٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
70
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن حال الطائفة التي لا تشعر بما في التوراة من دلالة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، بيّن أيضاً حال الطائفة العارفة بذلك من أحبارهم. فقال: { يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: {لَمْ } أصلها لما، لأنها: ما، التي للاستفهام، دخلت عليها اللام فحذفت الألف لطلب الخفة، ولأن حرف الجر صار كالعوض عنها ولأنها وقعت طرفاً ويدل عليها الفتحة وعلى هذا قوله {أية : عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } تفسير : [النبأ: 1] و {أية : فَبِمَ تُبَشّرُونَ } تفسير : [الحجر: 54] والوقف على هذه الحروف يكون بالهاء نحو: فبمه، ولمه. المسألة الثانية: في قوله {بآيات الله} وجوه الأول: أن المراد منها الآيات الواردة في التوراة والإنجيل، وعلى هذا القول فيه وجوه أحدها: ما في هذين الكتابين من البشارة بمحمد عليه السلام، ومنها ما في هذين الكتابين، أن إبراهيم عليه السلام كان حنيفاً مسلماً، ومنها أن فيهما أن الدين هو الإسلام. واعلم أن على هذا القول المحتمل لهذه الوجوه نقول: إن الكفر بالآيات يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة بل كانوا كافرين بما يدل عليه التوراة فأطلق اسم الدليل على المدلول على سبيل المجاز والثاني: أنهم كانوا كافرين بنفس التوراة لأنهم كانوا يحرفونها وكانوا ينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. فأما قوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } فالمعنى على هذا القول أنهم عند حضور المسلمين، وعند حضور عوامهم، كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إذا خلا بعضهم مع بعض شهدوا بصحتها، ومثله قوله تعالى: {أية : تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاء }تفسير : [آل عمران: 99]. واعلم أن تفسير الآية بهذا القول، يدل على اشتمال هذه الآية على الإخبار عن الغيب لأنه عليه الصلاة والسلام أخبرهم بما يكتمونه في أنفسهم، ويظهرون غيره، ولا شك أن الإخبار عن الغيب معجز. القول الثاني: في تفسير آيات الله أنها هي القرآن وقوله {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } يعني أنكم تنكرون عند العوام كون القرآن معجزاً ثم تشهدون بقلوبكم وعقولكم كونه معجزاً. القول الثالث: أن المراد بآيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا القول فقوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } معناه أنكم إنما اعترفتم بدلالة المعجزات التي ظهرت على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدالة على صدقهم، من حيث أن المعجز قائم مقام التصديق من الله تعالى فإذا شهدتهم بأن المعجز إنما دل على صدق سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هذا الوجه، وأنتم تشهدون حصول هذا الوجه في حق محمد صلى الله عليه وسلم كان إصراركم على إنكار نبوته ورسالته مناقضاً لما شهدتهم بحقيته من دلالة معجزات سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على صدقهم.
القرطبي
تفسير : أي بصحة الآيات التي عندكم في كتبكم؛ عن قتادة والسّدي. وقيل: المعنى وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء التي أنتم مقِرّون بها.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ } القرآن المشتمل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } تعلمون أنه حق؟
ابن عبد السلام
تفسير : {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} بما يدل على صحة الآيات من كتابكم المبشر بها، أو تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء، أو تشهدون بما عليكم فيه الحجة.
