Verse. 3590 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ يُؤْذُوْنَ اللہَ وَرَسُوْلَہٗ لَعَنَہُمُ اللہُ فِي الدُّنْيَا وَالْاٰخِرَۃِ وَاَعَدَّ لَہُمْ عَذَابًا مُّہِيْنًا۝۵۷
Inna allatheena yuthoona Allaha warasoolahu laAAanahumu Allahu fee alddunya waalakhirati waaAAadda lahum AAathaban muheenan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين يؤذون الله ورسوله» وهم الكفار يصفون الله بما هو منزه عنه من الولد والشريك ويكذبون رسوله «لعنهم الله في الدنيا والآخرة» أبعدهم «وأعدَّ لهم عذاباً مهيناً» ذا إهانة وهو النار.

57

Tafseer

الرازي

تفسير : فصل الأشياء بتبيين بعض أضدادها، فبين حال مؤذي النبـي ليبين فضيلة المسلم عليه واللعن أشد المحذورات لأن البعد من الله لا يرجى معه خير بخلاف التعذيب بالنار وغيره. ألا ترى أن الملك إذا تغير على مملوك إن كان تأذيه غير قوي يزجره ولا يطرده ولو خير المجرم (بين) أن يضرب أو يطرد عندما يكون الملك في غاية العظمة والكرم يختار الضرب على الطرد، ولا سيما إذا لم يكن في الدنيا ملك غير سيده، وقوله: {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ } إشارة إلى بعد لا رجاء للقرب معه، لأن المبعد في الدنيا يرجو القربة في الآخرة، فإذا أبعد في الآخرة فقد خاب وخسر، لأن الله إذا أبعده وطرده فمن الذي يقربه يوم القيامة، ثم إنه تعالى لم يحصر جزاءه في الإبعاد بل أوعده بالعذاب بقوله: {وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر إيذاء الله وإيذاء الرسول وذكر عقيبه أمرين اللعن والتعذيب فاللعن جزاء الله، لأن من آذى الملك يبعده عن بابه إذا كان لا يأمر بعذابه، والتعذيب جزاء إيذاء الرسول لأن الملك إذا آذى بعض عبيده كبير يستوفي منه قصاصه، لا يقال فعلى هذا من يؤذي الله ولا يؤذي الرسول لا يعذب، لأنا نقول انفكاك أحدهما على هذا الوجه عن الآخر محال لأن من آذى الله فقد آذى الرسول، وأما على الوجه الآخر وهو أن من يؤذي النبـي عليه السلام ولا يؤذي الله كمن عصى من غير إشراك، كمن فسق أو فجر من غير ارتداد وكفر، فقد آذى النبـي عليه السلام غير أن الله تعالى صبور غفور رحيم فيجزيه بالعذاب ولا يلعنه بكونه يبعده عن الباب. المسألة الثانية: أكد العذاب بكونه مهيناً لأن من تأذى من عبده وأمر بحبسه وضربه فإن أمر بحبسه في موضع مميز، أو أمر بضربه رجلاً كبيراً يدل على أن الأمر هين، وإن أمر بضربه على ملأ وحبسه بين المفسدين ينبىء عن شدة الأمر، فمن آذى الله ورسوله من المخلدين في النار فيعذب عذاباً مهيناً، وقوله: {أَعَدَّ لَهُمْ } للتأكيد لأن السيد إذا عذب عبده حالة الغضب من غير إعداد يكون دون ما إذا أعد له قيداً وغلا، فإن الأول يمكن أن يقال هذا أثر الغضب فإذا سكت الغضب يزول ولا كذلك الثاني.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: اختلف العلماء في أذِيّة الله بماذا تكون؟ فقال الجمهور من العلماء: معناه بالكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه، ووصفه بما لا يليق به؛ كقول اليهود لعنهم الله: وقالت اليهود يد الله مغلولة. والنصارى: المسيح ابن الله. والمشركون: الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه. وفي صحيح البخاريّ قال الله تعالى: «حديث : كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك...»تفسير : الحديث. وقد تقدّم في سورة «مريم». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال الله تبارك وتعالى: «حديث : يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلّب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما»تفسير : . هكذا جاء هذا الحديث موقوفاً على أبي هريرة في هذه الرواية. وقد جاء مرفوعاً عنه: «حديث : يؤذيني ابن آدم يَسُبّ الدهر وأنا الدهر أقلّب الليل والنهار» تفسير : أخرجه أيضاً مسلم. وقال عكرمة: معناه بالتصوير والتعرّض لفعل ما لا يفعله إلا الله بنحت الصور وغيرها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعن الله المصوّرين»تفسير : . قلت: وهذا مما يقوّي قول مجاهد في المنع من تصوير الشجر وغيرها؛ إذ كل ذلك صفة اختراع و تشبّه بفعل الله الذي انفرد به سبحانه وتعالى. وقد تقدّم هذا في سورة «النمل» والحمد لله. وقالت فرقة: ذلك على حذف مضاف، تقديره: يؤذون أولياء الله. وأما أذِيّة رسوله صلى الله عليه وسلم فهي كل ما يؤذيه من الأقوال في غير معنًى واحد، ومن الأفعال أيضاً. أما قولهم: «فساحر. شاعر. كاهن مجنون. وأما فعلهم: فكسر رباعِيته وشج وجهه يوم أُحُد، وبمكة إلقاء السَّلَى على ظهره وهو ساجد» إلى غير ذلك. وقال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا عليه حين اتخذ صفية بنت حُيَيّ. وأطلق إيذاء الله ورسوله وقيّد إيذاء المؤمنين والمؤمنات، لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا بغير حق أبداً. وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات فمنه... ومنه... الثانية: قال علماؤنا: والطعن في تأمير أسامة بن زيد أذيّةٌ له عليه السلام. روى الصحيح عن ابن عمر قال: حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً وأمّر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمرته؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبلُ وايْمُ الله إن كان لخليقا للإمارة وإن كان لَمِن أحب الناس إليّ وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده»تفسير : . وهذا البعث ـ والله أعلم ـ هو الذي جهّزه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أسامة وأمّره عليهم وأمَره أن يَغْزُوَ «أُبْنَى» وهي القرية التي عند مُؤْتَة، الموضع الذي قُتل فيه زيد أبوه مع جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رَوَاحة. فأمره أن يأخذ بثأر أبيه فطعن مَن في قلبه ريب في إمْرته؛ من حيث إنه كان من الموالي، ومن حيث إنه كان صغير السنّ؛ لأنه كان إذ ذاك ابن ثمان عشرة سنة؛ فمات النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد برز هذا البعث عن المدينة ولم ينفصل بعدُ عنها؛ فنفذه أبو بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثالثة: في هذا الحديث أوضح دليل على جواز إمامة المولى والمفضول على غيرهما ما عدا الإمامة الكبرى. وقدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم سالماً مولى أبي حُذيفة على الصلاة بقُبَاء، فكان يؤمّهم وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهم من كبراء قريش. وروى الصحيح عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعُسْفان، وكان عمر يستعمله على مكة فقال: من استعملت على هذا الوادي؟ قال: ابن أبزى. قال: ومَن ابن أبْزَى؟ قال: مَوْلى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مَوْلًى! قال: إنه لقارىء لكتاب الله وإنه لعالم بالفرائض ـ قال ـ أما إن نبيكم قد قال: «حديث : إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين".تفسير : الرابعة: كان أسامة رضي الله عنه الحبَّ ابن الحِبِّ وبذلك كان يُدْعَى، وكان أسودَ شديدَ السواد، وكان زيد أبوه أبيض من القطن. هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح. وقال غير أحمد: كان زيد أزهر اللون وكان أسامة شديدَ الأُدْمَة. ويروى حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم: كان يُحسّن أسامة هو صغير ويمسح مخاطه، وينقّي أنفه ويقول: «لو كان أسامة جارية لزيّناه وجهزناه وحبَّبناه إلى الأزواج»تفسير : . وقد ذكر أن سبب ارتداد العرب بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه لما كان عليه السلام في حجّة الوداع بجبل عرفة عشيّة عرفة عند النَّفْر، احتبس النبيّ صلى الله عليه وسلم قليلاً بسبب أسامة إلى أن أتاه؛ فقالوا: ما احتبس إلا لأجل هذا! تحقيراً له. فكان قولهم هذا سبب ارتدادهم. ذكره البخاريّ في التاريخ بمعناه. والله أعلم. الخامسة: كان عمر رضي الله عنه يفرض لأسامة في العطاء خمسة آلاف، ولابنه عبد الله ألفين؛ فقال له عبد الله: فضّلت عليّ أسامة وقد شهدتُ ما لم يشهد! فقال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وأباه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك؛ ففضل رضي الله عنه محبوبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على محبوبه. وهكذا يجب أن يُحَبّ ما أحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُبْغَض مَن أبغض. وقد قابل مَرْوان هذا الحبّ بنقيضه؛ وذلك أنه مرّ بأسامة بن زيد وهو يصلي عند باب بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له مَرْوان: إنما أردت أن نرى مكانك، فقد رأينا مكانك، فعل الله بك! وقال قولاً قبيحاً. فقال له أسامة: إنك آذيتني، وإنك فاحش متفحش، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى يبغض الفاحش المتفحش»تفسير : ، فانظر ما بين الفعلين وقس ما بين الرجلين، فقد آذى بنو أمية النبيّ صلى الله عليه وسلم في أحبابه، وناقضوه في محابّه. قوله تعالى: {لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} معناه أُبعِدوا من كل خيْر. واللعن في اللغة: الإبعاد، ومنه اللعان. {وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً} تقدّم معناه في غير موضع. والحمد لله رب العالمين.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى متهدداً ومتوعداً من آذاه بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإِصراره على ذلك وإِيذاء رسوله بعيب أو بنقص ــــ عياذاً بالله من ذلك ــــ قال عكرمة في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} نزلت في المصورين. وفي "الصحيحين" من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب ليله ونهاره» تفسير : ومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون يا خيبة الدهر فعل بنا كذا وكذا، فيسندون أفعال الله سبحانه وتعالى إلى الدهر، ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله عز وجل، فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من العلماء رحمهم الله. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم في تزويجه صفية بنت حيي بن أخطب. والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه، فقد آذى الله؛ كما أن من أطاعه، فقد أطاع الله؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد عن عبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم، فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم، فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم، فقد آذاني، ومن آذاني، فقد آذى الله، ومن آذى الله، يوشك أن يأخذه» تفسير : وقد رواه الترمذي من حديث عبيدة بن أبي رائطة عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن المغفل به، ثم قال: وهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ} أي: ينسبون إليهم ما هم برآء منه، لم يعملوه ولم يفعلوه {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً} وهذا هو البهت الكبير أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله عز وجل قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم، ويذكرون عنهم ما لم يكن، ولا فعلوه أبداً، فهم في الحقيقة منكسو القلوب، يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين. وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز، يعني: ابن محمد، عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: أنه قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: «حديث : ذكرك أخاك بما يكره» تفسير : قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «حديث : إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهته» تفسير : وهكذا رواه الترمذي عن قتيبة عن الدراوردي به، ثم قال: حسن صحيح، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام عن عمار بن أنس عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «حديث : أي الربا أربى عند الله؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : أربى الربا عند الله استحلال عرض امرىء مسلم» تفسير : ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } وهم الكفار يصفون الله بما هو منزّه عنه من الولد والشريك ويكذبون رسوله {لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } أبعدهم {وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً } ذا إهانة وهو النار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أصحاب التصاوير؛ قاله عكرمة. الثاني: أنهم الذين طعنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اتخذ صفية بنت حيي بن أخطب، قاله ابن عباس. الثالث: أنهم قوم من المنافقين كانوا يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبهتونه قاله يحيى بن سلام. وفي قوله: {يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ} ثلاثة أوجه: أحدها: معناه يؤذون أولياء الله. الثاني: أنه جعل أذى رسوله صلى الله عليه وسلم أذى له تشريفاً لمنزلته. الثالث: هو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا كَانَ يَنبَغِي لَهُ أَن يَشْتُمَنِي، وَكَذَّبَنِي وَمَا كَانَ لَهُ أَن يُكَذِّبَنِي فَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاي فَقَولُهُ إِنَّ لِيَ وَلَداً وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَولُهُ إنِّي لاَ أَبْعَثُ بَعدَ المَوتِ أَحداً. وَلَعنُة الدُّنْيَا التَّقْتِيلُ وَالجَلاَءُ، وَلَعْنَةُ الآخرَةِ النَّارُ ". تفسير : قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} الآية. فيمن نزلت فيه هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في الزناة وكانوا يمشون فيرون المرأة فيغمزونها؛ قاله الكلبي. الثاني: نزلت في قوم كانوا يؤذون علياً رضي الله عنه، ويكذبون عليه، قاله مقاتل والنقاش. الثالث: أنها نزلت فيمن تكلم في عائشة وصفوان بن المعطل بالإفك، قاله الضحاك. وروى قتادة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأها ذات ليلة فأفزعه ذلك حتى انطلق إلى أبيّ فقال يا أبا المنذر إني قرأت كتاب الله فوقعت مني كل موقع. {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ} والله إني لأعاقبهم وأضربهم، فقال: إنك لست منهم، إنما أنت مؤدب، إنما أنت معلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أصحاب التصاوير، أو الذين طعنوا على الرسول صلى الله عليه وسلم لما اتخذ صفية بنت حيي أو قوم من المنافقين كانوا يكذبون على الرسول صلى الله عليه وسلم ويبهتونه {يُؤذُونَ اللَّهَ} أي أولياءه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، جَعْله أذاه أذى له تشريفاً لمنزلته، أو ما روى "حديث : من قوله سبحانه وتعالى "شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني أما شتمه إياي فقوله إن لي صاحبة وولداً وأما تكذيبه إياي بقوله لن يعيدني كما بدأني" "تفسير : . لعنوا في الدنيا بالقتل والجلاء وفي الآخرة بالنار.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً} قال ابن عباس هم اليهود والنصارى والمشركون فأما اليهود فقالوا: عزير ابن الله ويد الله مغلولة وقالوا إن الله فقير ونحن أغنياء وأما النصارى فقالوا المسيح ابن الله وثالث ثلاثة وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه (خ) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله عز وجل كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وأما شتمه إياي، فقوله اتخذ ولداً وأنا الأحد الصمد لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد"تفسير : (ق) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : قال الله عز وجل يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي أقلب الليل والنهار"تفسير : معنى هذا الحديث: أنه كان من عادة العرب في الجاهلية أن يذموا الدهر ويسبوه عند النوازل، لاعتقادهم أن الذي يصيبهم من أفعال الدهر فقال الله تعالى أنا الدهر أي أنا الذي أحل بهم النوازل، وأنا فاعل لذلك الذي تنسبونه إلى الدهر في زعمكم، وقيل معنى يؤذون الله يلحدون في أسمائه وصفاته وقيل: هم أصحاب التصاوير (ق) عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم. يقول "حديث : قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة وليخلقوا حبة أو شعيرة"تفسير : وقيل: يؤذون الله أي يؤذون أولياء الله، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : قال الله تعالى من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"تفسير : وقال تعالى: "حديث : من أهان ولياً فقد بارزني بالمحاربة"تفسير : ومعنى الأذى هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب المعاصي، ذكر ذلك على ما يتعارفه الناس بينهم لأن الله تعالى منزه عن أن يلحقه أذى من أحد، وأما إيذاء الرسول فقال ابن عباس هو أنه شج وجهه وكسرت رباعيته وقيل ساحر شاعر معلم مجنون {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} أي من غير أن عملوا ما أوجب أذاهم وقيل يقعون فيهم ويرمونهم بغير جرم {فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} قيل إنها نزلت في علي بن أبي طالب كانوا يؤذونه، ويشتمونه وقيل نزلت في شأن عائشة وقيل نزلت في الزناة الذين يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء، إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيتبعون المرأة فإن سكتت تبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحداً تخرج الحرة والأمة في درع وخمار فشكوا ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات} الآية، ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء، فقال تعالى، {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين}. أي يرخين ويغطين {عليهن من جلابيبهن} جمع جلباب وهو الملاءة التي تشمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقيل هو الملحفة وكل ما يستتر به من كساء، وغيره. قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر وهو قوله تعالى {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} أي لا يتعرض لهن {وكان الله غفوراً رحيماً} أي لما سلف منهن قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية متنقبة فعلاها بالدرة، وقال يالكاع اتتشبهين بالحرائر ألق القناع. لكاع كلمة تقال لمن يستحقر به مثل العبد والأمة والخامل والقليل العقل مثل قولك يا خسيس. قوله تعالى {لئن لم ينته المنافقون} أي عن نفاقهم {والذين في قلوبهم مرض} أي فجور وهم الزناة {والمرجفون في المدينة} أي بالكذب وذلك أن ناساً منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله صلى لله عليه وسلم يوقعون في الناس أنهم قد قتلوا وهزموا ويقولون: قد أتاكم العدو ونحو هذا من الأراجيف، وقيل: كانوا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وتفشوا الأخبار {لنغرينك بهم} يعني لنحرشنك بهم ولنسلطنك عليهم {ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً} أي لا يساكنونك في المدينة إلا قليلاً أي حتى يخرجوا منها وقيل لنسلطنك عليهم حتى تقتلهم وتخلي منهم المدينة {ملعونين} أي مطرودين {أينما ثقفوا} أي وجدوا وأدركوا {أخذوا وقتلوا تقتيلاً} أي الحكم فيهم هذا على الأمر به {سنة الله} أي كسنة الله {في الذين خلوا من قبل} أي في المنافقين والذين فعلوا مثل ما فعل هؤلاء أن يقتلوا حيثما ثقفوا {ولن تجد لسنة الله تبديلاً} قوله عز وجل {يسألك الناس عن الساعة} قيل إن المشركين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن وقت قيام الساعة استعجالاً على سبيل الهزء وكان اليهود يسألونه عن الساعة امتحاناً، لأن الله تعالى عمى عليهم علم وقتها في التوراة فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بقوله {قل إنما علمها عند الله} يعني إن الله تعالى قد استأثر به ولم يطلع عليه نبياً ولا ملكاً {وما يدريك} أي أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها {لعل الساعة تكون قريباً} أي إنها قريبة الوقوع وفيه تهديد للمستعجلين، وإسكات للممتحنين {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً يوم تقلب وجوههم في النار} أي تتقلب ظهر البطن حين يسحبون عليها {يقولون يا ليتنا أطعنا الرسولا} أي في الدنيا {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} يعني رؤوس الكفر الذين لقنوهم الكفر، وزينوه لهم {فأضلونا السبيلا} يعني سبيل الهدى.

البقاعي

تفسير : ولما نهى سبحانه عن أذاه صلى الله عليه وسلم، وحض على إدخال السرور عليه، توعد على أذاه، فقال على طريق الاستئناف أو التعليل، إشارة إلى أن التهاون بشيء من الصلاة والسلام من الأذى، وأكد ذلك إظهاراً لأنه مما يحق له أن يؤكد، وأن يكون لكل من يتكلم به غاية الرغبة في تقريره: {إن الذين يؤذون} أي يفعلون فعل المؤذي بارتكاب ما يدل على التهاون من كل ما يخالف {الله} أي الذي لا أعظم منه ولا نعمة عندهم إلا من فضله {ورسوله} أي الذي استحق عليهم بما يخبرهم به عن الله مما ينقذهم به من شقاوة الدارين ويوجب لهم سعادتهما ما لا يقدرون على القيام بشكره بأي أذى كان حتى في التقصير بالصلاة عليه باللسان {لعنهم} أي أبعدهم وطردهم وأبغضهم {الله} أي الذي لا عظيم غيره {في الدنيا} بالحمل على ما يوجب السخط {والآخرة} بإدخال دار الإهانة. ولما كان الحامل على الأذى الاستهانة قال: {وأعد لهم عذاباً مهيناً *}. ولما كان من أعظم أذاه صلى الله عليه وسلم أذى من تابعه، وكان الأتباع لكونهم غير معصومين يتصور أن يؤذوا بالحق، قال مقيداً للكلام بما يفهم: {والذين يؤذون المؤمنين} أي الراسخين في صفة الإيمان {والمؤمنات} كذلك. ولما كان الأذى بالكذب أشد في الفساد وأعظم في الأذى قال: {بغير ما اكتسبوا} أي بغير شيء واقعوه متعمدين له حتى أباح أذاهم {فقد احتملوا} أي كلفهم أنفسهم أن حملوا {بهتاناً} أي كذباً وفجوراً زائداً على الحد موجباً للخزي في الدنيا، ولما كان من الناس من لا يؤثر فيه العار، وكان الأذى قد يكون بغير القول، قال: {وإثماً مبيناً} أي ذنباً ظاهراً جداً موجباً للعذاب في الأخرى. ولما نهى سبحانه عن أذى المؤمنات، وكانت الحرائر بعيدات عن طمع المفسدين لما لهن في أنفسهن من الصيانة وللرجال بهن من العناية، وكان جماعة من أهل الريبة يتبعون الإماء إذا خرجن يتعرضون لهن للفساد، وكان الحرائر يخرجن لحاجتهن ليلاً، فكان ربما تبع المرأة منهن أحد من أهل الريب يظنها أمه أو يعرف أنه حرة ويعتل بأنه ظنها أمه فيتعرض لها، وربما رجع فقال لأصحابه: فعلت بها - وهو كاذب، وفي القوم من يعرف أنها فلانة، فيحصل بذلك من الأذى ما يقصر عنه الوصف، ولم يكن إذ ذاك كما نقل عن مقاتل فرق بين الحرة والأمة كن يخرجن في درع وخمار, وكان اتسام الحرائر بأمارة يعرفن بها ليهبن ويتحشمن يخفف هذا الشر، قال تعالى: {يا أيها النبي} فذكره بالوصف الذي هو منبع المعرفة والحكمة، لأن السياق لحكمة يذب بها عن الحريم لئلا يشتغل فكره صلى الله عليه وسلم بما يحصل لهن من الأذى عن تلقي شيء من الواردات الربانية {قل لأزواجك} بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح {وبناتك} ثنى بهن لما لهن من الوصلة ولهن في أنفسهن من الشرف، وأخرهن عن الأزواج لأن أزواجه يكفونه أمرهن {ونساء المؤمنين يدنين} أي يقربن {عليهن} أي على وجوهن وجميع أبدانهن, فلا يدعن شيئاً منها مكشوفاً {من جلابيبهن} ولا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظناً أن ذلك أخفى لهن وأستر، والجلباب القميص، وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة، والملحفة ما ستر اللباس، أو الخمار وهو كل ما غطى الرأس، وقال البغوي: الجلباب: الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال حمزة الكرماني: قال الخليل: كل ما تستتر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب، والكل يصح إرادته هنا، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي يديها ورجليها، وإن كان ما يغطي الرأس فادناؤه ستر وجهها وعنقها، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فادناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها وثيابها، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين. ولما أمر بذلك علله بقوله: {ذلك} أي الستر {أدنى} أي أقرب من تركه في {أن يعرفن} أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء {فلا} أي فيتسبب عن معرفتهن أن لا {يؤذين} ممن يتعرض للإماء. فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد عليك من الأنباء الإلهية. ولما رقاهم سبحانه بهذا الأمر في حضرات الرضوان، خافوا عاقبة ما كانوا فيه من الغلط بالتشبه بالإماء، فأخبرهم سبحانه أنه في محل الجود والإحسان، فقال: {وكان الله} أي الذي له الكمال المطلق، أزلاً وأبداً {غفوراً} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً {رحيماً *} مكرماً لمن يقبل عليه ويمتثل أوامره ويحتنب مناهيه، قال البغوي: قال أنس رضي الله عنه: مرت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه جارية متقنعة فعلاها بالدرة وقال: يا لكاع! أتتشبهين بالحرائر؟ ألقي القناع. ولما كان المؤذون بما مضى وغيره أهل النفاق ومن داناهم، حذرهم بقوله مؤكداً دفعاً لظنهم الحلم عنهم: {لئن لم ينته} أي عن الأذى {المنافقون} أي الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام {والذين في قلوبهم مرض} أي مقرب من النفاق حامل على المعاصي {والمرجفون في المدينة} وهم الذين يشيعون الأخبار المخيفة لأهل الإسلام التي تضطرب لها القلوب سواء كانوا من القسمين الأولين أم لا {لنغرينك بهم} بأن نحملك على أن تولع بهم بأن نأمرك بإهانتهم ونزيل الموانع من ذلك، ونثبت الأسباب الموصلة إليه حتى تصير لاصقاً بجميع أموالهم لصوق الشيء الذي يلحم بالغراء فلا يقدروا على الانفكاك عن شيء مما تفعله بهم إلا بالبعد من المدينة بالموت أو الرحيل إلى غيرها، وهذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما كما رواه عنه البخاري: لنسلطنك. ولما كان نزوحهم عن المدينة مستبعداً عنهم جداً، وكان أعظم رتبة في أذاهم من غيره، لأن الإخراج من الأوطان من أعظم الهوان، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم لا يجاورونك فيها} أي بعد محاولتك لهم {إلا قليلاً *} أي من الزمان بقدر ما يمكن لك المضارب فتعظم عليهم المصائب. ولما كان معنى الكلام أنهم ينفون لأنه صلى الله عليه وسلم يؤمر بنفيهم وإبعادهم وقتلهم، بين حالهم في نفيهم أو نصبه على الشتم فقال: {ملعونين} أي ينفون نفي بُعد من الرحمة وطرد عن أبواب القبول. ولما كان المطرود قد يترك وبعده، بين أنهم على غير ذلك فقال مستأنفاً: {أينما ثقفوا} أي وجدوا وواجدهم أحذق منهم وأفطن وأكيس وأصنع {أخذوا} أي أخذهم ذلك الواجد لهم {وقتلوا} أي أكثر قتلهم وبولغ فيه؛ ثم أكده بالمصدر بغضاً فيهم وإرهاباً لهم فقال: {تقتيلاً *} ولما سن لهم هذا العذاب الهائل في الدنيا، بين أن تلك عادته في أوليائه وأعدائه، فقال مؤكداً بالإقامة في موضع المصدر، لما لهم من استبعاد ذلك لكونهم لم يعهدوا مثله مع ما لهم من الاشتباك بالأهل والعشائر فقال: {سنة الله} أي طرّق لك المحيط بجميع العظمة هذه الطريقة كطريقته {في الذين خلوا} أي مضت أيامهم وأخبارهم، وانقضت وقائعهم وأعمارهم، من الذين كانوا ينافقون على الأنبياء كقارون وأشياعه، وبين قتلهم بكونهم في بعض الأزمنة فقال: {من قبل} وأعظم التأكيد لما لهم من الاستبعاد الذي جرأهم على النفاق فقال: {ولن تجد} أي أزلاً وأبداً {لسنة الله} أي طريقة الملك الأعظم {تبديلاً *} كما تبدل سنن الملوك، لأنه لا يبدلها، ولا مداني له في العظمة ليقدر على تبديلها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {إن الذين يؤذون الله ورسوله‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ صفية بنت حيي رضي الله عنها‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ أنزلت في عبدالله بن أُبي، وناس معه قذفوا عائشة رضي الله عنها، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال ‏"‏حديث : من يعذرني في رجل يؤذيني، ويجمع في بيته من يؤذيني‏"‏ تفسير : فنزلت‏. وأخرج الحاكم عن ابن أبي مليكة قال‏:‏ جاء رجل من أهل الشام، فسب علياً رضي الله عنه عند ابن عباس رضي الله عنهما، فحصبه ابن عباس رضي الله عنهما وقال‏:‏ يا عدوّ الله آذيت رسول الله ‏ {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة‏} لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً لآذتيه‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏{إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة‏} ‏ قال‏:‏ آذوا الله فيما يدعون معه، وآذوا رسول الله قالوا‏:‏ إنه ساحر مجنون‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {‏إن الذين يؤذون الله ورسوله‏} قال‏:‏ أصحاب التصاوير‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول فيما يروي عن ربه عز وجل‏ "‏شتمني ابن آدم ولم ينبغ له أن يشتمني، وكذبني ولم ينبغ له أن يكذبني، فأما شتمه إياي فقوله ‏{أية : ‏اتخذ الله ولدا‏ً}تفسير : ‏ ‏[‏البقرة: 116‏]‏ وأنا الأحد الصمد، وأما تكذيبه إياي فقوله‏:‏ لن يعيدني كما بدأني‏.‏ قال قتادة‏:‏ إن كعباً رضي الله عنه كان يقول‏:‏ يخرج يوم القيامة عنق من النار فيقول‏:‏ يا أيها الناس إني وكلت منكم بثلاث، بكل عزيز كريم، وبكل جبار عنيد، وبمن دعا مع الله إلهاً آخر، فيلتقطهم كما يلتقط الطير الحب من الأرض، فتنطوي عليهم فتدخل النار، فتخرج عنق أخرى فتقول‏:‏ يا أيها الناس أني وكلت منكم بثلاثة:‏ بمن كذب الله، وكذب على الله، وآذى الله، فأما من كذب الله، فمن زعم أن الله لا يبعثه بعد الموت، وأما من كذب على الله، فمن زعم أن الله يتخذ ولداً، وأما من آذى الله‏:‏ فالذين يصورون ولا يحيون‏.‏ فتلقطهم كما تلقط الطير الحب من الأرض، فتنطوي عليهم، فتدخل النار‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أُريد بالإيذاء إمَّا فعلُ ما يكرهانِه من الكُفرِ والمعَاصي مجازاً لاستحالةِ حقيقةِ التَّأذِي في حقِّه تعالى، وقيلَ: في إيذائِه تعالى هو قولُه اليَّهودِ والنَّصارَى والمُشركين يدُ الله مغلولةٌ وثالثُ ثَلاثَة والمسيحُ ابنُ الله والملائكةُ بناتُ الله والأصنامُ شُركاؤه، تعالَى الله عن ذلكَ عُلواً كبـيراً. وقيلَ قولُ الذينَ يُلحدون في آياتِه وفي إيذاءِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو قولُهم شاعرٌ ساحرٌ كاهنٌ مجنونٌ وقيل هو كسرُ رَباعيتِه وشجُّ وجههِ الكريمِ يومَ أُحد وقيلَ: طعنُهم في نكاحِ صفيَّةَ، والحقُّ هو العمومُ فيهما وأمَّا إيذاؤُه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّة بطريقِ الحقيقةِ وذكرُ الله عزَّ وجلَّ لتعظيمِه والإيذانِ بجلالةِ مقدارهِ عندَه تعالى وأنَّ إيذاءه عليه الصَّلاة والسَّلامُ إيذاءٌ له سبحانَه {لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ} طردَهم وأبعدَهُم من رحمتِه {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} بحيثُ لا يكادُون ينالُون فيهما شَيئاً منها {وَأَعَدَّ لَهُمْ} معَ ذلكَ {عَذَاباً مُّهِيناً} يصيبهم في الآخرةِ خاصَّة. {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} يفعلونَ بهم ما يتأذون به من قولٍ أو فعلٍ. وتقيـيدُه بقولِه تعالى: {بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ} أي بغيرِ جنايةٍ يستحقُّون بها الأذيةَ بعد إطلاقِه فيما قبلَه للإيذانِ بأنَّ أذى الله ورسولِه لا يكونُ إلا غيرَ حقَ وأما أَذَى هؤلاءِ فَمنُه ومنه {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً} أي ظَاهراً بـيّناً قيل: إنَّها نزلتْ في مُنافقينَ كانُوا يؤُذون علياً رضيَ الله عنْهُ ويُسمعونَهُ ما لا خيرَ فيه، وقيلَ: في أهلِ الإفكِ، وقال الضحَّاكُ والكلبـيُّ: في زُناةٍ يتَّبعونَ النِّساءَ إذَا برزنَ بالليَّلِ لقضاءِ حوائجهنَّ. وكانُوا لا يتعرَّضُون إلاَّ للإماءِ ولكنْ رُبَّما كانَ يقعُ منهم التَّعرُّضُ للحرائرِ أيضاً جَهْلاً أو تجاهُلاً لاتحادِ الكلِّ في الزيِّ واللِّباسِ. والظاهرُ عمومُه لكلِّ ما ذُكر ولمَا سيأتِي من أراجيفِ المُرجفينَ.

القشيري

تفسير : يؤْذون اللَّهَ ورسولَه بعمل المعاصي التي يستحقون بها العقوبة، ويؤذون أولياءَه. ولمَّا قال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80] فكذلك مَنْ آذى رسولَه وأنبياءَه عليهم السلام والمؤمنين فقد آذاه، ومعناه تخصيص حالتهم وإثبات رتبتهم. ثم ذكر قوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ..}، وذكر عقوبتهم، فجعل إيذاءَ الرسولِ مقروناً بما ذكر من إيذاء الله، ثم ذكر إيذاء المؤمنين، ويدلُّ ذلك على أن رتبة المؤمنين دون رتبة الرسول صلى الله عليه وسلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين يؤذون الله} يقال اذى يؤذى اذى واذية واذاية ولا يقال ايذاء كما فى القاموس ولكن شاع بين اهل التصنيف استعماله كما فى التنبيه لابن كمال. ثم ان حقيقة التأذى وهو بالفارسية [آزرده شدن] فى حقه تعالى محال فالمعنى يفعلون ما يكرهه ويرتكبون ما لا يرضاه بترك الايمان به ومخالفة امره ومتابعة هواهم ونسبة الولد والشريك اليه والاحاد فى اسمائه وصفاته ونفى قدرته على الاعادة وسب الدهر ونحت التصاوير تشبيها بخلق الله تعالى ونحو ذلك {ورسوله} بقولهم شاعر ساحر كاهن مجنون وطعنهم فى نكاح صفية الهارونية وهو الاذى القولى وكسر رباعيته وشج وجهه الكريم يوم احد ورمى التراب عليه ووضع القاذورات على مهر النبوة. عبد الله بن مسعود [كفت ديدم رسول خدايرا عليه السلام در مسجد حرام درنماز بود سر بر سجود نهاده كه آن كافر بيامد وشكنبه شتر ميان دو كتف وى فرو كذاشت رسول همجنان در سجود بخدمت الهل ايستاده وسراززمين برنداشت تاآنكه كه فاطمه زهرا رضى الله عنها بيامد وآن از كتف مبارك وى بينداخت وروى نهاد درجمع قريش وآنجه سزاى ايشان بود كفت] ونحو ذلك من الاذى الفعلى ويجوز ان يكون المراد بايذاء الله ورسوله ايذاء رسول الله خاصة بطريق الحقيقة وذكر الله لتعظيمه والايذان بجلالة مقداره عنده وان ايذاءه عليه السلام ايذاء له تعالى لانه لما قال {أية : من يطع الرسول فقد اطاع الله} تفسير : فمن آذى رسوله فقد آذى الله. قال الامام السهيلى رحمه الله ليس لنا ان نقول ان ابوى النبى صلى الله عليه وسلم فى النار لقوله عليه السلام "حديث : لا تؤذوا الاحياء بسب الاموات" تفسير : والله تعالى يقول {ان الذين يؤذون الله ورسوله} الآية يعنى يدخل التعامل المذكور فى اللعنة الآتية ولا يجوز القول فى الانبياء عليهم السلام بشئ يؤدة الى العيب والنقصان ولا فيما يتعلق بهم. وعن ابى سهلة بن جلاد رضى الله عنه حديث : ان رجلا ام قوما فبصق فى القبلة ورسول الله ينظر اليه فقال عليه السلام حين فرغ "لا يصل بكم هذا" فاراد بعد ذلك ان يصلى بم فمنعوه واخبروه بقول رسول الله فذكر ذلك لرسول الله فقال (نعم) وحسبت انه قال انك آذيت الله ورسوله تفسير : كما فى الترغيب للامام المنذرى. قال العلماء اذا كان الامام يرتكب المكروهات فى الصلاة كره الاقتداء به لحديث ابى سهلة هذا وينبغى للناظر وولى الامر عزله لانه عليه السلام عزله بسبب بصاقه فى قبلة المسجد وكذلك تكره الصلاة بالموسوس لانه يشك فى افعال نفسه كما فى فتح القريب. وانما يكره للامام ان يؤم قوما وهم له كارهون بسبب خصلة توجب الكراهة او لان فيهم من هو اولى منه واما ان كانت كراهتهم بغير سبب يقتضيها فلا تكره امامته لانها كراهة غير مشروعة فلا تعتبر. ومن الاذية ان لا يذكر اسمه الشريف بالتعظيم والصلاة والتسليم: وفى المثنوى شعر : آن دهان كثر كر واز تسخر بخواند مر محمد را دهانش كثر بماند باز آمد كاى محمد عفو كن اى ترا الطاف علم من لدن من تر افسوس مى كردم ز جهل من بدم افسوس را منسوب واهل جون خدا خواهدكه برده كس درد ميلش اندر طعنه باكان برد ورخدا خواهد كه بوشد عيب كس كم زند در عيب معيوبان نفس تفسير : {لعنهم الله} طردهم وابعدهم من رحمته {فى الدنيا والآخرة} بحيث لا يكادون ينالون فيهما شيئا منها {واعدلهم} مع ذلك {عذابا مهينا} يصيبهم فى الآخرة خاصة اى نوعا من العذاب يهانون فيه فيذهب بعزهم وكبرهم. قال فى التأويلات لما استحق المؤمنون بطاعة الرسول والصلاة عليه صلاة الله فكذلك الكافرون استحقوا بمخالفة الرسول وايذائه لعنة الله فلعنة الدنيا هى الطرد عن الحضرة والحرمان من الايمان ولعنة الآخرة الخلود فى النيران والحرمان من الجنان وهذا حقيقة قوله {واعد لهم عذابا مهينا}. قال فى فتح الرحمن يحرم اذى النبى عليه السلام بالقول والفعل بالاتفاق. واختلفوا فى حكم من سبه والعياذ بالله من المسلمين. فقال ابو حنيفة والشافعى هو كفر كالردة يقتل ما لم يتب وقال مالك واحمد يقتل ولا تقبل توبته لان قتله من جهة الحد لا من جهة الكفر. واما الكافر اذا سبه صريحا بغير ما كفر به من تكذيبه ونحوه. فقال ابو حنيفة لا يقتل لان ما هو عليه من الشرك اعظم ولكن يؤدب ويعزر. وقال الشافعى ينتقض عهده فيخير فيه الامام بين القتل والاسترقاق والمنّ والفداء ولا يرد مأمنه لانه كافر لا امان له ولو لم يشترط عليه الكف عن ذلك بخلاف ما اذا ذكره بسوء يعقتده ويتدين به كتكذيب ونحوه فانه لا ينتقض عهده بذلك الا باشتراط. وقال مالك واحمد يقتل ما لم يسلم واختار جماعة من ائمة مذهب احمد ان سابه عليه السلام يقتل بكل حال منهم الشيخ تقى الدين بن تميية وقال هو الصحيح من المذهب وحكم من سب سائر انبياء الله وملائكته حكم من سبب نبينا عليه السلام. واما من سب الله تعالى والعياذ بالله من المسلمين بغير الارتداد عن الاسلام ومن الكفار بغير ما كفروا به من معتقدهم فى عزير والمسيح ونحو ذلك فحكمه حكم من سب النبى صلى الله عليه وسلم نسأل الله العصمة والهداية ونعوذ به من السهو والزلل والغواية انه الحافظ الرقيب

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِن الذين يُؤذون اللهَ ورسولَه} بارتكابهم ما يكرهانه من الكفر والمعاصي والبدع. وقال ابن عباس: هم اليهود والنصارى والمشركون. فقالت اليهود: {أية : يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ}تفسير : [المائدة: 64]، {أية : إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ}تفسير : [آل عمران: 181] وقالت النصارى: {أية : الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ}تفسير : [التوبة: 30]، {أية : إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}تفسير : [المائدة: 73]. وقال المشركون: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. وقيل: يؤذونه: يُلحدون في أسمائه وصفاته. ويؤذون رسول الله، حين شُج وجهه، وكُسرت رباعيتُه، وقيل له: هو ساحر وشاعر ومجنون. أو: بترك سُنَّته ومخالفة شريعته. ويحتمل أن يكون المراد يؤذون رسولَ الله فقط بالتنقيص، أو بالتعرُّض لنسائه. وذكرُ اسم الله للتشريف. {لعنَهُم اللهُ في الدنيا والآخرة} أي: أبعدهم من رحمته في الدارين {وأعدَّ لهم عذاباً مهيناً} يُهينهم ويُخزيهم في النار. {والذين يُؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} بغير جناية يستحقون بها الإيذاء، {فقد احتملوا بُهتاناً} كذباً {وإِثماً مبيناً} ظاهراً، وإنما أطلق في إيذاء الله ورسوله، وقيّد إيذاء المؤمنين والمؤمنات؛ لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا بغير حق، وأما إيذاء المؤمنين فمنه ما يكون بحق، كالحدّ والتعزير، ومنه باطل. وقيل: نزلت في ناس من المنافقين، كانوا يؤذون عليًّا رضي الله عنه، ويُسْمِعُونه، وقيل: في زُناة المدينة، كانوا يمشون في طرق المدينة، ويتبعون النساء إذا تبرزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيغمزون المرأة، فإن سكتتْ اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا. وعن الفضيل: لا يحلّ أن تؤذي كلباً أو خنزيراً بغير حق، فكيف بالمؤمنين؟ هـ. الإشارة: إذاية الله ورسوله هي إذاية أوليائه، ونقله الثعلبي عن أهل المعاني، فقال: فأراد الله تعالى المبالغة في النهي عن أذى أوليائه، فجعل أذاهم أذاه. هـ. ويؤيده الحديث القدسي: "حديث : مَن آذى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة" تفسير : ،أو كما سبحانه. وإذاية المؤمنين كثيرة، تكون باللسان وبغيره، وقد قالوا: البَر لا يؤذي الذر. ومن أركان التصوف: كف الأذى، وحمل الجفا، وشهود الصفا، ورمي الدنيا بالقفا. وبالله التوفيق. ثم أمر بتمييز الحرائر من الإماء في اللباس فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ...}

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} الجملة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ وتعليلٌ لقوله: ما كان لكم ان تؤذوا رسول الله، وانّما قال يؤذون الله مع انّ المقصود ايذاء الرّسول (ص) اشارة الى انّ ايذاء رسول الله (ص) ايذاء لله تعالى {وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً} تعريض بمن آذى عليّاً (ع) وفاطمة (ع) فانّه صلّى الله قال: فاطمة بضعة منّى فمن آذاها فقد آذانى، وقال: من آذاها فى حيٰوتى كمن آذاها بعد موتى، ومن آذاها بعد موتى كمن آذاها فى حيٰوتى، ومن آذاها فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، وهو قول الله عزّ وجلّ: انّ الّذين يؤذون الله ورسوله، وعن علىّ (ع) انّه قال وهو آخذ بشعره فقال: حدّثنى رسول الله (ص) وهو آخذ بشعره، فقال: من آذى شعرة منك فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله فعليه لعنة الله.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً}. هؤلاء المنافقون كانوا يؤذون رسول الله ويستخفّون بحقه، ويرفعون أصواتهم عنده استخفافاً ويكذبون عليه ويبهتونه. قال: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} أي: بغير ما جنوا، هم المنافقون {فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً} أي: كذباً {وَإِثْماً مُّبِيناً} أي: بَيِّناً. ذكروا عن أنس بن مالك حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فنادى بصوت أسمع العواتق في الخدور: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يسلم بقلبه، ألا لا تؤذوا المؤمنين ولا تعيبوهم ولا تتَّبعوا عوراتهم، فإنه من تَتَبَّعَ عورة أخيه المسلم يُظهر الله عورتَه فيفضحه في ملائه . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: بلغنا أنه من استحمد إلى الناس في الدنيا بشيء لم يستحمد فيه إلى الله نادى مناد يوم القيامة: ألا إن فلاناً قد استحمد إلى الناس بشيء لم يستحمد فيه إلى الله. ومن استذَمَّ إلى الناس في الدنيا بشيء لم يستذم فيه إلى الله نادى مناد يوم القيامة: ألا إن فلاناً قد استذم إلى الناس في الدنيا بشيء لم يستذم فيه إلى الله.

اطفيش

تفسير : {إن الذين يؤذون الله} يفعلون ما نهى عنه وأبغضه. {ورسوله} يفعلون ما يكره فعله لأن الله حرمه ويلزم من ذلك تألم رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما فسرت بذلك المجاز ولم افسر بأن ايذاء الله فعل ما نهى عنه وايذاء رسوله صلى الله عليه وسلم بفعل ما يتألم به لئلا يلزم استعمال الكلمة في مجازها وحقيقتها فان الايذاء حقيقة في فعل ما يؤلم والله لا يضره احد ومن اجاز الجمع بينهما فسر ايذاء الله بفعل ما نهى عنه وايذاء رسوله بفعل ما يؤلم او فسر بما ذكرت ويجوز تقدير يؤذون بمعنى يؤلمون للثاني اي ويؤذون رسوله وهم المشركون يصفون الله بالشريك والصاحبة والولد ونحو ذلك مما لا يليق ويعصونه ومن ذلك قولهم يد الله مغلولة والالحاد في اسمائه وصفاته وبه فسر بعضهم ايذاء الله ومن ذلك انكار البعث ومن ذلك التصوير قال الله سبحانه "حديث : ومن اظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو حبة" تفسير : ويكذبون رسوله صلى الله عليه وسلم ويصفونه بالشعر والجنون وكسروا رباعيته وشج وجهه وطعنهم في نكاحه صفية بنت حيي ويجوز ان يراد ان الذين يؤذون رسوله فذكر الله تعظيما لرسوله بأن فعل ما يكره رسوله هو فعل ما لم يبحه الله فكان من آذاه قد آذى الله تعالى وهو لا يلحقه ايذاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "قال ربي شتمني ابن آدم ولم ينبغ له ان يشتمني وأذاني ولم ينبغ له ان يؤذيني فأما شتمه إياي فقوله اني اتخذت ولدا وانا الأحد الصمد لم الد ولم أولد ولم يكن لي كفوء أحد"، وما أذاه فقوله "ان الله لا يعيدني بعد ان بدأني وليس اول الخلق بأهون من اعادته وقال يسبني ابن آدم يسب الدهر وانا الدهر بيدي الأمر"" تفسير : ومر تفسيره ويأتي ايضا ان شاء الله وقيل ايذاء الله ايذاء اوليائه فصح حمل الايذاء اولا وثانيا على الايلام قال الله سبحانه "حديث : من آذى لي وليا فقد آذنته بحرب ومن هان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ". تفسير : وقيل: هؤلاء الذين يؤذون الله ورسوله المنافقون يستخفون بحق رسوله ويهينونه ويرفعون اصواتهم عنده استخفافا. {لعنهم الله} ابعدهم عن رحمته ورضاه. {في الدنيا والآخرة} ومعنى لعنهم في الدنيا انه لم يجعل لهم في رضاه ودينه سهما وانهم موصوفون وهم في الدنيا بأنه لا نصيب لهم في الجنة. {وأعد لهم عذابا مهينا} يهنهم مع الايلام.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذين يؤذُون الله ورسُوله} الإيذاء الإيجاع، والله منزه عنه فإما أن تستعمل الكلمة فى معنييها الحقيقى والمجازى الإيجاع له صلى الله عليه وسلم، والمخالفة له تعالى، لأنها فى الجملة سبب للوجع، وملزومة له، وإما أن يحمل على عموم المجاز، وهو فعل ما لا يجب الله ورسوله، وقد قيل، تعدد المعمول بمنزلة تعدد العامل، كأنه قيل: يوجعون الرسول، ويخالفون الله، وهذا يقوى ما ذكرت من الجمع بين الحقيقة والمجاز. وإما أن يراد الرسول فقط وذكر الله تعظيما له صلى الله عليه وسلم، كأن مؤذيه مؤذ لله تعالى عن هذا المستحيل وغيره، وإما أن يقدر يؤذون أولياء الله ورسوله، وفيه ضعف، وكل ما يؤذى الله يؤذى رسوله، وما يؤذيه صلى الله عليه وسلم يؤذى الله تعالى وهو المعصية مطلقا، ويجوز إرادة المناسبة بأن إيذاء الله تعالى جعل الشريك له، وجعل الملائكة بناته، وقول اليهود: يد الله مغلولة، والنصارى: المسيح ابن الله، وإلحاد الملحدين فى اسمائه، وتصوير المصورين. وفى الحديث القدسى: "حديث : يكذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، يقول: لن يعيدني وما بدأه بأهون من إعادته، ويشتمني ولم يكن له لك يقول: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يولد ولم يكن له كفواً أحد" تفسير : ويروى: "من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقى فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة" وروى: "يؤذينى ابن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدى أقلب الليل والنهار" أى ينسبون الأمور للدهر، وأنا الفعال لا الدهر. وإيذاء الرسول تكذيبه، وقولهم: شاعر ومجنون وساحر حاشاه. وكسر رباعيته، وشبح وجه فى أحد، والطعن فى نكاح صفية بنت حيى، وفى تزوجه زوج متبناه، وإعطاءه أشراف العرب كثيرا والأفرع وعيينة مائة مائة من الإبل، حتى قالوا: هذه قسمة ما أريد الله تعالى بها. {لَعَنَهُم الله} أبعدهم {في الدُّنيا} عن الهدى {والآخرة} عن الجنة يبقى لعلهم لا ينالونها، بل يموتون أو يحيون فى غير النار، فقال: بل يحيون فى النار وهو قوله تعالى: {وأعدَّ لهُم عذاباً مُهيناً} فى الآخرة.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أريد بالإيذاء إما ارتكاب ما لا يرضيانه من الكفر وكبائر المعاصي مجازاً لأنه سبب أو لازم له وإن كان ذلك بالنظر إليه تعالى بالنسبة إلى غيره سبحانه فإنه كاف في العلاقة، وقيل في إيذائه تعالى: هو قول اليهود والنصارى والمشركين يد الله مغلولة والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقيل قول الذين يلحدون في آياته سبحانه، وقيل تصوير التصاوير وروي عن كعب ما يقتضيه، وقيل في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم هو قولهم: شاعر ساحر كاهن مجنون وحاشاه عليه الصلاة والسلام، وقيل هو كسر رباعيته وشج وجهه الشريف وكان ذلك في غزوة أحد، وقيل طعنهم في نكاح صفية بنت حيـي؛ والحق هو العموم فيهما، وإما إيذاؤه عليه الصلاة والسلام خاصة بطريق الحقيقة وذكر الله عز وجل لتعظيمه صلى الله عليه وسلم ببيان قربه وكونه حبيبه المختص به حتى كان ما يؤذيه يؤذيه سبحانه كما أن من يطيعه يطيع الله تعالى. وجوز أن يكون الإيذاء على حقيقته والكلام على حذف مضاف أي يؤذون أولياء الله ورسوله وليس بشيء، وقيل يجوز أن يراد منه المعنى المجازي بالنسبة إليه تعالى والمعنى الحقيقي بالنسبة إلى رسوله عليه الصلاة والسلام وتعدد المعمول بمنزلة تكرر لفظ العامل فيخف أمر الجمع بين المعنيين حتى ادعى بعضهم أنه ليس من الجمع الممنوع وليس بشيء. {لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ } طردهم وأبعدهم من رحمته {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ } بحيث لا يكادون ينالون فيها شيئاً منها، وذلك في الآخرة ظاهر، وأما في الدنيا فقيل بمنعهم زيادة الهدى {وَأَعَدَّ لَهُمْ } مع ذلك {عَذَاباً مُّهِيناً } يصيبهم في الآخرة خاصة.

ابن عاشور

تفسير : لما أرشد الله المؤمنين إلى تناهي مراتب حُرمة النبي صلى الله عليه وسلم وتكريمه وحذّرهم مما قد يخفى على بعضهم من خفيّ الأذى في جانبه بقوله: {أية : إن ذلكم كان يؤذي النبي}تفسير : [الأحزاب: 53] وقوله: {أية : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله}تفسير : [الأحزاب: 53] الآية وعلمهم كيف يعاملونه معاملة التوقير والتكريم بقوله: {أية : ولا مستأنسين لحديث}تفسير : [الأحزاب: 53] وقوله: {أية : ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً}تفسير : [الأحزاب: 53] وقوله: {أية : إن الله وملائكته يصلون على النبي}تفسير : [الأحزاب: 56] الآية، وعلم أنهم قد امتثلوا أو تعلموا أردف ذلك بوعيد قوم اتسموا بسمات المؤمنين وكان من دأبهم السعي فيما يؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام فأعلم الله المؤمنين بأن أولئك ملعونون في الدنيا والآخرة ليعلم المؤمنون أن أولئك ليسوا من الإِيمان في شيء وأنهم منافقون لأن مثل هذا الوعيد لا يعهد إلا للكافرين. فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنه يخطر في نفوس كثير ممن يسمع الآيات السابقة أن يتساءلوا عن حال قوم قد علم منهم قلة التحرز من أذى الرسول صلى الله عليه وسلم بما لا يليق بتوقيره. وجيء باسم الموصول للدلالة على أنهم عرفوا بأن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم من أحوالهم المختصة بهم، ولدلالة الصلة على أن أذى النبي صلى الله عليه وسلم هو علة لعنهم وعذابهم. واللعن: الإِبعاد عن الرحمة وتحقير الملعون. فهم في الدنيا محقرون عند المسلمين ومحرومون من لطف الله وعنايته، وهم في الآخرة محقرون بالإِهانة في الحشر وفي الدخول في النار. والعذاب المهين: هو عذاب جهنم في الآخرة وهو مهين لأنه عذاب مشوب بتحقير وخزي. والقرن بين أذى الله ورسوله للإِشارة إلى أن أذى الرسول صلى الله عليه وسلم يُغضب الله تعالى فكأنه أذى لله. وفعل {يؤذون} معدى إلى اسم الله على معنى المجاز المرسل في اجتلاب غضب الله وتعديته إلى الرسول حقيقة. فاستعمل {يؤذون} في معنييه المجازي والحقيقي. ومعنى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من آذاني فقد آذى الله»تفسير : وأذى الرسول عليه الصلاة والسلام يحصل بالإِنكار عليه فيما يفعله، وبالكيد له، وبأذى أهله مثل المتكلمين في الإِفك، والطاعنين أعماله، كالطعن في إمارة زيد وأسامة، والطعن في أخذه صفية لنفسه. وعن ابن عباس «أنها نزلت في الذين طعنوا في اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حييّ لنفسه».

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآخِرَةِ} (57) - إِنَّ الذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ فَيَرْتَكِبُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنَ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، (وَمِنْهُمُ اليَهُودُ الذِينَ قَالُوا: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ، والنَّصَارَى الذِينَ قَالُوا: المَسيحُ ابْنُ اللهِ، والمُشْرِكُونَ الذِينَ قَالُوا: المَلاَئِكَةُ بَنَاتُ اللهِ..) وَالذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ (كَالذينَ قَالُوا شَاعرٌ وَكَاهِنٌ وَالذينَ آذَوْهُ بِغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأقوالِ وَالأَفْعَالِ..) فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِهؤلاءِ وَهؤُلاءِ عَذَاباً مُهِيناً، يَومَ القِيَامَةِ، بِجَعْلِهِمْ فِي مُقَامِ الزِّرَايَةِ والاحْتِقَارِ وَالخِزْي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الإيذاء: إيقاع الألم من المؤذِي للمؤذَى، سواء أكان الإيذاء بالقول أم بالفعل، والإيذاء بهذا المعنى أمر لا يتناسب مع الحق سبحانه وتعالى. إذن ما معنى: يؤذون الله؟ قالوا: الله تعالى لا يُؤذَي بالفعل؛ لأنهم لا يستطيعون ذلك، فهو أمر غير ممكن، أما القول فممكن، والإيذاء هنا يكون بمعنى إغضاب الله تعالى بالقول الذي لا يليق به سبحانه، كقولهم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ..} تفسير : [آل عمران: 181] وبعضهم أنكر وجود الله. وقولهم: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ..} تفسير : [المائدة: 64]. وقولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [التوبة: 30]. وبعضهم يسُبُّ الدهر، والله يقول في الحديث القدسي: "حديث : يؤذيني عبدي، وما كان له أنْ يؤذيني، يسبُّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقلِّبُ الليل والنهار ". تفسير : وهل الزمن له ذَنْب في الأحداث التي تؤلمك؟ الزمن مجرد ظرف للحدث، أما الفاعل فهو الله عز وجل، إذن: لا تسبُّوا الدهر، فالدهر هو الله، وهم أنفسهم قالوا: {أية : مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ..} تفسير : [الجاثية: 24]. كل هذا إيذاء بالقول، لكن ينبغي أنْ ننظر فيه: أهو كذب وبهتان؟ أم قول صادق يقوم عليه دليل؟ وقد يُؤذيك شخص بكلمة، لكنك لا تُؤذَى منها، وفي هذه الحالة يأخذ هو إثمها، وتسْلَم أنت من شرها وتسلم من ألمها .. فهذه الأقوال منهم في الواقع فيها إيذاء، لكن ليس لله تعالى، إنما إيذاء لهم، كيف؟ الحق - سبحانه وتعالى - حينما استخلف الإنسان في الأرض خلق له الكون قبل أنْ يخلقه فطرأ الإنسان على كون مُعَدٍّ لاستقباله، فيه مُقوِّمات بقاء الحياة، ومُقوِّمات بقاء النوع، ثم أعدَّ له أيضاً قانون صيانته، بحيث إنْ أصابه عطب استطاع أنْ يصلحه، هذا القانون هو منهجه سبحانه المحفوظ في كتابه، واقرأ قول الحق سبحانه: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-4]. فقانون الصيانة في القرآن موجود قبل أنْ يخلق الإنسانَ؛ لأن الإنسان خَلْق الله وصَنْعته خلقه الله في أحسن تقويم، وعلى أحسن هيئة، ويريد له أنْ يظل هكذا سويَّ التكوين في كل شيء، فإذا ما خرج هذا الخليفة المخلوق لله على قانون صيانته، فإنه ولا شكَّ لا بُدَّ أنْ يغضب الله، لأن الله يريد أنْ تظلَّ صنعته جميلة، كما أبدعها سبحانه. إذن: فالذين أنكروا وجود الله، أو الذين أشركوا به، والذين قالوا: "إن الله فقير ونحن أغنياء" أو قالوا: الملائكة بنات الله ... إلخ هذه الأقوال التي ترتب عليها غضب الحق سبحانه؛ لأنه خليفته في الأرض لم يُؤَدِّ المطلوب منه على حَسْب منهج الله. ونقول لهؤلاء: إياكم أنْ تظنوا أنكم بكفركم خرجتم من قبضة الحق سبحانه، بل أنتم في قبضته، وتحت مشيئته، ولو شاء سبحانه لقهركم على طاعته، أو خلقكم على هيئة الصلاح لا تأتي منكم المعصية كما خلق الملائكة، إنما جعلكم مختارين فيما كلفكم به، مَنْ شاء آمن، ومَنْ شاء كفر، ليعلم مَنْ يقبل عليه بحب لا بقهر. والدليل على ذلك أنكم مخلوقون، على هيئتين. هيئة لكم فيها اختيار وهي التكاليف، وهيئة مقبوضين في قبضة الحق سبحانه وهي القضاء، فما دمتم تعودتم التمرد على التكاليف، فلماذا لا تتمرَّدُون على أقدار الله فيكم، كالمرض والموت مثلاً؟ ومع ذلك ما دُمْتَ قد اخترْتَ الكفر وأنا رَب، ومطلوب مني أنْ أعينك على ما تحب، فسوف أختم على قلبك، بحيث لا يدخله الإيمان، ولا يخرج منه الكفر الذي تحبه. إذن: أنا جئت على مرادك مما يدل على أن كفرك بي لا يضرني ولا يؤذيني. وقد ورد في الحديث القدسي: (يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني). وإنْ كانت لكم منطقة اختيار في الدنيا هي أمور التكاليف، فسيأتي يوم القيامة، ويمتنع الاختيار كله، فلا اختيارَ لأحد في شيء يوم يقول الحق سبحانه {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ..} تفسير : [غافر: 16] فلا يجيب أحد، لا مالك ولا مملوك، فيجيب الحق سبحانه على ذاته: {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. هذا في معنى إيذاء الله تعالى، أما الإيذاء في حقِّ سيدنا رسول الله، فرسول الله بشر، يمكن أنْ يصيبه الإيذاء بالفعل والإيذاء بالقول، فكما قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء قالوا عن رسول الله: كاهن وساحر ومجنون وشاعر، ثم تعدَّى الإيذاء إلى الفعل الذي أصاب رسول الله وآلمه بالفعل. ألم يُرْمَ بالحجارة حتى دَمِيتْ قدماه في الطائف؟ ألم يضعوا على ظهره الشريف سَلاَ البعير في مكة - أي سَقَط البعير - ألم تكسَر رباعيته يوم أحد ويُشَجُّ ويسيل دمه صلى الله عليه وسلم؟ فرسول الله ناله مع ربه - عز وجل - إيذاء بالقول، ثم ناله إيذاء آخر بالفعل، إيذاء بشري فيه إيلام، وقمة الإيذاء بالفعل ما يتعرَّض لأمر محارمه وأزواجه صلى الله عليه وسلم. لذلك قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 53] أي: بمخالفة ما جاء به، أو بأنْ تتهموه بما ليس فيه، أو تتعرَّضوا له بإيلام حسي، ثم لم يخص من ألوان الإيذاء إلا مسألة الأزواج، فقال: {أية : وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ..} تفسير : [الأحزاب: 53] وذكر هذه المسألة بالذات صراحةً مراعاة لطبيعة النفس البشرية، فقد قلنا: إن الرجل يمكن أن يتجمل على أصحابه أو أحبابه بأغلى ما يملك، لكنه أبداً لا يقبل أن ينظر أحد إلى زوجته، يحميها ويغَارُ عليها من مجرد النظر. لذلك فإن سيدنا حذيفة، وكان يحب امرأته، فقال لها: ألاَ تحبين أن تكوني معي في الجنة؟ فقالت: بلى، فقال لها: إذن إذا مِتُّ فلا تتزوجي بعدي - فهو يغار عليها حتى بعد موته - لأني سمعت رسول الله يقول: "حديث : المرأة لآخر أزواجها ". تفسير : لكن هذا الحديث وُوجه بحديث آخر حديث : لما سُئِل رسول الله: أيُّ نساء الرجل تكون معه في الجنة؟ فقال: "أحسنهن خلُقاً معه" . تفسير : وقد رأى البعض تعارضاً بين هذين الحديثين، والواقع أنه ليس بينهما تعارض، لأن الآخرية هنا لا يُراد بها آخرية الزمن، إنما آخرية الانتقال، كما لو تمتعتَ برحلة جميلة مع أحد الأصدقاء منذ عشرين سنة، فلما ذكَّرته بها قال: كانت آخر متعة، مع أنك تمتعت بعدها برحلات أخرى. فالمعنى: تكون لآخر أزواجها في المتعة، وإن كان مُتقدِّماً بحُسْن الخلق، إذن: فالمعنيان متفقان، لا تعارضَ بينهما. ومسألة غَيْرة الرجل على المرأة لها جذور في تاريخنا وأدبنا العربي، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : أَهِيمُ بِدَعْدٍ مَا حيَيتُ فإن أَمُتْ فوَا أسَفَى مَنْ ذَا يهيمُ بهَا بَعْدي تفسير : فهو مشغول بها حتى بعد أنْ يموت، لكن يُؤْخذ عليه أنه شغل بمن يحل محله في هيامه بمحبوبته؛ لذلك كان أبلغ منه قَوْل الآخر: شعر : أَهِيمُ بدَعْدٍ مَا حَييتُ فإن أَمُتْ فَلاَ صَلُحَتْ دَعْدٌ لذِي خُلَّةٍ بَعْدي تفسير : إذن: فهذه الغيرة مراتب ودرجات. ويُحدِّثنا التاريخ أن أحد الخلفاء العباسيين - أظنه الهادي - كان يحب جارية اسمها غادر، ولشدة حبه لها قالوا إنه تزوجها، وفي خلوة من خلوات الهيام والعِشْق قال لها: عاهديني - لأن صحته لم تكُنْ على ما يرام - إذا أنا مِتُّ أن لا تتزوجي بعدي، وفعلاً أعطتْه هذا العهد، فلما مات الهادي لم تلبث أن نسيَتْ غادر عشقها للهادي، ونسيتْ حُزْنها عليه - وهذا من رحمة الله بنا أن كل شيء يبدأ صغيراً ثم يكبر إلا المصائب، فإنها تبدأ كبيرة ثم تصغر. بعدها تزوجت غادر من أخي الهادي، وفي يوم من الأيام استيقظت فَزِعة صارخة، حتى اجتمع عليها مَنْ في القصر، وسألوها: ماذا بك؟ قالت: جاءني الهادي في المنام، وقال لي: شعر : خَالَفْتِ عَهْدِي بَعْدَمَا جَاوَرْتُ سُكَّانَ المقَابرْ ونكحْتِ غادرةً أخِي صَدَق الذِي سَمَّاكِ غَادِرْ لا يَهْنك الإلْفُ الجديدُ ولا عَدتْ عَنْك الدَّوائرْ وَلَحقتِ بي مُنْذُ الصَّباح وصِرْتِ حَيْثُ ذهَبْتُ صائِر تفسير : وما كادت تنتهي من قولها حتى لفظتْ أنفاسها الأخيرة، وماتت لذلك، فالحق سبحانه يراعي هذه الغرائز الإنسانية وهذه الطبيعة، أَلا ترى أن عِدَّة المتوفَّى عنها زوجُها كانت سَنةً كاملة، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ..} تفسير : [البقرة: 240]. ثم جُعلَتْ عِدَّة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام احتراماً لهذه الغريزة في المرأة. ثم يُبيّن الحق سبحانه الجزاء العادل لمن يؤذي الله ويؤذي رسول الله، فيقول سبحانه: {لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ..} [الأحزاب: 57] أي: طردهم من رحمته {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً} [الأحزاب: 57]. ثم يعطينا الحق سبحانه إشارةً إلى أن هذا الجزاء العادل الذي أعدَّه لمن يؤذي الله ورسوله ليس تعصُّباً لله، ولا تعصباً لرسول الله، بدليل أن الذي يؤذي مؤمناً أو مؤمنة لا بُدَّ أن يُجازَي عن هذا الإيذاء، فسوَّى المؤمن والمؤمنة في إرادة الإيذاء بإيذاء الله، وبإيذاء رسول الله، فقال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما أمر تعالى بتعظيم رسوله صلى اللّه عليه وسلم، والصلاة والسلام عليه، نهى عن أذيته، وتوعد عليها فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وهذا يشمل كل أذية، قولية أو فعلية، من سب وشتم، أو تنقص له، أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى. { لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا } أي: أبعدهم وطردهم، ومن لعنهم [في الدنيا] أنه يحتم قتل من شتم الرسول، وآذاه. { وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } جزاء له على أذاه، أن يؤذى بالعذاب الأليم، فأذية الرسول، ليست كأذية غيره، لأنه -صلى الله عليه وسلم- لا يؤمن العبد باللّه، حتى يؤمن برسوله صلى اللّه عليه وسلم. وله من التعظيم، الذي هو من لوازم الإيمان، ما يقتضي ذلك، أن لا يكون مثل غيره. وإن كانت أذية المؤمنين عظيمة، وإثمها عظيمًا، ولهذا قال فيها: { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا } أي: بغير جناية منهم موجبة للأذى { فَقَدِ احْتَمَلُوا } على ظهورهم { بُهْتَانًا } حيث آذوهم بغير سبب { وَإِثْمًا مُبِينًا } حيث تعدوا عليهم، وانتهكوا حرمة أمر اللّه باحترامها. ولهذا كان سب آحاد المؤمنين، موجبًا للتعزير، بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزير من سب الصحابة أبلغ، وتعزير من سب العلماء، وأهل الدين، أعظم من غيرهم.

همام الصنعاني

تفسير : 2374- حدّثنا عبد الزراق، عن معر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}: [الآية: 57]، قال: بلغني أن الله تبارك اسمه قال: "حديث : شَتَمَنِي عَبْدِي، ولم يكن له أن يشتمني، وَكَذَّبني عبدي ولم يكن له أن يُكَذِّبَنِي، أما شتمه إياي، فقوله: إني اتخذتُ ولداً، وأنا الأَحَدُ الصمد، وأما تكذيبه إياي فزعم أني لن أبعثه - يعني - بعد الموت ". تفسير : 2375- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثهل.