٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
66
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين أنه لا شفيع لهم يدفع عنهم العذاب بين أن بعض أعضائهم أيضاً لا يدفع العذاب عن البعض بخلاف عذاب الدنيا فإن الإنسان يدفع عن وجهه الضربة إتقاء بيده فإن من يقصد رأسه ووجهه تجده يجعل يده جنة أو يطأطىء رأسه كي لا يصيب وجهه، وفي الآخرة تقلب وجوههم في النار فما ظنك بسائر أعضائهم التي تجعل جنة للوجه ووقاية له {يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَا أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ } فيتحسرون ويندمون حيث لا تغنيهم الندامة والحسرة، لحصول علمهم بأن الخلاص ليس إلا للمطيع. ثم يقولون: {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا } يعني بدل طاعة الله تعالى أطعنا السادة وبدل طاعة الرسول أطعنا الكبراء وتركنا طاعة سيد السادات وأكبر الأكابر فبدلنا الخير بالشر، فلا جرم فاتنا خير الجنان وأوتينا شر النيران، ثم إنهم يطلبون بعض التشفي بتعذيب المضلين ويقولون: {رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً } أي بسبب ضلالهم وإضلالهم وفي قوله تعالى: {ضِعْفَيْنِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كبِيراً } معنى لطيف وهو أن الدعاء لا يكون إلا عند عدم حصول الأمر المدعو به والعذاب كان حاصلاً لهم واللعن كذلك فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب بقولهم: {ضِعْفَيْنِ } وزيادة اللعن بقولهم: {لَعْناً كَبِيراً }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ} قراءة العامة بضم التاء وفتح اللام، على الفعل المجهول. وقرأ عيسى الهمداني وابن إسحاق: «نُقَلِّبُ» بنون وكسر اللام. «وُجُوهَهُمْ» نصباً. وقرأ عيسى أيضاً: «تُقَلِّبُ» بضم التاء وكسر اللام على معنى تقلب السعيرُ وجوهَهم. وهذا التقليب تغيير ألوانهم بلفح النار، فتسودّ مرة وتخضّر أخرى. وإذا بدّلت جلودهم بجلود أخر فحينئذٍ يتمنون أنهم ما كفروا {يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَآ}. ويجوز أن يكون المعنى: يقولون يوم تقلَّب وجوههم في النار يا ليتنا. {أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ } أي لم نكفر فننجو من هذا العذاب كما نجا المؤمنون. وهذه الألف تقع في الفواصل فيوقف عليها ولا يوصل بها. وكذا «السَّبِيلاَ» وقد مضى في أوّل السورة. وقرأ الحسن: «إِنَّا أَطَعْنَا سَادَاتِنَا» بكسر التاء، جمع سادة. وكان في هذا زجر عن التقليد. والسادة جمع السيد، وهو فَعَلة، مثل كتبة وفجرة. وساداتنا جمع الجمع. والسادة والكبراء بمعنًى. وقال قتادة: هم المطعمون في غزوة بدر. والأظهر العموم في القادة والرؤساء في الشرك والضلالة، أي أطعناهم في معصيتك وما دعونا إليه {فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} أي عن السبيل وهو التوحيد، فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب. والإضلال لا يتعدّى إلى مفعولين من غير توسط حرف الجر، كقوله: {أية : لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ} تفسير : [الفرقان: 29].
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يٰلَيْتَنَا } للتنبيه {لَيْتَنَا أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ }.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم تقلب وجوهم فى النار} ظرف لعدم الوجدان اى يوم تصرف وجوههم فيها من جهة الى جهة كاللحم ليشوى فى النار أو يطبخ فى القدر فيدور به الغليان من جهة الى جهة ومن حال الى حال او يطرحون فيها مقلوبين منكوسين وتخصيص الوجوه بالذكر للتعبير عن الكل وهى الجملة باشرف الاجزاء واكرمها ويقال تحول وجوههم من الحسن الى القبيح ومن حال البياض الى حال السواد {يقولون} استئناف بيانى كأنه قيل فماذا يصنعون عند ذلك فقيل يقولون متحسرين على ما فاتهم {يا ليتنا} يا هؤلاء فالمنادى محذوف ويجوز ان يكون يا لمجرد التنبيه من غير قصد الى تعيين المنبه: وبالفارسية [كاشكى ما] {اطعنا الله} فى دار الدنيا فيما امرنا ونهانا {واطعنا الرسولا} فيما دعانا الى الحق فلن نبتلى بهذا العذاب
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر ويعقوب {ساداتنا} بألف بعد الدال. الباقون بغير الف على جمع التكسير، والأول على جمع الجمع، وقرأ عاصم وابن عامر - في رواية الداحوني عن هشام {لعناً كبيراً} بالباء. بالباقون بالثاء. العامل في قوله {يوم تقلب} قوله {وأعد لهم سعيراً... يوم تقلب وجوههم} فالتقليب تصريف الشيء في الجهات، ومثله التنقيل من جهة إلى جهة فهؤلاء تقلب وجوههم في النار، لانه ابلغ في ما يصل اليهم من العذاب. وقوله {يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} حكاية ما يقول هؤلاء الكفار الذين تقلب وجوههم في النار، فانهم يقولون متمنين: يا ليتنا كنا اطعنا الله في ما امرنا به ونهانا عنه، ويا ليتنا أطعنا الرسول في ما دعانا اليه. وحكى ايضاً انهم يقولون يا {ربنا إنا أطعنا} في ما فعلنا {سادتنا وكبراءنا} والسادة جمع سيد، وهو الملك المعظم الذي يملك تدبير السواد الاعظم، ويقال للجمع الاكثر السواد الأعظم يراد به السواد المنافي لشدة البياض والضياء الأعظم {فأضلونا السبيلا} يعني هؤلاء الرؤساء اضلونا عن سبيل الحق. وقيل الآية نزلت في الاثنى عشر الذين أطعموا الكفار يوم بدر من قريش. ثم حكى انهم يقولون {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} لضلالهم في نفوسهم وإضلالهم إيانا. وقيل معناه عذاب الدنيا والآخرة {والعنهم لعناً كثيراً} أي مرة بعد اخرى. ومن قرأ بالباء اراد اللعن الذي هو اكبر من لعن الفاسق، لان لعنة الكافر أعظم. ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} أي لا تؤذوا نبيكم مثل ما اوذي موسى يعني آذاه قومه بعيب اضافوه اليه لم يقم حجة بتعييبه. وقيل: إن الآية نزلت في المنافقين عابوا النبي محمد صلى الله عليه وآله باصطفائه صفيه بنت حي، فنهاهم الله عن ذلك. واختلف المفسرون في العيب الذي اضافه قوم موسى اليه. فقال قوم: انهم آذوا موسى بأن اشاعوا أن هارون قتله موسى فأحياه الله - عز وجل - حتى أخبرهم ان موسى لم يقتله وأن الله تعالى هو الذي اماته عند انقضاء أجله، وهو معنى قوله {فبرأه الله مما قالوا} وقيل: انهم قالوا: إنه ابرص. وقيل: انهم اضافوه إلى انه ادر الخصيتين، فبرأه الله من ذلك، واجاز البلخي حديث الصخرة التي ترك موسى ثيابه عليها على ان يكون ذلك معجزاً له. وقال قوم: ذلك لا يجوز لأن فيه اشتهار النبي وابداء سوأته على رؤس الأشهاد. وذلك ينفر عنه، فبرأه الله من ذلك. وقوله {وكان عند الله وجيهاً} أي عظيم القدر، رفيع المنزلة إذا سأل الله تعالى شيئاً أعطاه. وأثبت الألف في قوله {الرسولا.... والسبيلا} لأجل الفواصل في رؤس الآي تشبيهاً بالقوافي.
اطفيش
تفسير : {يوم} متعلق بقوله {لا يجدون} او بنصيرا او بيقولون بعده او بمحذوف نعت نصيرا او نعت نصيرا ووليا او بمحذوف خبر لمحذوف اين ذلك يوم او مفعول لا ذكر. {تقلب وجوههم في النار} وقرىء {تقلب} بفتح التاء اي تتقلب فحذفت احدى التائين وقرىء {تقلب} بضمها وكسر اللام ونصب الوجوه على ان الفاعل ضمير السعير وقرىء {نقلب} بالنون ونصب الوجوه والمراد بالوجوه نفس الوجه واقتصر عليه مع ان كل الجسم يقلب لانه اعز عضو فتقليبه اشد اهانة وعذابا ومستلزم لتقليب الجسد ويجوز ان يراد بالوجوه الاجساد تعبيرا بالبعض الأعز عن الكل ومعنى تقليبها تصريفها من جهة الى جهة كلحم يشوى في النار او كما ترى الضعة تدور في القدر اذا غلت او تغييرها عن حالها الأول او عن حال الى حال الى ما لا نهاية له لا اله الا الله اعاذنا الله من ذلك او طرحها في النار مقلوبة منكوسة او يقلب ظهر لبطن. {يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} في الدنيا فلا يصيبنا هذا العذاب وذلك يقوله الاشراف والابتاع.
اطفيش
تفسير : {يَوم تُقلَّبُ وجُوهُهم في النَّار} يوم متعلق بيجدون لصحة معنى قولك: وجود ولى ونصير، يوم تقلب منتف، فلا حاجة الى تعليقه بلا لتضمنه معنى الانتفاء، كأنه قيل انتفى يوم تقلب إلخ وجود ولى ونصير، ولا الى نصبه على أنه مفعول لا ذكر، ومعنى تقلب وجوههم فى النار تصريفها من جهة الى جهة، كلحم يشوى يحرك فى النار من كل جهاته، وكلحم يطبخ يصرفه الغليان أو تغير وجوههم فى النار الى الأحوال القبيحة، أو تلقى فى النار منكوسة، وإذا وقع ذلك للوجوه، وهى أعز فأولى بسائر الجسد أو الوجوه عبارة عن الكل {يقُولُون} حال من الهاء أو من الوجوه بمعنى الأجساد، أو على ظاهره، فيكون من إسناد ما للكل الى الجزء، أو مستأنف {يا ليْتنا أطعْنا الله وأطعْنا الرسُولا} فننجو من النار، وهذا قول منهم يتجدد.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ } ظرف لعدم الوجدان، وقيل لخالدين، وقيل لنصير، وقيل مفعول لا ذكر أي يوم تصرف وجوههم فيها من جهة إلى جهة كاللحم يشوى في النار أو يطبخ في القدر فيدور به الغليان من جهة إلى جهة أو يوم تتغير وجوههم من حال إلى حال فتتوارد عليها الهيئات القبيحة من شدة الأهوال أو يوم يلقون في النار مقلوبين منكوسين، وتخصيص الوجوه بالذكر لما أنها أكرم الأعضاء ففيه مزيد تفظيع للأمر وتهويل للخطب، ويجوز أن تكون عبارة عن كل الجسد. وقرأ الحسن وعيسى وأبو جعفر الرواسي {تَقَلُّبُ } بفتح التاء والأصل تتقلب فحذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن أبـي عبلة بهما على الأصل، وحكى ابن خالويه عن أبـي حيوة أنه قرأ {تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ } بإسناد الفعل إلى ضمير العظمة ونصب {وُجُوهُهُمْ } على المفعولية. وقرأ عيسى الكوفة {تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ } بإسناد الفعل إلى ضمير السعير اتساعاً ونصب الوجوه. {يَقُولُونَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية حالهم الفظيعة كأنه قيل: فماذا يصنعون عند ذلك؟ فقيل: يقولون متحسرين على ما فاتهم {يٰلَيْتَنَا أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ } فلا نبتلى بهذا العذاب أو حال من ضمير {وُجُوهُهُمْ } أو من نفسها. وجوز أن يكون هو الناصب ليوم.
ابن عاشور
تفسير : {يوم} ظرف يجوز أن يتعلق بــــ {أية : لا يجدون}تفسير : [الأحزاب: 65] أي إن وجدوا أولياء ونصراء في الدنيا من يهود قريظة وخيبر في يوم الأحزاب فيوم تقلب وجوههم في النار لا يجدون ولياً يَرثي لهم ولا نصيراً يُخلصهم. وتكون جملة {يقولون} حالاً من ضمير {يقولون}. ويجوز أن يتعلق الظرف بفعلِ {يقولون} على أن تكون جملة {يقولون} حالاً من ضمير {لا يجدون}. ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف تقديره: اذكر، على طريقة نظائره من ظروف كثيرة واردة في القرآن، وتكون جملة {يقولون} حالاً من الضمير في {وجوههم}. والتقليب: شدة القَلْب. والقلب: تغيير وضع الشيء على جهة غير الجهة التي كان عليها. والمعنى: يوم تُقلب ملائكة العذاب وجوههم في النار بغير اختيار منهم، أو يجعل الله ذلك التقلّب في وجوههم لتنال النار جميع الوجه كما يقلّب الشواء على المَشْوَى لينضج على سواء، ولو كان لفح النار مقتصراً على أحد جانبي الوجه لكان للجانب الآخر بعض الراحة. وتخصيص الوجوه بالذكر من بين سائر الأعضاء لأن حَرَّ النار يؤذي الوجوه أشد مما يؤذي بقية الجلد لأن الوجوه مقرّ الحواس الرقيقة: العيون والأفواه والآذان والمنافس كقوله تعالى: {أية : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة} تفسير : [الزمر:24]. وحرف {يا} في قوله: {يا ليتنا} للتنبيه لقصد إسماع من يرثي لحالهم مثل {أية : يا حسرتنا} تفسير : [الأنعام:31]. والتمني هنا كناية عن التندم على ما فات، وكذلك نحو {يا حسرتنا} أي أن الحسرة غير مجدية. وقد علموا يومئذٍ أن ما كان يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم هو تبليغ عن مراد الله منهم وأنهم إذ عصوه فقد عصوا الله تعالى فتمنوا يومئذٍ أن لا يكونوا عصوا الرسول المبلغ عن الله تعالى. والألف في آخر قوله: {الرسولا} لرعاية الفواصل التي بُنِيَت عليها السورة فإنها بنيت على فاصلة الألف وهي ألف الإِطلاق إجراء للفواصل مجرى القوافي التي تلحقها ألف الإِطلاق. وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: {أية : وتظنون بالله الظنونا} تفسير : [10] في هذه السورة، وتقدمت وجوه القراءات في إثباتها في الوصل أو حذفها.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰلَيْتَنَآ} {ٱلرَّسُولاَ} (66) - وَهُمْ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً يَنْصُرُهُم، وَيُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، حِين تُقَلَّبُ وُجُوهُهُم فِي النَّارِ مِنْ جَانِبٍ إِلى جَانِبٍ آخَرَ، كَمَا يُقَلَّبُ اللَّحْمُ فَوْقَ النَّارِ، وَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ مُتَحَسِّرِينَ: يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا جَاءَنا بهِ في حَيَاتنا الدُّنْيا، مِنْ دَعْوةٍ إِلى اللهِ، وَتَحْذِيرٍ مِنْ عَذَابِهِ، وَلَوْ أَنّنا أَطْعْنا اللهَ وَرَسُولَهُ لَمَا كُنّا اليَوْمَ نَتَقَلَّبُ في نَارِ جَهَنَّمَ، وَلا نَجِدُ لَنَا مَنْ يُنْقِذُنَا مِنْ بَأْسِ اللهِ، وَلاَ مَنْ يُجِيرُنا مِنْ عَذَابِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن ذكر الحق سبحانه الأبدية التي ستكون للكفار في النار يذكر وَصْفاً للحالة التي سيكونون عليها في النار {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ ..} [الأحزاب: 66] التقليب معناه تغيير الأمر وتصريفه من حال إلى حال، ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} تفسير : [آل عمران: 196-197]. يعني: أسفارهم ونشاطهم في حركة التجارة بين الشام واليمن، وما يترتب على هذه الحركة من أموال وثروات. فقوله: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ ..} [الأحزاب: 66] أي: تقلِّبهم الملائكة، فكلما نضج جانب قلبوهم على الجانب الآخر كما تُقلِّب نحن (سيخ الكباب) على النار لتستوعبه كله، فيتم نُضْجه. وخَصَّ الوجه، لأنه سِمَة الإعلام بالشخص، وأشرفُ أعضائه وأكرمها، ومنه أُخذت الوجَاهة والوجيه، وكلها تدل على الشرف، ونظراً لأنه أشرف الجوارح، فالجوارح كلها تحميه وتدافع عنه، وسبق أنْ قُلْنا: لو أن سيارة أسرعتْ بجوارك، ولطختْ ثيابك ووجهك بالوحل مثلاً، ماذا تفعل؟ أولاً: تنشغل بوجهك وتزيل ما أصابه من أذىً، ثم تلتفت إلى ثيابك. ولتعلم أهمية الوجه ومنزلته، اقرأ قوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ..} تفسير : [الزمر: 24] فمِنْ شِدَّة العذاب يتقيه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه. أو: أن معنى التقليب من عذاب إلى عذاب، وقد أعطانا الحق سبحانه صوراً متعددة لوجوه الكافرين في النار، والعياذ بالله، فقال مَرَّةً: {أية : تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ..} تفسير : [الزمر: 60]. وقال: {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ} تفسير : [عبس: 40-42]. وقال: {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 24-25]. فالوجه هنا لا يأخذ صورة واحدة، إنما يأخذ ألواناً متعددة وأحوالاً شتى، تدلُّ على تنوع ما يتعرضون له من العذاب والإيلام، والوجه هو الدليل الأول على صاحبه، والمترجم عَمَّا بداخِله، فحين يتغير لك صاحبك مثلاً تلحظ ذلك على وجهه، فتقول: ما لك تغيَّر وجهك من ناحيتي؟ أو لماذا تقلَّب وجهُكَ عني؟ وهؤلاء حالَ تقلُّب وجوههم في النار، يقولون: {يٰلَيْتَنَآ أَطَعْنَا ٱللَّهَ وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ} [الأحزاب: 66] وهم الذين كانوا بالأمس يُؤذون الله، ويؤذون الرسول، ويؤذون المؤمنين. كلمة {يٰلَيْتَنَآ ..} [الأحزاب: 66] كلمة تمنُّ، وهو لَوْن من الطلب تتعلق به النفس وتريده، لكن هيهات، فهو عادةً يأتي في المُحَال، وفي غير الممكن، كما جاء في قول الشاعر: شعر : ألاَ ليْتَ الشباب يَعُودُ يَوْماً فَأُخبرهُ بما فَعل المشِيبُ تفسير : وقول الآخر: شعر : لَيْتَ الكَواكِب تَدْنُو لِي فَأَنظِمُهَا عُقُودَ مَدْحٍ فَمَا أَرْضَى لكُمْ كَلمى تفسير : فالشباب لا يعود، والكواكب لا تدنو لأحد، لكنها أُمنية النفس، كذلك هؤلاء يتمنَّوْنَ أنْ لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا رسول الله، لكن هيهات أنْ يُجْدِي ذلك، فقد فات الأوان. ثم يذكر الحق سبحانه المقابل، فهم ما أطاعوا الله وما أطاعوا رسول الله، لكن حجتهم: {وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):