٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
70
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أرشدهم إلى ما ينبغي أن يصدر منهم من الأفعال والأقوال، أما الأفعال فالخير، وأما الأقوال فالحق لأن من أتى بالخير وترك الشر فقد اتقى الله ومن قال الصدق قال قولاً سديداً، ثم وعدهم على الأمرين بأمرين: على الخيرات بإصلاح الأعمال فإن بتقوى الله يصلح العمل والعمل الصالح يرفع ويبقى فيبقى فاعله خالداً في الجنة، وعلى القول السديد بمغفرة الذنوب. ثم قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } فطاعة الله هي طاعة الرسول، ولكن جمع بينهما لبيان شرف فعل المطيع فإنه يفعله الواحد اتخذ عند الله عهداً وعند الرسول يداً وقوله: {فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } جعله عظيماً من وجهين أحدهما: أنه من عذاب عظيم والنجاة من العذاب تعظم بعظم العذاب، حتى أن من أراد أن يضرب غيره سوطاً ثم نجا منه لا يقال فاز فوزاً عظيماً، لأن العذاب الذي نجا منه لو وقع ما كان يتفاوت الأمر تفاوتاً كثيراً والثاني: أنه وصل إلى ثواب كثير وهو الثواب الدائم الأبدي.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } أي قصداً وحقًّا. وقال ابن عباس: أي صواباً. وقال قتادة ومقاتل: يعني قولوا قولاً سديداً في شأن زينب وزيد، ولا تنسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما لا يحلّ. وقال عِكرمة وابن عباس أيضاً: القول السداد لا إلٰه إلا الله. وقيل: هو الذي يوافق ظاهره باطنه. وقيل: هو ما أريد به وجه الله دون غيره. وقيل: هو الإصلاح بين المتشاجرين. وهو مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض. والقول السداد يعم الخيرات، فهو عام في جميع ما ذكر وغير ذلك. وظاهر الآية يعطي أنه إنما أشار إلى ما يكون خلافاً للأذى الذي قيل في جهة الرسول وجهة المؤمنين. ثم وعد جل وعز بأنه يجازي على القول السداد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب؛ وحسبك بذلك درجة ورفعة منزلة. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي فيما أمر به ونهى عنه {فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
البيضاوي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في ارتكاب ما يكرهه فضلاً عما يؤذي رسوله.{وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } قاصداً إلى الحق من سد يسد سداداً، والمراد النهي عن ضده كحديث زينب من غير قصد. {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ } يوفقكم للأعمال الصالحة، أو يصلحها بالقبول والإِثابة عليها. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } ويجعلها مكفرة باستقامتكم في القول والعمل. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في الأوامر والنواهي. {فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } يعيش في الدنيا حميداً وفي الآخرة سعيداً. {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ} تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة، وسماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء، والمعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام وكانت ذات شعور وإدراك لأبين أن يحملنها، وأشفقن منها وحملها الإنسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوته لا جرم فاز الراعي لها والقائم بحقوقها بخير الدارين. {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً} حيث لم يف بها ولم يراع حقها. {جَهُولاً} بكنه عاقبتها، وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب. وقيل المراد بـ {ٱلأَمَانَةَ} الطاعة التى تعم الطبيعية والاختيارية، وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره، وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها ومنه قولهم حامل الأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته، فيكون الإِباء عنه اتياناً بما يمكن أن يتأتى منه والظلم والجهالة الخيانة والتقصير. وقيل إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهماً وقال لها: إني فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها، وناراً لمن عصاني، فقلن نحن مسخرات على ما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبتغي ثواباً ولا عقاباً، ولما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله، وكان ظلوماً لنفسه بتحمله ما يشق عليها جهولاً بوخامة عاقبته، ولعل المراد بـ {ٱلأَمَانَةَ} العقل أو التكليف، وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن، وبإبائهن الإِباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد، وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوماً جهولاً لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمناً على القوتين حافظاً لهما عن التعدي ومجاوزة الحد، ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما. {لّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تعليل للحمل من حيث إنه نتيجته كالتأديب للضرب في ضربته تأديباً، وذكر التوبة في الوعد إشعار بأنهم كونهم ظلوماً جهولاً في جبلتهم لا يخليهم عن فرطات. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} حيث تاب عن فرطاتهم وأثاب بالفوز على طاعاتهم. قال عليه الصلاة والسلام «حديث : من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله أو ما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب القبر».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه، وأن يقولوا {قَوْلاً سَدِيداً} أي: مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك، أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم، أي: يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها. ثم قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} وذلك أنه يجار من نار الجحيم، ويصير إلى النعيم المقيم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، حدثنا خالد عن ليث عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، فلما انصرف، أومأ إلينا بيده، فجلسنا فقال: «حديث : إن الله تعالى أمرني أن آمركم أن تتقوا الله، وتقولوا قولاً سديداً» تفسير : ثم أتى النساء فقال: «حديث : إن الله أمرني أن آمركن أن تتقين الله، وتقلن قولاً سديداً».تفسير : وقال ابن أبي الدنيا في كتاب "التقوى": حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزهري، حدثنا عيسى بن سبرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر إلا سمعته يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} الآية، غريب جداً، وروى من حديث عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن محمد ابن كعب عن ابن عباس موقوفاً: من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله، قال عكرمة: القول السديد: لا إله إلا الله. وقال غيره: السديد: الصدق. وقال مجاهد: هو السداد. وقال غيره: هو الصواب. والكل حق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجِيهاً يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } صواباً.