النسفي
تفسير : { يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ } بالتوراة والإنجيل، وكفرهم بها أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } تعترفون بأنها آيات الله أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوة الرسول وأنتم تشهدون نعته في الكتابين، أو تكفرون بآيات الله جميعاً وأنتم تعلمون أنها حق { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } تخلطون الإيمان بموسى وعيسى بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ } نعت محمد عليه السلام {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه حق {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } فيم بينهم {ءامِنُواْ بٱلَّذِى أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي القرآن {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ } ظرف أي أوله يعني أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أول النهار {وَٱكْفُرُواْ ءاخِرَهُ } واكفروا به آخره {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لعل المسلمين يقولون ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجـعون برجـوعكم. {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } «ولا تؤمنوا» متعلق بقوله {أن يؤتى أحدٌ مّثل ما أوتيتم} وما بينهما اعتراض أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أرادوا أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } عطف على «أن يؤتى» والضمير في «يحاجوكم» لأحد لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير اتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة. ومعنى الاعتراض أن الهدى هدى الله من شاء هداه حتى أسلم أو ثبت على الإسلام كان ذلك ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} يريد الهداية والتوفيق، أو يتم الكلام عند قوله «إلا لمن تبع دينكم» أي ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم. ومعنى قوله «أن يؤتى» لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه لا لشيء آخر يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يأتي أحد مثل ما أوتيتم من العلم، والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، ويدل عليه قراءة ابن كثير «آن» بالمد والاستفهام يعني الآن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب تحسدونهم. وقوله «أو يحاجوكم» على هذا معناه دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } أي واسع الرحمة {عَلِيمٌ } بالمصلحة {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } بالنبوة أو بالإسلام {مَن يَشَاء وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ * وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } هو عبد الله بن سلام، استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } هو فنحاص بن عازوراء، استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه. وقال: المأمونون على الكثير النصارى لغلبة الأمانة عليهم، والخائنون في القليل اليهود لغلبة الخيانة عليهم {إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه ملازماً له. «يؤده» و«لا يؤده» بكسر الهاء مشبعة: مكي وشامي ونافع وعلي وحفص، واختلس أبو عمرو في رواية. غيرهم: بسكون الهاء. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ترك الأداء الذي دل عليه «لا يؤده» {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ } أي تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم «ليس علينا من الأميين سبيل» أي لا يتطرق علينا إثم وذم في شأن الأميين يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم لأنهم ليسوا على ديننا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم وكانوا يقولون لم يجـعل لهم في كتابنا حرمة. وقيل: بايع اليهود رجالاً من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } بادعائهم أن ذلك في كتابهم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون {بَلَىٰ } إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين أي بلى عليهم سبيل فيهم. وقوله {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَى } جملة مسأنفة مقررة للجملة التي سدت «بلى» مسدها، والضمير في «بعده» يرجع إلى الله تعالى أي كل من أوفى بعهد الله واتقاه {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } أي يحبهم فوضع الظاهر موضع الضمير وعموم المتقين قام مقام الضمير الراجع من الجزاء إلى «من» ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء. قيل: نزلت في عبد الله بن سلام ونحوه من مسلمي أهل الكتاب، ويجوز أن يرجع الضمير إلى «من أوفى» أي كل من أوفى بما عاهد الله عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه. ونزل فيمن حرّف التوراة وبدل نعته عليه السلام من اليهود وأخذ الرشوة على ذلك {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ } يستبدلون {بِعَهْدِ ٱللَّهِ } بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم {وَأَيْمَـٰنِهِمْ } وبما حلفوا به من قولهم «والله لنؤمنن به ولننصرنه» {ثَمَناً قَلِيلاً } متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك، وقوله «بعهد الله» يقوي رجوع الضمير في «بعهده» إلى الله {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ } أي لا نصيب {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ } بما يسرهم {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } نظر رحمة {وَلاَ يُزَكّيهِمْ } ولا يثني عليهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم. {وَإِنَّ مِنْهُمْ } من أهل الكتاب {لَفَرِيقًا } هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وغيرهم {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ } يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف، واللّيُ الفتل وهو الصرف والمراد تحريفهم كآبة الرجم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك. والضمير في {لِتَحْسَبُوهُ } يرجع إلى ما دل عليه «يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ » وهو المحرف، ويجوز أن يراد يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه {مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } أي التوراة {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ } وليس هو من التوراة {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ } تأكيد لقوله «وما هو من الكتاب» وزيادة تشنيع عليهم {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ } تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى عليه السلام. وقيل: قال رجل: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: «حديث : لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله» تفسير : {وَٱلْحُكْمَ } والحكمة وهي السنة أو فصل القضاء {وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ } عطف على «يؤتيه» {لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ } ولكن يقول: كونوا ربانيين. والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون وهو شديد التمسك بدين الله وطاعته. وحين مات ابن عباس قال ابن الحنفية: مات رباني هذه الأمة. وعن الحسن: ربانيين علماء فقهاء. وقيل: علماء معلمين. وقالوا: الرباني العالم العامل {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } كوفي وشامي أي غيركم غيرهم بالتخفيف {وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } أي تقرأون، والمعنى بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم كانت الربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم ثم لم يجـعله ذريعة إلى العمل، فكان كمن غرس شجرة حسناء تؤنقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها. وقيل: معنى «تدرسون» تدرسونه على الناس كقوله {أية : لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ }تفسير : [الإسراء: 106] فيكون معناه معنى تدرسون من التدريس كقراءة ابن جبير. {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بالنصب عطفاً على «ثم يقول» ووجهه أن تجعل «لا» مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله «ما كان لبشر» والمعنى ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ويأمركم {أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا } كما تقول «ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي»وبالرفع حجازي وأبو عمرو وعليّ على ابتداء الكلام، والهمزة في {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ } للإنكار والضمير في «لا يأمركم» و«أيأمركم» للبشر أو لله. وقوله {بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } يدل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوه أن يسجدوا له. {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ } هو على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك، أو المراد ميثاق الأولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. واللام في {لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ } لام التوطئة لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف، وفي «لتؤمنن» لام جواب القسم، وما يجوز أن تكون متضمنة لمعنى الشرط و«لتؤمنن» ساد مسد جواب القسم والشرط جميعاً، وأن تكون موصولة بمعنى للذي آتيتكموه لتؤمنن به {ثُمَّ جَاءكُمْ } معطوف على الصلة والعائد منه إلى ما محذوف والتقدير ثم جاءكم به {رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } للكتاب الذي معكم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } بالرسول {وَلَتَنصُرُنَّهُ } أي الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم «لما آتيتكم» حمزة و «ما» بمعنى الذي، أو مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة ثم لمجيء رسول مصدق لما معكم. واللام للتعليل أي أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه لأجل أني آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف. «آتيناكم»: مدني {قَالَ } أي الله {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى } أي قبلتم عهدي، وسمي إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد {قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ } فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } وأنا معكم على ذلك من إقراركم وتشاهدكم من الشاهدين، وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض. وقيل: قال الله للملائكة اشهدوا {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } الميثاق والتوكيد ونقض العهد بعد قبوله وأعرض عن الإيمان بالنبيّ الجائي {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } المتمردون من الكفار.
ابن عادل
تفسير : "لم" أصلها "لِمَا" لأنها "ما" التي للاستفهام، دخلت عليها اللامُ، فحُذِفت الألف؛ لطلب الخفة لأن حرف الجر صار كالعِوَضِ عنها، ولأنها وقعت طرفاً، ويدل عليها الفتحة؛ وعلى هذا قوله تعالى: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [النبأ: 1] وقوله: {أية : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} تفسير : [الحجر: 54] والوقف على [هذه الحروف] يكون بالهاء نحو فَبِمَهْ، لِمَهْ. قوله: {بِآيَاتِ ٱللَّهِ} فيه وُجُوهٌ: أحدها: أن المراد بها ما في التوراة والإنجيل، وعلى هذا يُحْتَمل أن يكون المراد ما في هذين الكتابين من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونَعْتِه، ويحتمل أن يكون المرادُ بما في هذين الكتابين من أن إبراهيمَ كان حنيفاً مسلماً. ويحتمل أن يكون ما فيهما من أن الدين عند اللهِ الإسْلاَمُ؛ وقائل هذا القول المحتمل لهذه الوجوه، يقول: إن الكفرَ بآيات الله يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم ما كانوا كافرين بالتَّوْرَاةِ، بل كانوا كافرين بما تدل عليه التوراةُ، فأطلق اسْمَ الدليل على المدلول، على سبيل الْمَجَازِ. الثاني: أنهم كانوا كافرين بنفس التوراة؛ لأنهم كانوا يُحَرِّفُونها، وكانوا يُنَكِرون وجودَ تلك الآياتِ الدالةِ على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. الوجه الثاني: أن المراد بآيات الله [هو] القرآن وبيان نعته صلى الله عليه وسلم {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أن نعته مذكور في التوراة والإنجيل، وتُنْكِرون عند العوام كَوْنَ القرآنِ معجزةٌ، ثم تشهدون بقلوبكم وعقولكم بكونه معجزاً. الوجه الثالث: أن المراد بآياتِ الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد [النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا قوله: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} معناه: وأنكم لما اعترفتم بدلالة المعجزاتِ التي ظهرت على] سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الدالة على صدقهم، من حيث إنَّ المعجز قائم مقام التصديق من الله وإذا شهدتم بأن المعجز دليل على صدق الأنبياء عليهم السلام، وأنتم قد شاهدتم المعجز في حق محمد صلى الله عليه وسلم فكان إصرارُكم على إنكار نبوته ورسالته مناقضاً لما شهدتم بحقيقته من دلالةِ معجزات سائر الأنبياء - عليهم السلام -.
