاء الشبهات والتشكيكات، وذلك أن الساعي في إخفاء الحق لا يقدر على ذلك إلاّ بهذه الأمور فقوله تعالى: {لم تلبسون الحق بالباطل} معناه تحريف التوراة وتبديلها فيخلطون المحرف الذي كتبوه بأيديهم بالحق المنزل وقيل هو خلط الإسلام باليهودية والنصرانية وذلك أنهم تواطؤوا على إظهار الإسلام في أول النهار والرجوع عنه في آخره، والمراد بذلك تشكيك الناس وقيل إنهم كانوا يقولون: إن محمداً صلى الله عليه وسلم معترف بصحة نبوة موسى وإنه حق ثم إن التوراة دالة على أن شرع موسى لا ينسخ فهذا من تلبيساتهم على الناس {وتكتمون الحق} يعني نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته في التوراة {وأنتم تعلمون} يعني أنه رسول من عند الله وأن دينه حق وإنما كتمتم الحق عناداً وحسداً وأنتم تعلمون ما تستحقون على كتمان الحق من العقاب. قوله عز وجل: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} وهذا نوع آخر من تلبيسات اليهود، وقيل تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون اعتقاد القلب ثم اكفروا آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا أن محمداً ليس هو بذلك المنعوت وظهر لنا كذبه فإذا فعلتكم ذلك شك أصحاب محمد في دينه واتهموه وقالوا: إنهم أهل الكتاب وأعلم به منا فيرجعون عن دينهم وقيل: هذا شأن القبلة وذلك أنه لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الأشرف لأصحابه آمنوا بالذي أنزل على محمد في أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار لعلهم يرجعون فيقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على سرهم وأنزل هذه الآية، ووجه النهار أوله والوجه مستقبل كل شيء لأنه أول ما يواجه منه وأنشدوا في معناه: شعر : من كان مسروراً بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار تفسير : وقوله {لعلهم يرجعون} يعني عنه أي إنا ألقينا هذه الشبهة لعلهم يشكون في دينهم فيرجعون عنه ولما دبروا هذه الحيلة أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بها فلم تتم لهم ولم يحصل لها أثر في قلوب المؤمنين ولولا هذا الإعلام من الله تعالى لكان ربما أثر ذلك في قلوب بعض من كان في إيمانه ضعف.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ}، قال مَكِّيٌّ: قِيلَ: إن هذه الآية عُنِيَ بها قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وبَنُو قَيْنُقَاع، ونَصَارَىٰ نَجْرَانَ. * ص *: قوله تعالى: {وَدَّت طَّائِفَةٌ}: وَدَّ: بمعنَىٰ تَمَنَّىٰ، ويستعملُ معها: «أَنْ، ولَوْ»، ورُبَّمَا جمع بينهما نَحْوُ: «وَدِدتُّ أَنْ لَوْ فَعَلَ»، ومصدره الوَدَادَةُ، والاسْم منه الوُدُّ، وبمعنى: أَحَبَّ، فيتعدَّىٰ كتَعَدِّي أَحَبَّ، ومصدره: مَوَدَّة، والاسم منه وُدٌّ، وقد يتداخَلاَنِ في الاسم والمصدر اهـــ. وقوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ}: إعلامٌ بأن سوء فعلهم عائدٌ عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالُّون، ثم أَعْلَمَ تعالَىٰ؛ أنهم لا يشعُرُونَ بذلك، أي: لا يتفطَّنون، ثم وقفهم تعالَىٰ موبِّخاً لهم علَىٰ لسان نبيِّه، والمعنَىٰ: قُلْ لهم، يا محمَّدُ: لأيِّ سببٍ تكفرون بآياتِ اللَّه التي هي آياتُ القرآن، وأنتم تَشْهَدُونَ؛ أنَّ أمره وَصِفَةَ محمَّد في كتابكم؛ قال هذا المعنَىٰ قتادةُ وغيره. ويحتملُ أنْ يريد بالآياتِ ما ظَهَرَ علَىٰ يده صلى الله عليه وسلم من المعجزات. قُلْتُ: ويحتملُ الجميع من الآيات المتلوَّة والمعجزات التي شَاهَدُوها منه صلى الله عليه وسلم. وقال * ص *: {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ}: جملةٌ حاليَّةٌ، ومفعول «تَشْهَدُونَ»: محذوفٌ، أي: أنها آيات اللَّه، أو ما يدلُّ على صحَّتها من كتابكم، أوْ بمثلها من آيات الأنبياء. اهـــ. وقوله: {لِمَ تَلْبِسُونَ}: معناه: تَخْلِطُونَ: تَقُولُ: لَبَسْتُ الأَمْرَ؛ بفتح الباءِ: بمعنى خَلَطْتُهُ؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } تفسير : [الأنعام:9]. وفي قوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} توقيفٌ علَى العنادِ ظاهرٌ. وباقى الآية تقدَّم بيانه في «سورة البقرة».

