Verse. 3592 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

يٰۗاَيُّہَا النَّبِيُّ قُلْ لِّاَزْوَاجِكَ وَبَنٰتِكَ وَنِسَاۗءِ الْمُؤْمِنِيْنَ يُدْنِيْنَ عَلَيْہِنَّ مِنْ جَلَابِيْبِہِنَّ۝۰ۭ ذٰلِكَ اَدْنٰۗى اَنْ يُّعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ۝۰ۭ وَكَانَ اللہُ غَفُوْرًا رَّحِيْمًا۝۵۹
Ya ayyuha alnnabiyyu qul liazwajika wabanatika wanisai almumineena yudneena AAalayhinna min jalabeebihinna thalika adna an yuAArafna fala yuthayna wakana Allahu ghafooran raheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن» جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة «ذلك أدنى» أقرب إلى «أن يعرفن» بأنهن حرائر «فلا يؤذين» بالتعرض لهن بخلاف الإماء فلا يغطين وجوههن، فكان المنافقون يتعرضون لهم «وكان الله غفورا» لما سلف منهن من ترك الستر «رحيما» بهن إذ سترهن.

59

Tafseer

الرازي

تفسير : لما ذكر أن من يؤذي المؤمنين يحتمل بهتاناً وكان فيه منع المكلف عن إيذاء المؤمن، أمر المؤمن باجتناب المواضع التي فيها التهم الموجبة للتأذي لئلا يحصل الإيذاء الممنوع منه. ولما كان الإيذاء القولي مختصاً بالذكر اختص بالذكر ما هو سبب الإيذاء القولي وهو النساء فإن ذكرهن بالسوء يؤذي الرجال والنساء بخلاف ذكر الرجال فإن من ذكر امرأة بالسوء تأذت وتأذى أقاربها أكثر من تأذيها، ومن ذكر رجلاً بالسوء تأذى ولا يتأذى نساؤه، وكان في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفات يتبعهن الزناة وتقع التهم، فأمر الله الحرائر بالتجلبب. وقوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ } قيل يعرفن أنهن حرائر فلا يتبعن ويمكن أن يقال المراد يعرفن أنهن لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها فيعرفن أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن. وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } يغفر لكم ما قد سلف برحمته ويثيبكم على ما تأتون به راحماً عليكم.

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ} قد مضى الكلام في تفضيل أزواجه واحدة واحدة. قال قتادة: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تسع. خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأمّ حبيبة، وسَوْدة، وأمّ سلمة. وثلاث من سائر العرب: ميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرِية. وواحدة من بني هارون: صفية. وأما أولاده فكان للنبيّ صلى الله عليه وسلم أولاد ذكور وإناث. فالذكور من أولاده: القاسم، أمّه خديجة، وبه كان يُكْنَى صلى الله عليه وسلم، وهو أوّل من مات من أولاده، وعاش سنتين. وقال عروة: ولدت خديجة للنبيّ صلى الله عليه وسلم القاسم والطاهر وعبد الله والطيّب. وقال أبو بكر البرقي: ويقال إن الطاهر هو الطيّب وهو عبد الله. وإبراهيم أمّه مارِية القبطية، ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتوفي ابن ستة عشر شهراً، وقيل ثمانية عشر؛ ذكره الدَّارَقُطْنِيّ. ودفن بالبقيع. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن له مرضعاً تُتِمّ رضاعه في الجنة»تفسير : . وجميع أولاد النبيّ صلى الله عليه وسلم من خديجة سوى إبراهيم. وكل أولاده ماتوا في حياته غير فاطمة. وأما الإناث من أولاده فمنهنّ: فاطمة الزهراء بنت خديجة، ولدتها وقريش تبني البيت قبل النبوّة بخمس سنين، وهي أصغر بناته، وتزوّجها عليّ رضي الله عنهما في السنة الثانية من الهجرة في رمضان، وبنى بها في ذي الحجة. وقيل: تزوّجها في رجب، وتوفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير، وهي أوّل من لحقه من أهل بيته. رضي الله عنها. ومنهنّ: زينب ـ أمّها خديجة ـ تزوّجها ابن خالتها أبو العاصي بن الربيع، وكانت أمّ العاصي هالة بنت خويلد أخت خديجة. واسم أبي العاصي لَقِيط. وقيل هاشم. وقيل هُشيم. وقيل مِقْسم. وكانت أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفيت سنة ثمان من الهجرة، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها. ومنهنّ: رُقَيَّة ـ أمّها خديجة ـ تزوجها عُتبة بن أبي لَهَب قبل النبوّة، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} قال أبو لهب لابنه: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلّق ابنته؛ ففارقها ولم يكن بَنَى بها. وأسلمت حين أسلمت أمّها خديجة، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي وأخواتها حين بايعه النساء، وتزوّجها عثمان بن عفان، وكانت نساء قريش يقلن حين تزوّجها عثمان:شعر : أحسنُ شخصين رأى إنسانُ رقيةٌ وبعلها عثمانُ تفسير : وهاجرت معه إلى أرض الحبشة الهجرتين، وكانت قد أسقطت من عثمان سقطاً، ثم ولدت بعد ذلك عبد الله، وكان عثمان يُكْنَى به في الإسلام، وبلغ ست سنين فنقره ديك في وجهه فمات، ولم تلد له شيئاً بعد ذلك. وهاجرت إلى المدينة ومرضت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى بدر فخلّف عثمانَ عليها، فتوفّيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، على رأس سبعة عشر شهراً من الهجرة. وقدم زيد بن حارثة بشيراً من بدر، فدخل المدينة حين سوَّى التراب على رُقَيَّة. ولم يشهد دفنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنهنّ: أم كلثوم ـ أمّها خديجة ـ تزوّجها عُتيبة بن أبي لهب ـ أخو عتبة ـ قبل النبوّة، وأمره أبوه أن يفارقها للسبب المذكور في أمر رقية، ولم يكن دخل بها، فلم تزل بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأسلمت حين أسلمت أمها، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخواتها حين بايعه النساء، وهاجرت إلى المدينة حين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما توفّيت رقية تزوّجها عثمان، وبذلك سمي ذا النُّورَيْن. وتوفيت في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة تسع من الهجرة. وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرها، ونزل في حفرتها عليّ والفضل وأسامة. وذكر الزبير بن بكار أن أكبر ولد النبيّ صلى الله عليه وسلم: القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، وكان يقال له الطيّب والطاهر، ووُلد بعد النبوّة ومات صغيراً. ثم أمّ كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية. فمات القاسم بمكة ثم مات عبد الله. الثانية: لما كانت عادة العربيات التبذّل، وكنّ يكشفْن وجوههنّ كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكنّ يتبرّزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكُنُف ـ فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتُعرف الحرائر بسترهن، فيكُفّ عن معارضتهن من كان عذَبا أو شابًّا. وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرّز للحاجة فيتعرضّ لها بعض الفجار يظن أنها أَمَة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. ونزلت الآية بسبب ذلك. قال معناه الحسن وغيره. الثالثة: قوله تعالى: {مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} الجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب أكبر من الخمار. وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء. وقد قيل: إنه القناع. والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن. وفي صحيح مسلم عن أمّ عطيّة قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: «حديث : لِتُلْبِسْها أختُها من جلبابها".تفسير : الرابعة: واختلف الناس في صورة إرخائه؛ فقال ابن عباس وعَبيدة السَّلْمانيّ: ذلك أن تلوِيه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تُبصر بها. وقال ابن عباس أيضاً وقتادة: ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشدّه، ثم تعطِفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. وقال الحسن: تغطّي نصف وجهها. الخامسة: أمر الله سبحانه جميع النساء بالستر، وأن ذلك لا يكون إلا بما لا يصف جلدها، إلا إذا كانت مع زوجها فلها أن تلبس ما شاءت؛ لأن له أن يستمتع بها كيف شاء.حديث : ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال: «سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن من يوقِظ صواحب الحجر رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة». حديث : وروي أن دِحْيَةَ الكلْبيّ لما رجع من عند هِرقْل فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قُبْطِيّة؛ فقال: «اجعل صديعاً لك قميصاً وأعط صاحبتك صديعاً تختمر به»تفسير : . والصّديع النصف. حديث : ثم قال له: «مُرْها تجعل تحتها شيئاً لئلا يصف»تفسير : . وذكر أبو هريرة رقّة الثياب للنساء فقال: الكاسيات العاريات الناعمات الشقيّات. ودخل نسوة من بني تميم على عائشة رضي الله عنها عليهنّ ثياب رِقاق، فقالت عائشة: إن كنتنّ مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات فتمتعينه. وأدخلت امرأة عروس على عائشة رضي الله عنها وعليها خمار قُبْطِيّ مُعَصْفَر، فلما رأتها قالت: لم تؤمن بسورة «النور» امرأة تلبس هذا. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : نساء كاسيات عاريات مائلات مُمِيلات رؤوسهن مثل أسنمة البُخْت لا يَدخلْنَ الجنة ولا يجدْنَ ريحها»تفسير : . وقال عمر رضي الله عنه: ما يمنع المرأة المسلمة إذا كانت لها حاجة أن تخرج في أطمارها أو أطمار جارتها مستخفية، لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها. السادسة: قوله تعالى: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ} أي الحرائر، حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عُرفن لم يقابلن بأدنى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرّية، فتنقطع الأطماع عنهن. وليس المعنى أن تُعرف المرأة حتى تُعلم من هي. وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمَة قد تقنعت ضربها بالدرّة، محافظة على زيّ الحرائر. وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنعّ الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء. وهذا كما أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا النساء المساجد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله: «حديث : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» تفسير : حتى قالت عائشة رضي الله عنها: لو عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا لمنعهنّ من الخروج إلى المساجد كما مُنعت نساء بني إسرائيل. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الأمر المشروع.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً أن يأمر النساء المؤمنات ــــ خاصة أزواجه وبناته لشرفهن ــــ بأن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء، والجلباب هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد، وهو بمنزلة الإزار اليوم. قال الجوهري: الجلباب: الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلاً لها:شعر : تَمْشي النُّسورُ إليهِ وهْيَ لاهِيَةٌ مَشْيَ العَذارى عَلَيْهِنَّ الجَلابيبُ تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة، وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ} فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى. وقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني فيما كتب إليّ، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن خثيم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ} خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثنا يونس بن يزيد قال: وسألناه، يعني: الزهري: هل على الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة، وتنهى عن الجلباب؛ لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر المحصنات، وقد قال الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَِزْوَٰجِكَ وَبَنَـٰتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ}، وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة، وإنما نهى عن ذلك لخوف الفتنة، لا لحرمتهن، واستدل بقوله تعالى: {وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وقوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} أي: إذا فعلن ذلك، عرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر. قال السدي في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} قال: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلظ الظلام إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل، خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب، قالوا: هذه حرة، فكفوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة، فوثبوا عليها، وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة. وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي: لما سلف في أيام الجاهلية، حيث لم يكن عندهن علم بذلك، ثم قال تعالى متوعداً للمنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} قال عكرمة وغيره: هم الزناة ههنا {وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ} يعني: الذين يقولون: جاء الأعداء، وجاءت الحروب، وهو كذب وافتراء، لئن لم ينتهوا عن ذلك، ويرجعوا إلى الحق، {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: لنسلطنك عليهم. وقال قتادة: لنحرشنك بهم، وقال السدي: لنعلمنك بهم، {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ} أي: في المدينة {إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ} حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة، مطرودين مبعدين {أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ} أي: وجدوا {أُخِذُواْ} لذلتهم وقلتهم {وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} ثم قال تعالى: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ} أي: هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم، ولم يرجعوا عما هم فيه، أن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم، {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} أي: وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ وَبَنَٰتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ } جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يُرخِين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهنّ إلا عيناً واحدة {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ } أقرب إلى {أَن يُعْرَفْنَ } بأنهنّ حرائر {فَلاَ يُؤْذَيْنَ } بالتعرّض لهنّ بخلاف الإِماء فلا يغطين وجوههنّ، فكان المنافقون يتعرّضون لهنّ {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لما سلف منهن من ترك الستر {رَّحِيماً } بهنّ إذ سترهنّ.