ابو السعود
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ} أي بما نَطَقتْ به التوراةُ والإنجيلُ ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} أي والحالُ أنكم تشهدون أنها آياتُ الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعتَه في الكتابـين أو تعلمون بالمعجزات أنه حقٌّ {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ} بتحريفكم وإبرازِ الباطِلِ في صورته أو بالتقصير في التميـيز بـينهما، وقرىء تلَبّسون بالتشديد وتلْبَسون بفتح الباء أي تلبَسون الحقَّ مع الباطل كما في قوله عليه السلام: «حديث : كَلاَبِسِ ثَوْبَـيْ زُورٍ» تفسير : {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} أي نبوةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ونعتَه {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي حقِّيتَه {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} وهم رؤساؤُهم ومفسدوهم لأعقابهم {ءامِنُواْ بالذى أنزِلَ على الَّذِينَ آمنُوا} أي أظهِروا الإيمانَ بالقرآن المنْزلِ عليهم {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} أي أولَه {وَٱكْفُرُواْ} أي أظهِروا ما أنتم عليه من الكفر به {ءاخِرَهُ} مُرائين لهم أنكم آمنتم به بادِيَ الرأي من غير تأملٍ ثم تأملتم فيه فوقَفتم على خلل رأيِكم الأولِ فرجعتم عنه {لَعَلَّهُمْ} أي المؤمنين {يَرْجِعُونَ} عما هم عليه من الإيمان به كما رجعتم والمرادُ بالطائفة كعبُ بنُ الأشرفِ ومالكُ بنُ الصيفِ قالا لأصحابهما لما حُوِّلت القِبلة: آمِنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلّوا إليها أولَ النهار ثم صلوا إلى الصخرة آخِرَه لعلهم يقولون: هم أعلمُ منا وقد رجَعوا فيرجِعون، وقيل: هم اثنا عشرَ رجلاً من أحبار خيبَر اتفقوا على أن يدخُلوا في الإسلام أولَ النهار ويقولوا آخرَه: نظرنا في كتابنا وشاوَرْنا علماءَنا فلم نجِدْ محمداً بالنعت الذي ورد في التوراة، لعل أصحابه يشكّون فيه. {وَلاَ تُؤْمِنُواْ} أي لا تُقِرّوا بتصديقٍ قلبـيٍّ {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} أي لأهل دينِكم أو لا تُظهِروا إيمانَكم وجهَ النهار إلا لمن كان على دينكم من قبلُ، فإن رجوعَهم أرجى وأهمُّ {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} يهدي به من يشاءُ إلى الإيمان ويُثبِّته عليه {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ أي دبّرتم ذلك وقلتم لأن يؤتىٰ أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهِروا إيمانَكم بأن يُؤتىٰ أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لأشياعكم ولا تُفْشوه إلى المسلمين لئلا يزيدَ ثباتُهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام، وقولُه تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} اعتراضٌ مفيدٌ لكون كيدِهم غيرَ مُجدٍ لطائل أو خبر إن على هدى الله بدل من الهدى، وقرىء أن يؤتى على الاستفهام التقريعي وهو مؤيدٌ للوجه الأولِ أي لأن يُؤتى أحدٌ الخ دبرتم؟ وقرىء أن على أنها نافيةٌ فيكونُ من كلام الطائفةِ، أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبِعَ دينَكم وقولوا لهم: ما يُؤتىٰ أحدٌ مثلَ ما أوتيتم {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ} عطفٌ على {أَن يُؤْتَىٰ} على الوجهين الأولين وعلى الثالث معناه حتى يحاجوكم عند ربِّكم فيدحَضوا حُجتَكم، والواوُ ضميرُ {أَحَدٌ} لأنه في معنى الجمع إذ المرادُ به غيرُ أتباعِهم {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ} ردٌّ لهم وإبطالٌ لما زعموه بالحجة الباهرةِ.
القشيري
تفسير : قَبْلَ بعثه - صلى الله عليه وسلم - على صحة نبوته، فما الذي يحملكم على غيكم حتى جحدتم ما علمتم؟
اسماعيل حقي
تفسير : {يا اهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} اى بما نطقت به التوارة والانجيل ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وانتم تشهدون} اى والحال انكم تشهدون انها آيات الله.
الطوسي
تفسير : اللغة: قوله: {يا أهل} نصب، لأنه منادى مضاف. وقوله: {لم} أصله لما، لأنها (ما) التي للاستفهام دخلت عليها اللام وإنما حذفت لاتصالها بحرف الاضافة مع وقوعها ظرفا تدل عليها الفتحة. وكذلك قياسها مع سائر حروف الاضافة مثل {أية : فيم تبشرون} تفسير : {أية : عم يتساءلون}تفسير : وإنما حذفت الالف من (ما) في الاستفهام، ولم تحذف من (ما) في الصلات لأن الظرف أقوى على التغيير من وسط الاسم كما يقوى على التغيير بالاعراب، والتنوين. والالف في الصلة بمنزلة حرف في وسط الاسم، لأنه لا يتم إلا بصلته، وليس كذلك الاستفهام، لأن الالف فيه منتهى الاسم، و (لم) أصلها (لما) وهي مخالفة عند البصريين لـ (كم) على ما قاله الكسائي أن اصلها كما، لأن (كم) مخالفة (لما) في اللفظ، والمعنى: أما في اللفظ، فلأنه كان يجب أن تبقى الفتحة لتدل على الالف، كما بقيت في (لم) ونحوه، والامر بخلافه. وأما في المعنى، فلأن (كم) سؤال عن العدد، و (ما) سؤال عن الجنس، فليست منها في شيء، ولا لكاف التشبيه في (كم) معنى، ويلزمه في متى أن تكون أصلها (ما) إلا أنهم زادوا التاء، لأنه تغيير من غير دليل، فاذا لم يمنع في أحدهما لم يمنع في الآخر. وإنما بني على نظيره في حذف الالف، فلذلك يلزمه أن يبنى على نظيره في زيادة التاء قبل الالف، نحو {رهبوتى خير من رحمونى} قال الزجاج: قول الكسائي في هذا لا يعرج عليه. المعنى: وقوله: {لم تكفرون بآيات الله} معناه لم تجحدون آيات الله. {وأنتم تشهدون} قيل في معناه قولان: أحدهما - وأنتم تشهدون بما يدل على صحتها من كتابكم الذي فيه البشارة بها في قول قتادة والربيع والسدي. والثاني - وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الانبياء التي تقرون بها. والشهادة الخبر بالشيء عن مشاهدة: إما للخبر به، وإما لما يظهر به ظهوره بالمشاهدة. فاذا شهد بالاقرار، فهو مشاهدة المخبر به، وإذا شهد بالملك، فهو يظهر به ظهوره بالمشاهدة. وإنما قيل: شهد بالباطل، لأنه يخبر عن مشاهدة في دعواه. وقوله: {وأنتم تشهدون} فيه حذف، وتقديره {وأنتم تشهدون} ما عليكم فيه الحجة فحذف للايجاز مع الاستغناء عنه بالتوبيخ الذي تضمنه الكلام. والحجة في ذلك من وجهين: أحدهما - الاقرار بما فيه من البشارة من الكتاب. والثاني - الاقرار بمثله من الآيات.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} ناداهم بنداء البعيد تحقيراً وتبعيداً لهم عن ساحة الحضور وتنبيهاً على كمال غفلتهم {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} التّدوينيّة الثّابتة فى التّوراة والانجيل والقرآن فى نعت محمّد (ص) ووصيّه (ع) وفى الاحكام المشروعة لكم فيها، او التّكوينيّة الثّابتة فى العالم الكبير من موسى (ع) وعيسى (ع) ومحمّد (ص)، او الثّابتة فى العالم الصّغير من العقول الزاجرة عن اتّباع الهوى والواردات الزاجرة والمرغّبة {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} تعلمون آيات الله او حاملون للشّهادة لآيات الله، والكفر والكتمان بعد العلم اشدّ، او انتم تؤدّون الشّهادة بصدق الآيات اذا خلوتم مع امثالكم، او انتم تشاهدون وتعاينون الآيات من حيث انّها آيات، وهذه الآية مثل الآية الآتية تعريض بأمّة محمّد وكفرهم بآيات الله التّدوينيّة والتّكوينيّة مع تحمّلهم للشّهادة على خلافة علىّ (ع).
اطفيش
تفسير : {يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}: القرآن المشتمل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم. {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}: تعلمون أنهُ حق، وقيل "آيات الله": ما ورد فى التوراة والإنجيل، من نعت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته والبشارة بنبوته لأنهم كتموا ذلك وأنكروه، فالمعنى: وأنتم تشهدون فى قلوبكم، أو يقر بعضكم لبعض إذا خلوتم، أنه رسول الله لصفاته فى الكتابين وقيل: المراد بآيات الله: التوراة والإنجيل، لأن من كفر ببعض فقد كفر بكل، ولذلك قيل: المعنى تكفرون بكتب الله كلها، وقال قتادة: المراد بآيات الله القرآن، وقيل: معجزات رسول الله الدالة على رسالته.
اطفيش
تفسير : {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأيآتِ اللهِ} بالآيات التى فى التوراة والإنجيل الشاهدات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته وبالقرآن وبالحجج الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم {وَأَنتُم تَشْهَدُونَ} تعترفون بأن التوراة والإنجيل حق، وهما مشتملان على نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابة القرآن، أو لم تكفرون بالقرآن وأنتم تشهدون حقيقته من التوراة والإنجيل، وبمعجزاته صلى الله عليه وسلم، أو تشهدون له إذا خلوتم.
الالوسي
تفسير : أي لم تكفرون بما يتلى عليكم من آيات القرآن وأنتم تعلمون ما يدل على صحتها ووجوب الإقرار بها من التوراة والإنجيل، وقيل: المراد: لم تكفرون بما في كتبكم من الآيات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وأنتم تشهدون الحجج الدالة على ذلك، أو: لم تكفرون بما في كتبكم من أن الدين عند الله الإسلام وأنتم تشاهدون ذلك، أو: لم تكفرون بالحجج الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وأنتم تشهدون أن ظهور المعجزة يدل على صدق مدعي الرسالة أو ـ أنتم تشهدون ـ إذا خلوتم بصحة دين الإسلام، أو: لم تكفرون بآيات الله جميعاً وأنتم تعلمون حقيتها بلا شبهة بمنزلة علم المشاهدة.
ابن عاشور
تفسير : التفات إلى خطاب اليهود. والاستفهامُ إنكاري. والآيات: المعجزات، ولذلك قال وأنتم تشهدون. وإعادة ندائهم بقوله: {يا أهل الكتاب} ثانيةً لقصد التوبيخ وتسجيل باطلهم عليهم. ولبس الحق بالباطل تلبيس دينهم بما أدخلوا فيه من الأكاذيب والخرافات والتأويلات الباطلة، حتى ارتفعت الثقة بجميعه. وكتمان الحق يحتمل أن يراد به كتمانهم تصديق محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يراد به كتمانهم ما في التوراة من الأحكام التي أماتوها وعوّضوها بأعمال أحبارهم وآثار تأويلاتهم، وهم يعلمونها ولا يعملون بها.
القطان
تفسير : تلبسون: تخلطون. يا أهل الكتاب، لماذا تكفرون بما ترونه من البراهين الواضحة الدالة على صدق نبوة محمد وأنتم في قرارة نفوسكم تشهدون بأنها حق! ولماذا تخلطون الحق الذي جاء به النبيّون من عند الله والبشارة بنبيٍّ من بني اسماعيل ـ بالباطل الذي لفقه أحباركم ورؤساؤكم؟ لماذا تكتمون شأن محمد وهو مكتوب عندكم في التوراة والانجيل وأنتم تعلمون أنكم تفعلون ذلك عناداً وحسدا!
