٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
69
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين الله تعالى أن من يؤذي الله ورسوله يلعن ويعذب وكان ذلك إشارة إلى إيذاء هو كفر، أرشد المؤمنين إلى الامتناع من إيذاء هو دونه وهو لا يورث كفراً، وذلك مثل من لم يرض بقسمة النبـي عليه السلام وبحكمه بالفيء لبعض وغير ذلك فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءاذَوْاْ مُوسَىٰ } وحديث إيذاء موسى مختلف فيه، قال بعضهم هو إيذاؤهم إياه بنسبته إلى عيب في بدنه، وقال بعضهم: (إن) قارون قرر مع امرأة فاحشة حتى تقول عند بني إسرائيل إن موسى زنى بـي فلما جمع قارون القوم والمرأة حاضرة ألقى الله في قلبها أنها صدقت ولم تقل ما لقنت وبالجملة الإيذاء المذكور في القرآن كاف وهو أنهم قالوا له: { أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا } تفسير : [المائدة: 24] وقولهم: { أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } تفسير : [البقرة: 55] وقولهم: { أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } تفسير : [البقرة: 61] إلى غير ذلك فقال للمؤمنين لا تكونوا أمثالهم إذا طلبكم الرسول إلى القتال أي لا تقولوا: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا } ولا تسألوا ما لم يؤذن لكم فيه:(وإذا أمركم الرسول بشيء فأتوا منه ما استطعتم) وقوله: {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } على الأول ظاهر لأنه أبرز جسمه لقومه فرأوه وعلموا فساد اعتقادهم ونطقت المرأة بالحق وأمر الملائكة حتى عبروا بهرون عليهم فرأوه غير مجروح فعلموا براءة موسى عليه السلام عن قتله الذي رموه به، وعلى ما ذكرنا {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } أي أخرجه عن عهدة ما طلبوا بإعطائه البعض إياهم وإظهاره عدم جواز البعض وبالجملة قطع الله حجتهم ثم ضرب عليهم الذلة والمسكنة وغضب عليهم، وقوله: {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } أي ذا وجاهة ومعرفة، والوجيه هو الرجل الذي يكون له وجه أي يكون معروفاً بالخير، وكل أحد وإن كان عند الله معروفاً لكن المعرفة المجردة لا تكفي في الوجاهة، فإن من عرف غيره لكونه خادماً له وأجيراً عنده لا يقال هو وجيه عند فلان، وإنما الوجيه من يكون له خصال حميدة تجعل من شأنه أن يعرف ولا ينكر وكان كذلك.
القرطبي
تفسير : لما ذكر الله تعالى المنافقين والكفار الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، حذر المؤمنين من التعرّض للإيذاء، ونهاهم عن التشبّه ببني إسرائيل في أذِيَّتهم نبيّهم موسى. واختلف الناس فيما أوذي به محمد صلى الله عليه وسلم وموسى، فحكى النقاش أن أذِيّتهم محمداً عليه السلام قولهم: زيد بن محمد. وقال أبو وائل: حديث : أذِيته أنه صلى الله عليه وسلم قَسم قَسْماً فقال رجل من الأنصار: إن هذه القِسمة ما أريد بها وجه الله، فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: «رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر»تفسير : . وأما أذِيّة موسى صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس وجماعة: هي ما تضمّنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه قال: «حديث : كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكان موسى عليه السلام يتستّر كثيراً ويخفي بدنه فقال قوم هو آدر وأبرص أو به آفة، فانطلق ذات يوم يغتسل في عين بأرض الشام وجعل ثيابه على صخرة ففرّ الحجر بثيابه واتبعه موسى عرياناً يقول ثَوْبِي حَجَرُ ثوبي حَجَرُ حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فنظروا إليه وهو من أحسنهم خَلْقاً وأعدلهم صورة وليس به الذي قالوا فهو قوله تبارك وتعالى: {فبرأهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ}»تفسير : أخرجه البخاريّ ومسلم بمعناه. ولفظ مسلم: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سَوْءَةِ بعض وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر قال فذهب يوماً يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففرّ الحجر بثوبه قال فجمح موسى عليه السلام بإثره يقول ثَوْبي حَجَرُ ثوبي حَجَرُ حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سَوْءة موسى وقالوا والله ما بموسى من بأس فقام الحجر حتى نُظر إليه قال فأخذ ثوبه فطفِق بالحجر ضرْباً» تفسير : قال أبو هريرة: والله إنه بالحجر نَدَبٌ ستةٌ أو سبعةٌ ضَرْبُ موسى بالحجر. فهذا قول. وروي عن ابن عباس عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: آذوْا موسى بأن قالوا: قتل هارون؛ وذلك أن موسى وهارون خرجا من فَحْص التِّيه إلى جبل فمات هارون فيه، فجاء موسى فقالت بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، وكان ألين لنا منك وأشدّ حُبًّا. فآذوْه بذلك فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى طافوا به في بني إسرائيل، ورأوا آية عظيمة دلّتهم على صدق موسى، ولم يكن فيه أثر القتل. وقد قيل: إن الملائكة تكلّمت بموته ولم يعرف موضع قبره إلا الرَّخَم، وأنه تعالى جعله أصم أبكم. ومات هارون قبل موسى في التِّيه، ومات موسى قبل انقضاء مدّة التِّيه بشهرين. وحكى القشيريّ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أن الله تعالى أحيا هارون فأخبرهم أنه لم يقتله، ثم مات. وقد قيل: إن أذِيّة موسى عليه السلام رميهم إياه بالسحر والجنون. والصحيح الأوّل. ويحتمل أن فعلوا كل ذلك فبرّأه الله من جميع ذلك. مسألة: في وضع موسى عليه السلام ثوبه على الحجر ودخوله في الماء عُرياناً ـ دليل على جواز ذلك، وهو مذهب الجمهور. ومنعه ابن أبي لَيْلَى واحتجّ بحديث لم يصحّ؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تدخلو الماء إلا بمئزر فإن للماء عامراً»تفسير : . قال القاضي عياض: وهو ضعيف عند أهل العلم. قلت: أما إنه يستحب التستر لما رواه إسرائيل عن عبد الأعلى أن الحسن بن عليّ دخل غَديراً وعليه بُرد له متوشحاً به، فلما خرج قيل له، قال: إنما تسترت ممن يراني ولا أراه؛ يعني من ربي والملائكة. فإن قيل: كيف نادى موسى عليه السلام الحجر نداء من يعقل؟ قيل: لأنه صدر عن الحجر فعل مَن يعقل. و«حَجرُ» منادى مفرد محذوف حرف النداء، كما قال تعالى: {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} تفسير : [يوسف: 29]. و«ثوبي» منصوب بفعل مضمر؛ التقدير: أعطني ثوبي، أو اترك ثوبي، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه. قوله تعالى: {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } أي عظيماً. والوجيه عند العرب: العظيم القدر الرفيع المنزلة. ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئاً أعطاه إياه. وقرأ ابن مسعود: «وَكَانَ عَبْداً لِلَّهِ». وقيل: معنى «وَجِيهاً» أي كلمه تكليماً. قال أبو بكر الأنباريّ في (كتاب الرد): زعم مَن طعن في القرآن أن المسلمين صحّفوا «وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وِجِيهاً» وأن الصواب عنده «وَكَانَ عَبْداً لِلَّهِ وَجِيهاً» وذلك يدل على ضعف مقصده ونقصان فهمه وقلة علمه، وذلك أن الآية لو حملت على قوله وقرئت: «وكان عبداً» نقص الثناء على موسى عليه السلام؛ وذلك أن «وَجِيهاً» يكون عند أهل الدنيا وعند أهل زمانه وعند أهل الآخرة، فلا يوقف على مكان المدح، لأنه إن كان وجيهاً عند بني الدنيا كان ذلك إنعاماً من الله عليه لا يبين عليه معه ثناء من الله. فلما أوضح الله تعالى موضع المدح بقوله: {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } استحق الشرف وأعظم الرفعة بأن الوجاهة عند الله، فمن غيّر اللفظة صرف عن نبيّ الله أفخر الثناء وأعظم المدح.
ابن كثير
تفسير : قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عوف عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إن موسى كان رجلاً حيياًتفسير : ، وذلك قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} هكذا أورد هذا الحديث ههنا مختصراً جداً، وقد رواه في أحاديث الأنبياء بهذا السند بعينه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن موسى عليه السلام كان رجلاً حيياً ستيراً، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذ التستر إلا من عيب في جلده، إما برص، وإما أدرة، وإما آفة. وإن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى عليه السلام، فخلا يوماً وحده، فخلع ثيابه على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ، أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله عز وجل، وأبرأه مما يقولون. وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً ــــ قال ــــ فذلك قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً}» تفسير : وهذا سياق حسن مطول، وهذا الحديث من إفراد البخاري دون مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا عوف عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلاس ومحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} قال: قال رسول الله: «حديث : إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه»تفسير : . ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولاً، ورواه عنه في تفسيره عن روح عن عوف به. ورواه ابن جرير من حديث الثوري عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو هذا. وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير وعبد الله بن الحارث عن ابن عباس في قوله: {لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَىٰ} قال: قال قومه له: إنك آدر، فخرج ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، فخرجت الصخرة تشد بثيابه، وخرج يتبعها عرياناً حتى انتهت به مجالس بني إسرائيل، فرأوه ليس بآدر، فذلك قوله: {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما سواء. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الآدمي قالا: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان موسى عليه السلام رجلاً حيياً، وإنه أتى ــــ أحسبه قال: الماء ــــ ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، وكان لا يكاد تبدو عورته، فقال بنو إسرائيل: إن موسى آدر أو به آفة ــــ يعنون: أنه لا يضع ثيابه ــــ فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال ــــ أو كما قال ــــ فذلك قوله: {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً}».تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في قوله: {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون عليه السلام، فقال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: أنت قتلته، كان ألين لنا منك، وأشد حياء، فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا به على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت بموته، فما عرف موضع قبره إلا الرخم، وإن الله جعله أصم أبكم. وهكذا رواه ابن جرير عن علي بن موسى الطوسي عن عباد بن العوام به، ثم قال: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى، وجائز أن يكون الأول هو المراد، فلا قول أولى من قول الله عز وجل (قلت): يحتمل أن يكون الكل مراداً، وأن يكون معه غيره، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قسماً، فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله قال: فقلت: ياعدو الله أما لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فاحمر وجهه ثم قال: «حديث : رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين" من حديث سليمان بن مهران الأعمش به. (طريق أخرى) ــــ قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس عن الوليد بن أبي هشام مولى همدان عن زيد بن زائدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «حديث : لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» تفسير : فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال فقسمه، قال: فمررت برجلين، وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة، قال: فتثبت حتى سمعت ما قالا، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنك قلت لنا: «حديث : لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئاً» تفسير : وإني مررت بفلان وفلان، وهما يقولان كذا وكذا، فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشق عليه، ثم قال: «حديث : دعنا منك لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر».تفسير : وقد رواه أبو داود في الأدب عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن يوسف الفريابي عن إسرائيل عن الوليد بن أبي هشام به مختصراً: «حديث : لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» تفسير : وكذا رواه الترمذي في المناقب عن الذهلي سواء، إلا أنه قال: زيد بن زائدة، ورواه أيضاً عن محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن محمد عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد، كلاهما عن إسرائيل عن السدي عن الوليد بن أبي هشام به مختصراً أيضاً، فزاد في إسناده: السدي، ثم قال: غريب من هذا الوجه. وقوله تعالى: {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} أي له وجاهة وجاه عند ربه عز وجل. قال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله، وقال غيره من السلف: لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية؛ لما يشاء عز وجل. وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة عند الله أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه، فأجاب الله سؤاله فقال: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً} تفسير : [مريم: 53].
المحلي و السيوطي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ } مع نبيكم {كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَىٰ } بقولهم مثلاً: ما يمنعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } بأن وضع ثوبه على حجر ليغتسل ففرّ الحجر به حتى وقف بين ملأ من بني إسرائيل، فأدركه موسى فأخذ ثوبه فاستتر به فرأوه لوا أدرة به وهي نفخة في الخصية {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } ذا جاه. ومما أوذي به نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قسم قسماً فقال رجل: هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله تعالى فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال:«حديث : يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر»تفسير : . رواه البخاري.
الشوكاني
تفسير : قوله: {لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَىٰ } هو قولهم: إن به أدرة أو برصاً أو عيباً، وسيأتي بيان ذلك آخر البحث، وفيه تأديب للمؤمنين وزجر لهم عن أن يدخلوا في شيء من الأمور التي تؤذي رسول الله. قال مقاتل: وعظ الله المؤمنين: أن لا يؤذوا محمداً صلى الله عليه وسلم كما آذى بنو إسرائيل موسى. وقد وقع الخلاف فيما أوذي به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية، فحكى النقاش: أن أذيتهم محمداً قولهم: زيد بن محمد. وقال أبو وائل: إنه صلى الله عليه وسلم قسم قسماً، فقال رجل من الأنصار: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، وقيل: نزلت في قصة زيد بن حارثة، وزينب بنت جحش وما سمع فيها من قالة الناس، ومعنى {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً }: وكان عند الله عظيماً ذا وجاهة، الوجيه عند الله: العظيم القدر الرفيع المنزلة، وقيل: في تفسير الوجاهة: إنه كلمه تكليماً. قرأ الجمهور {وكان عند الله} بالنون على الظرفية المجازية، وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبو حيوة: "عبد الله" بالباء الموحدة من العبودية، و"ما" في قوله: {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } هي: الموصولة أو المصدرية، أي من الذي قالوه، أو من قولهم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي في كل أمر من الأمور {وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } أي قولاً صواباً وحقاً. قال قتادة ومقاتل: يعني: قولوا قولاً سديداً في شأن زيد وزينب، ولا تنسبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ما لا يحلّ. وقال عكرمة: إن القول السديد: لا إلٰه إلاّ الله. وقيل: هو الذي يوافق ظاهره باطنه. وقيل: هو ما أريد به وجه الله دون غيره. وقيل: هو الإصلاح بين الناس. والسديد مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض، والظاهر من الآية أنه أمرهم بأن يقولوا قولاً سديداً في جميع ما يأتونه ويذرونه فلا يخص ذلك نوعاً دون نوع، وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضي العموم فالمقام يفيد هذا المعنى؛ لأنه أرشد سبحانه عباده إلى أن يقولوا قولاً يخالف قول أهل الأذى. ثم ذكر ما لهؤلاء الذين امتثلوا الأمر بالتقوى والقول السديد من الأجر فقال: {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ } أي يجعلها صالحة لا فاسدة بما يهديهم إليه ويوفقهم فيه {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أي يجعلها مكفرة مغفورة {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في فعل ما هو طاعة واجتناب ما هو معصية {فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } أي ظفر بالخير ظفراً عظيماً، ونال خير الدنيا والآخرة، وهذه الجملة مستأنفة مقرّرة لما سبقها. ثم لما فرغ سبحانه من بيان ما لأهل الطاعة من الخير بعد بيان ما لأهل المعصية من العذاب بين عظم شأن التكاليف الشرعية وصعوبة أمرها، فقال: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا }. واختلف في تفسير هذه الأمانة المذكورة هنا، فقال الواحدي: معنى الأمانة هاهنا في قول جميع المفسرين: الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب. قال القرطبي: والأمانة تعمّ جميع وصائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. وقد اختلف في تفاصيل بعضها، فقال ابن مسعود: هي في أمانة الأموال كالودائع وغيرها، وروي عنه: أنها في كل الفرائض: وأشدها أمانة المال. وقال أبيّ بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. وقال أبو الدرداء: غسل الجنابة أمانة، وإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها. وقال ابن عمر: أوّل ما خلق الله من الإنسان فرجه، وقال: هذه أمانة استودعكها، فلا تلبسها إلاّ بحق، فإن حفظتها حفظتك. فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، والبطن أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وقال السدّي: هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده هابيل، وخيانته إياه في قتله. وما أبعد هذا القول، وليت شعري ما هو الذي سوّغ للسدّي تفسير هذه الآية بهذا، فإن كان ذلك لدليل دله على ذلك فلا دليل، وليست هذه الآية حكاية عن الماضين من العباد؛ حتى يكون له في ذلك متمسك أبعد من كل بعيد، وأوهن من بيوت العنكبوت، وإن كان تفسير هذا عملاً بما تقتضيه اللغة العربية، فليس في لغة العرب ما يقتضي هذا، ويوجب حمل هذه الأمانة المطلقة على شيء كان في أوّل هذا العالم، وإن كان هذا تفسيراً منه بمحض الرأي، فليس الكتاب العزيز عرضة لتلاعب آراء الرجال به، ولهذا ورد الوعيد على من فسر القرآن برأيه، فاحذر أيها الطالب للحق عن قبول مثل هذه التفاسير، واشدد يديك في تفسير كتاب الله على ما تقتضيه اللغة العربية، فهو قرآن عربيّ كما وصفه الله، فإن جاءك التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تلتفت إلى غيره، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وكذلك ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم من جملة العرب، ومن أهل اللغة، وممن جمع إلى اللغة العربية العلم بالاصطلاحات الشرعية، ولكن إذا كان معنى اللفظ أوسع مما فسروه به في لغة العرب فعليك أن تضم إلى ما ذكره الصحابي ما تقتضيه لغة العرب وأسرارها، فخذ هذه كلية تنتفع بها، وقد ذكرنا في خطبة هذا التفسير ما يرشدك إلى هذا. قال الحسن: إن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال فقالت: وما فيها؟ فقال لها: إن أحسنت آجرتك، وإن أسأت عذبتك، فقالت: لا. قال مجاهد: فلما خلق الله آدم عرضها عليه، وقيل له ذلك فقال: قد تحملتها. وروي نحو هذا عن غير الحسن ومجاهد. قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقيل: هذه الأمانة هي ما أودعه الله في السمٰوات والأرض والجبال وسائر المخلوقات من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها، إلاّ الإنسان فإنه كتمها وجحدها. كذا قال بعض المتكلمين مفسراً للقرآن برأيه الزائف، فيكون على هذا معنى {عرضنا}: أظهرنا. قال جماعة من العلماء: ومن المعلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلا بدّ من تقدير الحياة فيها، وهذا العرض في الآية هو عرض تخيير لا عرض إلزام. وقال القفال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب مثل، أي إن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب، أي أن التكليف أمر عظيم، حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل، وهذا كقوله: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ } تفسير : [الحشر: 21] وقيل: إن {عرضنا} بمعنى عارضنا، أي عارضنا الأمانة بالسماوات والأرض والجبال، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها عليها. وقيل: إن عرض الأمانة على السمٰوات والأرض والجبال إنما كان من آدم عليه السلام، وأن الله أمره أن يعرض ذلك عليها، وهذا أيضاً تحريف لا تفسير. ومعنى {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ } أي التزم بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه جهول لما يلزمه، أو جهول لقدر ما دخل فيه كما قال سعيد بن جبير، أو جهول بربه كما قال الحسن. وقال الزجاج: معنى {حملها}: خان فيها، وجعل الآية في الكفار والفساق والعصاة، وقيل: معنى {حملها}: كلفها وألزمها، أو صار مستعدًّا لها بالفطرة، أو حملها عند عرضها عليه في عالم الذرّ عند خروج ذرية آدم من ظهره، وأخذ الميثاق عليهم. واللام في {لّيُعَذّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ } متعلق بـ {حملها} أي حملها الإنسان ليعذّب الله العاصي ويثيب المطيع، وعلى هذا فجملة {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } معترضة بين الجملة وغايتها للإيذان بعدم وفائه بما تحمّله. قال مقاتل ابن سليمان، ومقاتل بن حيان: ليعذبهم بما خانوا من الأمانة وكذبوا من الرسل ونقضوا من الميثاق الذي أقرّوا به حين أخرجوا من ظهر آدم. وقال الحسن وقتادة: هؤلاء المعذبون هم الذين خانوها، وهؤلاء الذين يتوب الله عليهم هم الذين أدّوها. وقال ابن قتيبة: أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك، فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه، أي يعود عليه بالمغفرة والرحمة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات، ولذلك ذكر بلفظ التوبة، فدلّ على أن المؤمن العاصي خارج من العذاب {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } أي كثير المغفرة والرحمة للمؤمنين من عباده إذا قصروا في شيء مما يجب عليهم. وقد قيل: إن المراد بالأمانة: العقل، والراجح ما قدّمنا عن الجمهور، وما عداه فلا يخلو عن ضعف لعدم وروده على المعنى العربي ولا انطباقه على ما يقتضيه الشرع ولا موافقته لما يقتضيه تعريف الأمانة. وقد أخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما تستر هذا الستر إلاّ من عيب بجلده، إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله عزّ وجلّ أراد أن يبرىء موسى مما قالوا، فخلا يوماً وحده فخلع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً»تفسير : . وأخرج نحوه البزار وابن الأنباري وابن مردويه من حديث أنس. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَىٰ } قال: قال له قومه إنه آدر، فخرج ذات يوم ليغتسل فوضع ثيابه على حجر، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، فخرج موسى يتبعها عرياناً حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل فرأوه وليس بآدر فذلك قوله: {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً }. وأخرج الحاكم وصححه من طريق السدّي عن أبي مالك عن ابن عباس وعن مرّة عن ابن مسعود وناس من الصحابة: أن الله أوحى إلى موسى إني متوفّ هارون، فأت به جبل كذا وكذا، فانطلقا نحو الجبل فإذا هم بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيب، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال: يا موسى، إني أحبّ أن أنام على هذا السرير، قال: نم عليه، قال: نم معي، فلما ناما أخذ هارون الموت، فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت الشجرة ورفع السرير إلى السماء؛ فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: قتل هارون وحسده حبّ بني إسرائيل له، وكان هارون أألف بهم وألين، وكان في موسى بعض الغلظة عليهم، فلما بلغه ذلك قال: ويحكم! إنه كان أخي أفتروني أقتله؟ فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله، فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدّقوه. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قسماً، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فذكر ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فاحمرّ وجهه ثم قال: "حديث : رحمة الله على موسى لقد أوذي أكثر من هذا فصبر".تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، ثم قال: حديث : على مكانكم اثبتوا تفسير : ، ثم أتى الرجال، فقال: حديث : إن الله أمرني أن آمركم أن تتقوا الله وأن تقولوا قولاً سديداً»تفسير : ، ثم أتى النساء، فقال: حديث : إن الله أمرني أن آمركنّ أن تتقين الله وأن تقلن قولاً سديد تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد عن ابن عباس في قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ } الآية قال: الأمانة: الفرائض عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدّوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية ولكن تعظيماً لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } يعني: غرًّا بأمر الله. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، والحاكم وصححه عنه في الآية قال: عرضت على آدم. فقيل: خذها بما فيها فإن أطعت غفرت لك وإن عصيت عذبتك، قال: قبلتها بما فيها، فما كان إلاّ ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الذنب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عنه أيضاً من طريق أخرى نحوه.
الماوردي
تفسير : قوله: {يَأَيُّها الَّذِينَ ءَامُنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ أَذَواْ مُوسَى} معناه لا تؤذوا محمداً فتكونوا كالذين آذواْ موسى. وفيما آذوا به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قولان: أحدهما: قولهم زيد بن محمد، حكاه النقاش. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم قسماً فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أُريد بها وجه الله فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: "حديث : رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبِرَ" تفسير : قاله أبو وائل. وفيما أوذي به موسى عليه السلام ثلاثة أقاويل: أحدها: أن رَمَوهُ بالسحر والجنون. الثاني: ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلاً حَيِيّاً سَتِيراً لاَ يَكَادُ يُرَى مِن جَسَدِهِ شَيءٌ يَسْتَحَيا مِنُه فآذَاهُ مَن آذَاهُ مِن بَنِي إسْرَائِيلَ وَقَالُواْ مَا يَسْتَتِرُ إلاَّ مِن عَيبٍ بِجِلْدِهِ أَوْ جِسْمِهِ، إمَّا مِن بَرَصٍ وَإمَّا آدَرٌ أَوْ بِهِ آفَةٌ وَإنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبْرِئَهُ مِمَّا قَالُواْ وَإنَّ مُوسَى خَلاَ يَوماً وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى حَجَرٍ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إلَى ثَوبِهِ لِيَأْخُذَهُ وَإنَّ الْحَجَرَ عَدَا بثيَابِهِ فَطَلَبَهُ مُوسَى فَانتَهَى إلَى مَلإٍ مِن بَنِي إسْرَائِيلَ فَرأَوهُ عُرْيَاناً كَأَحْسَنِ الرِّجالِ خَلْقاً فَبَرَّأَهُ اللَّه مِمَّا قَالُواْ ". تفسير : الثالث: ما رواه ابن عباس عن علي رضي الله عنه أن موسى صعد وهارون الجبل فمات هارون فقال بنو إسرائيل أنت قتلته وكان ألين لنا منك وأشد حباً فآذوه بذلك فأمر الله الملائكة فحملته فمروا به على مجلس بني إسرائيل فتكلمت الملائكة بموته ثم دفنته فما عرف موضع قبره إلا الرخم وأن الله جعله أصم أبكم ومات هارون قبل موسى في التيه ومات موسى قبل انقضاء مدة التيه بشهرين. {وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه المقبول، قاله ابن زيد. الوجه الثاني: لأنه مستجاب الدعوة قاله الحسن. الثالث: لأنه ما سأل الله شيئاً إلا أعطاه إلى النظر، قاله ابن سنان. قاله قطرب: والوجيه مشتق من الوجه لأنه أرفع الجسد.
ابن عطية
تفسير : {الذين آذوا موسى} هم قوم من بني إسرائيل، واختلف الناس في الإذاية التي كانت وبرأه الله منها، فقالت فرقة هي قصة قارون، وإدخاله المرأة البغي في أن تدعي على موسى ثم تبرئتها له وإشهارها بداخلة قارون، وقد تقدمت القصة في ذكر قارون، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي أن موسى وهارون خرجا من فحص التيه إلى جبل مات هارون فيه، فجاء موسى وحده، فقال قوم هو قتله، فبعث الله تعالى ملائكة حملوا هارون حتى طافوا به في أسباط بني إسرائيل ورأوا آية عظيمة دلتهم على صدق موسى ولم يكن فيه أثر، وروي أنه حيي فأخبرهم بأمره وببراءة موسى، وقال ابن عباس وأبو هريرة وجماعة هي ما تضمنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكان موسى عليه السلام يتستر كثيراً ويخفي بدنه فقال قوم هود آدر أو أبرص أو به آفة فاغتسل موسى يوماً وجعل ثيابه على حجر ففر الحجر بثيابه واتبعه موسى يقول ثوبي حجر ثوبي حجر، فمر في أتباعه على ملأ من بني إسرائيل، فرواه سليمان مما ظن به، الحديث بطوله خرجه البخاري {فبرأه الله مما قالوا} و"الوجيه" المكرم الوجه، وقرأ الجمهور "وكان عند الله"، وقرأ ابن مسعود "وكان عبد الله"، ثم وصى عز وجل المؤمنين بالقول السداد، وذلك يعم جميع الخيرات، وقال عكرمة: أراد لا إله إلاَّ الله، و"السداد" يعم جميع هذا وإن كان ظاهر الآية يعطي أنه إنما أشار إلى ما يكون خلافاً للأذى الذي قيل في جهة الرسول وجهة المؤمنين، ثم وعد تعالى بأنه يجازي على القول السديد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب، وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تَكُونُواْ} في أذية محمد صلى الله عليه وسلم بقولكم زيد بن محمد، أو بقول الأنصاري إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله ـ تعالى ـ {ءَاذَوْاْ مُوسَى} رموه بالسحر والجنون، أو بالأُدرة والبرص في حديث اغتساله خلوا، أو صعد مع هارون الجبل فمات هارون فقالوا لموسى أنت قتلته وكان ألين لنا منك وأشد حباً فأمر الله الملائكة فحملته ومرت به على مجالسهم وتكلمت الملائكة بموته ثم دفنته قال علي ـ رضي الله عنه ـ: ومات هارون في التيه ومات موسى بعد انقضاء مدة التيه بشهرين {وَجِيهاً} مقبولاً، أو مستجاب الدعوة "ح" ن أو ما سأل الله ـ تعالى ـ شيئاً إلا أعطاه إلا النظر. والوجيه: مشتق من الوجه لأنه أرفع الجسد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ} الآية لما بين أن من يؤذي الله ورسوله يُلعن ويعذب، وكان ذلك إشارة إلى أن الإيذاء كفر أرشد المؤمنين إلى الامتناع من الإيذاء الذي هو دونه وهو لا يورث كفراً وهو من لم يرض بقسمة النبي عليه (الصلاة و) السلام وبحكمه (بالفَيءِ لِبَعْض) فقال: لا تكونوا كالذين آذوا موسى قال بعضهم: إيذاؤهم لموسى بنسبة عيب في بَدَنِهِ، وقيل: إن قارون قال لامرأة: قولي إِن موسى قد وقع في فاحشةٍ والإيذاء المذكور في القرآن كاف وهو قولهم: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ}تفسير : [المائدة: 24] وقولهم: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ}تفسير : [البقرة: 61] إلى غير ذلك فقال للمؤمنين: لا تكونوا أمثالهم إذا طلبكم الرسول للقتال لا تقولوا اذهب أنت وربك فقاتلا وإذا أمركم الرسول بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وقوله: {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} على الأول ظاهر لأنه أبرز جسمه لقومه فرأوه وعلموا فساد اعتقادهم ونطقت المرأة بالحق وأمر ملائكته حتى عبروا بهارون عليهم فرأوه غير مجروح فعلموا براءة موسى - عليه الصلاة واسلام - عن ما رموه به وعلى الثاني فبرأه الله مما قالوا أي أخرجه عن عهدة ما طلبوا بإِعطائه البعض إياهم وإظهاره عدم جواز البعض وقطع حُجَجهم ثم ضرب عليهم الذّلَّةُ والمسكنة وغضب عليهم. قوله: "عِنْد اللَّهِ" العامة على "عند" الظرفية المجازية، وابن مسعود والأعمش وأبو حَيْوة "عبداً" مِن العبودية "لله" جار ومجرور وهي حسنة قال ابن خالويه صَلَّيْت خلف ابن شُنْبُوذ في رمضان فسمعته يقرأ بقراءة ابن مسعود هذه قال شهاب الدين: وكان مولعاً بِنَقْل الشاذة، ومَا في "مِمَّا قَالُوا" إمَّا مصدرية، وإما بمعنى الذي، و "وَجِيهاً" كريماً ذَا جاهٍ، يقال وَجُهَ الرَّجُلُ يَوْجهُ وَجَاهَة فَهُوَ وَجيهٌ إذا كَانَ ذَا جَاهٍ وقَدْرٍ. قال ابن عباس: كان حَظِيّاً عند الله لا يَسْأَلُ شيئاً إلاّ أعطاه وقال الحسن: كان مستجاب الدعوة، وقيل: كان محبباً مقبولاً، واختلفوا فيما أُوذِيَ به موسى فروى أبُو هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إنّ موسى كان رجلاً حَيِياً سَتْراً لا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ استحياء منه فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ من بني إسرائيل فقال: ما يستتر هذا التَّسَتُّر إلا من عيب بجلده إما بَرَص، وإما أدرة، وإمّا آفةٍ، وإن اللَّهَ أراد أن يُبْرِئَهُ مما قالوا فخلا يوماً وحده فخلع فوضَع ثيابَهُ على حجر ثم اغْتَسَلَ فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر غدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحَجَر فجعل يقولُ ثوبي حَجَرٌ، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عُرْيَاناً أحْسَنَ ما خلق الله وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ وقام الحجر فأخذ ثوبه واستتر وطفق بالحجر يضربه بعصاه فواللَّه إن بالحجر لنَدْباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خَمْساً"تفسير : . وقيل: لما مات هارون في التيه ادَّعوا على موسى أنه قتله فأمر الله الملائكة حتى مروا به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم يقتله ولم يروا ببدنه جرحاً، وقال أبو العالية: إن قارون استأجر امرأة لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمه الله وبرأ موسى وأهْلَكَ قَارُون، ورَوَى أبُو وَائلٍ قال: سمعت عبد الله قال: "حديث : قسم النبي - صلى الله عليه وسلم- قَسْماً فقال رجل إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال "يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى أَوذِيَ بأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ" ". تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً}. قال ابن عباس: صواباً، وقال قتادة عدلاً، وقال الحسن: صِدْقاً، وقيل: مستقيماً، وقال عكرمة: هو قول لا إله إلا الله {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}، قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم، وقال مقاتل: يزكي أعمالكم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}؛ لأن النجاة من العذاب تعظيم بعظم العذاب فإن من أراد أن يضرب عبده سوطاً ثم نجا منه لا يقال: فاز فوزاً عظيماً، ويحتمل أنه أراد بالفوز العظيم الثواب الكبير الدائم الأبديّ. قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} وهذا إما حقيقة وإما تمثيل وتخييل. وأراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده عرضها على السموات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضَيَّعُوهَا عذبهم، قاله ابن عباس. وقال ابن مسعود: الأمانة أداءُ الصَّلَوَاتِ وإيتاءُ الزكاة وصَوْمُ رَمَضَانَ وحَجُّ البيت وصدقُ الحديث وقضاءُ الدِّيْنِ والعدلُ في المِكيال والميزانِ وأشدُّ من هذا كلَّه الودائعُ. وقال مجاهد: الأمانة الفرائض وحدود الدين. وقال أبو العالية: ما أُمِرُوا به ونهوا عنه، وقال زيد بن أسلم: هي الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من الشرائع. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال: هذه أمانة اسْتَوْدَعْتُكَها فالفرج أمانة والأذنُ أمانة والعينُ أمانة واليدُ أمانة والرِّجْلُ أمانة ولا إيمان لمن لا أمانة لَهُ، وقيل: هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق كل مؤمن أن لا يغشَّ مؤمناً ولا معاهداً في شيء قليلٍ ولا كثير. وهذه رواية الضَّحاك عن ابن عباس وجماعة من التابعين، وأكثر السلف أن الله عرض هذه الأمانة على السمواتِ والأرض والجبال فقال لهن: أَتَحْمِلْنَ هذِه الأَمَانَةَ بما فيها؟ قُلْنَ: وما فيها؟ قال: إن أَحْسَنْتُنَّ جُوزيتُنَّ وإنْ عَصَيْتُنَّ عُوقِبْتُنَّ فقلن: لا يا رب نحن مسخّرات لأمرك لا نريد ثواباً ولا عقاباً وقُلْنَ ذَلِكَ خَوْفاً وخشية وتعظيماً لله خوفاً أن لا يقوم بها لا معصية ومخالفة وكان العرض عليهن تخييراً لا إلزاماً ولو الزمهن لم يمتَنِعْنَ من حملها والجمادات فيها خاشعة لله - عز وجل - ساجدة له كما قال تعالى للسموات والأرض. {أية : ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11] وقال في الحجارة: {أية : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 74]، وقال: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ...}تفسير : [الحج: 18] الآية. وقال بعضهم: ركَّب الله (عز وجل) فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة عليهن حتى عقلْنَ الخطاب وأجبن بما أجبن. وقيل: المراد من العرض على السموات والأرض هو العرض على أهل السموات عرضها على من فيها من الملائكة وقيل: المراد المقابلة أي قابلنا الأمانة مع السموات فرجحت الأمانةُ وهي الدين والأول أصح، وهو قول أكثر العلماء. قوله: "فأبين" أتى بضمير هذه كضمير الإناث لأن جمع التكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك وإن كان مذكراً وإنما ذكرنا ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث - وهو السموات - على المذكر وهو الجبال. واعلم أنه لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى: {أية : أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ}تفسير : [الحجر: 31]؛ لأن السجود هناك كان فرضاً وههنا الأمانة كانت عرضاً والإباء هناك كان استكباراً وههنا استصغاراً لقوله تعالى: "وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا" أي خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب "وحَمَلَهَا الإِنْسَانُ" يعني آدم عليه السلام فقال يا آدم: إني عرضت الأمانة على أهل السموات والأرض والجبال فلم تُطِقْهَا فهل أنت آخذها بما فيها؟ فقال يا رب: وما فيها؟ قال: إن أحْسَنْتَ جُوزيت وإنْ أَسَأْتَ عوقبتَ فتحملها آدم عليه السلام. فقال الله تعالى أما إذْ تحمّلتها فسأعينك أجْعَلُ لبصرك حجاباً فإذا خشيت فاغلق وأجْعَلُ لفرجك ستراً فإذا خشيت فلا تكشفه على ما حرمت عليك قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدارَ ما بين الظهر إلى العصر {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} قال ابن عباس: ظلوماً لنفسه جهولاً بأمر الله وما احتمل من الأمانة وقال مقاتل: ظلوماً لنفسه جهولاً بعاقبة ما تحمل. وذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني في قوله: "وَحَمَلَهَا الإنْسَان" قولاً، فقالوا: إن الله ائْتَمَنَ آدم وأولاده على شيء وائتمن أهل السماوات والأرض والجبال على شيء فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا من الطاعة والقيام بالفرائض والأمانة في حق السموات والأرض هي الخضوع والطاعة لما خلقهم له، {فَأَبَيْنَ أنْ يحملنها} أي أدين الأمانة يقال فلان لم يتحمل الأمانة أي يخون فيها "وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ" أي خان فيها، ويقال: فلان حمل الأمانة أي أثم فيها بالخيانة قال تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ}تفسير : [العنكبوت: 13]، {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} حكي عن الحسن على هذا التأويل أنه قال: "وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ" يعني الكافر والمنافق حمل الأمانة أي خان، والأول قول السلف. قوله: "لِيُعَذِّبَ" متعلق بقوله: "وحَمَلَهَا" فقيل: هي لام الصيرورة لأنه لم يحملها لذلك، وقيل: لام العلة على المجاز لما كانت نتيجة حمله ذلك جعلت كالعلة الباعثة. فصل قال مقاتل: {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ} بما خانوا الأمانة ونقضوا الميثاق. ثم قال: {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}، قرأ الأعمش برفع "ويتوب" على الاستئناف أي يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة، وقال ابن قتيبة عرضنا الأمانة ليظهر نفاقُ المنافق وشرك المشرك فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه أي يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في الطاعات، وعطف المشرك على المنافق ولم يُعِدْ اسمه تعالى فلم يقل: "ويُعَذِّبَ اللَّهُ المُشْرِكين" وعند التوبة أعاد اسمه وقال: {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} ولو قال: يتوب على المؤمنين والمؤمنات كان المعنى حاصلاً ولكنه أراد تفضيل المؤمن على المنافق فجعله كالكلام المستأنف ويجب هناك ذكر الفاعل فقال "ويتوب الله" ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} لما ذكر في الإنسان وصفين الظلوم والجهول ذكر من أوصافه وصفين فقال: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي كان غفوراً للظالم رحيماً على الجهول. روى الثَّعْلَبِيُّ عن أبي أُمَامَةَ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَحْزَاب وَعَلَّمَهَا أَهْلَهُ وَمَا مَلَكَتْ يمِينُه أُعْطِيَ الأَمَانَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ ".
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن موسى عليه السلام كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فأذاه من أذاه من بني إسرائيل، وقالوا ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده. إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا، وان موسى عليه السلام خلا يوماً وحده، فوضع ثيابه على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عليه السلام عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر! حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه. ثلاثاً. أو أربعاً أو خمساً. فذلك قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} . تفسير : وأخرج البزار وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كان موسى رجلاً حيياً، وإنه أتى ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، وكان لا يكاد تبدو عورته، فقالت بنو إسرائيل: إن موسى عليه السلام آدر به آفة - يعنون أنه لا يضع ثيابه - فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى عليه السلام كأحسن الرجال، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً} . تفسير : وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن موسى بن عمران كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا تكونوا كالذين آذوا موسى} قال: قال له قومه: إنه آدر. فخرج ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، فخرج موسى عليه السلام يتبعها عرياناً حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل، فرأوه وليس بآدر، فذلك قوله {فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً} . وأخرج ابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {لا تكونوا كالذين آذوا موسى} قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون عليه السلام فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: أنت قتلته، كان أشد حباً لنا منك وألين، فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة عليهم السلام، فحملته فمروا به على مجالس بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة عليهم السلام بموته، فبرأه الله من ذلك، فانطلقوا به فدفنوه ولم يعرف قبره إلا الرُخَّم، وأن الله جعله أصم أبكم. وأخرج الحاكم وصححه من طريق السدي رضي الله عنه عن أبي مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مرة عن ابن مسعود رضي الله عنه وناس من الصحابة. أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام: إني متوفِ هارون، فائت به جبل كذا وكذا.. فانطلقا نحو الجبل، فإذا هم بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيب، فلما نظر هارون عليه السلام إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال: نم عليه قال: نم معي. فلما ناما أخذ هارون عليه السلام الموت، فلما قبض رفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل قالوا: قتل هارون عليه السلام وحسده حب بني إسرائيل له، وكان هارون عليه السلام أكف عنهم وألين لهم، وكان موسى عليه السلام فيه بعض الغلظة عليهم، فلما بلغه ذلك قال: ويحكم انه كان أخي أفتروني أقتله! فلما أكثروا عليه قام يصلي ركعتين، ثم دعا الله، فنزلت الملائكة بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} قال: لا تؤذوا محمداً، كما آذى قوم موسى. موسى. وأخرج البخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"حديث : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحمر وجهه ثم قال "رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله {وكان عند الله وجيهاً} قال: مستجاب الدعوة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سنان عمن حدثه في قوله {وكان عند الله وجيهاً} قال: ما سأل موسى عليه السلام ربه شيئاً قط إلا أعطاه إياه إلا النظر.
القشيري
تفسير : نسبوه إلى الأُدْرَة، وأنَّ به عيباً في الخِلْقَة، ولكنه كان رجلاً حَيِيَّا، وكان إذا اغتسل لا يتجرَّد (من ثوبِه)، فتوهموا به ذلك، وذات يوم خلا ليغسلَه، ووضع ثيابَه على حَجَرٍ فأمشى اللَّهُ الحَجَر بثيابه، وموسى يعدو خَلْفَه حتى تَوَسَّطَ بني إسرائيل، وشاهدوا خِلْقَتَه سليمةً، فوقف الحجرُ، وأخذ موسى ثيابه ولبسها، وهذا معنى قوله: {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} في القَدْرِ والمنزلةِ. والوجاهة النافعة ما كان عند الله لا عند الناس، فقبولُ الناسٍ لا عِبْرَةَ به ولا خَطَرَ له، لا سيما العوامُ فإِنهم يَقْبَلُون بلا شيء، ويَرُدُّون بلا شيء قال قائلهم: شعر : إِنْ كنتُ عندك يا مولاي مطرحاً فعند غيرك محمولٌ على الحدق وقالوا: فإِنْ أَكُ في شِرَارِكُم قليلاً فإني في خِيارِكُم كثيرٌ
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا} فى ان تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل نزلت فى شأن زينب وما سمع فيه من مقالة الناس كما سبق. وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال قسم النبى عليه السلام قسما فقال الرجل ان هذه القسمة ما اريد بها وجه الله فاتيت النبى عليه السلام فاخبرته فغضب حتى رأيت الغضب فى وجهه ثم قال "حديث : يرحم الله موسى قد اوذى باكثر من هذا" تفسير : {كالذين آذوا موسى} كقارون واشياعه وغيرهم من سفهاء بنى اسرائيل كما سيأتى {فبرأه الله مما قالوا} اصل البراءة التفصى مما تكره مجاورته اى فاظهر براءة موسى عليه السلام مما قالوا فى حقه اى من مضمونه ومؤداه الذى هو الامر المعيب فان البراءة تكون من الغيب لا من القول وانما الكائن من القول التخلص {وكان} موسى {عند الله وجيها} فى الوسيط وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه اذا كان ذا جاه وقدر. قال فى تاج المصادر [الوجاهة: خداوند قدروجاه شدن] والمعنى ذا جاه ومنزلة وقربة فكيف يوصف بعيب ونقيصة. وقال ابن عباس رضى الله عنهما وجيها اى حظيا لا يسأل الله شيئا الا اعطاه. وفيه اشارة الى ان موسى عليه السلام كان فى الازل عند الله مقضيا له بالوجاهة فلا يكون غير وجيه بتعيير بنى اسرائيل اياه كما قيل شعر : ان كنت عندك يا مولاى مطرحا فعند غيرك محمول على الحذف تفسير : وفى المثنوى شعر : كى شود دريا زبوزسك نجس كى شود خورشيد ازيف منطمس تفسير : وفى البستان شعر : امين وبدانديش طشتند ومور نشايد درو رخته كردن بزور تفسير : واختلفوا فى وجه اذى موسى عليه السلام فقال بعضهم ان قارون دفع الى زانية ما لا عظيما على ان تقول على رأس الملأ من بنى اسرائيل انى حامل من موسى على الزنى فاظهر الله نزاهته عن ذلك بان اقرت الزانية بالمصانعة الجارية بينها وبين قارون وفعل بقارون ما فعل من الخسف كما فصل فى سورة القصص شعر : كند ازبهر كليم الله جاه درجه افتا وبشد حالش تباه جون قضا آيد شودتنك اين جهان از قضا حلوا شود رنج دهان اين جهان جون قحبه مكاره بين كس زمكر قحبه جون باشد امين او بمكرش كرد قارون درزمين شد زرسوايى شهير عالمين تفسير : وقال بعضهم قذفوه بعيب فى بدنه من برص وهو محركة بياض يظهر فى ظاهر البدن لفساد مزاج او من ادرة وهى مرض الانثيين ونفختهما بالفارسية [مادخايه] وذلك لفرط تستره حياء فاطلعهم الله على براءته وذلك ان بنى اسرائيل كانونا يغتسلون عراة ينظر بعضهم الى سوءة بعضهم اى فرجه وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده. قال ابن ملك وهذا مشعر بوجوب التستر فى شرعه. فقال بعضهم والله ما يمنع موسى ان يغتسل معنا الا انه آدر على وزن افعل وهو من له ادرة فذهب مرة موسى يغتسل فوضع ثوبه على حجر قيل هو الحجر الذى يتفجر منه الماء ففر الحجر بثوبه اى بعد ان غسل واراد ان يلبس ثوبه فاسرع موسى خلف الحجر وهو عريان وهو يقول ثوبى حجر ثوبى حجر اى دع ثوبى يا حجر فوقف الحجر عند بنى اسرائيل ينظرون اليه فقالوا والله ما بموسى من بأس وعلموا انه ليس كما قالوا فى حقه فاخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا فضربه خمسا اوستا او سبعا اواثنتى عشرة ضربة بقى اثر الضربات فيه. قال فى انسان العيون كان موسى عليه السلام اذا غضب يخرج شعر رأسه من قلنسوته وربما اشتعلت قلنسوته نارا لشدة غضبه ولشدة غضبه لما فر الحجر بثوبه ضربه مع انه لا ادراك له ووجه بانه فر صار كالدابة والدابة اذا جمحت بصاحبها يؤديها بالضرب انتهى. يقول الفقير للجمادات حياة حقانية عند اهل الله تعالى فهم يعاملونها معاملة الاحياء: قال فى المثنوى شعر : بادرا بى جشم اكر بينش نداد فرق جون ميكرد اندر قوم عاد كر نبودى نيل را آن نور ديد ازجه قبطى را زسبطى ميكزيد كرنه كوه وسنك باديدار شد بس جرا داودرا آن يار شد اين زمين را كرنبودى جشم جان ازجه قارونرا فرو خورد آنجنان تفسير : وفى القصة اشارة الى ان الانبياء عليهم السلام لابد وان يكونوا متبرئين من النقص فى اصل الخلقة وقد يكون تبريهم بطريق خارق للعادة كما وقع لموسى من طريق فرار الحجر كما شاهدوه ونظروا الى سوأته. وفى الخصائص الصغرى ان من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم انه لم ترعورته قط ولو رآها احد طمست عيناه. وقال بعضهم فى وجه الاذى ان موسى خرج مع هارون الى بعض الكهوف فرأى سريرا هناك فنام عليه هارون فمات ثم ان موسى لما عاد وليس معه هارون قال بنوا اسرائيل قتل موسى هارون حسدا له على محبة بنى اسرائيل اياه فقال لهم موسى ويحكم كان اخى ووزيرى أتروننى اقتله فلما اكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا فنزل السرير الذى نام عليه فمات حتى نظروا اليه بين السماء والارض فصدقوه وان هارون مات فيه فدفنه موسى فقيل فى حقه ما قيل كما ذكر حتى انطلق موسى ببنى اسرائيل الى قبرة ودعا الله ان يحييه فاحياه الله تعالى واخبرهم انه مات ولم يقتله موسى عليه السلام وقد سبقت قصة وفاة موسى وهارون فى سورة المائدة فارجع اليها. وفى التأويلات النجمية يشير الى هذه الامة بكلام قديم ازلى ان لا يكونوا كامة موسى فى الايذاء فانه من صفات السبع بل يكونوا اشداء على الكفار رحماء بينهم ولهذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يؤمن احدكم حتى يأمن جاره بوائقه" تفسير : وقال "حديث : المؤمن من امنه الناس" تفسير : وقوله "حديث : لا تكونوا" تفسير : نهى عن كونهم بنفى هذه الصفة عنهم اى كونوا ولا تكونوا بهذا الصفة لتكونوا امة اخرجت للناس فكانوا ولم يكونوا بهذه الصفة. وفيه اشارة الى ان كل موجود عند ايجاده بامركن مأمور بصفة مخصوصة به ومنهى عن صفة غير مخصوصة به فكان كل موجود كما امر بامر التكوين ولم يكن كما نهى بنهى التكوين كما قال تعالى للنبى صلى الله عليه وسلم {أية : فاستقم كما امرت} تفسير : بالاستقامة بامر التكوين عند الايجاد فكان كما امر وقال تعالى ناهيا له نهى التكوين {أية : ولا تكونن من الجاهلين} تفسير : فلم يكن من الجاهلين كما نهى عن الجهل
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذَوْا موسى} من بني إسرائيل {فبرأه اللهُ مما قالوا} وذلك أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عرايا، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى عليه السلام يستتر لشدة حيائه، فقالوا: ما يمنع موسى من الاغتسال معنا إلا أنه آدر ـ والأدْرَة: انتفاخ الأنثيين ـ أو: به عيب من برص أو غيره، فذهب يغتسل وحده، فوضع ثوبه على حجر، ففرّ الحجر بثوبه، فلجّ في أثره يقول: ثَوْبي حَجَر، ثوبي حجر! حتى نظروا إلى سوأته، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر من بعد ما نظروا إليه، وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضرباً، ثلاثاً أو أربعاً. وقيل: كان أذاهم: ادعاءهم عليه قتل أخيه. قال عليّ رضي الله عنه: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته. وكان أشدَّ لنا حبًّا، وألين منك، فآذوه بذلك، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته، حتى مرت به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بمماته، حتى تحققت بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرّأ الله موسى من ذلك، ثم دفنوه. فلم يطلع على قبره إلا الرَّخَم من الطير، وإن الله جعله أصم أبكم، وقيل: إنه على سرير في كهف الجبل. وقيل: إن قارون استأجر امرأة مومسة، لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ، فعصمها الله، وبرأ موسى، وأهلك قارون. وقد تقدّم. {وكان عند الله وجيهاً} ذا جاه ومنزلة رفيعة، مستجاب الدعوة. وقرأ ابن مسعود والأعمش "وكان عبداً لله وجيهاً". {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} في ارتكاب ما يكرهه، فضلاً عما يؤذي رسوله، {وقولوا قولاً سديداً} صدقاً وصواباً، أو: قاصداً إلى الحق. والسدادُ: القصدُ إلى الحق والقول بالعدل. والمراد: نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول. والحثُّ على أن يُسددوا قولهم في كل باب؛ لأن حفظ اللسان، وسداد القول رأس كل خير، ولذلك قال: {يُصلحْ لكم أعمالَكم} أي: يوفقكم لصالح الأعمال، أو: يقبل طاعتكم، ويثيبكم عليها، {ويغفرْ لكم ذنوبَكم} أي: يمحها. والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم، فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم ما هو غايةُ الطُلبة؛ من تقبل حسنَاتكم، ومن مغفرة سيئاتكم. وهذه الآية مقررة للتي قبلها، فدلت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله في حفظ اللسان، ليترادف عليها النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام، واتباع الأمر الوعد البليغ بتقوى الله الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه. ثم وعدهم بالفوز العظيم بقوله: {ومن يُطع اللهَ ورسولَه} في الأوامر والنواهي {فقد فاز فوزاً عظيماً} يعيش في الدنيا حميداً، وفي الآخرة سعيداً. جعلنا الله منهم، آمين. الإشارة: في الآية تسلية لمَن أوذي من الأولياء بالتأسي بالأنبياء. رُوي أن موسى عليه السلام قال: يا رب احبس عليّ ألسنة الناس، فقال له: هذا شيء لم أصنعه لنفسي، فكيف أفعله بك. وأوحى تبارك وتعالى إلى عزير: إن لم تطِبْ نفساً بأن أجعلك علكاً في أفواه الماضغين، لم أثبتك عندي من المتواضعين. هـ. واعلم أن تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم هو سبب السعادة والفوز الكبير، وتعظيم أولياء الله وخدمتهم هو سبب الوصول إلى الله العلي الكبير، وتقوى الله أساس الطريق، وحفظ اللسان وتحرِّي القول السديد هو سبب الوصول إلى عين التحقيق. قال الشيخ زروق رضي الله عنه في بعض وصاياه ـ بعد كلام ـ: ولكن قد تصعب التقوى على النفس؛ لاتساع أمرها، فتوجّهْ لترك العظائم والقواعد المقدور عليها، تُعَنْ على ما بعدها، وأعظم ذلك معصية: الغيبة قولاً وسماعاً، فإنها خفيفة على النفوس؛ لإِلْفها، مستسهلة؛ لاعتيادها، مع أنها صاعقة الدين، وآفة المذنبين، مَن اتقاها أفلح في بقية أمره، ومَن وقع فيها خسر فيما وراءها. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم...} الآية، فجعل صلاحَ العمل متوقفاً على سداد القول، وكذلك ورد: أن الجوارح تُصبح تشتكي اللسان، وتقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. فلا تهمل يا أخي لسانك، وخصوصاً في هذه الخصلة، فتورع فيها أكثر ما تورعُ في مأكلك ومشربك، فإذا فعلت طابت حياتك، وكفيت الشواغب، ظاهراً وباطناً. هـ. فإذا تحققت بالتقوى، وحصّنت لسانك بالقول السديد، كنت أهلاً لحمل الأمانة، كما قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ...}
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} فى حقّه وآذوه، وكان مناسب المقام من حمل الآيات فى ايذاء الرّسول وايذاء المؤمنين على ايذائه فى علّى (ع) وايذاء علىٍّ (ع) وفاطمة (ع) ان يكون المعنى لا تكونوا فى ايذاء الرّسول او فى ايذاء علىٍّ (ع) كالّذين آذوا موسى {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} وذلك انّ موسى كان حيّياً لا يغتسل الاّ فى موضعٍ لا يراه احد فقال بعض إنّه عنّين وقال بعض: انّه ليس له ما للرّجال، وقال بعض: انّ به عيباً امّا برص او اُدْرة فذهب مرّة يغتسل ووضع ثوبه على حجرٍ فمرّ الحجر بثوبه فطلبه موسى (ع) فرآه بنو اسرائيل عرياناً كأحسن الرّجال فبرّأه الله ممّا قالوا.
اطفيش
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} اي اظهر براءته منه اي لا تؤذوا نبيكم كما آذى هؤلاء موسى قيل نزلت في شأن زيد وزينب وما قال بعض الناس في ذلك والذين آذوا موسى هم الذين كذبوه هذا احب الأقوال الى الفقهاء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وابو هريرة وجماعة الاشارة الى ما تضمنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم من ان بني اسرائيل كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم الى سوءة بعض وكان موسى رجلا ستيرا لا يرى من جسده شيء ما يستحي منه وكان يغتسل وحده وقال بعض بني اسرائيل والله ما منع موسى ان يغتسل معنا الا انه أدز أي كبير البيضتين ومنتفخهما او ان به برصا او آفة فذهب يغتسل فوضع ثوبه على حجر فاغتسل فخرج يلبسه ففر الحجر بثوبه فتبعه يقول ثوبي حجر ثوبي حجر اي دع ثوبي يا حجر فمر وهو عريان بجماعة فرأوه احسن خلق الله ما به آفة فقالوا والله ما بموسى من بأس فوقف الحجر فأخذ ثوبه فطفق يضرب الحجر بعصاه. قال ابوهريرة والله ان بالحجر أثر ست ضربات او سبع وفي رواية ثلاثا او اربعا او خمسا وقيل ان الحجر مر حتى وقف بين جماعة من بني اسرائيل فتبعه وقيل ان ايذاء موسى استئجار قارون ومن معه امرأة بغيا ان تقذف موسى بنفسها على رؤوس من الملأ واهلك قارون ومن معه وبرىء موسى وقيل انه ما مت هارون في التبه قالوا ان موسى قتله وقد مرت القصتان قيل مر به الى البل فمات هناك واحياه الله تعالى فأخبرهم ان موسى لم يقتله وقيل قتلته الملائكة ومروا به على بني اسرائيل فعلموا انه لم يقتله واعطى رسول الله صلى الله عيله وسلم يوم حنين الاقرع مائة من الابل وعيينه مائة واعطى ناسا من اشراف العرب واثر في السمة للتأليف فقال رجل هذه قسمة ما عدل بها وما اريد به وجه الله فقال بن مسعود رضي الله عنه والله لأخبرن بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فتغير وجهه حتى كأنه تغير بالصرف وهو صبغ احمر يصبغ به الأديم ثم قال فمن ذا يعدل اذا لم يعدل الله ورسوله قال يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر.. {وكان عند الله وجيها} كريما له شأن وحرمة وقال ابن عباس لا يسأل الله شيئا عند الوحي وحضور الملك الا اعطاه وقيل مستجاب الدعاء وتلك الأقوال كلها تدل على انه محبوب مقبول عند الله وكذا قول بعضهم المعنى كان ذا جاه ومنزلة عند الله فكان يميط عنه التهم والنقايض كما يفعل الملك بمن احبه ونص بعض اصحابنا على انه لا يقال في الدعاء بجاء النبي عند الله او عندك يا الله وقيل وجيها بالرسالة والطاعة وقراه ابن مسعود والاعمش وابو حيوه وكان عبدالله وجيها بالموحدة وضم الدال قال ابن خالويه وقراءة العامة اوجه لانها تفصح عن وجاهته عند الله.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءاذَوْاْ مُوسَىٰ } قيل نزلت فيما كان من أمر زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها وتزوجه صلى الله عليه وسلم بها وما سمع في ذلك من كلام آذاه عليه الصلاة والسلام {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } أي من قولهم أو الذي قالوه وأياً ما كان فالقول هنا بمعنى المقول، والمراد به مدلوله الواقع في الخارج وبتبرئة الله تعالى إياه من ذلك إظهار براءته عليه السلام منه وكذبهم فيما أسندوا إليه لأن المرتب على أذاهم ظهور براءته لا براءته لأنها مقدمة عليه، واستعمال الفعل مجازاً عن إظهاره، والمقول بمعنى المضمون كثير شائع، فالمعنى فأظهر الله تعالى براءته من الأمر المعيب الذي نسبوه إليه عليه السلام. وقيل: لا حاجة إلى ما ذكر فإنه تعالى لما أظهر براءته عما افتروه عليه انقطعت كلماتهم فهي فبرىء من قولهم على أن {برأه} بمعنى خلصه من قولهم لقطعه عنه، وتعقب بأنه مع تكلفه لأن قطع قولهم ليس مقصوداً بالذات بل المراد انقطاعه لظهور خلافه لا بد من ملاحظة ما ذكر. والمراد بالأمر الذي نسبوه إليه عليه السلام عيب في بدنه. أخرج الإمام أحمد والبخاري والترمذي وجماعة من طريق أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إن موسى عليه السلام كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل وقالوا ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا وأن موسى عليه السلام خلا يوماً وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وأن الحجر غدا بثوبه فأخذ موسى عليه السلام عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبـي حجر ثوبـي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله تعالى وبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضرباً بعصاه تفسير : فذلك قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ}. وقيل: إن ذلك ما نسبوه إليه عليه السلام من قتل هارون، أخرج ابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية: صعد موسى وهارون عليهما السلام الجبل فمات هارون فقالت بنو إسرائيل لموسى أنت قتلته كان أشد حباً لنا منك وألين فآذوه، من ذلك فأمر الله تعالى الملائكة عليهم فحملوه فمروا به على مجالس بني إسرائيل وتكلمت الملائكة عليهم السلام بموته فبرأه الله تعالى فانطلقوا به فدفنوه ولم يعرف قبره إلا الرخم وإن الله تعالى جعله أصم أبكم، وفي رواية عن ابن عباس وأناس من الصحابة أن الله تعالى أوحى إلى موسى أني متوف هارون فأت جبل كذا فانطلقا نحو الجبل فأذاهم بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيبة فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه فقال يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال نم عليه قال نم معي فلما ناما أخذ هارون الموت فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا قتل هارون / وحسده لحب بني إسرائيل له وكان هارون أكف عنهم وألين لهم وكان في موسى بعض الغلظة عليهم فلما بلغه ذلك قال: ويحكم إنه كان أخي أفتروني أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله تعالى فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه. وقيل: ما نسبوه إليه عليه السلام من الزنا وحاشاه، روي أن قالون أغرى مومسة على قذفه عليه السلام بنفسها ودفع إليها مالاً عظيماً فأقرت بالمصانعة الجارية بينها وبين قارون وفعل به ما فعل كما فصل في سورة القصص، ويبعد هذا القول تبعيداً ما جمع الموصول، وقيل: ما نسبوه إليه من السحر والجنون، وقيل: ما حكى عنهم في القرآن من قولهم: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ } تفسير : [المائدة: 24] وقولهم {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } تفسير : [البقرة: 61] وقولهم: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }تفسير : [البقرة: 55] إلى غير ذلك، ويمكن حمل ما قالوا على جميع ما ذكر. {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً } أي كان ذا جاه ومنزلة عنده عز وجل، وفي معناه قول قطرب: كان رفيع القدر ونحوه قول ابن زيد: كان مقبولاً، وأخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن أنه قال وجيهاً مستجاب الدعوة وزاد بعضهم ما سأل شيئاً إلا أعطى إلا الرؤية في الدنيا، ولا يخفى أن استجابة الدعوة من فروع رفعة القدر، وقيل: وجاهته عليه السلام أن الله تعالى كلمه ولقب كليم الله. وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبو حيوة {عَبْداً } من العبودة {لِلَّهِ } بلام الجر فيكون عبداً خبر (كان) و(وجيهاً) صفة له وهي قراءة شاذة، وفي صحة القراءة الشواذ كلام. قال ابن خالويه: صليت خلف ابن شنبوذ في شهر رمضان فسمعته يقرأ {وكان عبداً لله} على قراءة ابن مسعود ولعل ابن شنبوذ ممن يرى صحة القراءة بها مطلقاً، ويحتمل مثل ذلك في ابن خالويه وإلا فقد قال الطيبـي قال صاحب «الروضة»: «وتصح بالقراءة الشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصان»، وهٰهنا بين المعنيين بون كما يشير إليه كلام الزمخشري ونحوه عن ابن جني.
ابن عاشور
تفسير : لما تقضى وعيد الذين يؤذون الرسول عليه الصلاة والسلام بالتكذيب ونحوه من الأذى المنبعث عن كفرهم من المشركين والمنافقين من قوله: {أية : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة} تفسير : [الأحزاب: 57] حذر المؤمنين مما يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم بتنزيههم عن أن يكونوا مثل قوم نَسبوا إلى رسولهم ما هو أذى له وهم لا يعبأون بما في ذلك من إغضابه الذي فيه غضب الله تعالى. ولما كان كثير من الأذى قد يحصل عن غفلة أصحابه عما يوجبه فيصدر عنهم من الأقوال ما تجيش به خواطرهم قبل التدبر فيما يحفّ بذلك من الاحتمالات التي تقلعه وتنفيه ودون التأمل يترتب عليه من إخلال بالواجبات. وكذلك يصدر عنهم من الأعمال ما فيه ورطة لهم قبل التأمل في مغبة عملهم، نبه الله المؤمنين كي لا يَقعُوا في مثل تلك العنجهية لأن مدارك العقلاء في التنبيه إلى معاني الأشياء وملازماتها متفاوتة المقادير، فكانت حَرية بالإِيقاظ والتحذير. وفائدة التشبيه تشويه الحالة المشبَّهة لأن المؤمنين قد تقرر في نفوسهم قبْح ما أوذي به موسى عليه السلام بما سبق من القرآن كقوله: {أية : وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}تفسير : [الصف: 5] الآية. والذين آذوا موسى هم طوائف من قومه ولم يكن قصدهم أذاه ولكنهم أهملوا واجب كمال الأدب والرعاية مع أعظم الناس بينهم. وقد حكى الله عنهم ذلك إجمالاً وتفصيلاً بقوله: {وإذ قال موسى لقومه} الآية (فلم يكن هذا الأذى من قبيل التكذيب لأجل قوله: {وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} والاستفهام في قوله: {لم تؤذونني} إنكاري). فكان توجيه الخطاب للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مراعى فيه المشابهة بين الحالين في حصول الإِذاية. فالذين آذوا موسى قالوا مرة {أية : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون}تفسير : [المائدة: 24] فآذوه بالعصيان وبضرب من التهكم. وقالوا مرة {أية : أَتتَّخِذُنا هزؤا}تفسير : [البقرة: 67] فنسبوه إلى الطيش والسخرية ولذلك قال لهم {أية : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : [البقرة: 67]. وفي التوراة في الإصحاح الرابع عشر من الخروج "وقالوا لموسى فإذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر فإنه خير لنا أن نخدُم المصريين من أن نموت في البرية". وفي الإصحاح السادس عشر "وقالوا لموسى وهارون إنكما أخرجتمونا إلى هذا القفر لكي تميتا كل هذا الجمهور بالجوع". وفي الحديث "حديث : إن موسى كان رجلاً حييّاً ستِّيراً فقال فريق من قومه: ما نراه يستتر إلا مِن عاهة فيه. فقال قوم: به برص، وقال قوم: هو آدر" تفسير : ونحو هذا، وكان قريباً من هذا قول المنافقين: إن محمداً تزوج مطلقة ابنه زيد بن حارثة. وقد دلت هذه الآية على وجوب توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتجنب ما يؤذيه وتلك سنة الصحابة والمسلمين وقد عرضَت فلتاتٌ من بعض أصحابه الذين لم يبلغوا قبلها كمال التخلق بالقرآن مثل الذي قال له لما حَكَم بينه وبين الزُبير في ماء شراح الحَرّة: أنْ كان ابنَ عمتِك يا رسول الله. ومثل حديث : التميمي خرفوص الذي قال في قسمَة مغانم حُنين: "هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبَر"تفسير : . واعلم أن محل التشبيه هو قوله: {كالذين آذوا موسى} دون ما فرع عليه من قوله: {فبرأه الله مما قالوا} وإنما ذلك إدماج وانتهاز للمقام بذكر براءة موسى مما قالوا، ولا اتصال له بوجه التشبيه لأن نبيئنا صلى الله عليه وسلم لم يُوذَ إيذاء يقتضي ظهور براءته ما أوذي به. ومعنى "بَرَّأه" أظهر براءته عيَاناً لأن موسى كان بريئاً مما قالوه من قبل أن يؤذوه بأقوالهم فليس وجود البراءة منه متفرعة على أقوالهم ولكن الله أظهرها عقب أقوالهم فإِن الله أظهر براءته من التغرير بهم إذ أمرهم بدخول أريحا فثبّت قلوبهم وافتتحوها وأظهر براءته من الاستهزاء بهم إذ أظهر معجزته حين ذبحوا البقرة التي أمرهم بذبحها فتبين من قتل النفس التي ادّارأوا فيها. وأظهر سلامته من البرص والأدرة حين بدا لهم عرياناً لما انتقل الحجر الذي عليه ثيابه. ومعنى: "برأه مما قالوا" برأه من مضمون قولهم لا من نفس قولهم لأن قولهم قد حصل وأوذي به وهذا كما سموا السُّبة القالة. ونظيره قوله تعالى: {أية : ونرثه ما يقول}تفسير : [مريم: 80]، أي ما دل عليه مقاله وهو قوله: {أية : لأوتين مالاً وولداً} تفسير : [مريم: 77] أي نرثه ماله وولده. وجملة {وكان عند الله وجيهاً} معترضة في آخر الكلام ومفيدة سبب عناية الله بتبرئته. والوجيه صفة مشبهة، أي ذو الوجاهة. وهي الجاه وحسن القبول عند الناس. يقال: وجُه الرجل، بضم الجيم، وجاهة فهو وجيه. وهذا الفعل مشتق من الاسم الجامد وهو الوجْه الذي للإِنسان، فمعنى كونه وجيهاً عند الله أنه مرضيّ عنه مقبول مغفور له مستجاب الدعوة. وقد تقدم قوله تعالى: {أية : وجيهاً في الدنيا والآخرة} تفسير : في سورة [آل عمران:45]، فضُمّه إلى هنا. وذكر فعل {كان} دال على تمكن وجاهته عند الله تعالى. وهذا تسفيه للذين آذوه بأنهم آذوه بما هو مبرأ منه، وتنويه وتوجيه لتنزيه الله إياه لأنه مستأهل لتلك التبرئة لأنه وجيه عند الله وليس بخامل.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 69- يا أيها الذين آمنوا لا تؤذوا النبى بأى نوع من الأذى، كالذين آذوا موسى من قومه فَبَرَّأه الله مما نسبوه إليه، وكان موسى عند الله سيدا ذا جاه. 70- يا أيها الذين آمنوا خافوا عقاب الله إذا عصيتموه، وقولوا قولا مستقيما لا اعوجاج فيه. 71- يوفقكم للعمل الصالح ويمحُ ذنوبكم، ومَن يطع الله ورسوله فقد نال الفوز العظيم بالنجاة من العقاب والحصول على الثواب. 72- إنا عرضنا التكاليف على السموات والأرض والجبال فأبين حملها وخفْن منها، وحملها الإنسان إنه كان شديد الظلم لنفسه، جهولا بما يطيق حمله. 73- ليُعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويقبل الله توبة المؤمنين والمؤمنات، والله كثير المغفرة واسع الرحمة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يا أيها الذين آمنوا: أي يا من صدقوا بالله ورسوله ولقاء الله وما جاء به رسول الله. لا تكونوا كالذين آذوا موسى: أي لا تكونوا مع نبيكم كما كان بنو إسرائيل مع موسى إذ آذوه بقولهم إنه ما يمنعه من الاغتسال معنا إلا أنه آدر. فبرأه الله مما قالوا: أي أراهم أنه لم يكن به أدرة وهي انتفاخ إحدى الخصيتين. وكان عند الله وجيهاً: أي ذا جاهٍ عظيم عند الله فلا يُخيِّبُ له مسعىً ولا يرد له مطلباً. وقولوا قولا سديداً: أي صدقاً صائباً. يصلح لكم أعمالكم: أي الدينيَّة والدنيوية إذْ على الصدق والموافقة للشرع نجاح الأعمال والفوز بثمارها. فقد فاز فوزاً عظيماً: أي نال غاية مطلوبة وهو النجاة من النار ودخول الجنة. إنا عرضنا الأمانة: أي ما ائتمن عليه الإِنسان من سائر التكاليف الشرعية وما ائتمنه عليه أخوه من حفظ مال أو قول أو عرض أو عمل. فأبين أن يحملنها وأشفقن منها: أي رفضن الالتزام بها وخفن عاقبة تضييعها. وحملها الإِنسان: أي آدم وذريَّته. إنه كان ظلوما جهولاً: أي لأنه كان ظلوماً أي كثير الظلم لنفسه جهولاً بالعواقب. ليعذب الله المنافقين: أي وتحملها الإِنسان قضاء وقدراً ليرتب الله تعالى على ذلك عذاب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب على المؤمنين والمؤمنات فيغفر لهم ويرحمهم وكان الله غفوراً رحيماً. معنى الآيات: قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ينادي الله تعالى مؤمني هذه الأُمة ناهياً لهم عن أذى نبيّهم بأدنى أذى، وأن لا يكونوا كبني إسرائيل الذين آذوا موسى في غير موطن ومن ذلك ما ذكره صلى الله عليه وسلم عنه في قوله من رواية مسلم أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده فقالوا: ما منعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب يوماً يغتسل فوضع ثوبه على حجر وأخذ يغتسل وإذا بالحجر يهرب بالثوب فيجري موسى وراءه حتى وقف به على جمع من بني إسرائيل فرأوا أنه ليس به أُدره ولا برص كما قالوا فهذا معنى فبرَّأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيهاً أي ذا جاه عظيم. ومما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى أذاه في إتهام زوجه بالفاحشة من قبل أصحاب الإِفك وقول بعضهم له وقد قسم مالاً هذه قسمة ما أُريد به وجه الله. وقول بعضهم اعدل فينا يا رسول الله فقال له ويحك إذا لم أعدل أنا فمن يعدل؟ وكان يقول يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر!! هذا ما دلت عليه الآية الأولى [69] اما الآية الثانية [70] فقد نادى تعالى عباده المؤمنين الذين نهاهم عن أذيِّة نبيهم وأن لا يكونوا في ذلك كقوم موسى بن عمران ناداهم ليأمرهم بأمرين الأول بتقواه عز وجل إذ قال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدقوا الله ورسوله. {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي خافوا عقابه. فأدوا فرائضه واجتنبوا محارمه. والثاني بالتزام القول الحق الصائب السديد، ورتَّب على الأمرين صلاح أعمالهم ومغفرة ذنوبهم إذ قول الحق والتزام الصدق مما يجعل الأقوال والأعمال مثمرة نافعة، فتثمر زكاة النفس وطهارة الروح. ثم أخبرهم مبشراً إِياهم بقوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في الأمر والنهي فقد فاز فوزاً عظيماً وهي سعادة الدارين: النجاة من كل مخوف والظفر بكل محبوب مرغوب ومن ذلك النجاة من النار ودخول الجنة. هذا ما تضمنه قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} وقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ} يخبر تعالى منبهاً محذراً فيقول: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ} وهي شاملة للتكاليف الشرعية كلها ولكل ما أئتمن عليه الإِنسان من شيء يحفظه لمن ائتمنه عليه حتى يرده إليه عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال بعد أن خلق لها عقلاً ونطقاً ففهمت الخطاب وردت الجواب فأبت تحملها بثوابها واشفقت وخافت من تبعتها، وعرضت على الإِنسان آدم فحملها بتبعتها من ثواب وعقاب لأنه كان ظلوماً لنفسه يوردها موارد السوء جهولاً بعواقب الأمور. هذا ما دلت عليه الآية الرابعة [72] وهي قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبَيْنَ أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإِنسان إنه كان ظلوماً جهولاً. وقوله تعالى: {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ} أي بتبعة النفاق والشرك، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات أي تَمَّ عرضُ الأمانة وقبولُ آدم لها ليؤول الأمر إلى أن يكفر بعض أفراد الإِنسان فيعذبوا بكفرهم الذي نجم عن تضييع الأمانة، ويؤمن بعض آخر فيفرط بعض التفريط ويتوب فيتوب الله عليه فيغفر له ويدخله الجنة وكان الله غفوراً رحيماً ومن آثار ذلك أن تاب الله على المؤمنين والمؤمنات وغفر لهم ورحمهم بإدخالهم الجنة فسبحان الله المدبر الحكيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب تقوى الله عز وجل بفعل الأوامر واجتناب المناهي. 2- صلاح الأعمال لتثمر للعاملين الزكاة للنفس، وطيب الحياة متوقف على التزام الصدق في القول والعمل وهو القول السديد المنافي للكذب والانحراف في القول والعمل. 3- طاعة الله ورسوله سبيل الفوز والفلاح في الدارين. 4- وجوب رعاية الأمانة وأدائها، ولم يخل أحد من أمانة. 5- وصف الإِنسان بالظلم والجهل وبالكفر والمهانة والضعف في آيات أخرى يستلزم طلب علاج لهذه الصفات. وعلاجها جاء مبيناً في سورة المعارج في قوله {أية : إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} تفسير : [المعارج: 22] إلى قوله {أية : وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} تفسير : [المعارج: 34].
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {آذَوْاْ} (69) - يَا أَيُّها الذِينَ آمَنُوا لا تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَولٍ يَكْرَهُهُ، وَلاَ بِفِعْلٍ لاَ يُحِبُّه، وَلاَ تَكُونُوا أَمْثَالَ الذينَ آذوْا مُوسَى عَليهِ السَّلامُ، نَبيَّ اللهِ، فَزَعَمُوا كَذِباً وَبَاطِلاً أَنَّ فِيهِ عَيْباً في جِسْمِهِ، فَبَرَّأهُ اللهُ مِمّا قَالُوا فيهِ، بِمَا أَظْهَرَهُ مِنَ الأَدِلَّةِ عَلى كَذِبِهِمْ، وَافْتِرَائِهِمْ، وَكَانَ مُوسَى ذَا وَجَاهَةٍ وَكَرَامَةٍ عِنْدَ اللهِ. وَجِيهاً - ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ - مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ.
الثعلبي
تفسير : قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ } فطهّره الله سبحانه {مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} كريماً مقبولاً ذا جاه، واختلفوا فيما آذوا به موسى. فأخبرنا محمّد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرني أبو حامد بن الشرفي، عن محمد ويحيى بن عبد الرحمن بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرني أبو بكر المطيري قال: أخبرني أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن يزيد المؤدب، عن عبد الرزاق، عن معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:"حديث : كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى (عليه السلام) يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنّه آدر، فذهب مرّة يغتسل وحده فوضع ثوبه على الحجر ففرّ الحجر بثوبه فجمح في أثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى نظر بنو إسرائيل إلى سوأة موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر من بعدما نظروا إليه، فأخذ ثوبه وطفق بالحجر ضرباً ". تفسير : قال أبو هريرة: إنّ بالحجر ندباً ستّة أو سبعة أثر ضرب موسى (عليه السلام). وروى الحسن وابن سيرين عن أبي هريرة في هذه الآية قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:"حديث : إنَّ موسى كان رجلاً حيّياً ستيراً لا يكاد يُري من جلده شيئاً يستحيي منه،فآذاه مَن آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستر هذا الستر إلاّ من عيب بجلده، إمّا برص وإمّا أدرة، فأراد الله أن يبرءه ممّا قالوا: وإنّ موسى خلا يوماً وحده، فوضع ثوبه على حَجر ثمّ اغتسل، فلمّا فرغ من غسله أقبل على ثوبه ليأخذه بَعُد الحجر بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، وجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل،فنظروا إلى أحسن الناس خلقاً وأعدلهم صورة، وإنّ الحجر قام فأخذ ثوبه فلبسه، فطفق بالحجر ضرباً، وقال الملأ: قاتل الله أفّاكي بني إسرائيل فكانت براءته التي برّأه الله منها ". تفسير : وقال قوم: كان إيذاؤهم إيّاه ادّعاءهم عليه قتل أخيه هارون. أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه أنّ المعافى بن زكريا القاضي أخبره عن محمد بن جرير بن يزيد الطبري، حدّثني علي بن مسلم الطوسي، عن عبّاد عن سفيان بن حصين،عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن علي بن أبي طالب في قول الله تعالى: {كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ} قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون، فقال بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشدّ حبّاً لنا منك وألين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته حتى مرّوا به على بني إسرائيل، وتكلّمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنّه مات، فبرّأه الله من ذلك، فانطلقوا به فدفنوه، فلم يطّلع على قبره أحد من خلق الله إلاّ الرّخم فجعله الله أصمّ أبكم. وقال أبو العالية: هو أنّ قارون استأجر مومسة لتقذف موسى (عليه السلام) بنفسها على رأس الملأ، فعصمها الله منه وبرّأ موسى من ذلك وأهلك هارون. وقد مضت هذه القصّة. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} أي حقّاً قصداً. ابن عبّاس: صواباً. قتادة ومقاتل: عدلاً. المؤرخ: مستقيماً. عكرمة: هو قول: لا إله إلاّ الله. ابن حيان: يعني قولوا في شأن زينب وزيد سديداً ولا تنسبوا رسول الله صلّى الله عليه إلى ما لا يحمل. {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}. قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} قيل: كان العَرْض على أعيان هذه الأشياء، فأفهمهنّ الله خطابه وأنطقهنّ. وقيل: عرضها على من فيها من الملائكة. وقيل: عرضها على أهلها كلّها دون أعيانها، وهذا كقوله: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82] [أي أهلها]. {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} مخافةً وخشيةً لا معصية ومخالفة، وكان العَرض تخييراً لا إلزاماً {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} واختلفوا في الأمانة، فقال أكثر المفسّرين: هي الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده، عَرَضها على السماوات والأرض والجبال، إنْ أدّوها أثابهم وإنْ ضيّعوها عذّبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله أن لا يقوموا بها وقالوا: لا، نحن مسخّرات لأمرك لا نريد ثواباً ولا عقاباً. فقال الله تعالى لآدم: إنّي عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا ربّ وما فيها؟ قال: إنْ أحسنت جُزيت، وإنْ أسأت عوقبت، فتحمّلها آدم صلوات الله عليه وقال: بين أُذني وعاتقي، فقال الله تعالى: أمّا إذا تحمّلت فسأُعينك فاجعل لبصرك حجاباً، فإذا خشيت أنْ تنظر إلى ما لايحلّ لك فأرخِ عليه حجابه واجعل للسانك لحيين وغلقاً، فإذا خشيت فاغلق، واجعل لفرجك لباساً فلا تكشفه على ما حرَّمتُ عليك. قالوا: فما لبث آدم إلاّ مقداراً ما بين الظهر والعصر حتى أُخرج من الجنّه. وقال مجاهد: الأمانة الفرائض وحدود الدين. وأبو العالية: هي ما أُمروا به ونُهوا عنه. وقال زيد بن أسلم وغيره: هي الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من شرائع الدين. أنبأني عقيل بن محمد، عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن خالد العسقلاني عن عبد الله بن عبد المجيد الحنفي قال: أخبرنا أبو العوام القطان عن قتادة وأبان بن أبي عبّاس عن خليد العصري عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: خمس مَنْ جاء بهنّ يوم القيامة مع إيمان دخل الجنّة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهنّ ومواقيتهنّ،وأعطى الزكاة من ماله عن طيب نفس وكان يقول: [وأيم] الله لا يفعل ذلك إلاّ مؤمن وأدّى الأمانة. قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة. قال: الله عزّ وجلّ لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيره. وبه عن ابن جرير عن ابن بشّار، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن أُبيّ بن كعب قال: من الأمانة أنّ المرأة أُئتمنت على فرجها. وقال عبد الله بن عمر بن العاص: أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه، وقال: هذه أمانة استودعتكها. فالفرج أمانة، والأُذن أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وقال بعضهم: هي أمانات الناس، والوفاء بالعهد، فحق على كل مؤمن ألاّ يغش مؤمناً، ولا معاهداً في شيء قليل ولا كثير، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس، وقال السدي بإسناده: هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده، وخيانته إياه في قتل أخيه وذكر القصة إلى أن قال: قال الله عز وجل لآدم: يا آدم هل تعلم أنّ لي في الأرض بيتاً؟ قال: اللهم لا. قال: فإن لي بيتاً بمكة فأته. فقال آدم للسماء: "احفظي ولدي بالأمانة"، فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، وقال لقابيل فقال: نعم تذهب وترجع تجد أهلك كما يسرك. فانطلق آدم (عليه السلام)، فرجع وقد قتل قابيل هابيل، فذلك قوله عز وجل: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ} يعني قابيل حين حمل أمانة آدم ثم لم يحفظ له أهله. وقال الآخرون: {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} يعني آدم. ثم اختلفت عباراتهم في معنى (الظلوم) و(الجهول)؛ فقال ابن عباس والضحاك: {ظَلُوماً} لنفسه {جَهُولاً} غِرّاً بأمر الله وما احتمل من الأمانة. قتادة: {ظَلُوماً} للأمانة {جَهُولاً} عن حقها. الكلبي: {ظَلُوماً} حين عصى ربه، {جَهُولاً} لا يدري ما العقاب في تركه الأمانة. الحسين بن الفضل: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} عند الملائكة لا عند الله. {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تكلم الحق سبحانه عن الذين آذوا الله، وآذوا رسول الله، وآذوا المؤمنين دَلَّ على أن المسألة ليست تعصُّباً لمحمد، إنما هذا مبدأ سائد في كل رسل الله، وليس معنى منع إيذاء محمد أن تؤذوا غيره من إخوانه الرسل، فقال سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ..} [الأحزاب: 69] وموسى - عليه السلام - كانت له في رحلة دعوته علاقتان: علاقة مع الفراعنة، وعلاقة مع بني إسرائيل، ولم يكُنْ موسى - عليه السلام - رسولاً إلى الفراعنة، إنما أُرسل إلى بني إسرائيل؛ لذلك قال موسى وهارون لفرعون: {أية : إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ..} تفسير : [طه: 47] فهدفه تخليص بني إسرائيل من استعباد فرعون. أما دعوته لفرعون إلى الإيمان بالله وإظهار المعجزة أمامه لعله يؤمن، فجاءت على هامش دعوته الأساسية لبني إسرائيل، ومع ذلك لم يَسْلم موسى عليه السلام من إيذاء فرعون، فقال عنه {أية : سَاحِرٌ كَـذَّابٌ} تفسير : [غافر: 24]. وقال: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الشعراء: 27]. وقال: {أية : أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} تفسير : [الزخرف: 52]. وطبيعي أنْ يُؤْذّى موسى عليه السلام من فرعون، وقد جاء ليبطل ألوهيته المزعومة، لكن كيف يُؤْذَى من بني إسرائيل، وهو الذي جاء لينقذهم من قبضة فرعون، ومما كانوا فيه من العذاب والاستعباد؟ قال العلماء: إن بني إسرائيل آذوا موسى حين آذوا مَنْ بعثه، الله سبحانه وتعالى، فقالوا له: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً ..} تفسير : [النساء: 153]. وقالوا: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ..} تفسير : [آل عمران: 181]. وآذَوْا موسى حين قالوا معترضين على ما رزقهم الله من المنِّ والسَّلْوى، فقالوا: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ..} تفسير : [البقرة: 61]. ومعلوم أن المنَّ هو سائل يشبه العسل، يتساقط مثل الندى في الصباح من الأشجار، والسَّلْوى طائر يشبه السّمان يسوقه الله إليهم دون تعب منهم، لكنهم قوم لا يؤمنون بالغيب، ولا يريدون هذا الطعام الجاهز، فهم يريدون شيئاً محسوساً يزرعونه، ويُعدونه بأنفسهم. ثم آذَوْا موسى عليه السلام في شخصه، حين اتهموه بقتل أخيه هارون حين صَعَدا الجبل، ومات هارون هناك، فقالوا: إن موسى حقد على أخيه فقتله، فجعل الله الملائكة تحمل جسد هارون وتمرُّ به على بني إسرائيل وهو سليم لا جُرْحَ فيه، وهذا معنى قوله تعالى: {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ..} [الأحزاب: 69]. وقال آخرون: بل اتهموا موسى عليه السلام بمرض في جسده؛ لأنه عليه السلام كان شديد الحياء، سِتِّيراً، يحتاط في ستر نفسه عند استحمامه وعند قضاء حاجته، فَقالوا: ما فعل ذلك إلا لعيب يريد أنْ يستره. ومنهم مَنْ قال: به برص. ومنهم من تجرَّأ واتهمه بعيب في أعضائه التناسلية، فشاء الله أنْ يبرئه مما قالوا، فنزل ذات يوم النهرَ ليستحم، فأمر الله حجراً فأخذ ثيابه بعيداً عنه، فجرى موسى عليه السلام خلف الحجر وهو يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر فرأوه مُبراً من العيوب التي اتهموه بها. أو: أن قارون لما حصلتْ الخصومة بينه وبين موسى عليه السلام استأجر امرأة بغيّاً، وقال لها: اتهمي موسى على مَشْهد من الناس، فشاء الله أنْ يجتمع الناس وتنطق هي وتقول: قارون فعل كذا وكذا، فبرَّأه الله بذلك. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ ..} [الأحزاب: 69] فينفي عنه العيب، ثم يُثبت له الوجاهة والشرف. {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} [الأحزاب: 69] وأيٌّ وجاهة بعد أنْ أظهر الله براءته، وبيَّن كذب أعدائه، فالوجاهة هيئة تدل على أنه مقبول الرجاء، مقبول الدعاء، لا يجرؤ أحد أنْ يرميه بعيب بعد ذلك، ولا أنْ يتهمه بذنب لم يفعله؛ لأنهم علموا أن لموسى رباً يحميه، ويدافع عنه. ومن عدالته سبحانه وتعالى مع خَلْقه أن مَنْ يُرْمَى بذنب لم يفعله يُعوِّضه عنه بأنْ يستر عليه ذنباً فعله، ولا يفضحه به، فواحدة بواحدة، إلا شيئاً واحداً كان مع موسى - عليه السلام - فحين لقي جواب الله، فكأنه غرَّه كرم ربه معه فقال: يا رب ما داموا قالوا فيَّ كذا وكذا، أسألُكَ ألاَّ يُقال فيَّ ما ليس فيَّ، فقال: يا موسى، أنا لم أفعل ذلك لنفسي، فكيف أفعله لك؟ والمعنى أنهم يقولون في حقِّ الله تعالى أكثر من ذلك. إذن: أبقى الله الكفر ليطمئن كل مَنْ أُنكر جميله، وكأنه يقول له: لا تحزن فأنا الخالق، وأنا الرازق، ومع ذلك كفروا بي وأنكروا الجميل.
الجيلاني
تفسير : ثم وصى سبحانه عموم المؤمنين بألاَّ يكونوا مع نبيهم صلى الله عليه وسلم مثل بني إسرائيل مع موسى - صلوت الرحمن عليه وسلامه - ولا يقصدوا أذاه صلى الله عليه وسلم كما قصدوا، ولا يرموه بشيء لا يليق بشأنه كما رموا به موسى عليه السلام؛ لأن معاشر الأنبياء كلهم معصومون عن الكبائر مطلقاً، بل عن الصغائر أيضاً، فلا بدَّ لمن آمن لهم ألاَّ يرموهم بمكروه، ولا يليق بشأنهم مع أنه سبحانه أظهر براءتهم وطهارة ذيلهم، فبقي إثم الافتراء والمراء على المفترين، فينتقم سبحانه عنهم منها ويأخذهم بها. فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم مقتضى إيمانكم به أن {لاَ تَكُونُواْ} قاصدين أذاه صلى الله عليه وسلم بنسبة المكروه المنكر إليه، وبتعبيره وتشنيعه بأمر صدر عنه ولم تفهموا سره {كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ} صلوات الله وسلامه عليه، فاغتم منها وتحزن حزناً شديداً {فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ} المطلع على نجابة طينته وطهارى ذيله وأظهر طهارته {مِمَّا قَالُواْ} أي: من مقولهم؛ يعني: مؤداة ومضمونه. وذلك أن قارون استأجر بغية بجعل كثير على أن تمري موسى عليه السلام بنفسها، فرموه بها، ثم أحضروها في المجلس؛ لتفضحه عليه السلام على رءوس الملأ، فأقرت لعصمته عليه السلام وأظهرت ما أعطوها من الجعل، فدعا موسى عليه، ففعل بهم وبما معهم سبحاه ما فعل من الخسف على ما مر في سورة "القصص" أو قذفوه بعيب في بدنه من برص أو أدرة، فبرأه الله سبحانه بأن تذهب الحجر بثيابه بين الملأ وهو يمشي على عقب ثيابه عرياناً يظهر، حتى يظهر براءته من العيب لهم {وَ} كيف لا يبرؤه سبحانه، ولا يظهر طهارته؛ إذ {كَانَ} موسى عليه السلام {عِندَ ٱللَّهِ} الذي اصطفاه للنوبة والرسالة والتكلم معه {وَجِيهاً} [الأحزاب: 69] في كمال الوجاهة والقربة؛ لذلك اختاره بسمع كلامه بلا واسطة. وبعدما سمعتم حكاية ما جرى على أولئك البغاة الغواة المؤذين المفترين {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله ورسوله {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} المنتقم الغيور، ولا تؤذوا رسوله صلى الله عليه وسلم {وَقُولُواْ} له بعدما تكلمتم معه في شأنه {قَوْلاً سَدِيداً} [الأحزاب: 70] صحيحاً سالماً، بعيداً عن وصمة الأذى والتهمة والافتراء؛ حتى لا يلحقكم ما لحق على قوم موسى. ولكم الإخلاص بالله ورسوله، وأخلصوا واستقيموا في الأفعال والأقوال وأطيعوا {يُصْلِحْ لَكُمْ} سبحانه {أَعْمَالَكُمْ} لتثمر لكم الثمرات العجيبة والدرجات الرفيعة عنده سبحانه {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} التي صدرت عنكم {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ} حق إطاعته ويخلص في أعماله {وَ} يطع {رَسُولَهُ} إطاعة خالية عن وصمة الأذى والرعونات المؤدية إلى أنواع المكروهات والمنكرات {فَقَدْ فَازَ} ونال {فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 71] هو الدخول بدار الخلود، والفوز بلقاء الخلاق الودود.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إيذاء أهل الأهواء للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} [الأحزاب: 69] يشير إلى هذه الأمة بكلام قديم أزلي أن لا تكونوا كأمة موسى في الدنيا الإيذاء فإنه من صفات السباع بل كونوا أشداء على الكفار رحماء بينكم ولهذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والمؤمن من أمنه الناس"تفسير : وقوله: {لاَ تَكُونُواْ} نهي جزم عند تكوينهم بنفي هذه الصفة عنهم أي: كونوا ولا تكونوا بهذه الصفة فيه إشارة إلى أن كل موجود عند إيجاده بأمر كن مأمور بصفة مخصوصة به ومنهي عن صفة مخصوصة به فكان كل موجود كما أمر بأمر التكوين ولم يكن كما نهى بنهي التكوين. كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} تفسير : [هود: 112] أي: كما أمرت بالاستقامة بأمر التكوين عند الإيجاد فكان كما أمر قال تعالى ناهيا له بنهي التكوين: {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ}تفسير : [الأنعام: 35] فلم يكن من الجاهلين كما نهى عن الجهل وبقوله: {وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً} [الأحزاب: 69] يشير إلى أن موسى عليه السلام كان في الأزل عند الله متصفا بالوجاهة، فلا يكون غير وجيه بتغير بني إسرائيل إياه كما قيل: شعر : إنْ كنتُ يا مولاي مُطَّرَحاً فعند غيرِك محمولٌ على الحَدَقِ تفسير : وبقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} [الأحزاب: 70] {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [الأحزاب: 71] يشير إلى أن الإيمان لا يكمل إلا بالتقوى وهو التوحيد عقداً وحفظ الحدود وجهداً، ولا يحصل سداد أعمال التقوى إلا بالقول السديد وهو كلمة لا إله إلا الله، فبالمداومة على قول هذه الكلمة شرائطها {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي: أعمل التقوى يقال سواد أقوالكم سداد أعمالكم وسداد الأقوال وسداد الأعمال يحصل سداد الأحوال وهو قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الأحزاب: 71] وهو عبارة عن دفع الحجب الظلمانية بنور المغفرة الربانية {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ} [الأحزاب: 71] فيما أمره ونهاه ويطع رسوله فيما أرشده وهداه إلى صراط مستقيم متابعته {فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 71] بالخروج عن الحجب الوجودية بالفناء في وجود الهوية والبقاء ببقاء الربوبية. وبقوله: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} [الأحزاب: 72] أي: عليها وعلى أهاليها يشير إلى أن حقيقة الأمانة وهي التي عبر عنها بالفوز العظيم، وقد فسرنا الفوز العظيم بالفناء في الله والبقاء بالله وهو عبارة عن قبول الفيض الإلهي بلا واسطة فالحاصل أن حقيقة الأمانة هي الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمى بالأمانة؛ لأنه من صفات الحق تعالى فلا يتملكه أحد وقد اختص الإنسان بقبول هذا الفيض وحمله من سائر المخلوقات لاختصاصه بإصابة رشاش النور الإلهي لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى"تفسير : فكل روح أصابه رشاش نور الله صار مستعداً لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة فكان عرض الفيض الإلهي على المخلوقات وحمل الفيض خاصاً للإنسان؛ لأن نسبة الإنسان مع المخلوقات كنسبة القلب مع الشخص، فالعالم شخص وقلبه الإنسان فكما أن عرض فيض الروح عام على الشخص الإنساني وقبوله وحمله مخصوص بالقلب بلا واسطة. ثم من القلب بواسطة العروق والشريانات وعروق ممتدة تصل عكس فيض الروح إلى جميع الأعضاء فيكون متحركاً به كذلك عرض الفيض الإلهي عام لاحتياج الموجودات به وقبوله وحمله خاص للإنسان ومنه يصل عكس الفيض إلى سائر المخلوقات ملكها وملكوتها. فأما في ملكها: وهو ظاهر الكون أعني الدنيا فيصل الفيض إليه بواسطة صورة للإنسان من بصنائعه الشريفة وحرفه اللطيفة التي به العالم معمور ومزين. وأما إلى ملكوتها: وهو باطن الكون أعني الآخرة فيصل الفيض إليها بواسطة روح الإنسان هو أول شيء تعلقت بالقدرة فيعلق الفيض الإلهي من أمر كن أولا بالروح الإنساني، ثم يفيض منه إلى عالم الملكوت فظاهر العالم وباطنه معمور بظاهر الإنسان وباطنه هذا هو سر الخلافة المخصوصة بالإنسان. وبقوله {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] على صيغة المبالغة يشير إلى أن الظالم هو الذي يظلم على غيره والظلوم من يظلم على نفسه والجاهل من يجهل غيره والجهول من جهل نفسه فأما ظلمه على نفسه فبحمل الأمانة لأنه وضع شيئا في غير موضعه فأفنى نفسه فيها وأما جهله بنفسه فبأنه يحسب أن هذه البهيمة التي تأكل وتشرب وتنكح وما علم أن هذه الصور الحيوانية هي قشرة ولها لب هو روحه وروحه أيضا قشر وله لب هو محبوب الحق تعالى الذي قال: {أية : يُحِبُّهُمْ}تفسير : [المائدة: 54] وهو محب الحق تعالى بقوله: {أية : وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54] فمن أحب غير الله جهل نفسه. {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}تفسير : [البقرة: 130] يعني: أن إبراهيم كان على ملة الخلة وغيره جهل نفسه وأحب غير الله فقد رغب عن ملة إبراهيم فمن يحب قشر الجسمانية الظلمانية ووصل إلى لب الروحانية النورانية، ثم علم أن هذا اللب أيضا قشر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة"تفسير : فعبر عن القشر الروحاني فيصل إلى لبه الذي هو محبوب الحق ومحبته فقد عرف نفسه، ولما عرف نفسه فقد عرف ربه بتوسله لا شرك فيه وأنه لما عرضت الأمانة عليه وعلى المخلوقات وهو الفيض الإلهي كما قررنا في الوجه المنور برشاش نور الله عرف شرف الأمانة وقصدها فكما لم يكن بهم ذا جبلة يحملها روح الملائكة وغيرهم منوراً برشاش نور الله ما عرفوها حق المعرفة وما كانوا مخصوصين بالمحبوبية، ولم يكن لهم راحلة يحملها بقوة الظلومية والجهولية فلما علموا خطر حملها، {أية : فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}تفسير : [الأحزاب: 72] وبمحمل الجسدانية وقوة الظلومية والجهولية حملها الإنسان فصارت الظلومية والجهولية في حق حاملي الأمانة ومؤدي حقها مدحا وفي حق الخائنين فيها ذماً وكل وجه ذكره المفسرون في معنى يدل على هذا قوله {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}تفسير : [البقرة: 130] أي: من جهل نفسه في معنى الأمانة حق ولكن طرقها ودعاؤها فحقيقتها ما ذكرنا وما هو قريب بها، والله أعلم. بقوله تعالى: {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ } [الأحزاب: 73] هذه اللام لأمر الصيرورة والعاقبة يشير إلى أن الحكمة في عرض الأمانة أن يكون الخليفة في أمرها على ثلاث طبقات: طبقة منها: تكون للملائكة وغيرهم ممن لم يحملها فلا يكون في ذلك لهم ثواب ولا عذاب. وطبقة منها: من يحملها ولم يؤد حقها وقد خان فيها، فهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات الذين حملوها بالظلومية على أنفسهم وضيقوها بجهولية قدرها فما رعوها حق رعايتها حاصل فهم أمرهم العذاب المؤبد. وطبقة منها: من يحملها ويؤد حقها ولم يخن فيها ولكن لثقل الحمل وضعف الإنسان يتلعثم في بعض الأوقات فيرجع إلى الحضر بالتضرع والابتهال مقرباً بالذنوب وهم المؤمنون والمؤمنات ليتوب الله عليهم لقوله: {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 73] والحكمة في ذلك فتكون كل طبقة من الطبقات الثلاث مرآة يظهر فيها جمال صفة من صفاتها. فالطبقة الأولى: إذ لم تحمل الأمانة وتركوا نفعها لضرها فهم مرآة جمال صفة عدله. والطبقة الثانية: إذا حملوها طمعاً في نفعها ولم يؤدوا حقها وقد خانوا فيها بأن باعوها بعرض من الدنيا الفانية، {أية : فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}تفسير : [البقرة: 16] فهم مرآة فيها جمال صفة قهره. والطبقة الثالثة: إذ حملوها بالطوع والرغبة والشوق والمحبة وأدوها حقها بقدر وسعهم ولكن كما قيل لكل جواد كبوة ووقع في بعض الأوقات قدم صدقهم عند ربهم في حجر بلاء وابتلاء بغير اختيارهم، ثم اجتباهم ربهم فتاب عليهم، وهداهم بجذبات العناية إلى الحضرة فهم مرآة يظهر فيها جمال فضله ولطفه وذلك قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 73] للمؤمنين والمؤمنات بفضله، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أذية رسولهم، محمد صلى اللّه عليه وسلم، النبي الكريم، الرءوف الرحيم، فيقابلوه بضد ما يجب له من الإكرام والاحترام، وأن لا يتشبهوا بحال الذين آذوا موسى بن عمران، كليم الرحمن، فبرأه اللّه مما قالوا من الأذية، أي: أظهر اللّه لهم براءته. والحال أنه عليه الصلاة والسلام، ليس محل التهمة والأذية، فإنه كان وجيها عند اللّه، مقربًا لديه، من خواص المرسلين، ومن عباده المخلصين، فلم يزجرهم ما له، من الفضائل عن أذيته والتعرض له بما يكره، فاحذروا أيها المؤمنون، أن تتشبهوا بهم في ذلك، والأذية المشار إليها هي قول بني إسرائيل لموسى لما رأوا شدة حيائه وتستره عنهم: "إنه ما يمنعه من ذلك إلا أنه آدر" أي: كبير الخصيتين، واشتهر ذلك عندهم، فأراد الله أن يبرئه منهم، فاغتسل يومًا، ووضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فأهوى موسى عليه السلام في طلبه، فمر به على مجالس بني إسرائيل، فرأوه أحسن خلق اللّه، فزال عنه ما رموه به.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ} [69] 444 - أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: أخبرنا روحٌ، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن خِلاَس، عن أبي هُريرة، عن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : كان موسى (عليه السلامُ) حَيِيَّاً سِتِّيراً، لا يُري من جلدهِ شيئاً؛ استحياءاً، فآذاه بعضُ بني إسرائيل؛ فقالوا: ما اسْتَتَرَ هذا السَّتْرَ إلا من شيءٍ بجلدِهِ، إمَّا برصٌ، وإمَّا أُدْرَةٌ، أو آفَةٌ، فدخل ليغتسل، ووضع/ ثيابهُ على الحجرِ، فَعَدَا الحجرُ بثيابهِ، فخرج يشتدُّ في أثرِهِ، فرآهُ بنو إسرائيل، أحسن الناسِ خلقاً، وأبرأهُ مما يقولون، فذلك قوله عزَّ وجلَّ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ} . تفسير : 445 أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيم، قال أخبرنا النَّضرُ، عن عوفٍ.. بهذا الإسنادِ مثلهُ.
همام الصنعاني
تفسير : 2382- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة في قوله: {لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} [الآية: 69]، قالا: إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة فلا يستترون، وكان مُوسَى رَجُلاً حَييّاً لا يفعل ذلك، فكانوا يقولون: ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه (آدَرُ)، فاغتسل يوماً، وَوَضَعَ ثوبه على حَجَرٍ، فَسَعى الحجر بثوبه، فاتَّبَعَهُ مُوسَى يسعى خلفه، ويقول: ثوبي يا حجر! ثوبي يا حجر! حتى مرَّ على بني إسرائيل فنظروا إليه فرأوه برئياً مما كانوا يقولون فأدرك الحجر، فأخذ ثوبه. 2383- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كانت بنو إسرائيل يغتسلون عُراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكَانَ موسى يغتسل وحده، فقالو: ما يمنع مُوسَى أن يغتسل معنا إلا أنه (آدَرُ)، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه، قال: (فَجَمَحَ) مُوسَى في أثره يَقُولُ: ثوبي يا حجر! ثوبي يا حجر! حتى نظر بنو إسرائيل إلى سوأة مُوسَى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، قال: فقام الحجر بعدما نظروا إليه فأخذ ثوبه، وطفق بالحَجَرِ ضرباً"تفسير : قال أبو هريرة: إنه لَنَدَبٌ بالحَجَرِ ستةٌ أو سبعةٌ أثر (ضربه) بالحجر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):