ابن عادل

تفسير : في "مِن" وجهان: أظهرهما: أنها تبعيضيَّة. والثاني: أنها لبيان الجنس. قال ابن عطيَّة: ويعني أن المراد بـ "طائفة" جميع أهل الكتاب، قال أبو حيّان: وهذا بعيد من دلالة اللفظ، وهذا الجار - على القول بأنها تبعيضية - في محلّ رفع، صفة لِـ "طَائِفَةٌ"، وعلى القول بأنها بيانية تعلق بمحذوف. وقوله: تقدم أنه يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون على بابها - من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره. قال أبو مُسْلِم الأصبهاني: "وَدَّ" بمعنى تَمَنَّى، فيستعمل معها "لو" و "أن" وربما جُمِع بينهما، فَيُقَالُ: وددت أن لو فعلت، ومصدره الودادة، والاسم منه وُدّ وبمعنى "أحَبَّ" فيتعدَّى "أحَب" والمصدر المودة، والاسم منه ود وقد يتداخلانِ في المصدر والاسم. وقال الراغب: "إذا كان بمعنى "أحب" لا يجوز إدخال "لو" فيه أبداً". وقال الرمانيُّ: "إذا كان "وَدَّ" بمعنى تمنَّى صلُح للحال والاستقبال [والماضي، وإذا كان بمعنى الهمة والإرادة لم يصلح للماضي؛ لأن الإرادة لاستدعاء الفعل، وإذا كان للحال والمستقبل جاز وتجوز "لَوْ"، وإذا كان للماضي لم يجز "أنْ" لأن "أن" للمستقبل]. وفيه نظرٌ، لأن "أن" تُوصَل بالماضي. فصل لما بَيَّن - تعالى - أن من طريقة أهل الكتاب العدولَ عن الحق، والإعراضَ عن قبول الحجة بيَّن - هنا - أنهم لا يقتصرون على هذا القدر، بل يجتهدون في إضلال المؤمنين بإلقاء الشبهات، كقولهم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم مُقرٌّ بموسَى وعيسَى، وكقولهم: إن النسخ يُفْضِي إلى البداء والغرض منه: تنبيه المؤمنين على ألاَّ يَغْتَرُّوا بكلام اليهودِ، ونظيرُه قولُه تعالى في سورة البقرة: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً} تفسير : [البقرة: 109]، وقوله: {أية : وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} تفسير : [النساء: 89]. فصل قيل: نزلت هذه الآية في معاذ بن جبلٍ وعمارِ بن ياسرٍ وحُذَيفَةَ حين دعاهم اليهود إلى دينهم، فنزلت. "ودت" تمنَّت طَائِفَةٌ جماعة {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} يعني اليهود {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ}، ولم يَقُلْ: أن يضلوكم؛ لأن "لو" أوفق للتمني؛ فإن قولك: لو كان كذا، يفيد التمني، ونظيره قوله: {أية : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} تفسير : [البقرة: 96]، ثم قال تعالى: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} وهو يحتمل وجوهاً منها: إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على قَصْدِهم إضلال الغير، كقوله: {أية : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 57]، وقوله: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13]، وقوله: و {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ} تفسير : [النحل: 25]. ومنها: إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى والحق؛ لأن الذاهب عن الاهتداء ضالّ. [ومنها: أنهم اجتهدوا في إضلال المؤمنين، ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا إليهم، فهم قد صاروا خائبين خاسرين؛ حيث اعتقدوا شيئاً، ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوَّروه]. ثم قال تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ}، أي: وما يعلمون أن هذا يَضُرُّهم، ولا يضر المؤمنين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان قال: كل شيء في آل عمران من ذكر اهل الكتاب فهو في النصارى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} قال: تشهدون أن نعت نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم في كتابكم ثم تكفرون به، وتنكرونه، ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. النبي الأمي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع. مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله} قال: محمد {وأنتم تشهدون} قال: تشهدون أنه الحق تجدونه مكتوباً عندكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {لم تكفرون بآيات الله} قال: بالحجج {وأنتم تشهدون} ان القرآن حق، وأن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج {لمَ تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} على أن الدين عند الله الإسلام، ليس لله دين غيره. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {لمَ تلبسون الحق بالباطل} يقول: لمَ تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام {وتكتمون الحق} يقول: تكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة. مثله. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عبدالله بن الضيف، وعدي بن زيد، والحرث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم. فأنزل الله فيهم {يا أهل الكتاب لمَ تلبسون الحق بالباطل} إلى قوله {والله واسع عليم}. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك قال: قالت اليهود بعضهم لبعض: آمنوا معهم بما يقولون أول النهار وارتدوا آخره لعلهم يرجعون معكم. فاطلع الله على سرهم، فأنزل الله تعالى {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل...} الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وقالت طائفة من أهل الكتاب} الآية. قال: كان أحبار قرى عربية إثنى عشر حبراً فقالوا لبعضهم: أدخلوا في دين محمد أول النهار وقولوا: نشهد أن محمداً حق صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا، وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم فحدثونا: أن محمداً كاذب، وإنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم لعلهم يشكون فيقولون: هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم! فأخبر الله رسوله بذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {وقالت طائفة...} الآية. قال: أن طائفة من اليهود قالت: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا لعلهم ينقلبون عن دينهم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس في قوله {وقالت طائفة...} الآية. قال: كانوا يكونون معهم أول النهار ويجالسونهم ويكلمونهم، فإذا أمسوا وحضرت الصلاة كفروا به وتركوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} يهود تقوله، صلت مع محمد صلاة الفجر، وكفروا آخر النهار مكراً منهم ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد إذ كانوا اتبعوه. وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله {وجه النهار} قالا: أول النهار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} قال: هذا قول بعضهم لبعض. وأخرج ابن جرير عن الربيع. مثله. وأخرج ابن جرير عن السدي {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} قال: لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كانت اليهود تقول أحبارها للذين من دينهم: ائتوا محمداً وأصحابه أول النهار فقولوا نحن على دينكم، فإذا كان بالعشي فأتوهم فقولوا لهم: إنا كفرنا بدينكم ونحن على ديننا الأول، إنا قد سألنا علماءنا فأخبرونا أنكم لستم على شيء. وقالوا لعل المسلمين يرجعون إلى دينكم فيكفرون بمحمد {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} فأنزل الله {قل إن الهدى هدى الله}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} حسداً من يهود أن تكون النبوّة في غيرهم، وإرادة أن يتابعوا على دينهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك وسعيد بن جبير {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} قالا: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال الله لمحمد {قل إن الهدى هدى الله}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: قال الله لمحمد {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} يا أمة محمد {أو يحاجوكم عند ربكم} يقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة حتى أنزل علينا المن والسلوى، فإن الذي أعطاكم أفضل فقولوا {إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} يقول: لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم، وبعث نبياً كنبيكم حسدتموه على ذلك {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء}. وأخرج ابن جرير عن الربيع. مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} يقول: هذا الأمر الذي أنتم عليه مثل ما أوتيتم {أو يحاجُّوكم عند ربكم} قال: قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بينَّ الله لكم في كتابه {يحاجُّوكم} قال: ليخاصموكم به عند ربكم، فتكون لهم حجة عليكم {قل إن الفضل بيد الله} قال: الإسلام {يختص برحمته من يشاء} قال: القرآن والإسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {يختص برحمته من يشاء} قال: النبوّة يختص بها من يشاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن {يختص برحمته من يشاء} قال: رحمته الإسلام. يختص بها من يشاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {ذو الفضل العظيم} يعني الوافر.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ}. من حلَّت به فتنة، وأصابته محنة، واستهوته غواية - رَضِي لجميع الناس ما حلَّ به، فأهل الكتاب يريدون بالمؤمنين أن يزيغوا عن الحق، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره، وأن يعودَ إليهم وبالُ فعلهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ودت طائفة من اهل الكتاب} اى احبت {لو} اى ان {يضلونكم} يصرفونكم عن دين الاسلام الى دين الكفر وانما قال طائفة لان من اهل الكتاب امة قائمة يتولن آيات الله {وما يضلون الا انفسهم} جملة حالية جيىء بها للدلالة على كمال رسوخ المخاطبين وثباتهم على ما هم عليه من الدين القويم اى وما يتخطاهم الاضلال ولا يعود وباله الا اليهم لما انه يضاعف به عذابهم {وما يشعرون} اى باختصاص وباله وضرره بهم. اعلم انه تعالى لما بين ان من طريقة اهل الكتاب العدول عن الحق والاعراض عن قبول الحجة بين انهم لا يقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون فى اضلال من آمن بالرسول عليه السلام بالقاء الشبهات. فعلى العاقل ان لا يضل عن الطريق القويم بالقاآت كل شيطان رجيم من ضلال الانس والجان اصلحهم الله الملك المنان وماذا بعد الحق الا الضلال. قال ابن مسعود رضى الله عنه "حديث : لما دنا فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعنا فى بيت أمنا عائشة رضى الله عنها ثم نظر الينا فدمعت عيناه وقال "مرحبا بكم حياكم الله رحمكم الله اوصيكم بتقوى الله وطاعته قد دنا الفراق وحان المنقلب الى الله والى سدرة المنتهى والى جنة المأوى يغسلنى رجال اهل بيتى ويكفوننى فى ثيابى هذه ان شاؤا او فى حلة يمانية فاذا غسلتمونى وكفنتمونى ضعونى على سريرى فى بيتى هذا على شفير لحدى ثم اخرجوا عنى ساعة فاول من يصلى على حبييى جبريل عليه السلام ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم ملك الموت مع جنودهم ثم ادخلوا على فوجا فوجا صلوا على" فلما سمعوا فراقة صاحوا وبكوا وقالوا يا رسول الله انت رسول ربنا وشمع جمعنا وسلطان امرنا اذا ذهبت عنا فالى من تراجع فى امورنا قال "تركتكم على المحجة البيضاء""تفسير : اى على طريق الواسع الواضح ليلها كنهارها فى الوضوح ولا يزيغ بعدها الى غيرها الا هالك "حديث : وتركت لكم واعظين ناطقا وصامتا فالناطق القرآن والصامت الموت فاذا اشكل عليكم امر فارجعوا الى القرآن والسنة واذا قسا قلبكم فلينوه بالاعتبار فى احوال الاموات" شعر : جهان اى بسر جاويد نيست زدنيا وفادارى اميد نسيت تفسير : والناس فى الاعتقاد والعمل متفاوتون. فمنهم من هو متين كالحصن الحصين لا يزول عما هو عليه وان اتفق الناس فى اضلاله وهو المرتبة القصوى فى باب الدين التى نالها الانبياء والاولياء والافراد من المؤمنين قال على كرم الله وجهه [لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا] ولا يطرأ الشك فى المحسوس فكذا ما هو فى الحكمة. ومنهم من هو ضعيف لامتانة فيه تذروه رياح الهوى حيث شاءت بعد ان لم تساعد له العناية الازلية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الناس كمعادن الذهب والفضة ".تفسير : يعنى ان الناس معادن الاعمال والاخلاق والاقوال ولكن يتفاوتون فيها كما تتفاوت معادن الذهب والفضة الى ان تنتهى الى الادنى فالادنى. قال فى شرح المصباح وفيه اشارة الى ان ما فى معادن الطباع من جواهر مكارم الاخلاق ينبغى ان تستخرج برياضة النفوس كما يستخرج الجواهر من المعادن بالمقاساة والتعب ولقد اجاد من قال شعر : بقدر الكد تكتسب المعالى ومن طلب العلى سهر الليالى تروم العز ثم تنام ليلا يغوص البحر من طلب اللآلى تفسير : فلا بد من الاجتهاد والاستمداد من الابدال والاوتاد لعل الله يسهل سلوك هذا الطريق ويخلص من خطر هذا البحر العميق شعر : بارى كه آسمان وزمين سر كشيد ازان مشكل بود بياورىء جسم وجان كشيد همت قوى كن ازمدد رهروان عشق كان باررا بقوت همت توان كشيد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {لو}: مصدرية، أي: تمنوا إضلالكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: لبعض المسلمين - وهم حذيفة وعمار ومعاذ - دعاهم اليهود إلى دينهم وطمعوا فيهم: {ودت طائفة} أي: تمنت طائفة {من أهل الكتاب لو يُضلونكم} أي: يفتنونكم عن دينكم، ويتلفونكم عن طريق الحق، {وما يُضلون إلا أنفسهم}؛ لأن المسلمين لا يقبلون ذلك منهم، فرجع الضلال عليهم، وعاد وباله إليهم، وتضاعف عذابه عليهم، {وما يشعرون} أن وباله راجع إليهم. ثم صرّح الحق تعالى بعتابهم، فقال: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} المنزلة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتجحدون رسالته؟ {وأنتم تشهدون} أنها من عند الله، وأنه نبيّ الله، وهو منعوت عندكم في التوراة والإنجيل، والمراد أحبارهم، أو تشهدون أنه نبيّ الله بالمعجزات الواضحات. {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل} بالتحريف وإبراز الباطل في صورة الحق، حتى كتمتم نعت محمد وحرفتموه، وأظهرتم موضعه الباطل الذي سولت لكم أنفسكم؟ {وتكتمون الحق}؛ نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، {وأنتم تعلمون} أنه رسول الله حقّاً وأن دينه حق، أو: وأنتم عالمون بكتمانكم. الإشارة: ترى كثيراً من أهل الرئاسة والجاه من أولاد الصالحين، وممن ينتسب لهم، إذا رأوا من ظهر بالخصوصية في زمانهم يتمنون إضلالهم وإطفاء أنوارهم، خوفاً على زوال رئاستهم، {وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون}،{أية : وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}تفسير : [الصف: 8]، وهذه نزعة يهودية سببها الحسد، والحسود لا يسود، وبعضهم يتحقق بخصوصية غيرهم، فيكتمها وهو يشهد بصحتها، فيقال لهم: {لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون}؟ و {لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون}؟

