Verse. 3593 (AR)

٣٣ - ٱلْأَحْزَاب

33 - Al-Ahzab (AR)

لَىِٕنْ لَّمْ يَنْتَہِ الْمُنٰفِقُوْنَ وَ الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِہِمْ مَّرَضٌ وَّالْمُرْجِفُوْنَ فِي الْمَدِيْنَۃِ لَــنُغْرِيَنَّكَ بِہِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُوْنَكَ فِيْہَاۗ اِلَّا قَلِيْلًا۝۶۰ۚۖۛ
Lain lam yantahi almunafiqoona waallatheena fee quloobihim maradun waalmurjifoona fee almadeenati lanughriyannaka bihim thumma la yujawiroonaka feeha illa qaleelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لئن» لام قسم «لم ينته المنافقون» عن نفاقهم «والذين في قلوبهم مرض» بالزنا «والمرجفون في المدينة» المؤمنين بقولهم قد أتاكم العدو وسراياكم قتلوا أو هزموا «لنغرينك بهم» لنسلطنك عليهم «ثم لا يجاورونك» يساكنوك «فيها إلا قليلا» ثم يخرجون.

60

Tafseer

الرازي

تفسير : لما ذكر حال المشرك الذي يؤذي الله ورسوله، والمجاهر الذي يؤذي المؤمنين، ذكر حال المسر الذي يظهر الحق ويضمر الباطل وهو المنافق، ولما كان المذكور من قبل أقواماً ثلاثة نظراً إلى اعتبار أمور ثلاثة: وهم المؤذون الله، والمؤذون الرسول، والمؤذون المؤمنين، ذكر من المسرين ثلاثة نظراً إلى اعتبار أمور ثلاثة أحدها: المنافق الذي يؤذي الله سراً والثاني: الذي في قلبه مرض الذي يؤذي المؤمن باتباع نسائه والثالث: المرجف الذي يؤذي النبـي عليه السلام بالإرجاف بقوله غلب محمد وسيخرج من المدينة وسيؤخذ، وهؤلاء وإن كانوا قوماً واحداً إلا أن لهم ثلاث اعتبارات وهذا في مقابلة قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [الأحزاب: 35] حيث ذكر أصنافاً عشرة وكلهم يوجد في واحد فهم واحد بالشخص كثير بالاعتبار وقوله: {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } أي لنسلطنك عليهم ولنخرجنهم من المدينة، ثم لا يجاوزونك وتخلو المدينة منهم بالموت أو الإخراج، ويحتمل أن يكون المراد لنغرينك بهم، فإذا أغريناك لا يجاورونك، والأول: كقول القائل يخرج فلان ويقرأ إشارة إلى أمرين والثاني: كقوله يخرج فلان ويدخل السوق ففي الأول يقرأ وإن لم يخرج وفي الثاني لا يدخل إلا إذا خرج. والاستثناء فيه لطيفة وهي أن الله تعالى وعد النبـي عليه السلام أنه يخرج أعداءه من المدينة وينفيهم على يده إظهاراً لشوكته، ولو كان النفي بإرادة الله من غير واسطة النبـي لأخلي المدينة عنهم في ألطف آن (بقوله) كن فيكون، ولكن لما أراد الله أن يكون على يد النبـي لا يقع ذلك إلا بزمان وإن لطف فقال: {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً } وهو أن يتهيؤا ويتأهبوا للخروج.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ} الآية. أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد؛ كما روى سفيان بن سعيد عن منصور عن أبي رزين قال: {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ} قال: هم شيء واحد، يعني أنهم قد جمعوا هذه الأشياء. والواو مقحمة. كما قال:شعر : إلى الملك القَرْم وابن الهمام ولَيْثِ الكَتيبة في المُزْدحم تفسير : أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليثِ الكتيبة، وقد مضى في «البقرة». وقيل: كان منهم قوم يُرجفون، وقوم يتبعون النساء للرِّيبة، وقوم يشكّكون المسلمين. قال عكرمة وشَهْر بن حَوْشَب: «الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» يعني الذين في قلوبهم الزنى. وقال طاوس: نزلت هذه الآية في أمر النساء. وقال سلمة بن كُهيل: نزلت في أصحاب الفواحش، والمعنى متقارب. وقيل: المنافقون والذين في قلوبهم مرض شيء واحد، عبّر عنهم بلفظين؛ دليله آية المنافقين في أول سورة «البقرة». والمرجفون في المدينة قوم كانوا يخبرون المؤمنين بما يسوءهم من عدوّهم، فيقولون إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم قد قتلوا أو هزموا، وإن العدوّ قد أتاكم، قاله قتادة وغيره. وقيل كانوا يقولون: أصحاب الصُّفّة قوم عزّاب، فهم الذين يتعرّضون للنساء. وقيل: هم قوم من المسلمين ينطقون بالأخبار الكاذبة حُبًّا للفتنة. وقد كان في أصحاب الإفك قوم مسلمون ولكنهم خاضوا حُبًّا للفتنة. وقال ابن عباس: الإرجاف التماس الفتنة، والإرجاف: إشاعة الكذب والباطل للاغتمام به. وقيل: تحريك القلوب، يقال: رجفت الأرض ـ أي تحرّكت وتزلزلت ـ ترجُف رَجْفا. والرَّجَفان: الاضطراب الشديد. والرَّجَاف: البحر، سُمي به لاضطرابه. قال الشاعر:شعر : المُطعِمون اللّحم كلّ عشيّة حتى تَغيب الشمسُ في الرَّجاف تفسير : والأرجاف: واحدُ أراجيف الأخبار. وقد أرجَفوا في الشيء، أي خاضوا فيه. قال الشاعر:شعر : فإنا وإن عيّرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغٍ وحاسدُ تفسير : وقال آخر:شعر : أبالأراجيف يا ابن اللؤم توعِدني وفي الأراجيف خِلت اللؤمُ والخور تفسير : فالإرجاف حرام، لأن فيه إذاية. فدلّت الآية على تحريم الإيذاء بالإرجاف. الثانية: قوله تعالى: {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي لنسلطنّك عليهم فتستأصلهم بالقتل. وقال ابن عباس: لم ينتهوا عن إيذاء النساء وأن الله عز وجل قد أغراه بهم. ثم إنه قال عز وجل: {أية : وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ}تفسير : [التوبة: 84] وإنه أمره بلعنهم، وهذا هو الإغراء؛ وقال محمد بن يزيد: قد أغراه بهم في الآية التي تلي هذه مع اتصال الكلام بها، وهو قوله عز وجل: {أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً}. فهذا فيه معنى الأمر بقتلهم وأخذهم؛ أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف. وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : خمس يُقتلن في الحِلّ والحَرَم»تفسير : . فهذا فيه معنى الأمر كالآية سواء. النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وقيل: إنهم قد انتهوا عن الإرجاف فلم يُغر بهم. ولام «لَنُغْرِيَنَّكَ» لام القسم، واليمين واقعة عليها، وأدخلت اللام في «إن» توطئة لها. الثالثة: قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ} أي في المدينة. {إِلاَّ قَلِيلاً} نصب على الحال من الضمير في «يُجَاوِرُونَكَ»؛ فكان الأمر كما قال تبارك وتعالى؛ لأنهم لم يكونوا إلا أقلاء. فهذا أحد جوابي الفرّاء، وهو الأولى عنده، أي لا يجاورونك إلا في حال قلتهم. والجواب الآخر: أن يكون المعنى إلا وقتاً قليلاً، أي لا يبقون معك إلا مدّة يسيرة، أي لا يجاورونك فيها إلا جواراً قليلاً حتى يهلكوا، فيكون نعتاً لمصدر أو ظرف محذوف. ودلّ على أن مَن كان معك ساكناً بالمدينة فهو جارٌ. وقد مضى في «النساء». الرابعة: قوله تعالى: {مَّلْعُونِينَ} هذا تمام الكلام عند محمد بن يزيد، وهو منصوب على الحال. وقال ابن الأنباريّ: «قلِيلاً ملعونِين» وقف حسن. النحاس: ويجوز أن يكون التمام «إِلاَّ قَلِيلاً» وتنصب «مَلْعُونِينَ» على الشتم. كما قرأ عيسى بن عمر: {وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ }. وقد حكي عن بعض النحويين أنه قال: يكون المعنى أينما ثُقِفوا أخذوا ملعونين. وهذا خطأ لا يَعمل ما كان مع المجازاة فيما قبله. وقيل: معنى الآية إن أصرّوا على النفاق لم يكن لهم مقام بالمدينة إلا وهم مطرودون ملعونون. وقد فعل بهم هذا، فإنهحديث : لما نزلت سورة «براءة» جمعوا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «يا فلان قم فاخرج فإنك منافق ويا فلان قم»فقام إخوانهم من المسلمين وتولّوا إخراجهم من المسجد.تفسير : الخامسة: قوله تعالى: {سُنَّةَ ٱللَّهِ} نصب على المصدر؛ أي سنّ الله جل وعز فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويُقتل. {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} أي تحويلاً وتغييراً، حكاه النقّاش. وقال السدّي: يعني أن من قُتل بحق فلا دِية على قاتله. المهدَوِيّ: وفي الآية دليل على جواز ترك إنفاذ الوعيد، والدليل على ذلك بقاء المنافقين معه حتى مات. والمعروف من أهل الفضل إتمام وعدهم وتأخير وعيدهم، وقد مضى هذا في «آل عمران» وغيرها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَئِنْ } لام قسم {لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَٰفِقُونَ } عن نفاقهم {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } بالزنى {وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ } المؤمنين بقولهم: قد أتاكم العدوّ وسراياكم قتلوا أو هزموا {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } لنسلطنك عليهم {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ } يساكنونك {فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً }.

ابن عطية

تفسير : اللام في قوله تعالى: {لئن} هي المؤذنة بمجيء القسم، واللام في {لنغرينك} هي لام القسم، وتوعد الله تعالى هذه الأصناف في هذه الآية، وقرن توعده بقرينة متابعتهم وتركهم الانتهاء، فقالت فرقة: إن هذه الأصناف لم تنته ولم ينفذ الله تعالى عليها هذا الوعيد، فهذه الآية دليل على بطلان القول بإنفاذ الوعيد في الآخرة، وقالت فرقة: إن هذه الأصناف انتهت وتستر جميعهم بأمرهم وكفوا وما بقي من أمرهم أنفذ الله تعالى وعيداً بإزائه، وهو مثل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم إلى غير ذلك مما أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنافقين من الإذلال في إخراجهم من المسجد وما نزل فيهم في سورة براءة وغير ذلك، فهم لا يمتثلوا الانتهاء جملة ولا نفذ عليهم الوعيد كاملاً. و {المنافقون} صنف يظهر الإيمان ولا يبطنه، {والذين في قلوبهم مرض} هو الغزل وحب الزنا قاله عكرمة، ومنه قوله تعالى: {أية : فيطمع الذي في قلبه مرض} تفسير : [الأحزاب: 32] و {المرجفون في المدينة} هم قوم من المنافقين كانوا يتحدثون بغزو العرب المدينة وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيغلب، ونحو هذا مما يرجفون به نفوس المؤمنين، فيحتمل أن تكون هذه الأصناف مفترقة بعضها من بعض، ويحتمل أن تكون داخلة في جملة المنافقين، لكنه نص على هاتين الطائفتين وهو قد ضمهم عموم لفظة النفاق تنبيهاً عليهم وتشريداً بهم وغضاً منهم، و"نغرينك" معناه نحضك عليهم بعد تعيينهم لك، قال ابن عباس المعنى لنسلطنك عليهم، وقال قتادة لنحرشنك بهم، وقوله تعالى: {ثم لا يجاورونك فيها} أي بعد الإغراء لأنك تنفيهم بالإخافة والقتل، وقوله {إلا قليلاً} يحتمل أن يريد إلا جواراً قليلاً أو وقتاً قليلاً، ويحتمل أن يريد إلا عدداً قليلاً، كأنه قال إلا أقلاء، وقوله تعالى: {ملعونين} يجوز أن ينتصب على الذم قاله الطبري، ويجوز أن يكون بدلاً من أقلاء الذي قدرناه قبل في أحد التأويلات، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في {يجاورونك} كأنه قال ينتفون ملعونين، فلما تقدر {لا يجاورونك} تقدير ينتفون، حسن هذا، واللعنة الإبعاد، و {ثقفوا} معناه حصروا وقدر عليهم، و {أخذوا} معناه أسروا، والأخيذ الأسير ومنه قول العرب أكذب من الأخيذ الصيحان، وقرأ جمهور الناس "وقتّلوا" بشد التاء، ويؤيد هذا المصدر بعدها، وقرأت فرقة بتخفيف التاء والمصدر على هذه القراءة على غير قياس، قال الأعمش كل ما في القرآن غير هذا الموضع فهو "قتلوا" بالتخفيف، وقوله تعالى: {سنة الله} نصب على المصدر، ويجوز فيه الإغراء على بعد، و {الذين خلوا} هم منافقو الأمم وقوله {ولن تجد لسنة الله تبديلاً} أي من مغالب يستقر تبديله فيخرج على هذا تبديل العصاة والكفرة، ويخرج عنه أيضاً ما يبدله الله من سنة بسنّة بالنسخ.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ} عن أذية نساء المسلمين، أو عن إظهار ما في قلوبهم من النفاق "ح" {وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} الزناة، أو أصحاب الفواحش والقبائح {وَالْمُرْجِفُونَ} الذي يكايدون النساء ويتعرضون لهن، أو ذاكرو الأخبار المضعّفة لقلوب المؤمنين المقوية لقلوب المشركين، أو الإرجاف التماس الفتنة "ع" وسميت الأراجيف لاضطراب الأصوات فيها وإفاضة الناس فيها {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} لنسلطنك عليهم، أو لنعلمنك بهم، أو لنحملنك على مؤاخذتهم {إِلاَّ قَلِيلاً} بالنفي عن المدينة والقليل ما بين قوله لهم اخرجوا وبين خروجهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ...} الآية. اللام في قوله: {لَّئِن} هي المؤذنة بمجيء القسم، واللام في {لَنُغْرِيَنَّكَ}: هي لامُ القسمِ. قلت: ورَوَى الترمذيُّ عن ابن عُمَرَ قال: صَعِدَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم المِنْبَرَ، فَنَادَىٰ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: «حديث : يَا مَعْشَرَ مَنْ قَدْ أَسْلَمَ بلِسَانِهِ، وَلَمْ يَفُضْ الإيْمَانُ إلَىٰ قَلْبِهِ، لاَ تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ؛ يَتَبِعَ اللّهُ عَوْرَتَه؛ وَمَنْ يَتَّبِعِ اللّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْه، وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ...»تفسير : الحديث. انتهى. ورواه أبو دَاودَ في «سننه» من طريق أبي برزة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم وتوعَّد اللّه سبحانه هذه الأصنافَ في هذه الآية. وقوله سبحانه {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} المرض، هنا: هو الغَزَل وحب الزنا؛ قاله عكرمة. {وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ}: هم قوم كانوا يتحدثون بغزو العربِ المدينةَ؛ ونحوِ هذا مما يُرْجِفُونَ بهِ نُفُوسَ المؤمنينَ، فيحتمل أنْ تكونَ هذه الفِرَقُ دَاخِلَةً في جملة المنافقين، ويحتمل أن تكونَ متباينةً و {نغرينك} معناه: نحضك عليهم بعد تعيينهم لك. في البخاري: وقال ابن عباس: {لَنُغْرِيَنَّكَ}: لنسلطنك. انتهى. وقوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ} أي: بعد الإغراء لأنك تَنْفِيهم بالإخافَة والقَتْلِ. وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} يحتمل: أن يريد إلا جِوَاراً قليلاً، أو وقتاً قليلاً، أو عدداً قليلاً، كأنه قال: إلا أقلاءَ، و{ثُقِفُواْ}: معناه: حُصِرُوا وقُدِرَ عليهم و {أُخِذُوا}: معناه: أُسِرُوا والأخِيذُ الأسِيرُ: {وَٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} هم منافقوا الأمم، وباقي الآية مُتَّضِحُ المعنَى. و {ٱلسَّبِيلاَ}: ـــ مفعولٌ ثَانٍ ـــ؛ لأَنَّ {أَضلَّ} متعدٍ بالهَمْزَةِ، وهي سبيلُ الإيمانِ والهُدَى، {وَٱلَّذِينَ ءَاذُوْاْ مُوسَىٰ}: هم قومُ مِن بَنِي إسرائيل. قال ابن عباس وأبو هريرة وجماعة: الإشارةُ إلى ما تضمَّنه حديثُ النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من أَنَّ بَنِي إسرائيل كَانُوا يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، وَكَانَ مُوسَىٰ عليه السلام رَجُلاً سِتِّيراً حَيِّياً، لاَ يَكَادُ يُرَىٰ مِنْ جَسَدِهِ شَيْءٌ؛ فَقَالُوا: وَاللّهِ، مَا يَمْنَعُ مُوسَىٰ أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلاَّ أَنَّهُ آدَرُ أَوْ بِهِ بَرَصٌ، فَذَهَبَ يَغْتَسِلُ؛ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَىٰ حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَلَجَّ مُوسَىٰ فِي إثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، فَمَرَّ بِهِمْ فَنَظَرُوا إلَيْهِ؛ فَقَالُوا: وَاللّهِ، مَا بِمُوسَىٰ مِنْ بَأْسٍ»تفسير : . الحديثُ خرَّجه البُخَاريُّ وغيره، وقيل في إذَايتهم غيرُ هذا. {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} والوجيهُ: المكرَّمُ الوجهِ، والقولُ السَّدِيدُ: يَعُمُّ جَميعَ الخيراتِ وقال عكرمة: أراد «لا إلـٰه إلا اللّه» وباقي الآية بيِّن.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ إن أناساً من المنافقين أرادوا أن يظهروا نفاقهم، فنزلت فيهم ‏{‏لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم‏} ‏ لنحرشنك بهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال ‏ (‏الارجاف) الكذب الذي كان يذيعه أهل النفاق ويقولون‏:‏ قد أتاكم عدد وعدة‏.‏ وذكر لنا‏:‏ إن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق، فأوعدهم الله بهذه الآية ‏ {‏لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى قوله ‏ {‏لنغرينك بهم‏} ‏ أي لنحملنك عليهم، ولنحرشنك بهم، فلما أوعدهم الله بهذه الآية كتموا ذلك وأسروه ‏{‏ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا‏ً} ‏ أي بالمدينة ‏ {‏ملعونين‏} قال‏:‏ على كل حال ‏{‏أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا‏ً}‏ قال‏:‏ إذا هم أظهروا النفاق ‏{‏سنة الله في الذين خلوا من قبل‏}‏ يقول‏:‏ هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق‏.‏ وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله ‏{‏لئن لم ينته المنافقون‏}‏ قال‏:‏ يعني المنافقين بأعيانهم ‏{‏والذين في قلوبهم مرض‏}‏ شك‏.‏ يعني المنافقين أيضا‏ً.‏ وأخرج ابن سعد عن عبيد بن حنين رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لئن لم ينته المنافقون‏}‏ قال‏:‏ عرف المنافقين بأعيانهم ‏{‏والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة‏} ‏ هم المنافقون جميعاً‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاوس رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ نزلت في بعض أمور النساء‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال‏:‏ سألت عكرمة رضي الله عنه عن قول الله ‏ {‏لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض‏} ‏قال‏:‏ أصحاب الفواحش‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله ‏ {‏والذين في قلوبهم مرض‏}‏ قال‏:‏ أصحاب الفواحش‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله ‏ {‏والذين في قلوبهم مرض‏}‏ قال‏:‏ كانوا مؤمنين، وكان في أنفسهم أن يزنوا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏لئن لم ينته المنافقون‏}‏ قال‏:‏ كان النفاق على ثلاثة وجوه:‏ نفاق مثل نفاق عبدالله بن أبي بن سلول‏.‏ ونفاق مثل نفاق عبدالله بن نبتل، ومالك بن داعس، فكان هؤلاء وجوهاً من وجوه الأنصار، فكانوا يستحبون أن يأتوا الزنا يصونون بذلك أنفسهم ‏{‏والذين في قلوبهم مرض‏} ‏قال‏:‏ الزنا إن وجدوه عملوه، وإن لم يجدوه لم يبتغوه‏.‏ ونفاق يكابرون النساء مكابرة، وهم هؤلاء الذين كانوا يكابرون النساء ‏ {‏لَنُغْرِيَنَّكَ بهم‏} ‏ يقول‏:‏ لَنُعلِّمَنَّك بهم، ثم قال ‏{‏ملعونين‏}‏ ثم فصله في الآية ‏ {‏أينما ثقفوا‏} ‏ يعملون هذا العمل مكابرة النساء ‏{‏أخذوا وقتلوا تقتيلا‏ً}‏ قال‏:‏ السدي رضي الله عنه‏:‏ هذا حكم في القرآن ليس يعمل به‏.‏ لو أن رجلاً أو أكثر من ذلك اقتصوا أثر امرأة، فغلبوها على نفسها، ففجروا بها كان الحكم فيهم غير الجلد والرجم‏.‏ أن يؤاخذوا فتضرب أعناقهم ‏{‏سنة الله في الذين خلوا من قبل‏} ‏ كذلك كان يفعل بمن مضى من الأمم ‏{‏ولن تجد لسنة الله تبديلا‏ً} ‏ قال‏:‏ فمن كابر امرأة على نفسها فغلبها فقتل، فليس على قاتله دية لأنه مكابر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏لنغرينك بهم‏}‏ قال‏:‏ لنسلطنك عليهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والخطيب في تالي التلخيص عن محمد بن سيرين رضي الله عنه في قوله ‏{‏لئن لم ينته المنافقون‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ قال‏:‏ لا أعلم أغري بهم حتى مات‏. وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏لنغرينك بهم‏} ‏ قال‏:‏ لنولعنك قال الحارث بن حلزة‏: شعر : لا تخلنا على غرائك انا قلما قد رشى بنا الأعداء

اسماعيل حقي

تفسير : {لئن لم ينته المنافقون} لام قسم والانتهاء الانزجار عما نهى عنه: وبالفارسية [بازايستيدن] والمعنى والله لئن لم يمتنع المنافقون عما هم عليه من النفاق واحكامه الموجبة للايذاء {والذين فى قلوبهم مرض} ضعف ايمان وقلة ثبات عليه او فجور من تزلزلهم فى الدين وما يستتبعه مما لا خير فيه او من فجورهم وميلهم الى الزنى والفواحش {والمرجفون فى المدينة} الرجف الاضطراب الشديد يقال رجف الارض والبحر وبحر رجاف والرجفة الزلزلة والارجاف ايقاع الرجفة والاضطراب اما بالفعل او بالقول وصف بالارجاف الاخبار الكاذب لكونه متزلزلا غير ثابت. وفى التاج [الارجاف: خبر دروغ افكندن] والمعنى لئن لم ينته المخبرون بالاخبار الكاذبة فى الفريقين عما هم عليه من نشر اخبار السوء عن سرايا المسلمين بان يقولوا انهزموا وقتلوا واخذوا وجرى عليهم كيت كيت واتاكم العدو وغير ذلك من الاراجيف المؤذية الموقعة لقلوب المسلمين فى الاضطراب والكسر والرعب {لنغرينك بهم} جواب القسم المضمر [الاغراء: برانكيختن برجيز] يقال غرى بكذا اى لهج به ولصق واصل ذلك من الغراء وهو ما يلصق به وقد اغريت فلانا بكذا اغراء الهجته به والضمير فى بهم لاهل النفاق والمرض والارجاف اى لنأمرنك بقتالهم واجلائهم او بما يضطرهم الى الجلاء ولنحرضنك على ذلك: وبالفارسية [هرآينه ترا بر كماريم بريشان ومسلط سازيم وامر كنيم بقتل ايشان] {ثم لا يجاورونك فيها} عطف على جواب القسم وثم للدلالة على ان الجلاء ومفارقة جوار الرسول اعظم ما يصبهم اى لا يساكنونك: وبالفارسية [بس همسا يكى نكند باتو در مدينه] فان الجار من يقرب مسكنه [والمجاورة: باكسى همسايكى كردن] {الا قليلا} زمانا او جوارا قليلا ريثما يتبين حالهم من الانتهاء وعدمه. وفى بحر العلوم ريثما يرتحلون بانفسهم وعيالهم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {لنُغرينك}: جواب القسم المغني عن جواب الشرط. و {ثم لا يُجاورنك}: عطف عليه؛ لأنه يصح أن يُجاب به القسم؛ لصحة قولك: لئن لم ينتهوا لا يُجاورنك، ولَمَّا كان الجلاء عن الوطن أعظم من جميع ما أُصيبوا به عطف بثم، لبُعد حاله عن حال المعطوف عليه. و {ملعونين}: نصب على الشتم أو الحال، والاستثناء دخل على الظرف والحال معاً، أي: لا يُجاورنك إلا قليلاً في اللعنة والبُعد، ولا يصح نصبه بأُخذوا؛ لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله. يقول الحق جلّ جلاله: {لئن لم ينته المنافقون} عن نفاقهم وإيذائهم، {والذين في قلوبهم مرض} فجور، وهم الزناة من قوله: "فيطمع الذي في قلبه مرض". {والمُرجِفُون في المدينةِ} وهم أُناس كانوا يُرجفون بأخبار السوء في المدينة، من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: هُزموا وقُتلوا، وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوبَ المؤمنين. يقال: رجف بكذا: إذا أخبر به على غير حقيقته؛ لكونه خبراً مزلزلاً غير ثابت، من: الرجفة، وهي الزلزلة، {لَنُغرينَّك بهم} لنأمرنك بقتالهم وإجلائهم، أو ما يضطرهم إلى طلب الجلاء، أو: لنُسلطنك عليهم، {ثم لا يُجاورونك فيها} في المدينة {إِلا} زمناً {قليلاً}. والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يُلقون من أخبار السوء، لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوؤهم، بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء من المدينة، وألاّ يُساكنوك فيها إلاّ زمناً قليلاً، ريثما يرتحلون. فسمّي ذلك إغراء، وهو التحريشُ، على سبيل المجاز. حال كونهم {ملعونين} أي: لا يجاورونك إلا ملعونين، مُبعدين عن الرحمة {أَينما ثُقِفُوا} وُجدوا {أُخذوا وقُتِّلوا تقتيلاً} والتشديد للتكثير. {سُنَّةَ اللهِ} أي: سَنَّ اللهُ ذلك سُنَّة {في الذين خَلَوا من قبلُ} في المنافقين الذين كانوا يُنافقون الأنبياء من قبل، ويسعون في وهنهم بالإرجاف ونحوه أن يقتّلوا أينما وُجدوا، {ولن تجد لسُنَّة الله تبديلاً} أي: لا يُبدل الله سُنَّته ولا يقدر أحد أن يبدلها، بل يُجريها مجرىً واحداً في الأمم كلهم. قال ابن جزي: تضمنت الآية وعيد هؤلاء الأصناف إن لم ينتهوا، ولم ينفُذ الوعيد فيهم. ففي ذلك دليل على بطلان القول بوجوب إنفاذ الوعيد في الآخرة. وقيل: إنهم انتهوا وستروا أمرهم؛ فكفّ عنهم إنفاذ الوعيد. هـ. الإشارة: منافقو الصوفية هم الذين ينتسبون إلى الصوفية، ويدّعون محبة القوم، وهم يعترضون على الفقراء، ويرفعون الميزان عليهم، وهم الذين في قلوبهم مرض، أي: حيرة وضيق من غم الحجاب؛ إذ لو ارتفع عنهم الحجاب لم يعترضوا على أحد، وهم المرجفون بأهل النسبة، إذ سمعوا شيئاً يسوؤهم أفشوه، وأظهروا الفرح. لئن لم ينتهوا عن ذلك ليُسلطن الله عليهم مَن يُخرجهم من النسبة بالكلية، ثم لا يبقون فيها إلا قليلاً، ممقوتين عند أهل التحقيق، أينما وُجدوا، أُخذوا بالفعل أو بالقول فيهم. وقد ألَّف بعض الفقهاء تأليفاً في الرد على الفقراء، فسلّط الله عليه من أهانه، ووَسمَه بالبلادة والجمود، ولا زال مُهاناً أينما ذُكر، والعياذ بالله. ولمَّا ذكر حال المنافقين ذكر حال المشركين لاشتراكهم في الكفر فقال: {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ...}

الجنابذي

تفسير : {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} لمّا اراد تهديد اهل الرّيبة الّذين كانوا يتعرّضون للنّساء فى الطّرق ضمّ معهم المنافقين والمرجفين {وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ} الّذين يرجفون اى يخوضون فى اخبار الفتن ويثيرون الفتن بين النّاس {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً} زماناً او جواراً قليلاً، او هو مستثنى من الفاعل.

الأعقم

تفسير : {لئن لم ينته المنافقون} أي يمتنع {والذين في قلوبهم مرض} شك {والمرجفون في المدينة} وهم الذين يخبرون بالكذب والباطل، وكان ناسٌ إذا خرجت سريَّة أرجفوا بأنهم قتلوا وهربوا ويقولون: أتاكم العدو، وقيل: كانوا يحبون أن يفشوا الأخبار والفاحشة في الذين آمنوا {لنغرينك بهم} قيل: لنسلطنك عليهم، وقيل: لنأمرن بقتلهم {ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً} حتى يقتلوا، ثم ذكر المنافقين بوعيدهم فقال سبحانه: {ملعونين أينما ثقفوا} أي مطرودين على وجه الإِهانة أينما وجدوا وظفر بهم أحدٌ {أخذوا وقتلوا تقتيلاً} قيل: أراد المنافقون إظهار ما في قلوبهم فأوعدهم الله بهذه الآية {سنة الله} طريقته وعادته {في الذين خلوا من قبل} قيل: سنة الله في هؤلاء المنافقين كسنته في الكفار الذين كانوا في الأمم {ولن تجد لسنة الله تبديلاً} أي ما جُعل سنة لا يغيّره أحدٌ {يسألك الناس} عن السرعة التي يموتون فيها ويخرجون من القبور، وكان المشركون يسألون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن وقت قيام الساعة استعجالاً على سبيل الهزوء، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به لم يطلع عليه ملكاً ولا نبياً، ثم بيَّن لرسوله أنها قريبة الوقوع {إن الله لعن الكافرين} أي أبعدهم من رحمته {وأعد لهم سعيراً} أي ناراً مسعرة موقدة أجارنا الله منها بحقه العظيم آمين {خالدين فيها أبداً لا يجدون وليَّاً} يقوم بأمرهم {ولا نصيراً} {يوم تقلب وجوههم في النار} قيل: الملائكة تقلبها، وقيل: هم يقلبون وجوههم لغاية التضرع، وقيل: من البياض إلى السواد، وقيل: تقلب وجوههم إلى ظهورهم {يقولون} على وجه الأعذار: {يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} يعني قادة الكفر وأئمة الضلال {فأضلونا السبيلا} فاتبعناهم في ذلك، ومتى قيل: ومن السادة والكبراء؟ قالوا: علماء السوء، وقيل: الكبرياء {ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كثيراً} لما تقدم ذكر النهي عن إيذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عقبه بذكر من آذى موسى تسليةً له فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} الآية، قيل: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قاله بعض الناس، وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وقد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به عليه ميتاً فأبصروه حتى عرفوه أنه غير مقتول، وقيل: أحياه الله فأخبرهم ببراءة موسى، وقيل: قذفوه بعيب في جسده من برص أو ادرة فأطلعهم الله أنه بريء، وقيل: من جهة قارون وبذله المال للمرأة على أنها تكذب عليه، وقد تقدم الكلام عليه في سورة القصص في قوله: {أية : إن قارون كان من قوم موسى} تفسير : [القصص: 76] {فبّرأه الله مما قالوا} أي أظهر براءته {وكان عند الله وجيهاً} عظيم القدر والمنزلة.

اطفيش

تفسير : {لئن لم ينته المنافقون} عن نفاقهم والايذاء قالوا اذا انتصب العدو لعداوتك ووصلك ضرره فابعث اليه ثلاث مرات انته عما انتصب له الي وامرك الى الله والا انزل عليك بلاء عظيما فان ينته فنجذ من ماء بئر معطلة شرقية قدر رطل واكتب {لئن لم ينته} - الى - {الرسولا} في ورقة واغسلها في الماء المذكور وادفعه لمن يرشه في منزله تبلغ ما تريد والله اعلم. {والذين في قلوبهم مرض} ضعف ايمان او فجورهم عن تزلزلهم في الدين كالزنا والتعرض له وعن عكرمة: المرض الغزير وحب الزنى. {والمرجفون} المزلزلون بالكذب. {في المدينة} بأخبار السوء عن سرايا المسلمين وعن النبي من قل او انهزم وكانوا يحبون ان تشيع الفاحشة واخبار السوء وكان ذلك ضار للمؤمنين قيل ويجوز ان يكون الصنفان من المنافقين. {لنغرينك بهم} لنسلطنك عليهم بقتل او اجلاء او بما يضطرهم الى طلب لجلاء والباء للالصاق واغريت الشيء بالشيء الصقته به. {ثم لا يجاورونك فيها} لا يساكنوك فيها. {إلا قليلا} جوارا قليلا او زمانا قليلا قدر ما يرتحلون بأنفسهم وعيالهم ومالهم وانما عطف بثم لأن اجلاءهم عن المدنية اصعب ما يصابون به فرتبته بعيدة وهذا ان كان الاغراء باخراجهم وان كان بالقتل فالقليل قدر ما يؤتى بهم فيقتلون.

اطفيش

تفسير : {لئن لمْ ينْتِه المنافقونَ} عن إظهار النفاق والإيذاء {والَّذين في قُلوبِهم مَرضٌ} عن إظهار مرضهم، وما يتولد منه من التأثر بكلام المنافقين ووسوستهم، وهم قوم ضعُف إيمانهم، استعار لذلك الضعف اسم المرض {والمرجفُون في المدينَةِ} عن الإرجاف، وهم اليهود المحركون لقلوب المؤمنين بالتخويف، بنشر أخبار السوء الكاذبة عن سرايا المسلمين، أو الآتون بالأخبار المتحركة، أى المضطربة غير الثابتة، وأصل الإرجاف التحريك للجسم، استعير لذلك التغيير، واشتق منه على التبعية مرجف، وعن عكرمة وعطاء: المرض حب الزنى، وقيل: الثلاثة واحد، أى لئن لم ينته الجامعون بين النفاق ومرض القلب والإرجاف فى المدينة. {لنُغْرينَّك} لنلصفنك {بِهِم} لا تفارقهم حتى تهلكهم بما ذكر بعد، وذلك مأذخوذ من الغراء وهو ما يلصق به الشىء، والمراد التحضيض، استعير له الإغراء، واشتق منه نغرى {ثُم لا يُجاورونَك فيها} ثم للترتيب الرتبى، فان الخروج عن المدينة أعظم شىء عليهم لشدة مفارقة الوطن، وشدة مفارقة الرسول لا لحبهم له، لأنهم لا يحبونه، بل للأهانة تلقهم بالطرد عنه {إلاَّ قَليلاً} زمانا قليلا، أو جوارا قليلا قدر ما يتبين أنهم تابوا، أو أصروا، وما يجمعون مالهم وعيالهم ورحالهم، ولا ينظرون الى أن يجدوا منزلا آخر، كما ينظر من لزمه الخروج من دار سكنها بوجه شرعى اذا تم أجل السكنى، أو سكنها بهبة وبلا أجل، فأراد صاحبها، ولمالكها أجرة ما زاد بالسكنى على الكراء.

الالوسي

تفسير : {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ } عما هم عليه من النفاق وأحكامه الموجبة للإيذاء {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } وهم قوم كان فيهم ضعف إيمان وقلة ثبات عليه عما هم عليه من التزلزل وما يستتبعه مما لا خير فيه {وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ } من اليهود المجاورين لها عما هم عليه من نشر أخبار السوء عن سرايا المسلمين وغير ذلك من الأراجيف الملفقة المستتبعة للأذية، وأصل الإرجاف التحريك من الرجفة التي هي الزلزلة وصفت به الأخبار الكاذبة لكونها في نفسها متزلزلة غير ثابتة أو لتزلزل قلوب المؤمنين واضطرابها منها، والغاير بين المتعاطفات على ما ذكرنا بالذات وهو الذي يقتضيه ظاهر العطف. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مالك بن دينار قال: سألت عكرمة عن الذين في قلوبهم مرض فقال: هم أصحاب الفواحش، وعن عطاء أنه فسرهم بذلك أيضاً، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: هو قوم مؤمنون كان في أنفسهم أن يزنوا فالمرض حب الزنا، وإذا فسر المرجفون على ذلك بما سمعت يكون التغاير بين المتعاطفات بالذات أيضاً. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب أن الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون وهو المعروف في وصفهم. وأخرج هو أيضاً عن عبيد بن حنين أن الذين في قلوبهم مرض والمرجفون جميعاً هم المنافقون فيكون العطف مع الاتحاد بالذات لتغاير الصفات على حد شعر : هو الملك القرم وابن الهمام تفسير : فكأنه قيل: لئن لم ينته الجامعون / بين هذه الصفات القبيحة عن الاتصاف بها المفضي إلى الإيذاء. {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } أي لندعونك إلى قتالهم وإجلائهم أو فعل ما يضطرهم إلى الجلاء ونحرضك على ذلك يقال: أغراه بكذا إذا دعاه إلى تناوله بالتحريض عليه، وقال الراغب: غرى بكذا أي لهج به ولصق، وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلصق به وقد أغريت فلاناً بكذا ألهجت به، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي لنسلطنك عليهم {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ } عطف على جواب القسم و(ثم) للتفاوت الرتبـي والدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم ما يصيبهم وأشده عندهم {فِيهَا } أي في المدينة {إِلاَّ قَلِيلاً } أي زماناً أو جواراً قليلاً ريثما يتبين حالهم من الانتهاء وعدمه أو يتلقطون عيالاتهم وأنفسهم. وفي الآية عليه كما في «الانتصاف» «إشارة إلى أن من توجه عليه إخلاء منزل مملوك للغير بوجه شرعي يمهل ريثما ينتقل بنفسه ومتاعه وعياله برهة من الزمان حتى يتيسر له منزل آخر على حسب الاجتهاد»، ونصب {قَلِيلاً } على ما أشرنا إليه على الظرفية أو المصدرية، وجوز أن يكون نصباً على الحال أي إلا قليلين أطلاء، ولا يخفى حاله على ذي تمييز.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من زَجر قوم عرفوا بأذى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والمؤمنات، ومن توعدهم بغضب الله عليهم في الدنيا والآخرة إلى تهديدهم بعقاب في الدنيا يشرعه الله لهم إن هم لم يقلعوا عن ذلك للعلم بأن لا ينفع في أولئك وعيد الآخرة لأنهم لا يؤمنون بالبعث، وأولئك هم المنافقون الذين ابتدىء التعريض بهم من قوله تعالى: {أية : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} تفسير : [الأحزاب: 53] إلى قوله تعالى: {أية : عظيماً}تفسير : [الأحزاب: 53]، ثم من قوله: {أية : إن الذين يؤذون الله ورسوله} تفسير : [الأحزاب: 57] إلى قوله: {أية : ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين}تفسير : [الأحزاب: 59]. وصرح هنا بما كُني عنه في الآيات السالفة إذ عبر عنهم بالمنافقين فعلم أن الذين يؤذون الله ورسوله هم المنافقون ومن لُفَّ لِفَّهُم. و{الذين في قلوبهم مرض} قد ذكرناهم في أول السورة وهم المنطوون على النفاق أو التردد في الإِيمان. و{المرجفون في المدينة}: هم المنافقون، فالأوصاف الثلاثة لشيء واحد، قاله أبو رزين. وجملة {لئن لم ينته} استئناف ابتدائي. وحذف مفعول {ينته} لظهوره، أي لم ينتهوا عن أذى الرسول والمؤمنين. والإِرجاف: إشاعة الأخبار. وفيه معنى كون الأخبار كاذبة أو مسيئة لأصحابها يعيدونها في المجالس ليطمئن السامعون لها مرة بعد مرة بأنها صادقة لأن الإِشاعة إنما تقصد للترويج بشيء غير واقع أو مما لا يصدَّق به لاشتقاق ذلك من الرجف والرجفَان وهو الاضطراب والتزلزل. فالمرجفون قوم يتلقون الأخبار فيحدِّثون بها في مجالس ونَوادٍ ويخبرون بها من يسأل ومن لا يسأل. ومعنى الإِرجاف هنا: أنهم يرجفون بما يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين والمسلمات، ويتحدثون عن سرايا المسلمين فيقولون: هُزموا أو أَسرع فيهم القتل أو نحو ذلك لإِيقاع الشك في نفوس الناس والخوف وسوء ظن بعضهم ببعض. وهم من المنافقين والذين في قلوبهم مرض وأتباعهم وهم الذين قال الله فيهم {أية : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} تفسير : في سورة النساء (83). فهذه الأوصاف لأصناف من الناس. وكان أكثر المرجفين من اليهود وليسوا من المؤمنين لأن قوله عقبه {لنغرينك بهم} لا يساعد أن فيهم مؤمنين. واللام في {لئن} موطئة للقسم، فالكلام بعدها قسم محذوف. والتقدير: والله لئن لم ينته. واللام في {لنغرينك} لام جواب القسم، وجواب القسم دليل على جواب الشرط. والإِغراء: الحثّ والتحريض على فعل. ويتعدَّى فعله بحرف (على) وبالباء، والأكثر أن تعديته بــــ (على) تفيد حثاً على الفعل مطلقاً في حدّ ذاته وأن تعديته بالباء تفيد حثاً على الإِيقاع بشخص لأن الباء للملابسة. فالمغرى عليه ملابس لذات المجرور بالباء، أي واقعاً عليها. فلا يقال: أغريته به، إذا حرضه على إحسان إليه. فالمعنى: لنغرينك بعقوبتهم، أي بأن تغري المسلمين بهم كما دل عليه قوله: {أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً} فإذا حلّ ذلك بهم انجلوا عن المدينة فائزين بأنفسهم وأموالهم وأهليهم. واختير عطف جملة {لا يجاورونك} بــــ{ثم} دون الفاء للدلالة على تراخي انتفاء المجاورة عن الإِغراء بهم تراخي رتبة لأن الخروج من الأوطان أشد على النفوس مما يلحقها من ضر في الأبدان كما قال تعالى: {أية : وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل}تفسير : [البقرة: 191] أي وفتنة الإِخراج من بلدهم أشد عليهم من القتل. واستثناء {إلا قليلاً} لتأكيد نفي المجاورة وأنه ليس جارياً على طريقة المبالغة أي لا يبقون معك في المدينة إلاّ مدة قليلة، وهي ما بين نزول الآية والإِيقاع بهم. و{قليلاً} صفة لمحذوف دلّ عليه {يجاورونك} أي جواراً قليلاً، وقلته باعتبار مدة زمنه. وجعله صاحب «الكشاف» صفة لزمن محذوف فإن وقوع ضميرهم في حيز النفي يقتضي إفرادهم، وعموم الأشخاص يقتضي عموم أزمانها فيكون منصوباً على الوصف لاسم الزمان وليس هو ظرفاً. و{ملعونين} حال مما تضمنه {قليلاً} من معنى الجوار. فالجوار مصدر يتحمل ضمير صاحبه لأن أصل المصدر أن يضاف إلى فاعله، والتقدير: إلا جوارهم ملعونين. وجعل صاحب «الكشاف» {ملعونين} مستثنى من أحوال بأن يكون حرف الاستثناء دخل على الظرف والحالِ كما في قوله تعالى: {أية : إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه}تفسير : [الأحزاب: 53]. وبونُ ما بين هذا وبين ما نظره به لأن ذلك مشتمل على ما يصلح مجيء الحال منه. والوجه هنا هو ما سلكناه في تقدير نظمه. واللعن: الإِبعاد والطرد. وتقدم قوله تعالى: {أية : وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين} تفسير : في سورة الحجر (35)، وهو مستعمل هنا كناية عن الإِهانة والتجنب في المدينة، أي يعاملهم المسلمون بتجنبهم عن مخالطتهم ويبتعدون هم من المؤمنين اتقاء ووجلاً فتضمن أن يكونوا متوارين مختفين خوفاً من بطش المؤمنين بهم حيث أغراهم النبي صلى الله عليه وسلم، ففي قوله: {ملعونين} إيجاز بديع. وقوله: {أينما ثُقِفُوا} ظرف مضاف إلى جملة وهو متعلِقٌ بـــ{ملعونين} لأن {ملعونين} حال منهم بعد صفتهم بأنهم في المدينة، فأفاد عموم أمكنة المدينة. و{أينما}: اسم زمان متضمن معنى الشرط. والثقف: الظفَر والعثور على العدوّ بدون قصد. وقد مَهَّد لهذا الفعل قوله: {ملعونين} كما تقدم. ومعنى {أخذوا} أُمسكوا. والأخذ: الإِمساك والقبض، أي أُسروا، والمراد: أخذت أموالهم إذ أغرى الله النبي صلى الله عليه وسلم بهم. والتقتيل: قوة القتل. والقوة هنا بمعنى الكثرة لأن الشيء الكثير قوي في أصناف نوعه وأيضاً هو شديد في كونه سريعاً لا إمهال لهم فيه. و{تقتيلاً} مصدر مؤكد لعامله، أي قتِّلوا قتلاً شديداً شاملاً. فالتأكيد هنا تأكيد لتسلط القتل على جميع الأفراد المدلولة لضمير {قُتِّلوا}، لرفع احتمال المجاز في عموم القتل، فالمعنى: قتلوا قتلاً شديداً لا يفلت منه أحد. وبهذا الوعيد انكفّ المنافقون عن أذاة المسلمين وعن الإِرجاف فلم يقع التقتيل فيهم إذ لم يحفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل منهم أحداً ولا أنهم خرج منهم أحد. وهذه الآية ترشد إلى تقديم إصلاح الفاسد من الأمة على قطعة منها لأن إصلاح الفاسد يكسب الأمة فرداً صالحاً أو طائفة صالحة تنتفع الأمة منها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده». تفسير : ولهذا شرعت استتابة المرتدّ قبل قتله ثلاثة أيام تعرض عليه فيها التوبة، وشرعت دعوة الكفّار الذين يغزوهم المسلمون إلى دين الإِسلام قبل الشروع في غزوهم فإن أسلموا وإِلاّ عُرض عليهم الدخول في ذمة المسلمين لأن في دخولهم في الذمة انتفاعاً للمسلمين بجزيتهم والاعتضاد بهم. وأما قتل القاتل عَمداً فشُرع فيه مجاراةً لقطع الأحقاد من قلوب أولياء القتيل لئلا يقتل بعض الأمة بعضاً، إذ لا دواء لتلك العلة إلا القصاص. ولذلك رغب الشرع في العفو وفي قبوله. ومن أجل ذلك قال مالك في آية جزاء الذين يحاربون الله ورسوله: إن (أَو) فيها للتنويع لا للتخيير فقال: يكون الجزاء بقدر جُرْم المحارب وكثرة مُقامه في فساده. وكان النفي من الأرض آخر أصناف الجزاء لأن فيه استبقاءه رجاء توبته وصلاح حاله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لئن لم ينته المنافقون: أي عن نفاقهم وهو إظهار الإِيمان وإخفاء الكفر. والذين في قلوبهم مرض: أي مرض حب الفجور وشهوة الزنا. والمرجفون في المدينة: أي الذين يأتون بالأخبار الكاذبة لتحريك النفوس وزعزعتها كقولهم العدو على مقربة من المدينة أو السرية الفلانية قتل أفرادها وما إلى ذلك. لنغرينك بهم: أي لنسلطنك عليهم ولنحرشنك بهم. ثم لا يجاورنك فيها إلا قليلا: أي في المدينة إلا قليلا من الأيام ثم يخرجوا منها أو يهلكوا. ملعونين: أي مبعدين عن الرحمة. أينما ثقفوا أخذوا: أينما وجدوا أخذوا أسرى وقتلوا تقتيلاً. سنة الله في الذين خَلَوْا من قبل: أي سن الله هذا سنة في الأمم الماضية أينما ثقف المنافقون والمرجفون أخذوا وقتلوا تقتيلاً. ولن تجد لسنة الله تبديلا: أي منه تعالى إذ هي ليست أحكاماً يطرأ عليها التبديل والتغيير بل هي سر التشريع وحكمته. معنى الآيات: لقد تقدم أن بعض النسوة اشتكين ما يلقينه من تعرض المنافقين لهن عند خروجهن ليلاً لقضاء الحاجة، وأن الله تعالى أمر نساء المؤمنين أن يدنين من جلابيبهن وعلة ذلك أن يعرفن أنهن حرائر فلا يتعرض لهن المنافقون وكان ذلك إجراءً وقائيا لا بد منه، ثم أقسم الجبار بقوله {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ} أي وعزتي وجلالي لئن لم ينته هؤلاء المنافقون من نفاقهم وأعمالهم الاستفزازية والذين في قلوبهم مرض الشهوة وحب الفجور والمرجفون الذين يكذبون الأكاذيب المرجفة أي المحركة للنفوس كقولهم: العدو زاحف على المدينة والسرية الفلانية انهزمت أو قتل أكثر أفرادها لئن لم ينته هؤلاء لنغرينك بهم أي لنحرشنَّك بهم ثم لنسلِّطنَّك عليهم. ثم لا يجاورونك فيها أي في المدينة إلا قليلا، ثم يُخرجوا منها أو يُهلكوا ملعونين أي يخرجون ملعونين أي مطرودين من الرحمة الإِلهية التي تصيب سكان المدينة النبوية، وحينئذٍ أينما ثقفوا أي وجدوا وتُمكن منهم أخذوا أي أسرى وقتلوا تقتيلاً حتى لا يبقى منهم أحد. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [60] {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ ..} والثانية [61] {مَّلْعُونِينَ ...} الخ. أما الآية الثالثة [62] سنة الله في الذين خلوا من قبل، أي لقد سن الله تعالى هذا سنة في المنافقين من أنهم إذا لم ينتهوا يلعنون ثم يُسلط عليهم من يأخذهم ويقتلهم تقتيلاً، وقوله: ولن تجد لسنة الله تبديلاً يُخبر تعالى أن ما كان من قبل السنن كالطعام يشبع والماء يروى والنار تحرق والحديد يقطع لا يبدله تعالى بل يبقى كذلك لأنه مبْني على أساس الحِكم التشريعية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التنديد بالمنافقين وتهديدهم بامضاء سنة الله تعالى فيهم إذا لم يتوبوا. 2- مشروعية إبعاد أهل الفساد من المدن الإِسلامية أو يتوبوا بترك الفساد والإِفساد، وخاصة المدينة النبوية الشريفة. 3- بيان أن ما كان من الأشياء من قبل السنن لا يتبدل بتبدل الأحوال والظروف بل يبقى كما هو لا يبدله الله تعالى ولا يغيره.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَّئِن} {ٱلْمُنَافِقُونَ} (60) - لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ الذِينَ يُظْهِرُونَ الإِيمَانَ، وَيُبْطِنُونَ الكُفْرَ، وَأَهْلُ الرِّيَبِ والشُّكُوكِ والفُسُوقِ (الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) الذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ باتِّبَاعِ نِسَائِهِمْ، والإِسَاءَةِ إِلَيهِنَّ، وَلئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُرْجِفُونَ الذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَالمُؤْمِنينَ بِنَشْرِ الشَّائِعَاتِ الكَاذِبَةَ المُثَبِّطَةِ لِهِمَمِ المُؤْمِنِينَ وَعَزَائِمِهِمْ (كَقَوْلِهِمْ مُحَمَّدٌ غُلِبَ، وَجَاءَتْ جُيُوشٌ مُشْرِكَةٌ لِحَرِبِ المُسلِمينَ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا... ) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ هؤلاءِ جَمِيعاً، فَإِنَّ الله سَيُسَلِّطُ رَسُولَهُ عَلَيهِمْ، وَيُغْرِيهِ بِقِتَالِهِمْ وَإِجلائِهِمْ عَنْ المَدينةِ فَلا يَسْكُنُونَ مَعَهُ فِيها، وَلا يَمْضِي وَقْتٌ قَصِيرٌ حَتَّى تَخْلُوَ المَدِينَةُ مِنْهُمْ. المُرِجِفُونَ - المُشِيعُونَ لِلأَخْبَارِ الكَاذِبَةِ. لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ - لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المتتبع لموكب الرسالات يجد أن الرسل واجهوا في نشر رسالتهم ثلاثة أصناف من البشر: صنف آمن، وصنف كفر، وصنف وقف متردداً بين الكفر والإيمان، وهؤلاء هم المنافقون. ذلك؛ لأن الرسول حين يُبعث إنما يُبعَث لتغيير وضع اجتماعي بلغ من السوء درجةً لا يحتملها الناس، فالذي يعاني من هذا الوضع ينتظر هذا الرسول الجديد، فما أنْ يُبعث حتى يبادر إلى الإيمان به؛ لأنه جاء بمبادىء جديدة، لا ظُلْم فيها، ولا قهر، ولا استبداد، ولا رشوة، ولا فساد. إذن: مَنْ عضته هذه الأحداث، وشقى بهذا الفساد سارع إلى الإيمان، وكذلك آمن أهل مصر، وما إنْ دخلها الإسلام حتى أسرعوا إليه، لماذا؟ لأنهم شَقُوا قبله بحكم الرومان، وكذلك آمن الفُرْس بمجرد أنْ سمعوا بالإسلام، ورأوا الأسوة الحسنة في المسلمين بعد أنْ عَضَّهم فساد غير المسلمين. ساعة يشْقَى الناسُ بفساد الأوضاع يتطلَّعون إلى منقذ، فإنْ جاءهم اتبعوه، خاصة إنْ كان منهم وله فيهم مَاضٍ مُشرِّف لم يُجربوا عليه كذباً ولا نقيصة. وهذا ما رأيناه مثلاً في قصة إسلام سيدنا أبي بكر، فما أنْ أعلن محمد أنه رسول الله حتى سارع إلى الإيمان به دون أنْ يسأله عن شيء، لماذا؟ لأنه عرف صِدْقه، وعرف أمانته، ووثق من ذلك. ومثله كان إيمان السيدة خديجة - رضي الله عنها - فما إنْ جاءها رسول الله مُضطرباً مما لاقى من نزول المَلك عليه حتى احتضنته، وهدَّأتْ من رَوْعه، وأنصفته، وذهبتْ به إلى ورقة بن نوفل لتثبت له أنه على الحق، وأن الله تعالى لن يُسلمه ولن يتخلى عنه. وكان مما قالتْ: "والله إنك لتقري الضيف، وتحمل الكلَّ، وتُكسِب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر ...". لذلك قال العلماء: إن السيدة خديجة كانت أول فقيهة في الإسلام قبل أنْ ينزل الإسلام. وطبيعي أن يكون أهل الفساد والمستفيدون منه على النقيض، فهم ينتفعون بالفساد والاستبداد، ويريدون أن تظلَّ لهم سيادتهم ومكانتهم، وأنْ يظل الناسُ عبيداً لهم، يأكلون خيراتهم ويستذلونهم. وهؤلاء الذين استعبدوا الناس، وجعلوا من أنفسهم سادةً بل آلهة، ويعلمون أن الرسول ما جاء إلا للقضاء على سيادتهم وألوهيتهم الكاذبة، هؤلاء لا بُدَّ أن يصادموا الدعوة، لا بُدَّ أنْ يكفروا بها، وأن يحاربوها، حِفَاظاً على سيادتهم وسلطتهم الزمنية. وعجيب أن نرى من عامة الناس مَنْ أَلِف هذه العبودية، ورضي هذه المذلة، واكتفى بأنْ يعيش في كَنَف هؤلاء السادة مهما كانت التبعاتُ، هؤلاء وأمثالهم هم الذين قالوا: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. فبعد أنْ جاءهم الرسول المنقذ ما زالوا يتطلعون إلى عظيم يستعبدهم. وكلٌّ من هذيْن الفريقين (المؤمن، والكافر) كان منطقياً مع نفسه، فالمؤمن آمن بقلبه، ونطق بلسانه، والكافر كفر بقلبه، وكفر بلسانه، لأنه لم ينطق بكلمة التوحيد، والإنسان قلبٌ وقالبٌ، ولا بُدَّ في الإيمان أنْ يوافق القالبُ ما في القلب. أما الصنف الثالث وهو المنافق، فليس منطقياً مع نفسه، لأنه آمن بلسانه، ولم يؤمن بقلبه، فهو جبان يُظهر لك الحب، ويُضمِر الكره؛ لذلك جعلهم الله في الدَّرْك الأسفل من النار. لذلك، فالعرب لما سألهم رسول الله أنْ يقولوا: لا إله إلا الله، ليبطل بها سيادة زعماء الكفر أبوْا أن يقولوها، لماذا؟ لأنهم يعلمون أنها ليست كلمة تُقال، إنما لها تبعات، ويترتب عليها مسئوليات لا يقدرون هم على القيام بها، ولو أنها كلمة تُقَال لقالوها، وانتهى العداء بينهم وبين رسول الله. فمعنى لا إله إلا الله: لا عبودية إلا لله، ولا خضوعَ إلا لله، ولا تشريعَ إلا لله، ولا نافع إلا الله ... إلخ، وكيف تستقيم هذه المعاني مع مَنْ أَلِف العبودية والخضوع لغير الله؟ والحق - تبارك وتعالى - لما تكلّم هنا عن المنافقين خَصَّ المدينة، فقال سبحانه {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ ..} [الأحزاب: 60] فالنفاق لم يظهر في مكة، وهي مَعْقل الكفر والأصنام، إنما ظهر في المدينة، وهي التي آوَتْ مهاجري رسول الله، وكان غالبية أهلها من أهل الكتاب، وهم أقرب إلى الإيمان من الكفار، فلماذا هذه الظاهرة؟ قالوا: لإن الإسلام كان ضعيفاً في مكة، وصار قوياً في المدينة، فالنفاق ظاهرة صحية للإسلام؛ لأنه لولا قوته ما نافقه المنافقون، فظهور النفاق في المدينة دليل على قوة الإسلام فيها، وأنه صارت له شوكة، وصارت له سطوة؛ لذلك نافق ضعافُ الإيمان؛ ليأخذوا خير الإسلام، وليحتموا بحماه، وإلا فالضعيفُ لا يُنَافَق. نعم، ظهر النفاق في المدينة التي قال الله في حق أهلها: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ..} تفسير : [الحشر: 9]. ويقول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جُحْرها ". تفسير : وأيضاً القرآن هو الذي قال عن أهل المدينة: {أية : وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ..} تفسير : [التوبة: 101] وهذا ليس استضعافاً للمدينة، إنما إظهار لقوة الإسلام فيها، بحيثُ أصبحتْ له سطوة وقوة تُنافَق. هنا قوله تعالى: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ ..} [الأحزاب: 60] ساعة تسمع {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ..} [الأحزاب: 60] فاعلم أن الله تعالى أقسم بشيء وهذا القول هو جواب القسم، والحق سبحانه لا يُقسِم إلا على الشيء العظيم، ونحن البشر نُقسِم لنؤكد كلامنا، كما تقول: والله إنْ ما حدث من فلان كذا وكذا سأفعل كذا وكذا. أما الحق سبحانه، فكلامه صادق ونافذ دون قَسَم، فما بالُكَ إنْ أقسم؟ لذلك يقول بعض العارفين إذ سمع الله تعالى يُقسِم: مَنْ أغضب الكريم حتى ألجأه أن يقسم؟ كلمة {ٱلْمُنَافِقُونَ ..} [الأحزاب: 60] مفردها منافق، مأخوذ من نَافَقاء اليربوع، واليربوع حيوان صغير يشبه الفأر، يعرفه أهل البادية، يعيش في جحور، فيترصدونه ليصطادوه ساعة يخرج من جُحْره، لكن هذا الحيوان الصغير فيه لُؤْم ودهاء، فماذا يفعل؟ يجعل لجُحْره مدخلين، واحد معروف، والآخر مستتر بشيء، فإذا أحس بالصياد على هذا المدخل ذهب إلى المدخل الآخر؛ لذلك أشبه المنافق تماماً الذي له قلب كافر ولسان مؤمن. وتلحظ أن المنافقين وصفهم الله هنا بصفات ثلاث {ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ ..} [الأحزاب: 60] فالعطف هنا لا يقتضي المغايرة، إنما عطف صفات مختلفة لشيء واحد، وجاءتْ هذه الصفات مستقلةً؛ لأنها أصبحتْ من الوضوح فيهم، بحيث تكاد تكون نوعاً منفرداً بذاته. وقد وصف القرآن في موضع آخر المنافقين بأن في قلوبهم مرضاً، فقال سبحانه: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} تفسير : [البقرة: 8-10]. وفي هذا دليل على أن الواو هنا أفادت عطف صفة على صفة، لا طائفة على طائفة، ومِثْله العطف في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ ..} تفسير : [الحشر: 9] فالدار أي المدينة، وكذلك الإيمان يُراد به المدينة أيضاً. ومعنى {وَٱلْمُرْجِفُونَ ..} [الأحزاب: 60] المرجف من الإرجاف، وهو الهزَّة العنيفة التي تزلزل، ومنه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} تفسير : [النازعات: 7] فالمرجفون هم الذين يحاولون زلزلة الشيء الثابت، وزعزعة الكيان المستقر، كذلك كان المنافقون كلما رأو للإسلام قوةً حاولوا زعزعتها وهزّها لإضعافه والقضاء عليه. وهؤلاء هم الذين نسميهم في التعبير السياسي الحديث (الطابور الخامس)، وهم الجماعة الذين يُروِّجون الإشاعات، ويذيعون الإباطيل التي تُضِعف التيار العام وتهدد استقراره. وكثيراً ما قعد المنافقون يقولون: إن قبيلة فلان وقبيلة فلان اجتمعوا للهجوم على المدينة والقضاء على محمد ورسالته، وهدفهم من هذه الإشاعات إضعاف وهزيمة الروح المعنوية لدى المسلمين الجدد والمستضعفين منهم. حتى على مستوى الأفراد، كانوا يذهبون إلى مَنْ يفكر في الإسلام، أو يرون أنه ارتاح إليه، فيقولون له: ألم تعلم أن فلاناً أخذه قومه، أو أخذه سيده وعذَّبه حتى الموت لأنه اتبع محمداً، ذلك ليصرفوا الناس عن دين الله. إذن: المرجِفُ يعني الذي يمشي بالفتنة والأكاذيب؛ ليصرف أهل الحق عن حقهم، بما يُشيع من بهتان وأباطيل. لذلك يهددهم الحق سبحانه: لئن لم ينته هؤلاء المنافقون عن الإرجاف في المدينة وتضليل الناس لَيكُونَنَّ لنا معهم شأن آخر، كان هذا وقت مهادنة ومعاهدة بين المسلمين واليهود وأتباعهم من المنافقين، وكأن الله تعالى يقول: لقد سكتنا على جرائمهم إلى أنْ قويَتْ شوكة الإسلام، أما وقد صار للإسلام شوكة فإنْ نقضوا عهدهم معنا فسوف نواجههم. وعجيب من هؤلاء المرجفين أنْ يظنُّوا أن الله لا يعلم أباطيلهم، ولا يعلمها رسوله، والله تعالى يقول: {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} تفسير : [محمد: 29-30]. ومعنى لحن القول: أن يميلوا بالكلام عن غير معناه، ومن ذلك قولهم في السلام على رسول الله: السام عليكم، والسام هو الموت، وكما لووا ألسنتهم بكلمة (راعنا) فقالوا: راعونا يقصدون الرعونة. وأغرب من ذلك ما حكاه القرآن عنهم: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ..} تفسير : [المجادلة: 8]. فهذا القول منهم دليل على غبائهم. أولاً: لأنهم يتمنوْنَ العذاب. ثانياً: لأنهم قالوا ذلك في أنفسهم لم يقولوا للناس، ولم يقولوا حتى لبعضهم البعض؛ لأن (يقولون) جمع، و (في أنفسهم) جمع، فكأن كلاً منهم كان يقول ذلك في نفسه. إذن: ألم يسأل واحد منهم نفسه: مَنِ الذي أعلم رسولَ الله بما في نفسي؟ أَلاَ يدل ذلك على أن محمداً موصول بربه، وأنه لا بُدَّ فاضحهم، وكاشفٌ مكنونات صدورهم، إذن: هذا غباء منهم. والمتتبع لتاريخ اليهود والمنافقين في المدينة يجد أن الإسلام لم يأخذهم على غرَّة، إنما أعطاهم العهد وأمنَّهم ووسَّع لهم في المسكن والمعيشة طالما لم يُؤذُوا المسلمين، لكن بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يتناجوْنَ بالإثم والعدوان، فبعث إليهم ونهاهم عن التناجي بالإثم والعدوان، لكنهم عادوا مرة أخرى، كما قال القرآن عنهم {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [المجادلة: 8]. إذن: لم يَبْقَ إلا المواجهة على حَدِّ قول الشاعر: شعر : أَنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عقَّبَ بَعْدهَا وَعيداً فإنْ لم يُغْنِ أغنَتْ عَزَائمهُ تفسير : لذلك يأتي جواب الشرط: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ..} [الأحزاب: 60]. فجواب الشرط: {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ..} [الأحزاب: 60] من الإغراء، وهو باب من أبواب الدراسات النحوية اسمه الإغراء، ويقابله التحذير، الإغراء: أنْ تحمل المخاطب وتُحبِّبه في أمر محبوب ليفعله، كما تقول لولدك مثلاً: الاجتهادَ الاجتهادَ. أما التحذير فأنْ تُخوِّفه من أمر مكروه ليجتنبه، كما تقول: الأسدَ الأسدَ، أو الكسلَ الكسلَ. فمعنى {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ..} [الأحزاب: 60] أي: نُسلِّطك عليهم، ونُغريك بمواجهتهم والتصدِّي لهم، فكأن هذه المواجهة صارتْ أمراً محبوباً يُغْرى به؛ لأنها ستكون جزاءَ ما فزَّعوك وأقلقوك. وما دمنا سنسلطك عليهم، وما دمتم ستصيرون إلى قوة وشوكة تُغرى بعدوها، فلن يستطيعوا البقاء معكم في المدينة. {ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 60] أي: في المدينة، وكلمة {إِلاَّ قَلِيلاً} [الأحزاب: 60] يمكن أنْ يكون المعنى: قليل منهم، أو قليل من الزمن ريَثْما يجدوا لهم مكاناً آخر، يرحلون إليه مُشيَّعين بلعنة الله. {مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 61]. الملعون: المطرود من رحمة الله، أو مطرودون من المدينة بعد أنْ كشف الله دخائِلَ نفوسهم الخبيثة؛ لذلك طردهم رسول الله من المسجد؛ لأنهم كانوا من خُبْثهم ولُؤْمهم يدخلون المسجد، بل ويُصلُّون في الصف الأول، يظنون أن ذلك يستر نفاقهم. لكن رسول الله كان يطردهم بالاسم: يا فلان، يا فلان، فكان صلى الله عليه وسلم يعرفهم، ولم لا وقد قال الله له: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ..} تفسير : [محمد: 30]. ومعنى {أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ ..} [الأحزاب: 61] أي: وُجِدوا {أُخِذُواْ ..} [الأحزاب: 61] أي: أُسِروا {وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 61] ولاحظ المبالغة في {وَقُتِّلُواْ ..} [الأحزاب: 61] والتوكيد في {تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 61] يعني: اقتلوهم بعنف، ولا تأخذكم فيهم رحمة جزاءَ ما ارتكبوه في حق الإسلام والمسلمين. ولأن المنافق الذي طُبع على النفاق صارت طبيعته مسمومة مُلوّثة لا تصفو أبداً، فالنفاق في دمه يلازمه أينما ذهب، ولا بُدَّ أنْ ينتهي أمره إلى الطرد من أي مكان يحل فيه. لذلك، فمع أن الله تعالى قطَّعهم في الأرض أمماً، إلا أن كل قطعة منهم في بلد من البلاد لها تماسك فيما بينها، بحيث لا يذوبون في المجتمعات الأخرى فتظل لهم أماكن خاصة تُعرف بهم، وفي كل البلاد تعرف حارة اليهود، لكن لا بد أنْ يكتشف الناس فضائحهم، وينتهي الأمر بطردهم وإبادتهم، وآخر طرد لهم ما حدث مثلاً في ألمانيا. وصدق الله حين قال فيهم: {أية : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الأعراف: 167]. ثم يقول الحق سبحانه: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} معناه لَنُسلطنَّكَ عليهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حال المنافقين بعد ذكر الموافقين {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ} [الأحزاب: 60] إلى قوله: {وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} [الأحزاب: 68] يشير إلى تهديد المنافقين ومن بصددهم من منافقي أهل الطلب من المتصوفة والمتعرفة الذين يلبسون في الظاهر ثيابهم ويلبسون في الباطن ما يخالف مقرهم وسرائرهم، وأنهم لو لم يمتنعوا عن أفعالهم ولم يتغيروا عن أحوالهم لأجرى معهم سنته في التدبير والتغيير على من سلف من نظرائهم ونزل بكبرائهم، ثم ذكر مسألة القوم عن قيام الساعة وتكذيبهم ذلك واستهزائهم بالمؤمنين بها، ثم استعجالهم إتيانها من غير استعداد لها، ثم أخبر عن صعوبة العقوبة التي علم أنه يعذبهم بها وما يقع عليهم من الندامة على ما فرطوا فلا تنفعهم الندامة، ولا يكون سوى الغرامة والملامة.

همام الصنعاني

تفسير : 2378- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: أن ناساً من المنافقين أرَادوا أن يُظْهِروا نِفَاقَهُمْ فنزلت: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ}: [الآية: 60]، يقول: لنحرشنك بهم. 2379- معمر، وأخبرني ابن طاوس عن أبيه، قال: نزلت فِي بعض أمور النساء يعني {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ}: [الآية: 60]. 2380- حدّثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، قال، قلت لعكرمة: أرأيت قَوْلَ اللهِ: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ}؟: [الآية: 60]، قال: الزناة. 2381- عبد الرزاق، قال: أنبأنا (أبو يزيد سَلْم بن عبيد الله الصنعاني)، عن (إسماعيل بن شَرْوَس)، عن عِكْرِمة في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ}: [الآية: 60]، قال: الزناة.