٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
67
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ } أي الأتباع منهم {رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا } وفي قراءة «ساداتِنا» جمع الجمع {وَكُبَرآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } طريق الهدى.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَادَتَنَا} الرؤساء، أو الأمراء، أو الأشراف {وَكُبَرَآءَنَا} العلماء أو ذوو الأسنان مأثور {السَّبِيلاْ} طريق الإيمان و {الرَّسُولاْ} و {السَّبِيلاْ} مخاطبة يجوز ذلك فيها عند العرب، أو لفواصل الآي. قيل نزلت في المطعمين يوم بدر وهم اثنا عشر رجلاً من قريش.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} أي رؤوسنا في الشر والشرك {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} يعني بذلك جهنم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {سادتنا وكبراءنا} قال: منهم أبو جهل بن هشام.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا} اى الاتباع عطف على يقولون والعدول الى صيغة الماضى للاشعار بان قولهم هذا ليس مسببا لقولهم السابق بل هو ضرب اعتذار ارادوا به ضربا من التشفى بمضاعفة عذاب الذين القوهم فى تلك الورطة وان علموا عدم قبوله فى حق خلاصهم منها {ربنا} [اى بروردكارما] {انا اطعنا سادتنا وكبراءنا} يعنون قادتهم ورؤساءهم الذين لقنوهم الكفر والتعبير عنهم بعنوان السيادة والكبر لتقوية الاعتذار والا فهم فى مقام التحقير والاهانة. والسادة جمع سيد وجمع الجمع سادات وقد قرئ بها للدلالة على الكثرة. قال فى الوسيط وسادة احسن لان العرب لا تكاد تقول سادات. والكبراء جمع كبير وهو مقابل الصغير والمراد الكبير رتبة وحالا {فاضلونا السبيلا} اى صرفونا عن طريق الاسلام والتوحيد بما زينوا لنا الكفر والشرك يقال اضله الطريق واضله عن الطريق بمعنى واحد اى اخطأ به عنه: وبالفارسية [بس كم كردند راه مارا يعنى مارا ازراه ببردند وبافسون وافسانه فريب دادند] والالف الزائدة فى الرسولا والسبيلا لاطلاق الصوت لان اواخر آيات السورة الالف والعرب تحفظ هذا فى خطبها واشعارها. قال فى بحر العلوم قرأ ابن كثير وابو عمرو وحمزة وحفص والكسائى {واطعنا الرسول فاضلونا السبيل} بغير الف فى الوصل. وحمزة وابو عمرو ويعقوب فى الوقف ايضا والباقون بالالف فى الحالين تشبيها للفواصل بالقوافى فان زيادة الالف لاطلاق الصوت وفائدتها الوقف والدلالة على ان الكلام قد انقطع وان ما بعده مستأنف واما حذفها فهو القياس اى فى الوصف والوقف
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا} وقرئ ساداتنا على جمع الجمع {وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} قرئ الرّسول والسّبيل بالالف للوقف على الفتح بالالف واجراء الوصل على حال الوقف.
الهواري
تفسير : {وَقَالُوا رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا} وهي تقرأ على وجه آخر: {سَادَتِنَا} والسادة جماعة واحدة، والسادات جماعة الجماعة. {وَكُبَرَآءَنَا} أي: في الضلالة {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ}. {رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}. وكل شيء في القرآن يذكر فيه شيء من كلام أهل النار فهو قبل أن يقول الله لهم: (أية : اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ) تفسير : [المؤمنون: 108]. وقد فسّرنا متى يقال لهم ذلك في غير هذا الموضع. قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهاً}. ذكروا عن أنس بن مالك أنه قال: كانت بنو إسرائيل تقول: إن النبي موسى كان آدر. قال: وكان موسى إذا دخل الماء ليغتسل وضع ثوبه على صخرة. قال: فدخل يوماً الماء فوضع ثوبه على صخرة فتدهدهت، فخرج يتبعها ويقول: ثوبي، ثوبي. فمر بملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً فبرأه الله مما قالوا. {وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهاً} أي: بالرسالة والطاعة. وقد قال بعض أهل التأويل في قوله: {ءَاذَوْا مُوسَى} إنما آذوه بالتكذيب والجحود لما جاء به. وهذا أحب الأقاويل إلى الفقهاء.
اطفيش
تفسير : {وقالوا} اي الاتباع بقرينة السياق. {ربنا إنا أطعنا سادتنا} جمع سيد وقرأ ابن عامر {ساداتنا} بالف وتاء مكسورة فهو جمع الجمع الذي هو سادة كذا قرأ يعقوب وذلك تكثير لجماعات السادة. {وكبراءنا} جمع كبير وهم السادة فذلك عطف صفة على اخرى لموصوف واحد لو ارادوا الكبراء غير من ارادوا بالسادة والمراد اطعناهم في الكفر زينوه لنا ودعونا اليه. {فأضلونا السبيلا} سبيل الحق الذي هو لا سبيل في الحقيقة الا هو وهو مفعول ثاني لان ضل بدون همزته يتعدى الواحد فمعها يتعدى لاثنين يقال ضل الكافر السبيل وأضله الشيطان السبيل ويجوز ان يكون منصوب الثلاثي على تقدير الخافض فكذا في ذي الهمزة اي اضلونا عن السبيل والف الرسولا والسبيلا لاطلاق الصوت اشباعا لموافقة رؤوس الابي التي يوقف عليها بألف لا باسكان وقيل الالفان بدل من النون وفواصل الآي كفوا في الشعر وفائدتها الوقف والدلالة على انقطاع نوع من الكلام.
اطفيش
تفسير : {وقالُوا} تارة لا قولا مستمرا، ولذلك ولتحقق الوقوع كان بصيغة الماضى، وذلك للتشفى من كبرائهم وساداتهم الموقعين لهم فى هذا المورد الوخيم لا لرجاء الخلاص، ألا ترى الى قولهم: "أية : ربنا آتهم ضِعْفين من العذاب" تفسير : [الأحزاب: 68] {ربَّنا إنا أطعْنا سَادتَنا} أمراءَنا وملوكنا المتولين لأمر العامة {وكبراءنا} رؤساءنا الذين دونهم، الذين أخذنا عنهم فنون المعاصى والاشراك، وذلك مقابلة لقولهم: "أية : يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا" تفسير : [الأحزاب: 66] قابلوا الله عز وجل بساداتهم، والرسول بكبرئهم، وذكروهم فى مقام الهوان والتحقير بالسيادة والرياسة، الواقعين فى الدنيا تقوية للاعتذار بأنهم قادرون علينا، يصرفوننا حيث أرادوا، والآية فى أهل الشرك، وفيها زجر لأهل التوحيد عن طاعة أميرهم فى المعصية فعن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فاذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". تفسير : وروى أنه صلى الله عليه وسلم أمَّر رجلا على جيش وغضب عليهم، فأوقد نارا فقال: ادخلوها، فأراد بعض ان يدخلها، وقال بعض: لا إنما فررنا منها، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا لا طاعة لمخلوق فى معصية الله إنما الطاعة فى المعروف ". تفسير : وعن أيوب بن خالد عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيكون عليكم بعدى أمراء يعملون ما ينكرون ويأمرونكم بما لا يعلمون أولئك لا طاعة لهم"تفسير : وروى: "حديث : لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق" تفسير : وعن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رأى شيئا يكرهه فليصبر فانه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات موتة جاهلية"تفسير : والمعنى يصبر ولا يطيعه فى المعصية، وينهاه إن قدر وإلا جاز له المقام معه، ولا يعينه، وإن كان قتاله يجر الى شر من ذلك، فلا يقاتله. وقدموا ذكر السادات لأنهم أقوى، والمالكون على الكبراء، وذلك أولى من أن يقال هم نوع واحد، يقال لهم: سادات وكبراء، أو متصفون بالسيادة والكبر، السادة جمع سيد شذوذاً، لأن فعيلا لا يجمع على فعلة، فأصل سيد سويد، قلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء، وأصل سادة سودة بفتح الواو قلبت ألفا لتحركها بعد فتح، وإن كان جمعا لسائد المقدر فشاذ أيضا، لأن فعلة لا يكون جمعا لفاعل المعل، أو سادة اسم جمع. {فأضلُّونا} صيرونا بوسوستهم بالكفر ضالين عن اتباع السبيل الحق، سبيل الله ورسوله كما قال: {السَّبيلا} الواضح والف الرسولا والسبيلا للاطلاق، والوقف عليها لا بحذفها، واسكان ما قبلها على الصحيح، وانما عدى لاثنين لتضمنه معنى صيرونا مخالفين السبيل، وهذا أولى من ادعاء أن السبيل منصوب على نزع عن.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ } عطف على {أية : يَقُولُونَ} تفسير : [الأحزاب: 66] والعدول إلى صيغة الماضي للإشعار بأن قولهم هذا ليس مستمراً كقولهم السابق بل هو ضرب اعتذار أرادوا به ضرباً من التشفي بمضاعفة عذاب الذين أوردوهم هذا المورد الوخيم وألقوهم في ذلك العذاب الأليم وإن علموا عدم قبوله في حق خلاصهم بما هم فيه. {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا } أي ملوكنا وولاتنا الذين يتولون تدبير السواد الأعظم منا {وَكُبَرَاءنَا } أي رؤساءنا الذين أخذنا عنهم فنون الشر وكان هذا في مقابلة ما تمنوه من إطاعة الله تعالى وإطاعة الرسول فالسادة والكبراء متغايران، والتعبير عنهما بعنوان السيادة والكبر لتقوية الاعتذار وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة. وقدموا في ذلك إطاعة السادة لما أنه كان لهم قوة البطش بهم لو لم يطيعوهم فكان ذلك أحق بالتقديم في مقام الاعتذار وطلب التشفي، وقيل: باتحاد السادة والكبراء والعطف على حد العطف في قوله:شعر : وألفي قولها كذباً ومينا تفسير : والمراد بهم العلماء الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم، وعن قتادة رؤساؤهم في الشر والشرك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والسلمي وابن عامر والعامة في الجامع بالبصرة {ساداتنا} على جمع الجمع وهو شاذ كبيوتات، وفيه على ما قيل دلالة على الكثرة، ثم إن كون سادة جمعاً هو المشهور، وقيل: اسم جمع فإن كان جمعاً لسيد فهو شاذ أيضاً فقد نصوا على شذوذ فعلة في جمع فعيل وإن كان جمعاً لمفرد مقدر وهو سائد كان ككافر وكفرة لكنه شاذ أيضاً لأن فاعلاً لا يجمع على فعلة إلا في الصحيح. {فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } أي جعلونا ضالين / عن الطريق الحق بما دعونا إليه وزينوه لنا من الأباطيل، والألف للإطلاق كما في {أية : وَأَطَعْنَا ٱلرَّسُولاَ }تفسير : [الأحزاب: 66].
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : يقولون} تفسير : [الأحزاب: 66] فهي حال. وجيء بها في صيغة الماضي لأن هذا القول كان متقدماً على قولهم: {أية : يا ليتنا أطعنا الله}تفسير : [الأحزاب: 66]، فذلك التمني نشأ لهم وقت أن مسّهم العذاب، وهذا التنصل والدعاء اعتذروا به حين مشاهدة العذاب وحشرهم مع رؤسائهم إلى جهنم، قال تعالى: {أية : حتى إذا ادَّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون}تفسير : [الأعراف: 38]. فدل على أن ذلك قبل أن يمسهم العذاب بل حين رُصفوا ونسقوا قبل أن يصبّ عليهم العذاب ويطلق إليهم حرّ النار. والابتداء بالنداء ووصف الربوبية إظهار للتضرع والابتهال. والسادة: جمع سَيِّد. قال أبو علي: وزنه فَعَلة، أي مثل كَمَلة لكن على غير قياس لأن صيغة فَعَلَة تطَّرد في جمع فاعل لا في جمع فَيْعِل، فقلبت الواو ألفاً لانفتاحها وانفتاح ما قبلها. وأما السادات فهو جمع الجمع بزيادة ألف وتاء بزنة جمع المؤنث السالم. والسادة: عظماء القوم والقبائل مثل الملوك. وقرأ الجمهور {سادتنا}. وقرأ ابن عامر ويعقوب {ساداتِنا} بألف بعد الدال وبكسر التاء لأنه جمع بألف وتاء مزيدتين على بناء مفرده. وهو جمع الجمع الذي هو سادة. والكبراء: جمع كبير وهو عظيم العشيرة، وهم دون السادة فإن كبيراً يطلق على رأس العائلة فيقول المرء لأبيه: كبيري، ولذلك قوبل قولهم: {أية : يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} تفسير : [الأحزاب: 66] بقولهم: {أطعنا سادتنا وكبراءنا}. وجملة {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} خبر مستعمل في الشكايةوالتذمر، وهو تمهيد لطلب الانتصاف من سادتهم وكبرائهم. فالمقصود الإِفضاء إلى جملة {ربنا آتهم ضعفين من العذاب}. ومقصود من هذا الخبر أيضاً الاعتذار والتنصل من تَبِعة ضلالهم بأنهم مغرورون مخدوعون، وهذا الاعتذار مردود عليهم بما أنطقهم الله به من الحقيقة إذ قالوا: {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} فيتجه عليهم أن يقال لهم: لماذا أطعتموهم حتى يغروكم، وهذا شأن الدهماء أن يسوِّدوا عليهم من يُعجبون بأضغاث أحلامه، ويُغَرُّون بمعسول كلامه، ويسيرون على وقع أقدامه، حتى إذا اجتنوا ثمار أكمامه، وذاقوا مراراة طعمه وحرارة أُوامه، عادوا عليه باللائمة وهم الأحقاء بملامه. وحرف التوكيد لمجرد الاهتمام لا لرد إنكار، وتقديم قولهم: {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} اهتمام بما فيه من تعليل لمضمون قولهم: {فأضلونا السبيلا} لأن كبراءهم ما تأتَّى لهم إضلالهم إلا بتسبب طاعتهم العمياء إياهم واشتغالهم بطاعتهم عن النظروالاستدلال فيما يدعونهم إليه من فساد ووخامة مغبّة. وبتسبب وضعهم أقوالَ سادتهم وكبرائهم موضع الترجيح على ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم. وانتصب {السبيلا} على نزع الخافض لأن أضل لا يتعدّى بالهمزة إلا أن مفعول واحد قال تعالى: {أية : لقد أضلني عن الذكر} تفسير : [الفرقان: 29]. وظاهر "الكشاف" أنه يتعدّى إلى مفعولين، فيكون (ضل) المجرد يتعدى إلى مفعول واحد. تقول: ضللت الطريق، و(ضل) يتعدى بالهمزة إلى مفعولين. وقاله ابن عطية. والقول في ألف {السبيلا} كالقول في ألف {أية : الرسولا} تفسير : [الأحزاب: 66]. وإعادة النداء في قولهم: {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} تأكيد للضراعة والابتهال وتمهيد لقبول سؤلهم حتى إذا قبل سؤلهم طمعوا في التخلص من العذاب الذي ألقوهُ على كاهل كبرائهم. والضِعف بكسر الضاد: العدد المماثل للمعدود، فالأربعة ضعف الاثنين. ولما كان العذاب معنى من المعاني لا ذاتاً كان معنى تكرير العدد فيه مجازاً في القوة والشدة. وتثنية {ضعفين} مستعملة في مطلق التكرير كناية عن شدة العذاب كقوله تعالى: {أية : ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير} تفسير : [الملك: 4] فإن البصر لا يخسَأ في نظرتين، ولذلك كان قوله هنا: {آتهم ضعفين من العذاب} مساوياً لقوله: {أية : فآتهم عذاباً ضعفاً من النار} تفسير : في سورة الأعراف [38]. وهذا تعريض بإلقاء تبعة الضلال عليهم، وأن العذاب الذي أعدّ لهم يسلط على أولئك الذين أضلّوهم. ووُصف اللعن بالكثرة كما وصف العذاب بالضعفين إشارة إلى أن الكبراء استحقوا عذاباً لكفرهم وعذاباً لتسببهم في كفر أتباعهم. فالمراد بالكثير الشديد القوي، فعبر عنه بالكثير لمشاكلة معنى التثنية في قوله: {ضعفين} المراد به الكثرة. وقد ذكر في الأعراف جوابهم من قِبل الجلالة بقوله: {أية : قال لكل ضعف} تفسير : [الأعراف: 38] يعني أن الكبراء استحقوا مضاعفة العذاب لضلالهم وإضلالهم وأن أتباعهم أيضاً استحقوا مضاعفة العذاب لضلالهم ولتسويد سادتهم وطاعتهم العمياء إياهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّبِيلاْ} (67) - وَقَالَ الكَافِرُونَ، وَهُمْ يُقَاسُونَ شِدَّةَ العَذَابِ في نَارِ جَهَنَّمَ: رَبَّنا إِننا أَطَعْنا أَئِمَّتَنا في الضَّلاَلةِ، وَكُبَرَاءَنا، وَأَشْرافَ قَوْمِنا، فَجَعَلُونا نَضِلُّ طَرِيقَ الهُدَى وَالحَقِّ الذِي يُؤَدِّي إلى الإِيمَانِ بِكَ وَإِلَى الإِقْرَارِ بِوحْدَانِيِّتِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : السادة: جمع السيد، وهو الآمر المنفِّذ على غيره، ولا يغير عليه أحد، والكبراء: هم الذين يأخذون منازل في قومهم، على قَدْر ما يُؤدُّون لهم من خدمات، فسيد القوم أو كبير القوم لا يتبوَّأ هذه المنزلة من فراغ، إنما من مواهب وإمكانات تؤهله لهذه المنزلة؛ لذلك لا يجد غضاضة في أنْ يقول له الناس: يا سيدي. لأنه دفع ثمن هذه السيادة وهذا هو السيد الحقيقي. وقد تُؤْخَذ السيادة بالقوة والجبروت والقهر، دون أن يُقدِّم السيدُ شيئاً يَسُودُ به قومه، وهذا تلصُّص على السيادة يبغضه الناس؛ لذلك فإن الشرع الإسلامي لم يغفل هذه السيادة الحقيقية، ولم يغفل وجاهة الناس ومنزلتهم، فقيَّم ذلك كله مالياً في شركة سماها شركة الوجوه، فرأس مالي في الشركة أموال، ورأس مالك وجاهتك ومحبة الناس لك ومنزلتك في المجتمع. والناس يُحبُّون هذه السيادة الحقَّة التي أخذها صاحبها بحقها؛ يحبونها لأنهم ينالون خيرها، وينتفعون بها على خلاف السيادة المسروقة التي أخذها صاحبها عُنْوةً، فهم لا يستفيدون منها بشيء، بل هي سيادة تضرُّهم، وتأكل خيراتهم. لذلك قلنا في العبودية: إنها كلمة نكرهها، إنْ كانت عبودية بشر لبشر؛ لأنها عبودية تعطى خير العبد لسيده، إنما العِزّ كله في أنْ تكون العبودية لله تعالى، حيث يأخذ العبد خَيْر سيده. وتأمل كيف كانت العبودية شرفاً وتكريماً لسيدنا رسول الله حينما خاطبه ربه بقوله: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ..} تفسير : [الإسراء: 1] فعبودية محمد لله هي التي أوصلته إلى هذه المنزلة التي لم يصل إليها بشر سواه. وصدق الشاعر حين قال: شعر : حَسْبُ نَفْسِي عِزًّا بأنِّي عَبْدٌ يَحْتفِي بِي بلاَ مَواعِيدَ رَبُّ هُوَ فِي قُدسِهِ الأعَزِّ وَلكِنْ أَنَا ألْقَى مَتَى وأيْنَ أُحِبُّ تفسير : فإنْ أردْتَ أنْ تقابل ربك، فالأمر في يدك، فأنت تحدد مكان المقابلة وزمانها وموضوعها، في الشارع، في البيت، في العمل، في المسجد مجرد أنْ تتوضأ وتقول: الله أكبر تصبح في حضرة ربك، ثم أنت الذي تُنهي المقابلة إنْ شئتَ، وربك عز وجل لا يملُّ حتى تملُّوا. فأيُّ عِزٍّ فوق هذا؟ في حين أنك إنْ أردتَ أنْ تقابل رئيساً مثلاً أو وزيراً فَدُون هذا اللقاء عقبات ومصاعب، وليس لك من أمر هذا اللقاء شيء، فهو الذي يحدد لك الزمان والمكان، حتى ما تقوله، وهو الذي يُنهي المقابلة. أنت في عبوديتك لله تعالى، ربُّك هو الذي يطلبك لحضرته، ويغضب إنْ دعاك ولم تُجِبْ، فنِعْم الرب ربُّك، ونِعمتْ العبوديةُ عبوديتُك له سبحانه. وهنا يُلْقى الكفار باللائمة على سادتهم وكبرائهم {إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} [الأحزاب: 67] ويريدون الانتقام منهم، وأنْ يُنفِّسوا عن أنفسهم بأنْ يروهم في العذاب جزاءَ ما أوقعوهم في الشرك، وزيَّنوا لهم المعصية. فيقولون: {رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} [الأحزاب: 68] أي عذاب مضاعف؛ لأن ضلالهم كان كذلك مُضَاعفاً، فقد ضَلُّوا في أنفسهم، وأضلُّوا غيرهم. وفي موضع آخر يحكى لنا القرآن قول الكافرين يوم القيامة: {أية : رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} تفسير : [فصلت: 29]. وفي آيات كثيرة يحكى لنا القرآن حوارات تدور بين الكافرين، يُلْقى كل منهم التهمة على الآخر، كما حكى عن إبليس قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [إبراهيم: 22]. ولم يكتفوا بمضاعفة العذاب لسادتهم، إنما طلبوا لهم اللعن، واللعن الكبير {وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} [الأحزاب: 68] فاللعن لأنهم ضلُّوا في ذواتهم، وينبغي أن يكون كبيراً؛ لأنهم أضلوا غيرهم. ونلحظ هنا أن كل نداء للرب - تبارك وتعالى - يأتي دائماً بغير أداة النداء، لماذا؟ قالوا: لأن النداء له أدوات تختلف باختلاف المسافة بينك وبين المنادى، والنداء طلب الإقبال، فإنْ كان المنادى بجوارك تقول: محمد افعل كذا، فإنْ كان بعيداً عنك تقول: أمحمدُ. والأبعد منه: يا محمد. والأبعد: أيا محمد. وهذه الأدوات مبنية على مَدِّ الصوت بحسب المسافة. إذن: ماذا تقول حين تنادي ربك وإنْ لم تكُنْ أنت قريباً من الله، فالله قريب منك؟ لا تستخدم أداة النداء لا للقريب ولا للبعيد، لذلك ورد في القرآن لفظ (ربّ) منادى في خمس وستين آية بدون أداة نداء، أولها قول سيدنا إبراهيم - عليه السلام -: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ..} تفسير : [البقرة: 126]. إلى قول نوح - عليه السلام -: {أية : رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ..} تفسير : [نوح: 28]. ويكفي في هذا القُرْب قول الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق: 16]. لذلك لما سُئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريبٌ ربُّنا فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ..} تفسير : [البقرة: 186]. إذن: فالله تعالى قريب منا بالفعل، وإنْ حدث بعد فمنك أنت، وأكثر ما يكون العبد قُرْباً من الله حين يكون مضطراً، حتى إنْ كان بعيداً عن الله قبل الاضطرار. وفي آيتين فقط من كتاب الله نُودي الربُّ - تبارك وتعالى - بأداة النداء (يَا) الأولى: {أية : وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 30]. والأخرى: {أية : وَقِيلِهِ يٰرَبِّ ..} تفسير : [الزخرف: 88]. وهذان الموضعان حكاية عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فلماذا لم تأت أداة النداء إلا من محمد صلى الله عليه وسلم في نداء ربه؟ قالوا: لأن سيدنا رسول الله كان شديد الحرص على هداية قومه ونُصْرة دعوته، حتى خاطبه ربه بقوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. وقد مَرَّ رسول الله بمواقف صعبة لدرجة جعلَتْه يستبطئ نصر الله، فالله تعالى أنزل عليه: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} تفسير : [غافر: 51] ومع ذلك زلزل رسول الله والذين آمنوا معه كما قال سبحانه: {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 214] فخاف صلى الله عليه وسلم أن يكون بعُد عن ربه، وهذا البُعْد ما هو إلا مظنّة من رسول الله، أو اتهام للنفس. فلما ذهب صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويشتكي إليه أنَّ قومه هجروا القرآن نادى ربه من منزلة البعيد، فقال: (يا رب) وكأنه صلى الله عليه وسلم ظنَّ في نفسه التقصير أو الفشل في مهمته ورأى أن ذلك يُبعده عن ربه، لكن أنصفه ربه وأكَّد نداءه، بل وأقسم به، فقال الحق سبحانه: {أية : وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ * فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزخرف: 88-89]. أي: أقسم بقولك يا محمد: {أية : يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 30] والحق سبحانه يُقسِم بما يشاء على ما يشاء، يُقْسم بالملائكة وبالجماد، يقسم بالنبات، لكن الحق - سبحانه وتعالى - لم يُقْسم بأحد من الخَلْق إلا برسول الله في قوله تعالى: {أية : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الحجر: 72]. أي: وتعميرك، أو وحياتك يا محمد. وكما أقسم سبحانه بحياة نبيه محمد أقسم بقوله، فقال سبحانه: {أية : وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الزخرف: 88]. ثم يخاطب الحق سبحانه عباده المؤمنين، فيقول تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):