الشوكاني

تفسير : لما فرغ سبحانه من الزجر لمن يؤذي رسوله والمؤمنين والمؤمنات من عباده أمر رسوله صلى الله عليه وسلم: بأن يأمر بعض من ناله الأذى ببعض ما يدفع ما يقع عليه منه، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوٰجِكَ وَبَنَـٰتِكَ وَنِسَاء ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ } "من" للتبعيض، والجلابيب جمع جلباب، وهو: ثوب أكبر من الخمار. قال الجوهري: الجلباب الملحفة، وقيل: القناع، وقيل: هو ثوب يستر جميع بدن المرأة، كما ثبت في الصحيح من حديث أم عطية أنها قالت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، فقال: "حديث : لتلبسها أختها من جلبابها"تفسير : ، قال الواحدي: قال المفسرون: يغطين وجوههنّ ورؤوسهنّ إلاّ عيناً واحدة، فيعلم: أنهنّ حرائر فلا يعرض لهنّ بأذى. وقال الحسن: تغطي نصف وجهها. وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشدّه ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى إدناء الجلابيب، وهو مبتدأ وخبره {أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } أي أقرب أن يعرفن، فيتميزن عن الإماء، ويظهر للناس أنهنّ حرائر {فَلاَ يُؤْذَيْنَ } من جهة أهل الريبة بالتعرض لهنّ مراقبة لهنّ، ولأهلهنّ وليس المراد بقوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد: أن يعرفن أنهنّ حرائر لا إماء؛ لأنهنّ قد لبسن لبسة تختص بالحرائر {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } لما سلف منهنّ من ترك إدناء الجلابيب {رَّحِيماً } بهنّ، أو غفوراً لذنوب المذنبين رحيماً بهم، فيدخلن في ذلك دخولاً أوّلياً. ثم توعد سبحانه أهل النفاق والإرجاف، فقال: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } عما هم عليه من النفاق {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } أي شك وريبة عما هم عليه من الاضطراب {وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ } عما يصدر منهم من الإرجاف بذكر الأخبار الكاذبة المتضمنة لتوهين جانب المسلمين وظهور المشركين عليهم. قال القرطبي: أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، والمعنى: أن المنافقين قد جمعوا بين النفاق ومرض القلوب، والإرجاف على المسلمين، فهو على هذا من باب قوله:شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : أي إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة. وقال عكرمة وشهر بن حوشب: {الذين في قلوبهم مرض} هم: الزناة. والإرجاف في اللغة: إشاعة الكذب والباطل، يقال: أرجف بكذا: إذا أخبر به على غير حقيقة لكونه خبرًا متزلزلاً غير ثابت، من الرجفة وهي الزلزلة. يقال: رجفت الأرض، أي تحركت وتزلزلت ترجف رجفاً، والرجفان: الاضطراب الشديد، وسمي البحر رجافاً لاضطرابه، ومنه قول الشاعر:شعر : المطعمون اللحم كل عشية حتى تغيب الشمس في الرجاف تفسير : والإرجاف واحد الأراجيف، وأرجفوا في الشيء خاضوا فيه، ومنه قول شاعر:شعر : فإنا وإن عيرتمونا بقلة وأرجف بالإسلام باغ وحاسد تفسير : وقول الآخر:شعر : أبالأراجيف يابن اللوم توعدني وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا تفسير : وذلك بأن هؤلاء المرجفين كانوا يخبرون عن سرايا المسلمين بأنهم هزموا، وتارة بأنهم قتلوا، وتارة بأنهم غلبوا، ونحو ذلك مما تنكسر له قلوب المسلمين من الأخبار، فتوعدهم الله سبحانه بقوله: {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } أي: لنسلطنك عليهم فتستأصلهم بالقتل والتشريد بأمرنا لك بذلك. قال المبرد: قد أغراه الله بهم في قوله بعد هذه الآية: {مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً } فهذا فيه معنى: الأمر بقتلهم وأخذهم: أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وأقول ليس هذا بحسن ولا أحسن، فإن قوله: {ملعونين} إلخ، إنما هو لمجرّد الدعاء عليهم لا أنه أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقتالهم ولا تسليط لهم عليهم، وقد قيل: إنهم انتهوا بعد نزول هذه الآية عن الإرجاف، فلم يغره الله بهم، وجملة: {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } جواب القسم، وجملة {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً } معطوفة على جملة جواب القسم، أي لا يجاورونك فيها إلاّ جواراً قليلاً حتى يهلكوا، وانتصاب {مَّلْعُونِينَ } على الحال كما قال المبرد، وغيره، والمعنى: مطرودين {أَيْنَمَا } وجدوا وأدركوا {أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ } دعاء عليهم بأن يؤخذوا ويقتلوا {تَقْتِيلاً } وقيل: إن هذا هو الحكم فيهم، وليس بدعاء عليهم، والأوّل أولى. وقيل: معنى الآية: أنهم إن أصرّوا على النفاق لم يكن لهم مقام بالمدينة إلاّ وهم مطرودون. {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } أي سنّ الله ذلك في الأمم الماضية، وهو لعن المنافقين وأخذهم وتقتيلهم، وكذا حكم المرجفين، وهو منتصب على المصدر. قال الزجاج: بين الله في الذين ينافقون الأنبياء، ويرجفون بهم: أن يقتلوا حيثما ثقفوا {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } أي تحويلاً وتغييراً، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء في الخلف والسلف. {يَسْـئَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ } أي عن وقت قيامها وحصولها قيل: السائلون عن الساعة هم أولئك المنافقون، والمرجفون لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة استبعاداً، وتكذيباً {وَمَا يُدْرِيكَ } يا محمد، أي ما يعلمك ويخبرك {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } أي في زمان قريب، وانتصاب {قريباً} على الظرفية، والتذكير لكون الساعة في معنى اليوم أو الوقت مع كون تأنيث الساعة ليس بحقيقي، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان أنها إذا كانت محجوبة عنه لا يعلم وقتها وهو: رسول الله، فكيف بغيره من الناس؟ وفي هذا تهديد لهم عظيم. {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي طردهم وأبعدهم من رحمته {وَأَعَدَّ لَهُمْ } في الآخرة مع ذلك اللعن منه لهنّ في الدنيا {سَعِيراً } أي ناراً شديدة التسعر {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } بلا انقطاع {لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يواليهم ويحفظهم من عذابها {وَلاَ نَصِيراً } ينصرهم ويخلصهم منها، "ويوم" في قوله: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ } ظرف لقوله: {لا يجدون}، وقيل: لـ {خالدين}، وقيل: لـ {نصيرا}، وقيل: لفعل مقدر، وهو: اذكر. قرأ الجمهور: {تقلب} بضم التاء وفتح اللام على البناء للمفعول. وقرأ عيسى الهمداني وابن أبي إسحاق "نقلب" بالنون، وكسر اللام على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه. وقرأ عيسى أيضاً بضم التاء وكسر اللام على معنى: تقلب السعير وجوههم. وقرأ أبو حيوة وأبو جعفر وشيبة بفتح التاء واللام على معنى: تتقلب، ومعنى هذا التقلب المذكور في الآية: هو تقلبها تارة على جهة منها، وتارة على جهة أخرى ظهراً لبطن، أو تغير ألوانهم بلفح النار فتسودّ تارة وتخضرّ أخرى، أو تبديل جلودهم بجلود أخرى، فحينئذ {يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَا أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ } والجملة مستأنفة كأنه قيل: فما حالهم؟ فقيل: يقولون، ويجوز: أن يكون المعنى: يقولون يوم تقلب وجوههم في النار {ياليتنا} إلخ. تمنوا أنهم أطاعوا الله والرسول، وآمنوا بما جاء به؛ لينجوا مما هم فيه من العذاب كما نجا المؤمنون، وهذه الألف في {الرسولا}، والألف التي ستأتي في {السبيلا} هي: الألف التي تقع في الفواصل، ويسميها النحاة ألف الإطلاق، وقد سبق بيان هذا في أوّل هذه السورة. {وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا } هذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى، والمراد بالسادة والكبراء: هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ويقتدون بهم، وفي هذا زجر عن التقليد شديد، وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا والتحذير منه والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم معنى كلام الله ويقتدي به وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام في سوء الفهم ومزيد البلادة وشدّة التعصب. وقرأ الحسن وابن عامر: "ساداتنا" بكسر التاء جمع سادة فهو جمع الجمع. وقال مقاتل: هم: المطعمون في غزوة بدر، والأوّل أولى، ولا وجه للتخصيص بطائفة معينة {فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } أي عن السبيل بما زينوا لنا من الكفر بالله ورسوله، والسبيل هو: التوحيد، ثم دعوا عليهم في ذلك الموقف، فقالوا: {رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } أي مثل عذابنا مرتين. وقال قتادة: عذاب الدنيا والآخرة، وقيل: عذاب الكفر وعذاب الإضلال {وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً } قرأ الجمهور: "كثيراً" بالمثلثة، أي لعناً كثير العدد عظيم القدر شديد الموقع، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد والنحاس. وقرأ ابن مسعود وأصحابه ويحيى بن وثاب وعاصم بالباء الموحدة، أي كبيراً في نفسه شديداً عليهم ثقيل الموقع. وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قال: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر، فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين؟ قال: فانكفأت راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت وقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. فأوحي إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: حديث : إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ» تفسير : ، وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كان نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم يخرجن بالليل لحاجتهن، وكان ناس من المنافقين يتعرّضون لهن فيؤذين، فقيل ذلك للمنافقين، فقالوا: إنما نفعله بالإماء، فنزلت هذه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } الآية. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: كان رجل من المنافقين يتعرّض لنساء المؤمنين يؤذيهنّ، فإذا قيل له قال: كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله أن يخالفن زيّ الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلاّ إحدى عينيها {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } يقول: ذلك أحرى أن يعرفن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هذه الآية قال: أمر الله نساء المؤمنات إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههنّ من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أمّ سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ } خرج نساء الأنصار كأن رؤوسهنّ الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها، هكذا في الزوائد بلفظ من السكينة، وليس لها معنى، فإن المراد تشبيه الأكسية السود بالغربان، لا أن المراد وصفهن بالسكينة كما يقال: كأن على رؤوسهم الطير. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: رحم الله نساء الأنصار، لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } الآية. شقن مروطهن، فاعتجرن بها، وصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسهنّ الغربان. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: كانت الحرّة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين: أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشدّه على جبينها. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب في قوله: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } يعني: المنافقين بأعيانهم {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } شك: يعني المنافقين أيضاً. وأخرج ابن سعد أيضاً عن عبيد بن جبير قال: {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ } هم: المنافقون جميعاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } قال: لنسلطنك عليهم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {... يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبَهنَّ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الجلباب الرداء، قاله ابن مسعود والحسن. الثاني: أنه القناع؛ قاله ابن جبير. الثالث: أنه كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، قاله قطرب. وفي إدناء جلابيبهن عليهن قولان: أحدهما: أن تشده فوق رأسها وتلقيه فوق خمارها حتى لا ترى ثغرة نحرها، قاله عكرمة. الثاني: أن تغطي وجهها حتى لا تظهر إلا عينها اليسرى، قاله عَبيدة السلماني. {ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} فيه وجهان: أحدهما: ليعرفن من الإماء بالحرية. الثاني: يعرفن من المتبرجات بالصيانة. قال قتادة: كانت الأمة إذا مرت تناولها المنافقون بالأذى فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء. قوله: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم الزناة، قاله عكرمة والسدي. الثاني: أصحاب الفواحش والقبائح، قاله سلمة بن كهيل. وفي قوله: {لَّئِن لَمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ} قولان: أحدهما: عن إيذاء نساء المسلمين قاله الكلبي. الثاني: عن إظهار ما في قلوبهم من النفاق، قاله الحسن وقتادة. {وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الذين يكاثرون النساء ويتعرضون لهن، قاله السدي. الثاني: أنهم الذين يذكرون من الأخبار ما يضعف به قلوب المؤمنين وتقوى به قلوب المشركين قاله قتادة. الثالث: أن الإرجاف التماس الفتنة، قاله ابن عباس، وسيت الأراجيف لاضطراب الأصواب بها وإفاضة الناس فيها. {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه لنسلطنك عليهم، قاله ابن عباس. الثاني: لنعلمنك بهم، قاله السدي. الثالث: لنحملنك على مؤاخذتهم، وهو معنى قول قتادة. {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إلاَّ قَلِيلاً} قيل بالنفي عنها، وقيل الذي استثناه ما بين قوله لهم اخرجوا وبين خروجهم. قوله: {سُنَّةُ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني سنته فيهم أن من أظهر الشرك قتل، قاله يحيى بن سلام. الثاني: سنته فيهم أن من زَنَى حُد،وهو معنى قول السدي. الثالث: سنته فيهم أن من أظهر النفاق أبعد، قاله قتادة. {ولَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} فيه وجهان: أحدهما: يعني تحويلاً وتغييراً، حكاه النقاش. الثاني: يعني أن من قتل بحق فلا دية له على قاتله، قاله السدي.

ابن عطية

تفسير : لما كانت عادة العربيات التبذل في معنى الحجبة وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكر فيهن أمر الله تعالى رسوله عليه السلام بأمرهن بإدناء الجلابيب، ليقع سترهن ويبين الفرق بين الحرائر والإماء، فيعرف الحرائر بسترهن فكيف عن معارضتهن من كان غزلاً أو شاباً وروي أنه كان في المدينة قوم يجلسون على الصعدات لرؤية النساء ومعارضتهن ومراودتهن، فنزلت الآية بسبب ذلك، و"الجلباب" ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء واختلف الناس في صورة إدنائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، وقوله تعالى: {ذلك أدنى أن يعرفن} أي على الجملة بالفرق حتى لا يختلطن بالإماء، فإذا عرفن لم يقابلن بأذى من المعارضة مراقبة لرتبة الحرية، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي، وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت قنعها الذرة محافظة على زي الحرائر، وباقي الآية ترجية ولطف وحث على التوبة وتطميع في رحمة الله تعالى، وفيها تأنيس للنساء في ترك الجلابيب قبل هذا الأمر المشروع.

ابن عبد السلام

تفسير : {جَلابِيبِهِنَّ} الجلباب: الرداء، أو القناع أو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها وإدناؤه أن تشد به رأسها وتلقيه فوق خمارها حتى لا ترى ثغرة نحرها، أو تغطي به وجهها حتى لا تظهر إلا عينها اليسرى {يُعْرَفْنَ} من الإماء بالحرية أو من المتبرجات بالصيانة. قال قتادة: كانت الأَمَةَ إِذا مرَّت تناولها المنافقون بالأذى فنهى الله ـ تعالى ـ الحرائر أن يتشبهن بهن.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن سعد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ "حديث : خرجت سودة رضي الله عنها بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر رضي الله عنه فقال‏:‏ يا سودة إنك والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عِرْقٌ فدخلت وقالت‏:‏ يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر رضي الله عنه‏:‏ كذا‏.‏‏.‏ كذا‏.‏‏.‏ فأوحي إليه ثم رفع عنه وان العِرْقَ في يده فقال‏: إنه قد أذن لكن ان تخرجن لحاجتكن ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال‏:‏ كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن بالليل لحاجتهن، وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن فيؤذين، فقيل‏ ذلك للمنافقين فقالوا‏:‏ إنما نفعله بالإِماء‏.‏ فنزلت هذه الآية ‏ {‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين‏} ‏ فأمر بذلك حتى عرفوا من الأماء‏. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح رضي الله عنه قال‏:‏ قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على غير منزل، فكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن إذا كان الليل خرجن يقضين حوائجهن، وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل، فأنزل الله ‏ {‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ يعني بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة‏. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال‏:‏ كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن، فإذا قيل له قال‏:‏ كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله تعالى أن يخالفن زي الأماء، ويدنين عليهن من جلابيبهن، تخمر وجهها إلا إحدى عينيها ‏ {‏ذلك أدنى أن يعرفن‏}‏ يقول‏:‏ ذلك أحرى أن يعرفن‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال‏:‏ أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏ {‏يدنين عليهن من جلابيبهن‏} ‏ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان، من أكسيه سود يلبسنها‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قلابة رضي الله عنه قال‏:‏ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يدع في خلافته أمة تقنع ويقول‏:‏ إنما القناع للحرائر لكيلا يؤذين‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ رأى عمر رضي الله عنه جارية مقنعة، فضربها بدرته وقال‏:‏ القي القناع لا تشبهين بالحرائر‏. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ رحم الله نساء الأنصار، لما نزلت ‏{‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏ .‏ شققن مروطهن‏.‏ فاعتجرن بها، فصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنما على رؤوسهن الغربان‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن شهاب رضي الله عنه أنه قيل له‏:‏ الأمة تزوج فتخمر قال ‏ {‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن‏} ‏ فنهى الله الاماء أن يتشبهن بالحرائر‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال‏:‏ سألت عبيدة رضي الله عنه عن هذه الآية ‏ {‏يدنين عليهن من جلابيبهن‏} ‏ فرفع ملحفة كانت عليه فقنع بها، وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين، وغطى وجهه، وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر مما يلي العين‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏{‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن‏}‏ قال‏:‏ أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يعدنها على الحواجب ‏ {‏ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين‏} ‏ قال‏:‏ قد كانت المملوكة يتناولونها، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالاماء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي في الآية قال‏:‏ كن النساء يخرجن إلى الجبابين لقضاء حوائجهن، فكان الفساق يتعرضون لهن، فيؤذونهن فأمرهن الله أن يدنين عليهن من جلابيبهن، حتى تعلم الحرة من الأمة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة أن ذعارا من ذعار أهل المدينة كانوا يخرجون بالليل، فينظرون النساء ويغمزونهن، وكانوا لا يفعلون ذلك بالحرائر إنما يفعلون ذلك بالإِماء، فأنزل الله هذه الآية ‏{‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين‏} ‏ إلى آخر الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال‏:‏ كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهم من جلابيبهن، وأدنى الجلباب‏:‏ أن تقنع، وتشده على جبينها‏.‏ وأخرج ابن سعد عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعْرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ‏}‏ قال‏:‏ أماؤكن بالمدينة يتعرض لهن السفهاء فيؤذين، فكانت الحرة تخرج، فيحسب أنها أمة فتؤذى، فأمرهن الله أن يدنين عليهن من جلابيبهن‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ كان أناس من فساق أهل المدينة بالليل حين يختلط الظلام، يأتون إلى طرق المدينة فيتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق، فيقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يتبعون ذلك منهن، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا‏:‏ هذه حرة فكفوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا‏:‏ هذه أمة فوثبوا عليها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏{‏يدنين عليهن من جلابيبهن‏} ‏ قال‏:‏ يسدلن عليهن من جلابيبهن‏.‏ وهو القناع فوق الخمار، ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ تدني الجلباب حتى لا يرى ثغرة نحرها‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يدنين عليهن من جلابيبهن‏} ‏ قال‏:‏ هو الرداء‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏يدنين عليهن من جلابيبهن‏} ‏ قال‏:‏ يتجلببن بها فيعلمن أنهن حرائر، فلا يعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبه‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال‏:‏ سألت عبيداً السلماني رضي الله عنه عن قول الله ‏{‏يدنين عليهن من جلابيبهن‏}‏ فتقنع بملحفة، فغطى رأسه ووجهه، وأخرج احدى عينيه‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ} بعدَ ما بـيَّن سوءَ حالِ المُؤذين زَجْراً لهم عن الإيذاءِ أمرَ النبـيَّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بأنْ يأمرَ بعضَ المتأذِّين منهُم بما يدفعُ إيذاءَهم في الجُملةِ من السترِ والتميزِ عن مواقعِ الإيذاءِ فقيلَ: {قُل لأَزْوٰجِكَ وَبَنَـٰتِكَ وَنِسَاء ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ} الجلباب ثوبٌ أوسعُ من الخمارِ ودُونَ الرِّداء تلويهِ المرأةُ على رأسِها وتُبقي منه ما تُرسله على صدرِها وقيل: هي الملْحفةُ وكل ما يُتسترُ به، أي يغطينَّ بها وجوههنَّ وأبدانهنَّ إذَا برزن لداعيةٍ من الدَّواعِي، ومِنْ للتبعيضِ لما مرَّ منْ أنَّ المعهودَ التَّلفعُ ببعضِها وإرخاءُ بعضِها. وعن السُّدِّيِّ: تُغطيِّ إحدَى عينيها وجبهتَها والشقَّ الآخرَ إلا العينَ {ذٰلِكَ} أي ما ذُكر من التَّغطِّي {أَدْنَىٰ} أقربُ {أَن يُعْرَفْنَ} ويُميزنَّ عن الإماءِ والقيناتِ اللاتِي هنَّ مواقعُ تعرُّضِهم وإيذائِهم {فَلاَ يُؤْذَيْنَ} من جهةِ أهلِ الرِّبـيةِ بالتعرضِ لهنَّ {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} لما سلفَ منهنَّ منَ التَّفريطِ {رَّحِيماً} بعبادِه حيثُ يُراعي من مصالحهم أمثالَ هاتيكَ الجُزئياتِ. {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ} عمَّا هُم عليهِ من النِّفاقِ وأحكامِه الموجبةِ للإيذاءِ {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} عمَّا هُم عليهِ من التزلزلِ وما يستتبعُه ممَّا لا خيرَ فيهِ {وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ} من الفريقينِ عمَّا هُم عليهِ من نشرِ أخبارِ السُّوءِ عن سَرَايا المُسلمينَ وغيرِ ذلكَ من الأراجيفِ الملَّفقةِ المُستتبعةِ للأذَّيةِ. وأصلُ الإرجافِ التَّحريكُ من الرَّجفةِ التي هي الزَّلزلةُ وُصفت به الأخبارُ الكاذبةُ لكونِها متزلزلةً غيرَ ثابتةٍ {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} لنأمرنَّك بقتالِهم وإجلائِهم أو بما يضطرهم إلى الجلاءِ ولنحرضنَّك على ذلكَ {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ} عطفٌ على جوابِ القسمِ وثمَّ للدَّلالةِ على أنَّ الجلأَ ومفارقةَ جوارِ الرَّسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعظمُ ما يُصيبهم {فِيهَا} أي في المدينةِ {إِلاَّ قَلِيلاً} زَمَاناً أو جواراً قليلاً ريثما يتبـينُ حالُهم من الانتهاءِ وعدمِه {مَّلْعُونِينَ} نُصب على الشَّتمِ أو الحالِ على أنَّ الاستثناءَ واردٌ عليهِ أيضاً على رَأْي مَن يجوزُه كما مرَّ في قولِه تعالى غيرَ ناظرينَ إناه، ولا سبـيلَ إلى انتصابِه عن قولِه تعالى: {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً} لأنَّ ما بعد كلمةِ الشَّرطِ لا يعملُ فيما قبلَها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. هذا تنبيةٌ لهن على حِفْظِ الحُرْمة وإثبات الرُّتْبَة، وصيانةٌ لهن، وأمرٌ لهن بالتصاونِ والتعفُّفِ. وقَرَنَ بذلك تهديده للمنافقين في تعاطيهم ما كان يشغل قلبَ الرسول صلى الله عليه وسلم، من الإرجاف في المدينة:- قوله جلّ ذكره: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}. إنهم إِلَمْ يمتنعوا عن الإرجاف وأمثال ذلك لأجرينا معهم سُنَّتَنا في التدمير على مَنْ سَلَف من الكفار. ثم ذَكَرَ مسألة القوم عن قيام الساعة وتكذيبهم ذلك؛ ثم استعجالهم قيامَها من غير استعدادٍ لها، ثم أخبر بصعوبة العقوبة التي علم أنه يُعَذِّبهم بها، وما يقع عليهم من الندامة على ما فَرَّطوا.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها النبى قل لازواجك} اى نسائك وكانت تسعا حين توفى عليه السلام وهن عائشة وحفصة وام حبيبة وام سلمة وسودة وزينب وميمونة وصفية وجويرية وقد سبق تفاصيلهن نسبا واوصافا واحوالا {وبناتك} وكانت ثمانى اربعا صلبية ولدتها خديجة وهى زينب ورقية وام كلثوم وفاطمة رضى الله عنهن متن فى حياته عليه السلام الا فاطمة فانها عاشت بعده ستة اشهر. واربعا ربائب ولدتها ام سلمة وهى برة وسلمة وعمرة ودرة رضى الله عنهن {ونساء المؤمنين} فى المدينة {يدنين عليهن من جلابيبهن} مقول القول [والادناء. نزديك كردن] من الدنو وهو القرب. والجلباب ثوب اوسع من الخمار دون الرداء تلويه المرأة على رأسها وتبقى منه ما ترسله الى صدرها بالفارسية [جار] ومن للتبعيض لان المرأة ترخى بعض جلبابها وتتلفع ببعض [والتلفع: جامه بسر تاباى دركرفتن] والمعنى يغطين بها وجوههن وابدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والابدان كالاماء حتى لا يتعرض لهن السفهاء ظنا بانهن اماء. وعن السدى تغطى احدى عينيها وشق وجهها والشق الآخر الا العين {ذلك} اى ما ذكر من التغطى {ادنى} اقرب {ان يعرفن} ويميزن من الاماء والقينات اللاتى هن مواقع تعرض الزناة واذاهم كما ذكر فى الآية السابقة {فلا يؤذين} من جهة اهل الفجور بالتعرض لهن. قال انس رضى الله عنه مرت لعمر بن الخطاب جارية متقنعة فعلاها بالدرة وقال يالكاع تتشبهين بالحرائر القى القناع {وكان الله غفورا} لما سلف من التفريط وترك الستر {رحيما} بعباده حيث يراعى مصالحهم حتى يراعى مصالحهم حتى الجزئيات منها. وفى الاية تنبيه لهن على حفظ انفسهن ورعاية حقوقهن بالتصاون والتعفف. وفيه اثبات زينتهن وعزة قدرهن {ذلك} التنبيه {ادنى ان يعرفن} ان لهن قدرا ومنزلة وعزة فى الحضرة {فلا يؤذين} بالاطماع الفاسدة والاقوال الكاذبة {وكان الله غفورا} لهن بامتثال الاوامر {رحيما} بهن باعلاء درجانهن كما فى التأويلات النجمية. واعلم انه فهم من الآية شيآن. الاول ان نساء ذلك الزمان كن لا يخرجن لقضاء حوائجهن الا ليلا تسترا وتعففا واذا خرجن نهارا لضرورة يبالغن فى التغطى ورعاية الادب والوقار وغض البصر عن الرجال الاخيار والاشرار ولا يخرجن الا فى ثياب دنيئة فمن خرجت من بيتها متعطرة متبرجة اى مظهرة زينتها ومحاسنها للرجال فان عليها ما على الزانية من الوزر: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : جوزن راه بازار كيرد بزن وكرنه تودر خانه بنشين جوزن زبيكانكان جشم زن كورباد جو بيرون شداز خانه در كورباد تفسير : وعلامة المرأة الصالحة عند اهل الحقيق ان يكون حسنها مخافة الله وغناها القناعة وحليها العفة اى التكفف عن الشرور والمفاسد والاجتناب عن مواقع التهم. يقال ان المرأة مثل الحمامة اذا نبت لها جناح طارت كذلك الرجل اذا زين امراته بالثياب الفاخرة فلا تجلس فى البيت شعر : جو بينى كه زن باى برجاى نيست ثبات ازخردمندى وراى نيست كريزاز كفش در دهان نهنك كه مردن به از زند كانى به ننك تفسير : قال الجامى شعر : جومر داز زن بخوش خويى كشدبار زخوش خويى ببدبويى كشد كار مكن بركار زن جند ان صبورى كه افتد رخنه در رسد غيورى تفسير : قيل لا خير فى بنات الكفرة وقد يؤذى عليهن فى الاسواق وتمر عليهن ايدى الفساق يعنى انها فى الابتذال بحيث لا يميل اليها اكثر الرجال والغالب عليها النظر الى الاجانب والميل الى كل جانب فأين نساء الزمان من رابعة العدوية رحمها الله فانها مرضت مرة مرضا شديدا فسئلت عن سببه فقالت نظرت الى الجنة فادبنى ربى وعاتبنى فاخذنى المرض من ذلك العتاب فاذا كان الناظر الى الجنة فى معرض الخطاب والعتاب لكونها ما دون الله تعالى مع كونها دار كرامته وتجليه فما ظنك بالناظر الى الدنيا وحطامها ورجالها ونسائها. والثانى ان الدنيا لم تخل عن الفسق والفجور حتى فى الصدر الاول فرحم الله امرأ غض بصره عن اجنبية فان النظرة تزرع فى القلب شهوة وكفى بها فتنة. قال ابن سيرين رحمه الله انى لأرى المرأة فى منامى فاعلم انها لا تحل لى فاصرف بصرى فيجب ان لا يقرب امرأة ذات عطر وطيب ولا يمس يدها ولا يكلمها ولا يمازحها ولا يطلافها ولا يخلو بها فان الشيطان يهيج شهوته ويوقعه فى الفاحشة وفى الحديث "حديث : من فاكه امرأة لم تحل له ولا يملكها حبس بكل كلمة الف عام فى النار ومن التزم امرأة حراما" اى اعتنقها (قرن مع الشيطان فى سلسلة ثم يؤمر به الى النار) تفسير : والعياذ بالله من دار البوار

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتِك ونساءِ المؤمنين يُدْنِينَ عليهن من جَلابِيبهن} أي: يُرخين على وجوههنّ من جلابيبهن فيغطين بها وجوهَهن. والجلباب: كل ما يستر الكل، مثل الملحفة، والمعنى: قل للحرائر يُرخين أرديتهن وملاحفَهن ويغَطين بها وجوههن ورؤوسهن، ليعلم أنهن حرائر فلا يؤذين. و {ذلك أَدْنَى} أي: أقرب وأجدر، {أن يُعْرَفْنَ} من الإماء {فلا يُؤْذَين} وذلك أن النساء في أول الإسلام كن على زيهنَّ في الجاهلية متبذّلات، تبرز المرأةُ في درج وخمار، لا فَصْل بين الحُرّة والأَمَة. وكان الفتيان يتعرّضون للإماء، إذا خرجن بالليل لقضاء حاجتهنّ في النخيل والغَيْضات، وكن يخرجن مختلطات مع الحرائر، فربما تعرّضوا للحُرّة، يحسبونها أَمَة، فأُمِرن أن يخالفن بزيهنّ عن زي الإماء بلباس الجلابيب، وستر الرؤوس والوجوه، فلا يطمع فيهنّ طامع. قال ابن عباس رضي الله عنه: أمر الله تعالى نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب، ويُبدين عيناً واحدة. قلت: وقد مرَّ في سورة النور أن الوجه والكفين ليس بعورة، إلا لخوف الفتنة، وأما الإماء فلا تسترن شيئاً إلا ما بين السرة والركبة، كالرجل. قال أنس: مرتْ جارية متقنعة بعمر بن الخطاب فعلاها بالدرة، وقال: يا لكاع أنت تشبهين بالحرائر، فألقِ القناع، {وكان اللهُ غفوراً} لِما سلف منهن من التفريط، {رحيماً} بتعليمهن آداب المكارم. الإشارة: ينبغي لنساء الخواص أن يتميزن من نساء العامة؛ بزيادة الصَوْن والتحفُّظ، وقلة الخروج، فإذا لزمهنَّ الخروج، فليخرجن في لباس خشين، بحيث لا يُعرفن، أو يخرجن ليلاً. وثبت أن زوجة الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه لم تخرج من دارها إلا خرجتين؛ خرْجة حين زُفت إلى زوجها، وخرجة إلى المقابر. نفعنا الله ببركاتهم. آمين. ثم هدّد المنافقين حيث كانوا يؤذوان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقال: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ...}

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} ادبٌ آخرُ لنساء النّبىّ (ص) وسائر الامّة {قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} كنّ لا يغطّين وجوههنّ وسائر مواضع زينتهنّ بجلبابهنّ فأمرهنّ الله تعالى بستر الوجوه والصّدور بالجلابيب حتّى يتميّزن عن سائر النّساء بذلك، والجلباب للنّساء ثوبٌ وسيعٌ يلبسنه فوق الثّياب دون الملحفة او هو الملحفة {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ} بتميّزهنّ من الاماء والقيان وسائر النّساء {فَلاَ يُؤْذَيْنَ} قيل: كان سبب نزولها انّ النّساء كنّ يخرجن الى المسجد ويصلّين خلف رسول الله (ص) فاذا كان باللّيل وخرجن الى صلٰوة المغرب والعشاء الآخرة والغداة يقعد الشّباب لهنّ فى طريقهنّ فيؤذونهنّ ويتعرّضون لهنّ {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} فيغفر تقصيرهنّ فيما سلف ويرحمهنّ بتعليم آداب المعاشرة لهنّ.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ}. والجلباب: الرّداء تقَنَّعُ به وتغطّى به شِقَّ وجهِها الأيمن، تغطّي عينها اليمنى وأنفها. {ذَلِكَ أَدْنَى} أي: أجدر. {أَن يُعْرَفْنَ} أنهم حرائر مسلمات عفيفات {فَلاَ يُؤْذَيْنَ} أي: فلا يعرض لهن أحد بالأذى. وكان المنافقون هم الذين كانوا يتعرّضون النساء. قال الكلبي: حديث : كانوا يلتمسون الإِماء، ولم تكن تعرف الحرة من الأمة بالليل، فتلقى نساء المؤمنين منهم أذى شديداً. فذكرن ذلك لأزواجهن، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية . تفسير : وقال الحسن: كان أكثر من يصيب الحدود يومئذ المنافقون. [ذكروا عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب رأى أمة عليها قناع فعلاها بالدّرّة وقال: اكشفي رأسك ولا تتشبّهي بالحرائر]. قال الله: {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. ثم قال: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني الزنى {وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} يعني المنافقون، يرجفون بالنبي وأصحابه؛ يقولون: يهلك محمد وأصحابه. وقال الكلبي: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ} أي: لئن لم ينتهوا عن أذى نساء المؤمنين. {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي: لنسلطَنَّك عليهم {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ} أي: في المدينة {إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً}.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ } بعد ما بين سبحانه سوء حال المؤذين زجراً لهم عن الإيذاء أمر النبـي صلى الله عليه وسلم بأن يأمر بعض المتأذين منهم بما يدفع إيذاءهم في الجملة من التستر والتميز عن مواقع الإيذاء فقال عز وجل: {قُل لأَِزْوٰجِكَ وَبَنَـٰتِكَ وَنِسَاء ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ } روي عن غير واحد أنه كانت الحرة والأمة تخرجان ليلاً لقضاء الحاجة في الغيطان وبين النخيل من غير امتياز بين الحرائر والإماء وكان في المدينة فساق يتعرضون للإماء وربما تعرضوا للحرائر فإذا قيل لهم يقولون حسبناهن إماء فأمرت الحراير أن يخالفن الإماء بالزي والتستر ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن، والجلابيب جمع جلباب وهو على ما روي عن ابن عباس الذي يستر من فوق إلى أسفل، وقال ابن جبير: المقنعة، وقيل: الملحفة، وقيل: كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، وقيل: كل ما تتستر به من كساء أو غيره، وأنشدواشعر : تجلببت من سواد الليل جلبابا تفسير : وقيل هو ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء، والإدناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل / ولذا عدي بعلى على ما يظهر لي، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل. ونقل أبو حيان عن الكسائي أنه قال: أي يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن ثم قال: أراد بالانضمام معنى الإدناء، وفي «الكشاف» معنى {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ } يرخين عليهن يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة أدنى ثوبك على وجهك. وفسر ذلك سعيد بن جبير بيسدلن عليهن، وعندي أن كل ذلك بيان لحاصل المعنى، والظاهر أن المراد بعليهن على جميع أجسادهن، وقيل: على رؤوسهن أو على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه. واختلف في كيفية هذا التستر، فأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن هذه الآية {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ } فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر، وقال السدي: تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين، وقال ابن عباس وقتادة: تلوي الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الألف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه، وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير وابن أبـي حاتم وابن مردويه تغطي وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة. وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ } خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: رحم الله تعالى نساء الأنصار لما نزلت {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَِزْوٰجِكَ وَبَنَـٰتِكَ } الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسهن الغربان. و(من) للتبعيض ويحتمل ذلك على ما في «الكشاف» وجهين، أحدهما أن يكون المراد بالبعض واحداً من الجلابيب وإدناء ذلك عليهن أن يلبسنه على البدن كله، وثانيهما أن يكون المراد بالبعض جزأ منه وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن، والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر وسبب النزول يقتضيه وما بعد ظاهر فيه فإماء المؤمنين غير داخلات في حكم الآية. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أن غير الحرة لا تتقنع. أخرج ابن أبـي شيبة عن قلابة قال: كان عمر بن الخطاب لا يدع في خلافته أمة تتقنع ويقول: القناع للحرائر لكيلا يؤذين؛ وأخرج هو وعبد بن حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأى عمر رضي الله تعالى عنه جارية مقنعة فضربها بدرته وقال: ألقي القناع لا تتشبهي بالحرائر، وجاء في بعض الروايات أنه رضي الله تعالى عنه قال لأمة رآها مقنعة: يا لكعاء أتشبهين بالحرائر؟ وقال أبو حيان: نساء المؤمنين يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح انتهى. وأنت تعلم أن وجه الحرة عندنا ليس بعورة فلا يجب ستره ويجوز النظر من الأجنبـي إليه إن أمن الشهوة مطلقاً وإلا فيحرم، وقال القهستاني: منع النظر من الشابة في زماننا ولو بلا شهوة وأما حكم أمة الغير ولو مدبرة أو أم ولد فكحكم المحرم فيحل النظر إلى رأسها ووجهها وساقها وصدرها وعضدها إن أمن شهوته وشهوتها. وظاهر الآية لا يساعد على ما ذكر في الحرائر فلعلها محمولة على طلب تستر تمتاز به الحرائر عن الإماء أو العفائف مطلقاً عن غيرهن فتأمل؛ و {يُدْنِينَ } / يحتمل أن يكون مقول القول وهو خبر بمعنى الأمر وأن يكون جواب الأمر على حد {أية : قُل لّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ }تفسير : [إبراهيم: 31] وفي الآية رد على من زعم من الشيعة أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن له من البنات إلا فاطمة صلى الله عليه وسلم على أبيها وعليها وسلم وأما رقية. وأما كلثوم فربيبتاه عليه الصلاة والسلام. {ذٰلِكَ } أي ما ذكر من الإدناء والتستر {أَدْنَىٰ } أي أقرب {أَن يُعْرَفْنَ } أي يميزن عن الإماء اللاتي هن مواقع تعرضهم وإيذائهم. ويجوز إبقاء المعرفة على معناها أي أدنى أن يعرفن أنهن حرائر {فَلاَ يُؤْذَيْنَ } من جهة أهل الريبة بالتعرض لهن بناء عن أنهن إماء. وقال أبو حيان: أي ذلك أولى أن يعرفن لتسترهن بالعفة فلا يتعرض لهن ولا يلقين بما يكرهن لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يقدم عليها بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها، وهو تفسير مبني على رأيه في النساء، وأياً ما كان فقد قال السبكي في «طبقاته»: إن أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية استنبط من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن وإن لم يفعله السلف لأن فيه تمييزاً لهم حتى يعرفوا فيعمل بأقوالهم وهو استنباط لطيف. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } كثير المغفرة فيغفر سبحانه ما عسى يصدر من الإخلال بالتستر، وقيل: يغفر ما سلف منهن من التفريط. وتعقب بأنه إن أريد التفريط في أمر التستر قبل نزول الآية فلا ذنب قبل الورود في الشرع وإن أريد التفريط في غير ذلك ليكون وكان الله كثير المغفرة فيغفر ما سلف من ذنوبهن وارتكابهن ما نهى عنه مطلقاً فهو غير مناسب للمقام، وجوز أن يراد التفريط في أمر التستر والأمر به معلوم من آية الحجاب التزاماً وهو كما ترى {رَّحِيماً } كثير الرحمة فيثيب من امتثل أمره منهن بما هو سبحانه أهله، وقيل: رحيماً بهن بعد التوبة عن الإخلال بالتستر بعد نزول الآية، وقيل: رحيماً بعباده حيث راعى سبحانه في مصالحهم أمثال هذه الجزئيات.

ابن عاشور

تفسير : أتبع النهي عن أذى المؤمنات بأن أمرن باتقاء أسباب الأذى لأن من شأن المطالب السعي في تذليل وسائلها كما قال تعالى: {أية : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها}تفسير : [الإسراء: 19] وقال أبو الأسود:شعر : ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس تفسير : وهذا يرجع إلى قاعدة التعاون على إقامة المصالح وإماتة المفاسد. وفي الحديث:«حديث : رحم الله والداً أعان ولده على بره». تفسير : وهذا الحديث ضعيف السند لكنه صحيح المعنى لأن بر الوالدين مطلوب، فالإِعانة عليه إعانة على وجود المعروف والخير. وابتدىء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته لأنهن أكمل النساء، فذكرهن من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام به. والنساء: اسم جمع للمرأة لا مفرد له من لفظه، وقد تقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : ولا نسائهن}تفسير : [الأحزاب: 55]. فليس المراد بالنساء هنا أزواج المؤمنين بل المراد الإِناث المؤمنات، وإضافته إلى المؤمنين على معنى (من) أي النساء من المؤمنين. والجلابيب: جمع جلباب وهو ثوب أصغر من الرداء وأكبر من الخمار والقِناع، تضعه المرأة على رأسها فيتدلى جانباه على عذارَيْها وينسدل سائره على كتفها وظهرها، تلبسه عند الخروج والسفر. وهيئات لبس الجلابيب مختلفة باختلاف أحوال النساء تبينها العادات. والمقصود هو ما دل عليه قوله تعالى: {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين}. والإِدناء: التقريب، وهو كناية عن اللبس والوضع، أي يضعن عليهن جلابيبهن، قال بشار:شعر : ليلةٌ تَلبَس البياض من الشهر وأخرى تُدني جلابيبَ سودا تفسير : فقابل بــــ (تُدني) (تلبَس) فالإِدناء هنا اللبس. وكان لبس الجلباب من شعار الحرائر فكانت الإِماء لا يلبسن الجلابيب. وكانت الحرائر يلبسن الجلابيب عند الخروج إلى الزيارات ونحوها فكُنَّ لا يلبسْنَها في الليل وعند الخروج إلى المناصع، وما كنّ يخرجن إليها إلا ليلاً فأمرن بلبس الجلابيب في كل خروج ليعرف أنهن حرائر فلا يتعرض إليهن شباب الدُّعّار يحسبهن إماء أو يتعرض إليهن المنافقون استخفافاً بهن بالأقوال التي تخجلهن فيتأذيْنَ من ذلك وربما يسببْن الذين يؤذونهن فيحصل أذى من الجانبين. فهذا من سدّ الذريعة. والإِشارة بــــ{ذلك} إلى الإدناء المفهوم من {يدنين}، أي ذلك اللباس أقرب إلى أن يُعرف أنهن حرائر بشعار الحرائر فيتجنب الرجال إيذاءهن فيسلموا وتسلمن. وكان عمر بن الخطاب مدة خلافته يمنع الإِماء من التقنع كي لا يلتبسن بالحرائر ويضرب من تتقنّع منهن بالدّرة ثم زال ذلك بعده، فذلك قول كثير:شعر : هنّ الحرائر لا ربات أخمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور تفسير : والتذييل بقوله: {وكان الله غفوراً رحيماً} صفح عما سبق من أذى الحرائر قبل تنبيه الناس إلى هذا الأدب الإِسلامي، والتذييل يقتضي انتهاء الغرض.

القطان

تفسير : الجلباب: ثوب واسع اوسع من الخمار دون الرداء تغطي به المرأة رأسها وصدرها. وقيل هو الملحفة. يُدنين: يُسدِلن. أدنى ان يُعرفن: اقرب ان يميَّزن من الإماء والفتيات. المرجفون: اليهود، كانوا يلفقون اخبار السوء وينشرونها. لنغرينك بهم: لنسلطنك عليهم. اينما ثقفوا: اينما وجدوا. خلَوا: مضوا. لم يكن في منازل المدينة مراحيض، فكان النساء يخرجن ليلا لقضاء الحاجة في البساتين وبين النخيل، وكان الاماء والحرائر يخرجن في زِيّ واحد، وكان فسّاق المدينة من المنافقين وغيرهم يتعرضون للاماء، وربما تعرضوا للحرائر، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين عامة اذا خرجن لحاجتهن ان يتسترن بلبس الجلابيب ويسترن اجسامهن ما عدا الوجه والكفين. {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ}. فعلى المسلمة اذا خرجت من بيتها لحاجة أن تسدل عليها ملابسها ولا تبدي شيئاً من مواضع الفتنة. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} لما سلف في أيام الجاهلية. ولما كان الذى يحصل من المنافقين وشياطينهم ومن على شاكلتهم حذرّهم الله بقوله: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً}. توعّد الله في هذه الآية ثلاثة اصناف من الناس وهم: المنافقون الذين يؤذون الله ورسوله، ومن في قلوبهم مرض من فساق المدينة الذين يؤذون المؤمنين باتباع نسائهم، والمرجفون وهم اليهود الذين يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم بترويج الاشاعات الكاذبة والتشويش على المؤمنين. وانهم اذا لم ينتهوا سلّط عليهم الرسولَ واصحابه فيقاتلونهم ويخرجونهم من المدينة. ثم بين ما آل إليه امرهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة فقال: {مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} مستحقين اللعنة والطرد اينما وجدوا أخُذوا وقتّلوا تقتيلا، عقوبةً لهم. وهذه سنة الله في امثال هذه الفئات في كل زمان، لا تتغير ولا تتبدل، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {لأَزْوَاجِكَ} {جَلاَبِيبِهِنَّ} (59) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَه صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَأْمُرَ نِسَاءَهُ وَبَنَاتِهِ والنِّسَاءَ المُؤْمِنَاتِ، بِأَنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ، وَأَن يُغَطِّينَ وُجُوهَهُنَّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِنَّ، وَأَنْ يُغَطِّينَ ثَغْرَةَ نُحُورِهِنَّ بِالجَلابِيبِ التِي يُدْنِينَهَا عَلَيهِنَّ. وَالغَايَةُ مِنْ ذَلِكَ التَّسَتُّرُ، وَأَن يُعْرَفْنَ بِأَنَّهُنَّ حَرَائِرُ فَلا يُؤْذِيهِنَّ أَحَدٌ، وَلا يَتَعَرَّضُ لَهُنَّ فَاسِقٌ بِأَذًى وَلا رِيبَةٍ. وَرَبُّكُمْ غَفَّارٌ لِمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ صَدَرَ مِنَ الإِخْلاَلِ بِالسِّتْرِ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِمَنِ امْتَثَلَ أَمْرَهُ، وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عَمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَصَّرَ فِي مُرَاقَبَتِهِ فِي أُمُورِ التَّسَتُّرِ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ - يُرْخِينَ وَيُسْدِلْنَ عَلَيْهِنّ. جَلاَبِيبِهِنَّ - مَا يَسْتَتِرْنَ بِهِ كَالمِلاَءَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلحظ أن الأمر توجَّه أولاً لأزواج النبي، ثم لبناته صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أن رسول الله لا يأمر أمته بشيء هو عنه بنجوى، إنما يأمرهم بشيء بدأ فيه بأهل بيته، وهذا أدْعَى لقبول الأمر وتنفيذه، فقبل أنْ آمركم أمرت نفسي فلم أتميز عنكم بشيء. لذلك جاء في سيرة القائد المسلم "طارق بن زياد" أنه لما ذهب لفتح الأندلس وقف بجنوده على شاطىء البحر، وأعداؤه على الشاطىء الآخر، ثم قال للجنود: أيها الناس أنا لن آمركم بأمر أنا عنه بنجوى، وإنني عند ملتقى القوم سابقكم، فمبارز سيِّدَ القوم، فإنْ قتلتُه فقد كُفيتم أمره، وإنْ قتلني فلن يعوزكم أمير بعدي. أي: أنني سابقكم إلى القتال، ولن أرسلكم وأجلس أتفرج وأرقب ما يحدث، يعني: أنا لا أتميز عنكم بشيء. وبهذه المساواة أيضاً ساد عمر - رضي الله عنه - القوم وقاد العالم وهو يرتدي مُرقَّعته بالمدينة؛ لذلك لما رآه رجل وهو نائم تحت شجرة كعامة الناس قال: حكمتَ فعدلْتَ فأمنْتَ، فنمتَ يا عمر. وكان - رضي الله عنه - إذا أراد أنْ يأخذ قراراً في أمر من أمور رعيته يعلم أن الفساد إنما يأتي أولاً من الحاشية والأقارب والأتباع ومن مراكز القوى التي تحيط به؛ لذلك كان يجمع قرابته ويحذرهم: أنا اعتزمْتُ أنْ أصدر قراراً في كذا وكذا، فوالذي نفسي بيده مَنْ خالفني منكم إلى شيء منه لجعلته نكالاً للمسملين، أيها القوم إياكم أنْ يدخل عليكم مَنْ يدَّعي صلته بي، فتعطونه غير حق مَنْ لم يعرفني، والله إنْ فعلتُم لأجعلنكم نكالاً للمسلمين. وورود النص القرآني بلفظ {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ ..} تفسير : [الأحزاب: 59] دليل على أن سيدنا رسول الله كان ينقل النصَّ الذي جاءه، والصيغة التي تكلَّم الله بها دون أنْ يُغيِّر فيها شيئاً، وإلا فقد كان بإمكانه أن ينقل الأمر لأزواجه، فيقول: يا أيها النبي أزواجك وبناتك يدنين عليهن من جلابيبهن. إنما نقل النص القرآني كما أُنزل عليه؛ ليعلم الجميع أن الأمر من الله، وما محمد إلا مُبلِّغ عن الله، فمَنْ أراد أنْ يناقش الأمر فليناقش صاحبه. وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ساعة نزلتْ عليه هذه الآية كُنَّ تسعة أزواج، كرَّمهن الله وخيَّرهن فاخترْنَ رسول الله، كان منهن خمس من قريش هُنَّ: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة بنت زمعة، وثلاث من سائر العرب هُنَّ: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت جحش، وجُويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وواحدة من نسل هارون أخي موسى - عليهما السلام - هي السيدة صفية بنت حيي بن أخطب. أما بنات رسول الله، فرسول الله أنجب البنين والبنات: البنون ماتوا جميعاً في الصِّغَر، أما البنات فأبقاهُنَّ الله حتى تزوَّجْنَ جميعاً، وهُنَّ: زينب، ورقية، وأم كلثوم. وأصغرهن فاطمة، وهي الوحيدة التي بقيتْ بعد موت سيدنا رسول الله، أما زينب ورقية وأم كلثوم فقد مُتْنَ في حياة رسول الله. ولفاطمة قصة في الضحك والبكاء؛ لذلك بعض العارفين كان يقول في قوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} تفسير : [النجم: 43] أن السيدة فاطمة حينما سُئلت ما الذي أبكاكِ وما الذي أضحكك؟ قالت: لأنني لما دخلتُ على أبي وهو مريض قال لي: إن هذا هو مرض الموت يا فاطمة فبكيت، ثم انصرفتُ فأشار إليَّ وقال لي: يا فاطمة ستكونين أول أهل بيتي لحوقاً بي فضحكت. لذلك لم تمكث فاطمة بعد رسول الله إلا ستة أشهر. وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أن لقاء الأموات يكون بمجرد الموت، وإلا لو كان اللقاء في البعث والقيامة لاستوى في ذلك مَنْ مات أولاً، ومَنْ مات آخراً، فدلَّ قوله: "حديث : ستكونين أول أهل بيتي لحوقاً بي" تفسير : على أن لقاءه صلى الله عليه وسلم بها سيكون بمجرد أنْ تموت. الشاهد في هذه القصة أن أحدهم - أظنه الإمام علياً - قال لفاطمة: الله يقول {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} تفسير : [النجم: 43] أما رسول الله فأبكاك أولاً، ثم أضحكك حتى لا يكون أضحك وأبكى كربه. أما السيدة زينب فتزوجت العاص بن الربيع قبل أنْ يُحرَّم الزواج من الكفار، وقد أُسِر العاص في غزوة بدر، فذهبتْ زينب لتفديه، وقدمت قلادة كانَت معها، فلام رآها رسول الله وجد أنها قلادة خديجة - رضي الله عنها - قد وهبتْها لابنتها، فقال: إنْ رأيتم أنْ تردوا لها قلادتها وتفكُّوا لها أسيرها فافعلوا، فردَّ صلى الله عليه وسلم الأمر إلى مَنْ ينتفع به، فتنازلوا عن القلادة. أما رقية وأم كلثوم فلهما حوادث، منها حوادث مؤسفة، ومنها حوادث مبهجة، أما المؤسف فإنَّ عتبة بن أبي لهب عقد على رقية، وأخوه عتيبة عقد على أم كلثوم، وكان هذا قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بُعث رسول الله وحدث ما حدث بينه وبين أبي لهب وأنزل الله تعالى: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} تفسير : [المسد: 1-2]. قال لابنه عتبة: رأسي ورأسك عليَّ حرام حتى تُطلِّق رقية فطلَّقها، بعدها مَرَّ عتبة على رسول الله، وفعل فَعْلةً فيها استهزاء برسول الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكلك كلب من كلاب الله ". تفسير : أخبر عتبة أباه بما كان من دعاء رسول الله عليه، وكان أبو لهب يعلم صدْق رسول الله، وأن دعاءه مستجاب لا يرَدُّ، فخاف على ابنه، وأخذ يحتاط له، ويوصي به رفاقه في رحلات تجارته - وعجيب أنه مع هذا كله لم يؤمن. وفعلاً كان عتبة في رحلات التجارة ينام في وسط القوم، وهم يحيطون به من كل جانب، وفي إحدى الليالي جاءه أسد، فأخذه من بين القوم، ولم يَبْقَ منه إلا ما يُعرف به. علَّق على هذه الحادثة أحد المغرضين فقال: إن رسول الله قال: "أكلك كلب" وهذا أسد، فردَّ عليه أحد العارفين فقال: إذا نُسِب الكلب إلى الله، فلا بُدَّ أنْ يكون أسداً، فرسول الله لم يقل: كلب من كلابكم، إنما من كلاب الله. هذا ما كان من أمر عتبة، أما عتيبة فقد طلَّق أم كلثوم، لكنه لم يتعرض لرسول الله بإيذاء، بل قالوا: إنه كان يستحي أنْ يواجه رسول الله، لذلك لم يَدْعُ عليه رسول الله. أما الحادث المبهج في حياة رقية وأم كلثوم، فقد أبدلهما الله خيراً من عتبة وعتيبة، حيث تزوجت رقية من سيدنا عثمان، فلما ماتت تزوج بعدها من أم كلثوم؛ لذلك لُقِّب - رضي الله عنه - بذي النورين، وكانت النساء يُغنين حين تزوج عثمان برقية: شعر : أَحْسَن مَا رأى إنْسَانٌ رُقيَّة وزوجُهَا عُثْمَانُ تفسير : فانظر إلى عِظَم هذا العوض أنْ يُبدِلَهُمَا الله بعتبة وعتيبة مَنْ؟ عثمان، نعم العِوَض هذا، والعِوَض في مثل هذه المسائل إنما يتأتَّى بقبول القضاء في نظائره، فإذا أُصيب الإنسان فاستسلم وسلَّم الأمر لله؛ فقال كما علَّمنا رسول الله: "حديث : إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أَجْرني في مصيبتي - أيّاً كانت هذه المصيبة - وأخْلُفْنِي خَيْراً منها ". تفسير : إذا قال ذلك وعلم أن لله حكمة في كل قضاء يقضيه لا بُدَّ أنْ يُعوِّضه الله خيراً، وأظن أن قصة السيدة أم سلمة مشهورة في هذا المقام، فلما توفي زوجها أبو سلمة حزنتْ عليه حزناً شديداً، ولما جاءها النسوة يُعزِّينها في زوجها قالت إحداهن: يا أم سلمة، قولي كما قال رسول الله: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أأجرني في مصيبتي، واخْلُفْني خيراً منها، فقالت: وهل هناك خير من أبي سلمة، يعني: هو في نظرها أحسن الناس وخيرهم. لكنها مع هذا رضيَتْ بقضاء الله فما انقضَتْ عِدَّتها حتى طرق عليها طارق يقول: يا أم سلمة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبِك لنفسه، فضحكتْ لأن الله عوَّضها بمَنْ هو خير من أبي سلمة. بعد أن أمر الحق سبحانه أزواج النبي وبناته أولاً بهذا الأدب ثِنَّى بنساء المؤمنين، فقال {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 59] لأن أسرة رسول الله ليست أزواجه وبناته فحسب، إنما العالم كله، وكلمة (نساء) جمع، لا واحد له من لفظه، فمفرد أزواج زوج، ومفرد بنات بنت، أما (نساء) فمفردها من معناها، لا من لفظها، فتقول: امرأة، واسْتُثْقِل جمع امرأة على امرآت فقالوا: نساء وأصلها في اللغة من النسيء، قالوا: لأن المرأة أُجِّلَ خَلْقُها بعد خَلْق الرجل. وفي اللغة: النَّسْء أي: التأخير والتأجيل، فقالوا: نساء. ثم يذكر سبحانه الأمر الذي وُجِّه إلى زوجات النبي، وبناته ونساء المؤمنين جميعاً {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ..} [الأحزاب: 59] فالفعل {يُدْنِينَ ..} [الأحزاب: 59] مجزوم في جواب الطلب (قُلْ) مثل: اسكُتْ تسْلَم، ذاكر تنجح، وفي الآية شرط مُقدَّر: إنْ تَقُلْ لهُنَّ ادنين يُدنين. كما في {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} تفسير : [الحج: 27] لأن الخطاب هنا للمؤمنات، وعلى رَأْسِهن أزواج النبي وبناته، وإنْ لم يستجب هؤلاء للأمر، فقد اختلَّ فيهِنَّ شرط الإيمان. ومعنى: الإدناء: تقريب شيء من شيء، ومن ذلك قوله تعالى في وصف ثمار الجنة {أية : قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 23] أي: قريبة التناول سَهْلة الجَنْي، والمراد: يُدنين جلابيبهن أي: من الأرض لتستر الجسم. وقوله: {عَلَيْهِنَّ ..} [الأحزاب: 59] يدل على أنها تشمل الجسم كله، وأنها ملفوفة حوله مسدولة حتى الأرض. وكلمة {جَلاَبِيبِهِنَّ ..} [الأحزاب: 59] مفردها جلباب، وقد اختلفوا في تعريفه فقالوا: هو الثوب الذي يُلْبس فوق الثوب الداخلي، فتحت الجلباب مثلاً (فانلة) أو قميص وسروال، ويجوز أن تكون الملابس الداخلية قصيرة، أما الجلباب فيجب أن يكون سابغاً طويلاً قريباً من الأرض. وقالوا: الجلباب هو الخمار الذي يغطي الرأس، ويُضرب على الجيوب - أي فتحة الرقبة - لكن هذا غير كافٍ، فلا بُدَّ أنْ يُسدل إلى الأرض ليستر المرأة كلها؛ لأن جسم المرأة عورة، ومن اللباس ما يكشف، ومنه ما يصف، ومنه ما يلفت النظر. وشرط في لباس المرأة الشرعي ألاَّ يكون كاشفاً، ولا واصفاً، ولا مُلْفِتاً للنظر؛ لأن من النساء مَنْ ترتدي الجلباب الطويل السَّابغ الذي لا يكشف شيئاً من جسمها، إلا أنه ضيِّق يصف الصَّدْر، ويصف الأرداف، ويُجسِّم المفاتن، حتى تبدوا وكأنها عارية. لذلك من التعبيرات الأدبية في هذه المسألة قَوْل أحدهم - وهو على حق - إنَّ مبالغة المرأة في تبرُّجها إلحاح منها في عَرْض نفسها على الرجل. يعني: تريد أنْ تُلفت نظره، تريد أنْ تُنبِّه الغافل وكأنها تقول: نحن هنا. وإنْ تساهلنا في ذلك مع البنت التي لم تتزوج، ربما كان لها عُذْر، لكن ما عذر التي تزوجت؟ ثم يُبيِّن الحق - تبارك وتعالى - الحكمة من هذا الأدب في مسألة اللباس، فيقول: {ذٰلِكَ ..} [الأحزاب: 59] أي: إدناء الجلباب إلى الأرض، وسَتر الجسم، وعدم إبداء الزينة {أَدْنَىٰ ..} [الأحزاب: 59] أي: أقرب {أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ ..} [الأحزاب: 59]. فالمرأة المسلمة تُعْرف بزيِّها وحِشْمتها، فلا يجرؤ أحد على التعرض لها بسوء أو مضايقتها، فلباسها ووقارها يقول لك: إنها ليست من هذا النوع الرخيص الذي ينتظر إشارة منك، وليست ممَّنْ يَعْرض نفسه عَرْضاً مُهيِّجاً مستميلاً مُلْفتاً. وقوله تعالى بعد ذلك وفي ختام الآية {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 59] جاء وَصْف المغفرة والرحمة هنا ليشير إلى أن عقوبة الله ليست بأثر رجعي، فما سبق هذا الأمر من تجاوزات مغفور معفوٌّ عنه برحمة الله، والعبرة بسلوك المؤمنة بعد أنْ تسمع هذا الأمر بإدناء الجلباب والتستُّر. والحق سبحانه بمثل هذا الأدب إنما يُؤمِّن حياة المرأة المسلمة، كيف؟ نقول: معنى التأمين أنْ نأخذ منك حال يُسْرك، وحين تكون واجداً، لنعطيك حينما تكون غير واجد. كذلك الإسلام حين يستر جمال المرأة ومفاتنها حال شبابها ونضارتها يسترها حين تكبر، وحين يتلاشى الجمال، ويحلُّ محلَّه أمور تحرص المرأة على سترها، فالإسلام في هذه الحالة يحمي المرأة ويحفظ لها عِزَّتها. ثم يقول الحق سبحانه: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَٰفِقُونَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} [الآية: 59] يقول: يتجلببن حتى يعلم أَنهن حرائر، لا يعرض لهن فاسق بأَذى من قول أَو ريبة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا شيبان عن جابر عن عكرمة عن أَبي هريرة قال: قرأَ رسول الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} [الآية: 69]. فقال: إِن بني إِسرائيل كانوا يقولون أَن موسى آدر، فانطلق موسى إِلى النهر فاغتسل، ووضع ثيابه على حجر فاشتد الحجر بثيابه. قال أَبو هريرة: فإِني أَنظر إِلى النبي يحكي موسى، يحرك يديه ويقول: ثيابي يا حجر، ثيابي يا حجر. فمر على بني إِسرائيل فنظروا فلم يروا شيئاً. ِأَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله: {قَوْلاً سَدِيداً} [الآية: 70]. يعني صدقاً. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: يعني قولاً سدادا [الآية: 70].

الصابوني

تفسير : [7] حجاب المرأة المسلمة التحليل اللفظي {لأَزْوَٰجِكَ}: المراد بكلمة الأزواج (أمهات المؤمنين) الطاهرات رضوان الله عليهن، ولفظ الزوج في اللغة يطلق على الذكر والأنثى، قال تعالى: {أية : ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [البقرة: 35]، {أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} تفسير : [الأعراف: 189]. وإطلاق لفظ (الزوجة) صحيح ولكنه خلاف الأفصح. وأنكر الأصمعي لفظ (زوجة) بالهاء، وقال: هي زوج لا غير، واحتجّ بأنه لم يرد في القرآن إلا بدون هاء {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} تفسير : [الأحزاب: 37] والصحيح أنه خلاف الأفصح وليس بخطأ قال الفرزدق: شعر : وإن الذي يسعى يحرّش زوجتي كساعٍ إلى أُسْد الشّرى يستبيلها تفسير : وفي حديث عمّار بن ياسر قوله عن السيدة عائشة (والله إني لأعلم أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم بها ليعلم أتطيعونه أو تطيعونها). {يُدْنِينَ}: أي يسدلن ويرخين. وأصل الإدناء التقريب، يقال للمرأة إذا زلّ الثوب عن وجهها: أدني ثوبك على وجهك، والمراد في الآية الكريمة: يغطين وجوههن وأبدانهن ليميزن عن الإماء والقينات، ولما كان متضمناً معنى الإرخاء والسّدل عدّي بعلى {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ}. {جَلَٰبِيبِهِنَّ}: جمع جلباب، وهو الثوب الذي يستر جميع البدن، قال الشهاب: هو إزار يلتحف به، وقيل: هو المِلحفة وكل ما يغطي سائر البدن. قال في "لسان العرب": الجلباب ثوب أوسع من الخمار، دون الرداء، تغطي به المرأة رأسها وصدرها، وقيل: هو الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلاً لها: شعر : تمشي النُّسوْر إليهِ وهي لاهيةٌ مشيَ العذَارَى عليهنّ الجلابيبُ تفسير : وقيل جلباب المرأة: ملاءتها التي تشتمل بها، واحدها جلباب، والجماعة جلابيب، وأنشدوا: شعر : مُجلْببٌ من سوادِ الليل جلباباً تفسير : وفي "الجلالين": الجلابيب جمع جلباب، وهي المِلاءة التي تشتمل بها المرأة. قال ابن عباس: أُمر نساءُ المؤمنين أن يغطّين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب، إلا عيناً واحدة ليُعْلم أنهنّ حرائر. والخلاصة: فإن الجلباب هو الذي يستر جميع بدن المرأة، وهو يشبه الملاءة (الملحفة) المعروفة في زماننا، نسأله تعالى الستر والسلامة. {أَدْنَىٰ}: أفعل تفضيل بمعنى أقرب، من الدّنوّ بمعنى القرب، يقال: أدناني منه أي قرّبني منه، وقوله تعالى: {أية : قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 23] أي قريبة المنال، وتأتي كلمة (أدنى) بمعنى أقل، وقد جُمع المعنيان في قول الشاعر: شعر : لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرفٍ من الإنسان تفسير : {غَفُوراً}: أي ساتراً للذنوب، ماحياً للآثام، يغفر لمن تاب وأناب ما فرط منه {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [طه: 82]. {رَّحِيماً}: يرحم عباده، ويلطف بهم، ومن رحمته تعالى أنه لم يكلفهم ما لا يطيقون. المعنى الإجمالي يأمر الله تعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، أن يوجه النداء إلى الأمة الإسلامية جمعاء، بأن تعمل على التمسك بآداب الإسلام، وإرشاداته الفاضلة، ونظمه الحكيمة، التي بها صلاح الفرد وسعادة المجتمع، وخاصة في أمر اجتماعي هام، يتعلق بالأسرة المسلمة، ألا وهو (الحجاب الشرعي) الذي فرضه الله على المرأة المسلمة، ليصون لها كرامتها، ويحفظ عليها عفافها، ويحميها من النظرات الجارحة، والكلمات اللاذعة، والنفوس المريضة، والنوايا الخبيثة، التي يُكِنّها الفسّاق من الرجال للنساء غير المحتشمات، فيقول الله تعالى ما معناه. يا أيها النبي بلّغ أوامر الله إلى عباده المؤمنين، وابدأ بنفسك فمر زوجاتك أمهات المؤمنين الطاهرات، وبناتك الفضليات الكريمات أن يرتدين الجلباب الشرعي، وأن يحتجبن عن أنظار الرجال، ليكنّ قدوة لسائر النساء، في التعفّف، والتستّر، والاحتشام، حتى لا يطمع فيهن فاسق، أو ينال من كرامتهن فاجر، وأمُر سائر نساء المؤمنين، أن يلبسن الجلباب السابغ، الذي يستر محاسنهنّ وزينتهنّ، ويدفع عنهنّ ألسنة السوء، وأمُرْهنّ كذلك أن يغطين وجوههنّ وأجسامهن بجلابيبهن، ليميّزن عن الإماء والقينات، فلا يكنّ هدفاً للمغرضين، وليكنّ بعيدات عن التشبه بالفواجر، فلا يتعرض لهن إنسان بسوء، فذلك أقرب إلى أن يعرفن بالعفة والتصون، فلا يطمع فيهن من في قلبه مرض، {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} يغفر لمن امتثل أمره، رحيماً بعباده حيث لا يشرّع لهم إلا ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. سبب النزول روى المفسّرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة، أنّ الحرة والأمة كانتا تخرجان ليلاً لقضاء الحاجة في الغيطان، وبين النخيل، من غير تمييز بين الحرائر والإماء، وكان في المدينة فسّاق، لا يزالون على عاداتهم في الجاهلية يتعرضون للإماء، وربّما تعرضوا للحرائر، فإذا قيل لهم يقولون: حسبناهنّ إماءً. فأمرت الحرائر أن يخالفن الإماء في الزيّ فيتسترن ليحتشمن ويُهَبْن فلا يطمع فيهن ذوو القلوب المريضة، فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَٰجِكَ...} الآية. وقال ابن الجوزي: "سبب نزولها أن الفسّاق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها وقالوا: هذه حرّة، وإذا رأوها بغير قناع قالوا: أمة، فآذوها، فنزلت هذه الآية: قاله السدي". وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ...} أيّ: منادى، والهاء للتنبيه، و{ٱلنَّبِيُّ} صفة لـ {أَيُّ} قال ابن مالك: وأيّها مصحوبَ أل بعدُ صفة. 2 - قوله تعالى: {قُل لأَزْوَٰجِكَ...} قلْ: أمر، و {يُدْنِينَ} مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، وجملة {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ} مقول القول في محل جزم جواب الطلب. 3 - قوله تعالى: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ} أي بأن يُعْرفن مجرور بحرف جر محذوف، واسم الإشارة مبتدأ، وما بعده خبر، والتقدير: ذلك أقرب بمعرفتهنّ أنهنّ حرائر، والله أعلم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: بدأ الله تعالى بنساء الرسول صلى الله عليه وسلم وبناته في الأمر بـ (الحجاب الشرعي) وذلك للإشارة إلى أنهنّ قدوة لبقية النساء فعليهن التمسك بالآداب الشرعية ليقتدي بهنّ سائر النساء، والدعوة لا تثمر إلاّ إذا بدأ الداعي بها في نفسه وأهله، ومن أحقّ من (بيت النبوة) بالتمسك بالآداب والفضائل؟ وهذا هو السرُّ في تقديمهنَّ في الخطاب في قوله تعالى: {قُل لأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ}. اللطيفة الثانية: الأمر بالحجاب إنما جاء بعد أن استقرّ أمر الشريعة على وجوب (ستر العورة)، فلا بدّ أن يكون الستر المأمور به هنا زائداً على ما يجب من ستر العورة، ولهذا اتفقت عبارات المفسّرين على - اختلاف ألفاظها - على أن المراد بالجلباب: الرداء الذي تستر به المرأة جميع بدنها فوق الثياب، وهو ما يسمّى في زماننا بـ (الملاءة) أي الملحفة، وليس المراد ستر العورة كما ظنّ بعض الناس. اللطيفة الثالثة: في هذا التفصيل والتوضيح (أزواجك، بناتك، نساء المؤمنين) ردّ صريح على الذين يزعمون أن الحجاب إنما فرض على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فإنّ قوله تعالى {وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يدل دلالة قاطعة على أنّ جميع نساء المؤمنين مكلفات بالحجاب، وأنهن داخلات في هذا الخطاب العام الشامل، فكيف يزعمون أن الحجاب لم يفرض على المرأة المسلمة؟! اللطيفة الرابعة: أمرُ الحرائر بالتستّر ليُميّزن عن الإماء، قد يفهم منه أنّ الشارع أهمل أمر الإماء، ولم يبال بما ينالهن من الإيذاء، وتعرّض الفُسّاق لهن، فكيف يتفق هذا مع حرص الإسلام على طهارة المجتمع؟ والجواب: أنّ الإماء بطبيعة عملهن، يكثر خروجهنّ وتردّدهن في الأسواق، لقضاء الحاجات وخدمة سادتهن، فإذا كُلّفن بلبس الجلباب السابغ كلمَّا خرجن، كان في ذلك حرج ومشقة عليهنّ، وليس كذلك الحرائر لأنهن مأمورات بالاستقرار في البيوت {أية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 33] وعدم الخروج إلاّ عند الحاجة، فلم يكن عليهن من الحرج والمشقة في التستر ما على الإماء، وقد وردت الآية السابقة {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 58] وهي تتوعد المؤذين بالعذاب الأليم، وهذا يشمل الحرائر والإماء. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} فيه ذكر للعلة أي (الحكمة) التي فُرض من أجلها الحجاب، والأحكامُ الشرعية كلها مشروعة لحكمة وجمهورُ المفسّرين على أن المراد من قوله تعالى: {أَن يُعْرَفْنَ} أي يعرفن أنهنّ حرائر ويميزن عن الإماء. وقد اختار (أبو حيان) وجهاً آخر غير الوجه الذي سلكه الجمهور، فجعل الأمر بالحجاب موجهاً إلى جميع النساء، سواء منهن (الحرائر والإماء) وفسّر قوله تعالى: {أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ} أي يعرفن بالعفة والتستر والصيانة، فلا يطمع فيهنّ أهل السوء والفساد، وإليك نصّ كلامه كما في "البحر المحيط": "والظاهر أن قوله تعالى: {وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يشمل الحرائر والإماء، والفتنةُ بالإماء أكثر لكثرة تصرفهنّ بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهنّ من عموم النساء إلى دليل واضح. وقوله: {أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ} أي يعرفن لتسترهنّ بالعفة فلا يُتعرض لهن، ولا يلقين بما يكرهن، لأنّ المرأة إذا كانت في غاية التستّر والانضمام لم يقدم عليها، بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها". وهو رأي تبدو عليه مخايل الجودة، والدقة في الاستنباط. وما اختاره (أبو حيان) هو الذي نختاره لأنه يحقّق غرض الإسلام في التستّر والصيانة والله أعلم. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يجب الحجاب على جميع النساء؟ يدل ظاهر الآية الكريمة على أنّ الحجاب مفروض على جميع المؤمنات (المكلفات شرعاً) وهنّ: (المسلمات، الحرائر، البالغات) لقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ...} الآية. فلا يجب الحجاب على الكافرة لأنها لا تكلّف بفروع الإسلام، وقد أمرنا أن نتركهم وما يدينون، ولأنّ (الحجاب) عبادة لما فيه من امتثال أمر الله عزّ وجلّ، فهو بالنسبة للمسلمة كفريضة الصلاة والصيام، فإذا تركته المسلمة جحوداً فهي (كافرة) مرتدة عن الإسلام، وإذا تركته - تقليداً للمجتمع الفاسد - مع اعتقادها بفرضيته فهي (عاصية) مخالفة لتعاليم القرآن {أية : وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الأحزاب: 33]. وغير المسلمة - وإن لم تُؤمر بالحجاب - لكنّها لا تُترك تفسد في المجتمع، وتتعرّى أمام الرجل، وتخرج بهذه الميوعة والانحلال الذي نراه في زماننا، فإنّ هناك (آداباً اجتماعية) يجب أن تُراعى، وتطبّق على الجميع، وتستوي فيها المسلمة وغير المسلمة حماية للمجتمع، وذلك من السياسات الشرعية التي تجب على الحاكم المسلم. وأمّا الإماء فقد عرفتَ ما فيه من أقوال للعلماء، وقد ترجّح لديك رأي العلاّمة (أبي حيّان): في أنّ الأمر بالستر عام يشمل الحرائر والإماء، وهذا ما يتفق مع روح الشريعة في صيانة الأعراض، وحماية المجتمع، من التفسخ والانحلال الخلقي، وأمّا البلوغ فهو شرط التكليف كما تقدم. أقول: يطلب من المسلم أن يعوّد بناته منذ سنّ العاشرة على ارتداء الحجاب الشرعي حتى لا يصعب عليهن بعدُ ارتداؤه، وإن لم يكن الأمر على وجه (التكليف) وإنما هو على وجه (التأديب) قياساً على أمر الصلاة (مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع). الحكم الثاني: ما هي كيفية الحجاب؟ أمر الله المؤمنات بالحجاب وارتداء الجلباب صيانة لهنّ وحفظاً، وقد اختلف أهل التأويل في كيفية هذا التستر على أقوال: أ - فأخرج ابن جرير الطبري عن ابن سيرين أنه قال: (سألتُ عَبيدةَ السّلماني) عن هذه الآية {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ} فرفع مِلْحفة كانت عليه فتقنّع بها، وغطّى رأسه كلّه حتى بلغ الحاجبين، وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شقّ وجهه الأيسر. ب - وروى ابن جرير وأبو حيّان عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (تلوي الجلباب فوق الجبين، وتشدّه ثمّ تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها، لكنّه يستر الصدر ومعظم الوجه). جـ - وروي عن السّدي في كيفيته أنه قال: (تغطّي إحدى عينيها وجبهتها، والشقّ الآخر إلا العين). قال أبو حيّان: "وكذا عادة بلاد الأندلس لا يظهر من المرأة إلاّ عينها الواحدة". د - وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: "لما نزلت هذه الآية {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ} خرج نساء الأنصار كأنّ على رؤوسهنّ الغُربان من أكسية سودٍ يلبسنها". الحكم الثالث: هل يجب على المرأة ستر وجهها؟ تقدّم معنا في سورة النور أنّ المرأة منهية عن إبداء زينتها إلا للمحارم {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ..}تفسير : [النور: 31] الآية ولمّا كان الوجه أصل الزينة، ومصدر الجمال والفتنة، لذلك كان ستره ضرورياً عن الأجانب، والذين قالوا إن الوجه ليس بعورة اشترطوا ألاّ يكون عليه شيء من الزينة كالأصباغ والمساحيق التي توضع عادة للتجمّل، وبشرط أمن الفتنة، فإذا لم تؤمن الفتنة فيحرم كشفه. وممّا لا شك فيه أن الفتنة في هذا الزمان غير مأمونة، لذا نرى وجوب ستر الوجه حفاظاً على كرامة المسلمة، وقد ذكرنا بعض الحجج الشرعية على وجوب ستره في بحث (بدعة كشف الوجه) من سورة النور، ونزيد هنا بعض أقوال المفسّرين في وجوب ستر الوجه. طائفة من أقوال المفسّرين في وجوب ستر الوجه أولاً: قال ابن الجوزي في قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ} أي يغطين رؤوسهنّ ووجوههنّ ليعلم أنهن حرائر، والمراد بالجلابيب: الأردية قاله ابن قتيبة. ثانياً: وقال أبو حيّان في "البحر المحيط": وقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ} شامل لجميع أجسادهن، أو المراد بقوله {عَلَيْهِنَّ} أي على وجوههنّ، لأنّ الذي كان يبدو منهنّ في الجاهلية هو الوجه. ثالثاً: وقال أبو السعود: الجلباب: ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء، تلويه المرأة على رأسها وتبقي منه ما ترسله على صدرها، ومعنى الآية: أي يغطين بها وجوههنّ وأبدانهنّ إذا برزن لداعية من الدواعي. وعن السّدي: تغطّي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين. رابعاً: وقال أبو بكر الرازي: وفي هذه الآية {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ} دلالة على أنّ المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين. وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع فيهن أهل الريب. خامساً: وفي "تفسير الجلالين": الجلابيب جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطّين رؤوسهنّ ووجوههنّ بالجلابيب إلاّ عيناً واحدة ليعلم أنهن حرائر. سادساً: وفي "تفسير الطبري": عن ابن سيرين أنه قال: "سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ} فرفع ملحفة كانت عليه فتقنّع بها وغطّى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين، وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما" وقد تقدّم الحديث سابقاً. فهذا وأمثاله كثير من أقوال مشاهير المفسّرين، يدل دلالة واضحة على وجوب ستر الوجه وعدم كشفه أمام الأجانب، اللهم إلاّ إذا كان الرجل خاطباً، أو كانت المرأة في حالة إحرام بالحج، فإنه وقت عبادة والفتنة مأمونة، فلا يقاس على هذه الحالة كما يفعل بعض الجهلة اليوم، حيث يقولون: إذا جاز لها أن تكشف عن وجهها في حالة الإحرام فمعناه أنه يجوز لها أن تكشف في غيره من الأوقات لأن الوجه ليس بعورة، فهذا كلام من لم يفقه شريعة الإسلام. ومن درس حياة السلف الصالح، وما كان عليه النساء الفضليات - نساء الصحابة والتابعين - وما كان عليه المجتمع الإسلامي في عصره الذهبي من التستر، والتحفظ، والصيانة عرف خطأ هذا الفريق من الناس، الذين يزعمون أن الوجه لا يجب ستره بل يجب كشفه، ويدعون المرأة المسلمة أن تسفر عن وجهها بحجة أنه ليس بعورة، لأجل أن يتخلصوا من الإثم - بزعمهم - في كتم العلم، وما دروا أنها مكيدة دبّرها لهم أعداء الدين، وفتنة من أجل التدرج بالمرأة المسلمة إلى التخلص من الحجاب الشرعي، الذي عمل له الأعداء زمناً طويلاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. الحكم الرابع: ما هي شروط الحجاب الشرعي؟ يشترط في الحجاب الشرعي بعض الشروط الضرورية وهي كالآتي: أولاً: أن يكون الحجاب ساتراً لجميع البدن لقوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ}. وقد عرفت معنى (الجلباب) وهو الثوب السابغ الذي يستر البدن كله، ومعنى (الإدناء) وهو الإرخاء والسدل فيكون الحجاب الشرعي ما ستر جميع البدن. ثانياً: أن يكون كثيفاً غير رقيق، لأنّ الغرض من الحجاب السترُ، فإذا لم يكن ساتراً لا يسمّى حجاباً لأنه لا يمنع الرؤية ولا يحجب النظر، وفي حديث عائشة أنّ (أسماء بنت أبي بكر) دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث. ثالثاً: ألاّ يكون زينة في نفسه، أو مبهرجاً ذا ألوان جذابة يلفت الأنظار لقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا...} تفسير : [النور: 31] الآية ومعنى {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أي بدون قصد ولا تعمد، فإذا كان في ذاته زينة فلا يجوز ارتداؤه، ولا يسمى (حجاباً) لأن الحجاب هو الذي يمنع ظهور الزينة للأجانب. رابعاً: أن يكون فضفاضاً غير ضيّق، لا يشفّ عن البدن، ولا يجسّم العورة، ولا يظهر أماكن الفتنة في الجسم، وفي "صحيح مسلم" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"تفسير : .. وفي رواية أخرى: وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام. "رواه مسلم". ومعنى قوله عليه السلام: "حديث : كاسيات عاريات"تفسير : أي كاسيات في الصورة عاريات في الحقيقة، لأنهنّ يلبسن ملابس لا تستر جسداً، ولا تخفي عورة، والغرض من اللباس السترُ، فإذا لم يستر اللباس كان صاحبه عارياً. ومعنى قوله: "حديث : مميلات مائلات"تفسير : أي مميلات لقلوب الرجال مائلات في مشيتهن، يتبخترن بقصد الفتنة والإغراء، ومعنى قوله: "حديث : كأسنمة البخت"تفسير : أي يصفّفن شعورهن فوق رؤوسهن، حتى تصبح مثل سنام الجمل، وهذا من معجزاته عليه السلام. خامساً: ألاّ يكون الثوب معطّراً فيه إثارة للرجال لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : كلّ عينٍ نظرت زانية، وإنّ المرأة إذا استعطرت فمرّت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية ". تفسير : وفي رواية (إن المرأة استعطرت فمرّت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية). وعن موسى بن يسار قال: "حديث : مرّت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: وتطيّبتِ؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقبل الله من امرأة صلاة، خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع وتغتسل ". تفسير : سادساً: ألاّ يكون الثوب فيه تشبه بالرجال، أو ممّا يلبسه الرجال لحديث أبي هريرة: (لعن النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل). وفي الحديث "حديث : لعن الله المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء" تفسير : أي المتشبهات بالرجال في أزيائهن وأشكالهنّ كبعض نساء هذا الزمان نسأله تعالى السلامة والحفظ. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - الحجاب مفروض على جميع نساء المؤمنين وهو واجب شرعي محتّم. 2 - بنات الرسول ونساؤه الطاهرات هنّ الأسوة والقدوة لسائر النساء. 3 - الجلباب الشرعي يجب أن يكون ساتراً للزينة والثياب ولجميع البدن. 4 - الحجاب لم يفرض على المسلمة تضييقاً عليها، وإنّما تشريفاً لها وتكريماً. 5 - في ارتداء الحجاب الشرعي صيانة للمرأة، وحماية للمجتمع من ظهور الفساد، وانتشار الفاحشة. 6 - على المسلمة أن تتمسّك بأوامر الله، وتتأدب بالآداب الاجتماعية التي فرضها الإسلام. 7 - الله رحيم بعباده يشرع لهم من الأحكام ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدارين. حكمة التشريع قد يظن بعض الجهلة أن الحجاب لم يفرضه الإسلام على المرأة المسلمة وأنه من العادات والتقاليد التي ظهرت في العصر العباسي، وهذا الظن ليس له نصيب من الصحة وهو إن دل فإنما يدل على أحد أمرين: أ - أما الجهل الفاضح بالإسلام وبكتاب الله المبين. ب - وإما الغرض الدفين في قلوب أولئك المتحللين. وأحب أن أكشف الستار لتوضيح الحقيقة حتى لا يلتبس الحق بالباطل ولا يختلط الخبيث بالطيب، وحتى يظهر الصبح لذي عينين. فما أكثر هؤلاء المضلين في هذا الزمان الذين يزعمون أنهم أرباب المدنية ودعاة التقدمية!! وما أشد خطرهم على الأخلاق والمجتمع لأنهم يفسدون باسم الإصلاح ويهدمون باسم البناء، ويدجلون باسم الثقافة والعلم، ويزعمون أنهم مصلحون. النصوص الواردة في الحجاب 1 - يقول الله سبحانه: {أية : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الأحزاب: 33] الآية. 2 - ويقول جلّ شأنه: {أية : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} تفسير : [الأحزاب: 53] الآية. 3 - ويقول سبحانه مخاطباً نبيه العظيم: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} الآية. 4 - ويقول سبحانه أيضاً: {أية : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} تفسير : [النور: 31] الآية. فمن هذه النصوص الكريمة نعلم أن الحجاب مفروض على المرأة المسلمة بنصوص في كتاب الله قطعية الدلالة، وليس كما يزعم المتحلّلون أنه من العادات والتقاليد التي أوجبها العصر العباسي... الخ فإن حبل الكذب قصير. ومن خلال هذه الآيات الكريمة نلمح أن الإسلام إنما قصد من وراء فرض الحجاب أن يقطع طرق الشبهات ونزغات الشيطان أن تطوف بقلوب الرجال والنساء وفي ذلك يقول الله سبحانه: {أية : ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} تفسير : [الأحزاب: 53] وهدفه الأول إنما هو صون "الشرف" والمحافظة على "العفة والكرامة" ولا ننسى أن هناك كثيراً من ضعفاء القلوب ومرضى الضمائر يتربصون بالمرأة السوء ليهتكوا عنها ستر الفضيلة والعفاف. ولا يشك عاقل أن تهتك النساء وخلاعتهن هو الذي أحدث ما يسمونه "أزمة الزواج" ذلك لأن كثيراً من الشباب قد أحجموا عن الزواج لأنهم أصبحوا يجدون الطريق معبَّداً لإشباع غرائزهم من غير تعب ولا نصب، فهم في غنى عن الزواج، وهذا بلا شك يعرَّض البلاد إلى الخراب والدمار، وينذر بكارثة لا تبقي ولا تذر، وليس انتشار الخيانات الزوجية وخراب البيوت إلا أثراً من آثار هذا التبرج الذميم. يقول (سيّد سابق) في كتابه "فقه السُنّة": "إنّ أهم ما يتميّز به الإنسان عن الحيوان اتخاذُ الملابس، وأدوات الزينة، يقول الله تعالى: {أية : يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} تفسير : [الأعراف: 26]. والملابسُ والزينةُ هما مظهران من مظاهر المدنيّة والحضارة، والتجرّدُ عنهما إنما هو ردّة إلى الحيوانية، وعودة إلى الحياة البدائية، وإنّ أعزّ ما تملكه المرأة الشرفُ، والحياءُ، والعفافُ، والمحافظةُ على هذه الفضائل محافظةٌ على إنسانية المرأة في أسمى صورها، وليس من صالح المرأة، ولا من صالح المجتمع أن تتخلى المرأة عن الصيانة والاحتشام، ولا سيّما وأن الغريزة الجنسية هي أعنف الغرائز، وأشدّها على الإطلاق". امنعوا الاختلاط... وقيّدوا حرية المرأة وتحت هذا العنوان نشرت صحيفة (الجمهورية) بالقاهرة مقالاً لصحفية أمريكية تدعى (هيلسيان ستانسبري) قالت هذه الكاتبة الأمريكية بعد أن مكثت شهراً في الجمهورية العربية ما نصه: "إنّ المجتمع العربي مجتمع كامل وسليم، ومن الخليق بهذا المجتمع أن يتمسك بتقاليده التي تقيّد الفتاة والشاب في حدود المعقول، وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأوروبي والأمريكي، فعندكم تقاليد موروثة تحتّم تقييد المرأة وتحتّم احترام الأب والأم، وتحتّم أكثر من ذلك عدم "الإباحيّة الغربية" التي تهدّد اليوم المجتمع والأسرة في أوروبا وأمريكا. إن القيود التي يفرضها المجتمع العربي على الفتاة صالحة ونافعة، لهذا أنصح بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم، وامنعوا الاختلاط، وقيّدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب، فهذا خير لكم من إباحية وانطلاق ومجون أوروبا وأمريكا. امنعوا الاختلاط فقد عانينا منه في أمريكا الكثير، لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعاً معقداً، مليئاً بكل صور الإباحية والخلاعة، وإنَّ ضحايا الاختلاط والحرية قبل سنّ العشرين، يملأون السجون والأرصفة، والبارات والبيوت السرية؛ إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار، قد جعلت منهم عصابات أحداث، وعصابات (جميس دين) وعصابات للمخدّرات والرقيق. إن الاختلاط، والإباحية، والحرية في المجتمع الأوروبي والأمريكي هدّد الأسر، وزلزل القيم والأخلاق، فالفتاة الصغيرة - تحت سن العشرين - في المجتمع الحديث، تخالط الشبان، وترقص، وتشرب الخمر، وتتعاطى المخدرات باسم المدنية والحرية والإباحية... وهي تلهو وتعاشر من تشاء تحت سمع عائلتها وبصرها، بل وتتحدى والديها، ومدرّسيها، والمشرفين عليها.. تتحدّاهم باسم الحرية والاختلاط، تتحداهم باسم الإباحية والانطلاق، تتزوّج في دقائق، وتطلّق بعد ساعات، ولا يكلّفها أكثر من إمضاء وعشرين قرشاً وعرّيس ليلة. أقول: هذا رأي الكاتبة الأمريكية والفضل ما شهدت به الأعداء..! وصدق الله: {أية : وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ...}تفسير : [الأحزاب: 33].

الجيلاني

تفسير : ثم أشار سبحانه إلى آداب النساء، وصيانتهن عن الرجال واستحيائهن منهم؛ ليسلمن عن افتراء المفترين ورمي الرامين، فقال منادياً لحبيبه صلى الله عليه وسلم ليبلِّغ إلى أمته وأزواجه وأزواجهم أيضاً: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المؤيد من عندنا، المبعوث إلى أرشاد البرايا ذكورهم وإناثهم {قُل لأَزْوَاجِكَ} أولاً على سبيل الشفقة والنصيحة {وَبَنَاتِكَ} أيضاً {وَ} عموم {نِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} إذا برزن لحوائجهن أحياناً {يُدْنِينَ} ويغطين {عَلَيْهِنَّ} أي: على أيديهن وأرجلهن وجميع معاطفهن {مِن} فواضل {جَلاَبِيبِهِنَّ} وملاحفهن، بحيث لا يبدو من أعضائهن شيء سوى العينين، بل عين واحدة؛ ليتميزن بها عن الإمامء والبغيات المريبات، المطمعات لأهل الفجور والفسوق {ذٰلِكَ} التستر والتغطي على الوجه الأتم الأبلغ {أَدْنَىٰ} وأقرب {أَن يُعْرَفْنَ} ويُميزن أولئك الحرائر والعفائق عن الإماء والمربيات، وبعدما عرفن {فَلاَ يُؤْذَيْنَ} ولا يفترين بهتاناً {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع لما اختلج في جوانحهن {غَفُوراً} لهن بعدما تُبن إلىالله وأَنَبْنَ {رَّحِيماً} [الأحزاب: 59] يقبل توبتهن ويرحم عليهن إن أخلصن فيها. ثم قال سبحانه مقسماً مبالغاً: والله {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ} ولم ينزجر {ٱلْمُنَافِقُونَ} المفترون الرامون عن إيذاء المؤمنات الحرائر، المصونات المحفوظات، والسرايا العفائف بعدما تحفظن وتسترن على الوجه المذكور {وَ} لم يكف عنها المتعرضون {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} وضعف إيمان، واعتقاد وميل إلى الفسق والفجور {وَ} خصوصاً {ٱلْمُرْجِفُونَ} المجاهرون المترددون {فِي ٱلْمَدِينَةِ} بالأراجيف والأخبار الكاذبة والمفتريات الباطلة الغليظة، ويذيعونها فيها عناداً أو فساداً {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} ولنأمرنك بقتالهم وإجلائهم، ولنسلطنك عليهم بإقامة الحدود الشديدة والغريرات البليغة إلى حيث لا يمكنهم التمكن والإقامة فيها، فيضطروا إلى الجلاء {ثُمَّ} أي: بعدما وضعنا الحدود وأمرناك بإقامتها {لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ} أي: لا يستطيعون ولا يقدرون بمجاورتك في المدينة {إِلاَّ} زماناً {قَلِيلاً} [الأحزاب: 60] يستعدون فيه للبعد والجلاء والهرب من بين المسلمين والفرار عنهم. وإلى أن يفروا ويهربوا أولئك المبعدون المطرودون حتى لا يؤاخذون ولا يؤسرون؛ إذ هم كانوا بين المؤمين {مَّلْعُونِينَ} مطرودين، مبعدين عن روح الله وكنف جوار رسوله وجوار المؤمنين؛ لكونهم مؤذين متعرضين لعورات المسلمين، الباهتين المفترين إياهن ببهتان عظيم، والموصوفين بهذه الصفات المذمومة {أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ} ووجدوا {أُخِذُواْ} وأُسروا {وَ} إن لم يمكن أسرهم {قُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 61] شديداً إلى حيث استؤصلوا بالمرة. واستئصال أمثال هذه الغواة المطرودين المردودين ليس ببدع، بل {سُنَّةَ ٱللَّهِ} القدير الحكيم، القديمة المستمرة، التي سنها سبحانه {فِي} حق المؤذين المفترين {ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} ومضوا {مِن قَبْلُ} يا أكمل الرسل {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ} المستمرة الجارية على مقتضى حكمته المتقنة {تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 62] إذ لا يبدل حكمه، ولا يغير حكمته، بل له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الآية، التي تسمى آية الحجاب، فأمر اللّه نبيه، أن يأمر النساء عمومًا، ويبدأ بزوجاته وبناته، لأنهن آكد من غيرهن، ولأن الآمر [لغيره] ينبغي أن يبدأ بأهله، قبل غيرهم كما قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا }. تفسير : أن { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ } وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه، أي: يغطين بها، وجوههن وصدورهن. ثم ذكر حكمة ذلك، فقال: { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ } دل على وجود أذية، إن لم يحتجبن، وذلك، لأنهن إذا لم يحتجبن، ربما ظن أنهن غير عفيفات، فيتعرض لهن من في قلبه مرض، فيؤذيهن، وربما استهين بهن، وظن أنهن إماء، فتهاون بهن من يريد الشر. فالاحتجاب حاسم لمطامع الطامعين فيهن. { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } حيث غفر لكم ما سلف، ورحمكم، بأن بين لكم الأحكام، وأوضح الحلال والحرام، فهذا سد للباب من جهتهن. وأما من جهة أهل الشر فقد توعدهم بقوله: { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: مرض شك أو شهوة { وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ } أي: المخوفون المرهبون الأعداء، المحدثون بكثرتهم وقوتهم، وضعف المسلمين. ولم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه، ليعم ذلك، كل ما توحي به أنفسهم إليهم، وتوسوس به، وتدعو إليه من الشر، من التعريض بسب الإسلام وأهله، والإرجاف بالمسلمين، وتوهين قواهم، والتعرض للمؤمنات بالسوء والفاحشة، وغير ذلك من المعاصي الصادرة، من أمثال هؤلاء. { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } أي: نأمرك بعقوبتهم وقتالهم، ونسلطك عليهم، ثم إذا فعلنا ذلك، لا طاقة لهم بك، وليس لهم قوة ولا امتناع، ولهذا قال: { ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا } أي: لا يجاورونك في المدينة إلا قليلا بأن تقتلهم أو تنفيهم. وهذا فيه دليل، لنفي أهل الشر، الذين يتضرر بإقامتهم بين أظهر المسلمين، فإن ذلك أحسم للشر، وأبعد منه، ويكونون { مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا } أي: مبعدين، أين وجدوا، لا يحصل لهم أمن، ولا يقر لهم قرار، يخشون أن يقتلوا، أو يحبسوا، أو يعاقبوا. { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ } أن من تمادى في العصيان، وتجرأ على الأذى، ولم ينته منه، فإنه يعاقب عقوبة بليغة. { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا } أي تغييرًا، بل سنته تعالى وعادته، جارية مع الأسباب المقتضية لأسبابها.

همام الصنعاني

تفسير : 2376- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، قال: كن إماء بالمدينة يقال لَهُنَّ كذا وكذا، كنَّ يخرجن، فيتعرض لهن السفهاء، فَيردُّوهُنَّ فكانت المرأة تخرج، فيَحْسَبُونَ أنها أمة، فيتعرضون لها ويؤذونها فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنات أن {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ}: [الآية: 59]، من الإِماء أنهن حَرَائِرُ {فَلاَ يُؤْذَيْنَ}. 2377- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خثيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: لما نزلت هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ}: [الآية: 59]، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهنّ الغِرْبان من السكينة، وعليهن أكسِيَةٌ سُود يلبسْنَها.