Verse. 366 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَلَا تُؤْمِنُوْۗا اِلَّا لِمَنْ تَبِــعَ دِيْنَكُمْ۝۰ۭ قُلْ اِنَّ الْہُدٰى ھُدَى اؘ۝۰ۙ اَنْ يُّؤْتٰۗى اَحَدٌ مِّثْلَ مَاۗ اُوْتِيْتُمْ اَوْ يُحَاۗجُّوْكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ۝۰ۭ قُلْ اِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اؘ۝۰ۚ يُؤْتِيْہِ مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَاللہُ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ۝۷۳ۚۙ
Wala tuminoo illa liman tabiAAa deenakum qul inna alhuda huda Allahi an yuta ahadun mithla ma ooteetum aw yuhajjookum AAinda rabbikum qul inna alfadla biyadi Allahi yuteehi man yashao waAllahu wasiAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

وقالوا أيضاً «ولا تؤمنوا» تصدَّقوا «إلا لمن تبع» وافق «دينكم» قال تعالى: «قل» لهم يا محمد «إن الهدى هدى الله» الذي هو الإسلام وما عداه ضلال، والجملةُ اعتراض «أن» أي بأن «يؤتى أحدّ مثل ما أوتيتم» من الكتاب والحكمة والفصائل وأن مفعول تؤمنوا، والمستثنى منه أحد قدم عليه المستثنى المعنى: لا تقروا بأن أحدا يؤتى ذلك إلا لمن اتبع دينكم «أو» بأن «يحاجوكم» أي المؤمنون يغلبوكم «عند ربكم» يوم القيامة لأنكم أصح دينا، وفي قراءة: أأن بهمزة التوبيخ أي إيتاء أحد مثله تقرون به قال تعالى «قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء» فمن أين لكم أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم «والله واسع» كثير الفضل «عليم» بمن هو أهله.

73

Tafseer

الرازي

تفسير : اتفق المفسرون على أن هذا بقية كلام اليهود، وفيه وجهان الأول: المعنى: ولا تصدقوا إلا نبياً يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه، وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم، وعلى هذا التفسير تكون (اللام) في قوله {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ } صلة زائدة فإنه يقال صدقت فلاناً. ولا يقال صدقت لفلان، وكون هذه اللام صلة زائدة جائز، كقوله تعالى: {أية : رَدِفَ لَكُم }تفسير : [النمل: 72] والمراد ردفكم والثاني: أنه ذكر قبل هذه الآية قوله {آمنوا وجه النهار واكفروا آخره}. ثم قال في هذه الآية: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } أي لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم، كأنهم قالوا: ليس الغرض من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم، فالمعنى ولا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم، فإن مقصود كل واحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته. ثم قال تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما. معناه: الدين دين الله ومثله في سورة البقرة {أية : قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة: 120]. واعلم أنه لا بد من بيان أنه كيف صار هذا الكلام جواباً عما حكاه عنهم؟ فنقول: أما على الوجه الأول وهو قولهم لا دين إلا ما هم عليه، فهذا الكلام إنما صلح جواباً عنه من حيث أن الذي هم عليه إنما ثبت ديناً من جهة الله، لأنه تعالى أمر به وأرشد إليه وأوجب الانقياد له وإذا كان كذلك، فمتى أمر بعد ذلك بغيره، وأرشد إلى غيره، وأوجب الانقياد إلى غيره كان نبياً يجب أن يتبع، وإن كان مخالفاً لما تقدم، لأن الدين إنما صار ديناً بحكمه وهدايته، فحيثما كان حكمه وجبت متابعته، ونظيره قوله تعالى جواباً لهم عن قولهم {أية : مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } تفسير : [البقرة: 142] يعني الجهات كلها لله، فله أن يحول القبلة إلى أي جهة شاء، وأما على الوجه الثاني فالمعنى أن الهدى هدى الله، وقد جئتكم به فلن ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف. ثم قال تعالى: {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ }. واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة، فنقول هذا إما أن يكون من جملة كلام الله تعالى أو يكون من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم}، وقد ذهب إلى كل واحد من هذين الاحتمالين قوم من المفسرين. أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه الأول: قرأ ابن كثير (أن يؤتى) بمد الألف على الاستفهام والباقون بفتح الألف من غير مد ولا استفهام، فإن أخذنا بقراءة ابن كثير، فالوجه ظاهر وذلك لأن هذه اللفظة موضوعة للتوبيخ كقوله تعالى: {أية : أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَـٰتُنَا قَالَ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [القلم: 14، 15] والمعنى أمن أجل أن يؤتي أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع ينكرون اتباعه؟ ثم حذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه، وتعديده عليه ذنوبه بعد كثرة إحسانه إليه أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت؟ ونظيره قوله تعالى: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ } تفسير : [الزمر: 9] وهذا الوجه مروي عن مجاهد وعيسى بن عمر. أما قراءة من قرأ بقصر الألف من {أن} فقد يمكن أيضاً حملها على معنى الاستفهام كما قرىء {أية : سَوَاءَ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } تفسير : [البقرة: 6] بالمد والقصر، وكذا قوله {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } قرىء بالمد والقصر، وقال امرؤ القيس:شعر : تروح من الحي أم تبتكر؟ وماذا عليك ولم تنتظر تفسير : أراد أروح من الحي؟ فحذف ألف الاستفهام، وإذا ثبت أن هذه القراءة محتملة لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة الأولى. الوجه الثاني: أن أولئك لما قالوا لأتباعهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم إن الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتي أحد سواكم من الهدى مثل ما أوتيتموه {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } يعني هؤلاء المسلمين بذلك {عِندَ رَبّكُمْ } إن لم تقبلوا ذلك منهم، أقصى ما في الباب أنه يفتقر في هذا التأويل إلى إضمار قوله فلا تنكروا لأن عليه دليلاً وهو قوله {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } فإنه لما كان الهدى هدى الله كان له تعالى أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار. الوجه الثالث: إن الهدى اسم للبيان كقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [فصلت: 17] فقوله {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ } مبتدأ وقوله {هُدَى ٱللَّهِ } بدل منه وقوله {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } خبر بإضمار حرف لا، والتقدير: قل يا محمد لا شك أن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان وأن لا يحاجوكم يعني هؤلاء اليهود عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم محقون وأنهم مضلون، وهذا التأويل ليس فيه إلا أنه لا بد من إضمار حرف {لا } وهو جائز كما في قوله تعالى: {أية : أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 44] أي أن لا تضلوا. الوجه الرابع: {ٱلْهُدَىٰ } اسم و {هُدَى ٱللَّهِ } بدل منه و {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ } خبره والتقدير: إن هدى الله هو أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم، وعلى هذا التأويل فقوله {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } لا بد فيه من إضمار، والتقدير: أو يحاجوكم عند ربكم فيقضى لكم عليهم، والمعنى: أن الهدى هو ما هديتكم به من دين الإسلام الذي من حاجكم به عندي قضيت لكم عليه، وفي قوله {عِندَ رَبّكُمْ } ما يدل على هذا الإضمار ولأن حكمه بكونه رباً لهم يدل على كونه راضياً عنهم وذلك مشعر بأنه يحكم لهم ولا يحكم عليهم. والاحتمال الثاني: أن يكون قوله {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } من تتمة كلام اليهود، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، قل إن الهدى هدى الله، وأن الفضل بيد الله، قالوا، والمعنى لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم، وأسروا تصديقكم، بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً ودون المشركين لئلا يدعوهم ذلك إلى الإسلام. أما قوله {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } فهو عطف على أن يؤتى، والضمير في يحاجوكم لأحد، لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، إن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة، وعندي أن هذا التفسير ضعيف، وبيانه من وجوه الأول: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد عليه السلام كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم وأشياعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار بما يدل على صحة دين محمد صلى الله عليه وسلم عند أتباعهم وأشياعهم، وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب؟ هذا في غاية البعد الثاني: أن على هذا التقدير يختل النظم ويقع فيه تقديم وتأخير لا يليق بكلام الفصحاء والثالث: إن على هذا التقدير لا بد من الحذف فإن التقدير: قبل إن الهدى هدى الله وإن الفضل بيد الله، ولا بد من حذف {قُلْ } في قوله {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } الرابع: إنه كيف وقع قوله {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } فيما بين جزأى كلام واحد؟ فإن هذا في غاية البعد عن الكلام المستقيم، قال القفال: يحتمل أن يكون قوله {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } كلام أمر الله نبيه أن يقوله عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى هذا الموضع لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر، فيقول: عند بلوغه إلى تلك الكلمة آمنت بالله، أو يقول لا إلٰه إلا الله، أو يقول تعالى الله ثم يعود إلى تمام الحكاية فيكون قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } من هذا الباب، ثم أتى بعده بتمام قول اليهود إلى قوله {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمحاجتهم في هذا وتنبيههم على بطلان قولهم، فقيل له {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } إلى آخر الآية. الإشكال الخامس: في هذه الوجوه: أن الإيمان إذا كان بمعنى التصديق لا يتعدى إلى المصدق بحرف اللام لا يقال صدقت لزيد بل يقال: صدقت زيداً، فكان ينبغي أن يقال: ولا تؤمنوا إلا من تبع دينكم، وعلى هذا التقدير يحتاج إلى حذف اللام في قوله {لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } ويحتاج إلى إضمار الباء أو ما يجري مجراه في قوله {أَن يُؤْتَىٰ } لأن التقدير: ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، فقد اجتمع في هذا التفسير الحذف والإضمار وسوء النظم وفساد المعنى، قال أبو علي الفارسي: لا يبعد أن يحمل الإيمان على الإقرار فيكون المعنى: ولا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، وعلى هذا التقدير لا تكون اللام زائدة، لكن لا بد من إضمار حرف الباء أو ما يجري مجراه على كل حال، فهذا محصل ما قيل في تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده. ثم قال تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ }. واعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين أحدهما: أن يؤمنوا وجه النهار، ويكفروا آخره، ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام. فأجاب عنه بقوله {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } والمعنى: أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة ولا أثر والثاني: أنه حكى عنهم أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكم والنبوة. فأجاب عنه بقوله {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } والمراد بالفضل الرسالة، وهو في اللغة عبارة عن الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان، والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير، ثم كثر استعمال الفضل لكل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى الغير وقوله {بِيَدِ ٱللَّهِ } أي إنه مالك له قادر عليه، وقوله {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } أي هو تفضل موقوف على مشيئته، وهذا يدل على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق، لأنه تعالى جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله، ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز وقوله {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } مؤكد لهذا المعنى، لأن كونه واسعاً، يدل على كمال القدرة، وكونه عليماً على كمال العلم، فيصح منه لمكان القدرة أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء، ويصح منه لمكان كمال العلم أن لا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب. ثم قال: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } وهذا كالتأكيد لما تقدم، والفرق بين هذه الآية وبين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه، فبيّن بقوله {إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } إنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، ثم قال: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } والرحمة المضافة إلى الله سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل، فإن هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف وعلو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم، بل تكون أعلى وأجل من أن تقاس إلى ما آتاهم، ويحصل من مجموع الآيتين إنه لا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده، وأن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة، وعلى أشخاص معينين جهل بكمال الله في القدرة والحكمة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} هذا نهي، وهو من كلام اليهود بعضهم لبعض، أي قال ذلك الرؤساء للسّفلة. وقال السدي: من قول يهودِ خيبر ليهود المدينة. وهذه الآية أشكل ما في السورة. فروي عن الحسن ومجاهد أن معنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنهم لا حجة لهم فإنكم أصح منهم دِيناً. و «أن» و «يحاجوكم» في موضع خفض، أي بأن يحاجوكم أي باحتجاجهم، أي لا تصدّقوهم في ذلك فإنهم لا حجة لهم. {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} من التوراة والمنّ والسلوى وفرق البحر وغيرها من الآيات والفضائل. فيكون «أن يؤتي» مؤخراً بعد {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ}، وقوله {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} ٱعتراض بين كلامين. وقال الأخفش: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدّقوا أن يحاجوكم؛ يذهب إلى أنه معطوف. وقيل: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فالمَدّ على الاستفهام أيضاً تأكيد للإنكار الذي قالوه إنه لا يؤتي أحد مثل ما أوتوه؛ لأن علماء اليهود قالت لهم؛ لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتي أحد مِثل ما أوتيتم؛ أي لا يؤتي أحد مثل ما أوتيتم؛ فالكلام على نسقه. و «أن» في موضع رفع على قول من رفع في قولك أزيد ضربته، والخبر محذوف تقديره أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم تصدّقون أو تقرون، أي إيتاء موجود مصدَّقٌ أو مُقَرّ به، أي لا تصدّقون بذلك. ويجوز أن تكون «أن» في موضع نصب على إضمار فعل؛ كما جاز في قولك أزيداً ضربته، وهذا أقوى في العربية لأن الاستفهام بالفعل أولى، والتقدير أتقرّون أن يؤتي، أو أتشِيعون ذلك، أو أتذكرون ذلك ونحوه. وبالمد قرأ ٱبن كثير وٱبن محيصِن وحميد. وقال أبو حاتم: «أن» معناه «ألأَنْ»، فحذفت لام الجر ٱستخفافاً وأبدلت مدّةً؛ كقراءة من قرأ {أية : أَن كَانَ ذَا مَالٍ} تفسير : [القلم: 14] أي ألأن. وقوله «أو يُحَاجُّوكُم» على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين؛ أو تكون «أو» بمعنى «أَنْ» لأنهما حَرْفَا شكّ وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر. وتقدير الآية: وأن يحاجوكم عند ربكم يا معشر المؤمنين، فقل: يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه. ومن قرأ بترك المدّ قال: إن النفي الأوّل دلّ على إنكارهم في قولهم ولا تؤمنوا. فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم: لا تصدّقوا بأن يُؤتَى أحد مثل ما أوتيتم، أي لا إيمان لهم ولا حجة؛ فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمنّ والسّلْوَى وفَلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات، أي إنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم. فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة. ومن ٱستثنى ليس من الأوّل، وإلا لم يجز الكلام. ودخلت «أَحَدٌ» لأن أوّل الكلام نفي، فدخلت في صلة «أن» لأنه مفعول الفعل المنفي؛ فأن في موضع نصب لعدم الخافض. وقال الخليل: (أنْ) في موضع خفض بالخافض المحذوف. وقيل: إن اللام ليست بزائدة، و «تُؤمِنُوا» محمول على تُقِرّوا. وقال ٱبن جريج: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم. وقيل: المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لمن تبع دينكم لئلا يكون طريقاً إلى عبَدَة الأوثان إلى تصديقه. وقال الفرّاء: يجوز أن يكون قد ٱنقطع كلام اليهود عند قوله عز وجل {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ}. أي إن البيان الحق هو بيان الله عز وجل {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} بيّن ألا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، و «لا» مقدرة بعد «أن» أي لئلا يؤتى؛ كقوله {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 176] أي لئلا تضلوا، فلذلك صلح دخول «أحد» في الكلام. و «أو» بمعنى «حتى» و «إلا أن»؛ كما قال ٱمرؤ القيس:شعر : فقلتُ له لا تَبْكِ عَيْنُك إنّما نحاول مُلكاً أو نموتَ فنُعذَرا تفسير : وقال آخر:شعر : وكنتُ إذا غَمَزْتُ قَنَاةَ قوم كسرتُ كُعُوبَها أو تستقيما تفسير : ومثله قولهم: لا نلتقي أو تقوم الساعة، بمعنى «حتى» أو «إلى أن»؛ وكذلك مذهب الكِسائيّ. وهي عند الأخفش عاطفة على «وَلاَ تُؤْمِنُوا» وقد تقدّم. أي لا إيمان لهم ولا حجة؛ فعطف على المعنى. ويحتمل أن تكون الآية كلها خطاباً للمؤمنين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم والتشحيذ لبصائرهم؛ لئلا يشكّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم. والمعنى لا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدِّين، ولا تصدّقوا أن يحاجّكم في دينكم عند ربّكم مَن خالفكم أو يقدر على ذلك، فإن الهُدَى هدى الله وإن الفضل بيد الله. قال الضحاك: إن اليهود قالوا إنا نحاجّ عند ربنا مَن خالفنا في ديننا؛ فبيّن الله تعالى أنهم هم المُدْحَضُون المعذَّبون وأن المؤمنين هم الغالبون. ومحاجّتهم خصومتهم يوم القيامة. ففي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. «حديث : إن اليهود والنصارى يحاجُّونا عند ربّنا فيقولون أعطيتنا أجْراً واحداً وأعطيتهم أجرين فيقول هل ظلمتكم من حقوقكم شيئاً قالوا لا قال فإن ذلك فضلي أوتيه من أشاء»تفسير : . قال علماؤنا: فلو علموا أن ذلك من فضل الله لم يحاجونا عند ربنا؛ فأعلم الله نبِيّه صلى الله عليه وسلم أنهم يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم، ثم قال: قل لهم الآن {إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. وقرأ ٱبن كَثير «آنْ يؤتى» بالمدّ على الاستفهام؛ كما قال الأعشى:شعر : أأنْ رأت رَجُلاً أعْشَى أضَرَّ بِهِ رَيْبُ المَنُون ودهْرٌ مُتْبِلٌ خَبِلُ تفسير : وقرأ الباقون بغير مدّ على الخبر. وقرأ سعيد بن جبير «إن يؤتى» بكسر الهمزة، على معنى النّفي؛ ويكون من كلام الله تعالى كما قال الفرّاء. والمعنى: قل يا محمد «إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ» يعني اليهود ـ بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم. ونصب «أو يحاجوكم» يعني بإضمار «أن» و «أو» تضمر بعدها «أن» إذا كانت بمعنى «حتى» و «إلاّ أن». وقرأ الحسن «أن يؤتِيَ» بكسر التاء وياء مفتوحة، على معنى أن يؤتِيَ أحدٌ أحداً مثل ما أوتيتم، فحذف المفعول. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: أن الهُدَى إلى الخير والدّلالة إلى الله عز وجل بيد الله جل ثناؤه يؤتيه أنبياءه، فلا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم مثل ما أوتيتم، فإن أنكروا ذلك فقل لهم {إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}. والقول الآخر: قل إن الهدى هدى الله الذي آتاه المؤمنين من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم لا غيره. وقال بعض أهل الإشارات في هذه الآية: لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم فإن من لا يوافقكم لا يرافقكم، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : وقالوا أيضاً {وَلاَ تُؤْمِنُواْ } تصدّقوا {إِلاَّ لِمَنْ } اللام زائدة {تَبِعَ } وافق {دِينكُمْ } قال تعالى {قُلْ } لهم يا محمد {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } الذي هو الإسلام وما عداه ضلال، والجملة اعتراض {أن} أي بأن {يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ } من الكتاب والحكمة والفضائل، و «أن» مفعول (تؤمنوا) والمستثنى منه «أحد» قُدِّمَ عليه المستثنى، المعنى: لا تُقرّوا بأن أحداً يؤتى ذلك إلا لمن تبع دينكم {أَوْ } بأن {يُحآجُّوكُمْ } أي المؤمنون يغلبوكم {عِندَ رَبِّكُمْ } يوم القيامة لأنكم أصح ديناً. وفي قراءة:«أأن» بهمزة التوبيخ: أي أإيتاء أحد مثله تقرّون به قال تعالى {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآء } فمن أين لكم أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟{وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } كثير الفضل {عَلِيمٌ } بمن هو أهله.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلا تُؤْمِنُوَاْ إِلآَّ} قاله اليهود بعضهم لبعض، أو قاله يهود خيبر ليهود المدينة، نهوا عن ذلك لئلا يكون طريقاً لعبدة الأوثان إلى تصديقه، أو لئلا يعرفوا به فيلزمهم الدخول فيه. {الْهُدَى هُدَى اللهِ} أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أيها المسلمون فحذف "لا"، أو {الْهُدَىَ هُدَى اللهِ} فلا تجحدوا أ [ن] يؤتى {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ} ولا تؤمنوا أن يحاجوكم إذ لا حجة لهم، أو يكون "أو" بمعنى حتى تبعيداً كقولك "لا يلقاه أو تقوم الساعة" قاله الكسائي والفراء.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم} هذا متصل بالأول وهو من قول اليهود يقول بعضهم لبعض ولا تؤمنوا أي ولا تصدقوا إلاّ لمن تبع دينكم أي وافق ملتكم التي أنتم عليها وهي اليهودية. واللام في لمن صلة كقوله ردف لكم أي ردفكم {قل إن الهدى هدى الله} أي إن الدين دين الله والبيان بيانه، وهذا خبر من الله تعالى ثم اختلفوا فيه فمنهم من قال: هذا كلام معترض بين كلامين وما بعده متصل بالكلام الأول وهو إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض ومعنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة والكتاب والآيات من فلق البحر وإنزال المن والسلوى عليكم وغير ذلك من الكرامات، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنكم أصح ديناً منهم فلما أخبر الله تعالى عن اليهود بذلك قال في أثناء ذلك أن الهدى هدى الله، والمعنى أن الذي أنتم عليه إنما صار ديناً بحكم الله وأمره فإذا أمر بدين آخر وجب اتباعه والانقياد لحكمه لأنه هو الذي هدى إليه وأمر به وقيل: معناه قل لهم: يا محمد إن الهدى هدى الله وقد جئتكم به ولن ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف وقرأ الحسن والأعمش إن يؤتى بكسر الألف فيكون قول اليهود تاماً عند قوله إلاّ لمن تبع دينكم وما بعده من قول الله تعالى والمعنى قل يا محمد إن الهدى هدى الله {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} وتكون أن معنى الجحد أي ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا محمد من الدين والهدى {أو يحاجوكم عند ربكم} يعني إلاّ أن يحاجوكم أي اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل منكم وقوله عند ربكم أي عند فعل ربكم وقيل: أوفي قوله أو يحاجوكم بمعنى حتى ومعنى الآية ما أعطى الله أحداً مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم وقرأ ابن كثير آن يؤتى بالمد على الاستفهام، وحينئذٍ يكون في الكلام اختصار تقديره أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة فتحسدونه ولا تؤمنون به هذا قول قتادة والربيع قالا: هذا من قول الله تعالى قل يا محمد إن الهدى هدى الله ألأن أنزل كتاباً مثل كتابكم وبعث نبياً مثل نبيكم حسدتموه وكفرتم به قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. وقوله: أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين وتكون أو بمعنى إن لأنهما حرفا شرط وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر. والمعنى وأن يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم قل: يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه ويحتمل أن يكون الجميع خطاباً للمؤمنين ويكون نظم الآية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين، فإن حسدوكم فقل إن الفضل بيد الله، فإن حاجوكم فقل إن الهدى هدى الله ويحتمل أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله لعلهم يرجعون وقوله: ولا تؤمنوا من كلام الله تعالى ثبت به قلوب المؤمنين لئلا يشكوا عند تلبس اليهود وتزويرهم في دينهم يقول الله عز وجل: ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلاّ لمن تبع دينكم ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل ولا تصدقوا أن يحاجوكم عند ربكم أو يقدروا على ذلك فإن الهدى هدى الله، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. فتكون الآية كلها خطاباً للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا ولا يشكوا وقوله تعالى: {قل إن الفضل} يعني قل لهم يا محمد إن التوفيق للإيمان والهداية للإسلام {بيد الله} أي أنه مالك له وقادر عليه دونكم ودون سائر خلقه {يؤتيه من يشاء} يعني الفضل الذي هو دين الإسلام يعطيه من يشاء من عباده ويوفق له من أراد من خلقه وفيه تكذيب لليهود في قولهم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم فقال الله تعالى رداً عليهم قل لهم ليس ذلك إليهم وإنما الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وأصل الفضل في اللغة الزيادة وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير {والله واسع} أي ذو سعة يتفضل على من يشاء {عليم} أي بمن يتفضل عليه وهو للفضل أهل.

ابن عادل

تفسير : اللام في "لِمَنْ" فيها وجهان: أحدهما: أنها زائدة مؤكِّدة، كهي في قوله تعالى: {أية : قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم} تفسير : [النمل: 72] أي: ردفكم وقول الآخر: [الوافر] شعر : 1511- فَلَمَّا أنْ تَوَاقَفْنَا قَلِيلاً أنَخْنَا لِلْكَلاَكِلِ فَارْتَميْنَا تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 1512- مَا كُنْتُ أخْدَعُ لِلْخَلِيلِ بِخُلَّةٍ حَتَّى يَكُونَ لِيَ الْخَلِيلُ خَدُوعَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1513- يَذُمُّونَ لِلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْلِبُونَهَا أفَاوِيقَ حَتَّى ما يَدِرُّ لَهَا فَضْلُ تفسير : أي: أنخنا الكلاكِلَ، وأخدع الخليل، ويذمون الدنيا، ويُرْوَى: يذمون بالدنيا، بالباء. قال شهابُ الدينِ: وأظن البيتَ: يذمون لِي الدنيا - فاشتبه اللفظ على السامع - وكذا رأيته في بعض التفاسيرِ، وهذا الوجه ليس بالقوي. الثاني: أن "آمن" ضُمِّن معنى أقَرَّ واعْتَرَف، فعُدِّيَ باللام، أي: ولا تُقِرّوا، ولا تعترفوا إلا لمن تبع دينكم، ونحوه قوله: {أية : فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ} تفسير : [يونس: 83] وقوله: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} تفسير : [يوسف: 17] وقال أبو علي: وقد يتعدَّى آمن باللام في قوله: {أية : فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ} تفسير : [يونس: 83]، وقوله: {أية : آمَنتُمْ لَهُ}تفسير : [طه: 71]، وقوله: {أية : يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة: 61] فذكر أنه يتعدى بها من غير تضمين، والصَّوَابُ التضمين وقد تقدم تحقيقه أول البقرة. وهنا استثناء مُفَرَّغٌ. وقال أبو البقاء: {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء مما قبلَه، والتقديرُ: ولا تَقرُّوا إلا لمن تبع، فعلى هذا اللام غير زائدة ولا يجوز أن تكون زائدة ويكون محمولاً على المعنى، أي اجْحَدوا كُلَّ أحد إلا من تبع دينكم. والثاني: أن النية به التأخير، والتقدير: ولا تُصَدِّقُوا أن يؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم؛ فاللام على هذا - زائدة، و "مَنْ" في موضع نصب على الاستثناء من أحد. وقال الفارسيُّ: الإيمان لا يتعدى إلى مفعولين، فلا يتعلق - أيضاً - بجارين، وقد تعلَّق بالجار المحذوف من قوله: {أَن يُؤْتَىۤ} فلا يتعلق باللام في قوله: {لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} إلا أن يحمل اللام على معناه، فيتعدى إلى مفعولين، ويكون المعنى: ولا تُقِرُّوا بأن يُؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينَكم، كما تقول: أقررت لزيد بألفٍ، فتكون اللام متعلقة بالمعنى، ولا تكون زائدة على حد: {أية : رَدِفَ لَكُمْ} تفسير : [النمل: 72] و {أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} تفسير : [يوسف: 43] وهذا تَصْرِيحٌ من أبي علي بأنه ضمن "آمن" معنى "أقَرَّ". فصل اتفق المفسّرون على أن هذا بقية كلامِ اليهودِ، وفيه وجهانِ: الأول: أن معناه: ولا تُصَدِّقُوا إلا بنبي يُقرِّر شرائعَ التوراةِ، ومَنْ جاء بتغيير شرع من أحكام التوراة، فلا تصدقوه، وعلى هذا التفسير تكون اللام في {لِمَنْ تَبِعَ} صلة زائدة. الثاني: معناه: لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل مَنْ تبع دينكم، أي: ليس الغرضُ من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم، فإنّ مقصود كلِّ أحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته. ثم قال: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ}. قال ابن عباسٍ: معناه: الدين دين الله، ونظيره: {أية : قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [الأنعام: 71] وبيان كيف صار هذا الكلامُ جواباً عما حكاه عنهم: أما على الوجه الأول - وهو قولهم: لا دينَ إلا ما هم عليه - فهذا الكلام إنما صَحَّ جواباً عنهم من حيثُ إن الذي هم عليه ثبت ديناً من جهة الله - تعالى - لأنه أمر به، وأرشد إليه، فإذا وجب الانقياد لغيره كان ديناً يجب أن يُتَّبعَ - وإن كان مخالفاً لما تقدَّم - لأن الدينَ إنما صارَ ديناً بحكمه وهدايته، فحيثما كان حُكْمُه وجب متابعته، ونظيره قوله تعالى - جواباً لهم عن قوله: {أية : مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} تفسير : [البقرة: 142] - قوله: {أية : قُل لِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} تفسير : [البقرة: 142] يعني: الجهاتِ كلَّها لله، فله أن يُحَوِّل القبلةَ إلى أيِّ جهةٍ شاء. وعلى الوجه الثاني: المعنى: {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} قد جئتكم به، فلن ينفعَكم في دفعه هذا الكيد الضعيفُ. فصل قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} نقل ابنُ عطيّة الإجماع من أهل التأويل على أن هذا من مقول الطائفة، وليس بسديد، لما نقل من الخلاف، وهل هي من مقول الطائفة أم من مقول الله تعالى - على معنى أن الله - تعالى - خاطب به المؤمنين، تثبيتاً لقلوبهم، وتسكيناً لجأشهم؛ لئلا يشكُّوا عند تلبيس اليهودِ عليهم وتزويرهم؟ [إذا كان من كلامِ طائفةِ اليهودِ، فالظاهر أنه انقطع كلامُهم؛ إذ لا خلاف، ولا شك أن قولَه: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} من كلام الله مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم]. قوله: {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} اعلم أن هذه الآية من المشكلات، فنقول: اختلف الناس في هذه الآية على وجوه: الأول: أن قوله: {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ} متعلق بقوله: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ} على حذف حرف الجر، والأًصل: ولا تُؤْمِنُوا بأن يُؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، فلما حُذِفَ حرف الجر جرى الخلافُ المشهور بين الخليل وسيبويه في محل "أن"، ويكون قولُه: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} جملةً اعتراضيةً. قال القفّالُ: يحتمل أن يكون قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} كلاماً أمر اللهُ نبيه أن يقولَه عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى هذا الموضع؛ لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً - لا جرم - أدب الله رسوله بأن يقابله بقول حَقِّ، ثم يعود إلى حكايةِ تمامِ كلامِهم - كما إذا حكى المسلم عن بعضِ الكُفَّار قَوْلاً فيه كُفْر، فيقول - عند بلوغه إلى تلك الكلمة -: آمنت بالله، أو يقول: لاَ إلَه إلا اللهُ، أو يقول: تعالى الله عن ذلك، ثم يعود إلى تمام الحكاية، فيكون قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} من هذا الباب. قال الزمخشريُّ في تقرير هذا الوجه - وبه بدأ -: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ} مُتَعَلِّقٌ بقوله: {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ} وما بينهما اعتراضٌ، أي: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، وأسِرُّوا تصديقكُمْ بأن المسلمين قد أوتوا مثل ما أوتيتم، ولا تُفْشُوه إلا لأشياعكم - وحدهم - دون المسلمين؛ لئلاَّ يزيدَهم ثباتاً، ودون المشركين، لئلا يدعوهم إلى الإسلام. {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} عطف على {أَن يُؤْتَىۤ} والضمير في {يُحَاجُّوكُمْ} لِـ {أَحَدٌ} لأنه في معنى الجميع، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم بأن المسلمين يحاجونكم عند ربكم بالحق، ويغالبونكم عَنْدَ اللهِ - تعالى - بالحُجَّةِ. فإن قلت: ما معنى الاعتراضِ؟ قلت: معناه: إن الهدَى هُدى الله، من شاء يَلْطُف به حتى يُسلم، أو يزيد ثباتاً، ولم ينفع كيدكم وحِيَلُكم، وذَبُّكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} يريد الهداية والتوفيق. قال شهاب الدينِ: "وهذا كلامٌ حسَنٌ، لولا ما يُريد بباطنه"، وعلى هذا يكون قوله: {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ} مستثْنَى من شيء محذوفٍ، تقديره: ولا تُؤمنوا بأن يُؤتَى أحد مثل ما أوتيتم لأحد من الناس إلا لأشياعكم دون غيرهم، وتكون هذه الجملة - أعني قوله: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ} من كلام الطَّائِفَةِ المتقدمة، أي وقالت طائفةٌ كذا، وقالت أيضاً: ولا تؤمنوا، وتكون الجملة من قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} من كلام اللهِ لا غير". قال ابن الخطيبِ: وعندي أن هذا التفسير ضعيف من وُجُوهٍ: الأول: أن جدَّ القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمَّد صلى الله عليه وسلم كان أعظمَ من جدهم في حفظِ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصِيَ بعضُهم بعضاً بالإقرار بما يدل على صحة دين محمَّد صلى الله عليه وسلم عند أتباعهم، وأشياعهم، وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب؟ هذا في غاية البعد. الثاني: أن على هذا التقدير لا بد من الحَذْف؛ فإن التقدير: قل إن الهُدَى هُدَى اللهِ، وإنّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ، وَلا بُدَّ مِنْ حَذْفِ قَلْ في قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ}. الثالث: أنه كيف وقع قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} فيما بين جزأي كلام واحد؟ هذا في غاية البعد عن الكلام المستقيم. الوجه الثاني: أن اللام زائدة في {لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} وهو مستثنى من "أحَدٌ" المتأخِّر، والتقدير: ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا مَنْ تَبعَ دينَكُمْ، فـ {لِمَنْ تَبِعَ} منصوب على الاستثناء من "أحد"، وعلى هذا الوجه جوَّز أبو البقاء في محل {أَن يُؤْتَىۤ} ثلاثة أوجهٍ: الأول والثاني: مذهب الخليل وسيبويه، وقد تَقَدَّمَا. الثالث: النصب على المفعول من أجله، تقديره: مخافةَ أن يُؤتَى. وهذا الوجه الثالث - لا يصح من جهة المعنى، ولا من جهة الصناعة، أمّا المعنى فواضحٌ وأما الصناعة فإن فيه تقديم المستثنى على المستثنى منه، وعلى عامله، وفيه - أيضاً - تقديم ما في صلة أن عليها، وهو غير جائزٍ. الوجه الثالث: أن يكون {أَن يُؤْتَىۤ} مجروراً بحرف العلة - وهو اللام - والمُعَلَّل محذوف، تقديره لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك، ودبَّرتموه، لا لشيء آخرَ، وقوله: {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} معناه: ولا تؤمنوا هذا الإيمانَ الظاهرَ - وهو إيمانكم وَجْهَ النَّهَارِ - {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ}، إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم؛ لأن رجوعَهم كان أرْجَى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامَهم كان أغبط لهم، وقوله: {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ} معناه: لأن يؤتى مثل ما أوتيتُمْ قلتم ذلك، ودبرتموه، لا لشيء آخرَ، يعني أن ما بكم من الحسد و البغي، أن يؤتى أحَدٌ مثل ما أوتيتم من فَضْل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قُلْتُم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير: أأنْ يُؤتَى أحَدٌ؟ - بزيادة همزة الاستفهامِ، والتقرير، والتوبيخ - بمعنى: ألأن يؤتى أحَدٌ؟ فإن قلت: ما معنى قوله: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} على هذا؟ قلت: معناه: دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ولما يتصل به عند كفركم به في محاجتهم [لكم] عند ربكم. الوجه الرابع: أن ينتصب {أَن يُؤْتَىۤ} بفعل مقدَّرٍ، يدل عليه: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} كأنه قيل: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} فلا تُنكِروا أن يُؤتَى أحَدٌ مثل ما أوتيتم. فـ "لا تنكروا" ناصِب لِـ "أن" وما في حَيِّزها؛ لأن قوله: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتُوا. قال أبو حيّان: وهذا بعيد؛ لأنه فيه حذفَ حرف النهي وحذفَ معموله، ولم يُحْفظ ذلك من لسانهم. قال شهاب الدين: "متى دلَّ على العامل دليلٌ جاز حَذْفُه على أي حالةٍ كان". الوجه الخامس: أن يكون {هُدَى ٱللَّهِ} بدلاً من "الْهُدَى" الذي هو اسم "إنَّ" ويكون خبر {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ}، والتقدير: قُلْ إنَّ هدى الله أن يؤتى أحد، أي إن هدى الله آتياً أحداً مثل ما أوتيتم، ويكون "أوْ" بمعنى "حتى"، والمعنى: حتى يحاجوكم عند ربكم، فيغلبوكم ويدحضوا حُجَّتَكم عند الله، ولا يكون {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} معطوفاً على {أَن يُؤْتَىۤ} وداخلاً في خبر إن. الوجه السادس: أن يكون {أَن يُؤْتَىۤ} بدلاً من {هُدَى ٱللَّهِ} ويكون المعنى: قُلْ بأن الهدى هدى الله، وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن، ويكون قوله: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} بمعنى فليحاجوكم، فإنهم يغلبونكم، قال ابنُ عطية: وفيه نظرٌ؛ لأن يؤدي إلى حذف حرف [النهي] وإبقاء عمله. الوجه السابع: أن تكون "لا" النافية مقدَّرة قبل {أَن يُؤْتَىۤ} فحذفت؛ لدلالة الكلام عليها، وتكون "أو" بمعنى "إلاَّ أن" والتقدير: ولا تؤمنوا لأحد بشيء إلا لمن تبع دينَكم بانتفاء أن يؤتى أحَدٌ مثل ما أوتيتم إلا من تَبع دينَكُمْ، وجاء بمثله، فإن ذلك لا يؤتى به غيركم إلا أن يحاجوكم، كقولك: لألزمنك أو تقضيني حقي. وفيه ضعف من حيث حذف "لا" النافية، وما ذكروه من دلالة الكلامِ عليها غير ظاهر. الوجه الثامن: أن يكون {أَن يُؤْتَىۤ} مفعولاً من أجله، وتحرير هذا القول أن يجعل قوله: {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ} ليس داخلاً تحت قوله: "قل" بل هو من تمام قول الطائفة، متصل بقوله: ولا تؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم مخافةَ أن يؤتى أحد من النُّبُوَّة والكرامة مثل ما أوتيتم، ومخافةَ أن يُحاجُّوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه، وهذا القولُ منهم ثمرة حسدهم وكُفْرهم - مع معرفتهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ولما قدر المُبردُ المفعول من أجله - هنا - قدر المضاف: كراهة أن يُؤتَى أحد مثل ما أوتيتم، أي: مما خالف دينَ الإسلام؛ لأن اللهَ لا يهدي من هو كاذبٌ كَفَّار، فهُدَى الله بعيد من غير المؤمنين والخطاب في {أُوتِيتُمْ} و {يُحَاجُّوكُمْ} لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. واستضعف بعضُهم هذا، وقال: كونه مفعولاً من أجْلهِ - على تقدير: كراهة - يحتاج إلى تقدير عامل فيه ويصعُب تقديره؛ إذ قبله جملة لا يظهر تعليل النسبة فيها، بكراهة الإيتاء المذكور. الوجه التاسع: أن "أنْ" المفتوحة تأتي للنفي - كما تأتي "لا"، نقله بعضهم أيضاً عن الفراء، وجعلَ "أو" بمعنى "إلا"، والتقدير: لا يُؤتَى أحد ما أوتيتم إلا أن يحاجُّوكم، فإن إيتاءه ما أوتيتم مقرون بمغالبتكم أو محاجتكم عند ربكم؛ لأن من آتاه الله الوحي لا بُدّ أن يحاجهم عند ربهم - في كونهم لا يتبعونه - فقوله: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} حالٌ لازمةٌ من جهة المعنى؛ إذ لا يوحي اللهُ لرسولٍ إلا وهو يُحاجُّ مخالفيه. وهذا قول ساقطٌ؛ إذْ لم يثبت ذلك من لسان العربِ. فصل "أحد" يجوز أن تكون - في الآية الكريمة - من الأسماء الملازمةِ للنفي، وأن تكون بمعنى "واحد" والفرق بينهما أن الملازمة للنفي همزته أصلية، والذي لا يلزم النفي همزته بدل من واو فعلى جعله ملازماً للنفي يظهر عود الضمير عليه جمعاً؛ اعتباراً بمعناه؛ إذ المراد به العموم، وعليه قوله: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 47] - جمع الخبر لما كان "أحَدٌ" في معنى الجميع - وعلى جعله غير اللازم للنفي يكون جمع الضمير في {يُحَاجُّوكُمْ} باعتبار الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعِه. وبعض الأوجه المتقدمة يصح أن يجعل فيها "أحد" - المذكور - الملازم للنفي، وذلك إذا كان الكلام على معنى الجَحْد، وإذا كان الكلام على معنى الثبوت - كما مَرَّ في بعض الوجوه فيمتنع جعلُه الملازم للنفي. والأمر واضح مما تقدم. فصل قرأ ابنُ كثير: أأن يؤتى - بهمزة استفهام - وهو على قاعدته من كونه يسهل الثانية بين بين من غير مدة بينهما، وخُرِّجَتْ هذه القراءةُ على وجوهٍ: أحدها: أن يكون {أَن يُؤْتَىۤ} على حذف حرف الجر - وهو لام العلة - والمُعَلَّل محذوف تقديره: ألأن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبَّرتموه - وتقدم تحقيقه - وهذه اللفظة موضوعة للتوبيخ، كقوله تعالى: {أية : أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِين} تفسير : [القلم: 14-15]، والمعنى: أمن أجل أن يُؤتَى أحدٌ شرائعَ مثلَ ما أوتيتم من الشرائع تُنْكِرون اتباعه؟ ثم حذف الجواب، للاختصارِ، تقديره: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشرَ اليهودِ من الكتاب والحكمة تحسدونه، ولا تؤمنون به، قاله قتادةُ والربيعُ، وهذا الحذفُ كثيرٌ؛ يقول الرجل - بعد طول العتاب لصاحبه، وتعديده عليه ذنوبه بعد قلة إحسانه إليه -: أمِنْ قلة إحساني إليك؟ أمِنْ إساءتي إليك؟ والمعنى: أمن هذا فعلتَ ما فعلتَ؟ ونظيره: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} تفسير : [الزمر: 9]، وهذا الوجه يُروى عن مجاهد وعيسى بن عُمَرَ. وحينئذ يسوغ في محل "أن" الوجهان - أعني النصب - مذهب سيبويه - والجر مذهب الخليلِ. وثانيها: أن {أَن يُؤْتَىۤ} في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، تقديره: أأن يُؤتَى أحَدٌ - يا معشر اليهودِ - من الكتاب والعلم مثل ما أوتيتم تصدقون به، أو تعترفون به، أو تذكرونه لغيركم، أو تُشيعونه في الناس، ونحو ذلك مما يَحْسُنُ تقديره، وهذا على قول مَنْ يقول: أزَيْدٌ ضربته؟ وهو وجه مرجوحٌ، كذا قدره الواحديُّ تبعاً للفارسيِّ وأحسن من هذا التقدير لأن الأصل أإتيان أحد مثل ما أوتيتم ممكن أو مصدق به. الثالث: أن يكون منصوباً بفعل مقدَّرٍ يُفَسِّرُه هذا الفعل المُضْمَر، وتكون المسألة من باب الاشتغال، التقدير: أتذكرون أن يؤتى أحَدٌ تذكرونه؟ فـ "تذكرونه" مُفَسِّرٌ لـ "تذكرون" الأولى، على حد: أزيداً ضربتَه؟ ثم حذف الفعل الأخير؛ لدلالة الكلام عليه، وكأنه منطوقٌ به، ولكونه في قوةِ المنطوقِ به صَحَّ له أن يُفَسِّر مُضْمَراً وهذه المسألة منصوص عليها، وهذا أرجح من الوجه قبله، لأنه مثل: أزيداً ضربته وهو أرجح، لأجل الطالب للفعل، ومثل حذف هذا الفعل المقدَّر لدلالة ما قبل الاستفهام عليه حذف الفعل في قوله تعالى: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} تفسير : [يونس: 91] تقديره: آلآن آمنتَ، ورجعتَ وثبت، ونحو ذلك. قال الواحديُّ: فإن قيل: كيف جاز دخول "أحَدٌ" في هذه القراءة، وقد انقطع من النفي، والاستفهام، وإذا انقطع الكلام - إيجاباً وتقريراً - فلا يجوز دخول "أحَدٌ". قيل: يجوز أن يكون "أحَدٌ" - في هذا الموضع - أحداً الذي في نحو أحد وعشرين، وهذا يقع في الإيجاب، ألا ترى أنه بمعنى "واحد". قال أبو العباسِ: إن "أحَداً" و "وَحَداً" و "وَاحِداً" بمعنًى. وقوله: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ}، أو في هذه القراءة - بمعنى "حتى"، ومعنى الكلام: أأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تذكرونه لغيركم حتى يُحَاجُّوكُمْ عند ربكم. قال الفراء: "ومثله في الكلام: تَعَلَّق به أو يُعْطيك حَقَّك. ومثله قول امرئ القيس: [الطويل] شعر : 1514- فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّمَا نُحَاوِلُ مُلْكاً أو نَمُوتَ فنُعْذَرَا تفسير : أي حتى، ومن هذا قوله تعالى: {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [آل عمران: 128]، ومعنى الآية: ما أعطي أحد مثل ما أوتيتم - يا أمة محمدٍ - من الدين والحُجَّة حتى يحاجوكم عند ربكم"، قال: "فهذا وَجْهٌ، وأجود منه أن تجعله عَطْفاً على الاستفهام، والمعنى: أأن يُؤتَى أحَد مثل ما أوتيتم أو يحاجَّكم أحد عند الله تصدقونه؟". وهذا كله معنى قول أبي علي الفارسي. ويجوز أن يكون {أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ} منصوباً بفعل مُقَدَّرٍ لا على سبيل التفسير، بل لمجرد الدلالة المعنوية، تقديره: أتذكرون، أو أتشيعونه. ذكره الفارسي أيضاً، وهذا هو الوجه الرابع. الخامس: أن يكون {أَن يُؤْتَىۤ} - قراءته - مفعولاً من أجله على أن يكون داخلاً تحت القول لا من قول الطائفة، وهو أظهر مِنْ جَعْلِه من قَوْل الطَّائِفَةِ. قال ابن الخطيبِ: "أما قراءة من يقصر الألف من "أنْ" فقد يُمْكن إيضاحها على معنى الاستفهام، كما قرئ: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم} تفسير : [البقرة: 6] - بالمد والقصر - وكذا قوله تعالى: {أية : أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} تفسير : [القلم: 14] قرئ بالمد والقصر. وقال امرؤ القيس: [المتقارب] شعر : 1515- تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أمْ تَبْتَكِرْ وَمَاذَا عَلَيْكَ بِأنْ تَنْتَظِر؟ تفسير : أراد: أتروح؟ فحذف ألف الاستفهام؛ لدلالة "أم" عليه، وإذا ثبت أن هذه القراءةَ مُحْتَمِلَةٌ لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة الأولى. وقد ضعف الفارسيُّ قراءةَ ابن كثيرٍ، فقال: ["وهذا موضع ينبغي أن تُرَجَّحَ فيه قراءةُ غيرِ ابنِ كثير على قراءة ابن كثير]؛ لأن الأسماء المُفْرَدةَ ليس بالمستمر فيها أن تدلَّ على الكثرة". وقرأ الأعمش وشعيب بن أبي حمزة: إن يُؤتَى - بكسْر الهمزة - وخرَّجها الزمخشريُّ على أنها "إنْ" النافية، فقال: وقُرِئَ: "إن يؤتى أحد" على "إن" النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب، أي: "ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم" وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم، يعني ما يُؤتَوْنَ مثلَه فلا يحاجونكم. قال ابنُ عطيةَ: "وهذه القراءة تحتمل أن يكون الكلام خطاباً من الطائفة القائلة، ويكون قولها: أو يحاجوكم بمعنى: أو فَلْيُحَاجُّوكُمْ، وهذا على التصميم على أنه لا يُؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أو يكون بمعنى إلا أن يحاجوكم، وهذا على تجويز أن يؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له"، فقد ظهر - على ما ذكره ابن عطية - أنه يجوز في "أوْ" - في هذه القراءة - أن تكون على بابها من كونها للتنويع والتخيير، وأن تكون بمعنى "إلا" إلا أن فيه حذفَ حرفِ الجزمِ، وإبقاء عمله وهو لا يجوز، وعلى قول غيره تكون بمعنى "حَتَّى". وقرأ الحسن: أن يُؤتِيَ أحَد - على بناء الفعل للفاعل - ولما نقل بعضهم هذه القراءةَ لم يتعرَّض لـ "أن" - بفتح ولا بكسر - كأبي البقاء، وابن عطية، وقيَّدَها بعضُهم بكسر "أنْ" وفسَّرها بإن النافية، والظاهر في معناه أن إنعام الله تعالى لا يُشْبِهه إنعام أحد من خلقه، وهي خطاب من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، والمفعول المحذوف، تقديره: إن يُؤتِيَ أحَدٌ أحَداً مثل ما أوتيتم، فحذف المفعول الأول، وهُوَ أحَدٌ؛ لدلالة المعنى عليه، وأبقى الثاني، فيكون قول اليهودِ وقد تم عند قوله: {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} وما بعده من قول الله تعالى، يقول: "قل" يا محمدُ إن {ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ} "إنْ" بمعنى الجحد، أي: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، أو يحاجوكم، يعني: إلا أن يجادلكم اليهودُ بالباطل، فيقولوا: نحن أفضل منكم وهذا معنى قول سعيد بن جُبَيرٍ والحسن والكلبيِّ ومقاتلٍ وهذا ملخَّص كلام الناسِ في هذه الآية مع اختلافهم. قال الواحدي: "وهذه الآيةُ من مشكلات القرآن، وأصعبه تفسيراً؛ ولقد تدبَّرْتُ أقْوَالَ أهلِ التفسير، والمعاني في هذه الآية، فلم أجد قولاً يَطَّرِدُ في الآيةِ، من أوَّلِها إلى آخرهَا، مع بيان المعنى في النظم". فصل قال بعض المفسّرين: هذا من قول الله - تعالى -، يقول: "قل" لهم يا محمدُ: {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} بأن أنزل كتاباً مثل كتابكم، وبعث نبيًّا حسدتموه، وكفرتم به، {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} وقوله: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} - على هذا - رجوع إلى خطاب المؤمنين، وتكون "أوْ" بمعنى "إنْ" لأنهما حرفا شرط وجزاء، ويوضع أحدُهما مَوْضِعَ الآخر، وإن يُحاجُّوكم - يا معشرَ المؤمنين - عند ربكم فقل يا محمدُ، إنَّ الهدى هدى الله، ونحن عليه. ويجوز أن يكون الجميعُ خِطاباً للمؤمنين، ويكون نظمُ الآيةِ: إنْ يُؤتَ أحدٌ مثلَ ما أوتيتم - يا معشرَ المؤمنين - يَحْسدوكم، فقل: إن الفَضْلَ بِيَدِ الله، وإن حاجُّوكم فقل: إنَّ الْهُدَى هُدَى الله. ويجوز أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وقوله: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ} من كلام الله تعالى - كما تقدم - ثَبَّت به قلوبَ المؤمنينَ؛ لئلا يشكُّوا عند تلبيس اليهود، وتزويرهم في دينهم، ومعناه: لا تُصدِّقوا يا مَعْشَرَ الْمُؤمنين إلا مَنْ تَبعَ دِينَكُمْ، ولا تصدقوا أن يُؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم من الدين والفَضْلِ، ولا تصدِّقُوا أن يُحاجُّوكم في دينكم عند ربكم، أو يقدروا على ذلك؛ فإنَّ الهدى هدى اللهِ، والفضل بيد اللهِ يؤتيه من يشاء، والله واسعٌ عليمٌ، فتكون الآية كلُّها خطاب الله - تعالى - مع المؤمنين. و "الفضل" - هنا - الرسالة، وهو - في اللغة - عبارة عن الزيادة، وأكثر ما يُستعمَل في زيادة الإحسان، والفاضل: الزائد على غيره [في خصال الخير، ثم كَثر استعمال الفَضْل حتى صار لكل نفع قَصَد به فاعله الإحسانَ إلى الغير]، وقوله: {بِيَدِ ٱللَّهِ} معناه: أنه مالك له، يؤتيه من يشاءُ، أي: هو تفضُّلٌ موقوف على مشيئته، وهذا يدل على أن النبوةَ تحصُل بالتفضُّلِ، لا بالاستحقاق؛ لأنه جعلها من باب الفَضْل الذي لفاعله أنْ يفعَلَه، وأنْ لا يفعَلَه. الواسع: الكامل القدرة، والعليم: الكامل العلم، فلكمال قُدْرَتهِ يصح أن يتفضل على أيِّ عَبْدٍ شاء بأي تفضُّل شاء، ولكمال علمه لا يكون شيء من أفعاله إلا على وَجْه الحكمة والصواب. قوله: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} أي: يختص بنبوته من يَشَاء، وهذا كالتأكيد لِمَا تَقَدَّم، والفرق بين هذه الآية والتي قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادةِ من جنس المزيدِ عليه، والرحمةُ المضافةُ إلى الله - تعالى - أمرٌ أعْلى من ذلك الفضل، فرُبَّما بلغت هذه الرحمةُ إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم، بل يكون أعْلى وأجلَّ من ذلك {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

التستري

تفسير : قوله: {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[73] أي كثير العطاء بقدرته الأزلية أن يعطى جميع ما يُسأل، وهو المحيط بكل شيء، كما قال: {أية : وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}تفسير : [طه:98]

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} [الآية: 73]. قال بعضُهم: لا تعاشروا إلا لمن يوافِقُكمُ على أحوالكم وطريقتكم، قال المرتعشُ فى هذه الآية: لا تُفشُوا أسرار الحق إلا إلى أهله. قال أبو بكر بن طاهر: لا تُصدقوا ظهور الكرامة على أحد ما لم تتبينُوا أوائلهُ ورياضته ومحافظته على ظاهر الشريعة.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ}. يحتمل أن يكون هذا ابتداء أمر من الله سبحانه للمسلمين، والإشارة فيه ألا تعاشروا الأضداد، ولا تفشوا أسراركم للأجانب. {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ}. فهو الذي يختص من يشاء بأنوار التعريف، ويختص من يشاء بالخذلان والحرمان.

البقلي

تفسير : {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} اى لا تصحبوا الا اهليكم من العارفين والربانين الذين لا يظهرون احوالهم عند اهل الدنيا وبالرياء والسمعة ولا يغالطون الناس فى معانى اهل الحقيقة فيقعون فيهم بالوقيعة والانكار ويقصود سفك دمائهم وقال لبعضهم لا تعاشروا الا من يوافقكم على احوالكم وطريقتكم وقال المرتعش لا تفشوا اسرار الحق لا الى اهله وقال ابو كبر بن طاهر لا تصدقوا ظهور كرامات الله على ما لم تتبينوا ولايته ورياضته ومحافظته على ظاهر الشريعة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تؤمنوا} اى لا تقروا بتصديق قلبى {الا لمن تبع دينكم} اى لاهل دينكم لا لمن تبع محمد واسلم لما قالت الطائفة المتقدمة لاتباعهم اظهروا الايمان بالقرآن اول النهار كان من بقية كلامها لهم انكم لا تصدقوا بحقية الاسلام والقرآن بقلوبكم لكن لا تظهروه للمسلمين ولا تقروا بذلك الا لاهل دينكم {قل} يا محمد للرؤساء {ان الهدى هدى الله} يهدى به من يشاء الى الايمان ويثبته عليه فاذا كانت الهداية والتوفيق من الله فلا يضر كيدكم وحيلكم وهو اعتراض مقيد لكون كيدهم غير مجد لطائل {ان يؤتى احد مثل ما اوتيتم} علة بتقدير اللام لفعل محذوف اى قللتم ذلك القول ودبرتم الكيد لان يعطى احد مثل ما اعطيتم من فضل الكتاب والعلم لا لشىء آخر يعنى ما بكم من الحسد صار داعيالكم الى ان قلتم ما قلتم {او يحاجوكم} عطف على ان يؤتى وضمير الجمع عائد الى احد لانه فى معنى الجمع اى دبرتم ما دبرتم لذلك ولا يحاجوكم عند كفركم بما يؤتى احد من الكتاب مثل كتابكم {عند ربكم} يوم القيامة فيغلبوكم بالحجة فان من آتاه الله الوحى لا بد ان يحاج مخالفيه عند ربه {قل ان الفضل} اى الهدى والتوفيق وايتاء العلم والكتاب {بيد الله} اى بقدرته ومشيئته {يؤتيه من يشاء} من عباده {والله واسع} اى كامل القدرة {عليم} اى كامل العلم فلكمال القدرة يصح ان يتفضل على أى عبد يشاء بأى تفضل شاء ولكمال علمه لا يكون شىء من افعاله الا على وجه الحكمة والصواب.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: يحتمل أن يكون قوله: {أن يؤتى}: مفعولاً بـ {تؤمنوا}، و {قل إن الهدى هدى الله}: اعترض، واللام في "لمن" صلة، {أو يحاجوكم}: عطف على {يؤتى}، والتقدير: ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إلا من كان على دينكم، ولا تصدقوا أن يحاجوكم عند ربكم، بل أنتم تحاجون غيركم. فردَّ الله عليهم {قل إن الهدى هدى الله}، و {إن الفضل بيد الله}. ويحتمل أن يكون قوله: {أن يؤتى} مفعولاً لأجله، والعامل فيه محذوف، التقدير: أدبَّرتم ما دبرتم كراهية أن يؤتى أحد ما أوتيتم، ومخافة أن يحاجوكم عند ربكم؟. يقول الحقّ جلّ جلاله: حاكياً عن اليهود: {و} قالوا {لا تؤمنوا} أي: لا تقروا أو تصدقوا {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} من العلم والحكمة وفلق البحر وسائر الفضائل، {إلا لمن تبع} دين اليهودية، وكان على {دينكم}، ولا تؤمنوا أن {يحاجوكم عند ربكم}؛ لأنكم أصح ديناً منهم. قال الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم: {إن الهدى هدى الله} يهدي به من يشاء، و {إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء}. يقول الحقّ جلّ جلاله: وقالوا: لا تصدقوا ولا تذعنوا {إلا لمن تبع دينكم} وكان من جلدتكم، فإن النبوة خاصة بكم. فكذبهم الحق بقوله: {قل إن الهدى هدى الله}، يخص به من يشاء من عباده، فكيف تحصرنها فيكم؟ لأجل {أن يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم} قلتم ما قلتم، ودبرتم ما دبرتم، حسداً وبغياً، {أو} خوفاً أن {يحاجوكم عند ربكم}، يغلبوكم بالحجة لظهور دينهم، {قل} يا محمد: {إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء}؛ فلا ينفع في رده حيلة ولا خدع. أو يقول الحقّ جلّ جلاله: للمؤمنين، تثبيتاً لهم وتشجيعاً لقلوبهم: ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين أن يعطي أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين القويم إلا من تبع دينكم الحق، وجاء به من عند الحق، ولا تصدقوا {أن يحاجوكم} في دينكم {عند ربكم} أو يقدر أحد على ذلك، فإن الهدى هدى الله والفضل بيد الله، {يؤتيه من يشاء والله واسع} الفضل والكرم، {عليم} بمن يستحق الخصوصية والفضل، {يختص برحمته من يشاء} كالنبوة وغيرها، {والله ذو الفضل العظيم}؛ لا حصر لفضله، كما لا حصر لذاته. الإشارة: يقول الحق - جلت ذاته، وعظمت قدرته - لأهل الخصوصية: ولا تقروا بالخصوصية إلا لمن كان على دينكم وطريقكم، وتزيّاً بزيكم، وبذل نفسه وفلسه في صحبتكم، مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الخصوصية، وهو ليس أهلاً لها، فيأخذها علماً، فإما أن يتزندق أو يتفسق، أو يحاجوكم بالشريعة فيريق دماءكم؛ كما وقع للحلاج رضي الله عنه وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : ومن شَهِدَ الحَقِيقَةَ فَلْيَصُنْهَا وَإِلاَّ سَوْفَ يُقْتلُ بالسَّنَانِ كَحَلاَّجِ الْمَحَبَّةِ إِذْ تَبَدَّتْ لَهُ شَمْسُ الْحَقِيقَةِ بالتَّدَاني تفسير : وقال آخر: شعر : بالسِّرِّ إنْ بَاحُوا تُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ وكَذَا دِماءُ البَائِحينَ تُبَاحُ تفسير : وقل أيها العارف، لمن طلب الخصوية قبل شروطها أو أنكر وجودها عند أهل شرطها: إن الهدى هدى الله يهدي به من يشاء - والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والرحمة - التي هي الخصوصية - في قبضة الله، يخص بها من يشاء، {والله ذو الفضل العظيم}؛ فمن أراد الخصوصية فليطلبها من معدنها، وهم العارفون بها، فيبذل نفسه وفلسه لهم حتى يُعرفوه بها. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : المعنى، والاعراب: قال الحسن: القائلين {لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} هم يهود خيبر ليهود المدينة. وقال قتادة، والربيع، والسدي، وابن زيد: هم بعض اليهود لبعض. وقيل في معنى الآية ستة أقوال: أحدها - قال الحسن، ومجاهد: اعرض بقوله: {قل إن الهدى هدى الله} وتقديره: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} ولا تؤمنوا {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} ولا تؤمنوا {أن يحاجوكم عند ربكم} لأنه لا حجة لهم. قال أبو علي الفارسي. وتقديره ولا تصدقوا بـ {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} {إلا لمن تبع دينكم}. الثاني - قال السدي، وابن جريج: هو على الاتصال بالهدى دون الاعتراض، والمعنى {قل إن الهدى هدى الله أن} لا {يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} أيها المسلمون، كقوله {أية : يبين الله لكم أن تضلوا}تفسير : وأن لا {يحاجوكم عند ربكم} لأنه لا حجة لهم. الثالث - قال الكسائي، والفراء: {أو يحاجوكم عند ربكم} بمعنى حتى {يحاجوكم عند ربكم} على التبعيد كما يقال لا تلتقي معه أو تقوم الساعة. الرابع - قال أبو علي: {قل إن الهدى هدى الله} فلا تجحدوا {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم}. الخامس - قال الزجاج: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} لئلا تكون طريقاً لعبدة الأوثان إلى تصديقه. السادس - {أو يحاجوكم عند ربكم} ان اعترفتم به، فيلزمكم العمل به منهم، لاقراركم بصحته. وفي دخول اللام في قوله: {إلا لمن} قيل فيه قولان: أحدهما - أن تكون زائدة كاللام في قوله: {أية : ردف لكم}تفسير : أي ردفكم بمعنى لا تصدقوا إلا من تبع دينكم. قال المبرد: إنما يسوغ ذلك على تقدير المصدر بعد تمام الكلام، فأما قام لزيد بمعنى قام زيد، فلا يجوز، لأنه لا يحمل على التأويل إلا بعد التمام. والقول الآخر - لا تعترفوا بالحق {إلا لمن تبع دينكم} فتدخل للتعدية، وقال أبو علي الفارسي لا يجوز أن يتعلق اللام في قوله: {لمن تبع دينكم} بقوله: {ولا تؤمنوا}، لأنه قد تعلق به حرف الجر في قوله: {بأن يؤتى} كما لا يتعلق مفعولان بفعل واحد. فان قيل: لم جاز حذف (لا) من قوله تعالى {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} على قول من قال ذلك؟ قلنا: الدلالة عليها كالدلالة في جواب القسم، نحو والله أقوم أي لا أقوم قال امرؤ القيس: شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي تفسير : أي لا أبرح. والدليل عليه في الآية اتصاله بالعرض في اختصاص أهل الايمان،، فلا يتبعه في المعنى إلا على {أن لا} {يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} وكذلك {أية : يبين الله لكم أن تضلو} تفسير : لأن البيان لا يكون طريقاً إلى الضلال. وقال المبرد تقديره كراهة {أن تضلوا}، وكراهة {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} فحمله على الأكثر، لأن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أكثر من حذف (لا). وقوله: {والله واسع عليم} معناه واسع الرحمة عليم بالمصلحة، فمن صلح له ذلك من غيركم فهو يؤتيه تفضلا عليه.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ} من كلام تلك الطّائفة وعطف على آمنوا والمعنى لا تظهروا ايمانكم اللّسانىّ مع ابطان التّهوّد او التّنصّر {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} اى الاّ لمن كان على دينكم قبل اسلامه فانّهم اقرب الى قبول قولكم ولا يكون رجوعهم الاّ الى دينكم فيتقوّى به دينكم واهل دينكم بخلاف غيرهم فانّهم لا ينجع فيهم قبولكم وانكاركم، ولو نجع لا تنتفعون برجوعهم عن دين الاسلام لعدم دخولهم فى دينكم، او المعنى لا تصدّقوا الاّ لمن تبع دينكم، او لا تظهروا اقراركم بان يؤتى احد مثل ما اوتيتم الاّ لمن تبع دينكم، او قوله تعالى ولا تؤمنوا خطاب من الله للمؤمنين يعنى لا تغترّوا ايّها المؤمنون بقول اهل الكتاب بمحض اظهار الايمان ولا تصدّقوا لاحد الاّ لمن تبع دينكم حتّى يظهر صدق قوله بآثار فعله وعلى اىّ تقدير فقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} معترضة وقوله تعالى {أَن يُؤْتَىۤ} متعلّق بلا تؤمنوا والمعنى لا تؤمنوا بان يؤتى، او قوله قل انّ الهدى ابتداء كلام من الله وهدى الله بدل من الهدى، او خبر له وان يؤتى خبر له على الاوّل وخبر بعد خبر على الثّانى والمعنى انّ الهدى اعتقادان يؤتى {أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} من الكتاب والشّريعة {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} بان يحاجّوكم او حتّى يحاجّوكم وضمير يحاجّوكم راجع الى احد لعمومه معنى وقرئ ان يؤتى بالمدّ بهمزة الاستفهام وتخفيف همزة ان على معنى اتذكرون ان يؤتى احد مثل ما اوتيتم حتّى يحاجّوكم عند ربّكم وقرئ بكسر همزة ان على معنى النّفى {قُلْ} لاهل الكتاب ليس فضل الله بأيديكم حتّى تؤتوه وتمنعوه بحيلكم {إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} والمراد بالفضل اعمّ من الكتاب والحكمة والرّسالة والنّبوّة والهداية والسّعة فى الصّدر والدّنيا {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ} لانفاد فى فضله بايتائه لموسى (ع) وعيسى (ع) وامّتهما حتّى لا يؤتيه غيرهما كما زعمتم وادّعيتم {عَلِيمٌ} بمن كان اهلاً لايتائه فكلّما وجد أهلاً له اعطاه ولو كرهتموه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} يقوله بعضهم لبعض، أي: ولا تصدِّقوا إلا لمن تبع دينكم فأخذ به. {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ} أي إن الدين دين الله، وهو الإِسلام. قال: {أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} إنما قالوا لأصحابهم اليهود؛ قال يهود خيبر ليهود المدينة: (لاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ)، فإنه لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} بمثل دينكم أحد {عِندَ رَبِّكُمْ}. فقال الله: {قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ}، وقال: {قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ} وفضل الله الإِسلام {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع لخلقه، عليم بأمرهم. {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} أي: بدينه وهو الإِسلام {مَن يَشَاءُ} وهم المؤمنون {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}. وقال بعضهم: يقول لليهود: لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم وبعث نَبيّاً مثل نبيّكم [حسدتموهم على ذلك]. ثم قال للنبي عليه السلام: {قُلْ: إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}. وقال مجاهد: {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم}؛ تقوله اليهود حسداً أن تكون النبوة في غيرهم، وأرادوا أن يُتَابَعوا على دينهم.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ}: ففى هذا الإخبار بالغيب معجزة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإبطال حيلتهم، وإبطال تأثيرهم فى قلوب المؤمنين الضعفاء، وردعاً لليهود عن مثل هذا الاحتيال، إذ كانوا يفضحهم الوحى. وقيل: المراد طائفة منهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وقيل: المراد هما قالوا لأصحابهم لما حولت القبلة بالمدينة عن بيت المقدس إلى الكعبة، آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة أول النهار، وصلوا لها الفجر، واكفروا آخره فصلوا إلى آخره إلى الصخرة: صخرة بيت المقدس لعلهم يقولون هم أعلم فيرجعون عن قبلة محمد إلى قبلتنا، وذلك أنه شق على اليهود التحول إلى الكعبة، وبهذا فسر مجاهد. وأخبر الله تعالى نبيه، صلى الله عليه وسلم، بذلك. ووجه النهار: أوله، ووجه الشىء: أوله لأن أوله أول ما يواجهك منه، ومن شدة جهلهم وتسامحهم فى ديانتهم، أنه تصور عندهم إمكان أن يؤمنوا بدين من اتبع دينهم، وهو مستحيل إذا كان على التحقيق، لأنهم إذا آمنوا لمن تبع دينهم، فليسوا باقين على دينهم، وكيف يدخلون ديناً تركه صاحبه لبطلانه؛ وهو أيضاً عندهم باطل؟ ويجوز أن يكون المعنى: لا تظهروا أنكم تظهرون الإيمان، أول النها، إلا لمن كان على دينكم لأنه أسهل رجوعاً وأهم، فإنكم إذا أخبرتم المؤمنين أنكم تظهرون إيماناً ليس بكم لم ينخدعوا لكم، وعدى الإيمان باللام لتضمنه معنى الإقرار، وقيل: اللام للتأكيد فى المفعول به، أى لا تصدقوا إلا من تبع دينكم. {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ}: إن السيرة التى تعد هدى هى ما سماها الله هدى وهى ما عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وغير ذلك ضلال. {أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ}: هو على تقدير الباء وتعلق بتؤمنوا، وما أوتيتم: هو التوراة، ومثله هو القرآن، أى لا تظهروا أنكم آمنتم بأن أحداً يؤتى مثل ما أوتيتم، إلا لمن تبع دينكم، وذلك أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته أوتوا القرآن ينزل عليهم، كما أوتى موسى عليه السلام وأمته التوراة، وأرادوا أن يظهروا وجه النهار أن محمداً وأصحابه أتوا القرآن كما أوتى موسى وأمته التوراة، وهو قوله {أية : آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره،تفسير : وقالوا لا تظهروا ذلك إلا لمن تبع دينكم فجملة {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه} معترضة تفيد أم كيدهم لا يؤثر شيئاً، وذلك لأنهم أخبروا بإيمانهم الذى فى قلوبهم، وجحدوه ظلماً وعلوا، من ليس على دينهم من المشركين أسلم المشركون وإن أخبروا المؤمنين زادوا ثباتاً، وفى ذلك تسمية ما فى قلوبهم من العلم، برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إيماناً وليس بأفعالهم، لأنهم يعلمون فى مناقضته وينكرونه بألسنتهم ويصدون عنه، وذلك من كلام الطائفة غير قوله {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه}.. ويجوز أن يكون كلام الله كقوله {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه} على أن يقدر لام التعليل، وتعلق بمحذوف، أى قلتم ذلك، أو دبرتم ذلك لأجل أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أى حملكم الحسد على ذلك، وبه فسر قتادة والربيع ابن أنس، وقوله: {يؤتى} على الوجهين، للحال ويدل على هذا الوجه الأخير أن يؤتى بعد الهمزة للاستفهام، أى لأجل أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم دبرتم أو قلتم ذلك، والاستفهام للتوبيخ، يجوز أن يكون هدى الله بدلا من الهدى، وأن يؤتى فى تأويل مصدر خبر إن فيكون من كلام الله، وقرأ الحسن والأعمش إن يؤتى - بكسر الهمزة - على النفى فيكون من كلام الطائفة، وقدر بعضهم فيه القول على هذه القراءة، أى قوله لمحمد وأصحابه مما يؤتى أحد مثل ما أوتينا. {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ}: عطف على يؤتى، فإذا علقنا يؤتى لمحذوف فالمعنى: أن الحسد حملكم على الحيلة مع أن الإيتاء والمحاجة المذكورين الموثرين للغيظ والحسد كائنان البتة، وأوثروا على الواو لأن كلا من الأمرين يكون سبب الغيظ والحسد، وإذا علقنا يؤتى بلا تؤمنوا، فالمعنى لا تظهروا أنكم آمنتم من قلوبكم، بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وبأن يحاجوكم أى يغلبوكم بالحجة، إلا لأشياعكم الذين على دينكم، وإخبار أو ليفيد المعموم، كقوله تعالى: {أية : ولا تطع منهم آثماً أو كفرواً}تفسير : وإذا جعلنا أن يوتى خبر إن فأو بمعنى حتى، والمعنى: قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أهل الكتاب حتى يحاجوكم عند ربكم فيغلبوكم عند الله تعالى، وهذا الذى يحاجهم ويغلبهم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وهو وهم المراد بأحد فإن أحداً بمعنى الجمع هنا، ولذا عاد إليه واو الجماعة. {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}: الفضل عام لكل ما يتفضل الله به على عباده، ومنه إرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنزال القرآن عليه، ويجوز أن يراد به الإرسال والإنزال، وقيل: الفضل دين الإسلام، ومعنى كون الفضل بيد الله، أنهُ فى ملكه وقدرته، ويؤتيه من يشاءُ لا منازع له فى ذلك، ولا راد لفضله، فقد آتاه محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته. {وَاللَّهُ وَاسِعٌ}: كثير الفضل، لا يضيق عليه إيتاؤه. {عَلِيمٌ}: بمن هو أهل للفضل فيؤتيه، ويجوز أن يكون معنى هذا واسع كامل القدرة، فلكمال قدرته صح أن يتفضل على أى عبد يشاء، بأى تفضل يشاء، ومعنى عليم: العلم فلكمال علمه لا يكون شىء من أفعاله إلا على وجه الحكمة.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تُؤْمِنُوا} لا تذعنوا وتنقادوا {إلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} {قُل} أولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، والمراد التصديق فى الظاهر، وإلا فكيف يصدقون من اتبع وهم عالمون بأنهم على باطل، أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار إلا لمن كان على دينكم فيما مضى، ثم أسلم من الأوس والخزرج وغيرهم، فإن رجوعهم عن الإسلام أقرب لذلك وأهم {قُلْ} لهم يا محمد {إنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ} الإسلام، وأما اليهودية وغيرها فضلال {أَن يُؤْتَى} قيل متعلق بتؤمنوا على تقدير الباء وزيادة اللام فى لمن، ومن مستثنى مقدم، واحد مستثنى منه مؤخر، أى لا تؤمنوا بأن يؤتى {أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوِيتمْ} من الكتاب والعلم والفضائل، كالمن والسلوى، وفلق البحرإلا لمن تبع دينكم اليهودى، وأما غيره فلا كتاب له ولا علم ولا فضيلة، وعلى أن اللام غير زائدة يكون المعنى، لا تقروا لأحد بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، فالمستثنى لمن تبع، والمستثنى منه محذوف، تقديره لأحد، كما رأيت، والمراد كذبوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو قد أوتى مثله وأصحابه، لكن لا تعترفوا بهذا إلا لمن هو من أشياعكم، ولا تعترفوا به للمشركين فيسلموا ولا للمسلمين فيزيدوا ثباتا، أو يقدر، قلتم آمنوا أول النهار، واكفروا آخره، حذر اعتقاد غيرهم أن أحدا أوتى مثل ما أوتيتم، وهذا أولى لسلامته من تقديم ما بعد أن المصدرية عليها، وفى الوجه الأول ذلك بناء على أن لا صدر لها، وهو قول الكوفيين، وإذا جعلنا الاستثناء منقطعا لم يرد ما قيل، أن المعنى لا تصدقوا بأن يؤتى أحد من المسلمين مثل ما أوتيتم إلا أن كان ذلك الأحد الذى من المسلمين موافقا لكم فى دينكم، وإذا قلنا العامل إلا لم يلزم أيضا تقديم معمول الصلة، أو هدى الله يدل أو بيان، وأن يؤتى خبر إن، فتكون أو بمعنى حتى وسببية،فلا يختص عند ربكم بيوم القيامة {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ} الواو لأحد ولعطف على يؤتى، أى لا تؤمنوا، ألا لا تعترفوا بأن يؤتى أحد، وهم المسلمون، مثل ما أوتيتم، أو بأن يجادوكم لمن هو على دينكم، والمحاجة المخاصمة {عِندَ رَبِّكُمْ} يوم القيامة فيغلبوكم، لا تخبروا بهذا أحدل غير من تبع دينكم ويجوز كون أو بمعنى إلى، وذلك محض عناد، فإن المسلمين عالمون بذلك ومحاجوهم وغالبوهم، ولو لم يخبر أحد بذلك {قُلْ إنَّ الفَضْلَ} الإسلام والنبوة، أو الحجج التى أوتيها صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، ونعم الدين والدنيا فيدخل فيها، فالمقام له أولا بالذات {بِيَدِ اللهِ يُؤتِيه مَن يَشآءُ} تفضلا وتوفيقا لا يمكن رفعه ولا رده، ومن يهد الله فما له من مضل {وَاللهُ وَاسِعٌ} كثير الفضل، عظم المقدرة {عَلِيمٌ} بمستحقه، الله أعلم حيث يجعل رسالاته وبمصالح العباد.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِنْدَ رَبَِّكُمْ } في نظم الآية ومعناها أوجه لخصها الشهاب من كلام بعض المحققين، أحدها: أن التقدير: ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهم المسلمون أوتوا كتاباً سماوياً كالتوراة ونبياً مرسلاً كموسى ـ وبأن يحاجوكم ـ ويغلبوكم بالحجة يوم القيامة إلا لاتباعكم، وحاصله أنهم نهوهم عن إظهار هذين الأمرين للمسلمين لئلا يزدادوا تصلباً ولمشركي العرب لئلا يبعثهم على الإسلام وأتى ـ بأو ـ على وزان {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً }تفسير : [الإنسان: 24] وهو أبلغ. والحمل على معنى حتى صحيح مرجوح، وأتى بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } معترضاً بين الفعل ومتعلقه، وفائدة الاعتراض الإشارة إلى أن كيدهم غير ضار لمن لطف الله تعالى به بالدخول في الإسلام، أو زيادة التصلب فيه. ويفيد أيضاً أن الهدى هداه فهو الذي يتولى ظهوره {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ } تفسير : [الصف: 8] فالمراد بالإيمان إظهاره كما ذكره الزمخشري، أو الإقرار اللساني كما ذكره الواحدي، والمراد من التابعين المتصلب منهم، وإلا وقع ما فروا منه، وثانيها: أن المراد: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر الذي أتيتم به وجه النهار إلا لمن كان تابعاً لدينكم أولاً وهم الذين أسلموا منهم أي لأجل رجوعهم لأنه كان عندهم أهم وأوقع، وهم فيه أرغب وأطمع، وعند هذا تم الكلام، ثم قيل: {إِنَّ ٱلْهُدَى هُدَى ٱللَّهِ } أي فمن يهدي الله فلا مضل له ويكون قوله تعالى: {أَن يُؤْتَىٰ } الخ على هذا معللاً لمحذوف أي ـ لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ـ ولما يتصل به من الغلبة بالحجة يوم القيامة دَبّرتم ما دبرتم. وحاصله أن داعيكم إليه ليس إلا الحسد، وإنما أتى ـ بأو ـ تنبيهاً على استقلال كل من الأمرين في غيظهم وحملهم على الحسد حتى دبروا ما دبروا ولو أتى بالواو لم تقع هذا الموقع للعلم بلزوم الثاني للأول لأنه إذا كان ما أوتوا حقاً غلبوا يوم القيامة مخالفهم لا محالة فلم يكن فيه فائدة زائدة، وأما ـ أو ـ فتشعر بأن كلاً مستقل في الباعثية على الحسد والاحتشاد في التدبير، والحمل على معنى حتى ليس له موقع يروع السامع وإن كان وجهاً ظاهراً. ويؤيد هذا الوجه قراءة ابن كثير ـ أأن يؤتى ـ بزيادة همزة الاستفهام للدلالة على انقطاعه عن الفعل واستقلاله بالإنكار، وفيه تقييد الإيمان بالصادر أول النهار بقرينة إن الكلام فيه، وتخصيص من تبع بمسلميهم بقرينة المضي فإن غيرهم متبع دينهم الآن أيضاً، وعن الزمخشري أن {أَن يُؤْتَىٰ } الخ من جملة المقول كأنه قيل: قل لهم هذين القولين ومعناه أكد عليهم أن الهدى ما فعل الله تعالى من إيتاء الكتاب غيركم، وأنكر عليهم أن يمتعضوا من أن يؤتى أحد مثله ـ كأنه قيل ـ إن الهدى هدى الله، وقل ـ لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ـ قلتم ما قلتم وكدتم ما كدتم. وثالثها: أن يقرر ولا تؤمنوا على ما قرر عليه الثاني، ويجعل {أَن يُؤْتَىٰ } خبر {إِنَّ} و {هُدَى ٱللَّهِ } بدل من اسمها ـ وأو ـ بمعنى حتى على أنها غاية سببية، وحينئذ لا ينبغي أن يخص عند ربكم بيوم القيامة بل بالمحاجة الحقة كما أشير إليه في البقرة، ولو حملت على العطف لم يلتئم الكلام، ورابعها: أن يكون {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن }/ الخ باقياً على إطلاقه أي واكفروا آخره واستمروا على ما كنتم فيه من اليهودية ولا تقروا لأحد إلا لمن هو على دينكم وهو من جملة مقول الطائفة ويكون {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ } الخ أمراً للنبـي صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك في جوابهم، على معنى: قل إن الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتى حتى تحاجوا؛ وقرينة الإضمار إن ولا تؤمنوا الخ تقرير على اليهودية وأنه لا دين يساويها فإذا أمر صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم علم أن ما أنكروه غير منكر وأنه كائن، وحمل ـ أو ـ على معناها الأصلي حينئذٍ أيضاً حسن لأنه تأييد للإيتاء وتعريض بأن من أوتي مثل ما أوتوا هم الغالبون، وقرىء ـ إن يؤتى ـ بكسر همزة إن على أنها نافية ـ أي قولوا لهم ما يؤتى ـ وهو خطاب لمن أسلم منهم رجاء العود، والمعنى لا إيتاء ولا محاجة ـ فأو ـ بمعنى حتى، وقدر قولوا توضيحاً وبياناً لأنه ليس استئنافاً تعليلاً، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ } الخ اعتراض ذكر قبل أن يتم كلامهم للاهتمام ببيان فساد ما ذهبوا إليه؛ وأرجح الأوجه الثاني لتأيده بقراءة ابن كثير وأنه أفيد من الأول وأقل تكلفاً من باقي الأوجه، وأقرب إلى المساق انتهى. وأقول: ما ذكره في الوجه الرابع من تقرير فلا تنكروا أن يؤتى الخ هو قول قتادة والربيع والجبائي لكنهم لم يجعلوا ـ أو ـ بمعنى حتى وهو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما وكذا القول بإبدال أن يؤتى من الهدى قول السدي وابن جريج إلا أنهم قدروا ـ لا ـ بين أن ويؤتى، واعترض عليهما أبو العباس المبرد بأن ـ لا ـ ليست مما تحذف هٰهنا، والتزم تقدير مضاف شاع تقديره في أمثال ذلك وهو كراهة، والمعنى إن الهدى كراهة ـ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ـ أي ممن خالف دين الإسلام لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فهدى الله تعالى بعيد من غير المؤمنين، ولا يخفى أنه معنى متوعر، وليس بشيء، ومثله ما قاله قوم من أن {أَن يُؤْتَىٰ } الخ تفسير للهدى، وأن المؤتى هو الشرع وأن {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } عطف على {أُوتِيتُمْ }، وأن ما يحاج به العقل وأن تقدير الكلام أن هدى الله تعالى ما شرع أو ما عهد به في العقل، ومن الناس من جعل الكلام من أول الآية إلى آخرها من الله تعالى خطاباً للمؤمنين قال: والتقدير ولا تؤمنوا أيها المؤمنون إلا لمن تبع دينكم وهو دين الإسلام ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين فلا نبـي بعد نبيكم عليه الصلاة والسلام ولا شريعة بعد شريعتكم إلى يوم القيامة ولا تصدقوا بأن يكون لأحد حجة عليكم عند ربكم لأن دينكم خير الأديان، وجعل {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } اعتراضاً للتأكيد وتعجيل المسرة ـ ولا يخفى ما فيه ـ واختيار البعض له والاستدلال عليه بما قاله الضحاك ـ إن اليهود قالوا: إنا نحج عند ربنا من خالفنا في ديننا فبين الله تعالى لهم أنهم هم المدحضون المغلوبون وأن المؤمنين هم الغالبون ـ ليس بشيء لأن هذا البيان لا يتعين فيه هذا الحمل كما لا يخفى على ذي قلب سليم، والضمير المرفوع من {يُحَاجُّوكُمْ } على كل تقدير عائد إلى {أَحَدٌ } لأنه في معنى الجمع إذ المراد به غير أتباعهم. واستشكل ابن المنير قطع {أَن يُؤْتَىٰ } عن {لاَ تُؤْمِنُواْ } على ما في بعض الأوجه السابقة بأنه يلزم وقوع (أحد) في الواجب لأن الاستفهام هنا إنكار، واستفهام الإنكار في مثله إثبات إذ حاصله أنه أنكر عليهم ووبخهم على ما وقع منهم وهو إخفاء الإيمان بأن النبوّة لا تخص بني إسرائيل لأجل العلتين المذكورتين فهو إثبات محقق، ثم قال: ويمكن أن يقال: روعيت صيغة الاستفهام وإن لم يكن المراد حقيقته فحسن دخول (أحد) في سياقه لذلك ـ وفيه تأمل ـ فتأمل وتدبر، فقد قال الواحدي: إن هذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه تفسيراً. {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } رد وإبطال لما زعموه بأوضح حجة، والمراد من الفضل الإسلام ـ قاله ابن جريج ـ وقال غيره: النبوة، / وقيل: الحجج التي أوتيها النبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وقيل: نعم الدين والدنيا ويدخل فيه ما يناسب المقام دخولاً أولياً {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } أي من عباده {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ } رحمة، وقيل: واسع القدرة يفعل ما يشاء {عَلِيمٌ } بمصالح العباد، وقيل: يعلم حيث يجعل رسالته.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاسِعٌ} (73) - وَتَقُولُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ: لاَ تَطْمَئِنُّوا وَلا تُظْهِروا أسْرَارَ دِينكُمْ، وَمَا عِنْدَكُمْ إلاَّ لِمُتَّبِعِي دِينِكُمْ، وَلاَ تُظْهِرُوا شَيْئاً مِمَّا عِنْدَكُمْ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَتَعَلَّمُوا، وَيُسَاوُوكُمْ بِهِ، وَيَحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْكُمْ. وَقَالُوا: لاَ تَعْتَرِفُوا أمَامَ العَرَبِ، أوْ غَيْرِهِمْ أنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ بَنِي إسْرَائِيلَ. وَرَدَّ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيهِمْ بِقَوْلِهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: إنَّ الرِّسَالَةَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ، وَهوَ تَعَالَى العَلِيمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ فَيُعْطِيهِ، وَإنَّ اللهَ هُوَ الذِي يَهْدِي القُلُوبَ إلى الإِيمَانِ الكَامِلِ، بِمَا يُنْزِلُ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ مِنَ الآيَاتِ، وَالدَّلاَئلِ، وَالحُجَجِ الوَاضِحَاتِ. وَإذا كُنْتُمْ يَا أيُّها اليَهُودُ تَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ المُبَيَّنَةَ فِي كُتُبِكُمْ، وَوَصَلَتْكُمْ مِنْ أَنْبِيَائِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ أعْلَمَ بِهَا رَسُولَهُ. وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ الفَضْلَ وَالأمُورَ كُلَّها بِيدِ اللهِ، وَهُوَ المُعْطِي وَالمَانِعُ، يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بالإِيمَانِ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَاللهُ وَاسِعُ العِلْمِ وَالفَضْلِ. آمَنَ لَهُ - صَدَّقَهُ وَسَلَّمَ بِمَا يَقُولُ. الفَضْلَ - هُنَا النُّبُوَّةَ. وَفي الأصْلِ الزِّيَادَةُ. وَاسِعٌ - مَغْفِرَتُهُ وَاسِعَةٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق سبحانه يكشف للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به من الأميين لعبة إيمان بعض من أهل الكتاب بالإسلام وجه النهار والكفر به آخر النهار، لقد طالب المتآمرون بعضهم بعضاً أن يظل الأمر سراً حتى لا يفقد المكر هدفه وهو بلبلة المسلمين من الأميين، ولذلك قال هؤلاء المتآمرون بعضهم لبعض: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73] أي لا تكشفوا سر هذه الخدعة إلا لمن هو على شاكلتكم، لكن الحق يكشف هذا الأمر كله بنزول هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلاغه إياها للمؤمنين، وبذلك فسد أمر تلك البلبلة، وارتدت الحرب النفسية إلى صدور من أشعلوها، ويستمر القول الكريم في كشف خديعة هؤلاء البعض من أهل الكتاب فيقول سبحانه: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 73]. إن الحق سبحانه يكشف فعل الماكرين من أهل الكتاب الذين أرادوا إعلان الإيمان أول النهار كلون من "هدى النفس" لكنه من صميم الضلال والإضلال وذريعة له، ولم يكن هدى من الله؛ لأن هدى الله إنما يوصل الإنسان إلى الغاية التي يريدها الله، وهؤلاء البعض من أهل الكتاب أرادوا بالخديعة أن يجعلوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أتباع يؤمنون بالإسلام؛ لقد تواصى هؤلاء القوم من أهل الكتاب بأن يكتموا اتفاقهم على تمثيل الادعاء بالإيمان وجه النهار والكفر به في آخره، وألا يعلنوا ذلك إلا لأهل ديانتهم حتى لا يفقد المكر هدفه، وهو بلبلة المسلمين. لقد أخذهم الخوف؛ لأن الناس إن أخذوا بدين محمد صلى الله عليه وسلم لأوتوا مثلما أوتي أهل الكتاب من معرفة بالمنهج، بل إن المنهج الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو المنهج الخاتم، وأهل المكر من أهل الكتاب إنما أرادوا أن يحرموا الناس من الإيمان، أو أنهم خافوا أن يدخل المسلمون معهم في المحاجة في أمر الإيمان، وكان كل ذلك من قلة الفطنة التي تصل إلى حد الغباء. لماذا؟ لأنهم توهموا أن الله لا يعرف باطن ما كتموا وظاهر ما فعلوا، إنهم تناسوا أن الحق يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وتطابق ذلك مع سابق فعلهم عندما خرجوا من مصر، وذهبوا إلى التيه أثناء عبور الصحراء، وادعوا أن الله قال لموسى عليه السلام: "علموا بيوتكم أيها الإسرائيليون، لأني سأنزل وأبطش بالبلاد كلها". وكأنهم لو لم يضعوا العلامات على البيوت فلن يعرفها الله، إنه كلام خائب للغاية بل هو منتهى الخيبة والضلال، ويبلغ الحق رسوله الكريم : {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 73]. وما دام الفضل بيد الله فلن تستطيعوا يا أهل المكر بالمسلمين أن تأخذوا أناساً كما تودون، وبعد ذلك تريدون أن تخدعوهم؛ لأن الفضل حين يؤتيه الله لمن آمن به فلن ينزعه إلا الله. فالحيلة لن تنزع فضل الإيمان بالله ما دام قد أعطاه الله، والله واسع بمعنى أنه قادر على إعطاء الفضل لكل الخلق، ولن ينقص ذلك من فضله شيئا، والحق سبحانه عليم بمن يستحق هذا الفضل لأن قلبه مشغول بربه. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، قال ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} [الآية: 73] حسداً من اليهود أَن تكون النبوة في غيرهم وأَرادوا / 10و / أَن يتابعوهم على دينهم، فقال: {قُلْ} يا محم {إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} [الآية: 73]. {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} [الآية: 74]. يعني: بالنبوة. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} [الآية: 75]. قال: يعني مواظباً. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ} [الآية: 78] يعني: يحرّفونه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} معناهُ وَلاَ تَصدِّقوا.