الطوسي

تفسير : اللغة: معنى ودت: تمنت وإذا كانت بمعنى التمني، فهي تصلح للماضي والحاضر والمستقبل فلذلك جاز بـ (لو) وليس كذلك المحبة والارادة، لأنهما لا يتعلقان إلا بالمستقبل فلا يجوز أن يكون بمعنى أرادت {لو يضلونكم} كما يجوز ودت {لو يضلونكم}، لأن الارادة تجري مجرى الاستدعاء إلى الفعل أو مجرى العلة في ترتيب الفعل، فأما التمني، فهو تقدير شيء في النفس يستمتع بتقريره. والفرق بين ودّ لو يضله، وبين ود أن يضله: أن (أن) للاستقبال وليس كذلك (لو) وقوله: {لو يضلونكم} فالاضلال: الاهلاك بالدخول في الضلال. وأصل الضلال الهلاك من قوله: {أية : أئذا ضللنا في الأرض}تفسير : أي هلكنا. المعنى: وقوله: {وما يضلون إلا أنفسهم} قيل فيه قولان: أحدهما - أن المؤمنين لا يقبلون ما يدعونهم إليه من ترك الاسلام إلى غيره من الاديان فيحصل عليهم حينئذ الأثم والوبال، والاستدعاء إلى الضلال. والثاني - {وما يضلون إلا أنفسهم} بفعل الضلال كما يقال ما أهلك إلا نفسه أي لا يعتد بهلاك غيره في عظم هلاكه. اللغة: والفرق بين أضله عن الطريق وبين أخرجه عن الطريق: أن أضله عنه يكون بالاستدعاء إلى غيره دون فعل الضلال. واخرجه عنه قد يكون بفعل الخروج منه. والفرق بين الاضلال والاستدعاء إلى الضلال أن الاضلال لا يكون إلا إذا قبل المدعو، فأما الاستدعاء إلى الضلال، فيكون، قبل المدعو أم لم يقبل. وحقيقة الاضلال: الدعاء إلى الضلال الذي يقبله المدعو. وقال بعضهم: إنه لا يصح إضلال أحد بغيره. وإنما يقال ذلك على وجه المجاز ذهب إلى أنه يفعل فعل الضلال في غيره، لأنه لا يوصف بأنه مضل لغيره إلا إذا أضل المدعو باغوائه. قال الرماني: وهذا غير صحيح، لأنه يذم بالاستدعاء إلى الضلال الذي يقبله المدعو أكثر مما يذم بالاستدعاء إلى الضلال الذي لا يقبله المدعو، فلذلك فرق بين الاستدعاءين فوصف أحدهما بالاضلال ولم يوصف الآخر.

الجنابذي

تفسير : {وَدَّت} كلام منقطع عن سابقه كأنّه اراد بعد تسفيه اهل الكتاب وتشريف المؤمنين ان يهيّجهم لئّلا يغترّوا باضلال اهل الكتاب فقالت: ودّت {طَّآئِفَةٌ} قليلة لانّ أكثرهم كالبهائم لا يتنبّهون بضلال واضلال وهداية {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} اى اضلالكم {وَمَا يُضِلُّونَ} بارادة اضلال المؤمنين {إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} فانّ الضّالّ اذا اراد اضلال الغير اشتدّ ضلال نفسه فهو باضلال الغير يضلّ نفسه {وَمَا يَشْعُرُونَ} انّهم فى اضلال الغير ومنعه عن الخير يضلّون أنفسهم ويمنعونها عن خيرها، او ما يضلّون من المؤمنين الاّ أسناخهم فانّ من لم يكن من سنخهم من المؤمنين لا يضلّ باضلالهم، ومن يضلّ باضلالهم كان من سنخهم لانّه كان كافراً مثلهم وكان الايمان عرضاً معاراً لهم، او ما يضلّون وما يزيدون بارادة اضلال المؤمنين الاّ فى ضلال امثالهم من الكفّار فانّ الكافر اذا رأى وسمع اضلال قرينه للمؤمنين اشتدّ ضلاله.

الهواري

تفسير : قوله: {وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ} يعني من لم يؤمن منهم {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} أي بما يودّون من ذلك، لأن الذي يودّون من ذلك ضلال وكفر {وَمَا يَشْعُرُونَ}. ثم أقبل عليهم فقال: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} أي أنها آيات الله وأنه رسوله، يعني بذلك خاصة علمائهم. وقال بعضهم: وهم يشهدون أن نعت محمد في كتابهم، ثم يكفرون به وينكرونه. قال الحسن: ثم قال: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ} أي لِمَ تخلطون {الحَقَّ بِالْبَاطِلِ} أي تلبسون الإِسلام باليهودية والنصرانية في تفسير الحسن وغيره، وذلك لما حرفوا من التوراة والإِنجيل بالباطل الذي قبلوه عن الشيطان. {وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} قال الحسن: تعلمون أن محمداً رسول الله وأن دينه حق. وقال غيره: كتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم. قوله: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ءَامِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} أي آمنوا بمحمد وجه النهار {وَاكْفُرُوا ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. قال الكلبي: كتبت يهودُ خيبرَ إلى يهود المدينة أن آمنوا بمحمّد أوّل النهار واكفروا آخره، أي: واجحدوا آخره، ولَبِّسوا على ضَعَفَة أصحابه حتى تشكِّكوهم في دينهم، فإنهم لا علم لهم، ولا دراسة يدرسونها، لعلّهم يرجعون عن محمد وعمّا جاء به. وقال مجاهد: صلّت اليهود مع النبي أول النهار صلاة الصبح، وكفرت آخره، مكراً منهم، ليرى الناس أنه قد بدت لهم [منه] الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه. وقال بعضهم: وجه النهار: أول النهار، صلاة الصبح. لعلهم يرجعون؛ أي: يَدَعون دينهم ويرجعون إلى الذين أنتم عليه.

اطفيش

تفسير : {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ}: {لو}: مصدرية وليست للتمنى، لأن التمنى إفادة لفظ {ودت}، ولأنه لو جعلت للتمنى لبقى {ودت} لا مفعول له مذكور، فهو مصدرية والمصدر مفعول ودت، وذلك أن جماعة من اليهود دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً - رضى الله عنهم - إلى اليهودية، وقيل: المراد بالطائفة، قريظة والنضير وبنو قينقاع، ونصارى نجران. {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ}: إذ المؤمنون لا يقبلون قول أهل الكتاب لضلالتهم، فإتم تمنيهم إضلال المؤمنين عائد عليهم، فقد أضلوا به أنفسهم، ويجوز أن يراد بـ {أنفسهم} أمثالهم احترازاً عن المؤمنين. {وَمَا يَشْعُرُونَ}: بأنهم أضَلُوا بهِ أنْفُسَهُمْ وأن العذاب يضاعف لهم بضلالتهم، وعملهم فى إضلال غيرهم.

اطفيش

تفسير : {وَدَّت} أحبت أو تمنت {طَّائفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} اليهود {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} لو مصدرية، أى إِضلالكم، أو ودت ضلالكم، لو يضلوكم لسرهم ذلك، فلو شرطية، أو بيان لتمنيهم، كأنهم قالوا، ليتنا أَضللناكم، فلو للتمنى {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} بالسعى فى إضلال غيرهم، إِذ لم يتابعوا، كما روى أن اليهود دعوا عمارا وحذيفة ومعاذا إِلى اليهودية فلم يوافقوهم، والآية تعم المسلمين، ولو خص سبب النزول بهؤلاء فسعيهم فى إضلال هؤلاء المسلمين زيادة فى إضلال أنفسهم، وذلك إخبار بالغيب، قيل لم يتهوَّد مسلم قط، أو ما يهلكون إلا أنفسهم، فذكر الإهلاك بذكر سببه وملزومه، وهو الإضلال، ووزره عليهم خاصة، أو لا يضلون عمارا ومن معه، بل يضلون أمثالهم من الأشقياء، أو يزيدون فى ضلالهم، أو يضلون من شارف الإضلال، فسمى الأمثال، أو من شارف بلفظ الأنفس كأنهم هم لعلاقة التمادى فى الكفر، ولما هاجر المسلمون إِلى النجاشى تبعهم عمرو بن العاص وعمارة بن أبى معيط فقالوا: جاءوا ليفسدوا دينك ويأخذوا ملكك، فجمع قسيسيه ورهابينه والترجمان، فسألهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا، إنه يأمر بالتوحيد ويأمر بالمعروف وحسن الجوار وصلة الرحم ونحو ذلك، وأنزل الله عليه القرآن، فقرأوا له الروم والعنكبوت والكهف ومريم، وقال عمرو: إنهم يشتمون عيسى، فسألهم، فقالوا: عبد الله ورسوله، فقال: ما خالفتم، ولو قدر ما يقذى العين، محمد على الحق، وهو وأصحابه حزب إِبراهيم، فقال عمرو: وما حزب إِبراهيم؟ قال: الذين اتبعوه، فنزل فى المدينة إِن أولى الناس الخ {وَمَا يَشْعُرُونِ} أن سعيهم فى إضلال المؤمنين لا يؤثر فيهم وأن عليهم وزر ذلك، مع أنهم لا ينالون مرادهم.

الالوسي

تفسير : {وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } المشهور أنها نزلت حين دعا اليهود حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية، فالمراد بأهل الكتاب اليهود، وقيل: المراد بهم ما يشمل الفريقين، والآية بيان لكونهم دعاة إلى الضلالة إثر بيان أنهم ضالون، وأخرج ابن المنذر عن سفيان أنه قال: كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب فهو في النصارى، ولعله جارٍ مجرى الغالب، و {مِنْ } للتبعيض، والطائفة رؤساؤهم وأحبارهم، وقيل: لبيان الجنس ـ والطائفة ـ جميع أهل الكتاب وفيه بعد، و {لَوْ } بمعنى أن المصدرية، والمنسبك مفعول ـ ودّ ـ وجوز إقرارها على وضعها، ومفعول ودّ محذوف، وكذا جواب {لَوْ } والتقدير: ودّت إضلالكم لو يضلونكم لسروا بذلك، ومعنى {يُضِلُّونَكُمْ } يردونكم إلى كفركم ـ قاله ابن عباس ـ أو يهلكونكم ـ قاله ابن جرير الطبري ـ أو يوقعونكم في الضلال ويلقون إليكم ما يشككونكم به في دينكم ـ قاله أبو علي ـ وهو قريب من الأول. {وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } الواو للحال، والمعنى على تقدير إرادة الإهلاك من الإضلال أنهم ما يهلكون إلا أنفسهم لاستحقاقهم بإيثارهم إهلاك المؤمنين سخط الله تعالى وغضبه، وإن كان المراد من الإهلاك الإيقاع في الضلال فيحتاج إلى تأويل لأن القوم ضالون فيؤدي إلى جعل الضال ضالاً فيقال: إن المراد من الإضلال ما يعود من وباله إما على سبيل المجاز المرسل، أو الاستعارة أي ما يتخطاهم الإضلال ولا يعود وباله إلا إليهم لما أنهم يضاعف به عذابهم، أو المراد بأنفسهم أمثالهم المجانسون لهم، وفيه على ما قيل: الإخبار بالغيب فهو استعارة أو تشبيه بتقدير أمثال أنفسهم إذ لم يتهود مسلم ـ ولله تعالى الحمد ـ وقيل: إن معنى/ إضلالهم أنفسهم إصرارهم على الضلال بما سولت لهم أنفسهم مع تمكنهم من اتباع الهدى بإيضاح الحجج، ولا يخلو عن شيء. {وَمَا يَشْعُرُونَ } أي وما يفطنون بكون الإضلال مختصاً بهم لما اعترى قلوبهم من الغشاوة ـ قاله أبو علي ـ وقيل: وما يشعرون بأن الله تعالى يعلم المؤمنين بضلالهم وإضلالهم، وفي نفي الشعور عنهم مبالغة في ذمهم.

ابن عاشور

تفسير : استئناف مناسبتُه قوله: {أية : فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} تفسير : [آل عمران: 64] - إلى قوله - {أية : إن أولى الناس بإبراهيم}تفسير : [آل عمران: 68] إلخ. والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، ولذلك عُبّر عنهم بطائفة من أهل الكتاب لئلاّ يتوهم أنهم أهل الكتاب الذين كانت المحاجة مَعهم في الآيات السابقة. والمراد بالطائفة جماعة منهم من قريظة، والنضير، وقَينُقاع، دَعَوا عمَّار بن ياسر، ومعاذَ بن جبل، وحذيفةَ بن اليمان، إلى الرجوع إلى الشرك. وجملة لو يضلونكم مبينة لمضمون جملة ودّت، على طريقة الإجمال والتفصيل. فلو شرطية مستعملة في التمنّي مجازاً لأنّ التمنّي من لوازم الشرط الامتناعي. وجواب الشرط محذوف يدل عليه فعل وَدّت تقديره: لو يضلونكم لحصل مودودهم، والتحقيق أنّ التمنّي عارض من عوارض لَوْ الامتناعية في بعض المقامات. وليس هو معنى أصلياً من معاني لو. وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى: {أية : يَودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة}تفسير : في سورة [البقرة: 96]. وقوله: {لو يضلونكم} أي ودّوا إضلالكم وهو يحتمل أنهم ودّوا أن يجعلوهم على غير هدى في نظر أهل الكتاب: أي يذبذبوهم، ويحتمل أنّ المراد الإضلال في نفس الأمر، وإن كان وُدُّ أهل الكتاب أن يهوّدوهم. وعلى الوجهين يحتمل قوله تعالى: {وما يضلون إلا أنفسهم} أن يكون معناه: إنهم إذا أضلوا الناس فقد صاروا هم أيضاً ضالين؛ لأنّ الإضلال ضلال، وأن يكون معناه: إنهم كانوا من قبل ضالين برضاهم بالبقاء على دين منسوخ وقوله: {وما يشعرون} يناسب الاحتمالين لأنّ العلم بالحالتين دقيق.