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} {بِآيَاتِ} (70) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ كُفْرَهُمْ بِآيَاتِ الله، وَبَرَاهِينِهِ، الوَاضِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنَّهَا حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَكُتُبُهُمْ تَشْهَدُ بِصِحَّتِهَا، وَقَدْ جَاءَتْ فِيها البِشَارَةُ بِهِ، وَبَيَّنَتْ أوْصَافَهُ، وَهِيَ لاَ تَنْطَبِقُ إلاَّ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن الحق يسألهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لم تكفرون بآيات الله العجيبة وأنتم تشهدون؟ وهنا قد يسأل سائل هل شهد أهل الكتاب الآيات العجيبة في زمن رسول الله؟ والإجابة هي: ألم يستفتح اليهود على من يقاتلونهم بمجيء نبي قادم؟ إنهم كانوا يدعون الله قائلين: إنا نسألك بحق النبي الأميّ الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم فكانوا يُنصرون على أعدائهم فلما بعث - صلى الله عليه وسلم - كفروا به بغياً وحسداً قال الله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 89]. لقد كفروا من أجل السلطة الزمنية. فقد كانوا يريدون الملك والحكم. وهذا عبد الله بن سلام الذي كان يهوديّاً فأسلم قد قال عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد". إذن فمعرفتهم بنعت رسول الله ووصفه موجودة في آيات التوراة ولقد شهدوا الآيات البينات، لكنهم أنكروا الآيات طمعاً في السلطة الزمنية حتى ولو تطلب ذلك أن يُحرِّف بعضهم منهج الله سبحانه وتعالي ويحوّلوا هذا التحريف إلى سلطة زمنية فاسدة كهؤلاء الذين باعوا صكوك الغفران ولذلك قال الحق عن هؤلاء الذين يحرفون منهج الله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}تفسير : [البقرة: 79]. إن العذاب هو مصير هؤلاء الدين يحرفون كلام الله ومنهجه. ويقول الحق سبحانه: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} معناهُ تُكَذِّبُونَ بِكُتُبِ الله. تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} معناهُ تَقِرُونَ.
الأندلسي
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} قال ابن عباس: هي التوراة والإِنجيل وكفرهم بها من جهة تغيير الأحكام وتحريف الكلام أو الآيات التي في التوراة والإِنجيل من وصف النبي صلى الله عليه وسلم والإِيمان بهم كما بين بقوله: { أية : يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} تفسير : [الأعراف: 157]. {لِمَ تَلْبِسُونَ} تقدم الكلام على النهي عن لبسهم وكتمهم في البقرة. وهنا الإِنكار عليهم في قوله: لم، وفي البحر أجاز الفراء والزجاج في وتكتمون من قوله: لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق. النصب فتسقط النون من حيث العربية على قولك: لم تجمعون ذا وذا فيكون نصباً على الصرف في قول الكوفيين وبإِضمار ان في قول البصريين وأنكر ذلك أبو علي فقال: الاستفهام وقع على اللبس فحسب وأما تكتمون فخبر حتماً لا يجوز فيه إلا الرفع يعني أنه ليس معطوفاً على تلبسون بل هو استئناف خبر عنهم إنهم يكتمون الحق مع علمهم أنه حق. قال ابن عطية: قال أبو علي: الصرف هاهنا يقبح وكذلك إضمار أنْ لأنّ تكتمون معطوف على موجب مقرر ليس بمستفهم عنه وإنما استفهم عن السبب في اللبس واللبس موجب، فليست الآية بمنزلة قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وبمنزلة قولك: أتقوم