Verse. 365 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَقَالَتْ طَّاۗىِٕفَۃٌ مِّنْ اَھْلِ الْكِتٰبِ اٰمِنُوْا بِالَّذِيْۗ اُنْزِلَ عَلَي الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَجْہَ النَّہَارِ وَاكْفُرُوْۗا اٰخِرَہٗ لَعَلَّھُمْ يَرْجِعُوْنَ۝۷۲ۚۖ
Waqalat taifatun min ahli alkitabi aminoo biallathee onzila AAala allatheena amanoo wajha alnnahari waokfuroo akhirahu laAAallahum yarjiAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالت طائفة من أهل الكتاب» اليهود لبعضهم «آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا» أي القرآن «وجه النهار» أوله «واكفروا» به «آخره لعلهم» أي المؤمنين «يرجعون» عن دينهم إذ يقولون ما رجع هؤلاء عنه بعد دخولهم فيه وهم أولو علم إلا لعلمهم بطلانه.

72

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل أردف ذلك بأن حكى عنهم نوعاً واحداً من أنواع تلبيساتهم، وهو المذكور في هذه الآية وههنا مسائل: المسألة الأولى: قول بعضهم لبعض {آمنوا بِالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} ويحتمل أن يكون المراد كل ما أنزل وأن يكون المراد بعض ما أنزل. أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه الأول: أن اليهود والنصارى استخرجوا حيلة في تشكيك ضعفه المسلمين في صحة الإسلام، وهو أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الشرائع في بعض الأوقات، ثم يظهروا بعد ذلك تكذيبه، فإن الناس متى شاهدوا هذا التكذيب، قالوا: هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد، وإلا لما آمنوا به في أول الأمر وإذا لم يكن هذا التكذيب لأجل الحسد والعناد وجب أن يكون ذلك لأجل أنهم أهل الكتاب وقد تفكروا في أمره واستقصوا في البحث عن دلائل نبوته فلاح لهم بعد التأمل التام، والبحث الوافي أنه كذاب، فيصير هذا الطريق شبهة لضعفة المسلمين في صحة نبوته، وقيل: تواطأ اثنا عشر رجلاً من أحبار يهود خيبر على هذا الطريق. وقوله {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } معناه أنا متى ألقينا هذه الشبهة فلعل أصحابه يرجعون عن دينه. الوجه الثاني: يحتمل أن يكون معنى الآية أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين، ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء المؤمنين في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم ويرجعوا إلى دينكم، وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني ويدل عليه وجهان الأول: أنه تعالى لما قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ } تفسير : [النساء: 137] أتبعه بقوله {أية : بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ }تفسير : [النساء:138] وهو بمنزلة قوله {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤن} تفسير : [البقرة: 14] الثاني: أنه تعالى اتبع هذه الآية بقوله { وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } فهذا يدل على أنهم نهوا عن غير دينهم الذي كانوا عليه فكان قولهم {آمنوا وَجْهَ ٱلنَّهَارِ } أمر بالنفاق. الوجه الثالث: قال الأصم: قال بعضهم لبعض إن كذبتموه في جميع ما جاء به فإن عوامكم يعلمون كذبكم، لأن كثيراً مما جاء به حق ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض حتى يحمل الناس تكذيبكم له على الإنصاف لا على العناد فيقبلوا قولكم. الاحتمال الثاني: أن يكون قوله {ءَامِنُواْ بِالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} بعض ما أنزل الله والقائلون بهذا القول حملوه على أمر القبلة وذكروا فيه وجهين الأول: قال ابن عباس: وجه النهار أوله، وهو صلاة الصبح واكفروا آخره: يعني صلاة الظهر وتقريره أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ففرح اليهود بذلك وطمعوا أن يكون منهم، فلما حوله الله إلى الكعبة كان ذلك عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره {آمنواْ بِالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار } يعني آمنوا بالقبلة التي صلّى إليها صلاة الصبح فهي الحق، واكفروا بالقبلة التي صلّى إليها صلاة الظهر، وهي آخر النهار، وهي الكفر الثاني: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، فقال بعضهم لبعض صلوا إلى الكعبة في أول النهار، ثم اكفروا بهذه القبلة في آخر النهار وصلوا إلى الصخرة لعلّهم يقولون إن أهل الكتاب أصحاب العلم فلولا أنهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما تركوها فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة. المسألة الثانية: الفائدة في إخبار الله تعالى عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه الأول: أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم، وما أطلعوا عليها أحداً من الأجانب، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخباراً عن الغيب، فيكون معجزاً الثاني: أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإعلان لكان ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف الثالث: أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعاً لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس. المسألة الثالثة: وجه النهار هو أوله، والوجه في اللغة هو مستقبل كل شيء، لأنه أول ما يواجه منه، كما يقال لأول الثوب وجه الثوب، روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار، وشباب نهار، أي أول النهار، وأنشد الربيع بن زياد فقال:شعر : من كان مسروراً بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار

القرطبي

تفسير : نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيّف وغيرهما، قالوا للسفلة من قومهم: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، يعني أوّله. وسمي وجهاً لأنه أحسنه، وأوّل ما يُوَاجه منه أوّلُه. قال الشاعر:شعر : وتُضِيءُ في وجه النهارِ منيرةٌ كجُمَانة البحرِيّ سُلّ نِظامُها تفسير : وقال آخر:شعر : من كان مسروراً بمقتل مالكٍ فليأتِ نسوتنا بوجه نهارِ تفسير : وهو منصوب على الظرف، وكذلك «آخرَه». ومذهب قتادة أنهم فعلوا ذلك ليشككوا المسلمين. والطائفة الجماعة، من طاف يطوف، وقد يستعمل للواحد على معنى نفس طائفة. ومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد في أوّل النهار ثم ٱكفروا به آخرَه؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ٱرتياب في دينه فيرجعون عن دينه إلى دينكم، ويقولون إن أهل الكتاب أعلم به منا. وقيل: المعنى آمنوا بصلاته في أوّل النهار إلى بيت المقدس فإنه الحق، وٱكفروا بصلاته آخر النهار إلى الكعبة لعلهم يرجعون إلى قِبلتكم؛ عن ٱبن عباس وغيره. وقال مقاتل: معناه أنهم جاءوا محمداً صلى الله عليه وسلم أوّل النهار ورجعوا من عنده فقالوا للسّفلة: هو حق فاتبعوه، ثم قالوا: حتى ننظر في التوراة ثم رجعوا في آخر النهار فقالوا: قد نظرنا في التوراة فليس هو به. يقولون إنه ليس بحق، وإنما أرادوا أن يُلبسوا على السّفلة وأن يُشكِّكوا فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ } اليهود لبعضهم {ءَامِنُواْ بِاْلَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي القرآن {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ } أوله {وَٱكْفُرُواْ } به {ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ } أي المؤمنين {يَرْجِعُونَ } عن دينهم إذ يقولون ما رجع هؤلاء عنه بعد دخولهم فيه- وهم أولو علم - إلا لعلمهم بطلانه.