الواحدي

تفسير : {ودَّت طائفةٌ من أهل الكتاب لو يضلونكم} أراد اليهود أن يستزلُّوا المسلمين عن دينهم ويردُّوهم إلى الكفر، فنزلت هذه الآية. {وما يضلون إلاَّ أنفسهم} لأنَّ المؤمنين لا يقبلون قولهم، فيحصل الإِثم عليهم بتمنِّيهم إِضلال المؤمنين {وما يشعرون} أَنَّ هذا يضرُّهم ولا يضرُّ المؤمنين. {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} أَيْ: بالقرآن {وأنتم تشهدون} بما يدلُّ على صحَّته من كتابكم؛ لأنَّ فيه نعتَ محمَّدٍ عليه السَّلام وذكره. {يا أهل الكتاب لم تلبسون} ذُكر في سورة البقرة. {وقالت طائفة من أهل الكتاب...} الآية. وذلك أنَّ جماعةً من اليهود قال بعضهم لبعض: أظهروا الإِيمان بمحمَّدٍ والقرآنِ في أوَّل النَّهار، وارجعوا عنه في آخر النهار، فإنَّه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينه ويشكُّوا إذا قلتم: نظرنا في كتابكم فوجدنا محمَّداً ليس بذاك، فأطلع الله نبيَّه عليه السَّلام على سرِّ اليهود ومكرهم بهذه الآية. {ولا تؤمنوا} هذا حكايةٌ من كلام اليهود بعضهم لبعض. قالوا: لا تُصدِّقوا ولا تُقِرّوا بـ {أَنْ يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم} من العلم والحكمة، والكتاب، والحجَّة والمنِّ والسَّلوى، والفضائل والكرامات {إلاَّ لمن تبع دينكم} اليهوديَّة وقام بشرائعه، وقوله: {قل إنَّ الهدى هدى الله} اعتراضٌ بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله تعالى، وليس من كلام اليهود، ومعناه: إنَّ الدِّين دين الله، وقوله: {أو يحاجُّوكم} عطف على قوله: {أن يؤتى} والمعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجُّوكم عند ربكم؛ لأنَّكم أصحُّ ديناً منهم، فلا يكون لهم الحجَّة عليكم، فقال الله تعالى: {قل إنَّ الفضل بيد الله} أَيْ: ما تفضَّل الله به عليك وعلى أُمتِّك. {يختصُّ برحمته} بدينه الإِسلام {مَنْ يشاء والله ذو الفضل} على أوليائه {العظيم} لأنَّه لا شيءَ أعظمُ عند الله من الإِسلام، ثمَّ أخبر عن اختلاف أحوالهم في الأمانة والخيانة بقوله: {ومِنْ أهل الكتاب مَنْ إنْ تأمنه بقنطارٍ يؤدِّه إليك} يعني: عبد الله بن سلام، أُودع ألفاً ومائتي أوقية من ذهب، فأدَّى الأمانة فيه إلى مَنْ ائتمنه {ومنهم من إِنْ تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك} يعني: فنحاص بن عازوراء، أودع ديناراً فخانه {إلاَّ ما دمت عليه قائماً} على رأسه بالاجتماع معه، فإن أنظرته وأخَّرته أنكر. {ذلك} أَيْ: الاستحلال والخيانة {بأنَّهم} يقولون: {ليس علينا} فيما أصبنا من أموال العرب شيءٌ؛ لأنَّهم مشركون، فالأميُّون في هذه الآية العرب كلُّهم، ثمَّ كذَّبهم الله تعالى في هذا، فقال: {ويقولون على الله الكذب} لأنَّهم ادَّعوا أنَّ ذلك في كتابهم وكذبوا، فإنَّ الأمانة مؤدَّاة في كلِّ شريعة {وهم يعلمون} أَنَّهم يكذبون، ثمَّ ردَّ عليهم قولهم: {ليس علينا في الأُمييِّن سبيل}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ودت طائفة: أحبَّت فرقةٌ وهم الأحبار والرؤساء فيهم. لو يضلونكم: أي تمنَّوا إيقاعكم في الضلال لتشقوا وتهلكوا مثلهم. وما يشعرون: أي وما يدرُون ولا يعلمون بأنهم بمحاولة إضلال المؤمنين إنما هم يضلون أنفسهم حيث يتوغلون في الشر فيضاعف لهم العذاب. لبس الحق بالباطل: خلطه به كأنما كسا الباطل ثوب الحق وكسا الحق ثوب الباطل حتى لا يُعرف فيؤخذ به، ويهتدى عليه. معنى الآيات: يخبر تعالى عباده المؤمنين أن فرقة من أهل الكتاب تمنّت لو توقعكم في الضلال لتهلكوا والغالب أن هذه الطائفة تكون في رؤسائهم من أحبار وقسس وإن كان أغلب اليهود والنصارى يودون إضلال المسلمين حسداً لهم على الحق الذي هم عليه، وأخبر تعالى أنهم بتمنيهم هلاك المسلمين إنما يهلكون أنفسهم وما يدرون ذلك ولا يعلمون به وقال عز وجل: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}. هذا معنى الآية [69] أما الآية [70] فقد نادى الرب تعالى أهل الكتاب ليوبخهم وينعي عليهم ضلالهم فقال: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} أي لم تجحدون الآيات التي بها نعت الرسول وصفته لله في التوراة والإِنجيل والحال أنكم تشهدون أنها صفات الرسول ونعوته وأنها منطبقة عليه؟ أليس هذا قبحاً منكم وشراً تعود عاقبته عليكم؟ وفي الآية [71] وبخهم أيضاً على خلطهم الحق بالباطل حتى لا يعرف ويؤخذ به ويهتدى عليه فقال تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} وشنع عليهم بكتمانهم الحق الذي هو نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم المبينّة في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم فقال: {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه الحق من الله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان رغبة كثير من اليهود والنصارى في إضلال المسلمين وإهلاكهم. 2- عاقبة الشر والفساد تعود على صاحبها في نهاية الأمر. 3- قبح من يكتم الحق وهو يعرفه. 4- حرمة التدليس والتلبيس في كل شيء لا سيما في دين الله تعالى لإبعاد الناس عنه. 5- حرمة كتمان الحق في الشهادة وغيرها.

