٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
الرازي
تفسير : وقوله تعالى: {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } عطف على مفهوم تقديره إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً فاشهد وبشر ولم يذكر فاشهد للاستغناء عنه، وأما البشارة فإنها ذكرت إبانة للكرم ولأنها غير واجبة لولا الأمر. وقوله تعالى: {بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً } هو مثل قوله: { أية : وَأَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } تفسير : [الأحزاب: 35] فالعظيم والكبير متقاربان وكونه من الله كبير فكيف إذا كان مع ذلك كبارة أخرى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الواو عاطفة جملة على جملة؛ والمعنى منقطع من الذي قبله. أمره تعالى أن يبشر المؤمنين بالفضل الكبير من الله تعالى. وعلى قول الزجاج: ذا سراج منير، أو وتالياً سراجاً منيراً، يكون معطوفاً على الكاف لا في «أَرْسَلْنَاكَ». قال ابن عطية: قال لنا أُبَيّ رضي الله عنه: هذه من أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى؛ لأن الله عز وجل قد أمر نبيّه أن يبشّر المؤمنين بأن لهم عنده فضلاً كبيراً؛ وقد بيّن تعالى الفضل الكبير في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} تفسير : [الشورى: 22]. فالآية التي في هذه السورة خبر، والتي في «حۤم. عۤسۤقۤ» تفسير لها. {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} أي لا تطعهم فيما يشيرون عليك من المداهنة في الدين ولا تمالئهم. «الْكَافِرِينَ»: أبي سفيان وعكرمة وأبي الأعْوَر السُّلَمِيّ؛ قالوا: يا محمد، لا تذكر آلهتنا بسوء نتبعك. «وَالْمُنَافِقِينَ»: عبد الله بن أُبَيّ وعبد الله بن سعد وطُعْمة بن أُبَيْرِق، حَثُّوا النبيّ صلى الله عليه وسلم على إجابتهم بتعِلّة المصلحة. {وَدَعْ أَذَاهُمْ} أي دع أن تؤذيهم مجازاةً على إذايتهم إياك. فأمره تبارك وتعالى بترك معاقبتهم، والصفح عن زللهم؛ فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول. ونُسخ من الآية على هذا التأويل ما يخصّ الكافرين، وناسخه آية السيف. وفيه معنى ثانٍ: أي أعرض عن أقوالهم وما يؤذونك، ولا تشتغل به؛ فالمصدر على هذا التأويل مضاف إلى الفاعل. وهذا تأويل مجاهد، والآية منسوخة بآية السيف. {وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ} أمره بالتوكل عليه وآنسه بقوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً} وفي قوّة الكلام وعدٌ بنصر. والوكيل: الحافظ القائم على الأمر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً } هو الجنة.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَضْلاً كَبِيراً} ثواباً عظيماً، أو الجنة لما رجع الرسول صلى الله عليه وسلم من الحديبية فنزل عليه {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ}تفسير : الآيات [الفتح: 1] الفتح قال المسلمون هنيئاً لك يا رسول الله قد غُفر لك ما تقدم وما تأخر فماذا لنا فنزلت {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.
البقاعي
تفسير : ولما تقدمت هذه الأوصاف الحسنى، وكان تطبيق ثمراتها عليها في الذروة، من العلو، وكان الشاهد هو البينة، فكان كأنه قيل: فأقم الأدلة النيرة، وادع وأنذر كل من خالف أمرك، وكان المقام لخطاب المقبلين، طوى هذا المقدر لأنه للمعرضين، ودل عليه بقوله عاطفاً عليه: {وبشر المؤمنين} أي الذين صح لهم هذا الوصف. فإنك مبشر {بأن لهم} وبين عظمة هذه البشرى بقوله: {من الله} أي الذي له جميع صفات العظمة {فضلاً كبيراً *} أي من جهة النفاسة ومن جهة التضعيف من عشرة أمثال الحسنة إلى ما لا يعلمه إلا الله. ولما أمره سبحانه بما يسر نهاه عما يضر، فقال ذاكراً ثمرة النذارة: {ولا تطع الكافرين} أي المشاققين {والمنافقين} أي لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلته إليك من الإنزال، وغيره كراهة شيء من مقالهم أو فعالهم في أمر زينب أو غيرها، فإنك نذير لهم، وزاد على ما في أول السورة محط الفائدة في قوله مصرحاً بما اقتضاه ما قبله: {ودع} أي اترك على حالة حسنة بك وأمر جميل لك {أذاهم} فلا تراقبه في شيء، ولا تحسب له حساباً أصلاً، واصبر عليه فإنه غير ضائرك لأن الله دافع عنك لأنك داع بإذنه. ولما كان ترك المؤذي، والإعراض عنه استسلاماً في غاية المشقة، ذكره بالدواء فقال: {وتوكل على الله} أي الملك الأعلى في الانتصار لك منهم وإبلاغ جميع ما يأمرك به وفي جميع أمرك لأن الله متم نورك ومظهر دينك والاكتفاء به من ثمرات إنارته لك بجعلك سراجاً، ولما كان الوكيل قد لا ينهض بجميع الأمور، قال معلماً بأن كفايته محيطه: {وكفى} وأكد أمر الكفاية بإيجاد الباء في الفاعل تحقيقاً لكونه فاعلاً كما مضى في آخر سورة الرعد فقال: {بالله} أي الذي له الإحاطة الكاملة، وميز النسبة بالفاعل في الأصل لزيادة التأكيد في تحقيق معنى الفاعل فقال: {وكيلاً *} فمن اكتفى به أنار له جميع أمره. ولما أمر سبحانه بإبلاغ أوامره من غير التفات إلى أحد غيره، وكان من المعلوم أنه لا بد في ذلك من محاولات ومنازعات، لا يقوم بها إلا من أعرض عن الخلائق، لما هو مشاهد له من عظمة الخالق، أمر سبحانه بالتوكل عليه، وأقام الدليل الشهودي بقصة الأحزاب وقريظة على كفاية لمن أخلص له، فلما تم الدليل رجع إلى بيان ما افتتح به السورة من الأحكام بعد إعادة الأمر بالتوكل، فذكر أقرب الطلاق إلى معنى المظاهرة المذكورة أول السورة بعد الأمر بالتوكل التي محط قصدها عدم قربان المظاهر عنها بعد أن كان أبطل المظاهرة. فقال ناهياً لمن هو في أدنى أسنان الإيمان بعد بشارة المؤمنين قاطعاً لهم عما كانوا يشتدون به في التحجر على المرأة المطلقة لقصد مضاجرتها أو تمام التمكن من التحكم فيه: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك {إذا نكحتم} أي عاقدتم، أطلق اسم المسبب على السبب فقد صار فيه حقيقة شرعية {المؤمنات} أي الموصوفات بهذا الوصف الشريف المقتضي لغاية الرغبة فيهن وأتم الوصلة بينكم وبينهن. ولما كان طول مدة الحبس بالعقد من غير جماع لا يغير الحكم في العدة وإن غيرها في النسب بمجرد إمكان الوطىء، وكان الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح وبعد حل الوطىء بالنكاح، أشار إليه بحرف التراخي فقال: {ثم طلقتموهن} أي بحكم التوزيع، وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود رضي الله عنهم يقول بصحة تعليق الطلاق قبل النكاح فقال: زلة علم - وتلا هذه الآية. ولما كان المقصود نفي المسيس في هذا النكاح لا مطلقاً، وكانت العبرة في إيجاب المهر بنفس الوطىء لا بإمكانه وإن حصلت الخلوة، أدخل الجار فقال: {من قبل أن تمسوهن} أي تجامعوهن، أطلق المسّ على الجماع لأنه طريق له كما سمي الخمر إثماً لأنها سببه. ولما كانت العدة حقاً للرجال قال: {فما لكم} ولما كانت العدة واجبة، عبر بأداة الاستعلاء فقال: {عليهن} وأكد النفي بإثبات الجار في قوله: {من عدة} ودل على اعتيادهم ذلك ومبالغتهم فيه والمضاجرة به كما في الظهار بالافتعال فقال: {تعتدونها} أي تتكلفون عدها وتراعونه، وروي عن ابن كثير من طريق البزي شاذاً بتخفيف الدال بمعنى تتكلفون الاعتداء بها على المطلقة. ولما كان هذا الحكم - الذي معناه الانفصال - للمؤمنات اللاتي لهن صفات تقتضي دوام العشرة وتمام الاتصال، كان ذلك للكتابيات من باب الأولى، وفائدة التقييد الإرشاد إلى أنه لا ينبغي العدول عن المؤمنات, بل ولا عن الصالحات من المؤمنات. ولما كان الكلام كما أشير إليه في امرأة قريبة من المظاهر عنها، وكان ما خلا من الفرض للصداق أقرب إلى ذلك، سبب عما مضى قوله: {فمتعوهن} ولم يصرح بأن ذلك لغير من سمى لها لتدخل المسمى لها في الكلام على طريق الندب مع ما لها من نصف المسمى كما دخلت الأولى وجوباً {وسرحوهن} أي أطلقوهن ليخرجن من منازلكم ولا تعتلوا عليهن بعلة {سراحاً جميلاً *} بالإحسان قولاً وفعلاً من غير ضرار بوجه أصلاً ليتزوجهن من شاء. ولما كان النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وكان المراد الأعظم في هذه الآيات بيان ما شرفه الله به من ذلك، أتبع ما بين أنه لا عدة فيه من نكاح المؤمنين وما حرمه عليهم من التضييق على الزوجات المطلقات بعض ما شرفه الله تعالى به وخصه من أمر التوسعة في النكاح، وختمه بأن أزواجه لا تحل بعده، فهن كمن عدتهن ثابتة لا تنقضي أبداً، أو كمن زوجها غائب عنها وهو حي، لأنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره: {يا أيها النبي} ذاكراً سبحانه الوصف الذي هو مبدأ القرب ومقصوده ومنبع الكمال ومداره. ولما كان الذين في قلوبهم مرض ينكرون خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أكد قوله: {إنا أحللنا لك أزواجك} أي نكاحهن، قال الحرالي في كتابه في أصول الفقه: تعليق الحكم بالأعيان مختص بخاص مدلولها نحو حرمت أو حللت المرأة أي نكاحها، والفرس أي ركوبه، والخمر أي شربها، ولحم الخنزير أي أكله، والبحر أي ركوبه، والثور أي الحرث به، وكذلك كل شيء يختص بخاص مدلوله، ولا يصرف عنه إلا بمشعر، ولا إجمال فيه لترجح الاختصاص - انتهى. ولما كان المقصود من هذه السورة بيان مناقبه صلى الله عليه وسلم وما خصه الله به مما قد يطعن فيه المنافقون من كونه أولى من كل أحد بنفسه وماله، بين أنه مع ذلك لا يرضى إلا بالأكمل، فبين أنه كان يعجل المهور، ويوفي الأجور، فقال: {اللاتي آتيت} أي بالإعطاء الذي هو الحقيقة، وهي به صلى الله عليه وسلم أولى أو بالتسمية في العقد قال الكشاف: وكان التعجيل ديدن السلف وسنتهم وما لا يعرف بينهم غيره {أجورهن} أي مهورهن لأنها عوض عن منفعة البضع، وأصل الأجر الجزاء على العمل {وما ملكت يمينك}. ولما كان حوز الإنسان لما سباه أطيب لنفسه وأعلى لقدره وأحل مما اشتراه قال: {مما أفاء} أي رد {الله} الذي له الأمر كله {عليك} مثل صفية بنت حيي النضرية وريحانة القرظية وجويرية بنت الحارث الخزاعية رضي الله عنهن مما كان في أيدي الكفار، أسنده إليه سبحانه إفهاماً لأنه فيء على وجهه الذي أحله الله لا خيانة فيه، وعبر بالفيء الذي معناه الرجوع إفهاماً لأن ما في يد الكافر ليس له, وإنما هو لمن يستلبه منه من المؤمنين بيد القهر أو لمن يعطيه الكافر منهم عن طيب نفس، ومن هنا كان يعطي النبي صلى الله عليه وسلم ما يطلب منه من بلاد الكفار أو نسائهم، وما أعطى أحداً شيئاً إلا وصل إليه كتميم الداري وشويل رضي الله عنهما، وقيد بذلك تنبيهاً على فضله صلى الله عليه وسلم ووقوعه من كل شيء على أفضله كما تقدمت الإشارة إليه، وإشارة إلى أنه سبق في علم الله أنه لا يصل إليه من ملك اليمين إلا ما كان هذا سبيله، ودخل فيه ما أهدى له من الكفار مثل مارية القبطية أم ولده إبراهيم عليه السلام، وفي ذلك أيضاً إشارة إلى ما خصه به من تحليل ما كان خطره على من كان قبله من الغنائم {وبنات عمك} الشقيق وغيره من باب الأولى، فإن النسب كلما بعد كان أجدر بالحل. ولما كان قد أفرد العم لأن واحد الذكور يجمع من غيره لشرفه وقوته وكونه الأصل الذي تفرع منه هذا النوع، عرف بجميع الإناث أن المراد به الجنس لئلا يتوهم أن المراد إباحة الأخوات مجتمعات فقال: {وبنات عماتك} من نساء بني عبد المطلب. ولما بدأ بالعمومة لشرفها، أتبعها قوله: {وبنات خالك} جارياً أيضاً في الإفراد والجمع على ذلك النحو {وبنات خالاتك} أي من نساء بني زهرة ويمكن أن يكون في ذلك احتباك عجيب وهو: بنات عمك وبنات أعمامك، وبنات عماتك وبنات عمتك، وبنات خالك وبنات أخوالك، وبنات خالاتك وبنات خالتك، وسره ما أشير إليه. ولما بين شرف أزواجه من جهة النسب لما علم واشتهر أن نسبه صلى الله عليه وسلم من جهة الرجال والنساء أشرف الأنساب بحيث لم يختلف في ذلك اثنان من العرب، بين شرفهن من جهة الإعمال فقال: {اللاتي هاجرن} وأشار بقوله: {معك} إلى أن الهجرة قبل الفتح {أية : أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} تفسير : [الحديد: 10] ولم يرد بذلك التقييد بل التنبيه على الشرف، وإشارة إلى أنه سبق في عمله سبحانه أنه لا يقع له أن يتزوج من هي خارجة عن هذه الأوصاف، وقد ورد أن هذا على سبيل التقييد؛ روى الترمذي والحاكم وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والطبراني والطبري وابن أبي حاتم كلهم من رواية السدي عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله تعالى {إنا أحللنا لك أزواجك} - الآية، فلم أكن لأحل له لأني لم أهاجر. كنت من الطلقاء قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي. ولما بين ما هو الأشرف من النكاح لكونه الأصل، وأتبعه سبحانه ما خص به شرعه صلى الله عليه وسلم من المغنم الذي تولى سبحانه إباحته، أتبعه ما جاءت إباحته من جهة المبيح إعلاماً بأنه ليس من نوع الصدقة التي نزه عنها قدره فقال: {وامرأة} أي وأحللنا لك امرأة {مؤمنة} أي هذا الصنف حرة كانت أو رقيقة {إن وهبت نفسها للنبي}. ولما ذكر وصف النبوة لأنه مدار الإكرام من الخالق والمحبة من الخلائق تشريفاً له به وتعليقاً للحكم بالوصف، لأنه لو قال "لك" كان ربما وقع في بعض الأوهام - كما قال الزجاج - أنه غير خاص به صلى الله عليه وسلم، كرره بياناً لمزيد شرفه في سياق رافع لما ربما يتوهم من أنه يجب عليه القبول فقال: {إن أراد النبي} أي الذي أعلينا قدره بما اختصصناه به من الإنباء بالأمور العظمية من عالم الغيب والشهادة {أن يستنكحها} أي يوجد نكاحه لها يجعلها من منكوحاته بعقد أو ملك يمين، فتصير له مجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ولا شهود. ولما كان ربما فهم أن غيره يشاركه في هذا المعنى، قال مبيناً لخصوصيته واصفاً لمصدر {أحللنا} مفخماً للأمر بهاء المبالغة ملتفتاً إلى الخطاب لأنه معين للمراد رافع للارتياب: {خالصة لك} وزاد المعنى بياناً بقوله: {من دون المؤمنين} أي من الأنبياء وغيرهم، وأطلق الوصف المفهم للرسوخ فشمل من قيد بالإحسان والإيقان، وغير ذلك من الألوان، دخل من نزل عن رتبتهم من الذين يؤمنون والذين آمنوا وسائر الناس من باب الأولى مفهوم موافقة، وقد كان الواهبات عدة ولم يكن عنده منهن شيء. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها، فلما نزلت {ترجى من تشاء منهن} قلت: يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما كان لغير المخصوص تام القدرة، ليمنع غيره من ذلك، علله بقوله: {قد} أي أخبرناك بأن هذا أمر يخصك دونهم لأنا قد {علمنا ما فرضنا} أي قدرنا بعظمتنا. ولما كان ما قدره للإنسان عطاء ومنعنا لا بد له منه، عبر فيه بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} أي المؤمنين {في أزواجهم} أي من أنه لا تحل لهم امرأة بلفظ الهبة منها ولا بدون مهر ولا بدون ولي وشهود، وهذا عام لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين. ولما كان هذا عاماً للحرة والرقيقة قال: {وما ملكت أيمانهم} أي من أن أحداً غيرك لا يملك رقيقة بهبتها لنفسها منه، فيكون أحق من سيدها. ولما فرغ من تعليل الدونية، علل التخصيص لفاً ونشراً مشوشاً بقوله: {لكيلا يكون عليك حرج} أي ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع المنكوحات وزدناك الواهبة. ولما ذكر سبحانه ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلى الناس فهماً وأشدهم لله خشية، وكان يعدل بينهن، ويعتذر مع ذلك من ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله "حديث : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك"تفسير : خفف عنه سبحانه بقوله: {وكان الله} أي المتصف بصفات الكمال من الحلم والأناة والقدرة وغيرها أزلاً وأبداً {غفوراً رحيماً *} أي بليغ الستر فهو أن شاء يترك المؤاخذة فيما له أن يؤاخذ به، ويجعل مكان المؤاخذة الإكرام العظيم متصفاً بذلك أزلاً وأبداً.
اسماعيل حقي
تفسير : {وبشر المؤمنين} عطف على المقدر اى فراقب احوال امتك وبشر المؤمنين {بان لهم من الله فضلا كبيرا} اى على مؤمنى سائر الامم فى الرتبة والشرف او زيادة على اجور اعمالهم بطريق التفضل والاحسان ـ وروى ـ ان الحسنة الواحدة فى الامم السالفة كانت بواحدة وفى هذه الامة بعشر امثالها الى ما لا نهاية له. وقال بعضهم {فضلا كبيرا} يعنى [بخششى بزرك زياده ازمر دكار ايشان يعنى دولت لقاكه بزركتر عطايى وشر يفتر جزاييست]. وفى كشف الاسرار [داعى را اجابت وسائررا عطيت ومجتهد را معونت وشاكررا زيادت ومطيع را مثوبت وعاصى را اقالت ونادم را رحمت ومحب را كرامت ومشتاق را لقاء ورؤيت]. قال ابن عباس رضى الله عنهما حديث : لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله عليه السلام عليا ومعاذا فبعثهما الى اليمن وقال "اذهبا فبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا فانه قد نزل علىّ" وقرأ الآية تفسير : ما فى فتح الرحمن. ودل الآية والحديث وكذا قوله تعالى {أية : وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين} تفسير : على انه لا بأس بالجلوس للوعظ اذا اراد به وجه الله تعالى وكان ابن مسعود رضى الله عنه يذكر عشية كل خميس وكان يدعو بدعوات ويتكلم بالخوف والرجاء وكان لا يجعل كله خوفا ولا كله رجاء ومن لم يذكر لعذر وقدر على الاستخلاف فله ذلك ومنه ارسال الخلفاء الى اطراف البلاد فان فيه نفع العباد كما لا يخفى على ذوى الرشاد
الجنابذي
تفسير : {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عطف على محذوفٍ تقديره فأنذر الكافرين وادع النّاس اجمعين وبشّر المؤمنين {بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً} واقتصر على ذكر المعطوف اشعاراً بانّ المقصود بالذّات هو تبشير المؤمنين.
اطفيش
تفسير : {وبشر المؤمنين بأَن لهم من الله فضلاً كبيراً} على سائر الأمم على جزاء أعمالهم واذا كانت الزيادة على ثواب اعمال المؤمنين فضلا كبيرا فما ظنك بنفس الثواب ويجوز ان يراد بالفضل الثواب وقد قيل: الفضل الجنة والظاهر ان المراد بالفضل الكبير جميع ما يعطيهم الله حتى يدخل فيه ما ذكره الضحاك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل اصحابي مثل الملح الذي لا يصلح الطعام الا به" "حديث : ومثل اصحابي مثل النجوم يهتدى بها فبأيهم أخذتم اهتديتم ". تفسير : وما ذكر الحسن عن ابي مسلم الخولاني: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم يهتدي بها الناس ما بدت واذا خفتت تحيروا. وفي الآية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين وتكريم لجميعهم والواو في (وبشر) للاستئناف او للعطف على محذوف اي راقب احوال امتك وبشر المؤمنين.
اطفيش
تفسير : {وبشِّر المُؤمنين} عطف على "أية : إنَّا أرسلناك" تفسير : [البقرة: 119] عطف إنشاء على إخبار، وقصة على قصة أخرى، أو على محذوف مجرد عن العاطف، أى راقب أحوال الناس، وبشر المؤمنين {بأن لْهُم من الله فضْلاً كَبيراً} الفضل ما يتفضل به خارجا عن المصدرية، كالنعمة بمعنى ما ينعم به، والمراد الجنة وما لهم فيها كقوله تعالى: "أية : والذين آمنُوا وعَملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير"تفسير : [الشورى: 22] أو هو باق على المعنى المصدرى، أى بأن لهم من الله زيادة على مؤمنى سائر الأمم فى الرتبة، أو زيادة على أجور أعمالهم بالتفضل والاحسان، روى الطبرى عن الحسن: لما نزل قوله تعالى: "أية : ليغفر لك الله"تفسير : [الفتح: 2] إلخ قال المسلمون فما لنا؟ فنزل: {وبشر} إلخ.
الالوسي
تفسير : {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } عطف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه قيل: فراقب أحوال الناس وبشر المؤمنين. وجوز عطفه على الخبر السابق عطف القصة على القصة، وقيل: هو معطوف عليه ويجعل في معنى الأمر لأنه في معنى ادعهم شاهداً ومبشراً ونذيراً الخ وبشر المؤمنين منهم {بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً } أي عطاء جزيلاً وهو كما روي عن الحسن وقتادة الجنة وما أوتوا فيها ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ لَهُمْ مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ } تفسير : [الشورى: 22] وقيل: المعنى فضلاً على سائر الأمم في الرتبة والشرف أو زيادة على أجور أعمالهم بطريق التفضيل والإحسان. أخرج ابن جرير وابن عكرمة عن الحسن قال: لما نزل {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } تفسير : [الفتح: 2] قالوا: يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً }.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : إنا أرسلناك}تفسير : [الأحزاب: 45] عطف الإنشاء على الخبر لا محالة وهي أوضح دليل على صحة عطف الإِنشاء على الخبر إذ لا يتأتّى فيها تأويل مما تأوله المانعون لعطف الإِنشاء على الخبر وهم الجمهور والزمخشري والتفتزاني مما سنذكره إن شاء الله عند قوله تعالى: {أية : تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله} تفسير : إلى قوله: {أية : وبشر المؤمنين} تفسير : في سورة الصف [11 - 13]، فالجملة المعطوف عليها إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أرسله متلبساً بتلك الصفات الخمس. وهذا أمر له بالعمل بصفة المبشر، فلاختلاف مضمون الجملتين عطفت هذه على الأولى. والفضل: العطاء الذي يزيده المعطي زيادة على العطية. فالفضل كناية عن العطية أيضاً لأنه لا يكون فضلاً إلا إذا كان زائداً على العطية. والمراد أن لهم ثواب أعمالهم الموعود بها وزيادة من عند ربهم، قال تعالى: {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}تفسير : [يونس: 26]. ووصف {كبيراً} مستعار للفائق في نوعه. قال ابن عطية: قال لي أبي رضي الله عنه: هذه أرجى آية عندي في كتاب الله لأن الله قد أمر نبيئه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلاً كبيراً. وقد بين الله تعالى الفضل الكبير ما هو في قوله: {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير}تفسير : [الشورى: 22] فالآية التي في هذه السورة خبرٌ، والآية التي في حم عسق تفسير لها ا هــــ.
الشنقيطي
تفسير : لم بيبن هنا المراد بالفضل الكبير في هذه الآية الكريمة، ولكنه بينه في سورة الشورى في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} تفسير : [الشورى: 22].
د. أسعد حومد
تفسير : (47) - وَبَشِّرِ المُؤْمِنينَ بِأَنَّ لَهُمْ فَضْلاً كَبِيراً مِنَ اللهِ عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ، وَسَيُلْقِي اللهُ عَلَى عَاتِقِهِمْ مَهَمَّةَ نَشْرِ الإِيمَانِ فِي الأَرضِ، وَإِخْراجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نقول في الدعاء: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل؛ لأن العدل أن تأخذ الجزاء المساوي للعمل، أو تأخذ حقك، أمَّا الفضل فأنْ تأخذ فوق حقك وزيادة، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ..} تفسير : [يونس: 58]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" تفسير : لأنني حين أحسب عملي مقابل ما أعطاني ربي من نِعَم قبل أنْ أُخلق، وإلى أن أبلغ وأُكلَّف، أجد أنني لو قضيتُ حياتي كلها في طاعة ربي ما وفَّيتُ بحقه عليَّ. ثم من ناحية أخرى تجد أن العبادة والطاعة نفعُها يعود إليك أنت، ولا ينتفع الله تعالى منها بشيء، فإذا كانت الطاعة والعبادة يعود نفعها إليك، إذن: فالثواب عليها يكون فضلاً من الله. ومثَّلْنا لذلك - ولله المثل الأعلى - بولدك تُشجِّعه على المذاكرة، وتُحضر له أدواته، وتنفق عليه طوال العام، فإذا ما نجح آخر العام أعطيْتَه هدية أو مكافأة، فهذه الهدية من باب الفضل. لذلك، إنْ أردتَ أنْ تصلح بين متخاصمين، أو تُؤلِّف بينهما فقُلْ لهم: أتحبون أنْ أحكم بينكم بالعدل أم بالفضل؟ سيقولون لك: ليس هناك أفضل من العدل، وعندها لك أن تقول: بل الفضل أحسن من العدل؛ لأن العدل أنْ تأخذ حقك من خصمك، والفضل أنْ تترك حقَّك لخصمك لتأخذه من يد ربك عز وجل. وهذا ما رأيناه مُطبَّقاً في قصة الإفك بين سيدنا أبي بكر حين عفا عن مسطح بعد أن نزل قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النور: 22]. فمن أراد أنْ يغفر الله له ذنوبه فليغفر لأخيه زلَّته وسَوْأتَهُ. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):