٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : قد ذكرنا أن السورة فيها تأديب للنبـي عليه السلام من ربه فقوله في ابتدائها: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } اشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع ربه وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ } إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع عامة الخلق وقوله تعالى: {شَـٰهِداً } يحتمل وجوهاً أحدهما: أنه شاهد على الخلق يوم القيامة كما قال تعالى: { أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] وعلى هذا فالنبـي بعث شاهداً أي متحملاً للشهادة ويكون في الآخرة شهيداً أي مؤدياً لما تحمله ثانيها: أنه شاهد أن لا إله إلا الله، وعلى هذا لطيفة وهو أن الله جعل النبـي شاهداً على الوحدانية والشاهد لا يكون مدعياً فالله تعالى لم يجعل النبـي في مسئلة الوحدانية مدعياً لها لأن المدعي من يقول شيئاً على خلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس والنبـي عليه السلام كان ادعى النبوة فجعل الله نفسه شاهداً له في مجازاة كونه شاهداً لله فقال تعالى: { أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } تفسير : [المنافقون: 1] وثالثها: أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا بالطاعة والمعصية والصلاح والفساد وقوله: {وَمُبَشّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً } فيه ترتيب حسن وذلك من حيث إن النبـي عليه السلام أرسل شاهداً بقوله لا إله إلا الله ويرغب في ذلك بالبشارة فإن لم يكف ذلك يرهب بالإنذار ثم لا يكتفي بقولهم لا إله إلا الله بل يدعوهم إلى سبيل الله كما قال تعالى: { أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ } تفسير : [النحل: 125] وقوله: {وَسِرَاجاً مُّنِيراً } أي مبرهناً على ما يقول مظهراً له بأوضح الحجج وهو المراد بقوله تعالى: { أية : بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } تفسير : [النحل: 125]. وفيه لطائف إحداها: قوله تعالى: {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ } حيث لم يقل وشاهداً بإذنه ومبشراً وعند الدعاء قال وداعياً بإذنه، وذلك لأن من يقول عن ملك إنه ملك الدنيا لا غيره لا يحتاج فيه إلى إذن منه فإنه وصفه بما فيه وكذلك إذا قال من يطيعه يسعد ومن يعصه يشقى يكون مبشراً ونذيراً ولا يحتاج إلى إذن من الملك في ذلك، وأما إذا قال تعالوا إلى سماطه، واحضروا على خوانه يحتاج فيه إلى إذنه فقال تعالى: {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ } ووجه آخر وهو أن النبـي يقول إني أدعو إلى الله والولي يدعو إلى الله، والأول لا إذن له فيه من أحد، والثاني مأذون من جهة النبـي عليه السلام كما قال تعالى: { أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى ٱدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى } تفسير : [يوسف: 108] وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : رحم الله عبداً سمع مقالتي فأداها كما سمعها » تفسير : والنبـي عليه السلام هو المأذون من الله في الدعاء إليه من غير واسطة. اللطيفة الثانية: قال في حق النبـي عليه السلام سراجاً ولم يقل إنه شمس مع أنه أشد إضاءة من السراج لفوائد منها، أن الشمس نورها لا يؤخذ منه شيء والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة فإذا انطفأ الأول يبقى الذي أخذ منه، وكذلك إن غاب والنبـي عليه السلام كان كذلك إذ كل صحابـي أخذ منه نور الهداية كما قال عليه السلام: « حديث : أصحابـي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » تفسير : وفي الخبر لطيفة وإن كانت ليست من التفسير ولكن الكلام يجر الكلام وهي أن النبـي عليه السلام لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل له في نفسه نور إذا غرب هو لا يبقى نور مستفاد منه، وكذلك الصحابـي إذا مات فالتابعي يستنير بنور النبـي عليه السلام ولا يأخذ منه إلا قول النبـي عليه السلام وفعله، فأنوار المجتهدين كلهم من النبـي عليه السلام ولم جعلهم كالسرج والنبـي عليه السلام أيضاً سراج كان للمجتهد أن يستنير بمن أراد منهم ويأخذ النور ممن اختار، وليس كذلك فإن مع نص النبـي عليه السلام لا يعمل بقول الصحابـي فيؤخذ من النبـي النور ولا يؤخذ من الصحابـي فلم يجعله سراجاً وهذا يوجب ضعفاً في حديث سراج الأمة والمحدثون ذكروه وفي تفسير السراج وجه آخر وهو أن المراد منه القرآن وتقديره إنا أرسلناك، وسراجاً منيراً عطفاً على محل الكاف أي وأرسلنا سراجاً منيراً وعلى قولنا إنه عطف على {مبشراً ونذيراً} يكون معناه وذا سراج لأن الحال لا يكون إلا وصفاً للفاعل أو المفعول، والسراج ليس وصفاً لأن النبـي عليه السلام لم يكن سراجاً حقيقة أو يكون كقول القائل رأيته أسداً أي شجاعاً فقوله سراجاً أي هادياً مبيناً كالسراج يرى الطريق ويبين الأمر.
القرطبي
تفسير : هذه الآية فيها تأنيس للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وتكريم لجميعهم. وهذه الآية تضمنت من أسمائه صلى الله عليه وسلم ستة أسماء ولنبيّنا صلى الله عليه وسلم أسماء كثيرة وسمات جليلة، ورد ذكرها في الكتاب والسنة والكتب المتقدّمة. وقد سماه الله في كتابه محمداً وأحمد. وقال صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه الثقات العدول: «حديث : لِي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب»تفسير : . وفي صحيح مسلم من حديث جُبير بن مُطْعِم: وقد سماه الله «رَأُوفاً رَحِيماً». وفيه أيضاً عن أبي موسى الأشعريّ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمِّي لنا نفسه أسماء، فيقول: «حديث : أنا محمد وأحمد والمُقَفِّي والحاشر ونبيّ التوبة ونبيّ الرحمة»تفسير : . وقد تتبع القاضي أبو الفضل عِياض في كتابه المسمّى (بالشِّفا) ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومما نقل في الكتب المتقدّمة، وإطلاق الأمة أسماء كثيرة وصفاتٍ عديدة، قد صدقت عليه صلى الله عليه وسلم مُسَمَّياتها، ووجدت فيه معانيها. وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربيّ في أحكامه في هذه الآية من أسماء النبيّ صلى الله عليه وسلم سبعة وستين اسماً. وذكر صاحب (وسيلة المتعبدين إلى متابعة سيد المرسلين) عن ابن عباس أن لمحمد صلى الله عليه وسلم مائة وثمانين اسماً، من أرادها وجدها هناك. وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية حديث : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا ومعاذاً، فبعثهما إلى اليمن، وقال: «اذهبا فبشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرَا ولا تُعَسِّرا فإنه قد أنزل عليّ...» وقرأ هذه الآية.تفسير : قوله تعالى: {شَاهِداً} قال سعيد عن قتادة: «شاهداً» على أمّته بالتبليغ إليهم، وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم؛ ونحو ذلك. {وَمُبَشِّراً} معناه للمؤمنين برحمة الله وبالجنة. {وَنَذِيراً} معناه للعصاة والمكذبين من النار وعذاب الخلد. {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ} الدعاء إلى الله هو تبليغ التوحيد والأخذ به، ومكافحة الكفرة. و{بِإِذْنِهِ} هنا معناه: بأمره إياك، وتقديره ذلك في وقته وأوانه. {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} هنا استعارة للنور الذي يتضمنه شرعه. وقيل: «وَسِرَاجاً» أي هادياً من ظلم الضلالة؛ وأنت كالمصباح المضيء. ووصفه بالإنارة لأن من السُّرُج ما لا يضيء، إذا قَلّ سلِيطه ودَقّت فتيلته. وفي كلام بعضهم: ثلاثة تُضْنِي: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظر لها من يجيء. وسئل بعضهم عن الموحشَيْن فقال: ظلام ساتر وسراج فاتر، وأسند النحاس قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الرازي قال حدّثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن شَيبان النحوي قال حدّثنا قتادة عن عكرمةحديث : عن ابن عباس قال: لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا ومعاذاً فقال: «انطلقا فبشِّرا ولا تُعَسِّرَا فإنه قد نزل عليّ الليلة آية {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ـ من النار ـ وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ ـ قال ـ شهادة أن لا إلٰه إلا الله ـ بِإِذْنِهِ ـ بأمره ـ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} ـ قال ـ بالقرآن»تفسير : . وقال الزجاج: «وسِرَاجاً» أي وذا سراج مُنير؛ أي كتاب نَيّر. وأجاز أيضاً أن يكون بمعنى: وتالياً كتاب الله.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا فليح بن سليمان، حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: (أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً) وقد رواه البخاري في البيوع عن محمد بن سنان عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي به. ورواه في التفسير عن عبد الله ــــ قيل: ابن رجاء، وقيل: ابن صالح ــــ عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو به. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عبد الله بن رجاء عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون به. وقال البخاري في البيوع: وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه: وقال وهب بن منبه: إِن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعياء: أن قم في قومك بني إسرائيل، فإني منطق لسانك بوحي، وأبعث أمياً من الأميين، أبعثه مبشراً ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشراً ونذيراً، لا يقول الخنا، أفتح به أعيناً كمهاً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، أسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلال، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئاماً من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين لما جاءت به رسلي، ألهمهم التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصلون لي قياماً وقعوداً، ويقاتلون في سبيل الله صفوفاً وزحوفاً، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي ألوفاً، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق، وبه يعدلون، وأعز من نصرهم، وأؤيد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم، أو بغى عليهم، أو أراد أن ينتزع شيئاً مما في أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويوفون بعهدهم، أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. هكذا رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه اليماني رحمه الله. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} وقد كان أمر علياً ومعاذاً رضي الله عنهما أن يسيرا إلى اليمن فقال: «حديث : انطلقا، فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أنزل علي: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}» تفسير : ورواه الطبراني عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي بإسناده مثله، وقال في آخره: «حديث : فإنه قد أنزل علي: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً على أمتك، ومبشراً بالجنة، ونذيراً من النار، وداعياً إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه وسراجاً منيراً بالقرآن»تفسير : . فقوله تعالى: {شَاهِداً} أي: لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً؛ كقوله: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} تفسير : [البقرة: 143]. وقوله عز وجل: {وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} أي: بشيراً للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيراً للكافرين من وبيل العقاب. وقوله جلت عظمته: {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ} أي: داعياً للخلق إلى عبادة ربهم، عن أمره لك بذلك، {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} أي: وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند. وقوله جل وعلا: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ} أي: لا تطعهم وتسمع منهم في الذي يقولونه، {وَدَعْ أَذَاهُمْ} أي: اصفح وتجاوز عنهم، وكل أمرهم إلى الله تعالى، فإن فيه كفاية لهم، ولهذا قال جل جلاله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَاهِداً } على من أُرسلت إليهم {وَمُبَشِّراً } من صدّقك بالجنة {وَنَذِيرًا } منذراً من كذبك بالنار.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً} قال ابن عباس شاهداً على أمتك ومبشراً بالجنة ونذيراً من النار. قوله: {وَدَاعِياَ إلَى اللَّه بِإِذْنِهِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قاله ابن عباس. الثاني: إلى طاعة الله، قاله ابن عيسى. الثالث: إلى الإسلام، قاله النقاش. وفي قوله: {بِإِذْنِهِ} ثلاثة أوجه: أحدها: بأمره، قاله ابن عباس. الثاني: بعمله قاله الحسن. الثالث: بالقرآن، قاله يحيى بن سلام. {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن سراج منير أي مضيء لأنه يُهْتدى به، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه الرسول كالسراج المنير في الهداية، قاله ابن شجرة، ومنه قول كعب بن زهير: شعر : إن الرسول لنورُ يستضاءُ به مُهَنّدُ من سيوف الله مَسْلول تفسير : قوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} فيه وجهان: أحدهما: ثواباً عظيماً، قاله الكلبي. الثاني: أنه الجنة، قاله قتادة والكلبي، وسبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية أنزل الله عليه {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} تفسير : [الفتح: 1] الآيات فقال المسلمون هنيئاً لك يا رسول الله بما أعطاك الله فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فما لنا يا رسول الله؟ فأنزل الله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} الآية. قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} قال مقاتل يريد بالكافرين من أهل مكة أبا سفيان وعكرمة وأبا الأعور وبالمنافقين من أهل المدينة عبد الله ابن أُبي وعبد الله بن سعد وطعمة بن أبيرق اجتمعوا على رسول اله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد اذكر أن لآلهتنا شفاعة. فقال الله: {وَدَعْ أَذَاهُمْ} وفيه أوجه: أحدها: دع ذكر آلهتهم أن لها شفاعة، قاله مقاتل. الثاني: كف عن أذاهم وقتالهم وهذا قبل أن يؤمر بالقتال، قاله الكلبي. الثالث: معناه اصبر على أذاهم، قاله قتادة وقطرب. الرابع: هو قولهم زيد بن محمد وما تكلموا به حين نكح زينب. قاله الضحاك.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية فيها تأنيس للنبي عليه السلام وللمؤمنين وتكريم لجميعهم، و {شاهداً}، معناه على أمتك بالتبليغ إليهم وعلى سائر الأمم في تبليغ أنبيائهم ونحو ذلك و {مبشراً} معناه للمؤمنين، برحمة الله تعالى وبالجنة، {ونذيراً} معناه للعصاة والمكذبين من النار وعذاب الخلد، قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ومعاذاً فبعثهما إلى اليمن وقال "حديث : اذهبا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا فإنه قد أنزل علي" تفسير : وقرأ الآية. والدعاء إلى الله تعالى هو تبليغ التوحيد والأخذ به ومكافحة الكفرة. و {بإذنه} معناه هنا بأمره إياك وتقديره ذلك في وقته وأوانه، {وسراجاً منيراً} استعارة للنور الذي يتضمنه شرعه فكأن المهديين به والمؤمنين يخرجون به من ظلمة الكفر، وقوله {وبشر} الواو عاطفة جملة على جملة والمعنى منقطع من الذي قبله، أمره الله تعالى بأن يبشر المؤمنين بالفضل الكبير من الله. قال القاضي أبو محمد: قال لنا أبي رضي الله عنه: هذه من أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى لأن الله تعالى أمر نبيه أن يبشر المؤمنين {بأن لهم} عنده {فضلاً كبيراً}، وقد بين تعالى الفضل الكبير ما هو في قوله تعالى: {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير} تفسير : [الشورى: 22]، فالآية التي في هذه السورة خبر والتي في {أية : حم عسق} تفسير : [الشورى: 1] تفسير لها، وقوله تعالى، {ولا تطع الكافرين والمنافقين} نهي له عن السماع منهم في أشياء كانوا يطلبونها مما لا يجب وفي أشياء كانوا يدخلونها مدخل النصائح وهي غش إلى نحو هذا المعنى، وقوله تعالى: {ودع آذاهم} يحتمل معنيين: أحدهما أن يأمره بترك أن يؤذيهم هو ويعاقبهم فكأن المعنى واصفح عن زللهم ولا تؤذهم فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول، ونسخ من الآية على هذا التأويل ما يخص الكافرين وناسخه آية السيف، والمعنى الثاني أن يكون قوله {ودع آذاهم} بمعنى أعرض عن أقوالهم وما يؤذونك به، فالمصدر على هذا التأويل مضاف إلى الفاعل، وهذا تأويل مجاهد. ثم أمره تعالى بالتوكل عليه، وأنسه بقوله {وكفى بالله وكيلاً}، ففي قوة الكلام وعد بنصر وتقدم القول في {كفى بالله}، والوكيل الحافظ القائم على الأمر، ثم خاطب تعالى المؤمنين بحكم الزوجة تطلق قبل البناء، واستدل بعض الناس بقوله {ثم طلقتموهن} وبملهة ثم على أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، وأن من طلق المرأة قبل نكاحها وإن عينها فإن ذلك لا يلزمه، وقال هذا نيف على ثلاثين من صاحب وتابع وإمام، سمى البخاري منهم اثنين وعشرين، وقالت طائفة عظيمة من أهل العلم: إن طلاق المعينة الشخص أو القبيل أو البلد لازم قبل النكاح، فمنهم مالك وجميع أصحابه وجمع عظيم من علماء الأمة، وقرأ جمهور القراء "تمسوهن"، وقرأ حمزة والكسائي وطلحة وابن وثاب "تماسوهن" والمعنى فيهما الجماع وهذه العدة إنما هي لاستبراء الرحم وحفظ النسب في الحمل، فمن لم تمس فلا يلزم ذلك فيها، وقرأ جمهور الناس "تعتدّونها" بشد الدال على وزن تفتعلونها من العدد، وروى ابن أبي بزة عن أبي بكر "تعتدُونها" بتخفيف ضمة الدال من العدوان، كأنه قال فما لكم عدة تلزمونها عدواناً وظلماً لهن، والقراءة الأولى أشهر عن أبي بكر، وتخفيف الدال وهم من ابن أبي بزة، ثم أمر تعالى بتمتيع المطلقة قبل البناء، واختلف الناس في المتعة، فقالت فرقة هي واجبة، وقالت فرقة هي مندوب إليها منهم مالك وأصحابه، وقالت فرقة المتعة للتي لم يفرض لها ونصف المهر للتي فرض لها، وقال سعيد بن المسيب: بل المتعة كانت لجميعهن بهذه الآية، ثم نسخت آية البقرة بالنصف لمن فرض لها ما تضمنته هذه الآية من المتعة. وهذه الآية خصصت آيتين إحداهما، والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، فخصصت هذه الآية من لم يدخل بها، وكذلك خصصت من ذوات الثلاثة الأشهر، وهن من قعدن عن المحيض، ومن لم يحضن من صغر المطلقات قبل البناء، و"السراح الجميل" هو الطلاق تتبعه عشرة حسنة وكلمة طيبة دون مشادة ولا أذى.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَاهِداً} على أمتك بالبلاغ {وَمُبَشِّراً} بالجنة {وَنَذِيراً} من النار "ع".
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً} أي للرسل بالتبليغ وقيل شاهداً على الخلق كلهم يوم القيامة {ومبشراً} أي لمن آمن بالجنة {ونذيراً} أي لمن كذب بالنار {وداعياً إلى الله} أي إلى توحيده وطاعته {بإذنه} أي بأمره {وسراجاً منيراً} سماه سراجاً منيراً لأنه جلا منه ظلمات الشرك واهتدى به الضالون كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير، وقيل معناه أمد الله بنور نبوته نور البصائر كما يمد بنور السراج نور الأبصار ووصفه بالإنارة لأن من السراج ما لا يضيء. فإن قلت لم سماه سراجاً، ولم يسمه شمساً والشمس أشد إضاءة من السرج وأنور. قلت: نور الشمس لا يمكن أن يؤخذ منه شيء بخلاف نور السراج فإنه يؤخذ منه أنوار كثيرة {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} أي ما تفضل به عليهم زيادة على الثواب وقيل: الفضل هو الثواب وقيل هو تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} قال ابن عباس: اصبر على أذاهم لا تجازهم عليه وهذا منسوخ بآية القتال {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً} أي حافظاً. قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} أي تجامعوهن، ففي الآية دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح حتى لو قال لامرأة أجنبية إذا نكحتك فأنت طالق، أو قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق فنكح لا يقع الطلاق، وهذا قول علي وابن عباس وجابر ومعاذ وعائشة وبه قال سعيد بن المسيب وعروة وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وطاوس، الحسن وعكرمة وعطاء وسليمان بن يسار، ومجاهد والشعبي وقتادة وأكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي وروي عن ابن مسعود أنه يقع الطلاق، وهو قول إبراهيم النخعي وأصحاب الرأي وقال ربيعة ومالك والأوزاعي: إن عين امرأة وقع وإن عمم فلا يقع وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كذبوا على ابن مسعود، وإن كان قالها فزلة من عالم الرجل يقول إن تزوجت فلانة فهي طالق والله يقول {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن، روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا طلاق فيما لا تملك ولا عتق فيما لا تملك ولا بيع فيما لا تملك"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي بمعناه (خ) عن ابن عباس قال: جعل الله الطلاق بعد النكاح أخرجه الترمذي في ترجمة باب بغير إسناد عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا طلاق قبل النكاح"تفسير : {فما لكم عليهم من عدة تعتدونها} أي تحصونها بالأقراء والأشهر، أجمع العلماء أنه إذا كان الطلاق قبل المسيس والخلوة، فلا عدة وذهب أحمد إلى أن الخلوة توجب العدة والصداق {فمتعوهن} أي أعطوهن ما يستمتعن به قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقاً فلها المتعة وإن كان قد فرض لها صداقاً فلها نصف الصداق، ولا متعة لها وقال قتادة هذه الآية منسوخة بقوله {أية : فنصف ما فرضتم}تفسير : [البقرة: 237] وقيل: هذا أمر ندب فالمتعة مستحبة لها مع نصف المهر وقيل: إنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية {وسرحوهن سراحاً جميلاً} أي خلوا سبيلهن بالمعروف من غير إضرار بهن. قوله عز وجل {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزاوجك اللاتي آتيت أجورهن} أي مهورهن {وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك} أي من السبي فتملكها مثل صفية وجويرية، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه فولدت له إبراهيم {وبنات عمك وبنات عماتك} يعني نساء قريش {وبنات خالك وبنات خالاتك} يعني نساء بني زهرة {اللاتي هاجرن معك} إلى المدينة فمن لم تهاجر، منهن لم يجز له نكاحها عن أم هانىء بنت أبي طالب قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله {إنا أحللنا لك أزواجك} الآية قالت: فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر كنت من الطلقاء أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} أي أحللنا لك امرأة مؤمنة، وهبت نفسها لك بغير صداق فأما غير المؤمنة، فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه وهل تحل الكتابية بالمهر، فذهب جماعة إلى أنها لا تحل له لقوله {وامرأة مؤمنة} فدل ذلك على أنه لا يحل له نكاح غير المسلمة، وكان من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن النكاح ينعقد في حقه بمعنى الهبة من غير ولي ولا شهود ولا مهر لقوله {خالصة لك من دون المؤمنين} والزيادة على أربع ووجوب تخيير النساء واختلفوا في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة فذهب أكثرهم إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، وهو قول سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء وبه قال ربيعة ومالك والشافعي: وقال إبراهيم النخعي وأهل الكوفة، ينعقد بلفظ التمليك والهبة، ومن قال بالقول الأول اختلفوا في نكاح النبي صلى الله عليه وسلم فذهب قوم إلى أنه كان ينعقد في حقه صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة، لقوله تعالى {خالصة لك من دون المؤمنين} وذهب آخرون إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، كما في حق سائر الأمة لقوله تعالى {إن أراد النبي أن يستنكحها} وكان اختصاصه في ترك المهر لا في لفظ النكاح واختلفوا في التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهل كانت عنده امرأة منهم فقال ابن عباس ومجاهد: لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها منه ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد النكاح، أو بملك يمين وقوله {إن وهبت نفسها} على سبيل الفرض والتقدير، وقال آخرون: بل كانت عنده موهوبة، واختلفوا فيها فقال الشعبي هي زينب بنت خزيمة الأنصارية الهلالية أم المساكين، وقال قتادة هي ميمونة بنت الحارث وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل هي أم شريك بن جابر: من بني أسد وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سليم. وقوله تعالى {قد علمنا ما فرضنا عليهم} أي أوجبنا على المؤمنين {في أزواجهم} أي من الأحكام وهو أن لايتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر {وما ملكت أيمانهم} أي ما أوجبنا من الأحكام في ملك اليمين {لكيلا يكون عليك حرج} وهذا يرجع إلى أول الآية معناه أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لكي لا يكون عليك ضيق {وكان الله غفوراً} أي للواقع في الحرج {رحيماً} أي بالتوسعة على عباده.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً...} الآية، هذه الآيةُ فيها تأنيسٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وتكريم لجميعهم. وقوله: {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ} أي: بأمره {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} استعارةُ للنور الذي تَضَمَّنهُ شرعُه. وقوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً}. قال * ع *: قال لنا أبي ـــ رحمه اللّه ـــ: هذه الآيةُ من أرْجَىٰ آية عندي في كتاب اللّه ـــ عز وجل ـــ. قال أبو بكر الخطيب أخبرنا أبو نعيم الحافظ ثم ذكر سنده إلى ابن عباس قَال: قَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حديث : أنَزَلت علي آية {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} قال: شاهداً: على أمتك، ومبشراً: بالجنة، ونذيراً: من النار، وداعياً: إلى شهادة أن لا إلٰه إلا اللّه، بإذنه: بأمره، وسراجاً منيراً: بالقرآن تفسير : . انتهى، من «تاريخ بغداد» له، من ترجمة «محمد بن نصر». وقوله تعالى: {وَدَعْ أَذَاهُمْ} يحتمل أن يريدَ أن يأمره تعالى بترك أن يؤذِيهم هو ويعاقبهم، فالمصدر على هذا مضافٌ إلى المفعول، ويُحْتَمَلُ أن يريدَ: أعْرِض عَن أقوالهم وما يؤذونك به، فالمصدر على هذا التأويل مضاف إلى الفاعل؛ وهذا تأويل مجاهدٍ، وباقي الآية بيّن.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً} وقد كان أمر علياً ومعاذ أن يسيرا إلى اليمن، فقال "حديث : انطلقا فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا، فإنه قد أنزل عليَّ {يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً} قال: شاهداً على أمتك، ومبشراً بالجنة، ونذيراً من النار، وداعياً إلى شهادة لا إله إلا الله {بإذنه وسراجاً منيراً} بالقرآن ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال: أجل والله انه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً} وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا تجزىء بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن العرباض بن سارية رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : إني عبدالله، وخاتم النبيين، وأبي منجدل في طينته، وأخبركم عن ذلك أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نوراً أضاءت لها قصور الشام. ثم تلا {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً} إلى قوله {منيراً} . تفسير : وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا: "حديث : لما نزلت {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] قالوا: يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} قال: الفضل الكبير: الجنة ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حديث : اجتمع عتبة. وشيبة. وأبو جهل. وغيرهم فقالوا: أسقط السماء علينا كسفا، أو ائتنا بعذاب أو امطر علينا حجارة من السماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما ذاك إلي. إنما بعثت إليكم داعياً ومبشراً ونذيراً" ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً} قال: على أمتك بالبلاغ {ومبشراً} بالجنة {ونذيراً} من النار {وداعياً إلى الله} إلى شهادة أن لا إله إلا الله {بإذنه} قال: بأمره {وسراجاً منيراً} قال: كتاب الله يدعوهم إليه {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} وهي الجنة {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} قال: اصبر على أذاهم. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ودع أذاهم} قال: اعرض عنهم.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء رحمة الله عليه: فى هذه الآية إنا شرفناك برسالتنا وتخبر عنا خبر صدق فيهدى بك قلوبًا عميًا أرسلناك شاهدًا لنا لا تشهد معنا سوانا جعلنا الخلق كلهم يشهدونك ويشهدوننا فيك ولا يشهدك إلاَّ من أثر فيه بركة نظرك فيشهدك ويشهدنا فيك ومن لم يجعلك الدليل عمى وضلَّ فإنك البشير تبشر من أقبلنا عليك بالرضوان وتنذر من أعرضنا عنه بالخذلان فإنك محل مشاهدة الخلق إيانا بك أخذناك عنك فلا تشهد شهودهم غيبناك عنهم فلا يشهدون منك إلا ظاهرك وأنت لا تشهد سوانا بحال. قال الواسطى رحمة الله عليه: شاهدًا بالحق للحق إلى الحق مع الحق ليوم لا يقبل فيه الحق إلا الحق.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً}. يا أيها المُشَرَّفُ مِنْ قِبَلِنا إِنّا أرسلناكَ شاهداً بوحدانيتنا، وشاهداً تُبَشِّر بمتابعتنا، وتحذِّرُ من مخالفة أَمْرِنَا، وتُعْلِمُ الناسَ مواضعَ الخوف مِنَّا، وداعياً إلينا بنا، وسراجاً يستضيئون به، وشمساً ينبسط شعاعُها على جميع مَنْ صَدَّقَكَ، وآمَنَ بك، فلا يصل إلينا إِلاَّ مَنْ اتبَّعَكَ وخَدَمَك، وصَدَّقَك وقَدَّمَك. {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بفضلِنا معهم، ونَيْلِهم طَوْلَنا عليهم، وإحسانِنا إليهم. ومَنْ لم تُؤَثِرْ فيه بَرَكةُ إيمانه بك فلا قَدْرَ له عندنا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} شاهد الاحوال العارفين على اسرار الصديقين كيف يكونوا فى الشوق والملكوت ولا يلتفت الى ما سوى الله من انوار الحدثان فاذا كان كذلك يصلح الله ما يخافون من فوقه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها النبى} نداء كرامة وتعظيم لان الشريف ينادى باللقب الشريف لانداء علامة مثل يا آدم ونحوه {انا ارسلناك شاهدا} الشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر او بصيرة وهو حال مقدرة من كاف ارسلناك فانه عليه السلام انما يكون شاهدا وقت الأداء وذلك متأخر عن زمان الارسال نحو مررت برجل معه صقر صائدا به غدا اى مقدرا به الصيد غدا. والمعنى انا ارسلناك بعظمتنا مقدر شهادتك على امتك بتصديقهم وتكذيبهم تؤديها يوم القيامة اداء مقبولا قبول قول الشاهد العدل فى الحكم {ومبشرا} لاهل الايمان والطاعة بالجنة ولاهل المحبة بالرؤية {ونذيرا} ومنذرا لاهل الكفر والعصيان بالنار ولاهل الغفلة بالحجاب
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "شاهداً": حال مقدرة، كمررت برجل معه صقر صائداً به غداً. يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها النبيُّ إِنَّا أرسلناك شاهداً} على مَن بُعثتَ إليهم، على تصديقهم وتكذيبهم، أي: مقبولاً قولك عند الله، لهم وعليهم، كما يُقبل قول الشاهد العدل في الحكْم، {ومبشراً} للمؤمنين بالنعيم المقيم، {ونذيراً} للكافرين بالعذاب الأليم، {وداعياً إِلى الله} إلى الإقرار بربوبيته، وتوحيده، وما يجب الإيمان به، من صفاته، ووعده، ووعيده، {بإِذْنِهِ} بأمره، أو: بتيسيره. وقيّد به الدعوى إيذاناً بأنه أمر صعب، لا يتأتى إلا بمعونةٍ من جناب قدسه، {وسِراجاً منيراً} يُستضاء به في ظلمة الجهالة، وتُقتبس من نوره أنوار الهداية، قد جلى به الله ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير، ويهتدى به. وقيل: المراد به القرآن، فيكون التقدير: وذا سراج. ووُصف بالإنارة؛ لأن من السُرج مَن لا يضيء جدًّا إذا قلّ سَلِيطُه، ـ أي: زيته ـ ورقَّت فتيلته. أو: شاهداً بوحدانيتنا، ومبشراً برحمتنا، ونذيراً بنقمتنا، وداعياً إلى عبادتنا، وسراجاً تُنير الطريقَ إلى حضرتنا. {وَبَشِّرِ المؤمنينَ بأن لهم من اللهِ فضلاً كبيراً} ثواباً عظيماً، يربو على ثواب سائر الأمم. وفي الحديث: "حديث : مثَلُكمْ ومَثَلُ اليهود والنصارى كمَن استأجر عُمالاً إلى آخر اليوم، فعَمِلَتِ اليهودُ إلى الظهر، ثم عجزوا، ثم عملت النصارى إلى العصر، فعجزوا، ثم عملتم إلى آخر النهار، فاستحققتم أجر الفريقين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملاً، وأقلّ أجراً، فقال لهم الله تعالى: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أُوتيه مَن أشاء" تفسير : وفي رواية: "حديث : أنهم عملوا إلى الظهر، أو العصر. وقالوا: لا حاجة لنا بأجرك، فبطل أجر الفريقين" تفسير : . وهذا في حق مَن أدرك الإسلام منهم ولم يؤمن. والحديث في الصحيح. نقلته بالمعنى. قال البيضاوي: ولعله معطوف على محذوف، أي: فراقب أمتك وبشِّرهم. هـ. {ولا تُطع الكافرين والمنافقين} أي: دُم على مخالفتهم، وهو تهييج وتنفير عن حالهم، {ودَعْ أذاهم} أي: لا تلتفت إليه، ولا تحتفل بشأنه. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، أي: اجعل إيذائهم إياك في جانب، وأنت في جانب، ولا تُبال بهم، ولا تخفْ من إيذائهم. أو: إلى المفعول، أي: دع إيذاءك إياهم مجازاةً ومؤاخذة على كفرهم. ولذلك قيل: إنه منسوخ. {وتوكلْ على اللهِ} فإنه يكفيكهم، {وكفى بالله وكيلاً} موكولاً عليه، ومفوضاً إليه الأمر في الأحوال كلها، ولعله تعالى لَمّا وصفه بخمسة أوصاف، قابل كُلاًّ منها بخطاب مناسب له، فقابل الشاهد بقوله: {وبُشِّر المؤمنين} لأنه يكون شاهداً عل أمته، وهم يكونون شهداء على سائر الأمم، وهو الفضل الكبير، وقابل المبشِّر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين؛ لأنه إذا أعرض عنهم أقبل بكليته على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة، وقابل النذير بدَعْ أذاهم؛ لأنه إذا ترك أذاهم في العاجل، والأذى له، لا بد له من عقاب عاجل أو آجل، كانوا منذرين به في المستقبل. وقابل الداعي إلى الله بأمره بالتوكل عليه؛ لأن مَن توكل على الله يسَّر عليه كل عسير، فتسهل الدعوة، ويتيسر أمرها، وقابل السراج المنير بالاكتفاء به وكيلاً؛ لأن مَن أناره الله وجعله بُرهاناً على جميع خلقه كان حقيقاً بأن يَكتفي به عن جميع خلقه. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال الورتجبي: إنا أرسلناك بالحقيقة شاهداً، أنت شاهِدُنا، شاهدناك وشهدت علينا، فألبستك أنوار ربوبيتي، فمَن شهدك بالحقيقة فقد شَهِدنَا. قُلتُ: لأن نوره صلى الله عليه وسلم أول نور ظهر من نور الحق، فمَن شَهِدَه شَهِدَ الحق. ثم قال: ومَن نظر إليك فقد نظر إلينا. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فقد عرف الحق، ومَن رآني فقد رأى الحق" تفسير : ثم قال: {وسراجاً منيراً} أسرجت نورك من نوري، فتُنور بنوري عيون عبادي المؤمنين، فيأتون إليّ بنورك. ثم أمره بأن يُبشر المؤمنين بأنهم يصلون إلى مشاهدته، بلا حجاب ولا عتاب. هـ. قال القشيري: يا أيها المُشَرَّفُ مِنْ قِبَلِنا؛ إنّا أرسلناك شاهداً بوحدانيتنا، ومبشراً، تُبشر عبادنا بنا، وتحذِّرُهم مخالفة أَمْرِنا، وتُعلمهم مواضع الخوف منا، وداعياً الخلق إلينا بنا، وسراجاً منيراً يستضيئون بك، وشمساً ينبسط شعاعك على جميع من صَدَّقَك وآمَنَ بك، ولا يصل إلينا إلا مَن اتَّبعكَ وخَدَمَك وقَدَّمك، {وبَشِّر المؤمنين} بفضلنا عليهم، ونَيْلِهم طَوْلَنا عليهم، وإحساننا إليهم. ومَن لم تُؤثِر فيهم بركة إيمانهم بك؛ فلا قَدْرَ لهم عندنا. ولا تُطع مَن أعرضنا عنه وأضللناه، من أهل الكفر والنفاق، وأهل البدع والشقاق، وتوكل على الله؛ بدوام الانقطاع إليه، وكفى بالله وكيلاً. هـ. ثم ذكر حكم المطلقة بعد الدخول وأنه لا عدة عليها مناسب لقوله {فلما قضي زيد...} إلخ فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ...}
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} متحمّلاً للشّهادة ممّن ارسلت اليهم وعليهم، او مقدّراً لتأدية الشّهادة عليهم ولهم، او حاضراً عليهم فى اعمالهم {وَمُبَشِّراً} للمؤمنين {وَنَذِيراً} للكافرين.
الهواري
تفسير : قوله: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} أي: على أمتك، تشهد عليهم في الآخرة أنك قد بلغتهم. {وَمُبَشِّراً} أي: في الدنيا بالجنة {وَنَذِيراً} أي: ونذيراً من النار. وتفسير الحسن: أي: من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. قال: {وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ} أي: بالقرآن، أي: بالوحي الذي جاء من عند الله. {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} أي: مضيئاً. ذكروا عن الضحاك بن مزاحم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : مثل أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلا به، ومثل أصحابي مثل النجوم يهتدى بها؛ فبأي قول أصحابي أخذتم اهتديتم . تفسير : ذكر الحسن عن أبي مسلم الخولاني قال: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم يهتدي بها الناس ما بدت، فإذا خفيت تحيَّروا. قال: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً} يعني الجنة. قوله: {وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} قد فسَّرناه في أول السورة {وَدَعْ أَذَاهُمْ} أي: واعرض عن أذاهم إياك واصبر عليه. {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً}. قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}. أي: إذا طلق الرجل امرأته، من قبل أن يدخل بها، واحدة فقد بانت منه بتلك الواحدة، وهي أملك لنفسها، ويخطبها مع الخطاب، وليس عليها عدّة منه ولا من غيره. وتتزوج إن شاءت من يومها الذي طلقها فيه، لأنه لم يمسّها فتعتدّ من مائه مخافة أن تكون حُبلى؛ ولها نصف الصداق. فإِن أغلق عليها باباً، وأرخى عليها ستراً، فقد وجب عليها الصداق كاملاً، ووجبت عليها العدّة. وإن طلّقها ثلاثاً من قبل أن يدخل بها فهي بمنزلة تطليقة واحدة، لأنه ليس في يده من طلاق التي لم يدخل بها إلا واحدة، وهي واحدة، فإن زاد عليها لم تعتد بزيادته التي زاد، وهو قول أبي عبيدة، وهو قول جابر وابن عباس. وكان إبراهيم يقول: إن طلقها ثلاثاً قبل أن يدخل بها لم يتزوجها حتى تنكح زوجاً غيره، إلا أن يفرّق الطلاق فيقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإنها تبين بالأولى، وليس ما طلق بعدها بشيء، وهو خاطب. فإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين. والقول الأول قول أصحابنا: قول ابن عباس وجابر بن زيد، وأبي عبيدة، فبه أخذوا، وعليه اعتمدوا. وأما قوله: {فَمَتِّعُوهُنَّ} فهو منسوخ إذا كان قد سمَّى لها صداقاً، إلا أن يكون لم يسمِّ لها صداقاً، فتكون لها المتعة ولا صداق لها. فإن كان سمّى لها صداقاً ثم طلّقها قبل أن يدخل بها كان لها نصف الصداق، ولا متعة لها. نسختها الآية التي في سورة البقرة: (أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى المُحْسِنِينَ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ...) تفسير : إلى آخر الآية [البقرة: 236-237]. ولا متعة لها. وكان الحسن يقول: لها المتعة، وليست بمنسوخة. قوله: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} أي: إلى أهليهن، أي: لا يكون الرجل والمرأة في بيت وليس بينهما حرمة. وإذا مات الرجل قبل أن يدخل بامرأته توارثا، ولها الصداق كاملاً. وإنما يكون لها نصف الصداق إذا طلّقها ولم يدخل بها.
اطفيش
تفسير : {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا} يوم القيامة لأمتك وعليها وهو حال مقدرة لأنه في وقت ارسال الله اياه غير شاهد عليهم بالتكذيب ولا لهم بالتصديق وانما ذلك بعد اداء الرسالة. وقيل: المراد انه شاهد للرسل بالتبليغ وقيل شاهد على الخلائق كلهم يوم القيامة. وقالوا من قرأ {يا أيها النبي إنا أرسلناك} الى {وكيلا} على دهن زنبق مذاب بمسك عبد سبعة ايام بعد صلاة الغداة ورفعه عنده في قارورة ودهن من ذلك الدهن حاجبيه وعارضه فان من لقيه من ملك او مملوك او حيوان او غيره من سائر المخلوقات هابه وخشيه وسمع قوله وقضى حوائجه وبلغ منه كل ما يريده من جميع المطالب ونجح قصده ومسعاه. {ومبشرا} في الدنيا لمن صدقك بالجنة. {ونذيرا} بالنار لمن كذب.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها النبي إنَّا أرْسلناك شاهداً} على من بعثت اليهم، عاصرتهم بتصديقهم وتكذيبهم واعمالهم وأقوالهم، والحال مقدرة، سواء فسرت بتحملها لان تحملها بعد الارسال او بأدائها يوم القيامة، وقيل: يعلمه الله بأسماء من بعده، وتصديقهم وتكذيبهم وأفعالهم، وبأحوال الصحابة بعد موته، وقيل: تعرض عليه فى قبره، وقيل: شاهد بتبليغ الرسل، وتصديق أممهم وتكذيبها، والصحيح انه يشهد على من شاهده، وبعض من اخبره الله عز وجل عنه، ولا عموم له، ولا سيما ما بعد موته. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليردنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب أصحابي أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" تفسير : رواه ابو بكر وانس وحذيفة، وسمرة وابو الدرداء، ويجمع بانه تعرض عليه أعمال امته لا بأعيان الطائعين والعاصين {ومُبشراً} للطائعين بالجنة {ونَذيراً} للعاصين بالنار، ولا مبالغة فى نذيرا لانه نائب عن منذر، ولا مبالغة فى منذر، كما يؤتى للرباعى بالزيادة فصاعدا بمصدر الثلاثى، وقدم مبشراً لفضل التبشير واهله، وللفاصلة، ولان الطاعة والتبشير عليها هما الاصل، وهو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ومن عصى فخارج عن الاصل.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِداً } على من بعثت إليهم تراقب أحوالهم وتشاهد أعمالهم وتتحمل عنهم الشهادة بما صدر عنهم من التصديق والتكذيب وسائر ما هم عليه من الهدى والضلال وتؤديها يوم القيامة أداء مقبولاً فيما لهم وما عليهم، وهو حال مقدرة وإن اعتبر الإرسال أمراً ممتداً لاعتبار التحمل والآداء في الشهادة، والإرسال بذلك الاعتبار وإن قارن التحمل إلا أنه غير مقارن للأداء وإن اعتبر الامتداد. وقيل: بإطلاق الشهادة على التحمل فقط تكون الحال مقارنة والأحوال المذكورة بعد على اعتبار الامتداد مقارنة، ولك أن لا تعتبره أصلاً فتكون الأحوال كلها مقدرة، ثم أن تحمل الشهادة على من عاصره صلى الله عليه وسلم واطلع على عمله أمر ظاهر، وأما تحملها على من بعده بأعيانهم فإن كان مراداً أيضاً ففيه خفاء لأن ظاهر الأخبار أنه عليه الصلاة والسلام لا يعرف أعمال من بعده بأعيانهم، روى أبو بكر وأنس وحذيفة وسمرة وأبو الدرداء عنه صلى الله عليه وسلم «ليردن عليَّ ناس من أصحابـي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب أصيحابـي أصيحابـي فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». نعم قد يقال: إنه عليه الصلاة والسلام يعلم بطاعات ومعاص تقع بعده من أمته لكن لا يعلم أعيان الطائعين والعاصين، وبهذا يجمع بين الحديث المذكور وحديث عرض الأعمال عليه صلى الله عليه وسلم كل أسبوع أو أكثر أو أقل، وقيل: يجمع بأنه عليه الصلاة والسلام يعلم الأعيان أيضاً إلا أنه نسي فقال: أصيحابـي، ولتعظيم قبح ما أحدثوا قيل له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وقيل: يعرض ما عدا الكفر وهو كما ترى، وأما زعم أن التحمل على من بعده إلى يوم القيامة لما أنه صلى الله عليه وسلم حي بروحه وجسده يسير حيث شاء في أقطار الأرض والملكوت فمبني على ما علمت حاله، ولعل في هذين الخبرين ما يأباه كما لا يخفى على المتدبر، وأشار بعض السادة الصوفية إلى أن الله تعالى قد أطلعه صلى الله عليه وسلم على أعمال العباد فنظر إليها ولذلك أطلق عليه عليه الصلاة والسلام شاهد. قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره العزيز في «مثنويه»:شعر : در نظر بودش مقامات العباد زان سبب نامش خدا شاهد نهاد تفسير : فتأمل ولا تغفل، وقيل: المراد شاهداً على جميع الأمم يوم القيامة بأن أنبيائهم قد بلغوهم الرسالة ودعوهم إلى الله تعالى، وشهادته بذلك لما علمه من كتابه المجيد، وقيل: المراد شاهداً بأن لا إله إلا الله. {وَمُبَشّراً } تبشر الطائعين بالجنة {وَنَذِيرًا } تنذر الكافرين والعاصين بالنار، ولعموم الإنذار وخصوص التبشير قيل: مبشراً ونذيراً على صيغة المبالغة دون ومنذراً مع أن ظاهر عطفه على {مُبَشّرًا } يقتضي ذلك وقدم التبشير لشرف المبشرين ولأنه المقصود الأصلي إذ هو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وكأنه لهذا جبر ما فاته من المبالغة بقوله تعالى: {أية : وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [الأحزاب: 47].
ابن عاشور
تفسير : هذا النداء الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم فإن الله لما أبلغه بالنداء الأول ما هو متعلق بذاته، وبالنداء الثاني ما هو متعلق بأزواجه وما تخلل ذلك من التكليف والتذكير، ناداه بأوصاف أودعها سبحانه فيه للتنويه بشأنه، وزيادة رفعة مقداره وبين له أركان رسالته، فهذا الغرض هو وصف تعلقات رسالته بأحوال أمته وأحوال الأمم السالفة. وذُكر له هنا خمسةُ أوصاف هي: شاهد. ومبشّر. ونذير. وداع إلى الله. وسراج منير. فهذه الأوصاف ينطوي إليها وتنطوي على مجامع الرسالة المحمدية فلذلك اقتصر عليها من بين أوصافه الكثيرة. والشاهد: المخبر عن حجة المدعي المحقّ ودفع دعوى المبطل، فالرسول صلى الله عليه وسلم شاهد بصحة ما هو صحيح من الشرائع وبقاءِ ما هو صالح للبقاء منها ويشهد ببطلان ما ألصق بها وبنسخ ما لا ينبغي بقاؤه من أحكامها بما أخبر عنهم في القرآن والسنة، قال تعالى: {أية : مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه}تفسير : [المائدة: 48]. وفي حديث الحشر: «حديث : يُسأل كل رسول هل بلّغ؟ فيقول: نعم. فيقول الله: مَن يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته»تفسير : ... الحديث. ومحمد صلى الله عليه وسلم شاهد أيضاً على أمته بمراقبة جريهم على الشريعة في حياته وشاهد عليهم في عَرَصات القيامة، قال تعالى: {أية : وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : [النساء: 41] فهو شاهد على المستجيبين لدعوته وعلى المعرضين عنها، وعلى من استجاب للدعوة ثم بَدّل. وفي حديث الحَوض: «حديث : ليَرِدَنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوضَ حتى إذا رأيتُهم وعرفتُهم اختُلجوا دوني فأقول: يا رب أُصَيْحَابي أُصَيْحَابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول تَبًّا وسُحْقاً لمَن أحدث بعدي» تفسير : يعني: أحدثوا الكفر وهم أهل الردة كما في بعض روايات الحديث: «حديث : إنهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم»تفسير : . فلا جرم كان وصف الشاهد أشمل هذه الأوصاف للرسول صلى الله عليه وسلم بوصف كونه رسولاً لهذه الأمة، وبوصف كونه خاتماً للشرائع ومتمّماً لِمراد الله من بعثة الرسل. والمبشر: المخبر بالبُشرى والبِشارة. وهي الحادث المسرّ لمن يخبر به والوعد بالعطية، والنبي صلى الله عليه وسلم مبشر لأَهل الإِيمان والمطيعين بمراتب فوزهم. وقد تضمن هذا الوصف ما اشتملت عليه الشريعة من الدعاء إلى الخير من الأوامر وهو قسم الامتثال من قسمي التقوى، فإن التقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمأمورات متضمنة المصالح فهي مقتضية بشارة فاعليها بحسن الحال في العاجل والآجل. وقدمت البِشارة على النِذارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم غلب عليه التبشير لأنه رحمة للعالمين، ولكثرة عدد المؤمنين في أمته. والنذير: مشتق من الإِنذار وهو الإِخبار بحلول حادث مسيء أو قُرْب حلوله، والنبي عليه الصلاة والسلام منذر للذين يخالفون عن دينه من كافرين به ومن أهل العصيان بمتفاوت مؤاخذتهم على عملهم. وانتصب {شاهداً} على الحال من كاف الخطاب وهي حال مقدرة، أي أرسلناك مقدَّراً أن تكون شاهداً على الرسل والأمم في الدنيا والآخرة. ومثّل سيبويه للحال المقدرة بقوله: مُررت برجل معه صقر صائِداً به. وجيء في جانب النِذارة بصيغة فَعيل دون اسم الفاعل لإِرادة الاسم فإن النذير في كلامهم اسم للمخبر بحلول العدو بديار القوم. ومن الأَمثال: أنا النذير العُريان، أي الآتي بخبر حلول العدوّ بديار قوم. والمراد بالعريان أنه ينزع عنه قميصه ليشير به من مكان مرتفع فيراه من لا يسمع نداءه، فالوصف بنذير تمثيل بحال نذير القوم كما قال: {أية : إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد}تفسير : [سبأ: 46] للإِيماء إلى تحقيق ما أنذرهم به حتى كأنه قد حلّ بهم وكأنَّ المخبر عنه مخبر عن أمر قد وقع، وهذا لا يؤديه إلا اسم النذير، ولذلك كثر في القرآن الوصف بالنذير وقلّ الوصف بمنذر. وفي الصحيح: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أُنزل عليه: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] خرج حتى صعد الصفا، فنادى: يا صباحاه (كلمة ينادِي بها من يطلب النجدة) فاجتمعوا إليه فقال: أرأيتُم إن أخبرتكم أن خَيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقيَّ؟ قالوا: نعم. قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد»تفسير : . فهذا يشير إلى تمثيل الحالة التي استخلصها بقوله: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد). وما في {بين يدي عذاب} من معنى التقريب. وشمل اسم النذير جوامعَ ما في الشريعة من النواهي والعقوبات وهو قسم الاجتناب من قسمي التقوى فإن المنهيات متضمنة مفاسد فهي مقتضية تخويف المُقدمين على فعلها من سوء الحال في العاجل والآجل. والداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ترك عبادة غير الله ويدعوهم إلى اتباع ما يأمرهم به الله. وأصل دَعاه إلى فلان: أنه دعاه إلى الحضور عنده، يقال: ادعُ فلاناً إليَّ. ولما عُلم أن الله تعالى منزه عن جهة يحضرها الناس عنده تعين أن معنى الدعاء إليه الدعاء إلى ترك الاعتراف بغيره (كما يَقولون: أبو مسلم الخراساني يدعو إلى الرضَى من آل البيت) فشمل هذا الوصف أصول الاعتقاد في شريعة الإِسلام مما يتعلق بصفات الله لأن دعوة الله دعوة إلى معرفته وما يتعلق بصفات الدُعاة إليه من الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم. وزيادة {بإذنه} ليفيد أن الله أرسله داعياً إليه ويسّر له الدعاء إليه مع ثقل أمر هذا الدعاء وعظم خطره وهو ما كان استشعره النبي صلى الله عليه وسلم في مبدأ الوحي من الخشية إلى أن أُنزل عليه {أية : يا أيها المدثر قم فأنذر}تفسير : [المدثر: 1، 2]، ومثلُه قوله تعالى لموسى: {أية : لا تخف إنك أنت الأعلى}تفسير : [طه: 68]، فهذا إذن خاص وهو الإِذن بعد الإِحجام المقتضي للتيسير، فأطلق اسم الإِذن على التيسير على وجه المجاز المرسل. ونظيره قوله تعالى خطاباً لعيسى عليه السلام: {أية : وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني}تفسير : [المائدة: 110] وقوله حكاية عن عيسى {أية : فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله}تفسير : [آل عمران: 49]. وقوله {وسراجاً منيراً} تشبيه بليغ بطريق الحالية وهو طريق جميل، أي أرسلناك كالسراج المنير في الهداية الواضحة التي لا لبس فيها والتي لا تترك للباطل شبهة إلا فضحتها وأوقفت الناس على دخائلها، كما يضيء السراج الوقّاد ظلمة المكان. وهذا الوصف يشمل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من البيان وإيضاح الاستدلال وانقشاع ما كان قبله في الأديان من مسالك للتبديل والتحريف فشمل ما في الشريعة من أصول الاستنباط والتفقه في الدين والعلم، فإن العلم يشبَّه بالنور فناسبه السراج المنير. وهذا وصف شامل لجميع الأوصاف التي وصف بها آنفاً فهو كالفذلكة وكالتذييل. ووصف السراج بــــ{منيراً} مع أن الإِنارة من لوازم السراج هو كوصف الشيء بالوصف المشتق من لفظه في قوله: شعر شاعر، وليلٌ ألْيَل لإِفادة قوة معنى الاسم في الموصوف بهِ الخاص فإن هدى النبي صلى الله عليه وسلم هو أوضح الهدى. وإرشاده أبلغ إرشاد. روى البخاري في كتاب «التفسير» من صحيحه في الكلام على سورة الفتح عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال: «إن هذه الآية التي في القرآن: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً} قال في التوراة: يأيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحِرزاً للأمِّيين، أنت عبدي ورسولي سمّيتك المتوكِّل ليس بفظّ ولا غليظ ولا صَخَّاب في الأسواق، ولا يدفع السيِّئة بالسيئة ولكنْ يعْفو ويصفح (أو وَيغفر) ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العَوجاء بأن يقولوا لا إلٰه إلا الله ويفتحَ (أو فيفتح) به أعينا عُمْياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاء» ا هــــ. وقول عبد الله بن عمرو «في التوراة» يعني بالتوراة: أسفار التوراة وما معها من أسفار الأنبياء إذ لا يوجد مثل ذلك فيما رأيت من الأسفار الخمسة الأصليّة من التوراة. وهذا الذي حدث به عبد الله بن عَمرو ورأيت مقارِبه في سفر النبي أشعياء من الكتب المعبر عنها بالتوراة تغليباً وهي الكتب المسماة بالعهد القديم؛ وذلك في الإصحاح الثاني والأربعين منه بتغيير قليل (أحسب أنه من اختلاف الترجمة أو من تفسيرات بعض الأحبار وتأويلاتهم)، ففي الإصحاح الثاني والأربعين منه «هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سُرَّتْ به نفسي، وَضَعْتُ رُوحي عليه فيُخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يُسمع في الشارع صوته، قصبة مرضوضة لا تقصف، وفتيلة خامدة لا تطفأ، إلى الأمان يخرج الحق، لا يكلّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته أنا الرب قد دعوتك بالبر فأُمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم لنفتح عيون العُمي لتُخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن، الجالسين في الظلمة، أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر». وإليك نظائر صفته التي في التوراة من صفاته في القرآن: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً} نظيرها هذه الآية وحرزاً للأميين {أية : هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم} تفسير : سورة [الجمعة: 2] أنت عبدي ورسولي {أية : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} تفسير : سورة [الكهف: 1] سميتك المتوكل {أية : وتوكل على الله} تفسير : سورة [الأحزاب: 3] ليس بفظ ولا غليظ {أية : ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} تفسير : (سورة [آل عمران: 159] ولا صخّاب في الأسواق {أية : واغضض من صوتك} تفسير : سورة [لقمان: 19] ولا يدفع السيئة بالسيئة {أية : ادفع بالتي هي أحسن} تفسير : سورة [فصلت:34] ولكن يعفو ويصفح {أية : فاعف عنهم واصفح} تفسير : سورة [العقود: 13] ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملةَ العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله {أية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} تفسير : سورة [المائدة: 3] ويفتح به أعينا عُمْياً وآذاناً صُمًّا وقلوباً غُلْفاً {أية : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} تفسير : في سورة [البقرة: 7] في ذكر الذين كفروا مقابلاً لذكر المؤمنين في قوله قبله {أية : هدى للمتقين } تفسير : الآية [البقرة:2]. ولنذكرْ هنا ما في سفر أشعياء ونقحم فيه بيان مقابلة كلماته بالكلمات التي جاءت في حديث عبد الله بن عمَرو. جاء في الإصحاح الثاني والأربعين من سفر أشعياء: هو ذا عبدي (أنت عبدي) الذي أعضده مختاري (ورسولي) الذي سُرت به نفسي، وضَعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم لا يصيح (ليس بفظّ) ولا يرفع (ولا غليظ) ولا يسمع في الشارع صوته (ولا صَخَّاب في الأَسواق) قصبة مرضوضة لا يقصف (ولا يدفع السيئة بالسيئة) وفتيلة خامدة لا يَطفا (يعفو ويصفح) إلى الأمان يُخرج الحق (وحرزاً) لا يكلّ ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض (ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء) وتنتظر الجزائر شريعته (للأميين) أنا الرب قد دعوتك بالبر فأُمسكُ بيدِك (سميتك المتوكل) وأحفظك (ولن يقبضه الله) وأجعلك عهداً للشعب {أرسلناك شاهداً} (ونوراً للأمم) (مبشراً) لنفتح عيون العُمي (ونفتح به أعيناً عمياً) لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن (وآذاناً صُمًّا) الجالسين في الظلمة (وقلوباً غلفاً). أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر (بأن يقولوا لا إله إلا الله).
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: شاهدا: أي على من أرسلناك إليهم. ومبشراً: أي من آمن وعمل صالحاً بالجنة. ونذيراً: أي لمن كفر وأشرك بالنار. وداعيا إلى الله بإذنه: أي وداعياً إلى الإِيمان بالله وتوحيده وطاعته بأمره تعالى. وسراجاً منيرا: أي وجعلك كالسراج المنير يهتدي به من أراد الهداية إلى سبيل الفلاح. ولا تطع الكافرين والمنافقين: أي فيما يخالف أمر ربك وما شرعه لك ولأُمتك. ودع أذاهم: أي أترك أذاهم فلا تُقابلهُ بأذىً آخر حتى تُأْمر فيهم بأمر. وتوكل على الله: أي فوض أمرك إليه فإنه يكفيك. معنى الآيات: هذا نداء خاص بعد ذلك النداء العام فالأول كان للمؤمنين والرسول إمامهم على رأسهم. وهذا نداء خاص لمزيد تكريم الرسول وتشريفه وتكليفه أيضاً فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} محمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ} حال كونك شاهداً على من أرسلناك إليهم يوم القيامة تشهد على من أجاب دعوتك ومن لم يجبها، ومبشراً لمن استجاب لك فآمن وعمل صالحاً بالجنة، ونذيراً لمن أعرض فلم يؤمن ولم يعمل خيراً بعذاب النار، وداعياً إلى الله تعالى عباده إليه ليؤمنوا به ويوحدوه ويطيعوه بأمره تعالى لك بذلك، وسراجاً منيراً يهتدي بك من أراد الاستهداء إلى سبيل السعادة والكمال. وقوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي أنظر بعد دعوتك إياهم، وبشر المؤمنين منهم أي الذين استجابوا لك وآمنوا وعملوا الصالحات بأن لهم من الله فضلا كبيراً ألا وهو مغفرة ذنوبهم وإدخالهم الجنة دار النعيم المقيم والسلام التام. وقوله تعالى: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} فيما يقترحون عليك من أمور تتنافى مع دعوتك ورسالتك، ودع أذاهم أي اترك أذيتهم واصبر عليهم حتى يأمرك ربك بما تقوم به نحوهم، وتوكل على الله في أمرك كله، فإنه يكفيك وكفى بالله وكيلاً أي حافظاً وعاصماً يعصمك من الناس. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان الكمال المحمدي الذي وهبه إياه ربّه تبارك وتعالى. 2- مشروعية الدعوة إلى الله إذا كان الداعي متأهلاً بالعلم والحلم وهما الإِذن. 3- حرمة طاعة الكافرين والمنافقين والفجرة والظالمين فيما يتنافى مع مرضاة الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {أَرْسَلْنَاكَ} {شَاهِداً} (45) - يَا أَيُّها الرَّسُولُ إِن اللهَ تَعَالى بَعَثَكَ شَاهِداً عَلَى مَنْ أُرْسِلْتَ إِليهِم، تُرَاقِبُ أحْوَالَهُم، وَتَرَى أَعْمَالَهُمْ، وَتَشْهَدُ عَلَيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَرْسَلَكَ مُبَشِّراً لَهُمْ بِالجَنَّةِ إِنْ صَدَّقُوكَ، وَعَمِلُوا بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمُنْذِراً لَهُمْ بِعَذَابِ النَّارِ إِنْ هُمْ كَذَّبُوكَ وَخَالَفُوا مَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ، وَنَهَيْتَهُمْ عَنْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الشاهد: هو الذي يؤيد ويُثبِّت الحق لصاحبه؛ لذلك يطلب القاضي شهادة الشهود ليأتي حكمه في القضية عن تحقيق وبيِّنة ودليل؛ لذلك يقولون إن القاضي لا يحكم بعلمه، إنما بالبينة حتى إنْ علم شيئاً في حياته العامة، ثم جاء أمامه في القضاء يتركه ويتنحَّى عنه لقاضٍ آخر يحكم فيه حتى لا يبني حكمه على علمه هو. وحين تتأمل هذه المسألة تجد أن الله تعالى يريد أنْ يُوزِّع مسئولية الحكم على عدة جهات، حتى إذا ما صدر الحكم يصدر بعد تدقيق وتمحيص وتصفية لضمان الحق. فنرى مثلاً إذا حدثتْ حادثة نذهب إلى القسم لعمل (محضر) بالحادث، (المحضر) يحيله ضابط الشرطة إلى النيابة، فتحيله النيابة للقاضي ليحكم فيه، ثم يُعَاد مرة أخرى للسلطة التنفيذية ليُنفَّذ، كل هذه الدورة يُراد بها تحري الحق ووضعه في نصابه. فما بالك إذا كان الحق سبحانه هو الذي يشهد، وهو الذي يحكم، وهو الذي يُنفِّذ الحكم؟ لا شكَّ أن العدالة هنا ستكون عدالة مطلقة. فإنْ قلتَ: إذن عَلاَم يشهد رسول الله؟ قالوا: يشهد رسول الله أنه بلَّغ أمته، كما يشهد الرسل جميعاً أنهم بلَّغوا أممهم كما قال سبحانه: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41]. إذن: كل رسول شهيد على أمته، وأنت شهيد على هذه الأمة أنك قد بلَّغتها، لكن ميْزتُك على مَنْ سبقك من إخوانك الرسل أن تكون خاتمهم، فلا نبيَّ بعدك؛ ولذلك سأجعل من أمتك من يخلف الأنبياء الذين يأتون بعد الرسل في مهمتهم. لذلك جاء في الحديث الشريف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ". تفسير : إذن: ضمن الحق سبحانه في أمة محمد أنْ يوجد فيهم مَنْ يقوم بمهمة الأنبياء في البلاغ، وهذا معنى {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [البقرة: 143]. وكلمة الناس هنا عامة، تشمل آدم عليه السلام وذريته إلى قيام الساعة، فإنْ قلتَ كيف؟ نقول: يشهدون على الناس بشهادة القرآن أن الرسل قد بلَّغَتْ أممها، هذا بالنسبة لمن مضى منهم، أما مَنْ سيأتي فأنتم مطالبون بأن تشهدوا عليهم أنكم قد بلَّغتموهم، كما يشهد عليكم رسول الله أنه قد بلَّغكم. إذن: فأمة محمد أخذت حظاً من النبوة، وهو أنها ستُسْتدعى وتشهد على الناس. لذلك يُعِدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته لهذه المهمة، فيقول: "حديث : نضَّر اللهُ امرءاً، سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى مَنْ يسمعها، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع ". تفسير : واقرأ أيضاً في ذلك قول الله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ..} تفسير : [البقرة: 143] لماذا؟ {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..} تفسير : [البقرة: 143] فهذه الأمة في الوسط، بحيث لا إفراط ولا تفريط، وما أشبهها بالميزان الذي لا تميل كفة عن الأخرى إلا بما يُوضعَ فيها، فهي كالميزان العادل الذي لا يميل هنا أو هناك. وقوله سبحانه {وَمُبَشِّراً ..} [الأحزاب: 45] لمن استجاب لك بثواب الله، والبشارة هي الإخبار بالخير قبل أوانه {وَنَذِيراً} [الأحزاب: 45] أي: منذراً لمن لم يُصدقك بعقاب الله، والإنذار هو التخويف بشرٍّ لم يأْت أوانه {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ ..} [الأحزاب: 46] أي: بأمر منه، لا تطَوُّعاً من عندك، فقد يأتي زعيم من الزعماء أو مصلح من المصلحين بمنهج أو بأفكار من عنده ويبثُّها في مجتمعه. فقوله تعالى: {بِإِذْنِهِ ..} [الأحزاب: 46] يبين الفرق بين الرسول والمصلح من البشر، فهذا الذي جاء به محمد من عند الله، وما بلَّغكم به إلا بأمر الله. ويُشترط فيمَنْ يدعو إلى منهج الخير ثلاثة شروط: الأول: ألاَّ ينتفع بشيء مما يدعو إليه، وهذا لا يوجد في بشر أبداً، وقد رأينا: حينما قنَّنَ الرأسماليون غَبَنُوا العمال، وحينما قنَّنَ الاشتراكيون غبنوا الرأسماليين .. وهكذا. وذلك لأن البشر لهم أهواء مختلفة متعددة، وكلٌّ يريد أنْ يُقنِّن على هواه، وبما يخدم مصالحه، يريد أنْ يُسخِّر غيره لخدمة هواه، وبعد فترة قد تطول تفضحهم التجارب، ويفضحهم الواقع، وتُظهِر لهم أنفسهم مساوىء ما قنَّنُوا حتى يثوروا هم على قوانينهم، وينتفضوا على أنفسهم، ويعودوا إلى تعديل هذه القوانين. الشرط الثاني: أن يكون على علم بالأحداث المحتملة بعد أنْ يُقنِّن، وألاَّ تغيب عنه جزئية من جزئيات الموضوع، فيحتاج إلى تعديل القانون أو الاستدراك عليه. ثالثاً: يُشترط فيمَنْ يُقنِّن أن يكون حكيماً فيما يُقنِّن، بحيث يضع الأمر في موضعه، فلا ينصف جماعة على حساب أخرى، وأن يكون الجميع أمامه سواء. وحين تتأمل هذه الشروط الثلاثة تجدها لا تتوفر إلا في الحق سبحانه وتعالى، إذن: ينبغي ألاَّ ييُقنِّن للبشر إلا ربُّ البشر، وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بمثال من المحسوسات، فالناس في الظلمة يحتاجون لبعض النور؛ ليهتدوا به إلى قضاء مصالحهم في الليل، فينير كلٌّ منا ليله بما يناسبه من وسائل الإضاءة، فواحد يشعل شمعة، وآخر لمبة (نمرة خمسة) وآخر لمبة (نمرة عشرة)، وبعد ما استخدمنا الكهرباء رأينا اللمبة العادية والفوروسنت والنيون والكرستال .. إلخ. إذن: أنتم تنيرون ظلمتكم على قدر إمكاناتكم، فإذا ما أشرقتْ شمس الصباح، أَتُبْقون على هذه الأنوار؟ لا بل يطفىء الجميع أنواره؛ لأن نور الشمس يأتي على قدر إمكانات خالقها عز وجل، لذلك نقول: أطفئوا مصابيحكم، فقد طلعت شمس الله، فإذا كان ذلك في النور الحسيِّ فهو أيضاً ومن باب أَوْلَى في النور المعنوي، فإذا جاءك نور التشريع ونور المنهج من الله، فأطفىء ما عداه من تشريعات ومناهج. وقوله تعالى: {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب: 46] شبّه الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالسراج، ولا تستقلّ هذا الوصف في حقِّ رسول الله، فليس معنى السراج أنه كالسراج الذي يضيء لك الحجرة مثلاً، إنما هو كالسراج الذي قال له عنه: {أية : وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} تفسير : [النبأ: 13] والمراد: الشمس. فإذا قُلْتَ: فلماذا لم يُوصَف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شمس، وقد قال تعالى عنها: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً ..} تفسير : [يونس: 5]. والشمس أقوى من السراج؟ قالوا: الكلام هنا كلام ربٍّ والأسلوب دقيق معجز، صحيح أن الشمس تنير الدنيا كلها، إنما أمة محمد مُكلَّفة أن تقوم بدعوته من بعده، فكأن رسول الله سراج، والسراج تأخذ منه النور دون أنْ ينقص نورُه، لكن لا تستطيع أنْ تأخذ من الشمس. وحين سطعتْ أنوار الهداية على لسان رسول الله محمد لم يَعُدْ للشرائع الأولى أنْ تتدخل على حدِّ قول المادح: شعر : كَأنَّكَ شَمْسٌ والملُوكُ كَواكِبُ إذَا طلعَتْ لم يَبْدُ مِنْهُنَّ كوكَبُ تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المؤيَّد، المخصوص بأنوا الفضائل والكرمات {إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا ولطفنا {أَرْسَلْنَٰكَ} إلى كافة البرايا وعامة العباد {شَٰهِداً} تشهد لهم الحقائق، وتحضرهم المعارف، وتوصلهم بالتنبيهات الواضحة إلى مرتبة الكشف والشهود؛ لكون أصل فطرتهم وجبلتهم مجبولة عليها {وَمُبَشِّراً} تبشرهم بالتوحيد المسقط للإضافات المستتبعة لأنواع الكثرات المشوشة لنفوسهم {وَنَذِيراً} [الأحزاب: 45] تنذرهم عن مقتضيات القوى البهيمية من الشهوية والغضبية الجالبة لأنواع الخذلان والحرمان. {وَدَاعِياً} دعوهم {إِلَى} توحيد {ٱللَّهِ} المنزه عن التعديد والتجديد دعوة مسبوقة {بِإِذْنِهِ} سبحانه؛ أي: بوحيه وإلهامه {وَ} بالجملة: أرسلناك إلى عموم العباد {سِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب: 46] تضيء لهم، ويستضيئون منك في ظلمات الضلالات والجهالات المتراكمة من الحجب الظلمانية والكثافات الهيولانية، المتولدة من الكدورات الطبيعية، الباقية من ظلمة العدم. {وَ} بعدما سمعت يا أكمل الرسل سبب بعثتك وسره {بَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الموقنين بتوحيد الله، المترقين من اليقين العلمي إلى العيني، الطالبين الوصول إلى اليقين الحقي {بِأَنَّ لَهُمْ} أي: حق وثبت لهم عنده سبحانه {مِّنَ} عناية {ٱللَّهِ} معهم {فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب: 47] لا فضل أكبر منه، وهو الرضا والفوز بشرف اللقاء. {وَ} بعدما سمعت وظيفتك يا أكمل الرسل مع المؤمنين المسترشدين منك الطالبين هدايتك وشرف صحبتك {لاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} المصرين على الكفر والعناد المجاهرين به {وَٱلْمُنَافِقِينَ} الذي يخفون كفرهم وضلالهم عنك لمصلحة دنيوية ويظهرون عندك خلاف ما في نفوسهم، ولا تجلس معهم ولا تصاحبهم أصلاً {وَ} إن آذوك في مرورك عنهم وملاقاتك معهم بغتة {دَعْ أَذَاهُمْ} أي: اتركهم وأذاهم ولا تلتفت إلى الانتقام عنهم، واصبر على مضضهم، فإن صبرك يقتلهم عن الغيظ، ويطفئ لهب غضبهم {وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ} في دفع شرورهم، وثق إليه {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً} [الأحزاب: 48] حسيباً كافياً يكفي عنك مؤنة أعدائك، ويكفي عنك أذاهم عناية لك واهتماماً بشأنك. ثمَّ لمَّا أشار سبحانه إلى ما أباح على نبيه صلى الله عليه وسلم بلا حرج أراد أن يشير إلى ما أباح أيضاً على عموم المؤمنين بلا حرج لهم فيه وضيق، وقال سبحانه منادياً لهم على وجه العموم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالله، وصدقوا بجميع أوامره ونواهيه المنزلة من عنده، مقتضى إيمانكم {إِذَا نَكَحْتُمُ} وعقدتم {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} اللاتي هن أحقاء بنكاحكم من المسلمات والكتابيات {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} أي تطئوهن وتجامعوهن {فَمَا لَكُمْ} أي: ما لزم ووجب لكم فيما يتلى عليكم {عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} وتحصونها، كما للمدخلات بهن والمتوفات عنهن من المدة المقدرة في الشرع، وبعدما لم تلزم عليكم العدة أيها المطلقون {فَمَتِّعُوهُنَّ} أي: أعطوهن المتعة المستحسنة عقلاً وشرعاً إن لم يكن صدقاتهن مقدرة، وإن كانت مقدرة فأعطونهن نصف ما قدر من المهر بلا تنقيص ومماطلة {وَ} بعد أن أعطيتموهن المتعة أو النصف من المهر المقدر {سَرِّحُوهُنَّ} وأخرجوهن من منازلكم {سَرَاحاً جَمِيلاً} [الأحزاب: 49] إخراجاً ليناً، بلا ضرر وإضرار، وتنقيص ما استحققن عليه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الأشياء، التي وصف الله بها رسوله محمدًا صلى اللّه عليه وسلم، هي المقصود من رسالته، وزبدتها وأصولها، التي اختص بها، وهي خمسة أشياء: أحدها: كونه { شَاهِدًا } أي: شاهدًا على أمته بما عملوه، من خير وشر، كما قال تعالى: {أية : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } تفسير : فهو صلى اللّه عليه وسلم شاهد عدل مقبول. الثاني، والثالث: كونه { مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } وهذا يستلزم ذكر المبشر والمنذر، وما يبشر به وينذر، والأعمال الموجبة لذلك. فالمبشَّر هم: المؤمنون المتقون، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، وترك المعاصي، لهم البشرى في الحياة الدنيا، بكل ثواب دنيوي وديني، رتب على الإيمان والتقوى، وفي الأخرى بالنعيم المقيم. وذلك كله يستلزم، ذكر تفصيل المذكور، من تفاصيل الأعمال، وخصال التقوى، وأنواع الثواب. والْمنْذَر هم: المجرمون الظالمون، أهل الظلم والجهل، لهم النذارة في الدنيا، من العقوبات الدنيوية والدينية، المترتبة على الجهل والظلم، وفي الأخرى، بالعقاب الوبيل، والعذاب الطويل. وهذه الجملة تفصيلها، ما جاء به صلى اللّه عليه وسلم، من الكتاب والسنة، المشتمل على ذلك. الرابع: كونه { دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ } أي: أرسله اللّه، يدعو الخلق إلى ربهم، ويسوقهم لكرامته، ويأمرهم بعبادته، التي خلقوا لها، وذلك يستلزم استقامته، على ما يدعو إليه، وذكر تفاصيل ما يدعو إليه، بتعريفهم لربهم بصفاته المقدسة، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، وذكر أنواع العبودية، والدعوة إلى اللّه بأقرب طريق موصل إليه، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإخلاص الدعوة إلى اللّه، لا إلى نفسه وتعظيمها، كما قد يعرض ذلك لكثير من النفوس في هذا المقام، وذلك كله بِإِذْنِ الله تعالى له في الدعوة وأمره وإرادته وقدره. الخامس: كونه { سِرَاجًا مُنِيرًا } وذلك يقتضي أن الخلق في ظلمة عظيمة، لا نور، يهتدى به في ظلماتها، ولا علم، يستدل به في جهالاتها حتى جاء اللّه بهذا النبي الكريم، فأضاء اللّه به تلك الظلمات، وعلم به من الجهالات، وهدى به ضُلالا إلى الصراط المستقيم. فأصبح أهل الاستقامة، قد وضح لهم الطريق، فمشوا خلف هذا الإمام وعرفوا به الخير والشر، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، واستناروا به، لمعرفة معبودهم، وعرفوه بأوصافه الحميدة، وأفعاله السديدة، وأحكامه الرشيدة. وقوله: { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا } ذكر في هذه الجملة، المبشَّر، وهم المؤمنون، وعند ذكر الإيمان بمفرده، تدخل فيه الأعمال الصالحة. وذكر المبشَّر به، وهو الفضل الكبير، أي: العظيم الجليل، الذي لا يقادر قدره، من النصر في الدنيا، وهداية القلوب، وغفران الذنوب، وكشف الكروب، وكثرة الأرزاق الدَّارَّة، وحصول النعم السارة، والفوز برضا ربهم وثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه. وهذا مما ينشط العاملين، أن يذكر لهم، من ثواب اللّه على أعمالهم، ما به يستعينون على سلوك الصراط المستقيم، وهذا من جملة حكم الشرع، كما أن من حكمه، أن يذكر في مقام الترهيب، العقوبات المترتبة على ما يرهب منه، ليكون عونًا على الكف عما حرم اللّه. ولما كان ثَمَّ طائفة من الناس، مستعدة للقيام بصد الداعين إلى اللّه، من الرسل وأتباعهم، وهم المنافقون، الذين أظهروا الموافقة في الإيمان، وهم كفرة فجرة في الباطن، والكفار ظاهرًا وباطنًا، نهى اللّه رسوله عن طاعتهم، وحذره ذلك فقال: { وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } أي: في كل أمر يصد عن سبيل اللّه، ولكن لا يقتضي هذا أذاهم، [بل لا تطعهم { وَدَعْ أَذَاهُمْ } ] فإن ذلك، جالب لهم، وداع إلى قبول الإسلام، وإلى كف كثير من أذيتهم له، ولأهله. { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } في إتمام أمرك، وخذلان عدوك، { وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } تُوكَلُ إليه الأمور المهمة، فيقوم بها، ويسهلها على عبده.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):