الماوردي
تفسير : قوله: {َوَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} فيه ستة تأويلات: أحدها: عدلاً، قاله السدي. الثاني: صدقاً، قاله قتادة. الثالث: صواباً، قاله ابن عيسى. الرابع: هو قول لا إله إلا الله، قاله عكرمة. الخامس: هو الذي يوافق ظاهره باطنه. السادس: أنه ما أريد به وجه الله دون غيره. ويحتمل سابعاً: أن يكون الإصلاح بين المتشاجرين وهو مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض. {يُصْلِحُ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: يصلحها بالقبول. الثاني: بالتوفيق.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَدِيداً} عدلاً، أو صدقاً، أو صواباً أو قول لا إله إلا الله، أو يوافق باطنه ظاهره، أو ما أريد به وجه الله ـ تعالى ـ دون غيره.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، ثم قال "حديث : على مكانكم اثبتوا، ثم أتى الرجال فقال: إن الله أمرني أن آمركم أن تتقوا الله، وأن تقولوا قولاً سديداً، ثم أتى النساء فقال: إن الله أمرني أن آمركن أن تتقين الله، وأن تقلن قولاً سديداً ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وأبو داود في المراسيل عن عروة رضي الله عنه قال: أكثر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول {اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً} . وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر إلا سمعته يقول {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً}. وأخرج سمويه في فوائده عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب الناس أو علمهم لا يدع هذه الآية أن يتلوها {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً} إلى قوله {فقد فاز فوزاً عظيماً} . وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: ما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المنبر قط إلا تلا هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً} . وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {قولاً سديداً} قال: قولاً عدلاً حقاً. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول حمزة بن عبد المطلب: شعر : أمين على ما استودع الله قلبه فإن قال قولاً كان فيه مسددا تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله {وقولوا قولاً سديداً} قال: صدقاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {قولاً سديداً} قال: عدلاً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {قولاً سديداً} قال: سداداً. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {وقولوا قولاً سديداً} قال: قولوا لا إله إلا الله. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وقولوا قولاً سديداً} قال: قولوا لا إله إلا الله...
السلمي
تفسير : قال الواسطى رحمة الله عليه: التقوى على أربعة أوجه: للعامة تقوى الشرك وللخاصة تقوى المعاصى، وللخاص من الأولياء تقوى الشرك من الأفعال، والأنبياء تقواهم منه إليه. قال بعضهم: القول السديد ما أريد به وجه الله لا غيره.
القشيري
تفسير : القول السديد كلمةُ الإخلاص، وهي الشهادتان عن ضميرٍ صادق. ويقال سدادُ أقوالِكم سدادُ أعمالِكم، ولقد هَوَّن عليكم الأمرَ فَمَنْ رضي بالقالة - وهي الشهادة بأن تَرَك الشِّرْك - وقالها بِصِدْقٍ أصلح اللَّهُ له أعمالَه الدنيوية من الخَلَل، وغَفَرَ له في الآخرة الزَّلَل؛ أي حصلت له سعادةُ الدارين. ويقال ذَكَرَ {أَعْمَالَكُمْ} بالجمع، وقدَّمها على الغُفران؛ لأنه ما يُصْلِح لك في حالِكَ أعمالَكَ وإِنْ لم يَكْفِكَ ما أَهَمَّكَ من أشغالك.. لم تتفرغْ إلى حديث آخِرَتِكَ.