ابن عطية

تفسير : {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} أخبر تعالى في هذه الآية أن طائفة من اليهود من أحبارهم ذهبت إلى خديعة المسلمين بهذا المنزع، قال الحسن: قالت ذلك يهود خيبر ليهود المدينة، قال قتادة وأبو مالك والسدي وغيرهم: قال بعض الأحبار لنظهر الإيمان لمحمد صدر النهار ثم لنكفر به آخر النهار، فسيقول المسلمون عند ذلك: ما بال هؤلاء كانوا معنا ثم انصرفوا عنا؟ ما ذلك إلا لأنهم انكشفت لهم حقيقة في الأمر فيشكون، ولعلهم يرجعون عن الإيمان بمحمد عليه السلام. قال الفقيه الإمام أبو محمد: ولما كانت الأحبار يظن بهم العلم وجودة النظر والاطلاع على الكتاب القديم، طمعوا أن تنخدع العرب بهذه النزعة ففعلوا ذلك، جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكرة، فقالوا: يا محمد أنت هو الموصوف في كتابنا، ولكن أمهلنا إلىالعشي حتى ننظر في أمرنا، ثم رجعوا بالعشي، فقالوا: قد نظرنا ولست به {وجه} على هذا التأويل منصوب بقوله {آمنوا} والمعنى أظهروا الإيمان في {وجه النهار}، والضمير في قوله {آخره} عائد على {النهار}، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهم: نزلت الآية، لأن اليهود ذهبت إلى المكر بالمؤمنين، فصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم رجعوا آخر النهار، فصلوا صلاتهم ليرى الناس أنهم بدت لهم منه ضلالة، بعد أن كانوا اتبعوه. قال الفقيه الإمام: وهذا القول قريب من القول الأول، وقال جماعة من المفسرين: نزلت هذه الآية في أمر القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح إلى الشام، كما كان يصلي، ثم حولت القبلة، فصلى الظهر، وقيل العصر إلى مكة، فقالت الأحبار لتبّاعهم وللعرب: آمنوا بالذي أنزل في أول النهار واكفروا بهذه القبلة الأخيرة. قال الفقيه الإمام: والعامل في قوله {وجه النهار} على هذا التأويل قوله: {أنزل} والضمير في قوله: {آخره} يحتمل أن يعود على {النهار} أو يعود على "الذي أنزل"، و {يرجعون} في هذا التأويل، معناه عن مكة إلى قبلتنا التي هي الشام كذلك قال قائل هذا التأويل، و { وجه النهار} أوله الذي يواجه منه، تشبيهاً بوجه الإنسان، وكذلك تقول: صدرالنهار وغرة العام والشهر، ومنه قول النبي عليه السلام أقتلته في غرة الإسلام؟ ومن هذا قول الربيع بن زياد العبسي: [الكامل] شعر : من كان مسروراً بِمَقْتَل مالِكٍ فَلْيَأتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ يَجِدِ النِّساءَ حَوَاسِراً يَنْدُبْنَهُ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبلُّجِ الأَسْحَارِ تفسير : يقول هذا في مالك بن زهير بن جذيمة العبسي وكانوا قد أخذوا بثأره، وكان القتيل عندهم لا يناح عليه ولا يندب إلا بعد أخذ ثأره، فالمعنى من سره مصابنا فيه فلينظر إلى ما يدله على أنّا قد أدركنا ثأره، فيكمد لذلك ويغتم، ومن استعارة الوجه قولهم: فعلت كذا على وجه الدهر، أي في القديم. وذكر الله تعالى عن هذه الطائفة من أهل الكتاب، أنهم قالوا: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} ولا خلاف بين أهل التأويل أن هذا القول هو من كلام الطائفة، واختلف الناس في قوله تعالى: {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم}، فقال مجاهد وغيره من أهل التأويل. الكلام كله من قول الطائفة لأتباعهم، وقوله تعالى: {قل إن الهدى هدى الله} اعتراض بين الكلامين. قال القاضي: والكلام على هذا التأويل يحتمل معاني: أحدها: ولا تصدقوا تصديقاً صحيحاً وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم كراهة أو مخافة أو حذاراً أن يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم، وحذراً أن يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد والكفر، مع المعرفة بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون التقدير، أن لا يؤتى فحذفت - لا - لدلالة الكلام، ويحتمل الكلام أن يكون معناه، ولا تصدقوا وتؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم وجاء بمثله وعاضداً له، فإن ذلك لا يؤتاه غيركم، {أو يحاجوكم عند ربكم}، بمعنى: إلا أن يحاجوكم، كما تقول: أنا لا أتركك أو تقتضيني حقي، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم على اعتقاد منهم أن النبوة لا تكون إلا في بني إسرائيل، ويحتمل الكلام أن يكون معناه: ولا تؤمنوا بمحمد وتقروا بنبوته، إذ قد علمتم صحتها، إلا لليهود الذين هم منكم، و {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم}، صفة لحال محمد فالمعنى، تستروا بإقراركم، ان قد أوتي أحد مثل ما أوتيتم، أو فإنهم يعنون العرب يحاجوكم بالإقرار عند ربكم، قال أبو علي و {تؤمنوا} تعدى بالباء المقدرة في قوله {أن يؤتى} كما تعدى أول الآية في قوله، {بالذي أنزل} واللام في قوله، {لمن اتبع}، لا يسهل أن تعلق بــ {تؤمنوا}، وأنت قد أوصلته بالباء فتعلق بالفعل جارين، كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين إذا كان لا يتعدى إلا إلى واحد، وإنما يحمل أمر هذه اللام على المعنى، والمعنى: لاتقروا بأن الله يؤتي أحداً مثل ما أوتيتم إلا لمن، فهذا كما تقول: أقررت لزيد بألف فتكون اللام متعلقة بالمعنى ولا تكون زائدة على حد {أية : إن كنتم للرؤيا تعبرون} تفسير : [يوسف: 43] ولا تتعلق على حد المفعول، قال أبو علي: وقد تعدى "آمن" باللام في قوله {أية : فما آمن لموسى إلا ذرية} تفسير : [يونس: 83] وقوله {أية : آمنتم له} تفسير : [طه: 71] [الشعراء:49] وقوله {أية : يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} تفسير : [التوبة: 61] واحد، إنما دخل في هذا الكلام بسبب النفي الواقع في أوله، قوله: {لا تؤمنوا} كما دخلت - من - في قوله {أية : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} تفسير : [البقرة: 105] فكما دخلت - من - في صلة أن ينزل، لأنه مفعول النفي اللاحق لأول الكلام، فكذلك دخل {أحد} في صلة - أن - في قوله {أن يؤتى أحد} لدخول النفي في أول الكلام. قال القاضي: وهذا لأن أحداً الذي فيه الشياع، لا يجيء في واجب من الكلام، لأنه لا يفيد معنى، وقرأ ابن كثير وحده بين السبعة "آن يؤتى" بالمد على جهة الاستفهام الذي هو تقرير، وفسر أبو علي قراءة ابن كثير على أن الكلام كله من قول الطائفة، إلا الاعتراض الذي هو: {قل إن الهدى هدى الله} فإنه لا يختلف أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قال: فلا يجوز مع الاستفهام أن يحمل {أن يؤتى} على ما قبله من الفعل، لأن الاستفهام قاطع، فيجوز أن تكون - أن - في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف تقديره تصدقون به أو تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، ونحو هذا مما يدل عليه الكلام ويكون {يحاجوكم} على هذا معطوفاً على {أن يؤتى} قال أبو علي: ويجوز أن يكون موضع - أن - منصوباً، فيكون المعنى: أتشيعون أو أتذكرون {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم}؟ ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم {أية : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} تفسير : [البقرة: 76] فعلى كل الوجهين معنى الآية، توبيخ من الأحبار للأتباع على تصديقهم بأن محمداً نبي مبعوث، ويكون قوله تعالى: {أو يحاجوكم} في تأويل نصب أن أي أو تريدون أن يحاجوكم. قال أبو علي: و {أحد} على قراءة ابن كثير هو الذي يدل على الكثرة، وقد منع الاستفهام القاطع من أن يشفع لدخوله النفي الذي في أول الكلام، فلم يبق إلا أن يقدر أن أحداً الذي في قولك، أحد وعشرون وهو يقع في الإيجاب لأنه بمعنى واحد، وجمع ضميره في قوله {أو يحاجوكم} حملاً على المعنى، إذ لأحد المراد بمثل النبوة اتباع، فهو في معنى الكثرة، قال أبو علي: وهذا موضع ينبغي أن ترجح فيه قراءة غير ابن كثير على قراءة ابن كثير، لأن الأسماء المفردة ليس بالمستمر أن تدل على الكثرة. قال القاضي: إلا أن أحداً في مثل النبوة يدل عليها من حيث يقتضي الاتباع، وقرأ الأعمش، وشعيب بن أبي حمزة - "إن يؤتى" - بكسر الهمزة بمعنى، لم يعط أحد مثل ما أعطيتم من الكرامة وهذه القراءة يحتمل بمعنى فليحاجوكم، وهذا على التصميم على أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتي، ويحتمل أن تكون بمعنى، إلا أن يحاجوكم، وهذا على تجويز أن تؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له، فهذا ترتيب التفسير والقراءات على قول من قال: الكلام كله من قول الطائفة. وقال السدي وغيره: الكلام كله من قوله {قل إن الهدى هدى الله}،إلى آخر الآية هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله لأمته، وحكى الزجّاج وغيره أن المعنى: قل إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وحكي عن بعض النحويين أن المعنى: أن لا يؤتى أحداً، وحذفت -لا- لأن في الكلام دليلاً عليها، كما في قوله تعالى: {أية : يبين الله لكم أن تضلوا} تفسير : [النساء: 176] أي أن لا تضلوا، وحكي عن أبي العباس المبرد: لا تحذف لا، وإنما المعنى كراهة أن تضلوا، وكذلك هنا كراهة "أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم"، أي ممن خالف دين الإسلام، لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار، فهدى الله بعيد من غير المؤمنين. قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وتبعد من هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد، وتحمل عليه قراءة الأعمش وابن أبي حمزة - إن يؤتى-، بكسر الألف، كأنه عليه السلام يخبر أمته أن الله لا يعطي أحداً ولا أعطى فيما سلف مثل ما أعطى أمة محمد عليه السلام لكونها وسطاً ويكون قوله تعالى: {أو يحاجوكم} على هذه المعاني التي ترتبت في قول السدي، تحتمل معنيين أحدهما "أو فليحاجوكم عند ربكم"، يعني اليهود، فالمعنى لم يعط أحد مثل حظكم وإلا فليحاجوكم من ادعى سوى ذلك، والمعنى الثاني: أن يكون قوله، {أو يحاجوكم} بمعنى التقرير والإزراء باليهود، كأنه قال: أو هل لهم أن يحاجوكم أو يخاصموكم فيما وهبكم الله وفضلكم به؟ وقوله: {هدى الله} على جميع ما تقدم خبران. وقال قتادة والربيع: الكلام من قوله {قل إن الهدى هدى الله} إلى آخر الآية، هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله للطائفة التي قالت {لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} وتتفق مع هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد، وتقدير الخبر المحذوف {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم}، حسدتم وكفرتم، ويكون قوله {أو يحاجوكم} محمولاً على المعنى، كأنه قال: أتحسدون أو تكفرون لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟ {أو يحاجوكم} على ما أوتوه فإنه يغلبونكم بالحجة، وأما على قراءة غير ابن كثير بغير المد، فيحتمل أن يكون بمعنى التقرير بغير حرف استفهام، وذلك هو الظاهر من لفظ قتادة فإنه قال: يقول لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم وبعث نبياً مثل نبيكم حسدتموهم على ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: {أن يؤتى} بدلاً من قوله {هدى الله} ويكون المعنى: قل إن الهدى هدى الله، وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن، ويكون قوله {أو يحاجوكم} بمعنى، أو فليحاجوكم، فإنه يغلبونكم، ويحتمل قوله، {أن يؤتى} خبر - "إن" ويكون قوله {هدى الله} بدلاً من الهدى، وهذا في المعنى قريب من الذي قبله، وقال ابن جريج: قوله تعالى: {أن يؤتى} هو من قول محمد صلى الله عليه وسلم لليهود، وتم الكلام في قوله {أوتيتم} وقوله تعالى: {أو يحاجوكم} متصل بقول الطائفة {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} ومنه، وهذا القول يفسر معانيه ما تقدم في قول غيره من التقسيم والله المستعان. وقرأ ابن مسعود: "أن يحاجوكم" بدل {أو}، وهذه القراءة تلتئم مع بعض المعاني التي تقدمت ولا تلتئم مع بعضها، وقوله {عند ربكم} يجيء في بعض المعاني على معنى عند ربكم في الآخرة، ويجيء في بعضها على معنى عند كتب ربكم، والعلم الذي جعل في العباد، فأضاف ذلك إلى الرب تشريفاً، وكأن المعنى أو يحاجوكم عند الحق، وقرأ الحسن "إن يؤتى" أحد بكسر الهمزة والتاء، على إسناد الفعل إلى {أحد}، والمعنى: أن إنعام الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وأظهر ما في القراءة أن يكون خطاباً من محمد عليه السلام لأمته، والمفعول محذوف تقديره إن يؤتي أحد أحداً. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأَمْنَهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمَا} في قوله تعالى: {قل إن الفضل بيد الله} إلى قوله {العظيم}، تكذيب لليهود في قولهم: نبوءة موسى مؤبدة، ولن يؤتي الله أحداً مثل ما آتى بني إسرائيل من النبوة والشرف، وسائر ما في الآية من لفظة {واسع} وغير ذلك قد تقدم نظيره. ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب أنهم قسمان في الأمانة، ومقصد الآية ذم الخونة منهم، والتفنيد لرأيهم وكذبهم على الله، في استحلالهم أموال العرب، وفي قراءة أبي بن كعب "تيمنه" بتاء وياء في الحرفين وكذلك -تيمنا- في يوسف، قال أبو عمرو الداني: وهي لغة تميم. قال القاضي: وما أراها إلا لغة قرشية، وهي كسر نون الجماعة كنستعين، وألف المتكلم كقول ابن عمر، لا إخاله، وتاء المخاطب كهذه الآية ولا يكسرون الياء في الغائب وبها قرأ أبي بن كعب في "تيمنا" وابن مسعود والأشهب العقيلي وابن وثاب، وقد تقدم القول في "القنطار" في صدر السورة وقرأ جمهور الناس، "يؤدهِ إليك" بكسر الهاء التي هي ضمير القنطار، وكذلك في الأخرى التي هي ضمير "الدينار"، واتفق أبو عمرو وحمزة وعاصم والأعمش على إسكان الهاء، وكذلك كل ما أشبهه في القرآن، نحو {أية : نصله جهنم} تفسير : [النساء: 115] و {نؤته} {نوله} إلا حرفاً حكي عن أبي عمرو أنه كسره، وهو قوله تعالى: {أية : فألقه إليهم} تفسير : [النمل: 28] قال أبو إسحاق: وهذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بين لأن الهاء لا ينبغي أن تجزم، وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسرة فغلط عليه، كما غلط عليه في بارئكم، وقد حكى عنه سيبويه، وهو ضابط لمثل هذا: أنه يكسر كسراً خفيفاً، و"القنطار" في هذه الآية: مثال للمال الكثير يدخل فيه أكثر من القنطار وأقل، وأما "الدينار" فيحتمل أن يكون كذلك، مثالاً لما قل، ويحتمل أن يريد طبقة لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يعن لذكر الخائنين في أقل إذ هم طغام حثالة، وقرأ جمهور الناس "دُمت" بضم الدال، وقرأ ابن وثاب والأعمش وأبو عبد الرحمن السلمي وابن أبي ليلى والفياض بن غزوان وغيرهم: "دِمت ودِمتم"، بكسر الدال في جميع القرآن، قال أبو إسحاق: من قوله: "دمت"، تدام، نمت، تنام، وهي لغة، ودام معناه ثبت على حال ما، والتدويم على الشيء الاستدارة حول الشي ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] شعر : والشمس حَيرَى لهَا في الْجوَّ تَدْوِيمْ تفسير : والدوام، الدوار يأخذ في رأس الإنسان، فيرى الأشياء تدور له، وتدويم الطائر في السماء، هو ثبوته إذا صفّ واستدار والماء الدائم وغيره هو الذي كأنه يستدير حول مركزه، وقوله {قائماً} يحتمل معنيين قال الزجّاج وقتادة ومجاهد: معناه قائماً على اقتضاء دينك. قال الفقيه الإمام أبو محمد: يريدون بأنواع الاقتضاء من الحفز والمرافعة إلى الحكام، فعلى هذا التأويل، لا تراعى هيئة هذا الدائم بل اللفظة من قيام المرء على أشغاله، أي اجتهاده فيها، وقال السدي وغيره: {قائماً} في هذه الآية معناه: قائماً على رأسه، على الهيئة المعروفة، وتلك نهاية الحفز، لأن معنى ذلك أنه في صدر شغل آخر، يريد أن يستقبله، وذهب إلى هذا التأويل جماعة من الفقهاء وانتزعوا من الآيات جواز السجن، لأن الذي يقوم عليه غريمه فهو يمنعه من تصرفاته في غير القضاء، ولا فرق بين المنع من التصرفات وبين السجن، وهذه الآية وما بعدها نزلت فيما روي، بسبب أن جماعة من العرب كانت لهم ديون في ذمم قوم من أهل الكتاب، فلما أسلم أولئك العرب قالت لهم اليهود: نحن لا نؤدي إليكم شيئاً حين فارقتم دينكم الذي كنتم عليه، فنزلت الآية في ذلك وروي أن بني إسرائيل كانوا يعتقدون استحلال أموال العرب لكونهم أهل أوثان، فلما جاء الإسلام وأسلم من أسلم من العرب بقي اليهود فيهم على ذلك المعتقد، فنزلت الآية حامية من ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا كل شيء من أمر الجاهلية فهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر". قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِى الأَخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الإشارة بـــ {ذلك} إلى كونهم لا يؤدون الأمانة في دينار فما فوقه، على أحد التأويلين، والضمير في، {قالوا}، يعني به لفيف بني إسرائيل، لأنهم كانوا يقولون: نحن أهل الكتاب، والعرب أميون أصحاب أوثان، فأموالهم لنا حلال متى قدرنا على شيء منها لا حجة علينا في ذلك ولا سبيل لمعترض وناقد إلينا في ذلك، و"الأميون" القوم الذين لا يكتبون لأنهم لا يحسنون الكتابة، وقد مر في سورة البقرة اشتقاق اللفظ واستعارة السبيل، هنا في الحجة هو على نحو قول حميد ابن ثور: شعر : وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة من السرح موجود عليَّ طريق تفسير : وقوله تعالى: {أية : فأولئك ما عليهم من سبيل} تفسير : [الشورى:41] هو من هذا المعنى، وهو كثير في القرآن وكلام العرب، وروي أن رجلاً قال لابن عباس: إنا نمر في الغزو بأموال أهل الذمة فنأخذ منها الشاة والدجاجة ونحوها قال: وتقولون ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بأس، فقال ابن عباس: هذا كما قال أهل الكتاب: {ليس علينا في الأميين سبيل}، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم، وقوله تعالى: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} ذم لبني إسرائيل بأنهم يكذبون على الله تعالى في غير ما شيء، وهم علماء بمواضع الصدق لو قصدوها، ومن أخطر ذلك أمر محمد صلى الله عليه وسلم، هذا قول جماعة من المتأولين، وروي عن السدي وابن جريج وغيرهما: أن طائفة من أهل الكتاب ادعت أن في التوراة إحلال الله لهم أموال الأميين كذباً منها وهي عالمة بكذبها في ذلك قالا: والإشارة بهذه الآية إلى ذلك الكذب المخصوص في هذا الفصل. ثم رد الله تعالى في صدر قولهم، ليس علينا بقوله {بلى} أي عليهم سبيل وحجة وتبعة، ثم أخبر على جهة الشرط أن {من أوفى} بالعهد {واتقى} عقوبة الله في نقضه، فإنه محبوب عند الله، وتقول العرب: وفى بالعهد، وأوفى به بمعنى، وأوفى، هي لغة الحجاز وفسر الطبري وغيره، على أن الضمير في قوله {بعهده} عائد على الله تعالى، وقال بعض المفسرين: هو عائد على {من}. قال الفقيه الإمام أبو محمد: والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لأن أمر الله تعالى بالوفاء مقترن بعهد كل إنسان، وقال ابن عباس: {اتقى} في هذه الآية، معناه: اتقى الشرك، ثم خرج جواب الشرط على تعميم المتقين تشريفاً للتقوى وحضّاً عليها. وقوله تعالى: {الذين يشترون بعهد الله} الآية آية وعيد لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة وهي آية يدخل فيها الكفر فيما دونه من جحد الحقوق وختر المواثيق، وكل أحد يأخذ من وعيد الآية على قدر جريمته، واختلف المفسرون في سبب نزولها، فقال عكرمة: نزلت في أحبار اليهود، أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، تركوا عهد الله في التوراة للمكاسب والرياسة التي كانوا بسبيلها، وروي أنها نزلت بسبب خصومة الأشعث بن قيس مع رجل من اليهود في أرض فوجبت اليمين على اليهودي فقال الأشعث: إذن يحلف يا رسول الله ويذهب بمالي، فنزلت الآية، وروي أن الأشعث بن قيس اختصم في أرض مع رجل من قرابته فوجبت اليمين على الأشعث وكان في الحقيقة مبطلاً قد غصب تلك الأرض في جاهليته فنزلت الآية، فنكل الأشعث عن اليمين، وتحرج وأعطى الأرض وزاد من عنده أرضاً أخرى، وروي أن الآية نزلت بسبب خصومة لغير الأشعث بن قيس، وقال الشعبي: نزلت الآية في رجل أقام سلعة في السوق من أول النهار، فلما كان في آخره جاءه رجل فساومه فحلف حانثاً لقد منعها في أول النهار من كذا وكذا ولولا المساء ما باعها، فنزلت الآية بسببه، وقال سعيد بن المسيب، اليمين الفاجرة من الكبائر، ثم تلا هذه الآية وقال ابن مسعود: كنا نرى ونحن مع نبينا أن من الذنب الذي لا يغفر يمين الصبر، إذا فجر فيها صاحبها، وقد جعل الله "الأيمان" في هذه الألفاظ مشتراة فهي مثمونة أيضاً، والخلاق: الحظ والنصيب والقدر، وهو مستعمل في المستحبات، وقال الطبري: {ولا يكلمهم الله} معناه بما يسرهم وقال غيره: نفى تعالى أن يكلمهم جملة لأنه يكلم عباده المؤمنين المتقين، وقال قوم من العلماء: وهي عبارة عن الغضب، المعنى لا يحفل بهم ولا يرضى عنهم {ولا يزكيهم} يحتمل معنيين، أحدهما يطهرهم من الذنوب وأدرانها، والآخر ينمي أعمالهم، فهي تنمية لهم، والوجهان منفيان عنهم في الآخرة و {أليم} فعيل بمعنى، مفعل، فالمعنى، مؤلم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {آن يؤتى} بهمزتين وتليين الثانية: ابن كثير. الباقون بهمزة واحدة {يؤدهى ولا يؤدهى} ابن كثير ونافع غير قالون وابن عامر وعلي وخلف وحفص والمفضل وعباس وسهل وزيد عن يعقوب، وقرأه أبو جعفر وقالون يعقوب غير زيد وأبو عمرو في رواية الزيدي طريق أبي أيوب الهاشمي بالاختلاس. الباقون ساكنة الهاء. {تعلمون} بالتشديد. عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر. فحذف المفعول الأول للعلم به وهو الناس. الباقون {تعلمون} بالتخفيف من العلم. {ولا يأمركم} بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي والأعشى والبرجمي وأبو زيد غير المفضل، وقرأ أبو عمرو بالاختلاس. الباقون بالنصب. / الوقوف: {يرجعون} ج للعطف {دينكم} ط {هدى الله} (لا) لأن التقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أويتم إلا لمن تبع دينكم. وقوله: "قل" مع مقوله معترض. ومن قرأ {آن يؤتى} مستفهماً وقف عليها. {عند ربكم} ط {بيد الله} ج ط لأن {يؤتيه} لا يتعلق بما قبله مع أن ضمير فاعله عائد إلى الله. {من يشاء} ط {عليم} ه ط ج لاحتمال الاستئناف والصفة. {من يشاء} ط {العظيم} ه {إليك} الأولى ج لتضاد الجملتين معنى مع اتفاقهما لفظاً. {قائماً} ط {سبيل} ج لأن الواو للاستئناف مع اتساق معنى الكلام {يعلمون} ه {للمتقين} ه {يزكيهم} ص {أليم} ه {وما هو من الكتاب} ج لعطف المتفقتين مع وقوع العارض {وما هو عند الله} ج {يعلمون} ه {تدرسون} ه لا لمن قرأ {ويأمركم} بالنصب عطفاً على {أن يؤتيه} {أرباباً} ط {مسلمون} ه. التفسير: هذا نوع آخر من تلبيساتهم. وقوله {بالذي أنزل} يحتمل أن يراد كل ما أنزل الله عليهم، ويحتمل أن يراد بعض ما أنزل. أما الاحتمال الأول فقول الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان دون الاعتقاد {وجه النهار} أي أوله. والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ومنه وجه الثوب لأول ما يبدو منه. روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وشباب نهار. وأنشد الربيع بن زياد: شعر : من كان مسروراً بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه قد قمن قبل تبلج الأسحار تفسير : وذلك أنه كان من عادتهم أن لا يظهروا الجزع على المقتول إلى أن يدركوا الثأر. فمعنى البيت من كان مسروراً فليرَ أثر تشفي الغيظ ودرك الثأر قبل أن يمضي على المقتول تمام يوم وليلة. واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، فإن أصحابه متى شاهدوا هذا غلب على ظنونهم أن هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإنما ذلك الأمر لأجل أنهم أهل كتاب وقد تفكروا في أمره وفي دلائل نبوته، فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الشافي أنه كذاب فيكون في هذا الطريق تشكيك لضعفة المسلمين فربما يرجعون عن دينهم. وقال أبو مسلم: معنى وجه النهار وآخره أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم / فيرجعوا إلى دينكم، فتكون هذه الآية كقوله: {أية : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} تفسير : [البقرة: 14]. وقال الأصمْ: معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين، وذلك أنه قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيراً مما جاء به حق، ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن دين الإسلام والرغبة فيه. وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في شأن القبلة ثم اختلفوا. فعن ابن عباس: وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، وآخره صلاة الظهر. وتقريره حديث : أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس ففرح اليهود بذلك، فلما حوّله الله إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره: آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحقتفسير : . وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم فقالوا: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم يقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين. ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ويصير ذلك وازعاً لهم. وفيه أيضاً أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً. ثم قال تعالى: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} اتفق المفسرون على أنه من بقية حكاية كلام أهل الكتاب. واتفقوا على أن قوله: {قل إن الهدى هدى الله} وكذا قوله: {قل إن الفضل بيد الله} إلى آخرها كلام الله إلا أنهم اختلفوا في أن قوله: {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم} من جملة كلام الله، أو من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} فهذان احتمالان ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى تقدير وإضمار، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة. أما الاحتمال الأول فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر. وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر. والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم تنكرون اتباعه؟ فحذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير. ويقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه: أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك؟ ونظيره قوله: {أية : أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه} تفسير : [الزمر: 9] ومعنى قول حكاية عنهم {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} على هذا الوجه لا تصدقوا إلا نبياً / يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم. واللام زائدة مثل {أية : ردف لكم} تفسير : [النمل: 72] فإنه يقال: صدقت فلاناً ولا يقال صدقت لفلان. فأمر الله نبيه أن يقول لهم في الجواب إن الدين دين الله، فكل ما رضيه ديناً فهو الدين الذي يجب متابعته كقوله في جواب قولهم: {أية : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب} تفسير : [البقرة: 142] ثم وبخهم بالاستفهام المذكور. ويحتمل أن يكون المعنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم. فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم {قل إن الهدى هدى الله} وقد جئتكم به فلن ينفعكم هذا الكيد الضعيف. ثم استفهم فقال: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتم لا لشيء آخر؟ يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم؟ ثم قال: {أو يحاجوكم} يعني دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل بالإيتاء عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم لأن ما أوتوا مثل ما أوتيتم، فحين لم تؤمنوا به ثبت لهم حجة عليكم. وأما إن لم تقدر همزة الاستفهام فالتقدير إما كما سبق. أو يقال: {الهدى} اسم "إن" و{هدى الله} بدل منه. والتقدير: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. ويكون "أو" بمعنى "حتى" ويتم الكلام بمحذوف أي حتى يحاجوكم عند ربكم فيقضي لهم عليكم ويدحض حجتكم، أو يقال: {أن يؤتى} مفعول فعل محذوف هو لا تنكروا لأنه لما كان الهدى هدى الله كان له أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار فصح أن يقال: لا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم من الهدى ما أوتيتموه أو يحاجوكم - يعني هؤلاء المسلمين - بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم. أو يقال {الهدى} اسم للبيان و{هدى الله} بدل ويضمر لا بعد "إن" مثل {أية : أن تضلوا} تفسير : [النساء: 176] أي لا تضلوا. والتقدير: قل يا محمد لأمتك إن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، وأن لا يحاجوكم - يعني هؤلاء اليهود - عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم مهتدون وأنهم ضالون. وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله: {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} من تتمة كلام اليهود، وقوله: {قل إن الهدى هدى الله} جملة معترضة. فمعناه لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أو لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم. فحذف حرف الجر من "أن" على القياس. قال في الكشاف: أراد أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا / تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام. وقوله: {أو يحاجوكم} عطف على {أن يؤتى} والضمير في {يحاجوكم} لـ {أحد} لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة. قال: ومعنى الاعتراض، أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين. وكذلك قوله: {قل إن الفضل بيد الله} مؤكد للاعتراض الأول، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد تمام الكلام كقوله: {أية : وكذلك يفعلون} تفسير : [النمل: 34] بعد قوله: {أية : إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} تفسير : [النمل: 34] فإن قيل: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار؟ ربما يدل على صحة دين محمد صلى الله عليه وسلم عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب. فالجواب: ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم، بل المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم. على أنه يحتمل أن يكون شائعاً ولكن البغي والحسد كان يحملهم على الكتمان من غيرهم. فإن قيل: كيف وقع قوله: {قل إن الهدى هدى الله} فيما بين جزأي كلام واحد؟ وهذا لا يليق بكلام الفصحاء؟ قلت: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا كلاماً أمر الله نبيه أن يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد. كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله، أو تعالى الله، ثم يعود إلى تلك الحكاية. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيده. واعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين: أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام فأجاب بقوله: {قل إن الهدى هدى الله}. وذلك أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر. وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ا أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} والمراد بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان. والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير. ومعنى قوله {بيد الله} أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله {يؤتيه من يشاء}. وفيه دليل / على النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز {والله واسع} كامل القدرة {عليم} بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا {يختص برحمته من يشاء} والحاصل أنه بين بقوله: {إن الفضل بيد الله} أنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه. ثم قال: {يختص برحمته من يشاء} والرحمة المضافة إليه تعالى أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون أشرف وأعظم. {والله ذو الفضل العظيم} فمن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة وعلى أشخاص معينين كان جاهلاً بكمال الله تعالى في قدرته وحكمته. ثم إنه تعالى كذبهم في دعواهم الاختصاص بالمناصب العالية فإن فيهم الخيانة المستقبحة في جميع الأديان ونقص العهد والكذب على الله إلى غير ذلك من القبائح فقال: {ومن أهل الكتاب} الآية. فيها دلالة على انقسامهم إلى قسمين: أهل للأمانة وأهل للخيانة. فقيل: إن أهل الأمانة هم الذي أسلموا، أما الذي بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من يخالفهم في الدين وأخذ أموالهم. وقيل: إن أصحاب الأمانة هم النصارى لغلبة الأمانة عليهم، وأهل الخيانة اليهود لكثرة ذلك فيهم. وقال ابن عباس: {من إن تأمنه بقنطار يؤده} هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه و{من إن تأمنه بدينار لا يؤده} هو فنحاص بن عازورا استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه. وقال أهل الحقيقة: هي فيمن يؤتى كثيراً من الدنيا فيخرج عن عهدته بعدم الالتفات إليه وقطع النظر عنه ثقة بالله وتوكلاً عليه واكتفاء به، وفيمن يمتحن بالدنيا فيكون همه مقصوراً عليها معرضاً عما سواها غير مؤد حقوقها. ويقال: أمنته بكذا وعلى كذا، فمعنى الباء إلصاق الأمانة بحفظها وحياطتها، ومعنى "على" استعلاؤها والاستيلاء عليها. والمراد بالقنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل فلا حاجة إلى تعيينه. وأما الأقوال فيه فقد مرت في أوائل السورة. وقد يستدل بما روينا عن ابن عباس أن القنطار ألف ومائتا أوقية. ويدخل تحت القنطار والدينار العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين لكنه نقل عن ابن عباس أنه محمول على المبايعة فقال: منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك. ونقلنا عنه أيضا أنها نزلت في الوديعة. وأما قوله {إلا ما دامت عليه قائماً} فمنهم من حمله على حقيقته. قال السدي: يعني إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه مجتمعاً معه ملازماً إياه، فإن / أنظرت وأخرت أنكر. ومنهم من يحمله على الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة. قال ابن قتيبة: أصله أن الطالب للشيء يقوم به والتارك له يقعد عنه ومنه قوله تعالى: {أية : أمة قائمة} تفسير : [آل عمران: 113] أي عاملة بأمر الله غير تاركة له. وقال أبو علي الفارسي: إنه في اللغة الدوام والثبات ومنه قوله: {أية : ديناً قيماً} تفسير : [الأنعام: 161] أي ثابتاً لا ينسخ. فمعنى الآية إلا دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال. {ذلك} الاستحلال وترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده بسبب أنهم يقولون ليس علينا في ما أصبنا من أموال العرب سبيل بالخطاب والعتاب. إما لأنهم يبالغون في التعصب لدينهم حتى استحلوا قتل المخالف وأخذ ماله بأي طريق كان، وإما لأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا في الإسلام أنه كفر فيحكمون على المسلمين بالردة فيستحلون دماءهم وأموالهم. روي أن اليهود عاملوا رجالاً في الجاهلية من قريش. فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فلا جرم قال تعالى: {ويقولون على الله الكذب} بادعائهم أن ذلك في كتابهم {وهم يعلمون} أنهم كاذبون، وهذه غاية الجرأة والجهالة. أو يعلمون حرمة الخيانة، أو يعلمون ما على الخائن من الإثم. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولها:" حديث : كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر"تفسير : . وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة. قال: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل. إنهم إذا أدوا الجزية لم يحل أكل أموالهم إلا بطيب أنفسهم، {بلى} قال الزجاج: عندي وقف التمام ههنا لأنه لمجرد نفي ما قبله أي بلى عليهم سبيل في ذلك وما بعده استئناف، وقال غيره: إنه يذكر في ابتداء كلام يقع جواباً عن المنفي قبله. فقولهم: {ليس علينا جناح} قائم مقام قوله: {نحن أحباء الله} تعالى فقيل لهم: إن أهل الوفاء بالعهد وأهل التقى هم الذين يحبهم الله. وعلى هذا فلا وقف على "بلى". وفيه أن اليهود ليسوا من الوفاء والتقى في شيء، ولو أنهم أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الذي أخذه الله تعالى في كتابهم من الإيمان بنبي آخر الزمان وهو محمد صلى الله عليه وسلم. ولو أنهم اتقوا الله لم يكذبوا عليه ولم يحرفوا كتابه. وعموم لفظ المتقين قائم مقام الضمير العائد إلى المبتدأ والضمير في {بعهده} يجوز أن يرجع إلى {من} ويجوز أن يرجع إلى اسم الله كقوله في الآية التالية {بعهد الله}. واعلم أن الوفاء والتقى أصلان لجميع مكارم الأخلاق. فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق وعهد الله تعالى بالتزام التكاليف الخاصة / والعامة، والتقوى تتممها وتزينها حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير شائبة الاختلال. فكل متقٍ موفٍ بالعهد ولا يلزم العكس، فلهذا اقتصر على قوله: {يحب المتقين} دون أن يقول يحب الموفين أو الموفين والمتقين فافهم. ثم إنه سبحانه لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس - والخيانة فيها لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة غالباً - لا جرم أردفها بالوعيد عليها. وأيضاً الخيانة في العهود وفي تعظيم أسماء الله تناسب الخيانة في الأموال، فلا جرم قال: {إن الذين يشترون} الآية. واختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها باليهود لأن الآيات السابقة فيهم وكذا اللاحقة، ومنهم من خصها بغيرهم والروايات هذه. قال عكرمة: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود. كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله كيلا يفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم. وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود أولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة، فسألهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟ قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله. قال كعب: لقد حرمكم الله خيراً كثيراً. لقد قدمتم عليّ وأنا أريد أن أميركم وأكسوا عيالكم فحرمكم الله وحرم عيالكم. فقالوا: فإنه شبه لنا فرويداً حتى نلقاه. فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ثم انتهوا إلى رسول الله فكلموه وسألوه ثم رجعوا فقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول الله فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفاً للذي عندنا. وأخرجوا الذين كتبوا فنظر إليه كعب ففرح وأمارهم وأنفق عليهم فنزلت. وعن الأشعث بن قيس: "حديث : خاصمت رجلاً في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: شاهداك أو يمينه. فقلت: إذاً يحلف ولا يبالي. فقال صلى الله عليه وسلم: "من حلف عليّ يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان" تفسير : ونزلت الآية على وفقه. وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه. ومعنى يشترون يستبدلون، وعهود الله مواثيقه، واليمين هي التي يؤكد الإنسان بها خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إقرار بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته أو ما يجري مجراه. والثمن القليل متاع الدنيا من المال والجاه ونحوهما. ثم إنه تعالى رتب على الشراء بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلاً خمسة أنواع من الجزاء فقوله: {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} إشارة إلى أنه لا نصيب لهم في منافعها ونعيمها. وقوله: {ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم} إشارة إلى حرمانهم عما عند الله من الكرامات والقرب. وقوله: {ولهم عذاب أليم} إشارة إلى ما يحصل لهم هنالك من صنوف الآلام وضروب / الأهوال. قال المحققون ومنهم القفال: المقصود من هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه ويقول: لا أكلمك ولا أرى وجهك. وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل. قال في الكشاف: لا ينظر إليهم مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم. تقول: فلان لا ينظر إلى فلان تريد نفي اعتداده به. وأصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر. ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر. قلت: لعله أراد بهذا المجاز الاستعارة كأنه شبه هذا النظر بذاك النظر، ثم حذف المشبه وأداة التشبيه فبقي استعارة. وفي التفسير الكبير: لا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام وهو تعالى منزه عن ذلك، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف "إلى" ليس بمعنى الرؤية وإلا لزم من هذه الآية أن لا يكون الله رائياً وذلك باطل. قلت: يجوز أن يراد بهذا النظر النظر المعهود وهو الذي سيخص الله تعالى به أولياءه من أنه ينظر إليهم وينظرون إليه {أية : وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة} تفسير : [القيامة: 22، 23] وعلى هذا جاز أن يكون النظر بمعنى الرؤية لأنه لا يلزم من نفي رؤية يراه العباد أيضاً وقتئذٍ نفي رؤية لا يرونه حينئذٍ {وإن منهم لفريقاً} عن ابن عباس هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم {يلوون ألسنتهم بالكتاب} قال القفال: معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفوها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى. فإن الليَّ عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية. وإنما كانوا يفعلون مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي غيرها بحسب أغراضهم الفاسدة. وفي الكشاف: أي يقتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف. أقول: وذلك أن لي اللسان أشبه بالتشدق والتنطع والتكلف مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بليّ اللسان ذماً لهم وتقريعاً، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد {لتحسبوه} أي المحرف الذي دل عليه {يلوون} ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب {وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله} نفى أوّلاً كونه من الكتاب، ثم عطف عليه النفي العام / ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس. فإن كل هذا يصدق عليه أنه من عند الله بمعنى كونه حكماً من أحكامه المستنبطة من الأصول. ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم: {هو من عند الله} أنه موجود في كتاب سائر الأنبياء. وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى الله كانوا متحيرين خابطين. فإن وجدوا قوماً من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا: إنه من التوراة. وإن وجدوا قوماً عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء. واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب الله تعالى لم يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه. احتج الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله تعالى وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند الله، لكن الله كذبهم. والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو هو حكم من أحكامه فتوجه التكذيب تكذيب الله إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا، فلم يبق لهما في الآية استدلال. ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عز من قائل: {ما كان لبشر} الآية. وقيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت. وقيل: "حديث : إن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله"تفسير : . وقيل: زعمت اليهود أن أحداً لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم الله: إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: {ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله} كقوله: {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} تفسير : [التوبة: 31] ومعنى قوله: {ما كان لبشر} قال الأصم: لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الله منه نظيره {أية : ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين} تفسير : [الحاقة: 44، 45] {أية : لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} تفسير : [الإسراء: 74، 75] وقيل: معناه أنه تعالى لا يشرف عبداً بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام. وقيل: إن الرسول يدعي تبليغ الأحكام عن الله تعالى ويحتج / على صدقه بالمعجزة. فلو أمرهم بعبادة نفسه بطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً. والتحقيق أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها هذا الادعاء، لأن النفس ما لم تكن كاملة بحسب قوتها النظرية والعملية لم تكن مستعدة لقبول نزول الكتاب السماوي عليه وللحكم وهو فهم ذلك الكتاب وبيانه. وقد يعبر عنه بالسنة والنبوة وهو كونه مأموراً بتبليغ ما فهم إلى الخلق، وما أحسن هذا الترتيب، وإذا كانت كاملة بحسب القوتين وما يتبعهما امتنع من مثله مثل هذا القول والاعتقاد، لأن غاية جهد النبي وقصارى أمره صرف القلوب والأرواح من الخلق إلى الحق، فكيف يعقل منه ضده؟ فتبين أنه ليس المراد من قوله: {ما كان لبشر} إلى قوله: {كونوا عباداً لي من دون الله} أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق. ولو كان المراد منه التحريم لم يكن فيه تكذيب للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلاناً لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن مكذباً له فيما ادعاه عليه. ومثله {أية : ما كان لله أن يتخذ من ولد} تفسير : [مريم: 35] على سبيل النفي لذلك عن نفسه لا على وجه التحريم والحظر. وكذا قوله: {أية : ما كان لنبي أن يغل} تفسير : [آل عمران: 161] ومعناه النفي لا النهي. ومعنى "ثم" في قوله: {ثم يقول} تبعيد هذا القول عن مثل ذلك البشر {ولكن كونوا} ولكن يقول كونوا {ربانيين} قال سيبويه: الرباني منسوب إلى الرب بمعنى كونه عالماً به ومواظباً على طاعته كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته. وزيادة الألف والنون في النسبة فقط للدلالة على كمال هذه الصفة كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني للموصوف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة. وقال المبرد: والربانيون أرباب العلم واحدها ربان وهو الذي يرب العلم ويرب الناس بتعليمهم وإصلاحهم والقيام بأمرهم. والألف والنون كما في ريان وعطشان لا يختص بحال النسبة. والربانيون بهذا التفسير يشمل الولاة أيضاً. قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي يسمى ربانياً لأن يطاع كالرب تعالى فينسب إليه. فمعنى الآية: ولكن يدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى ومواظبتكم على طاعته. وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية. وسواء كانت عربية أو عبرية تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ثم اشتغل بتعليم طرق الخير. عن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة. والباء في قوله: {بما كنتم} للسببية و"ما" مصدرية و {تعلمون} من التعليم أو العلم على القراءتين فيعلم منه أن التعليم أو العلم أو الدراسة وهي القراءة توجب على صاحبها كونه ربانياً، والسبب لا محالة مغاير للمسبب فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً أمراً مغايراً لكونه عالماً ومعلماً ومواظباً على / قراءة العلم، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه لله وتعليمه لله ودراسته لله. فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب بينه وبين ربه منقطعاً وكان مثله كمن غرس شجرة تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نعوذ بالله من قلب لا يشخع ومن علم لا ينفع "تفسير : وفي الآية دليل على صحة قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : العلماء ورثة الأنبياء " تفسير : تأمل تفهم بإذن الله. {ولا يأمركم} من قرأ بالنصب فوجهان: أحدهما أن تجعل "لا" مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه الله منصب الدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم {أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً} كما نقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي. والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسل كان ينهي قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له: أنتخذك رباً؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء، فيكون عدم الأمر في معنى النهي. ويراد بالنبيين غيره صلى الله عليه وسلم كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء. ومن قرأ بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد الله بن مسعود {ولن يأمركم} والضمير فيه على قراءة الرفع - قال الزجاج - لله. وقال ابن جريج لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: لعيسى. وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح. {أيأمركم} أي البشر وقيل: الله {بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} ومعنى الاستفهام الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك. قيل: وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسجدوا له. قلت: وضع الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا يعقل أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بعبادة نفسه أول ما استنبىء، فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى والإيمان بالله؟

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءامِنُواْ بِٱلَّذِي أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ... } الآية: أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآيةِ أنَّ طائفة من اليهودِ مِنْ أحبارهم ذهَبَتْ إلى خديعة المسلمين بهذا المَنْزَع، قال قتادة وغيره: قال بَعْضُ الأحبار: لنظهر الإيمان بمحمَّد صَدْر النَّهار ثم لنكْفُر به آخر النهار، فسيقول المُسْلِمُون عنْد ذلك: ما بَالُ هؤلاءِ كَانُوا مَعَنا ثم ٱنصَرَفُوا عَنَّا، ما ذاك إِلاَّ لأنهم ٱنْكَشَفَتْ لهم حقيقةٌ في الأمر، فيشكُّون، ولعلَّهم يَرْجِعُون عن الإِيمان بمحمَّد، قال الإِمام الفَخْر: وفي إِخبار اللَّه تعالَىٰ عن تواطئهم علَىٰ هذه الحِيلَةِ من الفائدة وجوهٌ: الأولُ: أنَّ هذه الحِيلَةَ كَانَتْ مخفيَّةً فيما بينهم، فلما أَخْبَرَ بها عنهم، كان إخباراً بمغيَّب، فيكون مُعْجِزاً. الثاني: أنه تعالَىٰ، لما أطْلَعَ المؤمنينَ علَىٰ تواطئهم علَىٰ هذه الحيلة، لَمْ يحصل لهذه الحيلة أثرٌ في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإِعلام، لأمكن تأثيرها في قَلْب من ضَعُفَ إِيمانه. الثالث: أنَّ القوم لما ٱفْتضحُوا في هذه الحيلة، صار ذلكَ رَادِعاً لهم عن الإِقدام علَىٰ أمثالها من الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ اهـــ. وذكر تعالَىٰ عن هذه الطائفةِ مِنْ أَهْل الكتابِ؛ أنهم قالوا: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ}، ولا خلافَ أن هذا القول هو مِنْ كلام الطائفةِ، واختلف النَّاسُ في قوله تعالى: {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ}، فقال مجاهد وغيره مِنْ أهل التأويل: الكلامُ كلُّه من قول الطائفة لأتْباعهم. وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} اعتراضٌ بَيْن الكلامَيْن؛ قال * ع *: والكلامُ علَىٰ هذا التأويل يحتملُ معانِيَ: أحدها: ولا تصدِّقوا وتؤْمنوا إلاَّ لمن جاء بِمِثْلِ دينِكُمْ؛ حذاراً أنْ يؤتَىٰ أحدٌ من النبوَّة والكرامة مِثْلَ ما أوتيتم، وحِذَاراً أنْ يحاجُّوكم بتصديقِكُمْ إيَّاهم عنْدَ ربِّكم، إذا لم تستمرُّوا عليه، وهذا القولُ علَىٰ هذا المعنَىٰ ثمرةُ الحَسَدِ والكُفْر، مع المَعْرِفَةِ بصحَّة نبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ الكلام أنْ يكون معناه: ولا تُؤْمنوا بمحمَّد، وتُقِرُّوا بنبوَّته؛ إذ قد علمتم صحَّتها إلا لليهودِ الَّذين هم مِنْكُمْ، و {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ}: صفَةٌ لحالِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، فالمعنَىٰ: تستَّروا بإقراركم أن قَدْ أوتيَ مِثْلَ ما أوتيتم، أو فإنهم (يعنون العربَ) يحاجُّونكم بالإقرار عند ربِّكم. وقرأ ابنُ كَثيرٍ وحْده مِنْ بَيْنِ السبعة: «آنْ يُؤتى»؛ بالمد: على جهة الاستفهام الَّذي هو تقريرٌ، وفسر أبو عليٍّ قراءة ابن كثيرٍ علَىٰ أنَّ الكلام كلَّه من قول الطائفَةِ إلاَّ الاعتراض الذي هو: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ}؛ فإنه لا يختلفُ؛ أنَّه من قول اللَّه تعالَىٰ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، قال: فلا يجوزُ مع الاستفهام أنْ يحمَلَ: «آن يُؤتَىٰ» علَىٰ ما قبله مِنَ الفَعْلِ؛ لأن الاستفهامَ قاطعٌ، فيجوزُ أنْ تكونَ «أَنْ» في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداءِ، وخبرُهُ محذوفٌ، تقديره: تُصدِّقون أو تعترفُون أو تذكِّرونه لغيركم، ونحو هذا ممَّا يدلُّ عليه الكلام. قال * ع *: ويكونُ «يحاجُّوكم»؛ علَىٰ هذا معطوفاً علَىٰ: «أنْ يُؤْتَىٰ». قال أبو عَلِيٍّ: ويجوز أنْ يكون موضع «أنْ» نَصْباً، فيكونُ المعنَى: أتشيعونَ أو تَذكُرُون أنْ يؤتَىٰ أحدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ويكون ذلك بمعنَىٰ قوله تعالى عنهم: {أية : أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة:76] فعلَىٰ كلا الوجهَيْن معنَى الآية توبيخٌ من الأحبارِ للأْتباعِ علَىٰ تصديقهم بأنَّ محمَّداً صلى الله عليه وسلم نَبِيٌّ مبعوثٌ. قال * ع *: ويكون قوله تعالى: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} في تأويل نصْب «أنْ» بمعنى: أو تريدونَ أنْ يحاجُّوكم. وقال السُّدِّيُّ وغيره: الكلام كلّه من قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} إلى آخر الآيةَ: هو ممَّا أُمِرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ أن يقوله لأمَّته. وحكَى الزَّجَّاج وغيره؛ أنَّ المعنى: قُلْ إن الهدَىٰ هو هذا الهُدَىٰ، لا يؤتَىٰ أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم. ومعنى الآية على قول السدِّيِّ: أيْ: لم يعط أحدٌ مثْلَ حظِّكم، وإلاَّ فليحاجَّكم مَنِ ٱدَّعَىٰ سوَىٰ ذلك، أو يكون المعنَىٰ: أو يحاجُّونكم؛ علَىٰ معنَىٰ الازدراء باليَهُود؛ كأنه قال: أو هَلْ لهم أنْ يحاجُّوكم، أو يخاصمُوكُمْ فيما وهبَكُم اللَّه، وفضَّلكم به، وقال قتادةُ والرَّبيع: الكلامُ كلُّه من قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} إلى آخر الآية هو ممَّا أُمِر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يقوله للطائفة. قال * ع *: ويحتملُ أنْ يكون قوله: {أَن يُؤْتَىٰ} بدلاً من قوله: {هُدَى ٱللَّهِ}. قلْتُ: وقد أطالوا الكلامَ هنا، وفيما ذكرناه كفايةٌ. وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} في الآية تكذيبٌ لليهود في قولهم: لَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحداً مِثْلَ ما أَتَىٰ بني إسرائيل؛ من النبوَّة والشَّرف، وباقي الآية تقدَّم تفسيرُ نظيره.

ابن عادل

تفسير : حكي عنهم التلبيسُ، فذكر منه هذا النوع. قوله: {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} منصوب على الظرف؛ لأنه بمعنى: أول النهار؛ لأن الوجه - في اللغة - مستقبل كل شيء؛ لأنه أول ما يواجَه منه، كما يقال - لأول الثوب -: وجه الثوب. روى ثَعْلَبٌ عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهارٍ، وصدر نهار، وشباب نهار، أي: أوله وقال الربيع بن زياد العبسي: [الكامل] شعر : 1509- مَنْ كَانَ مَسْرُوراً بِمَقْتَلِ مَالِكٍ فَلْيَأتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ تفسير : أي: بأوله، وفي ناصب هذا الظرف وجهان: أظهرهما: أنه فعل الأحمر من قوله {آمَنُواْ} أي: أوْقَعُوا إيمانَكم في أول النهار، وأوقعوا كُفْرَكم في آخره. والثاني: أنه {وَأَنْزَلَ} أي: آمنوا بالمُنَزَّل في أول النهار، وليس ذلك بظاهر، بدليل المقابلة في قوله: {وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ}. فإن الضميرَ يعودُ على النهارِ، ومن جوَّز الوجه الثاني جعل الضمير يعود على {ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ}، أي: واكفروا آخر المنزَّل، وأسباب النزول تُخالف هذا التأويل وفي هذا البيتِ الذي أنشدناه فائدةٌ، وذلك أنه من قصيدة يرثي بها مالك بن زهير بن خُزَيْمَةَ العبسي، وبعده: [الكامل] شعر : 1510- يَجِدِ النِّسَاءَ حَوَاسِراً يَنْدُبْنَهُ يَبْكِينَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحَارِ قَدْ كُنَّ يَخْبَأنَ الْوُجُوهَ تَسَتُّراً فَالْيَوْمَ حِينَ بَدَوْنَ لِلنُّظَّارِ يَخْمِشْنَ حرَّاتِ الْوُجُوهِ عَلَى امرئٍ سَهْلِ الْخَلِيقَةِ طَيِّبِ الأخْبَارِ تفسير : ومعنى الأبيات يحتاج إلى معرفةِ اصطلاح العربِ في ذلك، وهو أنهم كانوا إذا قُتِلَ لهم قتيلٌ لا تقوم عليه نائحةٌ ولا تَنْدُبُه نادبةٌ، حتى يؤخذَ بثأره، فقال هذا: من سرَّه قَتْلُ مالك، فليأتِ في أول النهارِ يجدنا قد أخذْنَا بثأره، فذكر اللازم للشيء، وهو من باب الكناية. وحكي أن الشيباني سأل الأصمعي: كيف تنشد قول الربيع:..... حين بدأنَ، أو بدَيْنَ؟ فقال الأصمعيّ: بَدأنَ، فقال: أخطأت، فقال: بَدَيْنَ، فقال: أخطأتَ، فغضب الأصمعيُّ، وكان الصواب أن يقول: بدَوْنَ - بالواو - لأنه من باب: بدا يَبْدو، أي: ظهر - فأتى الأصمعي يوماً للشيباني، وقال له: كيف تُصَغِّر مُخْتَاراً؟ فقال: مُخَيتير، فضَحِك منه، وصفَّق بيديه، وشَنَّع عليه في حلقته، وكان الصواب أن يقولَ: مُخَيِّر - بتشديد الياء - وذلك أنه اجتمع زائدان -، الميم والتاء - والميم أولى بالبقاء؛ لعلة ذكرها التصريفيُّون، فأبقاها، وحذف التاء، وأتى بياء التصغير، فقلب - لأجلها - الألف ياءً، وأدْغمها فيها، فصار: مُخَيِّراً - كما ترى - وهو يحتمل أن يكون اسمَ فاعل، أو اسمَ مفعول - كما كان يحتملها مُكَبَّرهُ، وهذا - أيضاً - يلبس باسم الفاعل خَيَّر فهو مُخَيِّر، والقرائنُ تبينه. ومفعول {يَرْجِعُونَ} محذوف - أيضاً - اقتصاراً - أي: لعلهم يكونون من أهل الرجوع، أو اختصاراً أي: يرجعون إلى دينكم وما أنتم عليه. فصل قال القرطبيُّ: والطائفة: الجماعة - من طاف يطوفُ - وقد يُسْتَعْمَل للواحد على معنى: نفس طائفة، ومعنى الآية يحتمل أن يكون المراد كلَّ ما أنزل، وأن يكون بعضَ ما أنزل أما الأول ففيه وجوهٌ: الأول: أن اليهودَ والنصارَى استخرجوا حيلةً في تشكيك ضَعَفَةِ المسلمين في صحة الإسلام، وهي أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الشرائع في بعض الأوقات، ثم يُظهروا بعد ذلك تكذيبه فإن الناس متى شاهدوا هذا التكذيب قالوا: هذا التكذيب ليس لأجل الحَسَدِ والعناد، وإلا لَمَا آمَنُوا في أول الأمر، فإذا لم يكن حَسَداً، وجب أن يكون لأجل أنهم أهل الكتاب وقد تفكَّروا في أمره، واستَقْصَوْا في البحث عن دلائل نبوتِهِ، فلاح لهم - بعد ذلك التأمل التام، والبحثَ الوافي - أنه كذاب، فيصير هذا الطريق شبهة لضَعَفةِ المسلمين في صحة نبوته. قال الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: تواطأ اثنا عشر رجلاً من أحبار خيبر وقُرَى عُرَيْنَة، وقال بَعْضُهُمْ ادخلوا في دين محمدٍ أولَ النهار باللسان دون الاعتقاد، ثم اكفروا آخِرَ النهار، وقولوا: إنّا نظرنا في كتابنا، وشاوَرْنا علماءَنا، فوجدنا محمداً ليس بذلك، وظهر لنا كذبُه، فإذا فعلتم ذلك شَكَّ أصحابُه في دينهم، واتهموه، وقالوا: إنهم أهْلُ الكتاب، وهم أعلم منا، فيرجعون عن دينهم، وهذا قول أبي مُسْلِمِ الأصبهانيِّ. قال الأصمُّ: قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به فإن عوامكم يعلمون كذبكم؛ لأن كثيراً يعلمون ما جاء به حقٌّ، ولكن صَدِّقُوه في بعض، وكَذِّبوه في بعض، حتى يحمل الناسُ تكذيبَكم على الإنصاف، لا على العِناد، فيقبلوا قولكم. وأما الاحتمال الثاني - وهو الإيمان بالبعض - ففيه وجهان: أحدهما: قال ابنُ عباسٍ: "وَجْهَ النَّهارِ": أوله، وهو صلاة الصبح، {وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ} يعني: صلاة الظهر، وتقديره: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس - بعد أن قدم المدينة - ففرح اليهود بذلك، وطمعوا أن يكون منهم، فلمَّا حوله الله إلى الكعبة - وكان ذلك عند صلاة الظهر - قال كعبُ بن الأشرفِ وغيره: "ءامنوا بالذي أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار" يعني آمنوا بالْقِبْلَةِ التي صلى إليها صلاةَ الصبح، فهي الحق، {وَٱكْفُرُوۤاْ} بالقبلة إلى الكعبة {لَعَلَّهُمْ} يقولون: إن هؤلاء أهل كتاب، وهم أعلم، فيرجعون إلى قبلتنا. الثاني: قال بعضُهُمْ لبعض: صَلُّوا إلى الكعبة أولَ النهار ثم اكفروا بهذه القبلةِ في آخر النهار؛ وصلوا إلى الصخرة لعلهم يقولون: إن أهل الكتاب أصحابُ العلم، فلولا أنهم عَرفوا بُطْلانَ هذه الْقِبْلَة لَمَا تركوها، فحينئذٍ يرجعون عن هذه القبلة. فصل في فوائد كشف حيلتهم إخبار الله - تعالى - عن تواطُئِهم على هذه الحيلة فيه فائدةٌ من وُجُوهٍ: الأول: أن ذلك إخبار عن الغيب، فَيَكون مُعْجِزاً؛ لأنها كانت مخفيَّةً فيما بينهم، وما أطْلعوا عليه أحداً من الأجانب. الثاني: أنه - تعالى - لما أطْلع المؤمنين على هذه الحيلةِ لم يَبْقَ لها أثرٌ في قلوبِ المؤمنين، ولولا هذا الإعلام لكان رُبَّما أثّرت في قلوب بعضِ [المؤمنين الذين] في إيمانهم ضعف. الثالث: [أن القومَ] لما افتضحوا في هذه الحيلةِ صار ذلك رادِعاً لهم عن الإقدام على أمْثَالِها من الحِيل والتلبيس.

التستري

تفسير : قوله: {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ}[72] أي أول النهار.

القشيري

تفسير : فبين الله سبحانه أن نفاقهم كُشِف للمسلمين، وأن ذلك لا ينفعُهم أمَّا في الدنيا فَلإِطْلاع الله نبيُّه عليه السلام والمؤمنين - عليه، وأَمَّا في الآخرة فَلِفَقْدِ إخلاصهم فيه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالت طائفة من اهل الكتاب} وهم رؤساؤهم ومقتدرهم لا عقابهم {آمنوا بالذى} اى اظهروا الايمان بالقرآن الذى {انزل على الذين آمنوا} اى على المسلمين {وجه النهار} اى فى اوله لان اول النار هو اول ما ظهر منه كما ان الوجه اول ما يظهر من اعضاء الانسان عند الملاقاة {واكفروا آخره} اى اظهروا ما انتم عليه من الكفر به فى آخر النهار مرائين لهم انكم آمنتم به بادى الرأى من غير تأمل ثم تأملتم فيه فوقفتم على خلل رأيكم الاول فرجعتم عنه {لعلهم} اى المؤمنين {يرجعون} عما هم عليه من الايمان به كما رجعتم. والمراد بالطائفة كعب بن الاشرف ومالك ابن الصيف قالا لاصحابهما لما حولت القبلة آمنوا بما انزل عليهم من الصلاة الى الكعبة وصلوا اليها اول النهار ثم صلوا الى الصخرة آخرة لعلهم يقولون هو اعلم منا وقد رجعوا فيرجعون.

ابن عجيبة

تفسير : قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر رجلاً من يهود خيبر - يعني من أحبارهم - وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان لا بالاعتقاد، واكفروا به آخره، وقولوا: نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمداً ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، وإنما نفعل ذلك حتى نشكك أصحابه. هـ. فحذَّر الله المسلمين من قولهم، فقال جلّ جلاله: {وقالت طائفة من أهل الكتاب} يعني: أحبارهم: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} وأظهروا الدخول في دينهم، {وجه النهار وكفروا آخره} وقولوا: نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فلم نجد محمداً بالنعت الذي في التوراة، لعل أصحابه يشكون فيه - لعنهم الله وأضلّ سعيهم. وقيل: نزلت في شأن الكعبة، فإنَّ كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف - من اليهود - قالا لأصحابهما: صلّوا معهم إلى الكعبة أول النهار، ثم صلّوا إلى الصخرة آخره، لعلهم يقولون: هم أعلم منا، وقد رجعوا، فيرجعون، ففضحهم الله وأبطل حيلهم الواهية. الإشارة: ترى كثيراً من الناس يدخلون في طريق القوم، ثم تثقل عليهم أعباؤها، فيخرجون منها؛ إما لضعفهم عن حملها، أو لكونهم دخلوا مختبرين لها، أو على حرف أو حيلة لغيرهم، فإذا رجع أحد منهم قال الناس: لو كانت صحيحة ما رجع فلان عنها، ويصدون الناس عن الدخول فيها والدوام عليها، وهذه نزعة إسرائيلية، قالوا: آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون وقد قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : لتَسْلُكن سَنَنَ مَنْ قَبْلكم بِشبْر، وذِرَاعاً بذرَاع، حتى لَوْ دَخلُوا جُحْر ضَبٍّ لدخلْتُموه، قالوا: اليَهُود والنًّصَارَى؟ قال: نعم، فَمنْ إذن"تفسير : . وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : اللغة: الطائفة الجماعة. وقيل في أصلها قولان: أحدهما - أنه كالرفقة التي من شأنها أن تطوف البلاد في السفر الذي يقع عليه الاجتماع. والآخر - أنها جماعة يستوي بها حلقة يطاف حولها. وإنما دخلت هاء التأنيث فيها لمعنى المضاعفة اللازمة كما دخلت في الجماعة، لأن في أصل التأنيث معنى التضعيف من أجل أنه مركب على التذكير. المعنى: وفي قوله: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} ثلاثة أقوال: أولها - أظهروا الايمان لهم في أول النهار وارجعوا عنه في آخره، فانه أحرى أن ينقلبوا عن دينهم. الثاني - آمنوا بصلاتهم إلى بيت المقدس في أول النهار، واكفروا بصلاتهم إلى الكعبة في آخره ليرجعوا بذلك عن دينهم. الثالث - أظهروا الايمان في صدر النهار لما سلف لكم من الاقرار بصفة محمد (صلى الله عليه وسلم)، ثم ارجعوا في آخره لتوهموهم أنه كان وقع عليكم غلط في صفته. والوجه الأول قول أكثر أهل العلم. ووجه النهار هو أوله عند جميع المفسرين، كقتادة، والربيع، ومجاهد. وانما سمي أول النهار بأنه وجهه لأحد أمرين: أحدهما - لأنه أول ما يواجه منه كما يقال، لأول الثوب وجه الثوب. الثاني - لأنه كالوجه في أنه أعلاه وأشرف ما فيه قال ربيع ابن زياد: شعر : من كان مسروراً بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار تفسير : وقيل في معنى البيت: انه كان من عادتهم أن لا تنوح نساؤهم على قتلاهم إلا بعد أن يؤخذ بثاره، فاراد الشاعر أن يبين أنهم أخذوا بثار مالك بأن النساء ينحن عليه. ولذلك قال في البيت الذي بعده: شعر : يجد النساء حواسراً يندبنه تفسير : وقوله: {لعلهم يرجعون} فيه حذف وتقديره: لعلهم يرجعون عن دينهم في قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ} قليلة لما ذكر فى السّابق من انّ اكثرهم كالبهائم لا يهتدون الى الحيل الشّيطانيّة {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ} اى اظهروا ايمانكم {بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} لتتمكّنوا من الانكار والقاء الشّبه فى قلوب الّذين آمنوا فانّ المقرّ بشيءٍ اذا انكره كان انكاره اوقع واشدّ تأثيراً من انكار من لا يعرف ذلك الشّيء لانّ السّامع يظنّ انّه ابصر خللاً فيه وانكره {وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ} اى آخر النّهار {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} روى فى نزول الآية انّ رسول الله (ص) لمّا قدم المدينة وهو يصلّى نحو بيت المقدّس اعجب ذلك القوم فلمّا صرفه الله عن بيت المقدّس الى بيت الله الحرام وجدت اليهود من ذلك وكان صرف القبلة صلاة الظّهر فقالوا: صلّى محمّد (ص) الغداة واستقبل قبلتنا فآمنوا بالّذى انزل على محمّد (ص) وجه النّهار واكفروا آخره، يعنون القبلة حين استقبل رسول الله (ص) المسجد الحرام لعلّهم يرجعون الى قبلتنا.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ}: اظهروا الإيمان وليس فيكم. {بِالَّذِى أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ}: أى القرآن. {وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا}: أظهروا الكفر به. {آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: عن دين محمد.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ} جماعة، قدر ما تستدير ويطاف حولها {مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ} التوراة، تواطأ اثنا عشر رجلا من خيبر، أو منها ومن غيرها، فقال بعض، ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف لبعض، ادخلوا فى دين محمد أول النهار بألسنتكم دون قلوبكم، صلوا معه الفجر والظهر والعصر، واستقبلوا الكعبة، وقد شق على اليهود نسخ بيت المقدس إلى الكعبة، وأظهروا الكفر به آخر النهار، وقولوا، نظرنا فى كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدناه كاذبا ليس الموصوف، فيشك أصحابه، ويقولون اليهود أهل كتاب وهم أعلم، فيرجعون معنا إلى ديننا وقبلتنا، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فلم يؤثر عقد حيلتهم فى قلب من ضعف إيمانه لهذا الإخبار، ولم يفعلوها أو فعلوها ولم يؤثر ذلك {ءَامِنُوا بِالَّذِى أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا} بالقرآن، فقد أقروا بأن الله أنزل، أو أنزل على الذين آمنوا فى زعم الذين آمنوا {وَجْه النَّهَارِ} أوله، ووجه كل شىء مستقبله، وهو أول ما يواجه منه {وَاكْفُرٌوا} أظهروا الكفر به الذى فى قلوبكم {ءاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ} لعل الذين آمنوا {يَرْجِعُونَ} عن دينهم إلى دينكم، ويقولون، ما رجع اليهود عنه إلا لخلل بان لهم.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ } أي جماعة وسميت بها لأنه يسوى بها حلقة يطاف حولها {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } أي اليهود لبعضهم {ءامِنُواْ } أي أظهروا الإيمان {بِٱلَّذِي أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: النبـي عليه الصلاة والسلام وأصحابه {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ } أي أوله كما في قول الربيع بن زياد:شعر : من كان مسروراً بمقتل مالك فليأت نسوتنا (بوجه نهار) تفسير : وسمي وجهاً لأنه أول ما يواجهك منه، وقيل: لأنه كالوجه في أنه أعلاه وأشرف ما فيه؛ وذكر الثعالبـي أنه في ذلك استعارة معروفة {وَٱكْفُرُواْ ءاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } بسبب هذا الفعل عن اعتقادهم حقية ما أنزل عليهم ـ قال الحسن والسدي ـ تواطأ اثنا عشر رجلاً من أحبار يهود خبير، وقرى عرينة، وقال بعضهم لبعض: أدخلوا في دين محمد ـ أول النهار ـ باللسان دون الاعتقاد ـ واكفروا آخر النهار ـ وقولوا إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذاك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شك/ أصحابه في دينهم فقالوا: إنهم أهل الكتاب وهم أعلم به فيرجعون عن دينهم إلى دينكم، وقال مجاهد ومقاتل والكلبـي: كان هذا في شأن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الأشرف لأصحابه آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار وارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلهم يشكون، والتعبير بما أنزل بناءاً على ما يقوله المؤمنون وإلا فهم يكذبون ولا يصدقون أن الله تعالى أنزل شيئاً على المؤمنين، وظاهر الآية يدل على وقوع أمر بعضهم لبعض أن يقولوا ذلك، وأما امتثال الأمر من المأمور فمسكوت عن بيان وقوعه وعدمه، وعن بعضهم أن في الأخبار ما يدل على وقوعه.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : ودت طائفة}تفسير : [آل عمران: 69]. فالطائفة الأولى حاوَلت الإضلال بالمجاهرة، وهذه الطائفة حاولتْه بالمخادعة: قيل أشير إلى طائفة من اليهود منهم كَعْب بن الأشْرَف، ومالك بن الصيف، وغيرهما من يهود خيبر، أغواهم العجب بدينهم فتوهموا أنهم قدوة للناس فلما أعيتهم المجاهرة بالمكابرة دبروا للكيد مكيدة أخرى، فقالوا لطائفة من أتباعهم: «آمِنوا بمحمد أولَ النهار مظهرين أنكم صدّقتموه ثم اكفُروا آخر النهار ليظهر أنكم كفرتم به عن بصيرة وتجربة فيقول المسلمون مَا صرف هؤلاء عنا إلاّ ما انكشف لهم من حقيقة أمر هذا الدين، وأنّه ليس هو الدين المبشر به في الكتب السالفة» ففعلوا ذلك. وقوله: {على الذين آمنوا} يحتمل أنه من لفظ الحكاية بأن يكون اليهود قالوا آمِنوا بالذي أنزل على أتباع محمد فحوّله الله تعالى فقال على الذين آمنوا تنويهاً بصدق إيمانهم. ويحتمل أنه من المحكيّ بأن يكون اليهود أطلقوا هذه الصلة على أتباع محمد إذ صارت علماً بالغلبة عليهم. ووجهُ النهار أوله وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : وجيهاً في الدنيا والآخرة}تفسير : [آل عمران: 45]. وقوله: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} من كلام الطائفة من أهل الكتاب قصدوا به الاحتراس ألا يظنوا من قولهم آمِنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجهَ النهار أنه إيمان حَقُّ، فالمعنى ولا تؤمنوا إيماناً حقاً إلاّ لمن تَبع دينكم، فأما محمد فلا تؤمنوا به لأنه لم يتبِع دينكم فهذا تعليل للنهي. وهذا اعتذار عن إلزامهم بأنّ كتبهم بشرت بمجيء رسول مقفّ فتوهموا أنه لا يجيء إلاّ بشريعة التوراة، وضلوا عن عدم الفائدة في مَجيئه بما في التوراة لأنه من تحصيل الحاصل، فينزّه فعلُ الله عنه، فالرسول الذي يجيء بعد موسى لا يكون إلاّ ناسخاً لبعض شريعة التوراة فجمعُهم بين مقالة: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} وبين مقالة: {ولا تؤمنوا} مثل {أية : وما رميت إذ رميت}تفسير : [الأنفال: 17]. وقوله: {قل إن الهدى هدى الله} كلام معترض، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوله لهم. كنايةً عن استبعاد حصول اهتدائهم، وأنّ الله لم يهدهم، لأنّ هدى غيره أي محاولته هدى الناس لا يحصل منه المطلوب، إذا لم يقدّره الله. فالقصر حقيقي: لأنّ ما لم يقدّره الله فهو صورة الهدى وليس بهُدى وهو مقابل قولهم: آمنوا بالذي أنزل ــــــ ولا تؤمنوا إلاَّ لمن تبع دينكم، إذْ أرادوا صورة الإيمان، وما هو بإيمان، وفي هذا الجواب إظهار الاستغناء عن متابعتهم. أشكل موقعُ هذه الآية بعد سابقتها وصفَ نظمها، ومصرَف معناها: إلى أي فريق. وقال القرطبي: إنها أشكَلُ آية في هذه السورة. وذكر ابن عطية وجوها ثمانية. ترجع إلى احتمالين أصليين. الاحتمال الأول أنها تكملة لمحاورة الطائفةِ من أهل الكتاب بعضهم بعضاً، وأن جملة {قل إن الهدى هدى الله} معترضة في أثناء ذلك الحِوار، وعلى هذا الاحتمال تأتي وجوه نقتصر منها على وجهين واضحين: أحدهما: أنهم أرادوا تعليل قولهم: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} على أن سياق الكلام يقتضي إرادتهم استحالة نسخ شريعة التوراة، واستحالة بعثة رسول بعد موسى، وأنه يُقدّر لام تعليل محذوف قبل (أنْ) المصدرية وهو حذف شائع مثلُه. ثم إما أن يقدر حرف نفي بعد (أنْ) يدل عليه هذا السياق ويَقتضيه لفظ (أحد) المرادِ منه شمول كلّ أحد: لأنّ ذلك اللفظَ لا يستعمل مراداً منه الشمول إلاّ في سياق النفي، ومَا في معنيّ النفي مثلِ استفهام الإنكار، فأما إذا استعمل (أحَد) في الكلام الموجَب فإنه يكون بمعنى الوصف بالوحْدة، وليس ذلك بمناسب في هذه الآية. فتقدير الكلام لأن لا يوتى أحد مثل ما أوتيتم وحذفُ حرف النفي بعد لام التعليل، ظاهرةً ومقدّرةً، كثيرٌ في الكلام، ومنه قوله تعالى: {أية : يُبين اللَّه لكم أن تضلوا}تفسير : [النساء: 176]، أي لئلاّ تضلوا. والمعنى: أنّ قصدهم من هذا الكلام تثبيتُ أنفسهم على ملازمة دين اليهودية، لأن اليهود لا يجوِّزون نسخَ أحكام الله، ويتوهمون أنّ النسخ يقتضي البَدَاء. الوجه الثاني: أنهم أرادوا إنكار أن يوتَى أحد النبوءة كما أوتيها أنبياءُ بني إسرائيل فيكون الكلام استفهاماً إنكارياً حذفت منه أداة الاستفهام لدلالة السياق؛ ويؤيده قراءةُ ابن كثير قوله: {أن يؤتى أحد} بهمزتين. وأما قوله: أو يحَاجوكم عندَ ربكم فحَرْف (أو) فيه للتقسيم مثل {أية : ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً}تفسير : [الإنسان: 24] (أو) معطوف على النفي، أو على الاستفهام الإنكاري: على اختلاف التقديرين، والمعنى: ولا يحاجوكم عند ربكم - أو - وكيف يحاجونكم عند ربكم، أي لا حجة لهم عليكم عند الله. وواو الجمع في {يحاجوكم} ضمير عائد إلى (أحد) لدلالته على العموم في سياق النفي أو الإنكار. وفائدة الاعتراض في أثناء كلامهم المبادرة بما يفيد ضلالهم لأنّ الله حرمهم التوفيق. الاحتمال الثاني أن تكون الجملة مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم بقيةً لقوله: «إنّ الهُدى هُدى الله». والكلام على هذا ردّ على قولهم: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} - وقولهم - {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} على طريقة اللفّ والنشر المعكوس، فقوله: {أن يأتى أحد مثل ما أوتيتم} إبطال لقولهم: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} أي قلتم ذلك حسَداً من أنْ يؤتي أحدٌ مثلَ ما أوتيتم وقوله: {أو يحاجوكم} ردّ لقولهم: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} على طريقة التهكم، أي مرادكم التنصّل من أن يحاجوكم أي الذين آمنوا عند الله يوم القيامة، فجمعتم بين الإيمان بما آمن به المسلمون، حتى إذا كان لهم الفوز يوم القيامة لا يحاجونكم عند الله بأنكم كافرون، وإذا كان الفوز لكم كنتم قد أخذتم بالحَزم إذ لم تبطلوا دين اليهودية، وعلى هذا فواو الجماعة في قوله: {أو يحاجوكم} عائد إلى الذين آمنوا. وهذا الاحتمال أنسب نظماً بقوله تعالى: {قل إن الفضل بيد اللَّه}، ليكون لِكلّ كلام حُكي عنهم تلقينُ جوابٍ عنه: فجواب قولهم: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا} الآية، قولُه: {قل إن الهدى هدى الله}. وجواب قولهم: {ولا تؤمنوا} إلخ قولُه: قل إنّ الفضل بيد الله إلخ. فهذا مِلاك الوجوه، ولا نطيل باستيعابها إذْ ليس من غرضنا في هذا التفسير. وكلمة {أحد} اسم نكرة غلب استعمالها في سياق النفي ومعناها شخص أو إنسان وهو معدود من الأسماء التي لا تقع إلاّ في حيّز النفي فيفيد العموم مثل عَرِيب ودَيَّار ونحوهما وندر وقوعه في حيّز الإيجاب، وهمزته مبدلة من الواو وأصلَه وَحَد بمعنى واحد ويرد وصفاً بمعنى واحد. وقرأ الجمهور {أن يُؤتَى أحد} بهمزة واحدة هي جزء من حرف (أنْ). وقرأه ابن كثير بهمزتين مفتوحتين أولاهما همزة استفهام والثانية جزء من حرف (أنْ) وسهل الهمزة الثانية. زيادة تذكير لهم وإبطال لإحالتهم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً من الله، وتذكير لهم على طرح الحسد على نعم الله تعالى أي كما أعطى الله الرسالة موسى كذلك أعطاها محمداً، وهذا كقوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللَّه من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة}[النساء: 54]. وتأكيد الكلام بـ(إنّ) لتنزيلهم منزلة من ينكر أنّ الفضل بيد الله ومن يحسب أنّ الفضل تبع لشهواتهم وجملة {والله واسع عليم} عطف على جملة أنّ الفضل بيد الله إلخ أي أنّ الفضل بيد الله وهو لاَ يخفى عليه من هو أهل لنوال فضله. و{واسع} اسم فاعل الموصوف بالسعة. وحقيقة السعة امتداد فضاء الحَيِّز من مكانٍ أو ظرفٍ امتداداً يكفي لإيواء ما يحويه ذلك الحيز بدون تزاحم ولا تداخل بين أجزاء المحويّ، يقال أرض واسعة وإناء واسع وثوب واسع، ويطلق الاتساع وما يشتقّ منه على وفاء شيء بالعمل الذي يعملَه نوعُه دون مشقة يقال: فلان واسع البال، وواسع الصدر، وواسع العطاء. وواسعِ الخُلُق، فتدلّ على شدّةِ أو كثرةِ ما يسند إليه أو يوصف به أو يعلق به من أشياء ومعانٍ، وشاع ذلك حتى صار معنى ثانياً. و {وَاسع} من صفات الله وأسمائِه الحسنى وهو بالمعنى المجازي لا محالة لاستحالة المعنى الحقيقي في شأنه تعالى، ومعنى هذا الاسم عدمُ تناهي التعلقات لصفاته ذاتتِ التعلق فهو واسع العلم، واسع الرحمة، واسع العطاء، فسعة صفاته تعالى أنها لا حدّ لتعلقاتها، فهو أحقّ الموجودات بوصف واسع، لأنه الواسع المطلق. وإسناد وصف واسع إلى اسمه تعالى إسناد مجازي أيضاً لأنّ الواسع صفاتُه ولذلك يُؤتَى بعد هذا الوصف أو ما في معناه من فعل السعة بما يميز جهة السعة من تمييز نحو: وَسِع كل شيء علماً، ربنا وسعت كلّ شيء رحمةً وعلماً. فوصفه في هذه الآية بأنه واسع هو سعة الفضل لأنه وقع تذييلاً لقوله: ذلكَ فضل الله يؤتيه من يشاء. وأحسب أنّ وصف الله بصفة واسع في العربية من مبتكرات القرآن. وقوله: {عليم} صفة ثانية بقوة علمه أي كثرة متعلّقات صفة علمه تعالى. ووصفه بأنه عليم هنا لإفادة أنه عليم بمن يستأهل أن يؤتيه فضلَه ويدل على علمه بذلك ما يظهر من آثار إرادته وقدرته الجارية على وفق علمه متى ظهر للناس ما أودعه الله من فضائل في بعض خلقه، قال تعالى: {أية : اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته}تفسير : [الأنعام: 124]. وجملة {يختص برحمته من يشاء} بدل بعض من كل لجملة {إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} فإنّ رحمته بعض مما هو فضله. وجملة {والله ذو الفضل العظيم} تذييل وتقدم تفسير نظيره عند قوله تعالى: {أية : واللَّه يختص برحمته من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم}تفسير : في سورة [البقرة:105].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 72- وأن أهل الكتاب - فى سبيل إضلال المؤمنين - قالوا لإخوانهم: آمنوا بالقرآن الذى نزل على محمد واتبعه فيه المؤمنون أول النهار، واكفروا فى آخره لعلكم تستطيعون بهذا فتنتهم ببث الريب والشك فيهم، فيرجعون عن دينهم. 73- وقالوا أيضاً: لا تذعنوا إلا لمن تبع دينكم، خشية أن يدعى أحد أنه أوتى مثل ما عندكم، أو يحتج عليكم بإذعانكم عند ربكم، قل لهم - أيها النبى: إن الهدى ينزل من عند الله، فهو الذى يفيض به ويختار له من يشاء، وقل لهم - أيها النبى - إن الفضل من عند الله يعطيه من يريد من عباده، وهو واسع الفضل، عليم بمن يستحقه ومن ينزله عليه. 74- فهو يمنح من يشاء النبوة والرسالة، ومن خصه بذلك فإنما هو محض فضله، والله صاحب الفضل العظيم، لا ينازعه فيه غيره، ولا يحجر عليه فى عطائه. 75- هذا سلوك أهل الكتاب فى الاعتقاد، أما سلوكهم فى المال فمنهم من إن استأمنته على قنطار من الذهب أو الفضة أدَّاه إليك لا ينقص منه شيئاً، ومنهم من إن استأمنته على دينار واحد لا يؤديه إليك إلا إذا لازمته وأحرجته، وذلك لأن هذا الفريق يزعم بأن غيرهم أميون، وأنهم لا ترعى لهم حقوق، ويدعون أن ذلك حكم الله، وهم يعلمون أن ذلك كذب عليه سبحانه وتعالى. 76- حقاً لقد افتروا على الله الكذب، فإن من أدَّى حق غيره ووفَّاه فى وقته كما عاهده عليه وخاف الله فلم ينقص ولم يماطل فإنه يفوز بمحبة الله لأنه اتقاه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وجه النهار وآخره: أوله وهو الصباح وآخره وهو المساء. ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم: أي لا تصدقوا إلا من كان على ملتكم. الهدى هدى الله: البيان الحق والتوفيق الكامل بيان الله وهداه لا ما يخلط اليهود ويلبسون تضليلاً للناس. أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم : أن يعطى أحد نبوة ودينا وفضلا. أو يحاجوكم عند ربكم: يخاصموكم يوم القيامة عند ربكم. قل إن الفضل بيد الله: قل إن التوفيق للإِيمان والهداية للإِسلام بيد الله لا بيد غيره. والله واسع عليم: ذو سعة بفضله، عليم بمن يستحق فضله فيمُن عليه. معنى الآيات: يخبر تعالى عن كيد اليهود ومكرهم بالمسلمين فيقول: {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وذلك أن كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف عليهما لعائن الله قالا لبعض إخوانهم صلوا مع المسلمين صلاة الصبح إلى الكعبة، وصلوا العصر الى الصخرة بيت المقدس فإن قيل لكم لم عدلتم عن الكعبة بعد ما صليتم إليها؟ قولوا لهم قد تبينّ لنا أن الحق هو استقبال الصخرة لا الكعبة. هذا معنى قوله تعالى فيهم {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يعني في شأن القبلة، {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} أي صباحاً، {وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ} أي واجحدوا به مساءً، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي إلى استقبال الصخرة بدلاً عن الكعبة، والغرض هو بلبلة أفكار المسلمين وإدخال الشك عليهم وقوله تعالى عنهم {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} يريد أنهم قالوا لبعضهم بعضاً لا تصدقوا أحداً إلا من تبع دينكم من أهل ملتكم وهذا صرف من رؤسائهم لليهود عن الإِسلام وقبوله، أي لا تصدقوا المسلمين فيما يقولون لكم، وهنا رد تعالى عليهم بقوله قل يا رسولنا إن الهدى هدى الله، لا ما يحتكره اليهود من الضلال ويزعمون أنه الحق والهدى وهو البدعة اليهودية وقوله تعالى: {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ}. هو قول اليهود معطوف على قولهم: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} أما قوله تعالى {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ...} فهو كلام معترض بين كلام اليهود الذي قُدِّم تعجيلاً للردِّ عليهم، ومعنى قولهم: {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ} الخ. أي كراهة أن يعترف من قبلكم بأن محمداً نبيّ حق وأن دينه حق فيتابعه اليهود والمشركون عليه فيسلمون، أو على الأقل يثبت المسلمون عليه، ونحن نريد زلزلتهم وتشكيكهم حتى يعودوا إلى دين آبائهم، أو يحاجوكم عند ربكم يوم القيامة وتكون لهم الحجة عليكم إن أنتم اعترفتم لهم اليوم بأن نبيهم حق ودينهم حق، فلذا واصلوا الإِصرار أنه لا دين حق إلا اليهودية وأن ما عداها باطل. وهنا أمر تعالى رسوله أن يقول لهم مبكِّتاً لهم: {إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ}، لا بيد اليهود {يُؤْتِيهِ} أي الفضل الذي هو النبوة والهدى والتوفيق وما يتبع ذلك من خير الدنيا والأخرة، {مَن يَشَآءُ} من عباده ويحرمه من يشاء، وهو الواسع الفضل العليم بمن يستأهله ويحق له {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تسجيل المكر والخداع على اليهود وأنه صفة من صفاتهم اللازمة لهم إلى يوم القيامة. 2- الكشف عن التعصب اليهودي وأساليب التمويه والتضليل، والإِعلام العالمي اليوم مظهر من مظاهر التضليل اليهودي. 3- سذاجة اليهود المتناهية في فهم مسائل الدين والاعتقاد توارثوها إلى اليوم، وإلا فأي مؤمن بالله واليوم الآخر يقول: لا تعترفوا للمسلمين بأنهم على حق حتى لا يحتجوا عليكم باعترافكم يوم القيامة؟. إن الله تعالى يعلم أن اليهود يجحدون الإسلام وهو الحق ويكفرون به وهو الحق من ربهم وسيعذبهم في نار جهنم يخلدون فيها، فكونهم لا يصرحون للمسلمين بأنهم على حق وهم يعلمون أنهم على الحق في دنيهم ينجيهم هذا من عذاب الله على كفرهم بالإِسلام؟ اللهم لا. فما معنى قولهم لا تعترفوا بالإِسلام حتى لا يحتج عليكم المسلمون باعترافكم يوم القيامة؟؟ إنه الجهل والسذاجة في الفهم. وسبحان الله ماذا في الخلق من عجائب!!

القطان

تفسير : وجه النهار: أوله. الفضل: الزيادة. وقالت جماعة من أهل الكتاب لاخوانهم: يا هؤلاء، آمِنوا بالذي أُنزل على محمد، في الصباح واكفروا آخر النهار. بذلك قد تستطيعون ان تفتنوا اصحابه فيرجعوا عن دينهم. روى ابن عباسٍ أن جماعة من اليهود قالوا بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أُنزل على محمد وأصحابه غدوةً ونكفر به عشيّة حتى نُلبِّسَ عليهم دينهم، فقد يقلّدوننا في ذلك، فيرجعون عن دينهم. فأنزل الله هذه الآيات. وقد حذّر الله نبيه من مكر هؤلاء، وأطلعه على سرّهم حتى لا تؤثر هذه الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين. وقالوا أيضاً {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ}، أي لا تُذعنوا إلاّ لمن كان من أهل دينكم يهوديا، خشية أن يدَّعيَ أحد أنه أوتي مثل ما عندكم أو يحتجّ عليكم عند ربكم، فقل لهم يا محمد: ان الهدى يأتي من عند الله يختاره لمن يشاء، وكذلك الفضلُ من عنده يمنّ به على من يشاء من عباده، فليس الهدى مقصورا على شعب بعيْنه ولا فرد بذاته. ان فضل الله واسع ورحمته عامة، لا كما يزعم اليهود بأنهم شعب الله المختار.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَّآئِفَةٌ} {ٱلْكِتَابِ} {آمِنُواْ} {آخِرَهُ} {آمِنُواْ} (72) - اقْتَرَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ: هُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّيْفِ، وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَالحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ عَلَى إخْوَانِهِم اليَهُودِ أنْ يَكِيدُوا لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ أمْرَهُمْ، وَذَلِكَ بِأنْ يُؤْمِنَ فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ بالإِسْلاَمِ أوَّلَ النَّهَارِ (وَجْهَ النَّهَارِ)، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَرْتَدُّونَ عَنْهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ، لِيَظُنَّ الجَهَلَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُمْ إنَّما رَدَّهُمْ إلى دِينِهِمْ اطّلاَعُهُمْ عَلَى نَقِيصَةٍ وَعَيْبٍ فِي دِينِ الإِسْلامِ، فَيَرْتَدُّونَ هُمْ أيْضاً. وَقَدْ حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَؤلاءِ، وَأطْلَعَهُ عَلَى سِرِّهِمْ وَمَكْرِهِمْ، حَتَّى لاَ تُؤثِّرَ هَذِهِ الحِيَلُ فِي قُلُوبِ ضُعَفَاءِ الإِيمَانِ. (وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: صَلَّتِ اليَهُودُ مَعَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الصُّبْحِ، وَكَفَرُوا آخِرَ النَّهَارِ مَكْراً مِنْهُمْ لِيُرُوا النَّاسَ أنَّهُ قَدْ بَدَتْ لَهُمُ الضَّلاَلَةُ مِنْهُ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا اتَّبَعُوهُ). وَجْهَ النَّهَارِ - أوَّلَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد أراد بعض من أهل الكتاب أن يشككوا المسلمين في أمر المنهج، لذلك اصطنعوا تلك الحيلة، فالمؤمنون من العرب وقريش في ذلك الزمن كانوا أميين وكانوا يعرفون أن أهل الكتاب على علم بمناهج السماء، ولم يكن القرآن كله قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا ما آمن بعض منهم برسالة رسول الله وجه النهار وكفروا به آخر النهار فهذا خلط للحق بالباطل. وفي هذا خداع للمؤمنين. ولنا أن نعرف أن {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} [آل عمران: 72] مقصود به ساعات الصباح والظهر، فالوجه هو أول ما يواجه في أي أمر، ونحن نأخذ ذلك في أمثلة حياتنا اليومية، فنقول عن بائع الفاكهة: "لقد صنع وجها للفاكهة"، أي أنه قد وضع أنضج الثمار في واجهة العربة، وأخفى خلف الثمار الصالحة الناضجة ثماراً أخرى فاسدة. وعندما يفعل التاجر مثل هذا الفعل فمقصده الغش والخداع، لأن الإنسان إذا ما اشترى أي مقدار من هذه الفاكهة فسيجد ربع ما اشترى هو من واجهة الفاكهة، والباقي من الثمار الفاسدة. وكذلك حاول بعض من أهل الكتاب أن يخدعوا المؤمنين بإعلان الإيمان أول النهار ثم إعلان الكفر آخر النهار، والهدف بطبيعة الحال هو إشاعة الشك وزراعة البلبلة في نفوس المؤمنين بخصوص هذا الدين، فقد يقول بعض من الأميين: "لقد اختبر أهل الكتاب هذا الدين الجديد وهم أهل علم بمناهج السماء ولم يجدوه مطابقاً لمناهج السماء". أو أن الآية قد نزلت في مسألة تحويل القبلة إلى الكعبة، فإذا كان الحق سبحانه قد أمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فالكافرون من أهل الكتاب أرادوا نقض ذلك، وقالوا: "فلنسمع أول النهار كلام محمد ونتوجه في الصلاة إلى الكعبة ثم نصلي آخر النهار ونجعل قبلتنا بيت المقدس". وكأن الحق قد أراد بذلك أن يكشف لنا أن كل أساليب الكفر هي من تمام قلة الفطنة وعدم القدرة على حسن التدبر، لقد أرادوا إشعال الحرب النفسية ضد المسلمين، لعل بعضاً من المسلمين يتشككون في أمر الدين الجديد، لكنهم دون أن يلحظوا أنهم قد فضحوا أنفسهم، واعترفوا دون قصد منهم بأن الذين آمنوا بالقرآن هم المؤمنون حقاً بينما هم قد أخذوا لأنفسهم موقف الكفر الذي هو نقيض للإيمان، قال سبحانه حكاية عنهم: {آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ} [آل عمران: 72] فهم قد ارتضوا لأنفسهم الكفر. لقد أعلن هؤلاء المشككون التصديق بالإسلام؛ وذلك ليعرف الناس عنهم ذلك، ولكنهم أهل كتاب فهم قادرون على الحكم عليه، فإذا ما رجعوا عن الإسلام من بعد معرفته، فسيقولون: إن رجوعنا ليس بسبب الجهل أو التعصب، إنما بسبب اختبارنا لهذا الدين، فلم نجده مناسباً ولا متوافقاً مع ما نزل على رسولنا. وهذا من أساليب الحرب النفسية. والحق سبحانه وتعالى يكشف ذلك المكر والخداع للذين حاولوا أن يكتموا خداعهم ولعبتهم الماكرة، والتي أرادوا بها التشكيك والخداع. فَيُنزل على رسوله هذا القول الحق: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} معناهُ أَوْلُهُ.

الأندلسي

تفسير : {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ} قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد واكفروا في آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس كذلك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإِذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم، وقالوا: هم أهل الكتاب فهم أعلم منا، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم. فنزلت. وقال ابن عباس ومجاهد: صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم رجعوا آخر النهار فصلوا صلاتهم ليرى الناس أنه بدت لهم منه ضلالة بعد أن كانوا اتبعوه. فنزلت. {آمَنُواْ} أظهروا الإِيمان باللسان. {بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لم يصدقوا بأنه أنزل على المؤمنين وإنما معناه أنزل على زعمهم. {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} أوله وانتصب على الظرف الزماني. {لَعَلَّهُمْ} أي لعل الذين آمنوا. {يَرْجِعُونَ} عن دينهم إذ رأونا مضطربين في دينهم بفعلنا ذلك. {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ} أي لا تخلصوا الإِيمان باللسان والإِعتقاد. {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} ظاهره أنه جملة مستقلة أمر الله نبيه أن يقول هذا وهدى الله خبر ان وقيل: بدل من الهدى. {أَن يُؤْتَىۤ} على قراءة من قرأ أن يؤتا بهمزة واحدة خبر إنّ أي أنّ هدى الله إيتاء واحد منكم. {مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} من العلم والخطاب بأوتيتم للكفار، ويكون أو يحاجوكم منصوباً بإخمار أن بعد أو بمعنى حتى أي حتى يحاجونكم عند ربكم فيغلبوكم ويدحضوا حجتكم عند الله ولا يكون أو يحاجوكم معطوفاً على أن يؤتى وعلى أن يكون هدى الله خبر انّ يكون المعنى مخافة أن يؤتى تعليلاً لقوله: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، وتكون الجملة من قوله: قل ان الهدى هدى الله، اعتراضاً بين العلة والمعلول. وقرأ ابن كثير أن يؤتى على الاستفهام الذي معناه الإِنكار عليهم والتقرير والتوبيخ وهو مثبت من حيث المعنى قلتم ذلك وفعلتموه ويكون أو يحاجوكم معطوفاً على يؤتى وأو للتنويع. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون قوله: أن يؤتى، بدلاً من قوله: هدى الله، ويكون المعنى قل ان الهدى هدى الله وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن ويكون قوله: أو يحاجوكم، بمعنى أو فليحاجوكم فإِنهم يغلبونكم. "انتهى" هذا القول وفيه الجزم بلام الأمر وهي محذوفة ولا يجوز ذلك على مذهب البصريين إلا في الضرورة. قال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب أن يؤتى بفعل مضمر يدل عليه قوله: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، كأنه قيل: قل ـ ان الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأن قوله: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا. انتهى كلامه. وهو بعيد لأن فيه حذف حرف النفي ومعموله ولم يحفظ ذلك من لسانهم وكون أن نافية بمعنى لا قول مرغوب عنه. {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} وهذه كناية عن قدرة التصرف والتمكن فيها والبارىء تعالى منزه عن الجارحة.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من غاية حسدهم ونهاية بغضهم أنهم احتالوا واستخدعوا لإضلال المسلمين حيث {قَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} لأصحابه وجلسائه على وجه الحيل والمخادعة: {آمِنُواْ} استهزاءً و تسفيهاً {بِٱلَّذِيۤ} يدعون أنه {أُنْزِلَ} عليه موافقة {عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} به {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} أي: أول بدو النهار؛ ليفرحوا ويسروا بموافقتكم إياه {وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ} أي: اتركوه وأنكروا عليه في آخر النهار، معللين بأنا لم نجد محمداً على الوصف الذي ذكر في كتابنا؛ ليترددوا ويضطربوا بمخالفتكم، افعلوا كذلك دائماً {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] رجاء أن يرجعوا عن دينهم وإيمانهم. {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ} أي: لا تخلصوا عن صميم القلب، ولا تظهروا تصديقكم {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} من إخوانكم وأصحابكم المتدينين بدين آبائكم وأسلافكم {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل رداً لمخادعتهم ودفعاً لحيلتهم كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة: {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ} الموصل إلى سواء السبيل {هُدَى ٱللَّهِ} الهادي لعباده، يهدي من يشاء إلى طريق توحيده، ويُضِّل عنه من يشاء، وإنما دبرتم وخادعتم {أَن يُؤْتَىۤ} أي: لأنْ يؤتى {أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} من الكفر والإنكار بمحمد صلى الله عليه وسلم {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ} أي: يغلبوكم بهذا الخداع والتدبير {عِندَ رَبِّكُمْ} على زعمكم الفاسد واعتقادكم الباطل {قُلْ} يا أكمل الرسل: لا تغتروا بمزخرفات عقولكم، ولا تطمئنوا بمقتضياتها؛ إذ هو صار عن المعرفة خصوصاً عند تزاحم الوهم، بل {إِنَّ ٱلْفَضْلَ} والهداية {بِيَدِ ٱللَّهِ} بقدرته ومشيئته {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} بلا معاينة العقل ونصرته {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده {وَاسِعٌ} في فضله وهدايته، لا حصر لطريق إلهامه وعلمه {عَلِيمٌ} [آل عمران: 73] باستعدادات عباده، يوصل كلاً منهم إلى توحيده بطريق يناسب استعداده. بل {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} الواسعة الشاملة لجميع الفضائل والكمالات {مَن يَشَآءُ} من خلَّص عباده، تفضلاً عليه من عنده من استعداداتهم ما لا يدرك غوره، ولا يكتنه طوره {وَاللَّهُ} المتجلي بجميع الكمالات {ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 74] واللطف الجسيم على بعض مظاهره من الأنبياء والأولياء الذين فنيت هوياتهم البشرية بالكلية في بحر الوحدة، وتجردوا عن جلبابها بالمرة.

همام الصنعاني

تفسير : 412- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة والكلبي في قوله تعالى: {آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ}: [الآية: 72]، قالا: قال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أوّل النهار، واكْفُروا آخره، فإنه أجدر أن يُصدقوكم، ويعلموا أنْ قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم.