٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
63
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين حالهم في الدنيا أنهم يلعنون ويهانون ويقتلون أراد أن يبين حالهم في الآخرة فذكرهم بالقيامة وذكر ما يكون لهم فيها فقال: {يَسْـئَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ } أي عن وقت القيامة {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ } لا يتبين لكم، فإن الله أخفاها لحكمة هي امتناع المكلف عن الاجتراء وخوفهم منها في كل وقت. ثم قال تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } إشارة إلى التخويف، وذلك لأن قول القائل الله يعلم متى يكون الأمر الفلاني ينبـىء عن إبطاء الأمر، ألا ترى أن من يطالب مديوناً بحقه فإن استمهله شهراً أو شهرين ربما يصبر ذلك، وإن قال له اصبر إلى أن يقدم فلان من سفره يقول الله يعلم متى يجىء فلان، ويمكن أن يكون مجىء فلان قبل انقضاء تلك المدة فقال ههنا: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } يعني هي في علم الله فلا تستبطئوها فربما تقع عن قريب والقريب فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث، قال تعالى: { أية : إن رحمة الله قريب من المحسنين } تفسير : [الأعراف: 56] ولهذا لم يقل لعل الساعة تكون قريبة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} هؤلاء المؤذُون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا تُوعِّدوا بالعذاب سألوا عن الساعة، استبعاداً وتكذيباً، موهمين أنها لا تكون. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} أي أجبهم عن سؤالهم وقل علمها عند الله، وليس في إخفاء الله وقتها عني ما يُبطل نبوّتي، وليس من شرط النبيّ أن يعلم الغيب بغير تعليم من الله جلّ وعزّ {وَمَا يُدْرِيكَ} أي ما يعلمك. {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} أي في زمان قريب. وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : «بُعثت أنا والساعةُ كهاتين» وأشار إلى السبّابة والوسطىتفسير : ، خرّجه أهل الصحيح. وقيل: أي ليست الساعة تكون قريباً، فحذف هاء التأنيث ذهاباً بالساعة إلى اليوم؛ كقوله: {إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} ولم يقل قريبة ذهاباً بالرحمة إلى العفو، إذ ليس تأنيثها أصليا. وقد مضى هذا مستوفى. وقيل: إنما أخفى وقت الساعة ليكون العبد مستعداً لها في كل وقت.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: أنه لا علم له بالساعة، وإن سأله الناس عن ذلك، وأرشده أن يرد علمها إلى الله عز وجل؛ كما قال الله تعالى في سورة الأعراف، وهي مكية، وهذه مدنية، فاستمر الحال في رد علمها إلى الذي يقيمها، لكن أخبره أنها قريبة بقوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} كما قال تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}تفسير : [القمر: 1] وقال: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنبياء: 1] وقال: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} تفسير : [النحل: 1] ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: أبعدهم من رحمته {وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً} أي: في الدار الآخرة {خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي: ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها، ولا زوال لهم عنها، {لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه، ثم قال: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ} أي: يسحبون في النار على وجوههم، وتلوى وجوههم على جهنم، يقولون وهم كذلك يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول؛ كما أخبر الله عنهم في حال العرصات بقوله: {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً يٰوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلإِنْسَـٰنِ خَذُولاً } تفسير : [الفرقان: 27 - 29] وقال تعالى:{أية : رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} تفسير : [الحجر: 2] وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا، {وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} وقال طاوس: سادتنا: يعني الأشراف، وكبراءنا يعني العلماء، رواه ابن أبي حاتم، أي: اتبعنا السادة، وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل، واعتقدنا أن عندهم شيئاً، وأنهم على شيء، فإذا هم ليسوا على شيء {رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا، {مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} قرأ بعض القراء بالباء الموحدة، وقرأ آخرون بالثاء المثلثة، وهما قريبا المعنى؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «حديث : قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» تفسير : أخرجاه في الصحيحين، يروى: كثيراً وكبيراً، وكلاهما بمعنى صحيح، واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، كما أن القارىء مخير بين القراءتين، أيتهما قرأ أحسن، وليس له الجمع بينهما، والله أعلم. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا علي بن هاشم عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه في تسمية من شهد مع علي رضي الله عنه الحجاج بن عمرو بن غزية، وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يامعشر الأنصار أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه: {رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَسْئَلُكَ ٱلنَّاسُ } أي أهل مكة {عَنِ ٱلسَّاعَةِ } متى تكون؟{قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ } يعلمك بها؟ أي أنت لا تعلمها {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ } توجد {قَرِيبًا }.
الماوردي
تفسير : قوله: {... إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرآءَنَا} في السادة هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الرؤساء. الثاني: أنهم الأمراء، قاله أبو أسامة. الثالث: الأشراف، قاله طاوس. وفي الكبراء هنا قولان: أحدهما: أنهم العلماء، قاله طاووس. الثاني: ذوو الأسنان، وهو مأثور. {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ} يعني طريق الإيمان. وفي قوله الرسولا والسبيلا وجهان: أحدهما: لأنها مخاطبة يجوز مثل ذلك فيها عند العرب، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أن الألف للفواصل في رؤوس الآي، قاله ابن عيسى، وقيل إن هذه الآية نزلت في اثني عشر رجلاً من قريش هم المطعمون يوم بدر. قوله: {رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ} فيه وجهان: أحدهما: أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، قاله قتادة. الثاني: عذاب الكفر وعذاب الإضلال. {وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} بالباء قراءة عاصم يعني عظيماً وقرأ الباقون بالتاء يعني اللعن على اللعن.
ابن عطية
تفسير : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة متى هي فلم يجب في ذلك بشيء، ونزلت الآية آمرة بأن يرد العلم فيها إلى الله تعالى إذ هي من مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، ثم توعد العالم بقربها في قوله {وما يدريك} الآية، أي فينبغي أن تحذر، و {قريباً} ظرف لفظه واحد جمعاً، وإفراداً، ومذكراً ومؤنثاً، ولو كان صفة للساعة لكان قريبة، ثم توعد تعالى {الكافرين} بعذاب لا ولي لهم منه ولا ناصر، وقوله تعالى: {يوم} يجوز أن يكون متعلقاً بما قبله والعامل {يجدون}، وهذا تقدير الطبري، ويجوز أن يكون العامل فيه {يقولون} ويكون ظرفاً للقول. وقرأ الجمهور "تُقلَّب وجوههم" على المفعول الذي لم يسم فاعله بضم التاء وشد اللام المفتوحة، وقرأ أبو حيوة "تَقلب" بفتح التاء بمعنى تتقلب، وقرأ ابن أبي عبلة "تتقلب" بتاءين، وقرأ خارجة وأبو حيوة "نقلب" بالنون، وقرأ عيسى بن عمر الكوفي "تُقلِب" بكسر اللام وضم التاء أي تقلب السعير. وبنصب الوجوه في هاتين القراءتين، فيتمنون يومئذ الإيمان وطاعة الله ورسوله حين لا ينفعهم التمني، ثم لاذوا بالتشكي من كبرائهم في أنهم أضلوهم، وقرأ جمهور الناس "سادتنا" وهو جمع سيد، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن عامر وحده من السبعة وأبو عبد الرحمن وقتادة وأبو رجاء والعامة في المسجد الجامع بالبصرة "ساداتنا" على جمع الجمع، و {السبيلا} مفعول ثان لأن "أضل" معدى بالهمزة، وضل يتعدى إلى مفعول واحد فيما هو مقيم كالطريق والمسجد وهي سبيل الإيمان والهدى، ثم دعوا بأن يضاعف العذاب للكبراء المضلين أي عن أنفسهم وعمن أضلوا، وقرأ عاصم وابن عامر وحذيفة بن اليمان والأعرج بخلاف عنه "لعناً كبيراً بالباء من الكبر، وقرأ الجمهور والباقون "لعناً كثيراً" بالثاء ذات الثلاث والكثرة أشبه بمعنى اللعنة من الكبر أي العنهم مرات كثيرة.
البقاعي
تفسير : ولما بين تعالى ما أعد لأعداء دينه في الدنيا، وبين أن طريقته جادة لا تنخرم، لما لها من قوانين الحكمة وأفانين الإتقان والعظمة، وكان من أعظم الطرق الحكمية والمغيبات العلمية الساعة، وكان قد قام ما يحرك إلى السؤال عنها في قوله: {لعنهم الله في الدنيا والآخرة} وكان قد مضى آخر السجدة أنهم سألوا استهزاء وتكذيباً عن تعيين وقتها، وهددهم سبحانه على هذا السؤال، قال تعالى مهدداً أيضاً على ذلك مبيناً ما لأعداء الدين المستهزئين في الآخرة: {يسئلك الناس} أي المشركون استهزاء منهم، وعبر بذلك إشارة إلى أنهم بعد في نوسهم لم يصلوا إلى أدنى أسنان أهل الإيمان، فكان المترددون في آرائهم لا يكادون ينفكون عن النوس وهو الاضطراب {عن الساعة} أي في تعيين وقتها. ولما كانت إدامتهم السؤال عنها فعل من يظن أن غيره سبحانه يعلمها، أكد فقال: {قل} أي في جوابهم: {إنما علمها عند الله} أي الذي أحاط علماً بجميع الخلال، وله جميع أوصاف الجمال والجلال، فهو يعلم ما عند كل أحد ولا يعلم أحد شيئاً مما عنده إلا بإذنه. ولما كان من فؤائد العلم بوقت الشيء التحرز عنه أو مدافعته، قال مشيراً إلى شدة خفائها بإخفائها عن أكمل خلقه مرجياً تقريبها تهديداً لهم: {وما يدريك} أي أيّ شيء يعلمك بوقتها؟ ثم استأنف قوله: {لعل الساعة} أي التي لا ساعة في الحقيقة غيرها لما لها من العجائب {تكون} أي توجد وتحدث على وجه مهول عجيب {قريباً *} أي في زمن قريب، ويجوز أن يكون التذكير لأجل الوقت لأن السؤال عنها إنما هو سؤال عن تعيين وقتها، قال البخاري في الصحيح: إذا وصفت صفة المؤنث قلت: قريبة، وإذا جعلته ظرفاً وبدلاً ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث، وكذلك لفظها في الواحد والاثنين والجمع للذكر والأنثى. والمراد بالتعبير بلعل أنها بحيث يرجو قربها من يرجوه ويخشاه من يخشاه، فهل أعد من يخشاها شيئاً للمدافعة إذا جاءت أو النجاة منها إذا أقبلت؟ ثم استأنف الإخبار بحال السائلين عنها بقوله مؤكداً في مقابلة إنكار الكفار أن يكون في حالهم شي من نقص: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي لا أعظم منه {لعن} أي أبعد إبعاداً عظيماً عن رحمته {الكافرين} أي الساترين لما من شأنه أن يظهر مما دلت عليه العقول السليمة من أمرها سواء كانوا مشاققين أو منافقين {وأعد لهم} أي أوجد وهيأ من الآن لتكذيبهم بها وبغيرها مما أوضح لهم أدلته {سعيراً *} أي ناراً شديدة الاضطرام والتوقد. ولما كان العذاب ربما استهانه بعض الناس إذا كان ينقطع ولو كان شديداً، قال مبيناً لحالهم: {خالدين فيها} ولما كان الشيء قد يطلق على ما شابهه بوجه مجازاً وعلى سبيل المبالغة، قال مؤكداً لإرادة الحقيقة: {أبداً} ولما كان الشيء قد يراد ثم يمنع منه مانع، قال مبيناً لحالهم في هذه الحال: {لا يجدون ولياً} أي يتولى أمراً مما يهمهم بشفاعة أو غيرها {ولا نصيراً *} ينصرهم. ولما ذكر حاليهم هذين، أتبعه حالاً لهم قولياً على وجه بين حالاً فعلياً فقال: {يوم} أي مقدار خلودهم فيها على تلك الحال بوم {تقلب} أي تقليباً كثيراً شديداً {وجوههم} كما يقلب اللحم المشوي وكما ترى البضعة في القدر يتراقى بها الغليان من جهة إلى جهة، من حال إلى حال، وذكر ذلك وإن كانت تلك النار غنية عنه لإحاطتها لأن ذكره أهول لما فيه من التصوير، وخص الوجوه لأنها أشرف، والحدث فيها أنكأ. ولما كان للإظهار مزيد بيان وهول مع إفادته استقلال ما هو فيه من الكلام بنفسه، قال: {في النار} أي المسعرة حال كونهم {يقولون} وهم في محل الجزاء وقد فات المحل القابل للعمل، متمنين لما لا يدركون تلافيه لأنهم لا يجدون ما يقدرون أنه يبرد غلتهم من ولي ولا نصير ولا غيرهما سوى هذا التمني: {يا ليتنا أطعنا} أي في الدنيا {الله} أي الذي علمنا الآن أنه الملك الذي لا أمر لأحد معه. ولما كان المقام للمبالغة في الإذعان والخضوع، أعادوا العامل فقالوا: {وأطعنا الرسولا *} أي الذي بلغنا حتى نعاذ من هذا العذاب، وزيادة الألف في قراءة من أثبتها إشارة إلى إيذانهم بأنهم يتلذذون بذكره ويعتقدون أن عظمته لا تنحصر {وقالوا} لما لم ينفعهم شيء متبردين من الدعاء على من أضلهم بما لا يبرىء عليلاً ولا يشفي غليلاً: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا، وأسقطوا أداة النداء على عادة أهل الخصوص بالحضرة زياة في الترقق بإظهار أنه لا واسطة لهم إلا ذلهم وانكسارهم الذي عهد في الدنيا أنه الموجب الأعظم لإقبال الله على عبده كما أن المثبت لأداة البعد بقوله: "يا الله" مشير إلى سفول منزلته وبعده بكثرة ذنوبه وغفلته تواضعاً منه لربه لعله يرفع ذلك البعد عنه. ولما كانوا يظنون أن أتباعهم للكبراء غير ضلال، فبان لهم خلاف ذلك، أكدوا قولهم لذلك وللإعلام بأنهم بذلوا ما كان عندهم من الجهل فصاروا الآن على بصيرة من أمرهم: {إنا أطعنا سادتنا} وقرئ بالجمع بالألف والتاء جمعاً سالماً للجمع المكسر {وكبراءنا فأضلونا} أي فتسبب عن ذلك، أنهم أضلونا بما كان لهم من نفوذ الكلمة {السبيلا *} كما هي عادة المخطىء في الإجالة على غيره بما لا ينفعه، وقراءة من أثبت الألف مشيرة إلى أنه سبيل واسع جداً واضح، وأنه مما يتلذذ ويجب تفخيمه. ولما كان كأنه قيل: فما تريدون لهم؟ قالوا مبالغين في الرقة وللأستعطاف بإعادة الرب: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {آتهم ضعفين} أي مثلي عذابنا من وهن قوتنا وشدة المؤثر لذلك مضاعفاً أضعافاً كثيرة {من العذاب} ضعفاً بضلالهم، وآخر بإضلالهم، وإذا راجعت ما في آواخر سبحان من معنى الضعف وضح لك هذا، ويؤيده قوله: {والعنهم لعناً كثيراً *} أي اطردهم عن محال الرحمة طرداً متناهياً في العدد، والمعنى على قراءة عاصم بالموحدة: عظيماً شديداً غليظاً. ولما كان السبب في هذا التهديد كله ما كانوا يتعمدونه من أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم: تزوج امرأة ابنه، وغير ذلك إلى أن ختمه بما يكون سبباً لتمنيهم طاعته، وكان سماع هذا لطفاً لمن صدق به، أتبعه ما هو كالنتيجة له فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي صدقوا بما تلي عليهم {لا تكونوا} بأذاكم للرسول صلى الله عليه وسلم بأمر زينب رضي الله عنها أو غيره. كوناً هو كالطبع لكم {كالذين آذوا موسى} من قومه بني إسرائيل آذوه بأنواع الأذى كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم حين قسم قسماً فتكلم فيه بعضهم فقال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر, وأنسب الأشياء للإرادة هنا أذى قارون له بالزانية التي استأجرها لتقذفه بنفسها فبرأة الله من ذلك، وكان سبب الخسف بقارون ومن معه {فبرأه} أي فتسبب عن أذاهم له أن برأة {الله} أي الذي له صفات الجلال والجمال والقدرة على كل شيء والكمال، وأفهم التعبير بالتفعيل أن البراءة كانت بالتدريج بالخسف وموت الفجاءة وإبراق عصا هارون كما مضى في آخر القصص. ولما نهى عن التشبه بالمؤذين أعم من أن يكون أذاهم قولياً أو فعلياً، أشار إلى أن الأذى المراد هنا قولي مثله في أمر زينب رضي الله عنها فقال: {مما قالوا} دون أن يقول: مما آذوا، وذلك بما أظهره من البرهان على صدقه فخسف بمن آذاه كما مضى في القصص فإياكم ثم إياكم. ولما كان قصدهم بهذا الأذى إسقاط وجاهته قال: {وكان} أي موسى عليه السلام، كوناً راسخاً {عند الله} أي الذي لا يذل من والى {وجيهاً *} أي معظماً رفيع القدر إذا سأله أعطاه، وإذا كان عند الله بهذه المنزلة كان عند الناس بها، لما يرون من إكرام الله له، والجملة كالتعليل للتبرئة لأنه لا يبرئ الشخص إلا من كان وجيهاً عنده. ولما نهاهم عن الأذى، أمر بالنفع ليصيروا وجهاء عنده سبحانه مكرراً للنداء استعطافاً وإظهاراً للاهتمام فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك. ولما كان قد خص النبي صلى الله عليه وسلم في أول السورة بالأمر بالتقوى، عم في آخرها بالأمر بها مردفاً لنهيهم بأمر يتضمن الوعيد ليقوى الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه فقال: {اتقوا الله} أي صدقوا دعواكم بمخافة من له جميع العظمة, فاجعلوا لكم وقاية من سخطه بأن تبذلوا له جميع ما أودعكم من الأمانة {وقولوا} في حق النبي صلى الله عليه وسلم في أمر زينب رضي الله عنها وغيرها وفي حق بناته ونسائه رضي الله عنهن وفي حق المؤمنين ونسائهم وغير ذلك {قولاً سديداً *} أي قاصداً إلى الحق ذا صواب له {يصلح لكم أعمالكم} أي بأن يدخلكم في العمل الصالح وأنتم لا تعلمون ما ينبغي من كيفيته فيبصركم بها شيئاً فشيئاً ويوفقكم للعمل بما جلاه لكم حتى تكونوا على أتم وجه وأعظمه وأرضاه وأقومه ببركة قلولكم الحق على الوجه الحسن الجميل. ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصراً، قال مشيراً إلى ذلك حتى لا يزال معترفاً بالعجز: {ويغفر لكم ذنوبكم} أي يمحوها عيناً وأثراً فلا يعاقب عليها ولا يعاتب، ولما كان ربما توهم أن هذا خاص بمن آمن، وأن تجديد الإيمان غير نافع، أزال هذا الوهم بقوله: {ومن يطع الله} أي الذي لا أعظم منه {ورسوله} أي الذي عظمته من عظمته بأن يجدد لها الطاعة بالإيمان وثمراته في كل وقت، فيكون مؤدياً للأمانة إلى أهلها {فقد فاز} وأكد ذلك بقوله: {فوزاً عظيماً *} أي ظفراً بجميع مراداته في الدنيا والآخرة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: كل شيء في القرآن {وما يدريك} فلم يخبره به، وما كان "ما أدراك" فقد أخبره.
اسماعيل حقي
تفسير : {يسألك الناس عن الساعة} [مى برسند ترا مردمان] عن وقت قيامها والساعة جزء من اجزاء الزمان ويعبر بها عن القيامة تشبيها بذلك لسرعة حسابها كما قال {أية : وهو اسرع الحاسبين} تفسير : كان المشركون يسألونه عليه السلام عن ذلك استعجالا بطريق الاستهزاء والتعنت والانكار واليهود امتحانا لما أن الله تعالى عمى اى اخفى وقتها فى التوراة وسائر الكتب {قل انما علمها عند الله} لا يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا [كويند ازخلفاى يكى بخواب ديد ملك الموت را ازو برسيدكه عمر من جند مانده است او بنج انكشت اشارت كرد تعبير خواب از بسياركس برسيدند معلوم نشد امام اعظم ابو حنيفة را رضى الله عنه خواند ند كفت اشارت بينج علمست كه كس نداند وآن بنج علم درين آيتست كه الله تعالى كفت {أية : ان الله عنده علم الساعة} تفسير : الآية خلعت نيكو دادش اما نبوشد] {وما يدريك} أى شئ يجعلك داريا وعالما بوقت قيامها اى لا يعلمك به شئ اصلا فانت لا تعرفه وليس من شرط النبى ان يعلم الغيب بغير تعليم من الله تعالى: وبالفارسية [وجه جيز ترا دانا كرد بآن] {لعل الساعة} {شايد كه قيامت} {تكون} شيئا {قريبا} او تكون الساعة فى وقت قريب فتكون تامة وانتصاب قريبا على الظرفية. وفيه تهديد للمستعجلين واسكات للمتعنتين. قالوا من اشراط الساعة ان يقول الرجل افعل غدا فاذا جاء غد خالف قوله فعله وان ترفع الاشرار وتوضع الاخيار ويرفع العلم ويظهر الجهل ويفشو الزنى والفجور ورقص القينات وشرب الخمور ونحو ذلك من موت الفجأة وعلوّ اصوات الفساق فى المساجد والمطر بلا نبات. وفى الحديث "حديث : لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفحش وحتى يعبد الدرهم والدينار" تفسير : الى غير ذلك وذكر امورا لم تحدث فى زمانه ولا بعده وكانت اذا هبت ريح شديدة تغير لونه عليه السلام وقال "حديث : تخوفت الساعة" تفسير : وقال "حديث : ما امد طرفى ولا اغضه الا واظن الساعة قد قامت" تفسير : يعنى موته فان الموت الساعة الصغرى اى موت كل انسان كما ان موت اهل القرن الواحد هى الساعة الوسطى نسأل الله التدارك. قال المولى الجامى قدس سره شعر : كار امروز را مباش اسير بهر فردا ذخيرة بركير روز عمرت بوقت عصر رسيد عصر تو تا نماز شام كشيد خفتن خواب مرك نزديكست موج كرداب مرك نزديكست فانتبه قد اقيمت الساعة ان عمر الخلائق ساعة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يسألُكَ الناسُ عن الساعةِ} كان المشركون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة، استعجالاً واستهزاءً، واليهود يسألون امتحاناً؛ لأن الله تعالى أخْفى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسولَه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، ثم بيّن لرسوله عليه الصلاة والسلام أنها قريبة الوقوع، تهديداً للمستعجلين، وإسكاتاً للممْتحنين فقال: {قُلْ إِنما عِلْمُها عند الله} لم يُطلع عليها ملكاً ولا نبيًّا. {وما يُدريكَ لعل الساعة تكونُ قريباً} أي: شيئاً قريباً، أو: في زمان قريب، فتنصب على الظرفية، ويجوز أن يكون التذكير؛ لأن الساعة في معنى اليوم أو الزمان. {إِنَّ الله لعنَ الكافرين} أبعدهم عن رحمته، {وأعدَّ لهم سعيراً} ناراً شديدة التسعير، أي: الإيقاد، {خالدين فيها أبداً} وهذا يرد مذهبَ الجهمية في زعمهم أن النار تفنى، و {خالدين}: حال مقدرة من ضمير "لهم". {لا يجدون وليًّا} يحفظهم، {ولا نصيراً} يمنعهم ويدفع العذاب عنهم، وذلك {يومَ تُقَلَّبُ} أو: واذكر {يومَ تُقَلَّبُ وجوهُهُم في النار} تطوف من جهة إلى جهة، كما ترى البضعة من اللحم تدُور في القِدْرِ إذا غلت. وخصّت الوجوه؛ لأنها أكرم موضع على الإنسان من جسده. أو: يكون الوجه كناية عن الجملة. حال كونهم {يقولون يا ليتنا أطعنا اللهَ وأطعنا الرسولا} في الدنيا، فنتخلص من هذا العذاب، فندّموا حيث لم ينفع الندم. {وقالوا ربنا إِنا أطعنا سادتَنا وكبراءَنا} والمراد: رؤساء الكُفر، الذين لقنوهم الكفر، وزيّنوه لهم. وقرأ ابن عامر ويعقوب "ساداتنا" بالجمع، جمع: سادة، وسادة: جمع سيد، فهو جمع الجمع، {فأضلونا السبيلا} أي: أتلفونا عن طريق الرشد. يقال: ضلّ السبيلَ وأضلّه إياه، وزيادة الألف للإطلاق. {ربّنا آتهم ضِعفين من العذاب} أي: مثلي ما آتيتنا منه للضلال والإضلال، {والعنْهُم لعناً كثيراً} كثير العدد، تكثيراً لأعداد اللاعنين، أو: العنهم المرة بعد المرة. وقرأ عاصم بالباء، أي: لعناً هو أشد اللعن وأعظمه. وهو يدلّ على تعدُّد الأجزاء والأفراد. الإشارة: مذهب العباد والزهّاد والصالحين: جعل الساعة نُصب أعينهم، لا يغيبون عنها، فهم يجتهدون في التأهُّب لها ليلاً ونهاراً. ومذهب العارفين الموحّدين: الغيبة عنها، بالاستغراق في شهود الحق، فلا يشغلهم الحق، دنيا ولا آخرة، ولا جنة ولا نار؛ لما دخلوا جنة المعارف، غابوا عن كل شيء، فانخلعوا عن الكونين بشهود المكوِّن، وجعلوا الوجود وجوداً واحداً؛ إذ المتجلي هنا وثَم واحد. وإذا كان كُبراء الضلال يُضاعَف عذابهم، وكان كبراء الهداية يُضاعف ثوابهم، يأخذون ثواب الاهتداء والإرشاد، فمَن دلّ على هُدىً كان له أجره وأجر مَن اتبعه إلى يوم القيامة، ومَن اهتدى على يديه أحد جرى عليه أجره، وكان في ميزانه كل مَن تبعه كذلك، وفي ذلك يقول القائل: شعر : والمرْءُ في مِيزانه اتباعُهُ فاقْدِرْ إذنْ قدر النبي مُحَمد تفسير : ثم رجع عن النهي إلى النهي عن إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ...}.
اطفيش
تفسير : {يسْألك النَّاس عن السَّاعة} المشركون استهزاء بقيام الساعة وانكارا، والمنافقون نعتا، واليهود امتحانا لعلمهم من التوارة أنها مما أخفى الله عز وجل {قُل إنما علْمُها عِنْد الله} لا عند ملك مقرب، ولا نبى مرسل، وذلك إثبات لها على منكرين، وإقناط لليهود عن أن يتكلم فيها بشىء يخالف الإخفاء، فيقولوا: لو كنت نبيا لم تتكلم فيها {وما يُدْريك} ما يصيرك داريا، أى عالما بوقتها، والاستفهام بمعنى النفى، وعلق يدرى عن العمل بالترجية فى قوله: {لعلَّ السَّاعة} لم يقل لعلها للتهويل وزيادة التغرير {تكُونُ} تحدث ولا خبر للكون {قريباً} زمانا قريبا أى فى زمان قريب متعلق بتكون، أوله خبر هو قريبا أى قرينة، ولم يؤنث لأنه على وزن فعيل كوزن المصدر من الصوت والسير، كصهيل قال الله تعالى: "أية : إن رحْمَة الله قريبٌ تفسير : [الأعراف: 56] أو يقدر شيئا قريبا، وكذا فى "أية : إن رحمة الله"تفسير : [الأعراف: 56] أو ذكر لتضمن معنى المذكر كالوقت ويوم القيامة.
الالوسي
تفسير : {يَسْـئَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ } أي عن وقت قيامها ووقوعها، كان المشركون يسألونه صلى الله عليه وسلم عن ذلك استعجالاً بطريق الاستهزاء والمنافقون تعنتاً واليهود امتحاناً لما أنهم يعلمون من التوراة أنها مما أخفاه الله تعالى فيسألونه عليه الصلاة والسلام ليمتحنوه هل يوافقها وحياً أو لا {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ } لا يطلع سبحانه عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً {وَمَا يُدْرِيكَ } خطاب مستقل له صلى الله عليه وسلم غير داخل تحت الأمر مسوق لبيان أنها مع كونها غير معلومة مرجوة المجيء عن قريب، و(ما) استفهام في موضع الرفع بالابتداء والجملة بعده خبر أي أي شيء يعلمك بوقت قيامها، والمعنى على النفي أي لا يعلمك به شيء أصلاً. {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً } أي لعلها توجد وتتحقق في وقت قريب فقريباً منصوب على الظرفية واستعماله كذلك كثير، و {تَكُونُ } تامة ويجوز أن تكون ناقصة وإذا كان {قَرِيبًا } الخبر واعتبر وصفاً لا ظرفاً فالتذكير لكونه في الأصل صفة لخبر مذكر يخبر به عن المؤنث وليس هو الخبر أي لعل الساعة تكون شيئاً قريباً، وجوزأن يكون ذلك رعاية للمعنى من حيث إن الساعة بمعنى اليوم أو الوقت. وقال أبو حيان: يجوز أن يكون ذلك لأن التقدير لعل قيام الساعة فلوحظ الساعة في (تكون) فأنث ولوحظ المضاف المحذوف وهو قيام في {قَرِيبًا } فذكر، ولا يخفى بعده، وقيل إن (قريباً) لكونه فعيلاً يستوي فيه المذكر والمؤنث كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 56] وقد تقدم ما في ذلك، وفي الكلام تهديد للمستعجلين / المستهزئين وتبكيت للمتعنتين والممتحنين، والإظهار في موضع الإضمار للتهويل وزيادة التقرير وتأكيد استقلال الجملة كما أشير إليه.
سيد قطب
تفسير : في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذاً سريعا. ثم يعرض السياق مشهداً من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الآخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا ـ ويبدو أن هذا كان رداً على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بزينب، ومخالفته لمألوف العرب ـ ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولاً سديداً بعيداً عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم. ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيما}.. {يسألك الناس عن الساعة. قل: إنما علمها عند الله. وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا}.. وقد كانوا ما يفتأون يسألون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الساعة التي حدثهم عنها طويلاً؛ وخوفهم بها طويلاً؛ ووصف القرآن مشاهدها حتى لكأن قارئه يراها. يسألونه عن موعدها؛ ويستعجلون هذا الموعد؛ ويحمل هذا الاستعجال معنى الشك فيها، أو التكذيب بها، أو السخرية منها، بحسب النفوس السائلة، وقربها من الإيمان أو بعدها. والساعة غيب قد اختص به الله سبحانه، ولم يشأ أن يطلع عليه أحداً من خلقه جميعاً، بما فيهم الرسل والملائكة المقربون. وفي حديث حقيقة الإيمان والإسلام: عن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: حديث : حدثني أبي عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثوب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه؛ وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً." قال: صدقت! فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". قال: صدقت! قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: فأخبرني عن الساعة. قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل".. الخ. ثم قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم دينكم ". تفسير : فالمسؤول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والسائل ـ جبريل عليه السلام ـ كلاهما لا يعلم علم الساعة؛ {قل: إنما علمها عند الله}.. على وجه الاختصاص والتفرد من دون عباد الله. قدر الله هذا لحكمة يعلمها؛ نلمح طرفاً منها، في ترك الناس على حذر من أمرها، وفي توقع دائم لها، وفي استعداد مستمر لفجأتها. ذلك لمن أراد الله له الخير، وأودع قلبه التقوى. فأما الذين يغفلون عن الساعة، ولا يعيشون في كل لحظة على أهبة للقائها، فأولئك الذين يختانون أنفسهم، ولا يقونها من النار. وقد بين الله لهم وحذرهم وأنذرهم؛ وجعل الساعة غيباً مجهولاً متوقعاً في أية لحظة من لحظات الليل والنهار: {وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا}.. {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً، خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً، يوم تقلب وجوههم في النار، يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا. وقالوا: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا، فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً}.. إنهم يسألون عن الساعة. فهذا مشهد من مشاهد الساعة: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً}.. إن الله طرد الكافرين من رحمته، وهيأ لهم ناراً مسعرة متوقدة، فهي معدة جاهزة حاضرة. {خالدين فيها أبداً}.. باقين فيها عهداً طويلاً، لا يعلم مداه إلا الله؛ ولا نهاية له إلا في علم الله، حيث يشاء الله. وهم مجردون من كل عون، محرومون من كل نصير، فلا أمل في الخلاص من هذا السعير، بمعونة من ولي ولا نصير: {لا يجدون ولياً ولا نصيراً}.. أما مشهدهم في هذا العذاب فهو مشهد بائس أليم: {يوم تقلب وجوههم في النار}.. والنار تغشاهم من كل جهة، فالتعبير على هذا النحو يراد به تصوير الحركة وتجسيمها، والحرص على أن تصل النار إلى كل صفحة من صفحات وجوههم زيادة في النكال! {يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا}.. وهي أمنية ضائعة، لا موضع لها ولا استجابة، فقد فات الأوان. إنما هي الحسرة على ما كان! ثم تنطلق من نفوسهم النقمة على سادتهم وكبرائهم، الذين أضلوهم، وبالإنابة إلى الله وحده، حيث لا تنفع الإنابة: {وقالوا: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً}.. هذه هي الساعة. ففيم السؤال عنها؟ إن العمل لها هو المخلص الوحيد من هذا المصير المشؤوم فيها! ويبدو أن زواج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ مخالفاً في ذلك عرف الجاهلية الذي تعمد الإسلام أن يبطله بهذه السابقة العملية. يبدو أن هذا الزواج لم يمر بسهولة ويسر؛ وأنه قد انطلقت ألسنة كثيرة من المنافقين ومرضى القلوب، وغير المتثبتين الذين لم يتضح في نفوسهم التصور الإسلامي الناصع البسيط، انطلقت تغمز وتلمز، وتؤول وتعترض، وتهمس وتوسوس. وتقول قولاً عظيما! والمنافقون والمرجفون لم يكونوا يسكتون. فقد كانوا ينتهزون كل فرصة لبث سمومهم. كالذي رأينا في غزوة الأحزاب. وفي حديث الإفك. وفي قسمة الفيء. وفي كل مناسبة تعرض لإيذاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بغير حق. وفي هذا الوقت ـ بعد إجلاء بني قريظة وسائر اليهود من قبل ـ لم يكن في المدينة من هو ظاهر بالكفر. فقد أصبح أهلها كلهم مسلمين، إما صادقين في إسلامهم وإما منافقين. وكان المنافقون هم الذين يروجون الشائعات، وينشرون الأكاذيب، وكان بعض المؤمنين يقع في حبائلهم، ويسايرهم في بعض ما يروجون. فجاء القرآن يحذرهم إيذاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما آذى بنو إسرائيل نبيهم موسى ـ عليه السلام ـ ويوجههم إلى تسديد القول، وعدم إلقائه على عواهنه، بغير ضبط ولا دقة؛ ويحببهم في طاعة الله ورسوله وما وراءها من فوز عظيم: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا. وكان عند الله وجيهاً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}.. ولم يحدد القرآن نوع الإيذاء لموسى؛ ولكن وردت روايات تعينه. ونحن لا نرى بنا من حاجة للخوض في هذا الذي أجمله القرآن. فإنما أراد الله تحذير الذين آمنوا من كل ما يؤذي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد ضرب بني إسرائيل مثلاً للالتواء والانحراف في مواضع من القرآن كثيرة. فيكفي أن يشير إلى إيذائهم لنبيهم، وتحذير المسلمين من متابعتهم فيه، لينفر حس كل مؤمن من أن يكون كهؤلاء المنحرفين الملتوين الذين يضربهم القرآن مثلاً صارخاً للانحراف والالتواء. وقد برأ الله موسى مما رماه به قومه، {وكان عند الله وجيهاً} ذا وجاهة وذا مكانة. والله مبرئ رسله من كل ما يرمون به كذباً وبهتاناً. ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أفضل الرسل أولاهم بتبرئة الله له والدفاع عنه. ويوجه القرآن المؤمنين إلى تسديد القول وإحكامه والتدقيق فيه؛ ومعرفة هدفه واتجاهه، قبل أن يتابعوا المنافقين والمرجفين فيه؛ وقبل أن يستمعوا في نبيهم ومرشدهم ووليهم إلى قول طائش ضال أو مغرض خبيث. ويوجههم إلى القول الصالح الذي يقود إلى العمل الصالح. فالله يرعى المسددين ويقود خطاهم ويصلح لهم أعمالهم جزاء التصويب والتسديد. والله يغفر لذوي الكلمة الطيبة والعمل الصالح؛ ويكفر عن السيئة التي لا ينجو منها الآدميون الخطاءون. ولا ينقذهم منها إلا المغفرة والتكفير. {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}.. والطاعة بذاتها فوز عظيم. فهي استقامة على نهج الله. والاستقامة على نهج الله مريحة مطمئنة. والاهتداء إلى الطريق المستقيم الواضح سعادة بذاته، ولو لم يكن وراءه جزاء سواه. وليس الذي يسير في الطريق الممهود المنير وكل ما حوله من خلق الله يتجاوب معه ويتعاون كالذي يسير في الطريق المقلقل المظلم وكل ما حوله من خلق الله يعاديه ويصادمه ويؤذيه! فطاعة الله ورسوله تحمل جزاءها في ذاتها؛ وهي الفوز العظيم، قبل يوم الحساب وقبل الفوز بالنعيم. أما نعيم الآخرة فهو فضل زائد على جزاء الطاعة. فضل من كرم الله وفيضه بلا مقابل. والله يرزق من يشاء بغير حساب. ولعله فضل نظر الله فيه إلى ضعف هذا الإنسان، وإلى ضخامة التبعة التي يحملها على عاتقه. وإلى حمله للأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال. والتي أخذها على عاتقه، وتعهد بحملها وحده، وهو على ما هو عليه من الضعف وضغط الشهوات والميول والنزعات، وقصور العلم، وقصر العمر، وحواجز الزمان والمكان، دون المعرفة الكاملة ورؤية ما وراء الحواجز والآماد: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها؛ وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً}.. إن السماوات والأرض والجبال ـ التي اختارها القرآن ليحدث عنها ـ هذه الخلائق الضخمة الهائلة، التي يعيش الإنسان فيها أو حيالها فيبدو شيئاً صغيراً ضئيلاً. هذه الخلائق تعرف بارئها بلا محاولة، وتهتدي إلى ناموسه الذي يحكمها بخلقتها وتكوينها ونظامها؛ وتطيع ناموس الخالق طاعة مباشرة بلا تدبر ولا واسطة. وتجري وفق هذا الناموس دائبة لا تني ولا تتخلف دورتها جزءاً من ثانية؛ وتؤدي وظيفتها بحكم خلقتها وطبيعتها غير شاعرة ولا مختارة. هذه الشمس تدور في فلكها دورتها المنتظمة التي لا تختل أبداً. وترسل بأشعتها فتؤدي وظيفتها التي قدرها الله لها؛ وتجذب توابعها بلا إرادة منها؛ فتؤدي دورها الكوني أداء كاملاً.. وهذه الأرض تدور دورتها، وتخرج زرعها، وتقوت أبناءها، وتواري موتاها، وتتفجر ينابيعها. وفق سنة الله بلا إرادة منها. وهذا القمر. وهذه النجوم والكواكب. وهذه الرياح والسحب. وهذا الهواء وهذا الماء. وهذه الجبال. وهذه الوهاد.. كلها.. كلها.. تمضي لشأنها، بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة.. لقد أشفقت من أمانة التبعة. أمانة الإرادة. أمانة المعرفة الذاتية. أمانة المحاولة الخاصة. {وحملها الإنسان}.. الإنسان الذي يعرف الله بإدراكه وشعوره. ويهتدي إلى ناموسه بتدبره وبصره. ويعمل وفق هذا الناموس بمحاولته وجهده. ويطيع الله بإرادته وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته ونزغاته، ومجاهدة ميوله وشهواته.. وهو في كل خطوة من هذه الخطوات مريد. مدرك. يختار طريقه وهو عارف إلى أين يؤدي به هذا الطريق! إنها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول، المحدود العمر؛ الذي تناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع.. وإنها لمخاطرة أن يأخذ على عاتقه هذه التبعة الثقيلة. ومن ثم {كان ظلوماً} لنفسه {جهولاً} لطاقته. هذا بالقياس إلى ضخامة ما زج بنفسه لحمله. فأما حين ينهض بالتبعة. حين يصل إلى المعرفة الواصلة إلى بارئه، والاهتداء المباشر لناموسه، والطاعة الكاملة لإرادة ربه. المعرفة والاهتداء والطاعة التي تصل في طبيعتها وفي آثارها إلى مثل ما وصلت إليه من سهولة ويسر وكمال في السماوات والأرض والجبال.. الخلائق التي تعرف مباشرة، وتهتدي مباشرة، وتطيع مباشرة، ولا تحول بينها وبين بارئها وناموسه وإرادته الحوائل. ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء.. حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة، وهو واع مدرك مريد. فإنه يصل حقاً إلى مقام كريم، ومكان بين خلق الله فريد. إنها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة.. هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق الله. وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى، وهو يسجد الملائكة لآدم. وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول: {لقد كرمنا بني آدم}.. فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله. ولينهض بالأمانة التي اختارها؛ والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها..! ذلك كان.. {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات. وكان الله غفوراً رحيماً}.. فاختصاص الإنسان بحمل الأمانة؛ وأخذه على عاتقه أن يعرف بنفسه، ويهتدي بنفسه، ويعمل بنفسه، ويصل بنفسه.. هذا كان ليحتمل عاقبة اختياره، وليكون جزاؤه من عمله. وليحق العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات. وليمد الله يد العون للمؤمنين والمؤمنات، فيتوب عليهم مما يقعون فيه تحت ضغط ما ركب فيهم من نقص وضعف، وما يقف في طريقهم من حواجز وموانع، وما يشدهم من جواذب وأثقال.. فذلك فضل الله وعونه. وهو أقرب إلى المغفرة والرحمة بعباده: {وكان الله غفوراً رحيماً}.. وبهذا الإيقاع الهائل العميق تختم السورة التي بدأت بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى طاعة الله وعصيان الكافرين والمنافقين، واتباع وحي الله، والتوكل عليه وحده دون سواه. والتي تضمنت توجيهات وتشريعات يقوم عليها نظام المجتمع الإسلامي، خالصاً لله، متوجهاً له، مطيعاً لتوجيهاته. بهذا الإيقاع الذي يصور جسامة التبعة وضخامة الأمانة. ويحدد موضع الجسامة ومنشأ الضخامة. ويحصرها كلها في نهوض الإنسان بمعرفة الله والاهتداء إلى ناموسه، والخضوع لمشيئته: بهذا الإيقاع تختم السورة، فيتناسق بدؤها وختامها، مع موضوعها واتجاهها. ذلك التناسق المعجز، الدال بذاته على مصدر هذا الكتاب!
ابن عاشور
تفسير : لما كان تهديد المنافقين بعذاب الدنيا يذكِّر بالخوض في عذاب الآخرة: خوض المكذبين الساخرين، وخوضِ المؤمنين الخائفين، وأهلِ الكتاب، أتبع ذلك بهذا. فالجملة معترضة بين جملة {أية : ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً}تفسير : [الأحزاب: 60] وبين جملة {أية : إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً}تفسير : [الأحزاب: 64] لتكون تمهيداً لجملة {إن الله لعن الكافرين}. وتكرر في القرآن ذكر سؤال الناس عن الساعة، والسائلون أصناف: منهم المكذبون بها وهم أكثر السائلين وسؤالهم تهكم واستدلال بإبطائها على عدم وجودها في أنظارهم السقيمة قال تعالى: {أية : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها}تفسير : [الشورى: 18] وهؤلاء هم الذين كثر في القرآن إسناد السؤال إليهم معبَّراً عنهم بضمير الغيبة كقوله: {أية : يسألونك عن الساعة}تفسير : [الأعراف: 187]. وصنف مؤمنون مصدقون بأنها واقعة لكنهم يسألون عن أحوالها وأهوالها، وهؤلاء هم الذين في قوله تعالى: {أية : والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق}تفسير : [الشورى: 18]. وصنف مؤمنون يسألون عنها محبة لمعرفة المغيبات، وهؤلاء نُهُوا عن الاشتغال بذلك كما في الحديث: «حديث : أن رجلاً سأل رسول الله: متى الساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ماذا أعددتَ لها؟ فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أعددتُ لها كبير صلاة ولا صوم سوى أنِّي أُحب الله ورسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت»تفسير : . وصنف يسأل اختباراً للنبي صلى الله عليه وسلم لعله يجيب بما يخالف ما في علمهم فيجعلونه حجة بينهم على انتفاء نبوءته ويعلنونه في دهمائهم ليقتلعوا من نفوسهم ما عسى أن يخالطها من النظر في صدق الدعوة المحمدية. وهؤلاء هم اليهود نظير سؤالهم عن أهل الكهف وعن الروح. فــــ{الناس} هنا يعم جميع الناس وهو عموم عرفي، أي جميع الناس الذين من شأنهم الاشتغال بالسؤال عنها إذ كثير من الناس يسأل عن ذلك. وأهل هذه الأصناف الأربعة موجودون بالمدينة حين نزول هذه الآية. وتقدم الكلام على نظير هذه الآية في قوله تعالى: {أية : يسألونك عن الساعة أيان مرساها} تفسير : في سورة الأعراف (187). والخطاب في قوله: {وما يدريك} للرسول صلى الله عليه وسلم. و{ما} استفهام مَا صْدَقُها شيء. و{يدريك} من أدراه، إذا أعلمه. والمعنى: أي شيء يجعل لك دراية. و{لعل الساعة تكون قريباً} مستأنفة لإنشاء رجاء. و{لعل} معلقة فعل الإِدْراءِ عن العمل، أي في المفعول الثاني والثالث وأما المفعول الأول فهو كاف الخطاب. والمعنى: أيُّ شيء يدريك الساعَة بعيدةً أو قريبةً لعلها تكون قريباً ولعلها تكون بعيداً، ففي الكلام احتباك. والأظهر أن {قريباً} خبر {تكون} وأن فعل الكون ناقص وجيء بالخبر غير مقترن بعلامة التأنيث مع أنه محتمل لضمير المؤنث لفظاً (فإن اسم الفاعل كالفعل في اقترانه بعلامة التأنيث إن كان متحملاً لضمير مؤنث لفظي) فقيل: إنما لم يقترن بعلاقة التأنيث لأن ضمير الساعة جرى عليها بعد تأويلها بالشيء أو اليوم. والذي اختاره جمع من المحققين مثل أبي عبيدة والزجاح وابن عطية أن {قريباً} في مثل هذه الآية ليس خبراً عن فعل الكون ولكنه ظرف له وهم يعنون أن فعل الكون تام وأن {قريباً} ظرف زمان لوقوعه. والتقدير: تقع في زمان قريب، فيلزم لفظُ (قريب) الإِفراد والتذكيرَ على نية زمان أو وقت، وقد يكون ظرف مكان كما ورد في ضده وهو لفظ (بعيد) في قوله:شعر : وإن تمس ابنة السهمي منا بعيداً لا تكلمنا كلاماً تفسير : وقد أشار إلى جواز الوجهين في «الكشاف». وهذان الوجهان وإن تأتَّيَا هنا لا يتأتيان في نحو قوله تعالى: {أية : إن رحمة الله قريب من المحسنين}تفسير : [الأعراف: 56]. ويقترن (قريب) و (بعيد) بعلامة التأنيث ونحوها من العلامات الفرعية عند إرادة التوصيف. وكل هذه اعتبارات من توسعهم في الكلام. وتقدم قوله تعالى: {إن رحمة اللَّه قريب من المحسنين} في الأعراف فضُمَّه إلى ما هنا.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ}. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس الذين يسألونه عن الساعة {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} ومعلوم أن إنما صيغة حصر. فمعنى الآية: أن الساعة لا يعلمها إلا الله وحده. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء واضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ} تفسير : [لقمان: 34] الآية. وقد بين صلى الله عليه وسلم أن الخمس المذكورة في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} الآية. هي المراد بقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59] وكقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 187]. وقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ} تفسير : [النازعات: 42ـ44] وقوله تعالى: {أية : إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [فصلت: 47] الآية. وفي الحديث: "حديث : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ". تفسير : قوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الساعة التي هي القيامة لعلها تكون قريباً، وذكر نحوه في قوله في الشورى: {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى: 17]، وقد أوضح جل وعلا اقترابها في آيات أخر كقوله: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [القمر: 1] الآية. وقوله: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنبياء: 1]. وقوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [النحل: 1] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يسألك الناس عن الساعة: أي يهود المدينة كما سأله أهل مكة فاليهود سألوه امتحاناً والمشركون تكذيباً لها واستعجالاً لها. قل إنما علمها عند الله: أي أجب السائلين قائلاً إنما علمها عند ربي خاصة فلم يعلمها غيره. وما يدريك: أي لا أحد يدريك أيها الرسول أي يخبرك بها إذ علمها لله وحده. لعل الساعة تكون قريبا: أي وما يشعرك أن الساعة قد تكون قريبة القيام. وأعد لهم سعيرا: أي ناراً متسعرة. خالدين فيها: أي مقدراً خلودهم فيها إذ الخلود يكون بعد دخولهم فيها. تقلب وجوههم في النار: أي تصرف من جهة إلى جهة كاللحم عند شيّه يقلب في النار. يا ليتنا أطعنا الله: أي يتمنون بأقوالهم لو أنهم أطاعوا الله وأطاعوا الرسول. وقالوا ربَّنا إنا أطعنا سادتنا: هذا قول الأتباع يشكون إلى الله سادتهم ورؤساءهم. فأضلونا السبيلا: أي طريق الهدى الموصل إلى رضا الله عز وجل بطاعته. آتهم ضعفين من العذاب: أي اجعل عذابهم ضعفي عذابنا لأنهم أضلونا. والعنهم لعناً كبيراً: أي أخزهم خزياً متعدد المرات في عذاب جهنم. معنى الآيات: قوله تعالى {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} أي ميقات مجيئها والسائلون مشركون وأهل الكتاب فالمشركون يسألون عنها استبعاداً لها فسؤالهم سؤال استهزاء واليهود يسألون امتحاناً للرسول صلى الله عليه وسلم، فأمره تعالى أن يجيب السائلين بجواب واحد وهو إنما علمها عند الله، أي انحصر علمها في الله تعالى إذ أخفى الله تعالى أمرها عن الملائكة والمقربين منهم والأنبياء والمرسلين منهم كذلك فضلاً عن غيرهم فلا يعلم وقت مجيئها إلا هو سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ} أي لا أحد يعلمك بها أيها الرسول، وقوله {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} أي وما يشعرك يا رسولنا لعل الساعة تكون قريبة القيام وهي كذلك قال تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} تفسير : [الأنبياء: 1] وقال {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [القمر: 1] فأعلَمَ بالقرب ولم يعلم بالوقت لحكم عالية منها استمرار الحياة كما هي حتى آخر ساعة. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً} المكذبين بالساعة المنكرين لرسالتك الجاحدين بنبوتك لعنهم فطردهم من رحمته أعد لهم ناراً مستعرة في جهنم خالدين فيها إذا دخلوها لم يخرجوا منها أبداً {لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً} أي يتولاهم فيدفع العذاب عنهم {وَلاَ نَصِيراً} أي ينصرهم ويخلصهم من محنتهم في جهنم. وقوله: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} تصرف من جهة إلى جهة كما يقلب اللحم عند شيّه يقولون عند ذلك يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول يتحسرون متمنين لو أنهم أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا ولم يكونوا عصوا الله والرسول. وقوله تعالى: {وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا} هذه شكوى منهم واعتذاراً وأنى لهم أن تقبل شكواهم وينفعهم اعتذارهم. أطعناهم فيما كانوا يأمروننا به من الكفر والشرك وفعل الشر فأضلونا السبيلا أي طريق الهدى فعشنا ضالين ومتنا كافرين وحشرنا مع المجرمين. {رَبَّنَآ} أي يا ربنا آتهم ضعفين من العذاب أي ضاعف يا ربنا لسادتنا وكبراءنا الذين أضلونا ضاعف لهم العذاب فعذبهم ضِعْفي عذابنا، والعنهم أي واخزهم في العذاب خزياً كبيراً يتوالى عليهم دائماً وأبداً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن علم الساعة استأثر الله به فلا يعلم وقت مجيئها غيره. 2- بيان أن الساعة قريبة القيام، ولا منافاة بين قربها وعدم علم قيامها. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحوال الكافرين فيها. 4- بيان أن طاعة السادة والكبراء في معاصي الله ورسوله يعود بالوبال على فاعليه.
القطان
تفسير : الساعة: يوم القيامة. وما يدريك: وما يعرّفك بوقتها. سعيرا: نارا شديدة، مستعرة. سادتنا: ملوكنا. كبراءنا: علماءنا وزعماءنا. ضِعفين: مثلين. وجيهاً: له جاه ومنزلة عظيمة. يسألك الناس عن وقت قيام الساعة، قل لهم: ان علمها عند الله وحده، ولعل وقتها يكون قريبا. وقد كثر في القرآن الحديث عن اقتراب الساعة: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ }تفسير : سورة [القمر:1] {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}تفسير : [النحل:77]. {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}تفسير : [النحل:1] {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ}تفسير : [الشورى:17]. وفي هذه كله تهديد للمستعجلين المستهزئين، والمتعنتين الغافلين عنها. وقد ابقى الله علمها عنده حتى يبقى الناسُ على حذر من امرها، وفي استعداد دائم لمفاجأتها، ذلك لمن اراد الله الخير. {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً.... }. ان الله طرد الكافرين من رحمته وهيأ لهم نارا شديدة متوقدة {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} باقين فيها امدا طويلا لا يعلم مداه الا الله. ولا يجدون لهم من ينصرهم، لو تراهم يتقلّبون في تلك النار الموقدة، ويتحسرون على كفرهم {يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ}. ولكن فاتهم ذلك ولا ينفعهم قولهم، ولا تستجاب دعواتهم، ثم يتذكرون سادتهم ورؤساءهم، فتنطلق من نفوسهم النقمة عليهم وينادون ربهم بقولهم: ربنا، لقد اطعنا رؤساءنا وكبراءنا فأضلونا السبيلَ وابعدونا عن الصراط المستقيم {رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}. هذه هي الساعة وتلك هي القيامة، وهذا مشهد من مشاهدها. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} يا ايها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تؤذوا الرسول بقول يكرهه، ولا فعلٍ لا يحبه، كالذين آذاوا موسى فرمَوه بالغيب كذباً وباطلا، فبرأه الله مما قالوه عنه من الزور، وكان موسى عند الله ذا وجاهة وكرامة. روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : قَسَمَ رسول الله ذات يوم قَسْما فقال رجل من الأَنصار: إِن هذه القسمة ما أُريدَ بها وجه الله، فاحمر وجه النبيّ ثم قال: "رحمة الله على موسى، رُمي بأَكثر من هذا فصبر" . تفسير : قراءات: قرأ ابن عامر ويعقوب: ساداتنا بالف بعد الدال، والباقون: سادتنا. وقرأ عاصم وابن عامر: لعنا كبيرا بالباء. والباقون: كثيرا بالثاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْأَلُكَ} (63) - يُكْثِرُ النَّاسُ مِنْ سُؤَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ السَّاعَةِ، وَمَتَى يَكُونُ مَوْعِدُ قِيَامِهَا. فَالمُشْرِكُونَ يَسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ اسْتِعْجَالاً لَهَا، لأَنَّهُمْ يَسْتَبعِدُونَ وَقُوعَها، وَاليَهُودُ يَسْأَلُونَ عَنْها اخْتِباراً لِلرَّسُولِ، وَهَلْ سَيَرُدُّ أَمْرَهَا إِلى اللهِ كَمَا جَاءَ فِي التَّورَاةِ، أَمْ أَنَّهُ سَيَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَدْ أَمَر اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ الكَريمَ بِأَنْ يُجِيبُ هؤلاءِ جَميعاً: إِنَّ عِلْمَ السَّاعةِ عِنْدَ اللهِ، وَلَمْ يُطْلِعْ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالى لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَقَدْ يَكُونُ مَوْعِدُ قِيامِها قََريباً جِدّاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سُئِل رسول الله كثيراً عن الساعة، والسؤال ظاهرة صحية إذا كان في الأمر التكليفي؛ لأن السؤال عن التكاليف الشرعية دليل على أن السائل آمن برسول الله، وأحبَّ التكليف، فأراد أنْ يبني حركة حياته على أسس إسلامية من البداية. فعلى فرض أن الإسلام جاء على أشياء كانت مُتوارثة من الجاهلية فأقرَّها الإسلام، فيأتي مَنْ يسأل عن رأي الإسلام فيها حِرْصاً منه على سلامة دينه وحركة حياته. لكن أراد الحق سبحانه أنْ يُهوِّن المسائل على الناس، فقال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ..} تفسير : [المائدة: 101]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دعوني ما تركتكم، فإنما أُهلك مَنْ كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ". تفسير : إذن: السؤال المطلوب هو السؤال عن الأمور التكليفية التي تهم المسلم، حتى وإنْ كانت من أمور الجاهلية، وقد أقرَّ الإسلام كثيراً منها، فالدية مثلاً في الإسلام جاءت من جذور كانت موجودة عند الجاهليين وأقرَّها الإسلام، وقد أمر الله تعالى المسلم بأنْ يسأل عن مثل هذه المسائل في قوله تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43]. أما السؤال عن الساعة، فالساعة أمر غيبي لا يعلمه إلا الله، فهو سؤال لا جدوى منه، لذلك لما سُئِل رسول الله: متى الساعة؟ قال للسائل: "وماذا أعددتَ لها" فأخذه إلى ما ينبغي له أنْ يسأل عنه ويهتمّ به. وهذه الآية الكريمة {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ..} [الأحزاب: 63] جاءت بعد معركة الإيذاء لله تعالى، والإيذاء لرسوله وللمؤمنين به، هذا الإيذاء جاء ممَّنْ لا يُؤمنون بالسماء، ولا يؤمنون بالله، ولا يؤمنون بالبلاغ عن الله بواسطة رسوله. وإيذاء هؤلاء لله تعالى هو في الحقيقة إيذاء لأنفسهم؛ لأنه لا يصل إلى الله تعالى، والله يريد لهم الخير؛ لأنهم عباده وصَنْعته، فحين يخرجون على منهجه فإنما يؤذون أنفسهم، أما إيذاؤهم لرسول الله فقد آذوه صلى الله عليه وسلم في أهله وفي نفسه، فقد تعرَّضوا له صلى الله عليه وسلم بما يتأبَّى عنه أيّ إنسان كريم، آذوْه بالقول وبالفعل، ومع ذلك صبر صلى الله عليه وسلم، وصبر أصحابه، وقد أوذوا في أنفسهم وفي أموالهم. والمتأمل يجد أن هذا الإيذاء مقصود وله فلسفة، فقد أراده الله تعالى ليُمحِّص المؤمنين، وليرى - وهو أعلم سبحانه - مَنْ يثبت على الإيمان؛ لذلك قال تعالى: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 2]. وسبق أن أوضحنا أن الإيمان ليس كلمةً تُقال، إنما الإيمان مسئولية وعمل، ولهذا السبب امتنع كفار مكة عن النطق بكلمة الإيمان؛ لأنهم يعلمون حقيقتها، وهم أهل بيان وفَهْم للأساليب وللمعاني. وثبات سيدنا رسول الله وصبره هو والذين آمنوا معه دليل على أنهم أجرَوْا مقارنة بين هذا الإيذاء في الدنيا من بشر له قدرة محدودة، وإيذاء الله سبحانه في الآخرة، وهذا إيذاء يناسب قدرته تعالى، ولا يمكن أنْ يفرّ منه أحدٌ. إذن: نقول: إن للإيذاء فلسفةً مقصودة، وإلا فقد كان من الممكن أن يأخذ الله أعداء دينه أَخْذ عزيز مقتدر، كما أخذ قوم نوح بالطوفان، وقوم فرعون بالغرق، وكما خسف بقارون الأرض، لكن أراد سبحانه أن يعذب هؤلاء بأيدي المؤمنين وبأيدي رسول الله، وربما لو نزلت بهم أخذه عامة لقالوا: آية كونية كالزلازل والبراكين مثلاً؛ لذلك قال تعالى مخاطباً المؤمنين: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ..} تفسير : [التوبة: 14]. ثم يُصبِّر الحق سبحانه نبيه ويُسلِّيه: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. إذن: ردُّ الحق سبحانه على هذا الإيذاء جاء على نوعين: نوع في الدنيا بأنْ ينصرَ اللهُ نبيَّه عليهم، كما بشَّره الله بقوله: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. والآخر رَدٌّ أخروي يوم القيامة؛ لذلك قال تعالى: {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ..} [الأحزاب: 63]. والسؤال الذي سُئِلَه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متوجهاً إلى أمرين: الأول: إعجازي لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم وأنبيائهم بعض الأمور، فيريدون أنْ يُحرِجوا بها رسول الله حين يسألونه عنها، فلم يجدوا جواباً، وهم يعرفون أن رسول الله أُمِيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجلس أبداً إلى مُعلِّم، لكن الحق سبحانه كان يُسِعف رسوله ويُعلمه الجواب، فيجيب عليهم الجواب الصحيح، فيموتون غيظاً، ويتمحكون في أيِّ مسألة ليثبتوا لأنفسهم أن محمداً لا يعلمها. من ذلك مثلاً سؤالهم عن أهل الكهف: كم لبثوا؟ فأجابهم الله تعالى: {أية : وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} تفسير : [الكهف: 25] فقالوا: نحن نعلم أنها ثلاثمائة، فمن أين هذه الزيادة؟ وجهلوا أن توقيت المناسك الإلهية في الدين إنما يقوم على التقويم الهلالي لا على حركة الشمس؛ لأن مُقْتضى ما تعطيه لنا الشمس أن نعلم بها بداية اليوم ونهايته، لكن لا نعرف بها أول الشهر ولا آخره. أما التوقيت العربي الهلالي، فله علامة مميزة هي ظهور الهلال أول الشهر، وإذا ما قارنْتَ بين التقويم الهلالي والتقويم الميلادي تجد أن كل سنة هجرية تنقص أحد عشر يوماً عن السنة الشمسية، فالثلاثمائة سنة الميلادية تساوي في السنة الهجرية ثلاثمائة وتسعة. فكأنهم أرادوا تجهيل محمد، فنبَّههم الله إلى أنهم هم الجهلة. وعجيب أن يعترض اليهود على هذا التوقيت، مع أنه التوقيت العبادي لسيدنا موسى عليه السلام، ألم يقل سبحانه: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ ..} تفسير : [الأعراف: 142]. إذن: فقوله تعالى: {أية : وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} تفسير : [الكهف: 25] فيه إعجاز أدائي بليغ، يدل على أنَّ التسْع سنين إنما جاءتْ زيادةً من داخل الثلاثمائة، وليستْ خارجة عنها. ثم سألوه صلى الله عليه وسلم عن رجل جوَّال، فأنزل الله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ ..} تفسير : [الكهف: 83]. فكان ينبغي أن يلفتهم ذلك إلى صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يسألوا أنفسهم: من أين له هذا العلم، وهو الأميُّ الذي لم يجلس مرة إلى مُعلِّم؟ لذلك قلنا: إن الأُمية عَيْبٌ في كل إنسان، إلا أنها كانت شرفاً وميزة في رسول الله بالذات؛ لأنها تعني في حقِّ رسول الله أنه لم يُعلِّمه بشر كما اتهموه، إنما علمه ربه. كذلك كانت الأمة التي نزل فيها القرآن أمة أمية، وهذا أيضاً شرف في حقها، فلو أن هذه الأمة كانت أمةَ علم وثقافة لقالوا عن الإسلام: إنه قفزة حضارية، لكنها كانت أمة أمية يسودها النظام القبلي، فلكل قبيلة قانونها ونظامها، ولكل قبيلة رئيسها، ومع ذلك خرج منهم مَنْ جاء بنظام عام يصلح لسياسة الدنيا كلها، إلى أنْ تقوم الساعة، وهذا لا يتأتَّى إلا بمنهج إلهي. إذن: الأمية في العرب شرف، وعجزهم عن محاكاة القرآن، والإتيان بمثله أيضاً شرف لهم، فكوْن الحق سبحانه يتحدَّاهم بأسلوب القرآن دليل على عظمتهم في هذا المجال، وإلا فأنت لا تتحدَّى الضعيف إنما تتحدَّى القوي في مجال التحدي، فكأن تحدِّي الله العرب شهادة منه سبحانه بأنهم أفصح الخَلْق؛ لذلك جاءهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه. ثم يسأل اليهود رسول الله عن الساعة {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ..} [الأحزاب: 63] وهم يسألون عن الساعة يعني: عن يوم القيامة؛ لأنهم ينكرونه، ومن مصلحتهم ألاَّ يكون هذا اليوم، حتى لا يقفوا موقف المساءلة والحساب على ما أجرموه في الدنيا من ظلم وشرك وعربدة وسَفْكٍ للدماء، ولَغْو في أعراض الناس. ولو بحث هؤلاء قضية القيامة والحساب بالعقل - لا بنصوص القرآن - لَوجدوا أنها أمر منطقي لا بُدَّ أنْ يحدث، فمثلاً نحن عاصرنا الحزب الشيوعي في روسيا سنة 1917، ورأينا كيف أخذوا الإقطاعيين والرأسماليين وعذَّبوهم، وفعلوا بهم الأفاعيل، وصادروا ممتلكاتهم جزاءً لهم على ظلمهم للناس، وكنا نقول لهم: نعم هذا أمر منطقي أنْ تقتصَّ من الظالم، لكن ما بال كثير من الظَّلمة الذين ماتوا أو لم تدركوهم وأفلتوا من قبضتكم؟ بالله، لو جاء شخص ودلّكم على مكان أحد الظلمة هؤلاء، ألستم تحمدون له هذه المساعدة؟ فكيف به لو قال: بل سأحضره وأحاسبه وأقتصّ منه، أليست هذه إعانة لكم على مهمة الانتقام من الظالمين؟ لذلك نقول: كان من الواجب أن يكون الشيوعيون أول الناس إيماناً بيوم القيامة وبالبعث والحساب ليتداركوا مَنْ أفلت من أيديهم. شيء آخر: ألستم تضعون - في أيِّ نظام من أنظمتكم الوضعية - القوانين المنظمة؟ ما معنى القانون: القانون قواعد تحدد للمواطن ما له وما عليه، أليس في قوانينكم هذا مبدأ الثواب للمحسن، والعقاب للمقصر؟ إذن: كل مجتمع لا بُدَّ أن تكون فيه عناصر خارجة على نظامه، وتستحق العقوبة، فمَنِ استطاع أنْ يُدلِّس على المجتمع، وأنْ يداري جريمته ما حظه من العقوبة، وقد استشرى فساده وكَثُر ظلمه؟ إذن: لا بُدَّ أنْ نؤمن بقدرة أخرى لا يَخْفَى عليها أحد، ولا يُدلِّس عليها أحد، ولا يهرب منها أحد، قدرة تعرف الخفايا وتفضحها وتحاسب أصحابها. هذه القضية لا بُدَّ أنْ تسوقك إلى فطرية الإيمان بالله تعالى، وأنه سبحانه خبير عالم {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إلا فِي ..} تفسير : [الأنعام: 59]. لماذا إذن تنكرون القيامة وأنتم في أنظمتكم الدنيوية تُجنِّدون الجواسيس والمخابرات،وتُحْصُون هَمْسَ الناس لمعرفة الذين يحتالون في ألاَّ يراهم القانون؟ أليس من فضل الله عليكم أنه سبحانه يعلم ما خَفِي عليكم ويقتصّ لكم من خصومكم؟ فقضية القيامة والحساب واضحة بالفطرة؛ لذلك تجد أن المنكرين لها هم الذين أسرفوا على أنفسهم ويخافون ما ينتظرهم من العقاب في هذا اليوم، ولا يملكون إلا إنكاره وعدم الاعتراف به، وكأن هذا الهروب هو الحل. وسورة الكهف تعطينا نموذجاً لهؤلاء، وهو صاحب الجنة الذي قال: {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً ..} تفسير : [الكهف: 36] بعد أنْ أسرف على نفسه وجحد نعمة الله عليه، ولما تنبَّه وراجع فطرته قال: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36]. فالتكذيب بيوم القيامة هو الأغلب والآكد والشكّ في {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي ..} تفسير : [الكهف: 36] يعني: وعلى فرض أَنِّي رُددْتُ إلى ربي يوم القيامة فسوف يكون لي عنده أفضل مما أعطاني في الدنيا، فكما أكرمني هنا سيكرمني هناك. وهذا اعتقاد خاطيء وفَهْم أحمق، فالله تعالى لا يكرم في الآخرة إلا مَنْ أكرم نفسه باتباع منهجه في الدنيا، ومَنْ لم يكرم نفسه هنا بمنهج الله لا يكرمه الله في الآخرة. لذلك كثيراً ما نسمع: دَعوْتُ فلم يُستجب لي، خصوصاً السيدات، جاءتني إحداهن تشتكي أنها توجهت إلى الله بالدعاء، ومع ذلك البنت لم تتزوج والولد كذا والزوج كذا. فكنت أقول لها (كتر خيرك) أولاً أنك عرفت أن لك رباً تفزعين إليه وقت الشدة كما قال سبحانه: {أية : فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ..}تفسير : [الأنعام: 43]. إنما أسألك: هل أنت أجبت الله أولاً فيما طلبه منك كي تنتظري منه أنْ يُجيبك إلى ما طلبتِ؟ أأجبت الله في شعرك هذا؟ أأجبتِ الله في (شفايفك) وتغييرك لخِلْقة الله؟ فكانت لا تجد جواباً، إلا أنْ تقول: والله أنا قلبي (صافي) ولا أوذي أحداً ... إلخ. إذن: أخذتم على الله أنكم دعوتُم فلم يَسْتجب لكم، ولم تأخذوا على أنفسكم أنه سبحانه دعاكم أولاً وناداكم فلم تستجيبوا لندائه، احرصوا أولاً على إجابة نداء الله، وثقوا أنه سبحانه سيجيبكم. نعود إلى ما كنا بصدده من الحديث عن السؤال في القرآن الكريم، فسؤالهم عن الساعة إمَّا ليتأكد السائل أنها ستحدث، وإما لأنه يستبطئها ويريدها الآن. ومادة السؤال جاءت كثيراً في كتاب الله؛ لأن القرآن لم ينزل على رسول الله جملةً واحدة، إنما نزل مُنجَّماً حَسْب الأحداث ليعطيهم الفرصة للسؤال، وجاء السؤال إما لتحدي رسول الله، وإما للاستزادة من أحكام الله التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا جاء مِمَّنْ عشقوا الإيمان، فأحبوا أنْ تُبني حركة حياتهم على هدى الإيمان. حتى المسائل التي كانت لها جذور في الجاهلية راحوا يسألون عنها، لماذا، مع أن الإسلام أقرها؟ قالوا: لأنهم أرادوا أنْ يَبْنوا أعمالهم على العبادة، لا على العادة الجاهلية. والقرآن حينما عرض لهذه الأسئلة قال مرة: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ..} تفسير : [البقرة: 222] فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سُئِل هذا السؤال لم يَقُلْ: هو أذى؛ لأن الجواب ليس من عنده، إنما هو مُبَلِّغ عن الله، والله هو الذي يقول، فقال {أية : قُلْ هُوَ أَذًى ..} تفسير : [البقرة: 222] فكلمة قُلْ هذه من مقول الله تعالى، وأنا أقولها كما هي. لذلك نعجب مِمَّنْ ينادي بحذف كلمة (قُلْ) من القرآن، بحجة أنها لا تضيف جديداً للمعنى في حين أنها دليل على صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل على أن ما جاء به ليس من عنده إنما من عند الله وهو مُبلِّغ فحسب، فربه قال له قُلْ وهو يقولها كما هي {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ..}تفسير : [البقرة: 219]. وفي موضع آخر: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ ..} تفسير : [البقرة: 215]. لكن قُلْ تأتي مرة مقترنة بالفاء، ومرة أخرى غير مقترنة بها، فلماذا؟ هذا مَلْمح إعجازي في أداء القرآن، لأن الجواب بقُلْ يعني أن السؤال قد حدث بالفعل، مثل {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ..} تفسير : [البقرة: 189]. أما الجواب حين يقترن بالفاء، فإنه يعني وجودَ شرطٍ، فالسؤال لم يحدث بالفعل، إنما سيحدث في المستقبل، كما في قوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً}تفسير : [طه: 105]. والمعنى: إن سألوك في المستقبل عن الجبال فقُلْ ينفسها ربي نَسْفاً، فالجواب مُعَدٌّ مسْبقاً لسؤال لم يُسأل بَعْد، لكنه لا بُدَّ أنْ يُسأل، وأنْ يقع منهم، وهذا وجه آخر من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وإلا فقد كان بإمكانهم ألاَّ يسألوا، لكن هيهات أنْ ينقض أحد كلام الله، أو ينقض علمه تعالى. ما دام الله قال فلا بُدَّ أنْ يقولوا، وهذه المسألة أوضحناها في قوله تعالى: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5]. فحكم الله تعالى على هذا الكافر العنيد أنه سيموت على كفره، وسيكون مصيره وزوجته النار، وقد سمع أبو لهب وامرأته هذه الآية، وعرفوا صِدْقها، لكنه مع ذلك لم يؤمن ولو نفاقاً، وقد آمن مَنْ هو أشدُّ كفراً وعناداً، أمثال: عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد وغيرهما. لكن الذي حكم وأخبر أنه لن يؤمن يعلم أنه سينتهي إلى هذه النهاية مهما حذَّره وأنذره؛ لذلك كان أبو لهب مثالاً لغباء الشرك، فلو أنه جاء في مَحْفل من محافل قريش بعد نزول هذه السورة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لأحرجَ رسول الله وكذَّب القرآن، لكن لم يحدث شيء من هذا، وما كان ليحدث بعد أنْ قال الله، مع أنه حُرٌّ مختار. وفي آية واحدة من كتاب الله وردت الإجابة عن السؤال غير مُصدَّرة (قُلْ) ولا (فقل)، وهي قوله سبحانه: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ..} تفسير : [البقرة: 186]، لماذا؟ قالوا: لأن السؤال هنا عن ذات الله تعالى؛ لذلك جعل الجواب منه سبحانه مباشرة بلا واسطة؛ لأن المقامَ مقامُ سؤال عن قريب مباشر لك، كذلك جاءتْ الإجابة مباشرة. هذا عن السؤال، أما عن الساعة التي سألوا عنها، فكلمة الساعة حين نطلقها في هذا العصر نريد بها الآلة المعروفة التي تحدد أجزاء الوقت من ليل أو نهار بالسوية، فليس هناك ساعة أكبر من ساعة. والعرب حينما اخترعوا الساعة أو المزولة، كانت ساعة دقَّاقة بالماء، وهي عبارة عن خزان يقطر منه الماء قطرة قطرة، وكلما نزلت قطرة الماء حرّكتْ عقارب الساعة بالتساوي، وسُمِّيت ساعة بالذات؛ لأن الساعة هي أقرب أجزاء الوقت لليل أو للنهار، وبعد ذلك عرفنا الدقيقة والثانية والجزء من الثانية. وقد حرص العرب بالذات على حساب الوقت، وفكَّروا في آلة تضبطه؛ لأن الإسلام يقوم على عبادات موقوتة لا بُدَّ أنْ تُؤدَّى في وقتها، من هنا اخترعوا الساعة. وكأن الحق سبحانه استعار فطرة البشر منهم، حين سَمَّى القيامة (الساعة) فالساعة التي تنتظرونها هي آلة مواقيتكم في الحركة؛ لذلك قال شوقي رحمه الله: شعر : دَقَّاتُ قَلْبِ المْرءِ قَائِلةٌ لَهُ إنَّ الحَياةَ دَقَائِقُ وثَوانِ تفسير : والحق سبحانه يقول: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ ..} تفسير : [الروم: 55] أي القيامة: {أية : يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ..} تفسير : [الروم: 55] أي ساعتكم وآلتكم التي تعارفتم عليها لضبط الوقت، فجمع سبحانه بين الساعة الفاصلة بالقيامة، وبين الساعة التي هي جزء من الليل، أو من النهار. والمعنى: {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ..} [الأحزاب: 63] يعني: أتوجد أم لا توجد؟ وإذا كانت تُوجَد، قالوا: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الأعراف: 70]. الحق سبحانه تكلَّم في السؤال عن الساعة في موضعين: هنا {يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} [الأحزاب: 63]. وفي سورة الشورى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى: 17]. ونلحظ أولاً أن كلمة (قريب) جاءت بدون تأنيث، والساعة مؤنثة، فلم يَقُلْ قريبة، قالوا: لأن المراد وقت قيامها: وما يدريك لعل وقت قيامها قريب. وقال اللغويون: إن (قريب) على وزن فعيل، وهذا الوزن يستوي فيه المذكَّر والمؤنث، كما في قوله سبحانه: {أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4]. ثم في الآية الأولى جاء بالفعل تكون، فقال: {تَكُونُ قَرِيباً} [الأحزاب: 63] وفي الأخرى قال: (قريب) لماذا؟ قالوا: لأن السؤال مرة يكون عن أصل الوجود، ومرة يكون عن شيء تابع لأصل الوجود، وفي الدراسات النحوية نُدرِّس للتلاميذ كان وأخواتها، وهي فعل مَاضٍ ناقص، يرفع المبتدأ وينصب الخبر، وقد تأتي كان تامة تكتفي بفاعلها كما في {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ..} تفسير : [البقرة: 280] يعني: إنْ وُجِد ذو عُسْرة. إذن: إنْ أردتَ الوجود الأول فهي تامة، وإنْ أردتَ وجوداً ثانياً طارئاً على الوجود الأول فهي ناقصة، كما لو قُلْتَ: كان زيد مجتهداً، فأنت لا تتكلم عن الوجود الأول لزيد، إنما تتكلم عن شيء طرأ على وجوده، وهو اجتهاده، وهذه هي كان الناقصة؛ لأن الفعل ينبغي أنْ يدلَّ على زمن وحدث، والفعل كان دلَّ على زمن فقط، فاحتاج إلى خبر ليدل على الحدث، فكأنك قُلْتَ: اجتهد زيد .. في الزمن الماضي. كذلك نقول في الوجود الأول وكان التامة: "كان الله ولا شيء معه" هذا هو الوجود الأعلى، فإنْ أردتَ شيئاً آخر مُتعلِّقاً بهذا الوجود الأول تقول: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [النساء: 152]. فالحق سبحانه في هاتين الآيتين يردُّ على الذين يسألون عن الساعة، إما لأنهم ينكرونها وجوداً، أو يؤمنون بها، ويسألون عن وقتها، فقال مرة: {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} [الأحزاب: 63] ومرة {أية : لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى: 17]. كلمة {أية : وَمَا يُدْرِيكَ ..} تفسير : [الشورى: 17] معنى الدراية: الإعلام، كما نقول: هل دريْتَ بالموضوع الفلاني، يعني: علمتَ به. وفي علم الأصول يُقسِّمون العلم إلى: علم دراية، وعلم رواية، فلم الرواية كالذي يحفظ القرآن الكريم بالقراءات السبع أو العشر أو الأربعة عشر، ومع ذلك ربما لا يعرف تفسيره؛ لأن عِلْمه بالقرآن عِلْم رواية فحسب، أما الذي تخصص في تفسيره ومعرفة معانيه وأحكامه، فهذا العلم يُعَدُّ عِلْم دراية، فالدراية إذن عِلْم بالتفصيل، والرواية علم بالإجمال الكلي. ومن حكمته تعالى أن يكون حَفَظة القرآن ليسوا من العلماء - إلا فيما نَدُر - لأن العالم إذا ما وقف حفظه عند كلمة معينة ربما دعاه عِلْمه إلى التصرُّف فيها بلفظ آخر، كما في (فتبينوا، فتثبتوا) مَثلاً، أما الذي حفظ القرآن رواية فحسب، فإذا وقف أمام كلمة ناسياً لها، فإنه لا يتجاوزها حتى يفتح الله عليه بما نسيه، وبذلك حفظ الله كلامه. ونلحظ أن هذا الفعل جاء بصيغة المضارع {أية : وَمَا يُدْرِيكَ ..} تفسير : [الشورى: 17] وجاء بصيغة الماضي {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ ..} تفسير : [المرسلات: 14] ولكل منهما مدلول، فساعةَ يقول سبحانه {أية : وَمَا يُدْرِيكَ ..} تفسير : [الشورى: 17] يعني: لا وسيلةَ إلى أنْ يُعْلِمك أحد بها أبداً، لا في الحال، ولا في الاستقبال. أما {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ ..} تفسير : [المرسلات: 14] فتدل على أنه نفى أنْ يعلمه أحد قبل الآن، ومن الممكن أن نعلمه نحن. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} تفسير : [المدثر: 26-28]. وقال: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [المرسلات: 14-15]. وقال: {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ} تفسير : [الحاقة: 1-4]. وقال: {أية : ٱلْقَارِعَةُ * مَا ٱلْقَارِعَةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ} تفسير : [القارعة: 1-4]. وقال: {أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} تفسير : [البلد: 11-14]. وقال: {أية : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ} تفسير : [القارعة: 8-11]. وقال: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 17-19]. وقال: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} تفسير : [القدر: 1-3]. وهكذا في كل (وَمَا أَدْرَاكَ) تعني: أنك لم تكُنْ تعرفه من قبل، لكن سيخبرك اللهُ به، أما صيغة {وَمَا يُدْرِيكَ ..} [الأحزاب: 63] فتعني أن هذا الشيء المبهم سيظل كذلك مُبْهماً لا يطلعك الله عليه، ومن هذه الأمور وقت قيام الساعة {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} [الأحزاب: 63]. ولم يخبر الحق سبحانه عن وقتها؛ لأن الإبهام قد يكون أوضح البيان، فالله تعالى أبهم عنَّا ساعة الموت، فلا يدري أحد منا متى يموت، وهذا الإبهام جعلك تنتظره في كل لحظة من لحظات حياتك، فالحقيقة أنه بهذا الإبهام أوضحه كل الإيضاح. كذلك أبهم الله مثلاً ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان؛ لأنه سبحانه لا يريدك متعبِّداً ليلة واحدة، إنما يريدك مُتعبِّداً طوال هذه العشر لتستزيد من الثواب وتحب العبادة لذاتها لا لمجرد الثواب عليها. وكذلك أخفى الله تعالى عنا وقت الساعة، لكي نتوقعها في كل وقت، وننتظرها كل لحظة، وهذا أَدْعى للاستقامة والخوف من المعصية، ومن أدراك أنْ تقومَ الساعة وأنت على معصية الله، إذن: الإبهام هنا عَيْن البيان. وهو مقصد من مقاصد الحق سبحانه؛ ليشيع الحكم في كُلِّ زمان، وإلا لو عرف الإنسانُ أجَله لسار في الدنيا كما نقول (على حَلِّ شعره) يُعربد فيها كما يشاء، ثم يتوب قبل الموت؛ لذلك لم يجعل الله تعالى للموت سبباً، فحين لا ترى سبباً قُلْ مات لأنه يموت، وصدق مَنْ قال: والموت من دون أسباب هو السبب. ورحم الله شوقي حين قال في الموت: شعر : في الموْتِ ما أَعْيَا وفِي أسْبابِه كلُّ امْري رهن بِطيّ كِتَابه أسَد لَعْمرك مَنْ يموتُ بظُفْرهِ عِنْد اللقاء كمنْ يموتُ بنَابِه إنْ نامَ عنكَ فكُلُّ طِبٍّ نافِعٌ أَوْ لَم يَنَمْ فالطبُّ مِنْ أذْنَابِه تفسير : وكثيراً ما نرى المريض يموت بسبب حقنة أعطاها له الطبيب، أو عملية جراحية غير مُوفَّقة. وصدق مَنْ قال: شعر : سُبْحانَ مَنْ يرِثُ الطبيبَ وطِبَّه ويُرى المريضَ مصَارعَ الآسينَا تفسير : لكن مع ذلك، يجعل الله لها علامات لُطْفاً بِنا ورحمة، علاماتٍ صغرى وعلاماتٍ كبرى؛ لذلك يقول سبحانه عن الساعة: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ..} تفسير : [طه: 15]. يعني قاربْتُ أن أزيل خفاءها بالعلامات الصغرى، والعلامات الكبرى، لأنها أصبحت قريبة، وقلنا: إن الهمزة في (أخفيها) همزة إزالة يعني: أزيل خفاءها، مثل همزة (أعجم) تقول: أعجم الكتاب أي: أزال عُجْمته وإبهامه بوضع النقط على الحروف، ومنه سُمِّيتْ الكتب التي توضِّح معاني المفردات: معاجم. وقد تكون الإزالة بالتضعيف مثل (قشَّرت البرتقالة) يعني: أزلْتُ قِشْرتها. فمعنى {أية : وَمَا يُدْرِيكَ ..} تفسير : [الشورى: 17] أي: لا أحدَ سيخبرك بها ولا أنا، وكما ضَنَّ الحقُّ بعلمها على الخَلْق جميعاً فقد ضَنَّ على نبيه وحبيبه محمد، ولو كان مُخْبراً بها لأخبر نبيه، حتى ولو سِرَّا بينه وبينه، دون أن يُبلِّغ الناسَ بها، لكن أبداً لا هذه ولا هذه؛ لذلك كان سيدنا رسول الله إذا سُئِلَ عن الساعة قال: "حديث : ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلْكَافِرِينَ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم نبه سبحانه على حبيبه صلى الله عليه وسلم بما سيسأل عنه الكافرون تهكماً واستهزاءً، وأشار إلى جواب سؤالهم؛ تعليماً له صلى الله عليه وسلم وإرشاداً، فقال: {يَسْأَلُكَ} يا أكمل الرسل {ٱلنَّاسُ} الناسون عهودهم التي عهدوا مع الله في مبدأ فطرتهم {عَنِ ٱلسَّاعَةِ} التي جئت بهامن عند ربك، وأُخبرت بقيامها بوحي الله وإلهامه، كما أخبر بها سائر الرسل والأنبياء السالفة - صلوات الله عليهم - مستهزئين معك، سائلين عن تعيين وقتها وقيامها، أقريب هو أم بعيد؟ {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما اقترحوا عليك عنها: {إِنَّمَا عِلْمُهَا} أي: علم قيامها وتعيين وقتها {عِندَ ٱللَّهِ} العليم الحكيم، لا يطلع عليها أحداً من خلقه، بل هي من جملة الغيوب اليت استأثر الله بها في غيبه، بل أخبر سبحانه بوقوعها حتماً، وأبهم تعيين وقتها، فمجرد تحقق وقوعها يكفي في الخوف من أهوالها {وَ} بعدما أخبر سبحانه بوقوعها وأبهم في تعيين وقتها {مَا يُدْرِيكَ} ويطلعك أيها المخاطب تعيينها، ومن أنَّى لك أن تبعدها أو تنكر وقوعها {لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ} الموعودة {تَكُونُ} شيئاً {قَرِيباً} [الأحزاب: 63] تقع عن قريب، فأنَّى لم تتزود لها، ولم تتهيأ أسبابها أيها المغرور في الدنيا الدنية وأمتعتها الفانية ولذاتها المتناهية؟!. {إِنَّ ٱللَّهَ} المنتقم من عصاة عباده {لَعَنَ} رد وطرد عن ساحة عز قبوله {ٱلْكَافِرِينَ} المصرين على إنكار يوم الجزاء والأمور الواقعة فيه {وَأَعَدَّ لَهُمْ} قهراً عليهم وزجراً {سَعِيراً} [الأحزاب: 64] مصعراً مملوءاً من النار. {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} لا يتحولون عنها أصلاً لا بأنفسهم ولا بواسطة غيرهم من شفعائهم {لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً} يولي أمرهم وينقذهم منها {وَلاَ نَصِيراً} [الأحزاب: 65] ينصرهم ويعين عليهم لإخراجهم عنها. اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ تُقَلَّبُ} وتصرف {وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} أي: من جهة إلى جهة؛ تشديداً للعذاب عليهم {يَقُولُونَ} حينئذ متمنين متحسرين: {يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ} كما أخبر علينا الرسل والأنبياء {وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ} [الأحزاب: 66] المبعوث إلينا، المنذر عن هذه العقوبات التي تلحق بنا اليوم، فلن نُبتلى ونصيب بهذا العذاب المؤبد المخلد. {وَقَالُواْ} أيضاً: متضرعين إلى الله على سبيل التمني والتناجي: {رَبَّنَآ} يا من ربانا بأنواع الكرامات وأحسن تربتنا بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فكذبنا الكتب والرسل وأنكرنا عليهما عناداً {إِنَّآ أَطَعْنَا} يا ربنا في إنكار كتبك وتكذيب رسلك {سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا} الذين هم أصحاب الثورة والرئاسة بيننا، فحلُّ جميع أمورنا وعقدها بأيدي أولئك الرؤساء البعداء الضالين {فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} [الأحزاب: 67] السوي المستقيم الموصل إلى توحيدك وتصديق رسلك وكتبك، وأنت أعلم منا يا ربنا بأنَّا ما ضللنا إلا بإضلال أولئك الطغاة الضالين المضلين. {رَبَّنَآ آتِهِمْ} جزاء لإضلالهم وانتقاماً عنهم {ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} يعني: آتهم ضعف عذابنا، ضعفاً لضلالهم وضعفاً لإضلاله إيَّانا {وَٱلْعَنْهُمْ} واطردهم ربنا وأبعدهم عن سعة رحمتك الواسعة {لَعْناً كَبِيراً} [الأحزاب: 68] طرداً عظيماً وتبعيداً بعيداً حيث لا يُرجى نجاتهم، طرداً كثيراً متوالياً متتالياً مستمراً على التعاقب والترادف.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: يستخبرك الناس عن الساعة، استعجالا لها، وبعضهم، تكذيبًا لوقوعها، وتعجيزًا للذي أخبر بها. { قُلْ } لهم: { إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ } أي: لا يعلمها إلا اللّه، فليس لي، ولا لغيرى بها علم، ومع هذا، فلا تستبطؤوها. { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا } ومجرد مجيء الساعة، قرباً وبعدًا، ليس تحته نتيجة ولا فائدة، وإنما النتيجة والخسار، والربح، والشقا والسعادة، هل يستحق العبد العذاب، أو يستحق الثواب؟ فهذه سأخبركم بها، وأصف لكم مستحقها. فوصف مستحق العذاب، ووصف العذاب، لأن الوصف المذكور، منطبق على هؤلاء المكذبين بالساعة فقال: { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ } [أي:] الذين صار الكفر دأبهم وطريقتهم الكفر باللّه وبرسله، وبما جاءوا به من عند اللّه، فأبعدهم في الدنيا والآخرة من رحمته، وكفى بذلك عقابًا، { وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا } أي: نارًا موقدة، تسعر في أجسامهم، ويبلغ العذاب إلى أفئدتهم، ويخلدون في ذلك العذاب الشديد، فلا يخرجون منه، ولا يُفَتَّر عنهم ساعة. و { لا يَجِدُونَ وَلِيًّا } فيعطيهم ما طلبوه { وَلا نَصِيرًا } يدفع عنهم العذاب، بل قد تخلى عنهم الولي النصير، وأحاط بهم عذاب السعير، وبلغ منهم مبلغًا عظيمًا، ولهذا قال: { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ } فيذوقون حرها، ويشتد عليهم أمرها، ويتحسرون على ما أسلفوا. { يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا } فسلمنا من هذا العذاب، واستحققنا، كالمطيعين، جزيل الثواب. ولكن أمنية فات وقتها، فلم تفدهم إلا حسرة وندمًا، وهمًا، وغمًا، وألمًا. { وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا } وقلدناهم على ضلالهم، { فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا }. كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بعد إذ جاءني } تفسير : الآية. ولما علموا أنهم هم وكبراءهم مستحقون للعقاب، أرادوا أن يشتفوا ممن أضلوهم، فقالوا: { رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } فيقول اللّه لكل ضعف، فكلكم اشتركتم في الكفر والمعاصي، فتشتركون في العقاب، وإن تفاوت عذاب بعضكم على بعض بحسب تفاوت الجرم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):