القطان

تفسير : ود الشيء: أحبه. طائفة: جماعة. أحبت طائفة من الأحبار والرؤساء ان يوقعوكم في الضلال بإلقاء الشبهات التي تشكّك في دينكم، وتردّكم الى ما كنتم عليه من الكفر، وهم الخاسرون من عملهم هذا بإصرارهم على الضلال. لكنهم لا يشعرون بسوء حالهم، ولا يدركون ان عاقبة سعيهم هذا لاحقة بهم. وقد نزلت هذه الآية عندما حاول بعض أحبار اليهود ان يدعوا حذيفة وعمّارا ومعاذ ابن جبل الى اليهودية.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَّآئِفَةٌ} {ٱلْكِتَابِ} (69) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَسَدِ اليَهُودِ لِلْمُؤْمِنينَ، وَرَغْبَتِهِمْ في إضْلالِهِمْ، وَصَرْفِهِمْ عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: إنَّ طَائِفَةً مِنْ أَحْبَارِ اليَهُودِ وَرُؤَسَائِهِمْ أحَبُّوا أنْ يُوقِعُوكُمْ فِي الضَّلاَلَةِ بإِلْقَاءِ الشُّبُهَاتِ التِي تُشَكِّكُكُمْ في دِينِكُمْ، وَتَرُدُّكُمْ إلى مَا كُنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ، وَلكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ يُضِلُّونَ أنْفُسَهُمْ، وَيُفْسِدُونَ فِطْرَتَهُمْ بِاخْتِيارِهِمْ، لأنَّهُمْ يَشْغَلُونَ أنْفُسَهُمْ فِي البَحْثِ عَنْ وَسِيلةٍ لإِضْلاَلِكُمْ فَيَصْرفُونَ أنْفُسَهُمْ عَنِ النَّظَرِ في طُرُقِ الهِدَايَةِ، وَلاَ يَشْعُرُونَ أنَّ مَكْرَهُمْ مُحِيقٌ بِهِمْ، وَأنَّ عَاقِبَةَ سَعْيِهِمْ لاَ تَضُرُّ المُؤْمِنينَ. وَدَّتْ - تَمَنَّتْ. الطَّائِفَةُ - الجَمَاعَةُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن المعنى "ودت" هو "تمنت" و"أحبت". ولماذا أحبوا أن يُضلوا المؤمنين؟ لأن المنحرف حين يرى المستقيم، يعرف أنه كمنحرف لم ينجح في أن يضبط حركته على مقتضى التكليف الإيماني لـ "افعل" و"لا تفعل"، أما الملتزم المؤمن فقد استطاع أن يضبط نفسه، وساعة يرى غير الملتزم إنساناً آخر ملتزماً، فإنه يحتقر نفسه, ويقول بينه وبين نفسه حسداً للمؤمن: لماذا وكيف استطاع هذا الملتزم أن يقدر على نفسه؟ ويحاول المنحرف أن يأخذ الملتزم إلى جانب الانحراف، وعندما لا يستطيع جذب الملتزم إلى الانحراف فهو يسخر منه، ويهزأ به، ويحاول أن يحتال عليه ليأخذه إلى جانب الانحراف. ألم يقل الله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ}تفسير : [المطففين: 29-33]. وهذا ما يحدث الآن عندما يرى أهل الانحراف إنساناً مؤمناً ذا استقامة، فيسخرون منه بكلمات كالتي تسمعها "خذنا على جناحك" أو يحاول النيل من إيمانه وعندما يعود أهل الانحراف إلى أهلهم فهم يروون بتندر كيف سخروا من المؤمنين، وكأنهم يحققون السعادة لهؤلاء الأهل بحكايات السخرية من الإنسان المؤمن، ويطمئن الحق المؤمنين بأن لهم يوماً يضحكون فيه من هؤلاء الكفار: {أية : فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ}تفسير : [المطففين: 34-35]. ويسأل الحق أهل الإيمان: {أية : هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [المطففين: 36]. أي قد عرفتم كيف أجازي بالعقاب أهل الكفر. لذلك فأولى الناس بإبراهيم هم المؤمنون برسالة محمد عليه الصلاة والسلام. ولا يفتأ بعض من أهل الكفر من محاولة جذب المؤمنين إلى الضلال. إنهم يحبون ذلك ويتمنونه، ولكن ليس كل ما يوده الإنسان يحدث، فالتمني هو أن يطلب الإنسان أمراً مستحيلاً أو عسير المنال، هم يحبون ذلك ولكن لن يصلوا إلى ما يريدون، يشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران: 69]. إنهم يتمنون إضلال المؤمنين، لكن هل يستطيعون الوصول إلى ذلك؟ لا: والمثال على ذلك هو ما فعله بعض أهل الكتاب من اليهود عندما ذهبوا إلى معاذ بن جبل وإلى حذيفة الصحابيين الجليلين، وذهبوا أيضاً إلى عمار الصحابي الجليل وحاولوا فتنة معاذ وحذيفة وعمار لكنهم لم يستطعوا. وعلينا أن نعرف أن "الضلال" يأتي على معان متعددة، فقد يأتي الضلال مرة بمعنى الذهاب والفناء في الشيء، مثل قوله الحق:{أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}تفسير : [السجدة: 10]. لقد تساءل المشركون "أبعد أن نذوب في الأرض وتتفكك عناصرنا الأولية نعود ثانية، ونُبعث من جديد؟". وقد يأتي الضلال مرة أخرى بمعنى عدم اهتداء الإنسان إلى وجه الحق، كما قال الحق وصفاً لرسوله صلى الله عليه وسلم عندما رفض عبادة الأصنام وظل يبحث عن المنهج الحق.{أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى: 7]. أي أنك يا محمد لم يعجبك منهج قريش في عبادة الأصنام، وظللت تبحث عن المنهج الحق، إلى أن هداك الله فأنزل إليك هذا المنهج القويم. لقد كنت ضالاً تبحث عن الهداية، فجاءتك النعمة الكاملة من الله. وهناك لون آخر من الضلال، وهو أن يتعرف الإنسان على المنهج الحق، لكنه ينحرف عنه ويتجه بعيداً عن هذا المنهج مثل قول الحق: {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 69]. ونتساءل: كيف يحدث إضلال النفس؟ وتكون الإجابة هي: أن الضال الذي يعرف المنهج وينكره إنما يرتكب إثماً، ويزداد هذا الإثم جُرماً بمحاولة الضال إضلال غيره، فهو لم يكتف بضلال ذاته بل يزداد ضلالاً بمحاولته إضلال غيره. وهذا القول الكريم قد حل لنا إشكالاً في فهم قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ..}تفسير : [فاطر: 18]. وفي فهم قوله - جل شأنه -: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}تفسير : [النحل: 25]. وهكذا نعرف أن الوزر في آية فاطر هو وزر الضلال في الذات والأوزار في سورة النحل هي لإضلال غيرهم فهولاء الضالون لا يكتفون بضلال أنفسهم، بل يزيدون من ضلال أنفسهم أوزاراً بإضلال غيرهم، فهم بذلك يزدادون ضلالاً مضافاً إلى أنهم يحملون أوزارهم كاملة. {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران: 69]. إنهم لا يشعرون بالكارثة التي سوف تأتي من هذا الضلال المركب الذي سينالون عليه العقاب. ولو أنهم تعمقوا قليلاً في الفهم لتوقفوا عن إضلال غيرهم، ولو بحثوا عن اليقين الحق لتوقفوا عن ضلال أنفسهم. ومن بعد ذلك يقول الحق: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يحذر تعالى عباده المؤمنين عن مكر هذه الطائفة الخبيثة من أهل الكتاب، وأنهم يودون أن يضلوكم، كما قال تعالى {أية : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا } تفسير : ومن المعلوم أن من ود شيئا سعى بجهده على تحصيل مراده، فهذه الطائفة تسعى وتبذل جهدها في رد المؤمنين وإدخال الشبه عليهم بكل طريق يقدرون عليه، ولكن من لطف الله أنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فلهذا قال تعالى { وما يضلون إلا أنفسهم } فسعيهم في إضلال المؤمنين زيادة في ضلال أنفسهم وزيادة عذاب لهم، قال تعالى {أية : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } تفسير : { وما يشعرون } بذلك أنهم يسعون في ضرر أنفسهم وأنهم لا يضرونكم شيئا. { يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } أي: ما الذي دعاكم إلى الكفر بآيات الله مع علمكم بأن ما أنتم عليه باطل، وأن ما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا تشكون فيه، بل تشهدون به ويسر به بعضكم إلى بعض في بعض الأوقات، فهذا نهيهم عن ضلالهم. ثم وبخهم على إضلالهم الخلق، فقال { يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } فوبخهم على لبس الحق بالباطل وعلى كتمان الحق، لأنهم بهذين الأمرين يضلون من انتسب إليهم، فإن العلماء إذا لبسوا الحق بالباطل فلم يميزوا بينهما، بل أبقوا الأمر مبهما وكتموا الحق الذي يجب عليهم إظهاره، ترتب على ذلك من خفاء الحق وظهور الباطل ما ترتب، ولم يهتد العوام الذين يريدون الحق لمعرفته حتى يؤثروه، والمقصود من أهل العلم أن يظهروا للناس الحق ويعلنوا به، ويميزوا الحق من الباطل، ويظهروا الخبيث من الطيب، والحلال والحرام ، والعقائد الصحيحة من العقائد الفاسدة، ليهتدي المهتدون ويرجع الضالون وتقوم الحجة على المعاندين قال تعالى {أية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم } . تفسير : ثم أخبر تعالى عن ما همت به هذه الطائفة الخبيثة، وإرادة المكر بالمؤمنين، فقال { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره } أي: ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه { لعلهم يرجعون } عن دينهم، فيقولون لو كان صحيحا لما خرج منه أهل العلم والكتاب، هذا الذي أرادوه عجبا بأنفهسم وظنا أن الناس سيحسنون ظنهم بهم ويتابعونهم على ما يقولونه ويفعلونه، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. { و } قال بعضهم لبعض { لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } أي: لا تثقوا ولا تطمئنوا ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، واكتموا أمركم، فإنكم إذا أخبرتم غيركم وغير من هو على دينكم حصل لهم من العلم ما حصل لكم فصاروا مثلكم، أو حاجوكم عند ربكم وشهدوا عليكم أنها قامت عليكم الحجة وتبين لكم الهدى فلم تتبعوه، فالحاصل أنهم جعلوا عدم إخبار المؤمنين بما معهم من العلم قاطعا عنهم العلم، لأن العلم بزعمهم لا يكون إلا عندهم وموجبا للحجة عليهم، فرد الله عليهم بأن { الهدى هدى الله } فمادة الهدى من الله تعالى لكل من اهتدى، فإن الهدى إما علم الحق، أو إيثارة، ولا علم إلا ما جاءت به رسل الله، ولا موفق إلا من وفقه الله، وأهل الكتاب لم يؤتوا من العلم إلا قليلا وأما التوفيق فقد انقطع حظهم منه لخبث نياتهم وسوء مقاصدهم، وأما هذه الأمة فقد حصل لهم ولله الحمد من هداية الله من العلوم والمعارف مع العمل بذلك ما فاقوا به وبرزوا على كل أحد، فكانوا هم الهداة الذين يهدون بأمر الله، وهذا من فضل الله عليها وإحسانه العظيم، فلهذا قال تعالى { قل إن الفضل بيد الله } أي: الله هو الذي يحسن على عباده بأنواع الإحسان { يؤتيه من يشاء } ممن أتى بأسبابه { والله واسع } الفضل كثير الإحسان { عليم } بمن يصلح للإحسان فيعطيه، ومن لا يستحقه فيحرمه إياه. { يختص برحمته من يشاء } أي: برحمته المطلقة التي تكون في الدنيا متصلة بالآخرة وهي نعمة الدين ومتمماته { والله ذو الفضل العظيم } الذي لا يصفه الواصفون ولا يخطر بقلب بشر، بل وصل فضله وإحسانه إلى ما وصل إليه علمه، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما.