٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن علماء اليهود والنصارى كانت لهم حرفتان إحداهما: أنهم كانوا يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا يعلمون بقلوبهم أنه رسول حق من عند الله والله تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في الآية الأولى وثانيتهما: إنهم كانوا يجتهدون في إلقاء الشبهات، وفي إخفاء الدلائل والبينات والله تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في هذه الآية الثانية، فالمقام الأول مقام الغواية والضلالة والمقام الثاني مقام الإغواء والإضلال، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء {تَلْبِسُونَ } بالتشديد، وقرأ يحيـى بن و ثاب {تَلْبِسُونَ } بفتح الباء، أي تلبسون الحق مع الباطل، كقوله عليه السلام: «حديث : كلابس ثوبي زور»تفسير : وقوله.شعر : إذا هـو بالمجـد ارتـدى وتـأزراتفسير : المسألة الثانية: اعلم أن الساعي في إخفاء الحق لا سبيل له إلى ذلك إلا من أحد وجهين: إما بإلقاء شبهة تدل على الباطل، وإما بإخفاء الدليل الذي يدل على الحق، فقوله {لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } إشارة إلى المقام الأول وقوله {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ } إشارة إلى المقام الثاني أما لبس الحق بالباطل فإنه يحتمل ههنا وجوهاً أحدها: تحريف التوراة، فيخلطون المنزل بالمحرف، عن الحسن وابن زيد وثانيها: إنهم تواضعوا على إظهار الإسلام أول النهار، ثم الرجوع عنه في آخر النهار، تشكيكاً للناس، عن ابن عباس وقتادة وثالثها: أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم من البشارة والنعت والصفة ويكون في التوراة أيضاً ما يوهم خلاف ذلك، فيكون كالمحكم والمتشابه فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعله كثير من المشبهة، وهذا قول القاضي ورابعها: أنهم كانوا يقولون محمداً معترف بأن موسى عليه السلام حق، ثم إن التوراة دالة على أن شرع موسى عليه السلام لا ينسخ وكل ذلك إلقاء للشبهات. أما قوله تعالى: {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ } فالمراد أن الآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كان الاستدلال بها مفتقراً إلى التفكر والتأمل، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي كان بمجموعها يتم هذا الاستدلال مثل ما أن أهل البدعة في زماننا يسعون في أن لا يصل إلى عوامهم دلائل المحققين. أما قوله {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ففيه وجوه أحدها: إنكم تعلمون أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً وحسداً وثانيها: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي أنتم أرباب العلم والمعرفة لا أرباب الجهل والخرافة وثالثها: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أن عقاب من يفعل مثل هذه الأفعال عظيم. المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله تعالى: {لِمَ تَكْفُرُونَ } و {لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } دال على أن ذلك فعلهم، لأنه لا يجوز أن يخلقه فيهم، ثم يقول: لم فعلتم؟ وجوابه: أن الفعل يتوقف على الداعية فتلك الداعية إن حدثت لا لمحدث لزم نفي الصانع، وإن كان محدثها هو العبد افتقر إلى إرادة أخرى وإن كان محدثها هو الله تعالى لزمكم ما ألزمتموه علينا، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : اللبس الخلط، وقد تقدّم في البقرة. ومعنى هذه الآية والتي قبلها معنى ذلك. {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} ويجوز «تكتموا» على جواب الاستفهام. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة في موضع الحال.
البيضاوي
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ} بالتحريف وإبراز الباطل في صورته، أو بالتقصير في التمييز بينهما. وقرىء تلبسون بالتشديد وتلبسون بفتح الباء أي تلبسون الحق مع الباطل كقوله عليه السلام «حديث : كلابس ثوبي زور»تفسير : {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} نبوة محمد عليه السلام ونعته. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} عالمين بما تكتمونه. {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءامِنُواْ بِٱلَّذِي أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} أي أظهروا الإِيمان بالقرآن أول النهار. {وَٱكْفُرُواْ ءاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} واكفروا به آخره لعلهم يشكون في دينهم ظناً بأنكم رجعتم لخلل ظهر لكم، والمراد بالطائفة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما حولت القبلة: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم وصلوا إلى الصخرة آخره لعلهم يقولون هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون. وقيل اثنا عشر من أحبار خيبر تقاولوا بأن يدخلوا في الإِسلام أول النهار ويقولوا آخره نظرنا في كتابنا وشاورنا علماءنا فلم نجد محمداً عليه الصلاة والسلام بالنعت الذي ورد في التوراة لعل أصحابه يشكون فيه. {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} ولا تقروا عن تصديق قلب إلا لأهل دينكم، أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار لمن كان على دينكم فإن رجوعهم أرجي وأهم. {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} هو يهدي من يشاء إلى الإِيمان ويثبته عليه. {أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} متعلق بمحذوف أي دَبَّرْتُمْ ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد، المعنى أن الحسد حملكم على ذلك أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأشياعكم، ولا تفشوه إلى المسلمين لئلا يزيد ثباتهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام وقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} اعتراض يدل على أن كيدهم لا يجدي بطائل، أو خبر إن على أن هدى الله بدل من الهدى. وقراءة ابن كثير {أَن يُؤْتَىٰ} على الاستفهام للتقريع، تؤيد الوجه الأول أي إلا أن يؤتى أحد دبرتم. وقرىء {إِن} على أنها نافية فيكون من كلام الطائفة أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ} عطف على {أَن يُؤْتَىٰ} على الوجهين الأولين وعلى الثالث معناه: حتى يحاجوكم عند ربكم فيدحضوا حجتكم عند ربكم، والواو ضمير أحد لأنه في معنى الجمع إذ المراد به غير أتباعهم. {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ}. {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} رد وإبطال لما زعموه بالحجة الواضحة. {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ} كعبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} كفنحاص بن عازوراء استودعه قرشي آخر ديناراً فجحده. وقيل المأمونون على الكثير النصارى إذ الغالب فيهم الأمانة، والخائنون في القليل اليهود إذ الغالب عليهم الخيانة. وقرأ حمزة وأبو بكر وأبو عمرو {يُؤَدّهِ إِلَيْكَ} و {لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} بإسكان الهاء وقالون باختلاس كسرة الهاء وكذا روي عن حفص والباقون بإشباع الكسرة. {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} إلا مدة دوامك قائماً على رأسه مبالغاً في مطالبته بالتقاضي والترافع وإقامة البينة. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله {لاَّ يُؤَدِّهِ}. {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} بسبب قولهم. {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ} أي ليس علينا في شأن من ليسوا من أهل الكتاب ـ ولم يكونوا على ديننا ـ عتاب وذم. {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } بادعائهم ذلك {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبون، وذلك لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم وقالوا: لم يجعل لهم في التوراة حرمة. وقيل عامل اليهود رجالاً من قريش فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا سقط حقكم حيث تركتم دينكم وزعموا أنه كذلك في كتابهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولها «حديث : كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر».تفسير : {بَلَىٰ} إثبات لما نفوه أي بلى عليهم فيهم سبيل. {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَى فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} استئناف مقرر للجملة التي سدت {بَلَىٰ} مسدها، والضمير المجرور لمن أو لله وعموم المتقين ناب عن الراجع من الجزاء إلى {مِنْ}، وأشعر بأن التقوى ملاك الأمر وهو يعم الوفاء وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ} يستبدلون. {بِعَهْدِ ٱللَّهِ} بما عاهدوا الله عليه من الإِيمان بالرسول والوفاء بالأمانات. {وَأَيْمَـٰنِهِمْ } وبما حلفوا به من قولهم والله لنؤمنن به ولننصرنه، {ثَمَناً قَلِيلاً} متاع الدنيا. {أُوْلَـئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلاْخِرَةِ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ} بما يسرهم أو بشيء أصلاً، وأن الملائكة يسألونهم يوم القيامة، أو لا ينتفعون بكلمات الله وآياته، والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله: {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه. {وَلاَ يُزَكّيهِمْ } ولا يثني عليهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} على ما فعلوه. قيل: إنها نزلت في أحبار حرفوا التوراة وبدلوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم وحكم الأمانات وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة. وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به. وقيل: نزلت في ترافع كان بين الأشعث بن قيس ويهودي في بئر أو أرض وتوجهه الحلف على اليهودي. {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا } يعني المحرفين ككعب ومالك وحيي بن أخطب. {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ } يفتلونها بقراءته فيميلونها عن المنزل إلى المحرف، أو يعطفونها بشبه الكتاب. وقرىء «يلون» على قلب الواو المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها. {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ } الضمير للمحرف المدلول عليه بقوله {يَلْوُونَ}. وقرىء «ليحسبوه» بالياء والضمير أيضاً للمسلمين. {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} تأكيد لقوله: {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ } وتشنيع عليهم وبيان لأنهم يزعمون ذلك تصريحاً لا تعريضاً، أي ليس هو نازلاً من عنده. وهذا لا يقتضي أن لا يكون فعل العبد فعل الله تعالى. {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على الله والتعمد فيه. {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّي مِن دُونِ ٱللَّهِ} تكذيب ورد على عبده عيسى عليه السلام. وقيل (أن أبا رافع القرظي والسيد النجراني قالا: يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً، فقال: حديث : معاذ الله أن نعبد غير الله وأن نأمر بعبادة غير الله، فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني)تفسير : فنزلت. وقيل (قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك. قال: حديث : لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله) تفسير : {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ} ولكن يقول كونوا ربانيين، والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو الكامل في العلم والعمل. {بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له، فإن فائدة التعليم والتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد والعمل، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب تعلمون بمعنى عالمين. وقرىء {تَدْرُسُونَ} من التدريس وتدرسون من أدرس بمعنى درس كأكرم وكرم، ويجوز أن تكون القراءة المشهورة أيضاً بهذا المعنى على تقدير وبما كنتم تدرسونه على الناس. {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا} نصبه ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب عطفاً على ثم يقول، وتكون لا مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله {مَا كَانَ}، أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، أو غير مزيدة على معنى أنه ليس له أن يأمر بعبادته ولا يأمر باتخاذ أكفائه أرباباً، بل ينهى عنه وهو أدنى من العبادة. ورفعه الباقون على الاستئناف، ويحتمل الحال وقرأ أبو عمرو على أصله برواية الدوري باختلاس الضم. {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ} إنكار، والضمير فيه للبشر وقيل لله. {بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} دليل على أن الخطاب للمسلمين وهم المستأذنون لأن يسجدوا له.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ } تخلطون {ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ } بالتحريف والتزوير {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ } أي نعت النبي صلى الله عليه وسلم {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه حق.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} الإيمان بموسى وعيسى والكفر بمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو تحريف التوراة والإنجيل، أو الدعاء إلى إظهار الإسلام أول النهار والكفر آخره، طلباً لتشكيك الناس فيه. {وَتَكْتُمُونَ} صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تعلمونها من كتبكم.
ابن عادل
تفسير : قرأ العامة: {تَلْبِسُونَ} بكسر الباء، من لبس عليه يلبس، أي: خلَطه، وقرأ يحيى بن وثَّابٍ بفتحها جعله من لبست الثوب ألبسه - على جهة المجاز، وقرأ أبو مجلز "تُلبِّسُون" - بضم التاء، وكسر الباء وتشديدها - من لبَّس "بالتشديد"، ومعناه التكثير. والباء في "الباطل" للحال، أي: متلبساً بالباطل. فصل في معنى: تلبسون الحق {تَلْبِسُونَ} تخلطون {ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} الإسلام باليهودية والنصرانية. وقيل: تخلطون الإيمان بعيسى - وهو الحق - بالكفر بمحمد - وهو الباطل -. وقيل: التوراة التي أنزل الله على موسى بالباطل، الذي حرَّفتموه، وكتبتموه بأيديكم، قاله الحسنُ وابن زيد. وقال ابنُ عباس وقتادةُ: تواضعوا على إظهار الإسلام أول النهار، ثم الرجوع عنه في آخر النهار تشكيكاً للناس. قال القاضي: أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم من البشارة والنعت والصفة، ويكون في التوراة - أيضاً - ما يوهم خلاف ذلك، فيكون كالمحكم والمتشابه، فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر. وقيل إنهم كانوا يقولون: إنَّ محمداً معترفٌ بأن موسى حَقٌّ، ثم إنّ التوراةَ دالة على أن شرع موسى لا ينسخ، وكل ذلك إلقاء للشبهات. قوله: {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} جملة مُسْتَأنَفةٌ، ولذلك لم يُنْصَب بإضمار "أن" في جواب الاستفهام، وقد أجاز الزجاجُ - من البصريين - والفرّاءُ - من الكوفيين - فيه النصب - من حيث العربية - تسقط النون، فينتصب على الصرف عند الكوفيين، وبإضمار "أن" عند البصريين. ومنع ذلك أبو علي الفارسيّ، وأنكَرَه، وقال: الاستفهام واقع على اللبس فحسب، وأما {يَكْتُمُونَ} فخبر حتم، لا يجوز فيه إلا الرفع. يعني أنه ليس معطوفاً على {تَلْبِسُونَ}، بل هو استئناف، خَبَّر عنهم أنهم يكتمون الحقَّ مع علمهم أنه حَقٌّ. ونقل أبو محمد بن عَطِيَّة عن أبي عليٍّ أنه قال: الصَّرْف - هنا - يَقْبُح، وكذلك إضمار "أن" لأن "تَكتُمُونَ" معطوف على موجب مقرَّر، وليس بمستفهَم عنه، وإنما استفهم عن السبب في اللبس، واللبس موجب، فليست الآيةُ بمنزلةِ قولهم: لا تأكل السمكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، وليس بمنزلة قولك: أيقومُ فأقومَ؟ والعطف على الموجب المقرَّر قبيح متى نصب - إلا في ضرورة الشعر - كما رُوِي: [الوافر] شعر : 1506-............................. وَأَلْحَقَ بِالْحِجَازِ فَأسْتَرِيحَا تفسير : قال سيبويه - في قولك: أسِرْتَ حتى تَدْخُلَهَا -: لا يجوز إلا النَّصْبُ في "تدخلها" لأن السير مستفهم عنه غيرُ موجَب، وإذا قلنا: أيهم سار حتى يدخلُها؟ رفعت لأن السيرَ موجب والاستفهام إنما وقع عن غيره. قال أبو حيّان: وظاهر هذا النقل - عنه - معارضتُه لما نقل عنه قبله؛ لأن ما قبلَه فيه أن الاستفهام رفع عن اللبس فحَسْب، وأما {يَكْتُمُونَ} فخبر حَتْماً، لا يجوز فيه إلا الرفع، وفيما نقله ابن عطية أنَّ {يَكْتُمُونَ} معطوف على موجَب مقرَّر، وليس بمستفهم عنه، فيدل العطفُ على اشتراكهما في الاستفهام عن سبب اللبس، وسبب الكَتْم الموجبين، وفرق بين هذا المعنى، وبين أن يكون {يَكْتُمُونَ} إخْباراً محضاً، لم يشترك مع اللبس في السؤالِ عن السببِ، وهذا الذي ذهبَ إليه أبو علي من أن الاستفهام إذا تضمَّن وقوعَ الفعل، لا ينتصب الفعل بإضمار "أن" في جوابه وتبعه في ذلك جمال الدين ابن مالك، فقال في تسهيله: "أو لاستفهام لا يتضمَّن وقوعَ الفعلِ". فإن تضمن وقوع الفعلِ امتنع النصبُ عندَه، نحو: لِمَ ضربتَ زيداً فيجازِيَك؛ لأن الضرب قد وقع. ولم يشترط غيرُهما - من النحويين - ذلك، بل إذا تعذر سَبْك المصدر مما قبله - إمَّا لعدم تقدُّمِ فعل، وأما لاستحالة سَبْك المصدر المراد به الاستقبال؛ لأجل مُضِيِّ الفعل - فإنما يقدر مصعد مقدَّراً استقبالُه بما يدل عليه المعنى، فإذا قلت: لِمَ ضربتَ زيداً فاَضْرِبَك؟ فالتقدير: ليكن منك إعلام بضَرْبِ زيدٍ فمجازاة منا، وأما ما ردَّ به أبو علي الفارسي على الزجَّاج والفرَّاء ليس بلازم؛ لأنه قد منع أن يراد بالفعل المُضِيَّ معنى إذ ليس نصًّا في ذلك؛ إذْ قد يمكن الاستقبال لتحقيق صدوره لا سيما على الشخص الذي صدر منه أمثال ذلك، وعلى تقدير تحقُّق المُضِي فلا يلزم - أيضاً - لأنه - كما تقدم - إذا لم يُمْكن سَبْك مصدر مستقبل من الجملة الاستفهامية سبكناه من لازمها، ويدل على إلغاء هذا الشرطِ، والتأويل بما ذكرناه ما حكاه ابنُ كَيْسَان من رفع المضارع بعد فعلٍ ماضٍ، محقَّق الوقوع، مستفهَم عنه، نحو: أين ذهب زيد فنتَّبعُه؟ ومن أبوك فنكرمه؟ وكم مالك فنعرفُه؟ كل ذلك متأوَّل بما ذكرنا من انسباك المصدر المستقبل من لازم الجُمَل المتقدمة، فإن التقدير: ليكن منك إعلامٌ بذهاب زيد فاتباعٌ منا، وليكن منك إعلام بأبيك فإكرام له منا، وليكن منك تعريف بقدر مالك فمعرفة مِنَّا. قال شهابُ الدِّينِ: "وهذا البحثُ الطويلُ على تقدير شيء لم يَقَعْ، فإنه لم يُقْرَأ - لا في الشاذ ولا في غيره - إلا ثابتَ النون، ولكن للعلماء غرضٌ في تطويل البحث، تنقيحاً للذهن". ووراء هذا قراءة مُشْكِلَة، رَوَوْها عن عُبَيْد بن عُمَير، وهي: لِمَ تَلْبسُوا الحق بالباطل وَتَكْتُمُوا بحذف النون من الفعلين - وهي قراءة لا تَبْعد عن [لَغطِ البحث]، كأنه توهم أن "لَمْ" هي الجازمة، فجزم بها، وقد نقل المفسّرونَ عن بعض النُّحَاةِ - هنا - أنهم يجزمون بلم حملاً على "لم" - نقل ذلك السجاونديُّ وغيره عنهم، ولا أظن نحويّاً يقول ذلك ألبتة، كيف يقولون في جار ومجرور: إنه يَجْزِم؟ هذا ما لا يُتفَوَّهُ به ألبتة ولا نطيق سماعه، فإن ثبتت هذه القراءةُ ولا بد فلتكن مما حُذِف فيه نونُ الرفع تخفيفاً؛ حيث لا مقتضى لحَذْفها، ومن ذلك قراءة بعضهم: {قالوا ساحران تظَّاهرا} [القصص: 48] - بتشديد الظاء - الأصل: تتظاهران، فأدغم الثاني في الظاء، وحذف النون تخفيفاً، وفي الحديث: "حديث : والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا.."تفسير : يريد - عليه السلامُ -: لا تدخلون، ولا تؤمنون؛ لاستحالة النهي معنًى. وقال الشاعرُ: [الرجز] شعر : 1507- أبِيتُ أسْرِي، وَتَبِيتِي تَدْلُكِي وَجْهَكِ بالْعَنْبَر وَالْمِسْكِ الذَّكِي تفسير : يريد تبيتين وتدلُكين. ومثله قول أبي طالب: [الطويل] شعر : 1508- فَإنْ يَكُ قَوْمٌ سَرَّهُمْ مَا صَنَعْتُمُ سَتَحْتَلِبُوهَا لاَقِحاً غَيْرَ بَاهِلِ تفسير : يريد: ستحتلبونها. ولا يجوز أن يُتَوهَّم - في هذا البيت - أن يكون حذف النون لأجل جواب الشرط، لأن الفاء مُرادَة وجوباً؛ لعدم صلاحية "ستحتلبوها" جواباً؛ لاقترانه بحرف التنفيس. والمراد بالحق: الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة. قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة حالية، ومتعلق العلم محذوف، إما اقتصاراً، وإما اختصاراً - أي: وأنتم تعلمون الحق من الباطل، أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو تعلمون أن عقابَ مَنْ يفعل ذلك عظيم، وتعلمون أنكم تفعلون ذلك عناداً وحسداً. فصل في كلام القاضي قال القاضي: قوله تعالى: {لِمَ تَكْفُرُونَ}؟ و {لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} يدل على أن ذلك فعلهم؛ لأنه لا يجوز أن يخلقه فيهم، ثم يقول: لِمَ فعلتم؟ وجوابه: أن الفعل يتوقف على الداعية، فتلك الداعية إن حدثت لا لِمُحْدِث لزم نفي الصانع، وإن كان محدثها هو العبد افتقر إلى إرادة أخرى، وإن كان مُحْدِثُها هو الله - تعالى - لزمكم ما ألزمتموه علينا.
القشيري
تفسير : تكتمون الحق في شأن محمد عليه السلام وأنتم تعلمون أنه النبي الصادق، وهل هذا حكم الخذلان وقضية الحرمان، ثم أخبر أَنَّ منهم من ينافق في حالته، فيريد أن يدفع عنه أذى المسلمين، ولا يخالف إخوانه من الكافرين، فتواصوا فيما بينهم بموافقة الرسول عليه السلام والمسلمين جهراً، والخلوص في عقائدهم الفاسدة بعضهم مع بعض سِرَّاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا اهل الكتاب لم تلبسون} اى تخلطون {الحق بالباطل} المراد بالحق كتاب الله الذى انزله على موسى وعيسى عليهما السلام. وبالباطل ما حرفوه وكتبوه بايديهم وبخلط احدهما بالآخر ابراز باطلهم فى صورة الحق بان يقولوا الكل من عند الله تعالى {وتكتمون الحق} اى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته {وانتم تعملون} انه حق ثابت فى كتابكم.
الطوسي
تفسير : المعنى: قيل في معنى قوله: {لم تلبسون الحق بالباطل} ثلاثة أقوال: أحدها - بتحريف التوراة والانجيل في قول الحسن وابن زيد. الثاني - قال ابن عباس، وقتادة: باظهار الاسلام، وإبطان النفاق، وفي قلوبهم من اليهودية والنصرانية مأمناً، لأنهم يداعوا إلى اظهار الاسلام في صدر النهار والرجوع عنه في آخره لتشكيك الناس فيه. الثالث - بالايمان بموسى، وعيسى، والكفر بمحمد (صلى الله عليه وسلم). والحق الذي كتموه - في قول الحسن، وغيره من المفسرين -: هو ما وجدوه من صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) والبشارة به في كتبهم على وجه العناد من علمائهم. وقوله: {وأنتم تعلمون} فيه حذف وتقديره وأنتم تعلمون الحق، لأن التقريع قد دل على أنهم كتموا الحق وهم يعلمون أنه حق. ولو كتموه وهم لا يعلمون أنه حق لم يلائم معنى التقريع الذي دل على أنهم كتموا الحق وهم يعلمون أنه حق ولم يلائم معنى التقريع الذي دل عليه الكلام. وقيل أيضاً: وأنتم تعلمون الأمور التي يصح بها التكليف. والأول أصح، لما بيناه من الذم على الكتمان. فان قيل: إذا كانوا يعلمون الحق في الدين، فقد صح كونهم معاندين فلم ينكر مذهب أصحاب المعارف الذين يقولون أن كل كافر معاند؟ قلنا: هذا في قوم مخصوصين يجوز على مثلهم الكتمان، فأما الخلق الكثير، فلا يصح ذلك منهم، كما يجوز الكتمان على القليل، ولا يجوز على الكثير فيما طريقه الاخبار. على أن في الآية ما يدل على فساد قول أصحاب المعارف. وهو الاخبار بأنهم كتموا الحق الذي علموا، فلو اشترك الناس فيه، لما صح الكتمان كما لا يصح في ما يعلمونه من المشاهدات والضروريات، لاشتراكهم في العلم به. وقوله: {وتكتمون الحق} رفع، لأنه معطوف على قوله: {تلبسون} وكان يجوز النصب، فتقول: وتكتموا الحق على الصرف، كما لو قلت لم تقوم وتقعد كان جائزاً أي لم تجمع الفعلين وأنت مستغن باحدهما عن الآخر.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} كرّر النّداء لما ذكر من وجه الاتيان بنداء البعيد {لِمَ تَلْبِسُونَ} تخلطون {ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} والمراد به ما كانوا يفعلونه من تحريف التوراة والانجيل وكتمان ما فيهما من نعت محمّد (ص) ووصيّه (ع) ومن اظهار الاسلام صدر النّهار والرّجوع منه آخره تدليساً على المؤمنين وتشكيكاً لهم، ومن اظهار الكفر بمحمّد (ص) وابطان التّصديق به ومن اظهار تصديق موسى (ع) وعيسى (ع)، وابطان انكار ما ورد منهما فى نعت محمّد (ص) ويجرى ذلك الخلط والكتمان فى اهل الكتاب ممّن اسلم على يد محمّد (ص) بالبيعة العامّة او آمن بالبيعة الخاصّة فانّه يقال لهم: لم تلبسون العقائد الحقّة المأخوذة بالآراء الكاسدة النّفسانيّة، واللّمّات الالهيّة باللّمّات الشّيطانيّة، والزاجرات الملكيّة بالشّهوات الحيوانيّة، والعبادات القالبيّة والقلبيّة بالاغراض الفاسدة، ولو كانت قرباً من الله او رضاه من العابد او انعامه عليه {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الحقّ او اللّبس والكتمان، او انتم العلماء وكون الآية تعريضاً بالامّة ظاهر.
اطفيش
تفسير : {يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}: يخلطون الحق بالباطل، يعلمون فى قلوبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم، وينكرونه بألسنتهم ويلقون الشبهات فى ذلك، وهى الباطل يروج عنهم إنكارهم فتارة يقولون: إن الرسول الذى بشر به موسى حق، ولكنه ليس محمداً، بل صفته كذا وكذا مما هو على ضد صفته، صلى الله عليه وسلم، وتارة يقولون: محمد معترف برسالة موسى وبأن التوراة حق، والتوراة دالة أن شرع موسى ينسخ، ويمحون من التوراة ما كرهوا، ويريدون فيها ما أحبوا، ويكتبون أشياء من عند أنفسهم، ويزعمون أنها من الله، ويجوز أن يكون معنى لبس الحق بالباطل، خَلْطه به للتقصير فى التهم بأن يقولوا اليهودية والإسلام كلاهما حق، وبه فسر الحسن، يقال: يلبسهُ كضرب يضرب، بمعنى خلطهُ، وليس الثوب يلبس، كعلم يعلم، ومنه قرأ يحيى بن وثاب بفتح الباء، تشبيهاً لخلط الحق بالباطل، يلبس الثوب. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المتشبع بما ليس عنده، كلابس ثوبى زور"تفسير : يضرب مثلا لمن يظهر من نفسه، وليس كذلك المتشبع الذى يظهر الشبع وهو جائع، وثنى الثوب؛ لأن أقل ما يلبس ثوبان. وقال الفرزدق شعر : فلا أب وابناً مثل مَرْوان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزَّرا تفسير : وقرئ {تلبسون} بالتشديد للمبالغة، أعنى تأكيداً للبس وتكثيره. {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: {الحق}: رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وصفته تكتمونها حال كونهم عالمين بهما، قال قتادة: اجتمع بعض الأحبار من اليهود قيل أنهم من يهود خيبر، وذكر بعض أنهم اثنا عشر حبراً، وقال بعضهم لبعض: أظهروا الدخول فى دين محمد أول النهار من غير اعتقاد له، وأظهروا الكفر به آخر النهار. وقال الكلبى: كتبت يهود خيبر إلى يهود المدينة، أن يفعلوا ذلك وقولوا: إنا نظرنا فى كتبنا وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمداً ليس بذلك المنعوت، وظهر لنا كذبة وبطْلان دينه، فإذا فعلتم ذلك، شك أصحابه فى دينهم، فيقولون: لو كان أمر اليهود كفراً وحسداً لما آمنوا به ثم كفروا، فما كفروا بعد الإيمان وهم أصحاب العلم، والتوراة إلا لكونهم استقصوا البحث فى أمر محمد فوجدوه باطلا، يريدون تشكيك ضعفاء المسلمين، ولا تؤمنوا من قلوبكم إلا لمن تبع دينكم، وحاولوا ذلك سرا، فأخبر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بما حاولوه بقوله: {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ}.
اطفيش
تفسير : {يَا أهْل الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ} تخلطون {الْحَقَّ} المنزل {بِالبَاطِلِ} الذى تأتون به كذبا، فهما لا يفرق بينهما، وذلك بتبديل الباطل مكان الحق، وبالتأويل الزائغ، وبإسقاط ما أنزل، ويكذبون ويحسنون كذبهم، وبإظهار الإسلام إخفاءً للنفاق، فيتوصلون إلى غرض، وكما قالوا آمنا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار الخ، فإنهم إذا فعلوا ذلك فقد نافقوا {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَ} ما في التوراة والإنجيل من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه حق وتقرون به إذا خلوتم، وربما أمرتم به من سألكم من غريب ومن ملتم إليه، روى البخارى عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه، أنه جاءت امرأة وقالت: يا رسول الله، إن لى جارة، أى ضرة، فهل علىِّ جناح أن أتشبع من مال زوجى بما لم يعطنى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المتشبع بما لم يملك كلابس ثوبى زور، ومن استعار ثوبين يتجمل أو يتنسك بهما لتقبل شهادته يتأزر بأحدهما ويرتدى بالآخر"تفسير : ، ومن عادة العرب ألا يقبلوا شهادة من ليس لابس حلة، فكان أحدهم إذ لم يجدها استعارها، وأضاف التوبين الزور لأنهما يلبسان لأجله، وقد شهد زورا، وأظهر أن الثوبين له وليسا له، أو هو المرائى يلبس ثياب الزهاد وباطنه مملوء بالفساد.
الالوسي
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } أي تسترونه به، أو تخلطونه به، والباء صلة، وفي المراد أقوال: أحدها: أن المراد تحريفهم التوراة والإنجيل ـ قاله الحسن وابن زيد ـ وثانيها: أن المراد إظهارهم الإسلام وإبطانهم النفاق ـ قاله ابن عباس وقتادة ـ وثالثها: أن المراد الإيمان بموسى وعيسى والكفر بمحمد عليهم الصلاة والسلام، ورابعها أن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من حقية رسالته صلى الله عليه وسلم وما يظهرونه من تكذيبه، عن أبـي علي وأبـي مسلم، وقرىء {تَلْبِسُونَ } بالتشديد وهو بمعنى المخفف، وقرأ يحيـى بن وثاب {تَلْبِسُونَ } وهو من لبست الثوب، والباء بمعنى مع، والمراد من اللبس الاتصاف بالشيء، والتلبس به وقد جاء ذلك فيما رواه البخاري في «الصحيح» عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبـي زور» تفسير : . {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} أي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما وجدتموه في كتبكم من نعته والبشارة به {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه حق، وقيل: تعلمون الأمور التي يصح بها التكليف وليس بشيء.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} {بِٱلْبَاطِلِ} (71) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ كُفْرَهُمْ، وَخَلْطَهُمُ الحَقَّ الذِي جَاءَ بِهِ الأنْبِياءُ، وَنَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، بِالشُّبُهَاتِ الوَاهِيَةِ، والتَّأوِيلاتِ البَاطِلَةِ، وَعَدَمَ إذاعَتِهِم الحَقَّ صَرِيحاً وَاضِحاً بَعِيداً عَنِ التَّخْلِيطِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقَابَ اللهِ عَظِيمٌ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأعْمَالِ. تَلْبِسُونَ - تَخْلِطُونَ وَتُمَوِّهُونَ أوْ تَسْتُرُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومعنى "تلبس" هو إدخال شيء في شيء، فنحن عندما نرتدي ملابسنا، إنما ندخل أجسامنا في الملابس، وبهذا يختلف منظر اللابس والملبوس. وفي مجال الدعوة إلى الله نجد دائماً الحق وهو يواجه الباطل، إنهم يخلطون الحق بالباطل فهذه الآية تتحدث عن محاولة من بعض أهل الكتاب لإلباس الحق بالباطل، وقد حدث ذلك عندما حرفوا التوراة والإنجيل وأدخلوا فيها ما لم يأت به موسى عليه السلام أو عيسى عليه السلام، وكانت هذه هي محاولة ضمن محاولات أخرى لإلباس الحق بالباطل، ثم جاءت أكبر المحاولات لإلباس الحق بالباطل هو إنكارهم للبشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم أنها وردت في كتبهم السماوية. لقد أعلنوا الإيمان بموسى أو عيسى، ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، لقد أنكروا بشارة موسى وعيسى برسالة محمد الخاتمة، وكان ذلك قمة إلباس الحق بالباطل، لأنهم أعلنوا الإيمان برسولين ثم أنكروا الإيمان بالنبي الخاتم وذلك لأنهم كانوا يعلمون أن الإسلام الذي جاء به محمد رسول الله هو الدين الحق، وكانوا إذا ما خلوا إلى أنفسهم عرفوا ذلك ولكنهم يجحدونه. {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..}تفسير : [النمل: 14]. ومع ذلك فهم يحاولون العثور على حيلة ليبتعد بها الناس عن تلك الرسالة الخاتمة، تمادياً منهم في الكفر، ونزل قول الحق: {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} معناهُ تَخلِطُونَ الحَقَّ بالبَاطِلِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} [آل عمران: 71]، وهو ما يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل وأهوائكم وأرائكم الفاسدة، وهذا تنبيه من الله تعالى لعباده {أية : هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [البقرة: 120]، من يهدي فلا مضل له و{أية : مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ}تفسير : [الأعراف: 186]، ثم قال تعالى: {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71]؛ يعني: لا يمكن أن تكتموا الحق وأنتم تعلمون حقيقة؛ لأن ظهور الحق يقتضي زهوق الباطل، كما قال تعالى: {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} تفسير : [الإسراء: 81]. ثم أخبر عن فساد اعتقادهم بقوله تعالى: {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ} [آل عمران: 72]، الإشارة في الآيات: إن الحسد وإن كان مركوزاً في جبلة الإنسان ولكن له اختصاص بعالم يتعلم العلم؛ ليماري به السفهاء ويباهي به العلماء، ويجعله وسيلة لجمع المال ولحصول الجاه والقبول عند أرباب الدنيا، فيحسد على كل عالم أتاه الله تعالى حكمة فهو ينشرها ويفيد الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله تعالى مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله تعالى حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها" تفسير : أي: لا حسد كحسد الحاسد على هذين الرجلين، وكان حسد أحبار اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل، حتى قالت طائفة من أهل الكتاب وهي أخبارهم لأتباعهم: {آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [آل عمران: 72]، {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} [آل عمران: 72]، مكراً وخداعاً {وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]؛ يعني: المومنين على النبي صلى الله عليه وسلم وعن دينه حسداً على ما أتاه الله من فضله، وقالوا هذا المعنيين: أحدهما: تشكيك المؤمنين في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودينهم. والثاني: تثبيت اليهود على دينهم ومتابعة أخبارهم، يدل عليه قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73]؛ أرادوا به: أنفسهم ولا يصدقوا غيرهم ولا تتبعوا لهم حسداً من عند أنفسهم، فقال تعالى زعماً لا فهماً ورداً على قولهم: قل يا محمد لمعاشر المؤمنين: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 73]، إن الهدى الحقيقي بالذي لا ضلال بعده هو الهدى من الله فضلاً ورحمة، كما هداكم به، وما {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ} [آل عمران: 73]، من أهل الملل والأديان {مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ } [آل عمران: 73]، كما قال تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110]، {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 73]، وإن يحاجوكم فيما آتاكم الله من عنده {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 73]، يا محمد {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} [آل عمران: 73]، عطاءه {عَلِيمٌ} [آل عمران: 72]، بمستحق عطائه، وأهل رحمته {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 74]، مشيئة أزلية {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 74]، معك يا محمد ومع أمتك بتعينك، كما قال: {أية : وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}تفسير : [النساء: 113].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):