وأقوم. والعطف على الموجب المقرر قبيح متى نصب إلا في ضرورة شعر كما روي: شعر : وألحق بالحجاز فاستريحا تفسير : وقد قال سيبويه في قولك: أسرت حتى تدخلها لا يجوز إلا النصب في تدخل لأن السير مستفهم عنه غير موجب. وإذا قلنا: أيهم سار حتى يدخلها رفعت لأن السير موجب والاستفهام إنما وقع عن غيره. "انتهى". ما نقله ابن عطية عن أبي علي. وظاهره تعارض ما نقله مع ما قبله لأن ما قبله فيه ان الإِستفهام وقع على اللبس فحسب وأما تكتمون فخبر حتماً لا يجوز فيه إلا الرفع وفيما نقله ابن عطية أن تكتمون معطوف على موجب مقرر وليس بمستفهم عنه فيدل العطف على اشتراكهما في الإِستفهام عن سبب اللبس وسبب الكتم الموجبين وفرق بين هذا المعنى وبين أن يكون وتكتمون أخباراً محصناً لم يشترك مع اللبس في السؤال عن السبب وهذا الذي ذهب إليه أبو علي من أن الإِستفهام إذا تضمن وقوع الفعل لا ينتصب الفعل بإِضمار أن في جوابه تبعة في ذلك ابن مالك فقال في التسهيل حين عد ما تضمر أن لزوماً في الجواب فقال: أو لاستفهام لا يتضمن وقوع الفعل فإِن تضمن وقوع الفعل لم يجز النصب عنده نحو: لم ضربت زيداً فيجازيك، لأن الضرب قد وقع ولم نر أحداً من أصحابنا يشترط هذا الشرط الذي ذكره أبو علي وتبعه فيه ابن مالك في الإِستفهام بل إذا تعذر سبك مصدر مما قبله أما لكونه ليس ثم فعل ولا ما في معناه ينسبك منه وإما لاستحالة سبك مصدر مراد استقباله لأجل معنى الفعل فإِنما يقدر فيه مصدر مقدر استقباله مما يدل عليه المعنى فإِذا قال: لم ضربت زيداً فأضربك أي ليكن منك تعريف بضرب زيد فضرب منا وما رد به أبو علي على أبي اسحاق ليس بمتجه لأن قوله: لم تلبسون، وليس نعتاً على أن المضارع أريد به الماضي حقيقة إذ قد ينكر المستقبل لتحقق صدوره لا سيما على الشخص الذي تقدم منه وجود أمثاله ولو فرضنا أنه ماض حقيقة فلا رد فيه على أبي إسحاق لأنه كما قررنا قبل أنه إذا لم يكن سبق مصدر مستقبل من الجملة سبكناه من لازم الجملة وقد حكى أبو الحسن بن كيسان نصب الفعل في جواب الاستفهام حيث الفعل المستفهم عنه محقق الوقوع نحو: أين ذهب زيد فنتبعه، وكذلك في كم مالك فنعرفه، ومن أبوك فنكرمه، لكنه يتخرج على ما سبق ذكره من أن التقدير ليكن منك إعلام بذهاب زيد فاتباع منا وليكن منك إعلام بقدر مالك فمَعرفة منا، وليكن منك إعلام بابيك فاكرام مناله. "انتهى". وقرأ عبيد بن عمير: لم تلبسوا وتكتموا، بحذف النون فيهما قالوا: وذلك جزم قالوا ولا وجه له سوى ما ذهب إليه شذوذ من النحاة في الحاق لِمَ بِلَمْ في عمل الجزم. (قال) السجاوندي ولا وجه له إلا أنّ لم تجزم الفعل عند قوم كلم. "انتهى". والثابت في لسان العرب أنّ لم لا ينجزم ما بعدها ولم أر أحداً من النحويين ذكر انّ لم تجري مجرى لم في الجزم إلا ما ذكره أهل التفسير هنا وإنما هذا عندي من باب حذف النون حالة الرفع وقد جاء ذلك في النثر قليلاً جداً وذلك في قراءة أبي عمرو من بعض طرقه قالوا: ساحران تظاهرا بتشديد الظاء أي أنتما ساحران تتظاهران فأدغم التاء في الظاء وحذف النون. وأما في النظم فنحو قول الراجز: شعر : أبيت أسرى وتبيتي تدلكي تفسير : يريد تبيتين تدلكين. فقال آخر: شعر : فإن يك قوم سرهم ما صنعتم ستحتلبوها لاحقاً غير باهل تفسير : {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة حالية نص عليهم اللبس والكتم مع علمهم بما يترتب على ذلك من عقاب الله تعالى إياهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):