٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
الرازي
تفسير : لما كان الله تعالى مصلياً على نبيه لم ينفك إيذاء الله عن إيذانه، فإن من آذى الله فقد آذى الرسول فبين الله للمؤمنين أنكم إن أتيتم بما أمرتكم وصليتم على النبـي كما صليت عليه، لا ينفك إيذاؤكم عن إيذاء الرسول فيأثم من يؤذيكم لكون إيذائكم إيذاء الرسول، كما أن إيذائي إيذاؤه وبالجملة لما حصلت الصلاة من الله والملائكة والرسول والمؤمنين صار لا يكاد ينفك إيذاء أحد منهم عن إيذاء الآخر كما يكون حال الأصدقاء الصادقين في الصداقة، وقوله: {بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ } احتراز عن الأمر بالمعروف من غير عنف زائد، فإن من جلد مائة على شرب الخمر أو حد أربعين على لعب النرد آذى بغير ما اكتسب أيضاً، ومن جلد على الزنا أو حد الشرب لم يؤذ بغير ما اكتسب، ويمكن أن يقال لم يؤذ أصلاً لأن ذلك إصلاح حال المضروب، وقوله: {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَـٰناً } البهتان هو الزور وهو لا يكون إلا في القول والإيذاء قد يكون بغير القول فمن آذى مؤمناً بالضرب أو أخذ ماله لا يكون قد احتمل بهتاناً، فنقول: المراد والذين يؤذون المؤمنين بالقول. وهذا لأن الله تعالى أراد إظهار شرف المؤمن، فلما ذكر أن من آذى الله ورسوله لعن، وإيذاء الله بأن ينكر وجود الله بعد معرفة دلائل وجوده أو يشرك به من لا يبصر ولا يسمع أو من لا يقدر ولا يعلم أو من هو محتاج في وجوده إلى موجد وهو قول ذكر إيذاء المؤمن بالقول، وعلى هذا خص الأنبياء بالقول بالذكر لأنه أعم وأتم، وذلك لأن الإنسان لا يقدر أن يؤذي الله بما يؤلمه من ضرب أو أخذ ما يحتاج إليه فيؤذيه بالقول، ولأن الفقير الغائب لا يمكن إيذاؤه بالفعل، ويمكن إيذاؤه بالقول بأن يقول فيه ما يصل إليه فيتأذى، والوجه الثاني في / الجواب هو أن نقول قوله بعد ذلك: {وَإِثْماً مُّبِيناً } مستدرك فكأنه قال احتمل بهتاناً إن كان بالقول وإثماً مبيناً كيفما كان الإيذاء، وكيفما كان فإن الله خص الإيذاء القولي بالذكر لما بينا أنه أعم ولأنه أتم لأنه يصل إلى القلب، فإن الكلام يخرج من القلب واللسان دليله ويدخل في القلب والآذان سبيله.
القرطبي
تفسير : أَذيّة المؤمنين والمؤمنات هي أيضاً بالأفعال والأقوال القبيحة، كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق. وهذه الآية نظيرُ الآية التي في النساء: {أية : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 112] كما قال هنا. وقد قيل: إن من الأذيّة تعييره بحسب مذموم، أو حرفة مذمومة، أو شيء يثقل عليه إذا سمعه، لأن أذاه في الجملة حرام. وقد ميّز الله تعالى بين أذاه وأذى الرسول وأذى المؤمنين فجعل الأوّل كفراً والثاني كبيرة، فقال في أذى المؤمنين: {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} وقد بيّناه. وروي أن عمر بن الخطاب قال لأبيّ بن كعب: قرأت البارحة هذه الآية ففزعت منها {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ} الآية، والله إني لأضربهم وأنهرهم. فقال له أُبَيّ: يا أمير المؤمنين، لستَ منهم، إنما أنت معلم ومقوّم. وقد قيل: إن سبب نزول هذه الآية أن عمر رأى جارية من الأنصار فضربها وكره ما رأى من زينتها، فخرج أهلها فآذوا عمر باللسان؛ فأنزل الله هذه الآية. وقيل: نزلت في عليّ، فإن المنافقين كانوا يؤذونه ويكذبون عليه. رضي الله عنه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ } يرمونهم بغير ما عملوا {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَٰناً } تحمَّلوا كذبا {وَإِثْماً مُّبِيناً } بيِّنا.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ} نزلت في الزناة كانوا يرون المرأة فيغمزونها، أو في قوم كانوا يؤذون علياً ـ رضي الله تعالى عنه ـ ويكذبون عليه، أو في أهل الإفك.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وابن سعد في الطبقات وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات} قال: يقعون {بغير ما اكتسبوا} يقول: بغير ما علموا {فقد احتملوا بهتاناً} قال: إثماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: يلقى الجرب على أهل النار، فيحكون حتى تبدو العظام، فيقولون: ربنا بم أصابنا هذا؟ فيقال: بأذاكم المسلمين. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: إياكم وأذى المؤمنين فإن الله يحوطهم، ويغضب لهم، وقد زعموا أن عمر بن الخطاب قرأها ذات يوم، فأفزعه ذلك حتى ذهب إلى أُبي بن كعب رضي الله عنه، فدخل عليه فقال: يا أبا المنذر إني قرأت آية من كتاب الله تعالى فوقعت مني كل موقع {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات} والله إني لأعاقبهم وأضربهم فقال له: إنك لست منهم، إنما أنت معلم. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إني لأبغض فلاناً، فقيل للرجل: ما شأن عمر رضي الله عنه يبغضك! فلما أكثر القوم في الذكر جاء فقال: يا عمر أفتقت في الإِسلام فتقاً؟ قال: لا. قال: فجنيت جناية؟ قال: لا. قال: أحدثت حدثاً؟ قال: لا. قال: فعلام تبغضني وقد قال الله {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} ؟! فقد آذيتني فلا غفرها الله لك. فقال عمر رضي الله عنه: صدق والله ما فتق فتقاً، ولا ولا فاغفرها لي، فلم يزل به حتى غفرها له. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات} إلى قوله {وإثماً مبيناً} قال: فكيف بمن أحسن إليهم يضاعف لهم الأجر. وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن عبدالله بن يسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليس منَّا ذو حسد، ولا نميمة، ولا خيانة، ولا إهانة، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات...} . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه"حديث : أي الربا أربى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض امرىء مسلم، ثم قرأ {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا..} .
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات} يفعلون بهم ما يتأذون به من قول او فعل {بغير ما اكتسبوا} اى بغير جناية يستحقون بها الاذية وتقييد اذاهم به بعد اطلاقه فى الآية السابقة للايذان بان اذى الله ورسوله لا يكون الا غير حق واما اذى هؤلاء فقد يكون حقا وقد يكون غير حق. والاية عامة لكل اذى بغير حق فى كل مؤمن ومؤمنة. فتشمل ما روى ان عمر رضى الله عنه خرج يوما فرأى جارية مزينة مائلة الى الفجور فضربها فخرج فضربها فخرج اهلها فآذوا عمر باللسان. وما روى ان المنافقين كانوا يؤذون عليا رضى الله عنه ويسمعونه ما لاخير فيه: وما سبق من قصة الإفك حيث اتهموا عائشة بصفوان السهمى رضى الله عنهما. وما روى ان الزناة كانوا يتبعون النساء اذا برذن بالليل لطلب الماء او لقضاء حوائجهن وكانوا لا يتعرضون الا للاماء ولكن ربما كان يقع منهم التعرض للحرائر ايضا جهلا او تجاهلا لا تحاد الكل فى الزى واللباس حيث كانت تخرج الحرة والامة فى درع وخمار وما سيأتى من اراجيف المرجفين وغير ذلك مما يثقل على المؤمن {فقد احتملوا} الاحتمال مثل الاكتساب بناء ومعنى كما فى بحر العلوم. وقال بعضهم تحملوا لان الاحتمال بالفارسية [برداشتن] {بهتانا} افتراء وكذبا عليهم من بهته فلان بهتانا اذا قال عليه ما لم يفعله: بالفارسية [دروغى بزرك] {واثما مبينا} اى ذنبا ظاهرا. وقال الكاشفى: يعنى [سزاوار عقوبت بهتان ومستحق عذاب كناه ظاهر ميشوند]. واعلم ان اذى المؤمنين قرن باذى الرسول عليه السلام كما ان اذى الرسول قرن باذى الله ففيه اشارة الى ان من آذى المؤمنين كان كمن آذى الرسول ومن آذى الرسول كان كمن آذى الله تعالى فكما ان المؤذى لله وللرسول مستحق الطرد واللعن فى الدنيا والآخرة فكذا المؤذى للمؤمن حديث : ـ روى ـ ان رجلا شتم علقمة رضى الله عنه فقرأ هذه الآية. وعن عبد الرحمن بن سمرة رضى الله عنه قال خرج النبى عليه السلام على اصحابه فقال "رأيت الليلة عجبا رأيت رجالا يعلقون بألسنتهم فقلت من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا" تفسير : وفى الحديث القدسى "حديث : من آذى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة"تفسير : : يعنى [هركه دوستى را ازدوستان من بيازا رد آزارنده جنك مرا ساخته وازآزا رآن دوست جفاى من خواسته وهركه جنك مراسازد ويرا بلشكر انتقام مقهور كنم واورا بخوارى اندر جهان مشهور سازم] ـ روى ـ ان ابن عمر رضى الله عنهما نظر يوما الى الكعبة فقال ما اعظمك واعظم حرمتك والمؤمن اعظم حرمة عند الله منك. واوحى الله الى موسى عليه السلام لو يعلم الخلق اكرامى الفقراء فى مجلى قدسى ودار كرامتى للحسوا اقدامهم وصاروا ترابا يمشون عليهم فوعزتى ومجدى وعلوى وارتفاع مكانى لاسفرّن لهم عن وجهى الكريم واعتذر اليهم بنفسى واجعل شفاعتهم لمن برهم فىّ او آواهم فى ولو كان عشار وعزتى ولا اعزمنى وجلالى ولا اجل منى انى اطلب ثارهم ممن عاداهم حتى اهلكه فى الهالكين قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : نكو كار مردم نباشد بدش نورزد كسى بدكه نيك آيدش نه هر آدمى زاده ازدد بهست كه دد زآدمى زاده بدبهست بهست ازدد انسان صاحب خرد نه انسان كه در مردم افتد جودد تفسير : يعنى خاصمه وافترسه كالاسد مثلا. قال فضيل رحمه الله والله لا يحل لك ان تؤذى كلبا ولا خنزيرا بغير ذنب فكيف ان تؤذى مسلما وفى الحديث "حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" تفسير : بان لا يتعرض لهم بما حرم من دمائهم واموالهم واعراضهم قدم اللسان فى الذكر لان التعرض به اسرع وقوعا واكثر وخص اليد بالذكر لان معظم الافعال يكون بها. واعلم ان المؤمن اذا اوذى يلزم عليه ان لا يتأذى بل يصبر فان له فيه الاجر فالمؤذى لا يسعى فى الحقيقة الا فى ايصال الاجر الى من آذاه ولذا ورد "واحسن الى من اساء اليك" وذلك لان المسيئ وان كان مسيئا فى الشريعة لكنه محسن فى الحقيقة شعر : بدى را بدى سهل باشد جزا اكر مردى احسن الى من اساء
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ} بغير معصية منهم استحقّوا بها الايذاء {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَاناً} كذباً يعنى انّ اذاهم بنسبة شيءٍ اليهم لم يفعلوه ولم يكن فيهم، او المقصود انّ ايذاء المؤمن ليس الاّ امراً باطلاً وكلّ باطلٍ كذبٌ وبهتانٌ {وَإِثْماً مُّبِيناً} نزول هذه الآية فى ايذاء علىٍّ (ع) وفاطمة (ع) لا ينافى عمومها لجميع المؤمنين والمؤمنات، قال فى تفسير البيضاوى فى هذه الآية: روى انّها نزلت فى منافقين يؤذون عليّاً (ع)، والسّرّ فى ذلك انّ المؤمن من حيث ايمانه ليس الاّ ولىّ امره، وايذاؤه من حيث ايمانه ليس الاّ ايذاء ولىّ امره، وايذاء ولىّ أمره قرينٌ لايذاء محمّد (ص) وعلىّ (ع) وهو ايذاء الله.
اطفيش
تفسير : {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} من غير جناية استحقوا بها الأذى وانما قيد ايذاءهم ولم يقيد ايذاء الله ورسوله لان ايذاءهما ابدا لا يكون الا بغير حق واما المؤمنون والمؤمنات فقد يؤذون بشيء فعلوه يتأهلون به للايذاء. {فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} ظاهرا شبه البهتان والاثم بشيء ثقيل يصعب حمله ولذا عبر بالاحتمال الذي فيه زيادة علاج على الحمل قيل نزلت الآية في عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى جارية انصارية متبرجة فضربها وكره ما رأى من زينتها فشكته الى اهلها فخرجوا اليه فآذوه. وقيل: في الزناة الذين يمشون في المدينة ويتبعون النساء اذا برزن في الليل لقضاء حوائجهن فاذا رأوا امرأة دنوا منها وغمزوها بأيديهم فان سكنت تبعوها وان زجرتهم انتهوا عنها وانما يطلبون الاماء ولم تعرف يومئذ الحرة من الأمة لكونهن يخرجن في درع واحد وخمار فشكون الى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل ذلك ويناسبه قوله جل وعلا: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين} الخ. وكانت المدينة ضيقة ولا كنيف فيها وانما يخرجون للفضاء وذكر بعضهم انهم اذا رأوا على المرأة قناعا تركوها وقالوا حرة وان لم يكن عليها قالوا امة فتبعوها فقد تكون حرة وقد تكون امة وقيل نزلت في شأن عائشة وقد مر في النور وقيل نزلت في منافقين يؤذون عليا وعليه فمعنى كونه مؤمنا انه غير مشرك وان افعاله افعال الموفي وسيندل وعن الفضل: لا يحل ان تؤذي كلبا او خنزيرا بغير حق فكيف مؤمنا. وكان ابن عون لا يكري حوانيته الا لأهل الذمة للروع عند تمام الحول. {يدنين} يقربن. {عليهن} اي على انفسهن. {من جلابيبهن} نعت لمفعول محذوف اي شيئا من جلابيبهن ومن أجاز زيادة من في الايجاب ومع المعرفة اجاز ان يكون جلابيبهن مفعولا ومن قال بإسمية من التبعيضية جعلها مفعولا مضافا لما بعدها والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء تلوي منه المراة على رأسها وتبقي منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس: الجلباب الذي يستر من فوق الى اسفل. وعنه عن ابن مسعود انه الخمار وقيل الملحفة وكل ما يستر به من كساء او غير وقيل هو ثوب يكون فوق الدرع والخمار. قال ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين ان يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلالبيب الا عينا واحدة ليعلم انهن حرائر وهو خلاف ما رأيته لبعضهم لباس المؤمنة ان تكشف وجهها كله او تغطية كله وان لباس المنافقة ان تكشف عينا واحدة وقيل تستر شق وجهها الايمن وتستر عينها اليمنى وأنفها. وقال قتادة ذلك ان تلويه على الجبين وتشده ثم تعطفه على الانف وان ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه وهو رواية عن عبدالله بن عباس اخي الفضل بن عباس وفي معناه قول عبيدة السلماني ان تضع رداها فوق الحاجب وتديره حتى تضعه على انفها وقال السدي: ان تغطي احدى عينيها وجبهتها والشق الآخر على العين. {ذلك} الادناء. {أدنى} اقرب. {أن يعرفن} الى ان يعرفن انهن حرائر. {فلا يؤذين} بتعرض الفساق لهن كانوا في اول الاسلام تخرج نساءهم ليلا لقضاء الحاجة في النخيل والغيطان وكانت النساء على عادتهن في الجاهلية يتبرزن في خمار وردع كالاماء فربما تعرض الفساق للحرة بعلة الأمة يقولون حسبتها امة فأمرن ان يخالفهن بزيهن عن زي الاماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن فلا يسكن لتعرض الفساق لو تعرضوا لهن ولا يتعرضوا لهن وليس ذلك مبيحا للزنا بالاماء كيف وقد نزل الله تحريم الزنا بالاماء والحرات تصريحا ولكن منع وحصن وازالة لبعض المنكر من الفساق وكان عمر رضي الله عنه يضرب الاماء على لباس الحرائر محافظة على زي الحرائر ورأى أمة متنقبة فعلاها بالدرة فقال: يا لكاع اي يا خسيسة اتتشبهين بالحرائر. {وكان الله غفورا} لما سلف منهن من التفريط مع التوبة لأن هذا مما يعرفه العقل ويفهمه من أمور الاسلام المنزلة ويأخذ منها ولو لم يصرح به. {رحيما} بهن اذ سترهن وراعى مصالحهن كلها او المراد غفورا رحيما بعباده.
اطفيش
تفسير : {والَّذين يُؤذون المؤمنين والمُؤمنات} فى قول أو فعل {بغَير ما اكْتسبُوا} بلا جناية اكتسبوها موجبة، فإن المؤمن والمؤمنة قد يصدر منهما ما يوجب الإيذاء، بخلاف الله ورسوله، قال عمر رضى الله عنه، لأبى بن كعب: يا أبا المنذر فى شأن قوله تعالى: {والذين يؤذون} الآية قرأت البارحة آية من كتاب الله تعالى فوقعت فى كل موقع، يعنى لعله ضرب أو حد أو كلم بسوء من لا يتأهل لذلك عند الله، بتقصير منه فقال: لست من أهلها، وإنما أنت معلم ومقوم بحسب ما ظهر لك، ولا يكلفك الله الغيب، ويروى أنه قال: "والله إنى لاعاقبهم وأضربهم فقال: لست منهم". {فقد احْتَملوا بهتاناً وإثْماً مبيناً} خبر الذين، وقرن بالفاء تشبيهاً له باسم الشرط فى العموم المراد، ولو كان سبب النزول مخصوصين، فيدخلون أولا، وهم الله بن أبى، وناس معه، قذفوا عائشة رضى الله عنها، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : من يعذرنى من رجل يؤذينى ويجمع فى بيته من يؤذينى"تفسير : وقوم طعنوا فى أخذ النبى صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيى رضى الله عنها، وزناة يتعرضون للاماء إذا خرجن ليلا لقضاء حاجة الانسان، وربما تعرضوا للحرائر جهلا أو تجاهلا، والمرجفون وعن مجاهد: ويلقى الجرب على أهل النار، فيحكُّون حتى تبدو عظامهم، فيقولون: يا ربنا بم أصابنا هذا؟ فيقول: بإيذائكم المسلمين. قالت عائشة رضى الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "حديث : أى الربا أربى عند الله؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أربى الربا عند الله استحلال عرض امرىء مسلم ثم قرأ الآية" تفسير : وفى الحديث القدسى: "حديث : من آذى لى ولياً فقد آذنته بحرب، ومن أهان لى ولياً فقد بارزنى بالمحاربة"تفسير : وقيل: نزلت الآية فى علىّ كانوا يؤذونه ويسمعونه، وقيل فى عائشة وما قذفت به. معنى: احتملوا تكلفوا فعل البهتان تكلفا شبيها بتكليف حمل الشىء الثقيل، وذلك فى نفس الأمر، وأما عندهم فسهل مشتهى، البهتان كذب فظيع يبهت المكذوب عليه، وقد قيل: نزلت فى من يتبع الإماء للزنى إذا خرجن ليلا لقضاء حاجة الانسان، وربما وافقوا الحرائر فيمتنعن ويشكون الى أزواجهن، فنهى الله الناس عن التطلع والايذاء، وأمر النساء بالستر فقال: {يا أيُّها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المُؤمنين يُدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ} معنى إدناء الجلباب تقريبه من رأسها وجسدها، بحث يسترهن بحيث لا يبقى هواء ينكشفن عنه، وعدى بعلى لتضمن معنى الإرخاء، والجلباب ثوب يسترها من فوق لأسفل، ويسمى الملحفة، وقيل: المقنعة وهى لباس الرأس وما يليه، وقيل: ثوب أوسع من الخمار، ودون الرداء، والحاصل الأمر بستر ما يبدو من أبدانهن، أو من ثياب زينتهن. قال ابن سيرين، عن عبيدة السلمانى فى هذه الآية: تستر رأسها ووجهها كله إلا عينها اليسرى، قال السدى: أو عينها اليمنى، وهو رواية عن ابن عباس، وفى أخرى عنه أو عينيها، وذلك رد على ما فى بعض الكتب، من أن ذلك فعل الفاسقات، وأن غيرهن تستر الوجه كله، ولعله أريد أن الفاسقات فى بلدة من البلدان، يفعلن ذلك، ولم يرد التحريم. وعن سعيد بن جبير: يرخين الثوب على الوجه كله، وينظرن أسفل، وما يبدو من نساء الجاهلية إلا الوجه، فأمر الله بستره أيضا، وأنت خبير بأن الوجه ليس عورة، قيل: مطلقا، وقيل: إن لم تكن فيه زينة فليس مرادا بالآية، إلا أن السنة ستره، ويجوز النظر إليه بلا شهوة، والفعل فى يدنين مجزوم المحل فى جواب الأمر، ومفعول قل محذوف، ومعناه اذكر أى لهن وجوب الستر يدنين، أو يدنين اخبار ومعناه الأمر أى قل أدنين، وجلابيب مفعول به ليدنى، ومن صلة فى الإيجاب والمعرفة عند مجيز ذلك، أو المفعول محذوف منعوت بمن جلابيهن، أى شيئا من جلابيبهن وهو بعض من كل جلباب. {ذلك} الإدناء {أدنى} أقرب {أن يعرفن} الى أن يعرفن فلا يقربهن أحد، كما يقرب أجل الربية الإماء كما قال: {فَلا يُؤذَيْن} وذلك إزالة لبعض الشر، وبعض الشر أهون من بعض، ولا عذر لهم فى الإماء،ونهوا عن الزنى ومقدماته مطلقا بالحرائر والإماء، ويجوز بلا ترفع ولا رئاء أن يلبس العالم ما يميزه بدرّته إذا تشبهت بالحرة، ورأى أمة مقنعة فضربها فقال: ألقى القناع لا تشبهى بالحرائر. {وكانَ الله غَفُوراً} لمن عصى وتاب، أو عصى ولم يعتقد الإصرار، وقد دان بالتوبة، وذلك فى النظر، وعدم التستر بعد نزول الآية {رَحيماً} للتائب والتائبة، أو غفوراً رحيماً مطلقاً لمن تاب، ودخل هؤلاء وغيرهم أو رحيما بعباده إذ رأى فى مصالحهم أمثال هذه الجزئيات والتوبة أربعة أقسام: الأول: التوبة أن يتوب ويستقيم على العبادة، ولا يحدث نفسه بالعود إلا ما لا ينفك عنه البشر الى أن مات، ولو كان ذلك فى آخر عمره، وصاحبها ذو النفس المطمئنة تبدل سيئته حسنات. الثانى: أن يتوب ويستقيم على الطاعات، وكلما فعل ذنبا تاب وتأسف، ولام نفسه، وعزم أن لا يعود، وصاحبها ذو النفس اللوامة، وفى الحديث: "حديث : المؤمن واه - أى ضعيف - بالذنوب رافع - أى بالتوبة ". تفسير : الثالث: أن يتوب ويستقيم على الطاعة، إلا أن نفسه تغلبه فى بعض الذنوب، يستمر عليه ويندم إذا فعله، ولا يقهر نفسه بالعزم على عدم العود، وهو يطمع فى التوبة. الرابع: أن يتوب ويستقيم ثم يذنب، ولا يحدث نفسه بالتوبة الى الموت.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } يفعلون بهم ما يتأذون به / من قول أو فعل، وتقييده بقوله تعالى {بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ } أي بغير جناية يستحقون بها الأذية شرعاً بعد إطلاقه فيما قبله للإيذان بأن أذى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا في غير حق وأما أذى هؤلاء فمنه ومنه. وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال يوماً لأبـي: يا أبا المنذر قرأت البارحة آية من كتاب الله تعالى فوقعت منى كل موقع {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } والله إني لأعاقبهم وأضربهم فقال: إنك لست منهم إنما أنت معلم ومقوم وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ } مبتدأ وقوله سبحانه {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَـٰناً } أي فعلاً شنيعاً وقيل ما هو كالبهتان أي الكذب الذي يبهت الشخص لفظاعته في الإثم، وقيل احتمل بهتاناً أي كذباً فظيعاً إذا كان الإيذاء بالقول {وَإِثْماً مُّبِيناً } أي ظاهراً بيّناً خبره، ودخلت الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط. والآية قيل نزلت في منافقين كانوا يؤذون علياً كرم الله تعالى وجهه ويسمعونه ما لا خير فيه. وأخرج ابن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: أنزلت في عبد الله بن أبـي وناس معه قذفوا عائشة رضي الله تعالى عنها فخطب النبـي صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : من يعذرني من رجل يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني فنزلت»تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عنه رضي الله تعالى عنها أنها نزلت في الذين طعنوا على النبـي صلى الله عليه وسلم في أخذ صفية بنت حي رضي الله تعالى عنها، وعن الضحاك والسدى والكلبـي أنها نزلت في زناة كانوا يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن وكانوا لا يتعرضون إلا للإماء ولكن ربما يقع منهم التعرض للحرائر جهلاً أو تجاهلاً لاتحاد الكل في الزي واللباس، والظاهر عموم الآية لكل ما ذكر ولكل ما سيأتي من أراجيف المرجفين. وفيها من الدلالة على حرمة المؤمنين والمؤمنات ما فيها، وأخرج ابن أبـي حاتم عن مجاهد في هذه الآية قال: يلقى الجرب على أهل النار فيحكون حتى تبدو العظام فيقولون ربنا بماذا أصابنا هذا فيقال: بأذاكم المسلمين، وأخرج غير واحد عن قتادة قال: إياكم وأذى المؤمن فإن الله تعالى يحوطه ويغضب له. وأخرج ابن أبـي حاتم. وابن مردويه والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أي الربا أربـى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أربـى الربا عند الله استحلال عرض امرىء مسلم ثم قرأ صلى الله عليه وسلم {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} الآية» .
ابن عاشور
تفسير : ألحقت حُرمة المؤمنين بحرمة الرسول صلى الله عليه وسلم تنويهاً بشأنهم، وذكروا على حدة للإِشارة إلى نزول رتبتهم عن رتبة الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا من الاستطراد معترض بين أحكام حُرمة النبي صلى الله عليه وسلم وآداب أزواجه وبناته والمؤمنات. وعطف {المؤمنات} على {المؤمنين} للتصريح بمساواة الحكم وإن كان ذلك معلوماً من الشريعة، لوَزْع المؤذين عن أذى المؤمنات لأنهن جانب ضعيف بخلاف الرجال فقد يزعهم عنهم اتقاء غضبهم وثأرهم لأنفسهم. والمراد بالأذى: أذى القول بقرينة قوله: {فقد احتملوا بهتاناً} لأن البهتان من أنواع الأقوال وذلك تحقير لأقوالهم، وأتبع ذلك التحقير بأنه إثم مبين. والمراد بالمبين العظيم القوي، أي جُرماً من أشد الجرم، وهو وعيد بالعقاب عليه. وضمير {اكتسبوا} عائد إلى المؤمنين والمؤمنات على سبيل التغليب، والمجرور في موضع الحال. وهذا الحال لزيادة تشنيع ذلك الأذى بأنه ظلم وكذب. وليس المراد بالحال تقييد الحكم حتى يكون مفهومه جواز أذى المؤمنين والمؤمنات بما اكتسبوا، أي أن يُسبوا بعمل ذميم اكتسبوه لأن الجزاء على ذلك ليس موكولاً لعموم الناس ولكنه موكول إلى ولاة الأمور كما قال تعالى: {أية : واللذان يأتيانها منكم فآذوهما}تفسير : [النساء: 16]. وقد حديث : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغِيبة وقال: «هي أن تذكر أخاك بما يكره. فقيل: وإن كان حقاً. قال: إن كان غير حق فذلك البهتان» تفسير : فأما تغيير المنكر فلا يصحبه أذى. وما صْدَق الموصول في قوله: {ما اكتسبوا} سيّئاً، أي بغير ما اكتسبوا من سيّىء. ومعنى {احتملوا} كَلَّفوا أنفسهم حَملاً، وذلك تمثيل للبهتان بحمل ثقيل على صاحبه، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمَل بهتاناً وإثماً مبيناً} تفسير : في سورة النساء (112).
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} {بُهْتَاناً} (58) - والذَينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، بِأَنْ يَنْسبُوا إِليهِمْ أَعْمَالاً لَمْ يَعْمَلُوهَا عَلى سَبيلِ العَيْبِ والتَّنَقُّصِ، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ قَدِ اجْتَرحُوا كَذِباً فَظِيعاً، وَذَنباً عَظِيماً وَاضِحاً، فَالذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ، وَالذِينَ يُؤْذُونَ الرَّسُولَ يُؤْذُونَ اللهَ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حديث : أَرْبى الرِّبا عِنْدَ اللهِ اسْتِحَلاَلُ عِرْضِ امرِيءٍ مُسْلِمٍ، ثُمَّ قَرأَ هذِهِ الآيةَتفسير : ). (أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ). بُهْتَاناً - فِعْلاً شَنِيعاً - أَو كَذِباً فَظِيعاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لما تكلم الحق سبحانه عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات خَصَّ هذا الإيذاء بقوله {بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ..} [الأحزاب: 58] لأن هناك إيذاءً مشروعاً أوجبه الله للذين يخرجون على حدوده، فحَدُّ الزنا والقذف وشرب الخمر .. إلخ كلها فيها إيذاء للمؤمن وللمؤمنة، لكنه إيذاء مشروع لا يُعاقب مَنْ قام به، كما في إيذاء الله ورسوله. لذلك يقول تعالى في اللذين يأتيان الفاحشة: {أية : وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ..} تفسير : [النساء: 16]. والحق سبحانه حين شرع هذه الحدود وهذا الإيذاء، إنما شرعه ليكون عقوبةً لمن يتعدَّى حدود الله، وتطهيراً له من ذنبه، ثم لتكون رادعاً للآخرين، فسيدنا عمر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ..} [الأحزاب: 58] بكى فقال له جليسه: ما يُبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنني آذيتُ المؤمنين والمؤمنات، قال: يا أمير المؤمنين إنك تؤذي لتُعلِّم ولتُقوِّم والله تعالى أمرنا أن نرجم، وأن نقطع، فضحك عمر وسُرَّ. بل أكثر من هذا يأمرنا الحق سبحانه في الحدود: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النور: 2]. لأن الرأفة في حدود الله رحمة حمقاء، ولسنا أرحم بالخَلْق من الخالق سبحانه، والله تعالى حين يُضخِّم العقوبة ويؤكد عليها، إنما يريد ألاَّ نجترىء على حدوده، وألاَّ نُعرِّض أنفسنا لهذه العقوبات، ولك أنْ تسأل حين تقرأ قوله تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ ..} تفسير : [البقرة: 179]. كيف تكون الحياة في القتل؟ نعم، في القصاص حياة؛ لأنك حين تعلم أنك إنْ قتلتَ تُقتَل، فلن تُقدم أبداً على القتل، وبذلك حَمَى الله القاتل والمقتول، وهل يُعَدُّ هذا إيذاءً؟ ومعنى {بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ..} [الأحزاب: 58] أي: بغير جريمة تستحق الإيذاء، وكلمة {ٱكْتَسَبُواْ ..} [الأحزاب: 58] قلنا: هناك فَرْق بين: فعل وافتعل، فعل أي الفعل الطبيعي الذي ليس فيه مبالغة ولا تكلُّف، أما افتعل ففِعْل فيه تكلُّف ومبالغة، كذلك كسب واكتسب، كسب: أنْ تأخذ في الشيء فوق ما أعطيتَ، كما لو اشتريت بخمسة وبِعْتَ بسبعة مثلاً فهذا كسْب، أما اكتسب ففيها زيادة وافتعال. لذلك تجد في العُرْف اللغوي العام أن كسب تأتي في الخير واكتسب تأتي في الشر، مثل قوله تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ..} تفسير : [البقرة: 286] لها ما كسبتْ تفيد الملكية، وعليها تفيد الدَّيْن. ذلك لأن الأمر الحلال يأتي طبيعياً تلقائياً، أما الحرام فيحتاج إلى محاولة وافتعال واحتياط، فحين تنظر مثلاً إلى زوجتك تكون طبيعياً لا تتكلف شيئاً، أما حين تنظر إلى امرأة جميلة في الشارع، فإنك تتلصص لذلك وتسرق النظرات، خشية أن يطلع أحد على فِعْلتِك، هذا هو الفرق بين الحلال والحرام. وفي آية واحدة في كتاب الله جاء الفعل كسب في الشر، وذلك في قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ ..} تفسير : [البقرة: 81]. فلماذا؟ قالوا: لأن الآية فيمَنْ تعوَّد السيئات، وأحاطت به الخطايا حتى أصبحت عادة، وسَهُلَتْ عليه حتى صارت عنده كالحلال، يفعله بلا تكلُّف، بل ويجاهر به ويتباهى، هذا هو المجَاهر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل أمتي مُعَافَى إلا المجَاهرين" تفسير : وفيه: "حديث : ستر الله عليه وأصبح يفضح نفسه ". تفسير : وهذا الذي يُسَرُّ بالمعصية ويتباهى بها بلغ به الاحتراف أنه يستطيع أنْ يستر حركات انفعاله في الحرام، كأنها الحلال بعينه؛ لذلك جاء الفعل كسب هنا، وكأن السيئة أصبحت مَلكةً. أذكر بمناسبة التكلُّف والافتعال في الحرام رجلاً من بلدتنا اسمه الشيخ مصطفى، ذهب إلى السوق لشراء بقرة، وأخذ النقود في جيبه، ومن حرصه وضع يده على جيبه خوفاً من اللصوص، فلما رأوه في السوق يمسك جيبه بيده عرفوا أنه ضالتهم، فكيف احتالوا ليسرقوه؟ لطخ أحدهم كتفه بروَث البهائم، ثم احتكَّ بالشيخ مصطفى، حتى اتسخت ملابسه فغضب، وأخذ ينظف ملابسه من الروث، ونسي مسألة النقود التي في جيبه فسرقوه. وكما يأتي الحرام بافتعال، كذلك يكون العقاب فيه أيضاً افتعال ومبالغة تناسب افتعال الفعل؛ لذلك يقول سبحانه في عقاب الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا: {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ ..} [الأحزاب: 58] ولم يَقُلْ حملوا، وفَرْق بين حمل واحتمل، حمل تُقال لما في طاقتك حَمْله، إنما احتمل يعني فوق الطاقة، وإنْ حملْته تحمله بمشقة، فالجزاء هنا من جنس العمل، فكما تفاعلْتَ وتكلَّفْتَ في المعصية كذلك يكون الجزاء عليها. {فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [الأحزاب: 58] البهتان: أن تقول في غيرك ما ليس فيه، فالبهتان كذب، أمَّا الإثم: فأنْ ترتكب ذنباً في حقه بأن تؤذيه بصفة هي فيه بالفعل، لكنه يكره أنْ تصفِه بها، كما تقول للأعمى مثلاً: يا أعمى. لذلك ورد في الحديث لما سُئِل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتَ إنْ كان في أخي ما أقول؟ قال: "حديث : إنْ كان فيه ما تقول فقد اغتبْتَهُ، وإنْ لم يكن فيه ما تقول فقد بَهته" تفسير : أي: كذبْتَ وافتريْتَ عليه. ووصف الحق سبحانه الإثم هنا بأنه مبين {وَإِثْماً مُّبِيناً} [الأحزاب: 58] يعني: جَليٌّ واضح؛ لأن الوضوح في الإثم إما أن يكون بأنْ تُقِر أنت به وتعترف بذنبك، وإما أنْ يكون بالبينة، فلو سألناك: أنت قلت لهذا الرجل يا أعمى، أتحب أنْ تُوصَف أنت بصفة تكرهها؟ لا بُدَّ أنْ تقول: لا أحب. إذن: فالإثم هنا واضح، ويكفي إقرارك به. وينبغي أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك كما علَّمَنَا سيدنا رسول الله، فكما أنه لا يُرضيك أنْ يسرق الناس منك، كذلك أنت لا تسرق منهم، وكما يُؤذيك الإثمُ كذلك يؤذيهم. ثم يأخذنا الحق سبحانه إلى أدب آخر من آداب الأسرة، فيقول سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وقوله: {وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [الأحزاب: 58] يشير إلى أن إيذاء المؤمنين مقرون بإيذاء الرسول كما أن إيذاء الرسول مقرون بإيذاء الله فحقيقة معناه أن من أذى المؤمن، فكمن أذى الرسول فكمن أذى الله ومن أذى الله فهو مستحق الطرد واللعن في الدنيا والآخرة وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59] تنبيه لهن على حفظ القسمين ورعاية حقه منهن بالتصاون والتعفف وفيه إثبات وقرهن وعزة قدرهن {ذٰلِكَ} [الأحزاب: 59] أي: ذلك التنبيه {أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ} [الأحزاب: 59] أي: يعرفن أن لهن قدرا وعزةً في الحضرة {فَلاَ يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59] بالأطماع الفاسدة والأقوال الكاذبة {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 59] لهن بامتثال الأوامر رحيماً بهن بإعلاء درجتهن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):