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله} فى رعاية حقوقه وحقوق عباده فمن الاول الامتثال لامره ومن الثانى ترك الاذى لا سيما فى حق رسوله. قال الواسطى التقوى على اربعة اوجه. للعامة تقوى الشرك. وللخاصة تقوى المعاصى. وللخاص من الاولياء تقوى التوصل بالافعال. وللانبياء تقواهم منه اليه {وقولوا} فى أى شأن من الشؤون {قولا سديدا} مستقيما مائلا الى الحق من سد يسد سدادا صار صوابا ومستقيما فان السداد الاستقامة يقال سدد السهو نحو الرمية اذا لم يعدل به عن سمتها وخص القول الصدق بالذكر وهو ما اريد به وجه الله ليس فيه شائبة غير وكذب اصلا لان التقوى صيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل او ترك فلا يدخل فيها. وقال بعضهم القول السديد داخل فى التقوى وتخصيصه اعظم اركانها. قال الكاشفى [قول جامع درين باب آنست كه قول سديد سخنست كه صدق باشد نه كذب وصواب بود نه خطا وجد بود نه هزل جنين سخن كوييد] والمراد نهيهم عن ضده اى عما خاضوا فيه من حديث زينب الجائر عن العدل والقصد: يعنى [دروغ مكوييد وناراستى درسخن جون حديث افك] وقصة زينب وبعثهم على ان يسددوا قولهم فى كل باب لان حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله ـ حكى ـ ان يعقوب بن اسحاق المعروف بابن السكيت من اكابر علماء العربية جلس يوما مع المتوكل فجاء المعتز والمؤيد ابنا المتوكل فقال ايما احب اليك ابناى ام الحسن والحسين قال والله ان قنبرا خادم على رضى الله عنه خير منك ومن ابنيك فقال سلوا لسانه من قفاه ففعلوا فمات تلك الليلة ومن العجب انه انشد قبل ذلك للمعتز والمؤيد وكان يعلمهما فقال شعر : يصاب الفتى من عثرة بلسانه وليس يصاب المرء من عثرة الرجل فعثرته فى القول تذهب رأسه وعثرته فى الرجل تبرا على مهل
الطوسي
تفسير : امر الله تعالى المصدقين بوحدانيته المقرين بنبوة نبيه بأن يتقوا عقابه باجتناب معاصيه وفعل واجباته وأن يقولوا {قولاً سديداً} أي صواباً بريئاً من الفساد خالصاً من شائب الكذب والتمويه واللغو. وقوله {يصلح لكم أعمالكم} جزم بأنه جواب للأمر، وفيه معنى الجزاء. وتقديره: إن فعلتم ما امرتكم به يصلح لكم اعمالكم. وإصلاحه أعمال العباد أن يلطف لهم فيها حتى تستقيم على الطريقة السليمة من الفساد، وذلك مما لا يصح إلا في صفات الله تعالى، لانه القادر الذي لا يعجزه شيء العالم الذي لا يخفى عليه شيء {ويغفر لكم ذنوبكم} قيل: إنما وعد الله بغفران الذنوب عند القول السديد، ولم يذكر التوبة، لأن التوبة داخلة في الاقوال السديدة، كما يدخل فيه تجنب الكذب في كل الأمور فيدخل فيه الدعاء إلى الحق وترك الكفر والهزل واجتناب الكلام القبيح. ثم قال {ومن يطع الله ورسوله} في ما أمراه به ونهياه عنه ودعواه اليه {فقد فاز فوزاً عظيماً} أي افلح فلاحاً عظيماً، لأنه يفوز بالجنة، والثواب الدائم. وقيل: معناه فقد ظفر بالكرامة من الله والرضوان، وهو الفوز العظيم. ثم اخبر تعالى بأنه عرض الأمانة على السموات والأرض، فالامانة هي العقد الذي يلزم الوفاء به مما من شأنه أن يؤتمن على صاحبه، وقد عظم الله شأن الأمانة في هذه الآية وأمر بالوفاء بها، وهو الذي امر به في اول سورة المائدة وعناه بقوله {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} وقيل في قوله {عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال} مع أن هذه الاشياء جمادات لا يصح تكليفها أقوال: احدها - ان المراد عرضنا على اهل السموات واهل الارض واهل الجبال. وثانيها - ان المعني في ذلك تفخيم شأن الأمانة وتعظيم حقها، وأن من عظم منزلتها انها لو عرضت على الجبال والسموات والأرض مع عظمها، وكانت تعلم بأمرها لأشفقت منها، غير انه خرج مخرج الواقع لانه ابلغ من المقدر، وقوله {فأبين أن يحملنها} أي منعن ان يحملن الأمانة {وأشفقن منها} أي خفن من حملها {وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} أي ظلوماً لنفسه بارتكاب المعاصي، جهولا بموضع الامانة واستحقاق العقاب على ارتكاب المعاصي وقال ابن عباس: معنى الأمانة الطاعة لله، وقيل لها أمانة لأن العبد اؤتمن عليها بالتمكين منها ومن تركها. وقال تعالى {أية : ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}تفسير : فرغب في الأحسن، وزهد في تركه. وقيل: من الأمانة ان المرأة اؤتمنت على فرجها والرجل على فرجه ان يحفظاهما من الفاحشة. وقيل: الامانة ما خلق الله تعالى في هذه الاشياء من الدلائل على ربوبيته وظهور ذلك منها، كأنهم أظهروها والانسان جحد ذلك وكفر به. وفائدة هذا العرض إظهار ما يجب من حفظها وعظم المعصية في تضييعها. وقيل معنى {حملها الإنسان} أي خانها، لأن من خان الأمانة فقد حملها وكذلك كل من اثم فقد حمل الاثم، كما قال تعالى {أية : وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم}تفسير : وقال البلخي: يجوز ان يكون معنى العرض والاباء ليس هو ما يفهم بظاهر الكلام، بل انما أراد تعالى أن يخبر بعظم شأن الامانة وجلالة قدرها، وفظاعة خيانتها وترك ادائها، وانه اوجد السموات مع عظمها لا تحملها وإن الانسان حملها، وليس الانسان - ها هنا - واحداً بعينه، ولا هو المطيع المؤمن، بل هو كل من خان الأمانة ولم يرد الحق فيها، وحمل الانسان الأمانة هو ضمانة القيام بها وإداء الحق فيها، لان ذلك طاعة منه لله، واتباع لأمره والله لا يعتب على طاعته وما امر به ودعا اليه لكن معنى {حملها} انه احتملها ثم خانها ولم يؤد الحق فيها، كأنه حملها فذهب بها واحتمل وزرها، كما يقولون فلان أكل امانته أي خان فيها، والعرب تقول: سألت الربع، وخاطبت الدار فأجابني بكذا، وقالت كذا، وربما قالوا: فلم يجب، وامتنعت من الجواب. وليس هناك سؤال ولا جواب، وإنما هو اخبار عن الحال التي تدل عليه، وعبر عنه بذكر السؤال والجواب، كما قال تعالى {ائتيا طوعاً أو كرهاً} للسموات والارض {أية : قالتا أتينا طائعين}تفسير : وهو تعالى لا يخاطب من لا يفهم ولا يعقل، وقال تعالى: {أية : لقد جئتم شيئاً إدّا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً} تفسير : ونحن نعلم ان السموات لم تشعر بما كان من الكفار وانه لا سبيل لها إلى الانفطار في ذات نفسها، ويقول القائل أتيت بكذب لا تحتمله الجبال الراسيات، قال الشاعر: شعر : فقال لي البحر إذ جئته كيف يجيز ضرير ضريرا تفسير : وقال جرير: شعر : لما اتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : وقال آخر: شعر : فاجهشت للتوباد حين رأيته وكبر للرحمن حين رآني فقلت له أين الذين عهدتهم بجنبيك في حضن وطيب زمان فقال مضوا فاستودعوني بلادهم ومن ذا الذي يبقى على الحدثان تفسير : والتوباد جبل، وقال آخر: شعر : امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويداً قد ملأت بطني تفسير : وقال بعض المحدثين: شعر : يا قصر ويحك هل اوعيت من خبر فقال هل خبر أنبأ من العبر قد كان يسكنني قوم ذو خطر بادوا على الدهر والأيام والغير وقد أتاني وقرب العهد يذكرني منصور أمتكم في الشوك والشجر حتى أناخ على بابي فقلت له أما كفاك الذي نبئت من خبري إن لا اكن قلته نطقاً فقد كتبت به الحوادث في صخري وفي حجري خطاً قديماً جليلاً غير ذي عوج يقرأ بكل لسان ظاهر الأثر فحلني ثم أفناه الزمان ولم يطق دفاعاً لما قد حم من قدر وكلهم قائل لي أنت لي ولمن خلفت من ولدي حظراً على البشر فما تملى بنو الآباء بعدهم ولا هم سكنوا إلا على غرر تفسير : وقد قال بعض الحكماء: سل الارض من شق انهارك وغرس اشجارك وجنى ثمارك؟ فان لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً، والعرض على وجوه يقال: عرضت المال والعمل على فلان، فهذا بالقول والخطاب، وعرضت هذا الأمر على فكري البارحة، وهذا أمر إن عرض على العقول لم تقبله، ومنه قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون عرضت الحوض على الناقة و (الاباء) على وجوه: فمنه الامتناع وإن لم يكن قصد لذلك، ومنه ألا يصلح لما يريده، تقول: أردت سل سيفي فأبى علي. وتقول: هذه الأرض تأبى الزرع والغرس أي لا تصلح لهما، فعلى هذا يكون معنى قوله {فأبين أن يحملنها} أي لا تصلح لحملها، وليس في طباعها حمل ذلك، لانه لا يصلح لحمل الأمانة إلا من كان حياً عالماً قادراً سميعاً بصيراً. بل لا يلزم أن يكون سميعاً بصيراً، وإنما يكفي ان يكون حياً عالماً قادراً. وقال قوم: معناه إنا عرضنا الأمانة على أهل السموات وأهل الارض واهل الجبال، كما قال {أية : فما بكت عليهم السماء والأرض}تفسير : يعني اهل السماء واهل الارض، فأبوا حملها على أن يؤدوا حق الله فيها إشفاقاً من التقصير في ذلك {وحملها الإنسان} يعني الكافر جهلا بحق الله واستخفافاً بعرضه {إنه كان ظلوماً} لنفسه {جهولاً} بما يلزمه القيام بحق الله، وإنما قال {فأبين} ولم يقل: فأبوا حملا على اللفظ، ولم يرده إلى معنى الآدميين، كما قال {أية : والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} تفسير : وقوله {أية : فظلت أعناقهم لها خاضعين} تفسير : حملا على المعنى دون اللفظ، وكل ذلك واضح بحمد الله. ثم قال {ليعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} يعني بتضييع الأمانة، وقال الحسن وقتادة: كلاهما خانا الأمانة {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} بحفظهما الأمانة لانهما كليهما أديا الأمانة {وكان الله غفوراً رحيماً} أي ستاراً لعيوب خلقه رحيماً بهم في اسقاط عقابهم إذا تابوا ورجعوا إلى الطاعة.
الجنابذي
تفسير : لمّا نهى المؤمنين عن ايذاء الرّسول (ص) بنسبة ما لا يليق به اليه من انّه يريد ان يجعل ابن عمّه اميراً علينا، او ليس ما يقوله فى حقّ علىّ (ع) من الله تعالى او امثال ذلك اراد ان يأمرهم بان يقولوا قولاً صدقاً لا شوب بطلان فيه ولا يتولّد منه شينٌ على القائل او المقول فيه او احد من المؤمنين ولا يكون فيه اذى احد من المؤمنين.
الأعقم
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} أي اتقوا ما نهاكم عنه أو اتقوا عذابه {وقولوا قولاً سديداً} أي قصداً حقاً، قيل: صواباً، وقيل: عدلاً، وقيل: قول لا إله إلا الله {يصلح لكم أعمالكم} قيل: يقبلها لكم ويثيبكم عليها {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} {إنا عرضنا الأمانة} اختلفوا في الأمانة قيل: الطاعة لله، وقيل: الفرائض وحدود الدين، وقيل: ما أمر به ونهى عنه، وقيل: ما يخفى من الشرائع كالصوم والاغتسال ونحوه، وقيل: هي أمانات الوفاء بالعقود والعهود عن ابن عباس، واختلفوا في معنى الآية قيل: إنا عرضنا الأمانة أي العبادات والتكاليف بما في أدائها من الثواب وفي تضييعها من العقاب {على السماوات والأرض} أهل السماوات والأرض والجبال كقوله: {أية : واسأل القرية} تفسير : [يوسف: 82] وأهل السماء الملائكة، وأهل الأرض والجبال الجن والإِنس {فأبين أن يحملنها} أي امتنعوا أن يخونوا فيها، والمراد يحملن تضييع الأمانة {وأشفقن} من ذلك {وحملها الإِنسان} بالتضييع فتركها وخانها بالتضييع عن أبي علي، وقيل: هذا على التقدير، أي لو كانت السماوات والأرض والجبال مع عظمها حية قادرة عالمة ثم عرضت عليها هذه الأمانة بما فيها من الوعد والوعيد عرض تخيير خافت حملها لما فيه من الوعيد {وحملها الإِنسان} ولم يخف الوعيد لحمله وظلمه، وعلى هذا الحمل ما روي عن ابن عباس أنها عرضت على السماوات فأبت وأشفقت {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} بتضييع الأمانة والتوحيد {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً} لمن تاب وأصلح.
الهواري
تفسير : قوله: {يَآ أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} أي: عدلاً، وهو لا إله إلا الله {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي: لا يقبل العمل إلا ممن قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه، ولا يقبل القول إلا ممن عمل صالحاً، أي: لا يقبل ممن ينقص الإِيمان، لأن الإِيمان قول وعمل. قال: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي: بالقول والعمل {فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} وهي النجاة العظيمة من النار إلى الجنة. قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}. قال بعضهم: عرض عليهن الطاعة والمعصية، والثواب والعقاب. وقال الكلبي: إنه عرض العبادة على السماوات والأرض والجبال ليأخذنها بما فيها. قلن: وما فيها؟ قيل: إن أحسنتن جوزيتن، وإن أسأتن عوقبتن. فأبين أن يحملنها، وعرضها على الإِنسان، والإِنسان آدم، فقبلها. ذكر إبراهيم بن محمد عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال: الأمانة التي حملها ابن آدم: الصلاة والصوم والغسل من الجنابة. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قال الله: ثلاث من حفظهن فهو عبدي حقاً، ومن ضيعهن فهو عدوي حقاً: الصلاة والصوم والغسل من الجنابة . تفسير : ذكروا عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ائتمن ابن آدم على ثلاثة: على الصلاة، ولو شاء قال: صليت [ولم يصل]، وعلى الصيام، ولو شاء قال: صمت [ولم يصم]، وعلى الغسل من الجنابة، ولو شاء قال: قد اغتسلت [ولم يغتسل] تفسير : قال: ثم تلا هذه الآية: (أية : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ) تفسير : [الطارق: 9]. قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً} أي: لنفسه {جَهُولاً} بدينه؛ وهذا المشرك. قوله: {لِّيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} أهل الإِقرار بالله والنبي من أهل التضييع للأعمال والخيانة للأمانة، وهي الدين. {وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} أهل المساواة والإِنكار والجحود. ذكروا عن الحسن أنه قرأ هذه الآية: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ...} إلى قوله: {وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً لِّيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} فقال: هما والله اللذان ظلماها، وهما اللذان خاناها: المنافق والمشرك. قال تعالى: {وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أهل الصدق والوفاء في الأعمال. {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً} أي: لمن تاب إليه من شركه ونفاقه {رَّحِيماً} أي: بالمؤمنين؛ فبرحمته يدخلهم الجنة.
اطفيش
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} في القول والفعل والاعتقاد. {وقولوا قولا سديدا} عدلا وصوابا لا خطأ كحديث زينب وسداد القول رأس الخير كله وقيل القول القول السديد لا اله الا الله وهو قول عكرمة {يصلح لكم أعمالكم} قال ابن عباس يتقبل حسناتكم وقيل يصلح اعمالكم بالقبول والاثابة وهو معنى قول ابن عباس وقيل يوفقكم للاعمال الصالحة. {ويغفر لكم ذنوبكم} بالتوبة والاستقامة قولا وعملا. {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} يكون رجلا من اهل الجنة واهل رضي الله يمشي على وجه الأرض وقد ظفر بمطلوبه وما درى الا ما يطمع.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الذين آمنوا اتقوا الله} فى كل ما تفعلون أو تتركون، فلا تؤذوا حبيبه صلى الله عليه وسلم {وقولوا} فى حقه {قَولا سَديداً} مصيبا للحق، مخالفا لقولكم فيه وفى زينب وفى زيد، وقيل لا إله إلا الله، وقيل ما يوافق ظاهره باطنه، وقيل ما فيه صلاح، والظاهر الأول، لأن الكلام فى النهى عن الإيذاء، ولو كان يحتمل أن الخطاب لمن ضعف إيمانه فيأمره باخلاص لا إله إلا الله، وكذا يجب القول السديد فى حق غير موسى، ويجتنب السفه مطلقا ومن السفه قول بعض أهل هذه البلد كذا وكذا، مثل ذكر فى أنثى ويريدون ذكرا فى فرج أنثى يقولون ذلك تارة، ولو فى المسجد بحضرة من يستحيى منه، ويقولونه مطلقا وهو لفظ فحش
الالوسي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في كل ما تأتون وتذرون لا سيما في ارتكاب ما يكرهه تعالى فضلاً عما يؤذي رسوله وحبيبه صلى الله عليه وسلم {وَقُولُواْ } في كل شأن من الشؤن {قَوْلاً سَدِيداً } قاصداً ومتوجهاً إلى هدف الحق من سد يسد بكسر السين سداداً بفتحها يقال سدد سهمه إذا وجهه للغرض المرمي ولم يعدل به عن سمته، والمراد على ما قيل نهيهم عن ضد هذا القول وهو القول الذي ليس بسديد ويدخل فيه ما صدر منهم في قصة زينب من القول الجائر عن العدل والقصد وكذا كل قول يؤذيه عليه الصلاة والسلام، وعن مقاتل وقتادة أن المعنى وقولوا قولاً سديداً في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام وزيد وزينب، وعن ابن عباس وعكرمة تخصيص القول السديد بلا إله إلا الله، وقيل: هو ما يوافق ظاهره باطنه، وقيل: ما فيه إصلاح، ولعل ما أشرنا إليه هو الأولى.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن نهى الله المسلمين عما يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ورَبأَ بِهم عن أن يكونوا مثل الذين آذوا رسولهم، وجه إليهم بعد ذلك نداء بأن يتَّسِموا بالتقوى وسداد القول لأن فائدة النهي عن المناكر التلبّسُ بالمحامد، والتقوى جماع الخير في العمل والقول. والقول السديد مبثّ الفضائل. وابتداء الكلام بنداء الذين آمنوا للاهتمام به واستجلاب الإِصغاء إليه. ونداؤهم بالذين آمنوا لما فيه من الإِيماء يقتضي ما سيؤمرون به. ففيه تعريض بأن الذين يصدر منهم ما يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم قصداً ليسوا من المؤمنين في باطن الأمر ولكنهم منافقون، وتقديم الأمر بالتقوى مشعر بأن ما سيؤمرون به من سديد القول هو من شُعَب التقوى كما هو من شعب الإِيمان. والقول: الكلام الذي يصدر من فم الإِنسان يعبر عما في نفسه. والسديد: الذي يوافق السداد. والسداد: الصواب والحقُ ومنه تسديد السهم نحو الرمية، أي عدم العدول به عن سمْتها بحيث إذا اندفع أصابها، فشمل القولُ السديد الأقوال الواجبة والأقوال الصالحة النافعة مثل ابتداء السلام وقول المؤمن للمؤمن الذي يحبّه: إني أحبك. والقول يكون باباً عظيماً من أبواب الخير ويكون كذلك من أبواب الشر. وفي الحديث: "حديث : وهل يَكُبّ الناس في النار على وجوههم إلاّ حصَائِد ألسنتهم"تفسير : ، وفي الحديث الآخر: "حديث : رحم الله امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم"تفسير : ، وفي الحديث الآخر: "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" تفسير : . ويشمل القولُ السديد ما هو تعبير عن إرشاد من أقوال الأنبياء والعلماء والحكماء، وما هو تبليغ لإِرشاد غيره من مأثور أقوال الأنبياء والعلماء. فقراءة القرآن على الناس من القول السديد، ورواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من القول السديد. وفي الحديث: "حديث : نضَّر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها" تفسير : وكذلك نشر أقوال الصحابة والحكماء وأيمة الفقه. ومن القول السديد تمجيد الله والثناء عليه مثل التسبيح. ومن القول السديد الأذان والإِقامةُ قال تعالى: {أية : إليه يصعد الكلم الطيب}تفسير : في سورة فاطر [10]. فبالقول السديد تشيع الفضائل والحقائق بين الناس فيرغبون في التخلق بها، وبالقول السيّئ تشيع الضلالات والتمويهات فيغتر الناس بها ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً. والقول السديد يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولما في التقوى والقولِ السديد من وسائل الصلاح جُعل للآتي بهما جزاءٌ بإِصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب. وهو نشر على عكس اللف، فإصلاح الأعمال جزاء على القول السديد لأن أكثر ما يفيده القول السديد إرشاد الناس إلى الصلاح أو اقتداء الناس بصاحب القول السديد. وغفرانُ الذنوب جزاء على التقوى لأن عمود التقوى اجتناب الكبائر وقد غفر الله للناس الصغائر باجتناب الكبائر وغفر لهم الكبائر بالتوبة، والتحولُ عن المعاصي بعدَ الهمّ بها ضرب من مغفرتها. ثم إن ضميري جمع المخاطب لما كان عائدين على الذين آمنوا كانا عامَّيْن لكل المؤمنين في عموم الأزمان سواء كانت الأعمال أعمال القائلين قولاً سديداً أو أعمال غيرهم من المؤمنين الذين يسمعون أقوالهم فإنهم لا يخلون من فريق يتأثر بذلك القول فيعملون بما يقتضيه على تفاوت بين العاملين، وبحسب ذلك التفاوت يتفاوت صلاح أعمال القائلين قولاً سديداً والعاملين به من سامعيه، وكذلك أعمال الذي قال القول السديد في وقت سماعه قولَ غيره. وفي الحديث: "فَرَّب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، فظهر أن إصلاح الأعمال متفاوت وكيفما كان فإن صلاح المعمول من آثار سداد القول، وكذلك التقوى تكون سبباً لمغفرة ذنوب المتقي ومغفرة ذنوب غيره لأن من التقوى الانكفاف عن مشاركة أهل المعاصي في معاصيهم فيحصل بذلك انكفاف كثير منهم عن معاصيهم تأسياً أو حياء فتتعطل بعض المعاصي، وذلك ضرب من الغفران فإن اقتدى فاهتدى فالأمر أجدر. وذكر {لكم} مع فعلي {يصلح - ويَغفر} للدلالة على العناية بالمتقين أصحاب القول السديد كما في قوله تعالى: {أية : ألم نشرح لك صدرك} تفسير : [الشرح: 1]. وجملة {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} عطف على جملة {يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم} أي وتفوزوا فوزاً عظيماً إذا أطعتم الله بامتثال أمره. وإنما صيغت الجملة في صيغة الشرط وجوابه لإِفادة العموم في المطيعين وأنواع الطاعات فصارت الجملة بهذين العمومين في قوة التذييل. وهذا نسج بديع من نظم الكلام وهو إفادة غرضين بجملة واحدة.
القطان
تفسير : قولا سديدا: قول الحق والصدق. عرضنا الأمانة: عرضنا التكاليف. أشفقن منها: خفن منها. حَمَلها الانسان: كان مستعدا لها. ظلوما: جهولا، كثير الجهل. لقد امر الله المؤمنين في ختام هذه السورة ان يصدُقوا في قولهم ويتقوا الله في عملهم وبذلك تصلح اعمالهم، ويغفر الله لهم ذنوبهم، ويبين لهم ان من يطع الله ورسوله فسوف يفوز فوزا عظيما. ثم ختم السورة بتعظيم امر الأمانة، وضخامة تبعتها، وما فيها من تكاليف شاقة وان السماوات والأرض والجبال اشفقن منها، وان هذا الانسان الضعيف حملها وكان مستعداً لها وقام بأعبائها، انه كان شديد الظلم لنفسه، جهولا بما يطيق حمله، وهو على ما هو عليه من الضعف وضغط الشهوات والميول والنزعات وقلة العلم، وقصر العمر. ثم بين عاقبة تلك الامانة وما فيها من تكاليف فقال: {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ} وكان عاقبة حمل الانسان لهذه الامانة ان يعذِّب الله من خانها وأبى الطاعة والانقياد لها، ويقبل توبة المؤمنين والمؤمنات، والله كثير المغفرة واسع الرحمة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (70) - يَا أَيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَقُولُوا فِي المُؤْمِنينَ قَوْلاً حَقّاً لاَ بَاطِلَ فيهِ، وَلا جَوْرَ عَنِ الصَوَابِ. قَوْلاً سَدِيداً - صَوَاباً وَصِدْقاً أَوْ قَاصِداً إِلى الحَقِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أن تكلمنا عن معنى التقوى، وهي أن تجعل بينك وبين الله وقاية، فالحق سبحانه له صفاتُ جمالٍ، وصفات جلال: صفات الجمال الفضل والرأفة والمغفرة والغِنَى والنفع .. إلخ وصفات الجلال: الجبار المنتقم ذو البطش .. إلخ فالتقوى أنْ تجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية تقيك منها لأنك لستَ مطيقاً لبطش الله وانتقامه. ومع ذلك يقول أحد العارفين: احرص على معيتك مع الله، نعم لأنك حين تجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية تقترب من صفات الجمال. أما إذا اشتبه عليك قوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..} تفسير : [المائدة: 112] وقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ..} تفسير : [آل عمران: 131] فاعلم أن النار جند من جنود غضب الله، فمن يتقي اللهَ يتقي النارَ، فلا تعارضَ إذن. ومعنى: {وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} [الأحزاب: 70] أي: قولاً صادقاً يُوصل للحق، وكلمة سديد من سداد السهم، حين يصيب هدفه ولا يُخْطئه، وهدفك أن تنعم بذات الله في الآخرة، وأنْ تنفض الأسباب التي في الدنيا، وتعيش مع المسبِّب سبحانه. فأنت في الدنيا حين تريد أن تأكل مثلاً انظر إلى الطعام الذي أُعِدَّ لك، كم أخذ من وقت وإمكانات وأموال .. إلخ، أما في الآخرة، فمجرد أنْ يخطر الشيء على بالك تجده بين يديك، إذن: هذه معية يجب أنْ تحرص عليها كلَّ الحرص. ثم يذكر لنا الحق سبحانه نتيجة القول السديد {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 71] أي: في الآخرة، ووصف الفوز بأنه عظيم؛ لأنك في الدنيا تأخذ عطاء الله بأسباب الله، أما في الآخرة فتأخذ عطاء الله من ذات الله، وليس هناك أعظم من هذا. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {قَوْلاً سَدِيداً} معناه قاصدٌ، وهو قَولُ لاَ إله إلاّ الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى المؤمنين بتقواه، في جميع أحوالهم، في السر والعلانية، ويخص منها، ويندب للقول السديد، وهو القول الموافق للصواب، أو المقارب له، عند تعذر اليقين، من قراءة، وذكر، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتعلم علم وتعليمه، والحرص على إصابة الصواب، في المسائل العلمية، وسلوك كل طريق يوصل لذلك، وكل وسيلة تعين عليه. ومن القول السديد، لين الكلام ولطفه، في مخاطبة الأنام، والقول المتضمن للنصح والإشارة، بما هو الأصلح. ثم ذكر ما يترتب على تقواه، وقول القول السديد فقال: { يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } أي: يكون ذلك سببًا لصلاحها، وطريقًا لقبولها، لأن استعمال التقوى، تتقبل به الأعمال كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }. تفسير : ويوفق فيه الإنسان للعمل الصالح، ويصلح اللّه الأعمال [أيضًا] بحفظها عما يفسدها، وحفظ ثوابها ومضاعفته، كما أن الإخلال بالتقوى، والقول السديد سبب لفساد الأعمال، وعدم قبولها، وعدم تَرَتُّبِ آثارها عليها. { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } أيضًا { ذُنُوبَكُمْ } التي هي السبب في هلاككم، فالتقوى تستقيم بها الأمور، ويندفع بها كل محذور ولهذا قال: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):